وَإنْ وَصَّى لَهُ بِقَوْسٍ، وَلَهُ أَقْوَاسٌ لِلرَّمْي وَالْبُنْدُقِ وَالنَّدْفِ، فَلَهُ قَوْسُ النُّشَّابِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُهَا، إلَّا أنْ تَقْتَرِنَ بِهِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى
حَصَلَت في أَيدِيهم بغيرِ فِعْلِهم.
وإن قَتَلَهم قاتِلٌ، فللمُوصَى له قِيمَةُ أحَدِهم، مَبْنِيًّا على الرِّوايَتَين في مَن يَسْتَحِقُّه منهم في الحَياةِ، إمّا قِيمَة أحَدِهِم بالقرْعَةِ، أو قِيمَةُ مَن يَخْتارُه الورثةُ؛ لأنَّه بَدَلٌ عَمّا وَجَب له.
2719 -
مسألة: (وإن وَصَّى له بقَوْسٍ، وله أقْواسٌ للرَّمْي والبُنْدُقِ والنَّدْفِ
1، فله قَوْسُ النُّشَّابِ، لأنَّه أظْهَرها، إلَّا أن تَقْتَرِنَ به
غَيرِهِ.
وَعِنْدِ أَبِي الْخَطَّابِ، لَهُ واحِدٌ مِنْهَا، كَالْوَصِيَّةِ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ.
قَرِينَةٌ تَصْرِفُه إلى غيرِه وعندَ أبي الخَطّابِ، له أحَدُهم) بالقُرْعَةِ (كالوصيةِ بعَبْدٍ مِن عَبِيدِه) إذا وَصَّى له بقَوْسٍ، صَحَّتِ الوصيةُ؛ لأنَّ فيه مَنْفَعَةً مُباحَةً، سواءٌ كان قَوْسَ نُشّابٍ، وهو الفارِسِيُّ، أو نَبْلٍ، وهو العَرَبِيُّ، أو قَوْسًا بمَجْرَى 1، أو قَوْسَ جُوخٍ 2، أو نَدْفٍ، أو بُنْدُقٍ.
فإن لم يكنْ له إلَّا قَوْسٌ واحِدٌ مِن هذه القِسِيِّ، تَعَيَّنتِ الوصيةُ فيه.
وإن كانت له جَمِيعُها، وكان في لَفْظِه أو حالِه قَرِينَةٌ تَصْرِفُه إلى أحَدِها، انْصَرَفَ إليه، مثلَ أن يقولَ: قَوسٌ يَنْدِفُ به.
أو: يَتَعَيَّشُ به.
أو نحوَ ذلك، فهذا يَصْرِفُه إلى قَوْسِ النَّدْفِ.
وإن قال: قَوْسٌ يَغْزُو به.
خَرَجَ منه قَوْسُ النَّدْفِ والبُنْدُقِ.
وإن كان المُوصَى له نَدّافًا لا عَادَةَ له بالرَّمْي، أو بُنْدُقَانِيًّا
..................................
لا عادَةَ له بالرَّمْي بشيءٍ سِواه، أو يَرْمِي بقَوْسٍ غيره ولا يرَمِي بسِواه، انْصَرَفَتِ الوصيةُ إلى القَوْسِ الذي يَسْتَعْمِلُه عادةً؛ لأنَّ ظاهِرَ حالِ المُوصِي أنَّه قَصَد نَفْعَه بما جَرَتْ عادَتُه بالانْتِفاعِ به.
فإنِ انْتَفَتِ القَرائِنُ، فاخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه يَأْخُذُ أحَدَها بالقُرْعَةِ، كالوصيةِ بعبدٍ مِن عَبِيدِه، أو يُعْطِيه الورثةُ ما يَخْتارُونَه؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَتَناوَلُ جَمِيعَها.
قال شيخُنا 1: والصحيحُ أنَّ وصيتَه لا تَتناوَلُ قَوْسَ النَّدْفِ، ولا البُنْدُقِ، ولا العَرَبيَّة في بَلَدٍ لا عادَةَ لهم بالرَّمي بها.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّه لم يَذْكُرِ العربيَّةَ.
ويَكونُ له واحدٌ ممّا عدا هذه؛ لأنَّ هذه لا يُطْلَقُ عليها اسمُ القَوْسِ في العادَةِ مِن غيرِ أهْلِها حتَّى يُضِيفَها فيقولَ: قَوْسُ القُطْنِ،
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِكَلْبٍ أَوْ طَبْلٍ، وَلَهُ مِنْهَا مُبَاحٌ وَمُحَرَّمٌ، انْصَرَفَ إِلَى الْمُبَاحِ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلا مُحَرَّمٌ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ.
أو النَّدْفِ، أو البُنْدُقِ.
وأما العربيةُ فلا يَتعارَفُها غيرُ طائِفَةٍ مِن العَرَب، فلا يَخْطُرُ ببالِ المُوصِي غالِبًا، ويُعْطَى القَوْسَ مَعْمُولَةً؛ لأنَّها لا تُسَمَّى قَوْسًا إلَّا كذلك.
ولا يَسْتَحِقُّ وتَرَها؛ لأنَّ الاسمَ يَقَعُ عليها دُونَه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُعْطاها بوَتَرِها؛ لأنَّها لا يُنْتَفَعُ بها إلَّا به، فكان كجُزْءٍ مِن أجْزائِها.
2720 -
مسألة: وإن وَصَّى له بطبْلِ حَرْبٍ، صَحَّتِ الوصيةُ به؛ لأنَّ فيه مَنْفَعَةً مُباحَةً.
وإن كان بطَبْلِ لَهْوٍ لا يَصْلُحُ إلَّا للَّهْو، لم تَصِحَّ؛ لعَدَمِ المَنْفَعَةِ المُباحَةِ.
فإن كان إذا فُصِل صَلَح للحَرْبِ، لم تَصِحَّ الوصيةُ به أَيضًا؛ لأن مَنْفَعَتَه في الحال مَعْدُومَةٌ.
فإن كان يَصْلُحُ لهما، صَحَّتِ الوصيةُ به؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ قائِمةَ به.
وإن وَصَّى له بطبْلٍ، وأطْلَقَ، وله طَبْلانِ تَصِحُّ الوصيةُ بأحَدِهما دُونَ الآخَرِ، انْصَرَفَتِ الوصيةُ إلى الطَّبْلِ
وَتنْفُذُ الْوَصِيّةُ فِيمَا عَلِمَ مِنْ مَالِهِ وَمَا لَمْ يَعْلَمْ.
المُباحِ.
فإن كان له طُبُولٌ تَصِحُّ الوصيةُ بجَمِيعِها، فله أحَدُها بالقُرْعَةِ، أو ما شاء الوَرَثةُ، على اخْتِلافِ الروايَتَين.
وإن وَصَّى بدُفٍّ، صَحَّتِ الوصيةُ به؛ لأنَّ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيه بالدُّفِّ» (1). ولا تَصِحُّ الوصيةُ بمِزْمارٍ، ولا طُنْبُورٍ، ولا عُودِ لَهْوٍ؛ لأنَّها مُحَرَّمةٌ، وسَواءٌ كانت فيها الأوْتَارُ أو لم تَكُنْ؛ لأنَّها مُهَيَّأةٌ لفِعْلِ المَعْصِيَةِ، فأشْبَهَ ما لو كانت فيه الأوْتارُ.
2721 -
مسألة: (وتَنْفُذُ الوصيةُ فيما عَلِم مِن مالِه أو لم يَعْلَم)
وقال مالكٌ: لا تَنْفُذُ إلَّا فيما عَلِم.
وحُكِيَ ذلك عن أبانَ بنِ عُثْمان، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ إلَّا في المُدَبَّرِ، فإنَّه يدخلُ في كلِّ شيءٍ.
ولَنا، أنَّه مِن مالِه فدَخَلَ في وصيتِه، كالمَعْلُومِ، ولأنَّ الوصيةَ بجُزْءٍ مِن مالِه لَفْظٌ عامٌّ، فيَدْخُلُ فيه ما لم يَعْلَمْ به مِن مالِه، كما لو نَذَر الصدقةَ بثُلُثِه.1
وَإِذَا أوْصَى بِثُلُثِهِ فَاسْتَحْدَثَ مَالًا، دَخَلَ ثُلثهُ في الْوَصِيَّةِ.
2722 - مسألة: (وإن وَصَّى بثُلُثِه فاسْتَحْدَثَ مالًا، دَخَل ثُلُثُه في الوصيةِ)
في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
ولا فَرْقَ عندَهم بينَ التِّلادِ 1 والمُسْتَفادِ، في أنَّه يُعْتَبرُ ثُلُثُ الجَمِيعِ.
ومِمَّن قال ذلك؛ النَّخَعِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّه مِن مالِه يَرِثُه وَرَثتُه، تُقْضَى منه دُيُونُه، أشْبَهَ ما مَلَكَه قبلَ الوصيةِ، ولِما ذَكَرْنا في التي قبلَها.
وَإِنْ قُتِلَ وَأُخِذَتْ دِيَتُهُ، فَهَلْ تَدْخُلُ الدِّيَةُ فِي الْوَصِيَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.
2723 - مسألة: (وإن قُتِلَ وأُخِذَتْ دِيَتُه، فهل تَدْخُلُ الدِّيَةُ في الوصيةِ؟ على رِوايَتَين)
إحْداهما، تَدْخُلُ.
قال مُهَنَّا: رُوِيَ عن أحمدَ، في مَن أوْصَى بثُلُثِ مالِه أو جُزْءٍ مُشاعٍ، فقُتِلَ المُوصِي وأُخِذَتْ دِيَتُه، فقال: يَسْتَحِقُّ منها.
ورُوِيَ عن عَلِيٍّ، رَضِيَ الله عنه، في دِيَةِ الخَطَأ مثلُ ذلك.
وهو قولُ الحسنِ، ومالكٍ.
والثانيةُ، لا تَدْخُلُ في وَصِيَّتِه.
نَقَلَها ابنُ مَنْصُورٍ.
ورُوِيَ ذلك عن مَكْحُولٍ، وشَرِيكٍ، وأبي ثَوْرٍ، وداودَ.
وهو قولُ إسحاقَ.
وقاله مالكٌ في دِيَةِ العَمْدِ؛ لأنَّ الدِّيَةَ إنَّما تَجِبُ للورثةِ بعدَ مَوْتِ المُوصِي؛ لأنَّ سَبَبَها المَوْتُ، فلا يجوزُ وُجُوبُها قبلَه؛ لأنَّ الحُكْمَ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولا يجوزُ أن تَجبَ للمَيِّتِ بعدَ مَوْتِه؛ لأنَّه بالمَوْتِ تَزُولُ أمْلاكُه الثّابِتَةُ له، فكيف يَتَجَدَّدُ له مِلْكٌ! فلا تَدْخُلُ
..................................
في الوصيةِ؛ لأنَّ المَيِّتَ إنَّما يُوصِي بجُزْءٍ مِن مالِه لا بمالِ ورثتِه.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنَّ الدِّيَةَ تَجبُ للمَيِّتِ؛ لأنَّها بَدَلُ نَفْسِه، ونَفْسُه له، فكذلك بَدَلُها, ولأنَّ بَدَلَ أَطْرافِه في حَياتِه له، فكذلك بَدَلُ نَفْسِه بعدَ مَوْتِه، ولذلك تُقْضَى منها دُيُونُه، ويُجَهَّزُ منها إن كان قبلَ تَجْهِيزِه، وإنَّما يَحُوزُ وَرَثَتُه مِن أمْلاكِه ما اسْتَغْنَى عنه، فأمّا ما تَعَلَّقَتْ به حاجَتُه فلا.
ولأَنه يجوزُ أن يَتَجَدَّدَ له مِلْكٌ بعدَ المَوْتِ، كمَن نَصَب شَبَكةً فسَقَطَ فيها شيءٌ بعدَ مَوْتِه، فإَّنه يَمْلِكُه بحيثُ تُقْضَى منه دُيُونُه، ويُجَهَّزُ، فكذلك دِيَتُه؛ لأنَّ تَنْفِيذَ وصيَّتِه مِن حاجَتِه، فأشبَهَت قَضاءَ دَينِه.
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِعَبْدٍ لَا يَمْلِكُ غَيرَهُ، قِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَلِآخَرَ بِثُلُثِ الْوَرَثَةِ مِنَ الثُّلُثَينِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فَصْل: وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ الْمُفْرَدَةِ.
2724 - مسألة: (فإن وَصَّى بمُعَيَّنٍ بقَدْرِ نِصْفِ الدَيةِ، فهل الدِّيةُ على الورثةِ مِن الثُّلُثَين؟ على وَجْهَين)
بِناءً على الرِّوايَتَين؛ فعلى الرِّوايةِ الأولَى، تُحْسَبُ الدَيةُ مِن مالِه، فإن كانت وصيته بقَدْرِ نِصْفِ الدِّيةِ أو أقَلَّ منه، نَفَذَتِ الوصيةُ، وإلَّا أُخرجَ منه قَدْرُ ثُلثِها.
وعلى الروايةِ الثانيةِ، لا تُحْسَبُ الدِّيَةُ، وتُخْرَجُ الوصيةُ مِن تِلادِ مالِه دُون دِيته، بِناءً على أنَّ الدِّيَةَ ليست مِن مالِه.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (وتَصِحُّ الوصيةُ بالمَنْفَعةِ المفْرَدَةِ) وتَصِحُّ بخِدْمةِ عَبْدٍ، ومَنْفعةِ أمَةٍ، وغَلَّةِ دارٍ، وبثَمَرةِ بُسْتانٍ أو شَجَرَةٍ، سواءٌ وَصَّى بذلك مُدَّةً مَعْلُومَةً، أو بجَمِيعِ الثَّمرةِ والمَنْفَعَةِ
..................................
في الزَّمانِ كلِّه.
وهذا قولُ الجُمْهُورِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعي، وأصحابُ الرأي.
وقال ابن أبي لَيلَى: لا تَصِحُّ الوصيةُ بالمَنْفَعَةِ المُفْرَدَةِ؛ لأَنَّها مَعْدُومَة.
ولَنا، أنَّه يَصِحُّ تَمْلِيكُها بعَقدِ المُعاوَضَةِ، فتَصِحُّ الوصيةُ بها، كالأعْيانِ.
ويُعْتَبَرُ خُرُوجُ ذلك مِن ثُلُثِ المالِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في سُكْنَى الدّارِ.
وهو قولُ مَن قال بصِحَّةِ الوصيةِ بها.
وإن لم تَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، أُجِيزَ منها بقَدْرِ الثُّلُثِ.
وقال مالكٌ: إذا وَصَّى بخِدْمَةِ عَبْدِه سَنَةً، فلم تَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، فالورثةُ بالخِيَارِ بينَ تَسْلِيمِ خِدْمَتِه سَنَةً وبينَ المالِ.
وقال أصحابُ الرأي، وأبو ثَوْرٍ: إذا وَصّى بخِدْمَةِ عَبْدِه سَنَةً، فإن العَبْدَ يَخْدِمُ المُوصَى له يَوْمًا والورثةَ يَوْمَين، حتى يَسْتَكْمِلَ المُوصَى له سَنَةً، فإن أراد الورثةُ بَيعَ العَبْدِ، بِيعَ على هذا.
ولَنا، أنَّها وصية صحيحة، فوَجَبَ تَنْفِيذُها على صِفَتِها إذا خَرَجَتْ مِن الثُّلُثِ، أو بقَدْر ما خَرَج مِن الثُّلُثِ منها، كسائِرِ الوصايا أو كالأعيانِ.
إذا ثَبَت هذا، وَأُرِيدَ تَقْويمُها، وكانتِ الوصيةُ مُقَيَّدَةً بمُدَّةٍ، قُوِّمَ المُوصَى بمَنْفَعَتِه مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ تلك المُدَّةَ، ثم تُقَومُ المَنْفَعَةُ في تلك المُدَّةِ، فيُنْظَرُ كم قِيمَتُها.
فصل: فإن أراد المُوصَى له بمَنْفَعَةِ العَبْدِ أو الدّارِ إجارَةَ العَبْدِ أو الدّارِ في المُدَّةِ التي أُوصِيَ له بنَفْعِها، فله ذلك.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَجُوزُ إجارَةُ المَنْفَعَةِ المُسْتَحَقَّةِ بالوصيةِ؛ لأنَّه أوْصَى له
فَلَوْ وَصَّى لِرَجُل بِمَنَافِعِ أمَتِهِ أبَدًا أوْ مُدَّةً مُعَيَّنةً، صَحَّ.
فإذا أَوْصَى بِهَا أبَدًا، فَلِلْوَرَثَةِ عِتْقُهَا وَبَيعُهَا.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ بَيعُهَا إلا لِمَالِكِ نَفْعِهَا.
باسْتِيفائِه.
ولَنا، أنَّها مَنْفَعَةٌ يَمْلِكُها مِلْكًا تامًّا، فمَلَكَ أخْذَ العِوَضِ عنها بالأعْيانِ، كما لو مَلَكَها بالإجارَةِ.
وإن أراد المُوصَى له إخْراجَ العَبْدِ عن البَلَدِ، فله ذلك.
وبه قال أبو ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرأي: لا يُخْرِجُه إلَّا أن يكونَ أهلُه في غيرِ البَلَدِ، فيُخْرِجَه إلى أهْلِه.
ولَنا، أنَّه مالِكٌ لنَفْعِه، فمَلَكَ إخْراجَه، كالمُسْتَأجِرِ.
2725 -
مسألة: (إذا أوصَى)
بمَنافِعِ عَبْدِه أو (أمَتِه أَبدًا أو مُدَّةً) بعَينها (فللورثَةِ عِتْقُها) لأنَّها مَمْلُوكَةٌ لهم، ومَنْفَعَتَها باقِيَةٌ للمُوصَى له، ولا يَرْجِعُ على المُعْتِقِ بشيءٍ.
وإن أعْتَقَه صاحِبُ المَنْفَعَةِ، لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ العِتْقَ للرَّقَبَةِ، وهو لا يَمْلِكُها.
فإن وَهَب صاحِبُ المَنْفَعَةِ مَنافِعَه للعَبْدِ، أو أسْقَطَها عنه، فللورثةِ الانْتِفاعُ به؛ لأنَّ ما يُوهَبُ للعَبْدِ يكونُ لسَيِّدِه.
وَلَهُمْ ولايةُ تزويجِهَا،
فصل: ولهم بَيعُها.
وتُباعُ مَسْلُوبَةَ المَنْفَعَةِ، ويَقُومُ المُشْتَرِي مَقامَ البائِعِ فيما له وعليه.
وقيل: لا يجوزُ بَيعُها؛ لأنَّ ما لا نَفْعَ فيه لا يَصِحُّ بَيعُه، كالحَشَراتِ والمَيتاتِ.
وقيل: يجوزُ بَيعُها لمالِكِ مَنْفَعَتِها دُونَ غيرِه؛ لأنَّ مالِكَ مَنْفَعَتِها يَجْتَمِعُ له الرَّقَبَةُ والمَنْفَعَةُ، فيَنْتَفِعُ بذلك، بخِلافِ غيرِه، ولذلك جاز بَيعُ الثمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلَاحِها لصاحِبِ الشَّجَرَةِ دُونَ غيرِه، وكذلك بَيعُ الزَّرْعِ لصاحِبِ الأرْضِ.
ووجْهُ الأوَّلِ، أنَّها أمَة مَمْلُوكَة تَصِحُّ الوصيةُ بها، فصَحَّ بَيعُها لغيرِه، ولأَنه يُمْكِنُه إعْتاقُها وتَحْصِيلُ وَلائِها وثَوابِ عِتْقِها، بخِلافِ الحَشَراتِ.
2726 -
مسألة: (ولهم ولايةُ تَزْويجِها)
لأنَّهم يَمْلِكُونَ رَقَبَتَها، وليس لهم ذلك إلَّا بإذْنِ صاحِبِ المَنْفَعَةِ.
وليس لواحِدٍ منهما تَزْويجُها مُنْفَرِدًا؛ لأنَّ مالِكَ المَنْفَعَةِ لا يَمْلِكُ رَقَبَتَها، وصاحِبَ المَنْفَعَةِ يَتَضَرَّرُ
وَأَخذُ مَهْرِهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَ؛ لأنَّ مَنَافِعَ الْبُضْع لا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا.
وَقَال أَصحَابُنَا: مَهْرُهَا لِلْوَصِيِّ.
به.
فإنِ اتَّفَقا على ذلك، جاز؛ لأن الحَقَّ لهما، وكذلك لو طَلَبَتِ التَّزْويجَ، وَجَبَ تَزْويجُها عندَ طَلَبِها؛ لأنه لحَقِّها، وحَقُّها في ذلك مُقَدَّمٌ عليهما؛ لأَنَّها لو طَلَبَتْه مِن سَيِّدِها الذي يَمْلِكُ رَقَبَتَها ومَنْفَعَتَها، لَزِمه ذلك، وقُدِّمَ حَقُّها على حَقِّه، ووَلِيُّها في المَوْضِعَين مالِكُ الرَّقَبَةِ؛ لأنَّه مالِكُها.
2727 -
مسألة: ومَهْرُها هاهُنا وفي كلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَ للورثةِ، في اخْتِيارِ شيخِنا (لأنَّ مَنافِعَ البُضْعِ لا تَصحُّ الوصيةُ بها)
مُفْرَدَةً، ولا مع غيرِها، ولا يجوزُ نَقْلُها مُفْرَدَةً عن الرَّقَبَةِ بغيرِ 1 التَّزْويجِ، وإنَّما هي تابِعَةٌ للرَّقَبَةِ، فتكونُ لصاحِبِها.
وعندَ أصحابِنا، المَهْرُ للمُوصَى له بالمَنْفَعَة؛ لأنه مِن مَنافِعِها.
وَإنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ.
وَلِلْوَرَثَةِ قِيمَةُ وَلَدِهَا عِنْدَ الْوَضْعِ عَلَى الْوَاطِئَ.
2728 - مسألة: (وإن وُطِئَت بشُبْهَةٍ، فالوَلَدُ حُرٌّ)
لأنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ يكونُ الوَلَدُ فيه حُرًّا؛ لاعْتِقادِ الواطِئ أنَّه يَطَاُ في مِلْكٍ، فهو كوَطْءِ المَغْرُورِ بأمَةٍ.
وتَجِبُ قِيمَتُه يومَ وَضْعِه لصاحِبِ الرقبةِ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخرِ، يُشْتَرَى بها ما يَقُومُ مَقامَها.
ويَجِبُ على الواطِئ؛ لأنّه الذي فَوَّتَ رِقَّه.
وإنَّما اعْتُبِرَتْ قِيمَتُه يومَ الوَضْعِ؛ لأنَّ مُقْتَضَى الدّلِيلِ أن تَجِبَ قِيمَتُه حينَ العُلُوقِ؛ لأنَّه وَقْتُ تَفْويتِ الحُرِّيَّةِ، فلَمَّا لم يُمْكِنْ ذلك، قَوَّمْناه في أوَّلِ حالِ الإمْكانِ، وذلك حالةُ وَضْعِه.
وهي للورثةِ، ولا شيءَ للوَصِيِّ فيها؛ لأنَّه إنَّما وَصَّى له بنَفْعِ الأمِّ، وليس الوَلَدُ مِن المَنافِعِ، ولا وَصَّى له بمَنْفَعَتِه، فلا يَسْتَحِقُّه.
وَإنْ قُتِلَتْ، فَلَهُمْ قِيمَتُهَا، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، يُشْتَرَى بِهَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا.
2729 - مسألة: (وإن قُتِلَتْ، فللورثةِ قِيمَتُها، في أحَدِ الوَجْهَين)
لأنهم مالِكُوها؛ لأنَّ القِيمَةَ بَدَلُ الرقبةِ، فتكونُ لصاحِبِها، وتَبْطُلُ الوصيةُ بالمَنْفَعَةِ كما تَبْطُلُ الإجارَةُ.
(وفي) الوَجْهِ (الآخَرِ يُشتَرَى بها ما يَقُومُ مَقامَها) لأنَّ كلَّ حَقٍّ تَعَلَّقَ بالعَينِ تَعَلَّقَ ببَدَلِها، إذا لم يَبْطُلِ اسْتِحْقاقُها.
ويُفارِقُ الزَّوْجَةَ والعَينَ المُسْتَأجَرَةَ؛ لأنَّ سَبَبَ 1 الاسْتِحْقاقِ يَبْطُلُ بتَلَفِهما.
وَلِلْوَصِيِّ اسْتِخْدَامُهَا وإجَارَتُهَا وإعَارَتُهَا، وَلَيسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَطْؤُهَا.
2730 - مسألة: (وللوصِيِّ اسْتِخْدامُها وإجارَتها وإعارَتها)
لأنَّ الوصيةَ له بنَفْعِها، وهذا منه.
2731 -
مسألة: (وليس لواحِدٍ منهما وَطْؤُها)
لأنَّ صاحِبَ المَنْفَعَةِ لا يَمْلِكُ رَقَبَتَها، ولا هو زَوْجُها، ولا يُباحُ وَطْءٌ بغيرِهما؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ 1. وصاحِب الرقبةِ لا يَمْلِكها مِلْكًا تامًّا، ولا يَأمَنُ أن تَحْمِلَ منه، فرُبَّما أفْضَىَ إلى هَلاكِها.
وأيُّهما وَطِئَها فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه وَطْءٌ بشُبْهَةٍ، لوُجودِ المِلْكِ
وَإنْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ أوْ زِنًى، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا،
لكلِّ واحِدٍ منهما فيها (1)، ووَلَدُه حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ.
فإن كان الواطِئ صاحِبَ المَنْفَعَةِ، لم تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ له؛ لأنه لا يَمْلِكُها، وعليه قِيمَةُ وَلَدِها يومَ وَضْعِه، وحُكْمُها على ما ذَكَرْنا فيما إذا وَطِئَها أجْنَبِيٌّ بشُبْهَةٍ.
وإن كان الواطِئُ مالِكَ الرقبةِ، صارَتْ أمَّ وَلَدٍ له؛ لأنها عَلِقَت منه بحُرٍّ في مِلْكِه.
وفي وُجُوبِ قِيمَتِه عليه الوَجْهان.
وأمّا المَهْرُ، فإن كان الواطِئُ مالكَ (2) الرقبةِ، فلا مَهْرَ عَليه، في اخْتِيارِ شيخِنا، وله المَهْرُ على صاحِبِ المَنْفَعَةِ إن كان هو الواطِئ.
وعندَ أصْحابِنا، وأصحاب الشافعيِّ، يَنْعَكِسُ الحالُ.
وقد تَقَدم تَعْلِيلُ ذلك.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ الحَدُّ على صاحِبِ المَنْفَعَةِ إذا وَطِئ؛ لأنه لا يَمْلِكُ إلَّا المَنْفَعَةَ، فوَجَبَ عليه الحَدُّ، كالمُسْتَأجِرِ، وعلى هذا يكونُ وَلَدُه مَمْلُوكًا.
2732 -
مسألة: (وإن وَلَدَتْ مِن زَوْجٍ أو زنًى، فحُكْمُه حُكْمُها)
لأنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ الأمَّ في حُكْمِها، كوَلَدِ المُكاتَبةِ والمُدَبَّرَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لمالِكِ الرَّقَبَةِ؛ لأن ذلك ليس من النّفْعِ المُوصَى به، ولا هو مِن الرقبةِ المُوصَى بنَفْعِها.12
وَفِي نَفَقَتِهَا ثَلَاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُهَا، أنهُ فِي كَسْبِهَا.
وَالثانِي، عَلَى مَالِكِهَا.
وَالثَّالِثُ، عَلَى الْوَصِيِّ.
2733 - مسألة: (وفي نَفَقَتِها ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها)
تَجِبُ على مالِكِ الرقبةِ.
وهو الذي ذَكَره الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر مَذْهبًا لأحمدَ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ النَّفَقَةَ على الرقبةِ، فكانت على صاحِبِها، كنفقةِ العَبْدِ المُسْتَأجَرِ، وكما لو لم يكنْ له مَنْفَعَة.
قال الشَّرِيفُ: ولأنَّ الفِطرَةَ تَلْزَمُه، والفِطْرَةُ تَتْبَعُ النَّفَقَةَ، ووجُوبُ التابعِ على
..................................
إنْسانٍ دَلِيلٌ على وُجُوبِ المَتْبُوعِ عليه.
والثانِي، تَجِبُ على صاحِبِ المَنْفَعَةِ.
وهو قولُ الإصطَخْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
وهو أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى؛ لأَنَّه يَمْلِكُ نَفْعَها على التّأبِيدِ، فكانتِ النَّفَقَةُ عليه، كالزّوْجِ، ولأنَّ نَفْعَه له، فكان عليه ضَرَرُه، كالمالِكِ لهما جَمِيعًا، يُحَقِّقُه أنَّ إيجابَ النَّفَقَةِ على مَن لا نَفْعَ له ضَرَرٌ مُجَرَّدٌ، فيَصِيرُ مَعْنَى الوَصِيّةِ: أوْصَيتُ لك بنَفْعِ أمَتِي، وأْلقَيتُ على وَرَثَتِي ضَرَرَها.
والشَّرْعُ يَنفِي هذا بقولِه: «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» 1. ولذلك جَعَل الخَرَاجَ بالضَّمانِ؛ ليكونَ ضَرَرُه على مَن له نَفْعُه.
وفارَقَ المُسْتَأجَرَ؛ فإنَّ نَفْعَه في الحَقِيقَةِ للمُؤْجِرِ؛ لأَنه يَأخُذُ الأجْرَ عِوَضًا عن المَنافِعِ.
والثالثُ، أنَّها تَجِبُ في كَسْبِه.
وهذا راجِعٌ إلى إيجابِها على صاحِبِ المَنْفَعَةِ؛ لأنَّ كَسْبَه مِن مَنافِعِه، فإذا صُرِفَتْ في نَفَقَتِه، فقد صُرِفَتِ المَنْفَعَةُ المُوصَى بها إلى النفَقَةِ، فصاركما لو صَرَف إليه شيئًا مِن مالِه سِواه.
فإن لم يكن لها كَسْب، فقِيلَ: تَجِبُ نَفَقَتُها في بَيتِ المالِ؛ لأنَّ مالِكَ الرَّقبةِ لا يَنتفِعُ بها، وصاحِبُ المَنْفَعَةِ لا يَمْلِكُ الرقبةَ، فلا يَلْزَمُه إحْياؤُها، وكذلك سائِرُ الحَيواناتِ المُوصَى بمَنْفَعتِها، قِياسًا على الأمَةِ.
وَفِي اعْتِبَارِهَا مِنَ الثُّلُثِ وَجْهَانِ؛ أحَدُهُمَا، يُعْتَبَرُ جَمِيعُهَا مِنَ الثُّلُثِ.
وَالثانِي، تُقَوَّمُ بِمَنْفَعَتِهَا، ثُمَّ تُقَوَّمُ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ فَيُعْتَبَرُ مَا بَينَهُما.
2734 - مسألة: (وفي اعْتِبارِها مِن الثُّلُثِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُعْتَبَرُ جَمِيعُها مِن الثلُثِ)
يَعْنِي تُقَوَّمُ بمَنْفَعَتِها، ويُعْتَبَرُ خُرُوجُ ثَمَنِها مِن الثُّلُثِ؛ لأنَّ أمَةً لا منفعةَ فيها لا قِيمَةَ لها غالِبًا (والثاني، تُقَوَّمُ بمَنْفَعتِها، ثم تُقَوَّمُ مَسْلُوبَةَ المنفعةِ، فيُعْتَبَرُ ما بينَهما) فإذا كانت قِيمتُها بمنفعتِها مائةً، وقِيمَتُها مَسْلُوبَةَ المَنْفَعَةِ عَشَرَةً، عَلِمْنا أن قِيمةَ المَنْفعةِ تِسْعُون.
وإنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِرَقَبَتِهَا وَلِآخَرَ بِمنْفَعَتِهَا، صَحَّ.
وَصَاحِبُ الرَّقَبَةِ كَالْوَارِثِ فِيمَا ذَكَرْنَا.
2735 - مسألة: (وإن وَصَّى لرجلٍ برَقَبتِها ولآخَرَ بمَنْفَعَتِها، صحَّ. وصاحِبُ الرقبةِ كالوارِثِ فيما ذَكَرْنا).
فصل: وإذا وَصَّى بثَمَرَةِ شَجَرَةٍ مُدَّةً، أو بما 1 تُثْمِرُ أُبدًا، صَحَّ،
..................................
ولا يَمْلِكُ واحِدٌ مِن المُوصَى له والوارِثِ إجْبارَ الآخَرِ على سَقْيِها؛ لأنَّه لا يُجْبَرُ على سَقيِ مِلْكِه، ولا سَقْي مِلْكِ غيرِه.
فإن أراد أحَدُهما سَقْيَها بحيثُ لا يَضُرُّ بصاحِبِه، لم يَمْلِكِ الآخَرُ مَنْعَه.
فإن يَبِسَتِ الشَّجَرَةُ، فحَطبُها للوارِثِ.
وإن وَصَّى له بثَمَرتِها مُدَّةً بعَينها، فلم تَحْمِلْ في تلك المُدَّةِ، فلا شيءَ للمُوصَى له.
وإن قال: لك ثَمَرَتُها أوَّلَ عامٍ تُثْمِرُ.
صَحَّ، وله ثَمَرَتُها في ذلك العامِ.
وكذلك إذا وَصَّى له بما تَحْمِلُ أمَتُه أو شاتُه.
وإن وَصَّى لرجلٍ بشَجَرَةٍ، ولآخَرَ بثَمَرَتِها، صَحّ، وقام صاحِبُ الرقبةِ مَقامَ الوارِثِ فيما له.
وإن وَصَّى له بلَبَنِ شاتِه وصُوفِها، صَحَّ، كما تَصِحُّ الوصيةُ بثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ.
وإن وَصَّى بلَبَنِها، أو صُوفِها، صَحّ، ويُقَوَّمُ المُوصَى به دُونَ العَينِ.
فصل: وإذا وَصَّى لرجلٍ بحَبِّ زَرْعِه، ولآخَرَ بتِبْنِه، صَحَّ، والنّفَقَةُ بينَهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما تَعَلّقَ حَقُّه بالزَّرْعِ.
فإنِ امْتَنَعَ أحَدُهما مِن الإنْفاقِ، فهما بمَنْزِلَةِ الشَّرِيكَين في 1 أصْلِ الزَّرْعِ إذا امْتَنَعَ أحَدُهما مِن سَقْيِه والإنْفاقِ عليه، فيُخَرَّجُ في ذلك وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُجْبَرُ على الإنْفاقِ عليه.
هذا قولُ أبي بكر؛ لأنَّ في تَرْكِ الإنْفاقِ ضَرَرًا عليهما وإضاعَةً للمالِ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» 2. ونَهَى عن إضَاعةِ المالِ.
والثانِي، لا يُجْبَرُ على الإنفاقِ على مالِ نَصِيبِه ولا على
وإنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِمُكَاتَبِهِ، صَحَّ، وَيَكُونُ كَمَا لَو اشْتَرَاهُ.
مالِ غيرِه إذا كان كلُّ واحدٍ منهما مُنْفَرِدًا، فكذلك إذا اجْتَمَعا.
وأصْلُ الوَجْهَين إذا اسْتَهْدَمَ الحائِطُ المُشْتَرَكُ، فدَعا أحَدُ الشَّرِيكَين الآخَرَ إلى مُباناتِه، فامْتَنَعَ.
ويَنْبَغِي أن تكونَ النفَقَةُ عليهما على قَدْرِ قِيمَةِ كلِّ واحِدٍ منهما، كما لو كانا مُشْتَرِكَين في أصْلِ الزرْعِ.
فصل: وإن أوْصَى لرجلٍ بخَاتَم، ولآخَرَ بفَصِّه، صَحَّ، وليس لواحِدٍ منهما الانْتِفاعُ به إلَّا بإذنِ الآخَرِ، وأيُّهما طَلَب قَلْعَ الفَصِّ مِن الخاتَم أُجِيبَ إليه، وأُجْبرَ الآخَرُ عليه، وإنِ اتَّفَقا على بَيعِه، أو (1) اصْطَلَحا على لُبْسِه، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما.
فصل: فإن وَصَّى لرجلٍ بدِينارٍ مِن غَلَّةِ دارِه، وغَلَّتُها دِينارانِ، صَحَّ.
فإن أراد الوَرَثَةُ بَيعَ نِصْفِها وتَرْكَ النِّصْفِ الذي أجْرُه دِينارٌ، فله مَنْعُهم منه؛ لأنَّه يجوزُ أن يَنْقُصَ أجْرُه عن الدِّينارِ.
وإن كانتِ الدّارُ لا تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، فلهم بَيع ما زاد عليه خاصَّةً وتَرْكُ الباقي.
فإن كان غَلَّتُه (2) دِينارًا أو أقَلَّ، فهو للمُوصَى له، وإن زادَتْ، فله دِينارٌ، والباقِي للورثةِ.
2736 -
مسألة: تَصِحُّ الوصيةُ بالمُكاتَبِ، إذا قُلْنا: يَصِحُّ بَيعُه.
12
..................................
لأنَّه مَمْلُوكٌ يَصِحُّ بَيعُه، فصحَّتِ الوصيةُ به، كالقِنِّ.
ويَقُومُ مَن انْتَقَلَ إليه مَقامَ السَّيِّدِ في الأدَاءِ إليه، وإن عَجَز عاد رَقِيقًا له، وإن عَتَقَ فالوَلاءُ له، كالمُشْتَرِي.
فإن عَجَز في حَياةِ المُوصِي لم تَبْطُلِ الوصيةُ؛ لأنَّ رِقَّه لا يُنافِيها، وإن أدَّى بَطَلَتْ.
فإن قال: إن عَجَز ورَقَّ فهو لك بعد مَوْتِي.
فعَجَزَ في حياةِ المُوصِي، صَحَّتِ الوصيةُ، وإن عَجَز بعدَ مَوْتِه، بَطَلَتْ، كما لو قال لعَبْدِه: إن دَخَلْتَ الدّارَ فأنت حُرٌّ بعدَ مَوْتِي.
فلم يَدْخُلْها حتى ماتَ سَيّدُه.
وإن قال: إن عَجَز بعدَ مَوْتِي فهو لك.
ففيه وَجْهان نَذْكُرُهما في العِتْقِ، فيما إذا قال: إن دَخَلْتَ الدّارَ بعدَ مَوْتِي فأنت حُرٌّ.
وإنْ وَصَّى لَهُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ، أوْ بِنَجْمٍ مِنْهَا، صَحَّ.
وإنْ وَصَّى بِرَقَبَتِهِ لِرَجُلٍ، وَبِمَا عَلَيهِ لِآخرَ، صَحَّ.
فَإِنْ أدَّى
2737 - مسألة: (وإن وَصَّى له بمالِ الكِتابةِ، أو بنَجْمٍ منها، صَحَّ)
لأنَّها تَصِحُّ بما ليس بمُسْتَقِرٍّ، كما تَصِح بما لا يَمْلِكُه في الحالِ، كحَمْلِ الجارِيَةِ.
وللمُوصَى له أن يَسْتَوْفِيَ المال عندَ حُلُولِه، وله أن يُبْرِئَ منه، ويَعْتِقَ بأحَدِهما، والوَلاءُ لسَيِّدِه؛ لأنَّه المُنْعِمُ عليه.
فإن عَجَزَ، وأراد الوارِثُ تَعْجِيزَه، وأراد الوَصِيُّ إنْظارَه، فالقولُ قولُ الوارِثِ؛ لأنَّ حقَّ الوصِيِّ في المالِ إذا كان العقدُ قائمًا، وحقُّ الوارِثِ مُتَعَلِّق به، إذا عَجَز يَرُدُّه في الرقِّ، وليس للوصيِّ إبْطالُ حقِّ الوارِثِ من تعجيزِه.
وكذلك إن أراد الوارثُ إنظارَه وأراد الوصيُّ تعجيزَه، فالحُكْمُ للوارِثِ، ولا حَق للوَصِيِّ في ذلك، ولا نَفْعَ له؛ لأنَّ حَقه يَسْقُطُ به.
ومتى عَجَزَ عاد عَبْدًا للوارِثِ.
وإن وَصَّى بما يُعَجِّلُه المُكاتَبُ، صَحَّ، فإن عَجَّلَ شيئًا فهو للوَصِيِّ، وإن لم يُعَجِّلْ شيئًا حتى حَلّتْ نُجُومُه، بَطَلَتِ الوصيةُ.
2738 -
مسألة: (وإن وَصَّى لرجلٍ برَقَبَتِه ولآخَرَ بما عليه، صَحَّ. فإن أدَّى)
إلى صاحِبِ المالِ أو أبرَأه منه (عَتَقَ وبَطَلَتْ وَصِيَّةُ
عَتَقَ، وإنْ عَجَزَ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ، وَبَطَلَتْ وَصِيَّةُ صَاحِبِ المَالِ فِيمَا بَقِيَ عَلَيهِ.
صاحِبِ الرقبةِ) قالهُ أصحابُنا.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَبْطُلَ، ويكونَ الوَلاءُ له؛ لأنه أقَامَه مُقامَ نَفْسِه، ولو لم يُوصِ بها، كان الوَلاءُ له، فإذا أوْصَى بها كان الوَلاءُ للمُوصَى له، وكما لو وَصَّى له بالمُكاتَبِ مُطْلَقًا؛ لأنَّ الوَلاءَ يُسْتَفادُ مِن الوصيةِ بالرقبةِ دُونَ الوصيةِ بالمالِ.
وإن عَجَز، فَسَخ صاحِبُ الرقبةِ كِتابَتَه، وكان رَقِيقًا له.
وبَطَلَتْ وصية صاحِبِ المالِ.
وإن كان صاحِبُ المالِ قَبَض مِن مالِ الكِتابَةِ شيئًا، فهو له.
فإنِ اخْتَلَفا في فَسْخِ الكِتابَةِ بعدَ العَجْزِ، قُدِّمَ قولُ صاحِبِ الرقبةِ؛ لأنه يَقُومُ مَقامَ الورثةِ، على ما ذَكَرنا.
فصل: فإن كانتِ الكِتابَةُ فاسِدَةً، فوَصَّى لرجلٍ بما في ذِمَّةِ المُكاتَبِ، لم يَصِحَّ؛ لأنه لا شيءَ في ذِمَّتِه.
فإن قال: أوْصَيتُ لك بما أقْبِضُه مِن مالِ الكِتابَةِ.
صَحَّ؛ لأنَّ الكِتابَةَ الفاسِدَةَ يُؤَدَّى منها المالُ كما يُؤَدَّى في الصحيحةِ.
وإن وَصَّى برقبةِ المُكاتَبِ فيها، صَحَّ؛ لأنها تَصِحُّ في
..................................
المُكاتَبةِ الصحيحةِ، ففي الفاسِدَةِ أوْلَى.
والله أعْلَمُ.
فصل: وإذا قال: اشْتَرُوا بثُلُثيِ رِقابًا فأعْتِقُوهُم.
لم يَجُزْ صَرْفُه إلى المُكاتَبين؛ لأنَّه أوْصَى بالشِّراء، لا بالدَّفْعِ إليهم.
فإنِ اتَّسَعَ الثُّلُثُ لثلاثةٍ 1، لم يَجُزْ أن يُشْتَرَى أقَلُّ منها؛ لأنَّها أقَلُّ الجَمْعِ.
فإن قُدِر أن يُشْتَرَى أكثرُ مِن ثلاثةٍ بثَمنِ ثلاثةٍ غالِيَةٍ، كان أوْلَى وأفْضَلَ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن أعْتَقَ امْرَءًا مُسْلِمًا، أعْتَقَ الله بكُلِّ عُضْو منه عُضْوًا منه مِنَ النَّارِ» 2. ولأنَّه يُفَرِّجُ عن نَفْس زائِدَةٍ، فكان أفْضَلَ مِن عَدَمِ ذلك.
وإن أمْكَنَ شِراءُ ثلاثةٍ رَخِيصَةٍ وحِصّةٍ مِن الرابعةِ، بثَمَنِ ثلاثةٍ غاليةٍ، فالثلاثةُ أفْضَلُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا سُئِلَ عن أفْضَلِ الرِّقابِ، قال: «أغْلَاهَا ثَمَنًا، وأنْفَسُها عِنْدَ أهْلِها» 3. والقَصْدُ مِن العِتْقِ تَكْمِيلُ الأحْكامِ؛ مِن الولايةِ، والجُمُعَةِ، والحَجِّ، والجِهادِ، وسائِرِ الأحْكَامِ التي تَخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُريَّةِ، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بإعْتاقِ جَمِيعِه.
وهذا التَّفْضِيلُ، والله أَعْلَمُ، مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما يكونُ مع التَّساوي في المَصْلَحَةِ، فأمّا إن تَرَجَّحَ بعضُهم بدِينٍ وعِفّةٍ وصَلاحٍ
فصل: وَمَنْ أُوصِيَ لَهُ بِشَيءٍ بِعَينهِ، فَتَلِفَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أوْ بَعدَهُ، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ.
ومَصْلَحَةٍ له في العِتْقِ، بأن يكونَ مَضْرُورًا بالرِّقِّ وله صَلاحٌ في العِتْقِ، وغيره له مَصلَحَةٌ في الرِّقِّ ولا مَصْلَحَةَ له في العِتْقِ، بل رُبما تَضَررَ به، مِن فَوَاتِ نَفَقَتِه، وكِفايته، ومَصالِحِه، وعَجْزِه بعدَ العِتْقِ عن الكَسْبِ وخُروجِه عن الصِّيانَةِ والحِفْظِ، فإنَّ إعْتاقَ مَن كَثُرَتِ المَصْلَحَةُ في إعْتاقِه أفْضَلُ وأوْلَى وإن قَلَّتْ قِيمَته.
ولا يَسُوغُ إعْتاقُ مَن في إعْتاقِه مَفْسَدَةٌ؛ لأنَّ مَقْصودَ المُوصِي تَحْصِيلُ الثَّوابِ والأجْرِ، ولا أجْرَ في إعْتاقِ هذا.
ولا يجوزُ أن يُعْتِقَ إلَّا رَقبةً مُسْلِمَة؛ فإنَّ اللهَ تعالى لَمّا قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ 1. لم يَتَنَاوَلْ إلا المسلمةَ، ومُطْلَقُ كَلامِ الآدَمِيِّ مَحْمُولٌ على مطْلَقِ كلامِ اللهِ تَعالى.
ولا يجوزُ إعْتاقُ مَعِيبَةٍ عَيبًا يَمْنَعُ مِن الإجْزاءِ في الكَفّارَةِ؛ [لِما ذَكَرْنا] 2، والله أعلمُ.
فصل: قال الشيخ، رَضِيَ اللهُ عنه: (ومَن أُوصِيَ له بشيءٍ بعَينه، فتَلِفَ قبلَ مَوْتِ الموصِى أو بعدَه، بَطَلَتِ الوصيةُ) كذلك حَكاه ابن المُنْذِرِ، فقال: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلمِ، على أنَّ الرجلَ إذا أُوصِيَ له بشيءٍ، فهَلَكَ الشيءُ، أن لا شيءَ له في سائِرِ مالِ المَيِّتِ؛ وذلك لأنَّ المُوصَى له إنَّما يَسْتَحِقُّ بالوصيةِ لا غير، وقد تَعَلَّقَتْ بمُعَيَّنٍ،
وَإنْ تَلِفَ الْمَالُ كُلُّهُ غَيرَهُ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ، وَإنْ لَمْ يَأخُذْهُ زَمَانًا، قُوِّمَ وَقْتَ الْمَوْتِ لَا وَقتَ الْأخْذِ.
فإذا ذَهَب، ذَهَب حَقُّه، كما لو تَلِف في يَدِه، والتَّرِكَةُ في يَدِ الورثةِ غيرُ مَضْمُونَةٍ عليهم؛ لأنها حَصَلَتْ في أيدِيهم بغيرِ فِعْلِهم، ولا تَفْرِيطِهم، فلم يَضْمَنُوا شيئًا.
2739 -
مسألة: (وإن تَلِف المالُ كلُّه غيرَه بعدَ موتِ المُوصِي، فهو للمُوصَى له)
لأنَّ حقُوقَ الورثةِ لم تَتَعَلَّقْ به؛ لتَعَيُّنه للموصَى له، ولذلك يَمْلِكُ أخْذَه بغيرِ رِضاهم وإذْنِهم، فكان حَقُّه فيه دُونَ سائِرِ المالِ، فحقُوقُهم في سائِرِ المالِ دُونَه، فأيُّهما تَلِف حَقُّه لم يُشارِكِ الآخَرَ في حَقِّه، كما لو كان التَّلَفُ بعدَ أن أخَذَه المُوصَى له، وكالورثةِ إذا اقْتَسَمُوا ثم تَلِف نَصِيبُ أحَدِهم.
قال أحمدُ، في مَن خَلَّفَ مائَتَيْ دِينارٍ وعَبْدًا قِيمَته مائةٌ، ووَصَّى لرجلٍ بالعَبْدِ، فسُرِقَتِ الدَّنانِيرُ بعدَ المَوْتِ: فالعَبْدُ للمُوصَى له به.
2740 -
مسألة: (وإن لم يَأخذْه زَمانًا، قُوِّمَ وَقْتَ المَوْتِ لا وَقْتَ الأخْذِ)
وذلك لأنَّ الاعْتِبارَ في قِيمَةِ الوصيةِ وخُروجِها مِن الثُّلُثِ أو 1
..................................
عَدَمِ خُرُوجِها، بحالةِ المَوْتِ؛ لأنها حالُ لُزُومِ الوصيةِ، فتُعْتَبرُ قِيمَةُ المالِ فيها.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرأي.
ولا نَعْلَم فيه خِلافًا.
فيُنْظَرُ كم كان المُوصَى به وَقْتَ المَوْتِ، فإن كان ثُلُثَ التَّرِكَةِ أو دُونَه، نَفَذَتِ الوصيةُ، واسْتَحَقَّه المُوصَى له كلَّه.
فإن زادت قِيمَتُه حتى صار مُعادِلًا لسائِرِ المالِ 1 أو أكثَرَ منه، أو هَلَك المالُ كلُّه سِواه، فهو للمُوصَى له، ولا شيءَ للورثةِ فيه.
فإن كان حينَ المَوْتِ زائِدًا عن الثُّلُثِ، فللمُوصَى له منه قَدْرُ ثُلُثِ المالِ.
فإن كان نِصْفَ المالِ، فللمُوصىَ له ثُلُثاه.
وإن كان ثُلُثَيه، فللمُوصَى له نِصْفُه.
وإن كان نِصْفَ المالِ وثُلُثَه، فللمُوصَى له خُمْساه.
فإن نَقَص بعدَ ذلك أو زاد، أو نَقَص سائِرُ المالِ أو زاد، فليس للمُوصَى له سِوَى ما كان له 2 حينَ المَوْتِ.
فلو وَصَّى بعَبْدٍ قِيمَتُه مائةٌ وله مائتان، فزَادَتْ قِيمَتُه بعدَ المَوْتِ حتى صار يُساوى
وَإنْ لَمْ يَكُن لَهُ سِوَى الْمُعَيَّنِ إلَّا مَالٌ غَائِبٌ، أوْ دَين فِي ذِمَّةِ مُوسِرٍ أوْ مُعْسِرٍ، فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ الْمُوصَى بِهِ.
وَكُلَّمَا اقْتُضِيَ مِنَ الدَّينِ شيءٌ، أوْ حَضَرَ مِنَ الْغائِبِ شَيْءٌ مَلَكَ مِنَ الْمُوصَى بِهِ قَدْرَ ثُلُثِهِ حتَّى يَمْلِكَهُ كُلَّهُ،
مائَتَين، فهو للمُوصَى له كلُّه.
وإن كانت قِيمَتُه حينَ المَوْتِ مائَتَين، فللمُوصَى له ثُلُثاه؛ لأنهما ثُلُثُ المالِ.
فإن نَقَصَتْ قِيمَتُه بعدَ المَوْتِ حتى صار يُساوي مائةً، لم يَزِدْ حَقُّ المُوصَى له عن ثُلُثَيه شيئًا إلَّا أن يُجِيزَ الورثة.
وإن كانت قِيمَتُه أرْبَعَمائةٍ، فللمُوصَى له نِصْفُه، لا يَزْدادُ حَقُّه عن ذلك، سَواءٌ نَقَص العَبْدُ أو زاد.
2741 -
مسألة: (فإن لم يكنْ له سِوَى المُعَيَّنِ إلَّا مالٌ غائبٌ، أو دَين في ذِمَّةِ مُوسِر أو مُعْسِر، فللمُوصَى له ثُلُثُ المُوصَى به.
وكلَّما اقْتُضِيَ مِن الدَّينِ شيءٌ، أو حَضَر مِن الغائِبِ، مَلَك مِن المُوصَى به قَدْرَ ثُلُثِه، حتى يَمْلِكَه كلَّه)
وجملةُ ذلك، أن مَن وَصَّى بمُعيَّن حاضَرٍ، وسائِرُ مالِه دَينٌ أو غائِبٌ، فليس للوَصِيِّ أخْذُ المُعَيَّنِ قبلَ قُدُومِ الغائِبِ وقَبْض الدَّينِ؛ لأَنه رُبَّما تَلِف، فلا تَنْفُذُ الوصيةُ في المُعَيَّنِ كُلِّه، ويَأخُذُ الوَصِيُّ مِن المُعَيَّنِ ثُلُثَه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، ذَكَرَه في المُدَبَّرِ.
وقِيلَ:
..................................
لا يُدْفَعُ إليه شيءٌ؛ لأنَّ الورثةَ شُرَكاؤه في الترِكَةِ، فلا يَحْصُلُ له شيءٌ ما لم يَحْصُلْ للورثةِ 1 مِثْلاه، ولم يَحْصُل لهم شيءٌ.
وهذا وَجْهٌ لأصْحابِ الشافعيِّ.
والصحيحُ الأولُ؛ لأن حَقه في الثلُثِ مُسْتَقِر، فوَجَبَ تَسْلِيمُه إليه؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ في وَقْفِه، كما لو لم يُخَلِّفْ غيرَ المُعيَّنِ، ولأنه لو تَلِف سائِرُ المالِ لوَجَبَ تَسْلِيمُ ثُلُثِ المُعَيَّنِ إلى الوَصِيِّ، وليس تَلَفُ المالِ سَبَبًا لاسْتِحْقاقِ الوصيةِ وتَسْلِيمِها، ولا يَمْتَنِع نُفُوذُ الوصيةِ في الثلُثِ المُسْتَقِرِّ وإن لم يَنْتفِعِ الورثةُ بشيءٍ، كما لو أْبرَأ مُعْسِرًا مِن دَين عليه.
وقال مالكٌ: يُخَيَّرُ الورثةُ بينَ دَفْعِ العَينِ المُوصَى بها، وبينَ جَعْلِ وَصِيته ثُلُثَ المالِ؛ لأنَّ المُوصِيَ كان له أن يُوصِيَ بثُلُثِ مالِه، فعَدَلَ إلى المُعَيَّنِ، وليس له ذلك؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى أن يَأخُذَ المُوصَى له المُعَيَّنَ، فيَنْفَرِدَ بالتَّرِكَةِ على تَقْدِير تَلَفِ الباقِي قبلَ وُصُولِه إلى الورثةِ، فيُقالُ للورثةِ: إن رَضِيتُم بذلك، وإلَّا فَعُودُوا إلى ما كان له أن يُوصِيَ به، وهو الثُّلُثُ.
ولَنا، أنَّه أوْصَى بما لا يَزِيدُ على الثلُثِ لأجْنَبِيٍّ، فوَقعَ لازِمًا، كما لو وَصَّى له بمُشَاعٍ.
وما قاله لا يَصِحُّ؛ لأنّ جَعْلَ حَقِّه في قَدْرِ الثلُثِ إشاعَةٌ وإبْطالٌ لِما عَيَنّهَ، فلا يجوزُ إسْقاطُ ما عَيَّنَه المُوصِي للمُوصَى له ونَقْلُ حَقِّه إلى ما لم يُوصِ به، كما لو وَصَّى له بمُشَاعٍ، لم يَجُزْ نَقْلُه إلى مُعَيَّن، وكما لو كان المالُ كله حاضِرًا أو غائِبًا.
إذا ثَبَت هذا، فإنّ للمُوصَى له ثُلُثَ العَينِ الحاضِرَةِ، وكُلَّما اقْتُضِيَ مِن دَينه شيءٌ أو حَضَر
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُدَبَّرِ.
مِن الغائِبِ شيءٌ، فللمُوصَى له بقَدْرِ ثُلُثِه مِن المُوصَى به كذلك، حتى يَكْمُلَ للمُوصَى به الثُّلُثُ، أو يَأخُذَ المُعَيَّنَ كلَّه.
فلو خَلَّفَ تِسْعَةً عَينًا، وعِشْرِين دينا (1)، وابنًا، ووَصَّى بالتسْعَةِ لرجل، فللوصى ثُلثها ثلاثة، وكلَّما اقْتُضِيَ مِن الدَّينِ شيءٌ، فللوصى ثُلُثُه، فإذا اقْتُضِيَ ثُلُثُه فله مِن التسعةِ واحِدٌ، حتى يُقْتَضَى ثَمانِيَةَ عَشَرَ، فتَكْمُلُ له التسْعَةُ.
فإن جَحَد الغَرِيمُ، أو مات، أو يَئس مِن اسْتِيفاء الدَّينِ، أخَذَ الورثةُ السِّتَّةَ الباقِيَة مِن العَينِ.
ولو كان الدَّينُ تِسْعَةً، فإن الابنَ يَأخُذُ ثُلُثَ العَينِ، ويَأخُذُ الوَصِيُّ ثُلُثَها، ويَبْقَى ثُلُثُها مَوْقُوفًا، كلَّما اسْتُوفِيَ مِن الدَّينِ شيء، فللوَصِيِّ مِن العَينِ قدْرُ ثُلُثِه، فإذا اسْتُوفِيَ الدَّينُ كلُّه، كُمِّل للمُوصَى له سِتَّة، وهي ثُلُثُ الجَمِيعِ.
وإن كانتِ الوصيةُ بنِصْفِ العَينِ، أخَذَ الوَصِيُّ ثُلُثَها، وأخَذَ الابنُ نِصْفَها، وبَقِيَ سُدْسُها مَوْقُوفًا، فمتى اقْتَضَى مِن الدَّينِ مِثْلَيه، كُمِّلَتْ وَصِيته.
2742 -
مسألة: (وكذلك الحُكْمُ في المُدَبَّرِ)
في أنَّه يَعْتِقُ في1
..................................
الحالِ ثُلُثُه، وكلَّما اقْتُضِيَ مِن الدَّينِ شيءٌ أو حَضَر مِن الغائِبِ شيءٌ، عَتَقَ منه بقَدْرِ ثُلُثِه، حتى يَعْتِقَ جَمِيعُه إن خَرَج مِن الثُّلُثِ.
فصل: فإن كان الدَّين مِثْلَ العَينِ، فوَصَّى لرجل بثُلُثِه، فلا شيءَ له قبلَ اسْتِيفائِه، فكلَّما اقْتُضِيَ منه شيءٌ، فله ثُلُثُه، وللابنِ ثُلُثاه.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في الآخَرِ: هو أحَقُّ بما يَخْرُجُ مِن الدَّينِ، حتى يَسْتَوْفِيَ وَصِيته.
وهذا قولُ أهْلِ العِراق؛ لأن ذلك يَخْرُجُ مِن ثُلُثِ المالِ الحاضِرِ.
ولَنا، أنَّ الورثةَ شُرَكاؤه في الدَّينِ، وليس له معهم شَرِكَة في العَينِ، فلا يَخْتَصُّ بما يَخْرُجُ منه دُونَهم، كما لو كان شَرِيكُه في الدَّينِ وَصِيا آخَرَ، وكما لو وَصَّى لرجلٍ بالعَينِ ولآخَرَ بالدّينِ، [فإنَّ المُنْفَرِدَ] 1 بوصيةِ الدّينِ لا يَخْتَصُّ بما خَرَج منه دُونَ صاحِبِه، كذا هاهُنا.
فصل: ولو وَصَّى لرجل بثُلُثِ مالِه، وله مائتانِ دَينًا، وعَبْدٌ يُساوي مائةً، ووَصَّى لآخَرَ بثُلُثِ العَبْدِ، اقْتَسَما ثُلُثَ العَبْدِ نِصْفَين، وكلما اقْتُضِيَ مِن الدَّينِ شيء، فللمُوصَى له بثُلُثِ المالِ رُبْعُه، وله وللآخرِ مِن العَبْدِ بقَدر رُبْعِ ما اسْتُوفِيَ بينَهما نِصْفَين.
فإذا اسْتُوفِيَ الدَّينُ كله، كُمِّلَ
..................................
للوصيَّين نِصفُ العَبْدِ، ولصاحِبِ الثُّلُثِ رُبْعُ المائَتَين، وذلك هو ثُلُثُ المالِ.
وإنِ اسْتُوفِيَ الدَّينُ قبل القِسْمَةِ، قُسِما بينَهما كذلك، للمُوصَى له بثُلُثِ 1 العَبْدِ رُبْعُه؛ لأن للوصيَّين 2 أرْبَعَةَ أتْساعِ المالِ، والجائِزُ منهما 3 ثُلُثُ المالِ، وهو ثلاثةُ أتْساع، وذلك ثلاثةُ أرْباعِ وَصِيَّتهما، فرَدَدْنا كلَّ واحِدٍ منهما إلى ثلاثةِ أرْباعِ وَصيته، وهي رُبْع المالِ كُلِّه لصاحِبِ ثُلُثِه، وَرُبْعُ العَبْدِ لصاحِبِ ثُلُثِه.
وفي المسألةِ أقوالٌ سِوَى ما قُلْناه، تَرَكْناها لطُولِها، وهذا أسَدُّهَا، إن شاء الله؛ لأننا أدْخَلْنا النَّقْصَ على كلِّ واحِدٍ منهما بقَدْرِ ما لَه في الوصيةِ، وكَمَّلْنا لهما الثُّلُث، فإن أُجِيزَ لهما أخْذُ كلِّ واحِدٍ منهما ما بَقِيَ مِن وصيته، وهو رُبْعُها، فيُكَمَّلُ ثُلُثُ المالِ لصاحِبِه.، وثُلُثُ العَبْدِ للآخرِ.
فصل: وإن خَلَّفَ ابْنَين، وتَرَك عَشَرةً عَينًا، وعَشَرَةً دَينًا على أحَدِ ابْنَيه، وهو مُعْسِر، ووَصَّى لأجْنَبِيّ بثُلُثِ مالِه، فإن الوَصِيَّ والابنَ الذي
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ عَبْدٍ، فَاسْتُحِقَّ ثُلُثَاهُ، فَلَهُ الثُّلُثُ الْبَاقِي، وَإنْ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ ثَلَاثةِ أعْبُدٍ، فَاسْتَحَقَّ اثْنَانِ مِنْهُمْ أوْ مَاتَا،
لا دَيْنَ عليه يَقْتَسِمان العَشَرَةَ العَينَ نِصْفَين، ويَسْقُطُ عن المَدِينِ ثُلُثا دَينِه، ويَبْقَى لهما عليه ثُلثه.
فإن كانت الوصيةُ بالرُّبْعِ، قُسِمَتِ العَشَرَةُ العَينُ بينَهما أخْماسًا، للوَصِيِّ خُمْساها أرْبَعَةٌ، وللابْنِ سِتَّة، وسَقَطَ عن المَدِينِ ثلاثةُ أرْباعِ دَينه، وبَقِيَ عليه رُبْعُه، فإذا اسْتُوفِيَ قُسِمَ بينَهما أخْماسًا، كما قُسِمَتِ العَين؛ لأن الوَصِيَّةَ بالرُّبْعِ، وهو ثُمْنانِ، ويبقَى سِتَّةُ أثْمانٍ، لكلِّ ابْنٍ ثلاثةُ أثْمانٍ، فصار نَصِيبُ الوَصِيِّ والابنِ الذي لا دَينَ عليه خَمْسَةَ أثْمانٍ، للابنِ ثلاثةٌ، وللوَصِيِّ سَهْمان، فلذلك قَسَمْنا العَينَ وما حَصَل لهما مِن الدَّينِ بينهما (1) أخْماسًا، وسَقَط عن المَدِينِ ثلاثةُ أرْباعِ ما عليه، لأنَّ له ثلاثةَ أثْمانٍ، وهي ثلاثةُ أرْباعِ النِّصْفِ الذي عليه.
فصل: ونَماءُ العَينِ المُوصَى بها إن كان مُتَّصِلًا تَبِعَها، وهو للمُوصَى له.
وإن كان مُنْفَصِلًا في حَياةِ المُوصِي، فهو له، يكونُ مِيراثًا.
وإن حَدَث بعدَ المَوْتِ قبلَ القَبُولِ، فهو للورثةِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وقيل: للوَصِيِّ.
وقد ذَكَرْناه.
2743 -
مسألة: (وإن وَصَّى له بثُلُثِ عَبْدٍ، فاسْتُحِقَّ ثُلُثاه، فله الثُّلُثُ الباقِي. وإن وَصَّى له بثُلُثِ ثلاثةِ أعْبُدٍ، فاسْتُحِقَّ اثْنان منهم أو ماتا،
1
فَلَهُ ثُلُثُ الْبَاقِي.
فله ثُلُثُ الباقِي) إذا وَصَّى له بمُعَيَّن، فاسْتُحِق بعضُه، فله ما بَقِيَ منه إن حَمَلَه الثلُثُ، فإذا وَصَّى له بثُلُثِ عَبْدٍ أو دارٍ، فاسْتُحِقَّ الثُّلُثانِ منه، فالثُّلُثُ الباقِي للمُوصَى له.
وهو قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّ الباقِيَ كلَّه مُوصًى به، وقد خرَج مِن الثُّلُثِ، فاسْتَحَقَّه المُوصَى له، كما لو كان شيئًا مُعَيَّنًا.
وإن وَصَّى له بثُلُثِ ثلاثةِ أعْبُدٍ، فهَلَكَ عَبْدان أو اسْتُحِقّا، فليس له إلَّا ثُلُثُ الباقِي.
وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرأي؛ لأنه لم يُوصِ له مِن الباقِي بأكْثرَ مِن ثُلُثِه، وقد شَرَّك بينَه وبينَ وَرَثَتِه في اسْتِحْقاقِه.
وَإنْ وَصَّى بِمعَيَّن بِقَدْرِ نِصْفِ الدِّيَةِ، فَهَلْ تُحْسَبُ الدِّيَةُ عَلَى مَالِهِ، وَمِلْكُهُ غَيرَ الْعَبْدِ مِائَتَانِ، فَأجَازَ الْوَرَثَةُ، فَلِلْمُوصَى لَهُ بالثُّلُثِ ثُلُثُ الْمِائَتَينِ وَرُبْعُ الْعَبْدِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ ثَلَاثةُ أَرْبَاعِهِ.
فَإِنْ رَدُّوا، فَقَال الْخِرَقِي: لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ سُدْسُ الْمِائَتَينِ وَسُدْسُ الْعَبْدِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ نِصْفُهُ.
وَعِنْدِي أنهُ يُقْسَمُ الثُّلُثُ بَينَهُمَا عَلَى حَسَبِ مَا لَهُمَا فِي حَالِ الإجَازَةِ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ خُمْسُ الْمِائَتَينِ وَعُشْرُ الْعَبْدِ وَنِصْف عُشْرِهِ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ رُبْعُهُ وَخُمْسُهُ.
2744 - مسألة: (وإن وَصَّى له بعَبْدٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، قِيمَتُه مائة، ولآخَرَ بثُلُثِ مالِه، ومِلْكُه غيرَ العَبْدِ مائتانِ، فأجازَ الورثةُ، فللمُوصَى له بالثُّلُثِ ثُلُثُ المائَتَين ورُبْعُ العَبْدِ، وللمُوصَى له بالعَبْدِ ثلاثةُ أرْباعِه.
وإن رَدُّوا، فقال الخِرَقِي: للمُوصَى له بالثُّلُثِ سُدْسُ المائَتَين وسُدْسُ العَبدِ، وللمُوصَى له بالعَبْدِ نِصفُه)
قال شيخُنا: (وعندِي أنَّه يُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَهما على حَسَبِ ما لهما في حالِ الإجازَةِ، لصاحِبِ الثُّلُثِ خُمْسُ المائَتَين وعُشْرُ العَبْدِ ونِصْفُ عُشْرِه، ولصاحِبِ العَبْدِ رُبْعُه وخُمْسُه) وجملةُ ذلك، أنَّه
..................................
إذا وصَّى لرجلٍ بمُعَيَّن مِن مالِه، ولآخَرَ بجُزْءٍ مُشاعٍ منه كثُلُثِه، فأُجِيزَ لهما، انْفَرَدَ صاحِبُ المُشاعِ بوَصِيَّته مِن غيرِ المُعَيَّنِ، ثم شارَكَ صاحِبَ المُعَيَّنِ فيه، فيُقْسَمُ بينَهما على قَدْرِ حَقيهما 1 فيه، ويَدْخُلُ النَّقْصُ على كلِّ واحِدٍ منهما بقَدْرِ ما لَه في الوصيةِ، كمسائِلِ العَوْلِ، وكما لو وَصَّى لرجلٍ بمالِه ولآخَرَ بجُزْءٍ منه.
فأمّا في حالِ الرَّدِّ، فإن كانت وَصِيَّتهما لا تُجاوزُ الثُّلُثَ، مِثْلَ أن يُوصِيَ لرجلٍ بسُدْسِ مالِه، ولآخَرَ بمُعَيَّنٍ قِيمَتُه سُدْسُ المال، فهي كحالةِ الإجازَةِ سَواءٌ، إذ لا أثَرَ للرَّدِّ.
وإن جاوَزَتِ الثُلُثَ, رَدَدْنا وَصِيَّتهما إلى الثلُثِ، وقَسّمْناه بينَهما على قَدْرِ وَصِيتَّيهما، إلَّا أنَّ صاحِبَ المُعَيَّنِ يَأخُذُ نَصِيبَه مِن المُعَيَّنِ، والآخَرَ يَأخُذُ حَقَّه مِن جَمِيعِ المالِ.
هذا قولُ الخِرَقِيِّ، وسائِرِ الأصْحابِ.
ويَقْوَى عِندِي أنَّهما في حالِ الرَّدِّ يَقْتَسِمانِ الثُّلُثَ، على حَسَبِ ما لَهما في حالِ الإجَازَة.
وهذا قولُ ابنِ أبي لَيلَى.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، في الرَّدِّ: يَأخُذُ صاحِبُ المُعَيَّنِ نَصِيبَه منه، ويَضُمُّ الآخَرُ سِهَامَه إلى سِهامِ الورثةِ، ويَقْتَسِمُون الباقِيَ على خَمْسَةٍ، في مِثْلِ مسألةِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ له السُّدْسَ، وللورثةِ أرْبَعَةُ أسْداسٍ.
وهو مِثْلُ قولِ
..................................
الخِرَقِيِّ، إلَّا أنَّ الخِرَقِيَّ يُعْطِه السُّدْسَ مِن جَمِيعِ المالِ، وعندَهما أنَّه يَأخُذُ خُمْسَ المائتين وعُشْرَ العَبْدِ.
واتَّفَقُوا على أنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الوَصِيَّين يَرْجِعُ إلى نِصْفِ وصيته؛ لأن كلَّ واحِدٍ منهما قد أوْصَى له بثُلُثِ المال، وقد رَجَعَتِ الوَصِيَّتانِ إلى الثُّلُثِ، وهو نِصْفُ الوَصِيَتّين، فيَرْجِعُ كلُّ واحِدٍ إلى نِصْفِ وصيته، ويَدْخُلُ النَّقْصُ على كلِّ واحِدٍ منهما بقَدْرِ ما لَه في الوصيةِ.
وفي قولِ الخِرَقِيِّ يَأخُذُ سُدْسَ الجَمِيعِ؛ لأنَّه وَصَّى له بثُلُثِ الجَمِيعِ.
وأمّا في قولِ شيخِنا، فإنَّ وصيةَ صاحِبِ العَبْدِ دُونَ وصيةِ صاحِبِ الثُّلُثِ؛ لأنه وَصَّى له بشيءٍ شَرَّكَ معه غيرَه فيه، وصاحِبُ الثُّلُثِ 1 أفرَدَه 2 بشيءٍ لم يُشَارِكْه فيه غيرُه، فوَجَبَ أن يُقْسَمَ بينَهما الثُّلُثُ حالةَ الرَّدِّ على حَسَبِ ما لَهما في حالِ الإجازَةِ، كما في سائرِ الوصايا.
ففي هذه المسألةِ، لصاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ المائَتَين سِتَّةٌ وسِتُّون وثُلُثان، لا يُزَاحِمُه الآخَرُ فيها، ويَشْتَرِكان في العَبْدِ، لهذا ثُلُثُه، وللآخَرِ جَميعُه، فابْسُطْه مِن جِنْسِ الكَسْرِ، وهو الثُّلُثُ، يَصِرِ العَبْدُ ثلاثةً، واضْمُمْ إليها الثُّلُثَ الذي للآخرِ، يَصِرْ أرْبعةً، ثم اقْسِمِ العَبْدَ على أربعةِ أسْهُمٍ، يَصِرِ