الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 326-370

كِتَابُ الْبَيْعِ

صفحات 326-370

..................................  يَجُوزُ قَرْضُ المَكِيلِ والمَوْزُونِ بِغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ اسْتِقْراضَ ما لَهُ مِثْلٌ، مِن المَكِيلِ والمَوْزُونِ والأطْعِمَةِ، جائِزٌ.
ويَجُوزُ قَرْضُ كلِّ ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، غيرَ بني آدَمَ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ قَرْضُ غيرِ 1 المَكِيلِ والمَوْزُونِ؛ لأنَّه لا مِثْلَ له، أشْبَهَ الجَواهِرَ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ بَكْرًا.
وليس بمَكِيلٍ ولا مَوْزُونٍ.
ولأنَّ ما يَثْبُتُ سَلَمًا، يُمْلَكُ بالبَيعِ، ويُضْبَطُ بالوَصْفِ، فجاز قَرْضه، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ.
وقَوْلُهم: لا مِثْلَ له.
خِلافُ أصْلِهِم، فإنَّ عندَ أبي حنيفةَ: لو أتْلَفَ ثَوْبًا، ثَبَت في ذِمَّتِه مِثْلُه، ويَجُوزُ الصُّلْعُ عنه بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه.
فأمّا ما لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، كالجَواهِرِ وشِبْهِها، فقال القاضِي: يَجُوزُ قَرْضُها، ويَرُدُّ المُسْتَقْرِضُ القِيمَةَ؛ لأنَّ ما لا مِثْلَ له يُضْمَنُ بالقِيمَةِ، والجواهِرُ كغَيرِها في القِيَمِ.
وقال أبو الخَطّابِ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ القَرْضَ يَقْتَضِي رَدَّ المِثْلِ، وليس لها مِثْلٌ، ولأنَّه لم يُنْقَلْ قَرْضُها، ولا هي في مَعْنَى ما نُقِلَ القَرْضُ فيه؛ لكَوْنِها ليست مِن المرافِقِ،

..................................  ولا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، فيَجِبُ إبْقاؤُها على المَنْعِ.
ويُمْكِنُ بِنَاءُ هذا الخِلافِ على الوَجْهَينِ في الواجِبِ في بَدَلِ غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فإذا قُلْنا: يَجِبُ رَدُّ المِثْلِ.
لم يَجُزْ قَرْضُ الجَواهِرِ، ولا ما لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا؛ لتَعَذُّرِ رَدِّ مِثْلِها.
وإنْ قُلْنا: الواجِبُ رَدُّ القِيمَةِ.
جاز قَرْضُه؛ لإِمْكانِ رَدِّ القِيمَةِ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذَين.

..................................  فصل: فأمّا بنو آدمَ، فقال أحمدُ: أكْرَهُ قَرْضَهم.
فيَحْتَمِلُ كَراهَةَ التَّنْزِيهِ، ويَصِحُّ قَرْضُهم.
وهو قولُ ابنِ جُرَيجٍ، والمُزَنِيِّ؛ لأنَّه مالٌ يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، فصَحَّ قَرْضُه، كسائِرِ الحَيَوانِ.
ويَحْتَمِلُ [أنَّه أرادَ كَراهَةَ التَّحْرِيمِ، فلا يَصِحُّ قَرْضُهم.
اخْتاره القاضِي؛ لأنَّه لم يُنْقَل قَرْضُهم، ولا هو مِن المَرافِقِ.
ويَحْتَمِلُ] 1 صِحَّةَ قَرْضِ العَبْدِ دُونَ الأَمَةِ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، إلَّا أن يُقْرِضَهُنَّ مِن ذَوى مَحارِمِهِنَّ؛ لأنَّ المِلْكَ بالقَرْضِ ضَعِيفٌ، فإنَّه لا يَمْنَعُها مِن رَدِّها على المُقْرِضِ، فلا يُسْتَبَاحُ به الوطءُ، كالمِلْكِ في مُدَّةِ الخِيارِ، وإذا لم يُبَحِ الوَطْءُ، لم يَصِحَّ القَرْضُ؛ لعَدَمِ القائِلِ بالفَرْقِ، ولأنَّ الأبْضاعَ ممّا يُحْتاطُ لها، ولو أبَحْنا قَرْضَهُنَّ، أفْضَى إلى أنَّ الرجلَ يَسْتَقْرِضُ أمَةً فيَطَؤُها ثم يَرُدُّها

..................................  مِن يَوْمِه، ومتى احْتاجَ إلى وَطْئِها اسْتَقْرَضَها فوطِئَهأ ثم رَدَّها، كما يَسْتَعِيرُ المَتاعَ فيَنْتَفِعُ به ثم يَرُدُّه.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ ناقِلٌ للْمِلْكِ، فاسْتَوَى فيه العَبْدُ والأمَةُ، كسائِرِ العُقُودِ.
ولا نُسَلِّمُ ضَعْفَ المِلْكِ، فإنَّه مُطْلَقٌ لسائِرِ 1 التَّصَرُّفاتِ، بخِلافِ المِلْكِ في مُدَّةِ الخِيارِ.
وقَوْلُهم: متى شاء المُقْتَرِضُ رَدَّها.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّنا إذا قُلْنا: الواجبُ رَدُّ القِيمَةِ.
لم يَمْلِكِ المُقْتَرِضُ رَدَّ الأمَةِ، وإنّما يَرُدُّ قِيمَتَها، وإن سَلَّمْنا ذلك، لكنْ مَتَى قَصَد المُقْتَرِضُ هذا، لم يَحِلَّ له فِعْلُه، ولا يَصِحُّ اقْتِراضة، كما لو اشْتَرَى أمَةً ليَطَأَها ثم يَرُدَّها بالمُقابَلَةِ أو بِعَيبٍ فيها، وإن وَقَع هذا بحُكْمِ الاتِّفاقِ لم يَمْنَعِ الصِّحَّةَ، كما لو وَقَع ذلك في البَيعِ، وكما لو أسْلَمَ جارِيَةً في أُخْرَى مَوْصُوفَةٍ بصِفاتِها، ثم رَدَّها بعَينِها عند حُلُولِ الأَجَلِ.
ولو ثَبَت أنَّ القَرْضَ ضَعِيفٌ لا يُبيحُ الوَطْءَ، لم يَمْنَعْ منه في الجَوارِي، كالبَيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ.
وعَدَمُ القائِلِ بالفَرْقِ ليس بشيءٍ، على ما عُرِفَ في مَواضِعِه.
وعَدَمُ نَقْلِه ليس بحُجَّةٍ؛ فإنَّ أكْثَرَ الحَيواناتِ لم يُنْقَلْ قَرْضُها، وهو جائِزٌ.
فصل: ولو اقْتَرَضَ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ غيرَ مَعْرُوفَةِ الوَزْنِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ القَرْضَ فيها يُوجِبُ رَدَّ المِثْلِ، فإذا لم يُعْرَفِ القَدْرُ، لم يُمْكِنِ

وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ بَالْقَبْضِ،  القَضَاءُ.
وكذلك لو اقْتَرَضَ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا جُزافًا، لِم يَجُزْ؛ لذلك.
ولو قَدَّرَه بمِكْيالٍ بعَينِه، أو صَنْجَةٍ بعَينِها، غيرِ مَعْرُوفَين عند العامَّةِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ تَلَفَ ذلك، فيَتَعَذَّرُ رَدُّ المِثْلِ، فأشْبَهَ السَّلَمَ.
وقد قال أحمدُ، في ماءٍ بينَ قَوْمٍ، لهم نُوَبٌ في أيامٍ مُسَمّاةٍ، فاحْتاجَ بَعْضُهم إلى أن يَسْتَقِيَ في غير نَوْبَتِه، فاسْتَقرَضَ مِن نوْبَةِ غيرِه، ليَرُدَّ عليه بَدَلَه في يومِ نَوْبَتِه: فلا بَأْسَ، وإن كان غيرَ مَحْدُودٍ كَرِهْتُه.
فكَرِهَه إذا لم يَكُنْ مَحْدُودًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ رَدُّ مِثْلِه.
فإن كانتِ الدَّراهِمُ يُتَعامَلُ بها عَدَدًا، جاز قَرْضُها عَدَدًا، ويَرُدُّ عَدَدًا.
وإنِ اسْتَقْرَضَ وَزْنًا رَدَّ وَزْنًا.
وهذا قولُ الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، والأوْزاعِيِّ.
واسْتَقْرَضَ أيُّوبُ مِن حَمّادِ بنِ زَيدٍ دَراهِمَ بمَكَّةَ عَدَدًا.
وأعْطاهُ بالبَصْرَةِ عَدَدًا.
ولأنَّه وَفَّاه مِثْلَ ما اقْتَرَضَ فيما يَتَعامَلُ به النّاسُ، فأشْبَهَ ما لو كانُوا يَتَعامَلُون بالوَزْنِ، فاقْتَرَضَ وَزْنًا ورَدَّ وَزْنًا.

1761 -

مسألة: (ويَثْبُتُ المِلْكُ فيه بالقَبْضِ)

لأنَّه عَقْدٌ يَقِفُ

..................................  التَّصَرُّفُ فيه على القَبْضِ، فوَقَفَ المِلْكُ عليه، كالهِبَةِ.

فَلَا يَمْلِكُ الْمُقْرِضُ اسْتِرْجَاعَهُ، وَلَهُ طَلَبُ بَدَلِهِ،

1762 - مسألة: (فلا يَمْلِكُ المُقْرِضُ اسْتِرْجاعَه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ القَرْضَ عَقْدٌ لازِمٌ مِن جِهةِ المُقْرِضِ، جائِزٌ في حَقِّ المُقْتَرِضِ، فلو أرادَ المُقْرِضُ الرُّجُوعَ في عَينِ مالِه لم يَمْلِكْ ذلك.
وقال الشافعيُّ: له ذلك؛ لأنَّ كلَّ ما يَمْلِكُ المُطالبَةَ بمِثْلِه، يَمْلِكُ أخْذَه إذا كان مَوْجُودًا، كالمَغْصُوبِ والعارِيَّةِ.
ولَنا، أنَّه أزال (1) مِلكَه عنه بعَقْدٍ لازِمٍ مِن غيرِ خِيارٍ، فلم يَكُنْ له الرُّجُوعُ فيه، كالبَيعِ، ويُفارِقُ المَغْصُوبَ والعارِيَّةَ، فإنَّه لم يَزُلْ مِلْكُه عنهما، ولأنَّه لا يَمْلِكُ المُطالبَةَ بمثْلِهِما مع وُجُودِهما، وفي مَسْألَتِنا بخِلافِه.
1763 -

مسألة: (وله طَلَبُ بَدَلِه)

في الحالِ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ المِثْلِ في المِثْلِيّاتِ، فأوْجَبَه حالًّا، كالإِتْلافِ.
ولو أقْرَضَه تَفارِيقَ، ثم طالبَه بها جُمْلَةً، فله ذلك؛ لأنَّ الجَمِيعَ حالٌّ، فأشْبَهَ ما لو باعَهُ بُيُوعًا حالَّةً، ثم طالبَه بثَمَنِها جُمْلَةً.
وإن أجَّلَ القَرْضَ، لم يَتَأَجَّلْ.
وكلُّ دَينٍ حَلَّ أجَلُه، لم يَصِرْ مُؤَجَّلًا بتَأْجِيلِه.
وبه قال الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالِكٌ، واللَّيثُ: يَتَأَجَّلُ الجمِيعُ بالتَّأْجِيلِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» 2. ولأنَّ المُتَعاقِدَين يَمْلِكانِ التَّصَرُّفَ في هذا العَقْدِ بالإِقالةِ والإِمْضاءِ، فملَكَا1

فَإِنْ رَدَّهُ الْمُقْتَرِضُ عَلَيهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ مَا لَمْ يَتَعَيَّبْ، أَوْ يَكُنْ فُلُوسًا،  الزِّيادَةَ فيه، كخِيارِ المَجْلِس.
وقال أبو حنيفةَ في القَرْضِ وبَدَلِ المُتْلَفِ كقَوْلِنا، وفي ثَمَنِ المَبِيعِ والأُجْرَةِ والصَّداقِ وعِوَضِ الخُلْعِ كقَوْلِهما؛ لأنَّ الأجَلَ يَقْتَضِي جُزْءًا بِن المُعَوَّضِ، والقَرْضُ لا يَحْتَمِلُ الزِّيادَةَ والنَّقْصَ في عِوَضِه، وبَدَلُ المُتْلَفِ يَجِبُ فيه المِثْلُ مِن غيرِ زِيادَةٍ ولا نَقصٍ؛ فلذلك لم يَتَأَجَّلْ، وبَقِيَّةُ الأعْواضِ يَجُوزُ الزِّيادَةُ فيها، فجاز تَأْجِيلُها.
ولَنا، أنَّ الحَقَّ يَثْبُتُ حالًّا، والتَّأْجِيلُ تَبَرُّعٌ ووَعْدٌ، فلا يَلْزَمُ الوَفاءُ به، كما لو أعارَه شيئًا، وهذا لا يَقَعُ عليه اسْمُ الشَّرْطِ، ولو سُمِّيَ، فالخَبَرُ مَخْصُوصٌ بالعارِيَّةِ (1)، فيَلْحَقُ به ما اخْتَلَفْنا فيه؛ لأنَّه مِثْلُه.
ولَنا على أبي حنيفةَ، أنَّها زِيادَةٌ بعد اسْتِقْرارِ العَقْدِ، فأشْبَه القَرْضَ.
وأمّا الإِقالةُ، فهي فَسْخٌ وابْتِداءُ عَقْدٍ آخَرَ، بخِلافِ مَسْألَتِنا، وأمّا خِيارُ المَجْلِسِ، فهو بمَنْزِلَةِ ابْتِداءِ العَقْدِ، بدَلِيلِ أنه [يُجْزِئُ فيه] (2) القَبْضُ لِما يُشْتَرَطُ قَبْضُه، والتَّعْيِينُ لِما في الذِّمَّةِ.

1764 -

مسألة: (فإن رَدَّه المُقْتَرِضُ عليه، لَزِمَه قَبُولُه ما لم

12

أَوْ مُكَسَّرَةً، فَيُحَرِّمَهَا السُّلْطَانُ، فَتَكُونُ لَهُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْقَرْضِ.
يَتَعَيَّبْ، أو يَكُنْ فُلُوسًا، أو مُكَسَّرَةً، فيُحَرِّمَها السُّلْطانُ، فتكونُ له القِيمَةُ وَقْتَ القَرْضِ) يَجُوزُ للمُقْتَرِضِ رَدُّ ما اقْتَرَضَه على المُقْرِضِ إذا كان على صِفَتِه لم يَنْقُصْ، ولم يَحْدُثْ به عَيبٌ، ويَلْزَمُ المُقْرِضَ قَبُولُه؛ لأنَّه على صِفَةِ حَقِّه، أشْبَهَ ما لو أعْطَاه غَيرَه، وقِياسًا على المُسْلَمِ فيه، وسواءٌ تَغَيَّرَ سِعْرُه، أو لم يَتَغَيَّرْ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَ المُقْرِضَ قَبُول غيرِ المِثْلِيِّ؛ لأنَّ القَرْضَ فيه يُوجِبُ رَدَّ القِيمَةِ، على أحَدِ الوَجْهَينِ، فإذا رَدَّهُ بعَينِه لم يَرُدَّ الواجِبَ عليه، فلم يَجِبْ قَبُولُه، كالبَيعِ.

..................................  فصلِ: فإن تَعَيَّبَ أو تَغَيَّرَ، لم يَجِبْ قَبُولُه؛ لأنَّ عليه في قَبُولِه ضَرَرًا، لأنَّه دُون حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو نَقَصَ.
وكذلك إن كان القَرْضُ فُلُوسًا، أو مُكَسَّرَةً، فحَرَّمَها السُّلْطَانُ وتُرِكَتِ المُعامَلَةُ بها؛ لأنَّه كالعَيبِ، فلا يَلْزَمُهُ قَبُولُها، ويَكُونُ له قِيمَتُها وَقْتَ القَرْضِ، سواءٌ كانت باقِيَةً أو اسْتَهْلَكَها.
نَصَّ عليه أحمدُ في الدَّراهِمِ المُكَسَّرَةِ، فقال: يُقَوِّمُها كم تُسَاوِي يومَ أخَذَها؟ ثم يُعْطِيه، وسواءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُها قَلِيلًا أو كَثِيرًا.
وذَكَر أبو بكْرٍ في «التَّنْبِيهِ» أنَّه يَكُونُ له قِيمَتُها وَقْتَ فَسَدَتْ وتُرِكَتِ المُعامَلَةُ بها؛ لأنَّه كان يَلْزَمُه رَدُّ مِثْلِها ما دامَتْ نافِقَةً 1، فإذا فَسَدَت، انْتَقَلَ إلى قيمَتِها حِينَئِذٍ، كما لو عَدِمَ المِثل قال القاضي: هذا إذا اتَّفَقَ النّاسُ على تَرْكِها، فأمّا إن تَعامَلُوا بها مع تَحْرِيمِ السُّلْطانِ

..................................  لها، لَزِمَهُ أخْذُها.
وقال مالِكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ: ليس له إلَّا مِثْلُ ما أقْرَضَه؛ لأنَّ ذلك ليس بعَيبٍ حَدَثَ فيها، فجَرَى مَجْرَى رُخْصِ سِعْرِها.
ولَنا، أنَّ تَحْرِيمَ السُّلْطانِ مَنَعَ إنْفاقَها، وأبْطَلَ مالِيَّتَهَا، فأشْبَهَ كَسْرَها، أو تَلَفَ أَجْزائِها، وأمّا رُخْصُ السِّعْرِ، فلا يَمْنَعُ، سواءٌ كان قَلِيلًا أو كَثِيرًا؛ لأنَّه لم يَحْدُثْ فيها شيءٌ، إنَّما تَغَيَّرَ السِّعْرُ، فأشْبَهَ الحِنْطَةَ إذا رَخُصَتْ أو غَلَتْ.
وكذلك يُخَرَّجُ في المَغْشُوشَةِ إذا حَرَّمَها السُّلْطَانُ.

وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَالْقِيمَةِ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَحْوهَا، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ وَجْهَانِ.

1765 - مسألة: (ويَجِبُ رَدُّ المِثْلِ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ، والقِيمَةِ في الجَواهِرِ ونَحْوها. وفيما سِوَى ذلك وَجْهانِ)

لا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ رَدِّ المِثْلِ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ على أنَّ مَن أسْلَفَ سَلَفًا ممّا يَجُوزُ أنْ يُسْلَفَ، فرُدَّ عليه مِثْلُه، أنَّ ذلك جائِزٌ، وأنَّ للمُسْلِفِ أخْذَ ذلك.
ولأنَّ المَكِيلَ والمَوْزُونَ يُضْمَنُ في الغَصْبِ والإِتْلافِ بمِثْلِه، فكذا ها هنا.
فإنْ أعْوَزَ المِثْلُ، لَزِمَتْهُ قِيمَتُه يومَ الإِعْوَازِ؛ لأنَّها حِينَئِذٍ ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ.
ويَرُدُّ القِيمَةَ في الجَواهِرِ ونَحْوها، إذا قُلْنا بجَوازِ قَرْضِها؛ لأنَّها مِن ذَواتِ القِيَمِ ولا مِثْلَ لها؛ لأنَّها لا تَنْضَبطُ بالصِّفَةِ 1. وفيما سِوَى ذلك وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَرُدُّ القِيمَةَ؛ لأنَّ ما أوْجَبَ المِثْلَ في المِثْلِيّاتِ أوْجَبَ القِيمَةَ فيما

..................................  لا مِثْلَ له، كالإِتْلافِ.
والثَّانِي، يَجِبُ رَدُّ مِثْلِه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ مِن رجلٍ بَكْرًا، فرَدَّ مِثْلَه.
ولأنَّ ما ثَبَت في الذِّمَّةِ في السَّلَمِ، ثَبَت في القَرْضِ، كالمِثْلِيِّ.
ويُخالِفُ الإِتْلافَ، فإنَّه لا مُسامَحَةَ فيه، فوَجَبَتِ القِيمَةُ؛ لأنَّها أحْصَرُ، والقَرْضُ أسْهَلُ، ولهذا جازتِ النَّسِيئَةُ فيما فيه الرِّبا.
ويَعْتَبِرُ مِثْلَ صِفاتِه تَقْرِيبًا، فإنَّ حَقِيقَةَ المِثْلِ إنَّما تُوجَدُ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ.
فإنْ تَعَذَّرَ المِثْلُ، فعليه قِيمَتُه يومَ التَّعَذُرِ.
وإذا قُلْنا: تَجِبُ القِيمَةُ.
وَجَبَتْ حينَ القَرْضِ؛ لأنَّها حِينَئِذٍ ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ.

وَيَثْبُتُ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ حَالًّا، وَإِنْ أَجَّلَهُ.

1766 - مسألة: (ويَثْبُتُ العِوَضُ في الذِّمَّةِ حالًّا، وإن أجَّلَه)

لأنَّ التَّأْجِيلَ في الحالِّ عِدَة وتَبَرُّعٌ، فلم يَلْزَمِ الوَفاءُ به.
وفيه اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى.
ويَنْبَغِي أن يَفِيَ له بما وَعَدَه.

وَيَجُوزُ شَرطُ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِيهِ.

1767 - مسألة: (ويَجُوزُ شَرْطُ الرَّهْنِ والضَّمِينِ فيه)

لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَهَن دِرْعَه على شعِيرٍ أخَذَه لأهْلِه.
مُتَّفَقٌ عليه 1. فصل: ويَجُوزُ قَرْضُ الخُبْزِ.
ورَخَّصَ فيه أبو قِلابَةَ، ومالكٌ.
ومَنَع منه أبو حنيفةَ.
ولَنا، أنَّه مَوْزُونٌ، فجاز قَرْضُه، كسائِرِ المَوْزُوناتِ.
وإذا أقْرَضَه بالوَزْنِ رَدَّ المُقْتَرِضُ مِثْلَه بالوَزْنِ.
وإنِ اسْتَقْرَضَه عَدَدًا رَدَّه عَدَدًا.
وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: فيه رِوايَتانِ؛ إحداهما، لا يَجُوزُ، كسائِرِ المَوْزُوناتِ.
والثانيةُ، يَجُوزُ.
وقال ابنُ أبي موسى: إذا كان يَتَحَرَّى أن يَكُونَ مِثْلًا بمِثْلٍ، فلا يَحْتاجُ إلى وَزْنٍ، والوَزْنُ أحَبُّ إليَّ.
وَوَجْهُ الجَوازِ، ما رَوَتْ عائشةُ، رَضِيَ الله عنها، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ الجِيرانَ يَقْتَرِضُونَ الخُبْزَ والخَمِيرَ، ويَرُدُّونَ زِيادَةً

وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ مَا يَجُرُّ نَفْعًا؛ نَحْوَ أَنْ يُسْكِنَهُ دَارَهُ، أَوْ يَقْضِيَهُ خَيرًا مِنْهُ، أَوْ فِي بَلَدٍ آخَرَ.
وَيَحْتَمِلُ جَوَازُ هَذَا الشَّرْطِ.
ونُقْصانًا.
فقال: «لَا بَأْسَ، إنَّ ذلِكَ مِنْ مَرَافِقِ النَّاسِ، لَا يُرَادُ بِهِ الفَضْلُ».
رَواه أبو بَكْرٍ في «الشَّافِي» بإسْنَادِهِ.
ورَوَى أيضًا بإسْنادِه، عن مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، أنَّه سُئِلَ عن اسْتِقْراضِ الخُبْزِ والخَمِيرِ، فقال: سُبْحَانَ اللهِ، إنَّما هذَا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ، فخُذِ الكَبِيرَ وأعْطِ الصَّغِيرَ، وخُذِ الصَّغِيرَ وأعْطِ الكَبيرَ، خيرُكُمْ أحْسَنُكُم قَضَاءً.
سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ ذلك (1). ولَأنَّ هذا ممّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه، ويَشُقُّ اعُتِبارُ الوَزْنِ فيه، وتَدْخُلُه المُسامَحَةُ، فأشْبَهَ دُخُولَ الحمَّامِ، والرُّكُوبَ في سَفِينَةِ المَلَّاحِ مِن غيرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ.
فإن شَرَط أنْ يُعْطِيَه أكْثَرَ ممّا أقْرَضَه أو أَجْوَدَ، كان ذلك حَرامًا.
وكذلك إن أقْرَضَه صَغِيرًا، قَصْدًا أن يُعْطِيَه كَبِيرًا؛ لأنَّ الأصْلَ تحْرِيمُ ذلك، وإنَّما أُبِيحَ لمَشَقَّةِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، فإذا قَصَد أو شَرَط، أو أُفْرِدَتِ الزِّيادَةُ، فقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه، فَحَرُمَ بِحُكْمِ الأصْلِ، كما لو فَعَل ذلك في غيرِه.

1768 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ شَرْطُ ما يَجُرُّ نَفْعًا؛ نَحْوَ أن يُسْكِنَه دارَه، أو يَقْضِيَه خَيرًا منه، أو في بَلَدٍ آخرَ. ويَحْتَمِلُ جَوازُ هذا الشَّرْطِ)

كلُّ قَرْضٍ شَرَط فيه الزِّيادَةَ فهو حَرامٌ، بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ:1

..................................  أجْمَعُوا على أنَّ المُسْلِفَ إذا شَرَط على المُسْتَسْلِفِ زِيادَةً أو هَدِيَّةً، فأسْلَفَ على ذلك، أنَّ أخْذَ الزِّيادَةِ على ذلك رِبًا.
وقد رُوِيَ عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ مسعودٍ، أنهم نَهَوْا عن قرْضٍ جَرَّ مَنْفعَةً.
ولأنَّه عَقْدُ إرْفاقٍ وقُرْبَةٍ، فإذا شَرَط فيه الزِّيادَةَ أخْرَجَه عن مَوْضُوعِه.
ولا فرْقَ بينَ الزِّيادَةِ في القَدْرِ أو في الصِّفَةِ، مثلَ أنْ يُقْرِضَهُ مُكَسَّرَةً، فيُعْطَيه صِحاحًا، أو نَقْدًا ليُعْطِيَه خَيرًا منه.
فإن شَرَط أن يُعْطِيَه إيّاه في بَلَدٍ آخَرَ، لم يَجُزْ إن كان لحَمْلِه مُؤْنَةٌ؛ لأَنه زِيادَةٌ.
وإن لم يَكُنْ لحَمْلِه مُؤْنَةٌ، فقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه لا يَجُوزُ أيضًا.
ورُويَتْ كَراهَتُه عن الحسنِ البَصْرِيِّ، ومَيمُونِ بنِ أبي شَبِيبٍ 1، وعَبْدَةَ بنِ أبي لُبابَةَ 2، ومالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ؛ لأنَّه قد يَكُونُ في ذلك زِيادَةٌ.
وقد نَصَّ أحمدُ على 3 أنَّ مَن شَرَط أن يَكْتُبَ له بها سُفْتَجَةً 4، لم يَجُزْ.
ومَعْناهُ: اشْتِراطُ القَضاءِ في بَلَدٍ آخَرَ.
ورُوِيَ عنه جَوازُ ذلك.
حَكاهُ عنه ابنُ المُنْذِرِ؛ لكَوْنِه مَصْلَحَةً لهما.
وحَكاه عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ،

..................................  والحسنِ بنِ عليٍّ، وابنِ الزُّبَيرِ، وابنِ سِيرِينَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ الأسْوَدِ، وأيُّوبَ السَّخْتِيانِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، واخْتارَه.
وذَكَرَ القاضِي أنَّ للوَصِيِّ قَرْضَ مالِ اليَتِيمِ في بَلَدٍ ليُوَفِّيَه في بَلَدٍ آخَرَ، ليَرْبَحَ خَطَرَ الطَّرِيقِ.
قال شيخُنا 1: والصَّحِيحُ جَوازُه؛ لأنَّه مَصْلَحَةٌ لهما مِن غيرِ ضَرَرٍ بواحِدٍ منهما، والشَّرْعُ لا يَرِدُ بتَحْرِيمِ المَصالِحِ التي لا مَضَرَّةَ فيها، ولأنَّ هذا ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فوَجَبَ إبْقاؤُه على الإِباحَةِ.
فصل: وإن شَرَط أن يُؤْجِرَه دارَه، أو يَبيعَه شيئًا، أو أن يُقْرِضَه المُقْتَرَضَ مَرَّةً أُخْرَى، لم يَجُزْ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعٍ وسَلَفٍ 2.

وَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيرِ شَرْطٍ، أَوْ قَضَى خَيرًا مِنْهُ، أَوْ أَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً بَعْدَ  ولأَنه شَرَط عَقْدًا في عَقْدٍ، فلم يَجُزْ، كما لو باعَه دارَه بشَرْطِ أنْ يَبِيعَه الآخَرُ دارَه.
وإن شَرَط أن يُؤْجرَه دارَه بأقَلَّ مِن أُجْرَتِها، أو على أنْ يَسْتَأْجِرَ دارَ المُقْرِضِ بأكْثَرَ مِن أُجْرَتِها، أو على أن يُهْدِيَ له، أو يَعْمَلَ له عَمَلًا، كان أبْلَغَ في التَّحْرِيمِ.
فصل: وإن شَرَط أنْ يُوَفِّيَه أنْقَصَ ممّا أقْرَضَه، لم يَجُزْ، إذا كان ممّا يَجْرِي فيه الرِّبا؛ لإِفْضائِه إلى فَواتِ المُماثَلَةِ فيما تُشْتَرَطُ (1) فيه، وإن كان في غيرِه، فكذلك.
وهو أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ القَرْضَ يَقْتَضِي رَدَّ المِثْلِ، وشَرْطُ النُّقْصانِ يُخالِفُ (2) مُقْتَضاه، فلم يَجُزْ، كشَرْطِ الزِّيادَةِ.
ولهم وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَجُوزُ؛ لأنَّ القَرْضَ جُعِلَ للرِّفْقِ بالمُسْتَقْرِضِ، وشَرْطُ النُّقْصانِ لا يُخْرِجُه عن مَوْضُوعِه، بخِلافِ الزِّيادَةِ.

1769 -

مسألة: (وإن فَعَل ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ، أو قَضَى خَيرًا

12

الْوَفَاءِ، جَازَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَرَدَّ خَيرًا مِنْهُ، وَقَال: «خَيرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً».
منه، أو أهْدَى له هَدِيَّةً بعدَ الوَفاء، جازَ) [إذا أقْرَضَه مُطْلَقًا، فقَضاه أكْثَرَ منه، أو خَيرًا منه في الصِّفَةِ أَو دُونَه برِضاهُما، جاز] 1. وكذلك إن كَتَب له سُفْتَجَةً، أو قَضاه في بَلَدٍ آخَرَ جاز.
ورَخَّصَ في ذلك ابنُ عُمَرَ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، والنَّخَعِي، والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومَكْحُولٌ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ.
وقال أبو الخَطّابِ: إن قَضاه خَيرًا منه، أو زادَه زِيادَةً بعدَ الوَفاءِ مِن غيرِ شَرْطٍ ولا مُواطَأةٍ، فعلى رِوايَتَين.
ورُوِيَ عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، وابنِ عباسٍ، أنَّه يَأْخُذُ مثلَ قَرْضِه، ولا يَأْخُذُ فَضْلًا؛ لئَلَّا يَكُونَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً.
ولَنا أنَّ (النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ بَكْرًا، فرَدَّ خَيرًا منه، وقال: «خَيرُكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضَاءً») مُتَّفَقٌ عليه 2. ولأنَّه لم يَجْعَلْ تلك الزِّيادَةَ عِوَضًا في القَرْضِ، ولا وَسِيلَةً إليه، ولا إلى اسْتِيفاءِ دَينِه، أشْبَهَ ما لو لم يَكُنْ قَرْضٌ.

..................................  وقال ابنُ أبي مُوسى: إذا زادَه بعد الوَفاءِ، فعادَ المُسْتَقْرِضُ بعدَ ذلك يَلْتَمِسُ منه قَرْضًا ثانيًا، ففَعَلَ، لم يَأْخُذْ منه إلَّا مِثْلَ ما أعْطاه، فإن أخَذَ زِيادَةً، أو أجْوَدَ ممّا أعْطاه، حَرُم، قَوْلًا واحِدًا.
وإذا كان الرجلُ مَعْرُوفًا بحُسْنِ القَضاء، لم يُكْرَهْ إقْراضُه.
وقال القاضي: فيه وَجْهٌ آخر 1، أنَّه يُكْرَهُ؛

وَإِنْ فَعَلَهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ، لَمْ يَجُزْ، إلا أنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَينَهُمَا بِهِ قَبْلَ الْقَرْضِ.
لأنَّه يَطْمَعُ في حُسْنِ عادَتِه.
وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، كان مَعْرُوفًا بحُسْنِ القَضاءِ، فهل يَسُوغُ لأحَدٍ أن يقولَ: إنَّ إقْراضَه مَكْرُوهٌ؟ ولأنَّ المَعْرُوفَ بحُسْنِ القَضاءِ خَيرُ النّاسِ وأفْضَلُهم، وهو أوْلَى النّاسِ بقَضاءِ حاجَتِه، وإجابَةِ مَسْألَتِه، وتَفْرِيجِ كُرْبَتِه، فلا يَجُوزُ أن يَكُونَ ذلك مَكْرُوهًا، وإنَّما يُمْنَعُ مِن الزِّيادَةِ المَشْرُوطَةِ.
ولو أقْرَضَه مُكَسَّرَةً، فجاءَه مكانَها بصِحاحٍ بغيرِ شَرْطٍ، جاز.
وإن جاءَه بصِحَاحٍ أقَلَّ منها، فأخَذَها بجَمِيعِ حَقِّه، لم يَجُزْ؛ لأن ذلك مُعاوَضَةٌ للنَّقْدِ بأقَلَّ منه، فكان رِبًا، وكذلك ما يُشْتَرَطُ فيه المُماثَلَةُ.

1770 -

مسألة: (وإن فَعَلَه قبلَ الوَفاءِ، لم يَجُزْ، إلَّا أن تَكُونَ

..................................  العادَةُ جارِيَةً بينَهما بذلك قبلَ القَرْضِ) إلَّا أن يُكافِئَه أو يَحْسُبَه مِن دَينِه، [إلَّا أن يَكُونَ شيئًا جَرَتِ العَادَةُ به قبلَ القَرْضِ؛ لأنَّ القَرْضَ ليس سَبَبًا له] 1. وذلك لِما روَى الأثْرَمُ أنَّ رَجلًا كان له على سَمَّاكٍ عِشْرُون دِرْهمًا، فجَعَل يُهْدِي إليه السَّمَكَ ويُقَوِّمُه حتى بَلَغ ثَلاثَةَ عَشَرَ دِرْهمًا، فسَألَ ابنَ عبّاسٍ، فقال: أعْطِه سَبْعَةَ دَراهِمَ 2. وعن ابنِ سِيرِينَ، أنَّ عُمَرَ أسْلَفَ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ عَشَرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، فأهْدَى إليه أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ مِن ثَمَرَةِ أرْضِه، فرَدَّها عليه، ولم يَقْبَلْه، فأتاه أُبَيٌّ، فقال: لقد عَلِم أهْلُ المَدِينَةِ أنِّي مِن أطْيَبِهم ثَمَرةً، وأنَّه لا حاجَةَ لنَا، فبِمَ مَنَعْتَ هَدِيَّتَنا؟ ثم أهْدَى إليه بعدَ ذلك، فقَبِلَ.
وعن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، قال: قُلْتُ لأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ: إنِّي أُرِيدُ أن أسِيرَ إلى أرضِ الجِهادِ، إلى العِراقِ.
فقال: إنَّك تَأْتِي أرضًا فاشٍ بها 3 الرِّبا، فإن أقْرَضْتَ رجلًا قَرْضًا، فأتاكَ بقَرْضِكَ ليُؤَدِّيَ إليكَ قَرْضَك ومعه هَدِيَّةٌ، فاقْبِضْ قَرْضَك، وارْدُدْ عليه هَدِيَّتَه.
رَواهما الأثْرَمُ 4. وروَى البُخَارِيُّ 5، عن أبِي بُرْدَةَ بنِ 6

..................................  أبي مُوسى، قال: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فلقِيتُ عبدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ.
وذَكَرَ حَدِيثًا.
وفيه: ثم قال لي: إنَّك بأرْضٍ فيها الرِّبا فاشٍ، فإذا كان لك على رجلٍ دَينٌ 1، فأهْدَى إليك حِمْلَ تِبْنٍ، أو حِمْلَ شَعِيرٍ، أو حِمْلَ قَتٍّ، فلا تَأْخُذْه، فإنَّه رِبًا.
قال ابنُ أبي مُوسى: ولو أقْرَضَه قَرْضًا، ثم اسْتَعْمَلَه عَمَلًا، لم يَكُنْ يَسْتَعْمِلُه مِثْلَه قبلَ القَرْضِ، كان قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً.
ولو اسْتَضافَ غَرِيمَه، ولم تَكُنِ العادَةُ جَرَت بذلك بينَهما، حَسَبَ له ما أكَلَه؛ لِما روَى ابنُ ماجه في «سُنَنِه» 2 عن أنَسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا أَقْرَضَ أحَدُكُمْ قَرْضًا، فَأهْدَى إلَيهِ أوْ حَمَلَه عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَرْكَبْهَا وَلَا يَقْبَلْهُ، إلَّا أنْ يَكُونَ جَرَى بَينَهُ وَبَينَهُ قَبْلَ ذَلِكَ».
وهذا كلُّه في مُدَّةِ القَرْضِ، فأمّا بعدَ الوَفاءِ، فهو كالزِّيادَةِ مِن غيرِ شَرْطٍ، وقد ذَكَرْناه.
فصل: ولو اقْتَرَضَ نِصْفَ دِينارٍ، فدَفَعَ إليه المُقْتَرِضُ دِينارًا

..................................  صَحِيحًا، وقال: نِصْفُه وَفاءٌ، ونِصْفُه ودِيعةٌ عِنْدَك.
أو: سَلَمٌ في شيءٍ.
صَحَّ، ولا يَلْزَمُ المُقْرِضَ قَبُولُه؛ لأنَّ عليه في الشَّرِكَةِ ضَرَرًا.
ولو اشْتَرَى بالنِّصْفِ الباقِي مِن الدِّينارِ سِلْعَةً، جاز.
فإن كان بشَرْطٍ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: أقْضِيك صَحِيحًا، بشَرْطِ أن آخُذَ منك بنِصْفِه الباقِي قَمِيصًا.
لم يَجُزْ؛ لأنَّه لم يَدْفَعْ إليه صَحِيحًا، إلَّا ليُعْطِيَه بالنِّصْفِ الباقِي فَضْلَ ما بينَ الصَّحِيحِ والمَكْسُورِ مِن النِّصْفِ المَقْضِيِّ.
وإنِ اتَّفَقا على كَسْرِه، كَسَراه.
وإنِ اخْتَلَفا، لم يُجْبَرْ أحَدُهما على ذلك؛ لأنَّه يَنْقُصُ قِيمَتَه.
فصل: ولو أفْلَسَ غَرِيمُه، فأقْرَضَه ألْفًا؛ ليُوَفِّيَه كلَّ شَهْرٍ شيئًا مَعْلُومًا، جاز؛ لأنَّه إنَّما انْتَفَعَ باسْتِيفاءِ ما هو مُسْتَحِقٌّ له.
ولو كان له عليه حِنْطَةٌ، فأقْرَضَه ما يَشْتَرِي به حِنْطَةً يُوَفِّيه إيّاها، جاز؛ لذلك.
ولو

..................................  أرادَ رجلٌ أن يَبْعَثَ إلى عِيالِه نَفَقَةً، فأقْرَضَها رجلًا على أن يَدْفَعَها إلى عِيالِه، فلا بَأْسَ إذا لم يَأْخُذْ عليها شيئًا.
وإنْ أقْرَضَ أكّارَه 1 ما يَشْتَرِي به بَقَرًا يَعْمَلُ عليها في أرْضِه، أو بَذْرًا يَبْذُرُه فيها، فإن كان شَرَطَ ذلك في القَرْضِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه شَرَط ما يَنْتَفِعُ به، أشْبَهَ الزِّيادَةَ.
وإن لم يَكُنْ شَرْطًا، فقال ابنُ أبي مُوسى: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً.
قال: ولو قال: أقْرِضْنِي ألْفًا، وادْفَعْ إلَيَّ أرْضَكَ أزْرَعْها بالثُّلُثِ.
كان خَبِيثًا.
قال شيخُنا 2: والأوْلَى جَوازُ ذلك إذا لِم يَكُنْ مَشْرُوطًا؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه، والمُسْتَقْرِضُ إنَّما يَقْصِدُ نفْعَ نَفْسِه، وإنَّما يَحْصُلُ انْتِفاعُ المُقْرِضِ ضِمْنًا، فأشْبَهَ أخْذَ السُّفْتَجَةِ به، وإيفاءَه في بَلَدٍ آخَرَ، مِن حيثُ إنَّه مَصْلَحَةٌ لهما جَمِيعًا.
فصل: قال أحمدُ في رجلٍ اقْتَرَضَ دَراهِمَ، وابْتاعَ بها منه شيئًا، فخَرَجَت زُيُوفًا: فالبَيعُ جائِزٌ، ولا يَرْجِعُ عليه بشيءٍ.
يَعْنِي لا يَرْجِعُ البائِعُ على المُشْتَرِي ببَدَلِ الثَّمَنِ؛ لأنَّها دَراهِمُه 3، فعَيبُها عليه، وإنَّما له على المُشْتَرِي بَدَلُ ما أقْرَضَه إيّاه بصِفَتِه زُيُوفًا.
وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ فيما إذا

..................................  باعَه السِّلْعَةَ بها، وهو يَعْلَمُ عَيبَها 1، فأمّا إن باعَه في ذِمَّتِه بدَراهِمَ، ثم قَبَض هذه بَدَلًا عنها غيرَ عالِمٍ بها، فيَنْبَغِي أن يَجِبَ له دَراهِمُ خالِيَةٌ مِن العَيبِ، ويَرُدُّ هذه عليه، وللمُشْتَرِي رَدُّها على البائِعِ وَفاءً عن القَرْضِ، ويَبْقَى الثَّمَنُ في ذِمَّتِه.
وإن حَسَبَها على البائِعِ وَفاءً عن القَرْضِ، ووَفّاه الثَّمَنَ جَيِّدًا، جاز.
قال: ولو أقْرَضَ رجلًا دَراهِمَ، وقال: إذا مِتُّ فأنت في حِلٍّ.
كانت وَصِيَّةً.
وإن قال: إنْ مِتَّ فأنت في حِلٍّ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ هذا إبْراءٌ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ، ولا يَصِحُّ ذلك.
والأوَّلُ وَصِيَّةٌ؛ لأنَّه عَلَّقَه على مَوْتِ نَفْسِه، وذلك جائِزٌ.
قال: ولو أقْرَضَه تِسْعِين دِينارًا وَزْنًا، بمائَةٍ عَدَدًا وزْنُها تِسْعُون، وكانت لا تَنْفَقُ في مكانٍ إلَّا بالوَزْنِ، جاز، وإن كانت تَنْفَقُ برُءُوسِها، فلا.
وذلك لأنَّها إذا كانت تَنْفَقُ في مكانٍ برُءُوسِها، كان ذلك زِيادَةً؛ لأنَّ تِسْعِينَ مِن المائَةِ تَقُومُ مَقامَ التِّسْعِين التي أقْرَضَه إيّاها، وَيَسْتَفْضِلُ عَشَرَةً، ولا يَجوزُ اشْتِراطُ الزِّيادَةِ، وإذا كانت لا تَنْفَقُ إلَّا بالوَزْنِ، فلا زِيادَةَ فيها وإنِ اخْتَلَفَ عَدَدُها.
قال: ولو قال: اقْتَرِضْ لي مِن فُلانٍ مائَةً، ولك عَشَرَةٌ.
فلا بَأْسَ، ولو قال: اكْفُلْ عَنِّي، ولك ألْفٌ.
لم يَجُزْ؛ وذلك لأنَّ قَوْلَه: اقْتَرِضْ لي ولك عَشَرَةٌ.
جَعالةٌ على فِعْلٍ مُباحٍ، فجازَت، كما لو قال: ابْنِ لي هذا الحائِطَ، ولك عَشَرَةٌ.
وأمّا الكَفالةُ؛ فلأنّ الكَفِيلَ يَلْزَمُه أداءُ الدَّينِ، فإذا أدّاه وَجَب له على المَكْفُولِ عنه، فصارَ كالقَرْضِ، فإذا أخَذَ عِوَضًا، صار قَرْضًا

وَإِذَا أَقْرَضَهُ أَثْمَانًا، فَطَالبَهُ بِهَا بِبَلَدٍ آخَرَ، لَزمَتْهُ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ غَيرَهَا، لَمْ تَلْزَمْهُ.
فَإِنْ طَالبَهُ بِالْقِيمَةِ، لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا.
جَرَّ مَنْفَعَةً، فلم يَجُزْ.

1771 -

مسألة: (وإذا أقْرَضَه أثْمانًا، فطالبَه بها ببَلَدٍ آخَرَ، لَزِمَتْه. وإن أقْرَضَه غيرَها)

فطالبَه بها (لم تَلْزَمْه.
فإن طالبَه بالقِيمَةِ، لَزِمَه أداؤُها) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا أقْرَضَه ما لحَمْلِه مُؤْنَةٌ، فطالبَه بمِثْلِه بِبَلَدٍ آخَرَ، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّه لا يَلْزمُه حَمْلُه إلى ذلك البَلَدِ.
فإن تَبَرَّعَ المُقْتَرِضُ بدَفْعِ المِثْلِ، وأبَى المُقْرِضُ قَبُولَه، فله ذلك؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في قَبْضِه؛ لأنَّه رُبَّما احْتاجَ إلى حَمْلِه إلى المكانِ الذي أقْرَضَه فيه، وله المُطالبَةُ بقِيمَةِ ذلك في البَلَدِ الذي أقْرَضَه فيه؛ لأنَّه المكانُ الذي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فيه.
ولو أقْرَضَه أثْمانًا، أو ما لا مُؤْنَةَ لحَمْلِه، وطالبَه بها، وهما ببَلَدٍ آخَرَ، لَزِمَه دَفْعُه؛ لأنَّ تَسْلِيمَه إليه في هذا البَلَدِ وغيرِه واحِدٌ.

..................................  فصل: ولو أقْرَضَ ذِمِّيٌّ ذمِّيًّا خَمْرًا، ثم أسْلَما أو أحَدُهما، بَطَل القَرْضُ، ولم يَجِبْ على المُقْتَرَضِ شيءٌ، سواءٌ كان هو المُقْتَرِضَ أو المُقْرِضَ؛ لأنَّه إذا أسْلَمَ لم يَجُزْ أنْ يَجِبَ عليه خمْرٌ؛ لعَدَمِ مالِيَّتِها، ولا

..................................  يَجِبُ بَدَلُها؛ لأنَّه لا قِيمَةَ لها، ولذلك 1 لا يَضْمَنُها إذا أتْلَفَها.
وإن كان المُقْرِضَ، لم يَجِبْ له شيءٌ؛ لِما ذَكَرْنا.
والله أَعْلَمُ.

بَابُ الرَّهْنِ

بابُ الرَّهْنِ الرَّهْنُ في اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ والدَّوَامُ.
يُقالُ: ماءٌ راهِنٌ.
أي راكِدٌ.
ونِعْمَةٌ راهِنَةٌ.
أي دائِمَةٌ.
وقِيلَ: هو الحبْسُ.
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ 1. وقال الشاعرُ: 2 وفارَقَتْكَ برَهْنٍ لا فَكاكَ له … يَوْمَ الوَداعِ فأضْحَى الرَّهْنُ قد غَلِقَا شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِه لها واحْتباسَه عندَها لوَجْدِه بِها، بالرَّهْنِ الذي يَلْزَمُه المُرْتَهِنُ فيَحْبِسُه عِنْدَه ولا يُفارِقُه.
وغَلَقُ الرَّهْنِ؛ اسْتِحْقاقُ المُرْتَهِنِ إيّاه لعَجْزِ الرّاهِنِ عن فَكاكِه.

وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ،

1772 - مسألة: (وهو وَثِيقَةٌ بالحَقِّ)

الرَّهْنُ في الشَّرْعِ؛ المالُ الذي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بالدَّين؛ ليُسْتَوْفَى مِن ثَمَنِه إن تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤُه مِن ذِمَّةِ الغَرِيمِ.
وهو جائِزٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ.
قال اللهُ سبحانَه وتعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 1. ورَوَتْ عائِشَةُ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى مِن يَهُودِيٍّ طَعامًا، ورَهَنَه دِرْعَه.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وعن أبي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» 3. وأجْمَعَ المُسْلِمُون على جَوازِ الرَّهْنِ في الجُمْلَةِ.
فصل: ويَجُوزُ الرَّهْنُ في الحَضَر كجَوَازِه في السَّفَرِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلَمُ أحَدًا خالفَ في ذلك، إلَّا مُجاهِدًا، قال: ليس الرَّهْنُ إلَّا في السَّفَرِ؛ [لأنَّ اللهَ تعالى شَرَط السَّفَرَ 4 في الرَّهْنِ بقَوْلِه] 5 تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اشْتَرَى مِن يَهُودِيٍّ طَعامًا ورَهَنَه دِرْعَه، وكانا بالمَدِينَةِ.
ولأنَّها وَثِيقَةٌ تَجُوزُ في السَّفَرِ، فجازَت في الحَضَرِ، كالضَّمانِ.
فأمّا ذِكْرُ السَّفَرِ،

لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ، جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، يَجُوزُ عَقْدُهُ مَعَ الْحَقِّ وَبَعْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ، إلا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ.
فإنَّه خَرَج مَخْرَجَ الغالِبِ؛ لكَوْنِ الكاتِبِ يُعْدَمُ في السَّفَرِ غالِبًا؛ ولهذا لم يَشْتَرِط عَدَمَ الكاتِبِ، وهو مَذْكُورٌ في الآيَةِ.
فصل: وهو غيرُ واجِبٍ.
لا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ بالدَّينِ، فلم يَجِبْ، كالضَّمانِ والكِتابَةِ.
وقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
إرْشادٌ لنا لا إيجابٌ عَلَينا، بدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.
ولأنَّه أمَرَ به عندَ إعْوازِ الكِتابَةِ، وهي غيرُ واجِبَةٍ، فكذلك بَدَلُها.

1773 -

مسألة: وهو (لازِمٌ في حَقِّ الرّاهِنِ، جائِزٌ في حَقِّ المُرْتَهِنِ)

لأنَّ العَقْدَ لحَقِّه وَحْدَه، فكان له فَسْخُه، كالمَضْمُونِ له.
وهو لازِمٌ من جِهَةِ الرّاهِنِ؛ لأنَّ الحَظَّ لغَيرِه، فلَزِمَ مِن جِهَتِه، كالضَّمانِ في حَقِّ الضّامِنِ.
1774 -

مسألة: (يَجُوزُ عَقْدُه مع الحَقِّ وبعدَه، ولا يَجُوزُ قبلَه، إلَّا عندَ أبي الخَطّابِ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الرَّهْنَ لا يَخْلُو مِن أحْوالٍ ثَلاثَةٍ؛

..................................  أحدُها، أن يقَعَ مع الحَقِّ، فيَقُولُ: بِعْتُكَ هذا بعَشَرَةٍ إلى شَهْرٍ، تَرْهَنُنِي بها كذا.
فيَقُولُ: قَبلْتُ.
فيَصِحُّ ذلك.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأَنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ثُبُوتِه، فإنَّه لو لم يَعْقِدْه مع ثُبُوتِ الحَقِّ، ويَشْتَرِطْه فيه، لم يَتَمَكَّنْ مِن إلْزامِ المُشْتَرِي عَقْدَه، وكانتِ الخِيَرَةُ إلى المُشْتَرِي، والظاهِرُ أنَّه لا يَبْذُلُه، فتَفُوتُ الوَثِيقَةُ بالحَقِّ.
الحالُ الثّانِي، أن يَقَعَ بعدَ الحَقِّ، فيَصِحُّ بالإِجْماعِ؛ لأنَّه دَينٌ ثابِتٌ تَدْعُو الحاجَةُ إلى الوَثِيقَةِ به، فجازَ أخْذُها به، كالضَّمانِ، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
جَعَلَه بَدَلًا عن الكِتَابَةِ، فيَكُونُ في مَحَلِّهِا، ومَحَلُّها بعدَ وُجُوبِ الحَقِّ، ولأنَّ في الآيَةِ ما يَدُلُّ على ذلك، وهو قَوْلُه تَعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ 1. فجَعَله مَذْكُورًا بعدَها بفاءِ التَّعْقِيبِ.
الحالُ الثالِثُ، أن يَرْهَنَه قبلَ الحَقِّ، فيَقُولُ رَهَنْتُك عَبْدِي هذا بعَشَرَةٍ تُقْرِضُنِيها.
فلا يَصِحُّ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
اختارَه أبو بكرٍ، والقاضِي.
وذَكَر القاضِي، أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في روايةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
واخْتارَ أبو الخَطّاب أنَّه يَصِحُّ.
فإذا قال: رَهَنْتُك ثَوْبِي هذا بعَشَرَةٍ تُقرِضُنِيها غَدًا.

وَيَصِحُّ رَهْنُ كُلِّ عَينٍ يَجُوزُ بَيعُهَا،  وَسلَّمَه إليه، ثم أقْرَضَه الدَّراهِمَ، [لزِمَه الرَّهْنُ] (1). وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، ومالكٍ؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ بالحَقِّ، فجازَ عَقْدُها قبلَ وُجُوبِه، كالضَّمانِ، أو فجازَ انْعِقادُها على شيءٍ يَحْدُثُ في المُسْتَقْبَلِ، كضَمانِ الدَّرْكِ.
ولَنا، أنَّه وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ لا يَلْزَمُ قَبْلَه، فلم يَصِحَّ قَبْلَه، كالشَّهادَةِ، ولأنَّ الرَّهْنَ (2) تابعٌ للحَقِّ، فلا يَسْبِقُه، كالشَّهادَةِ، وأمّا الضَّمانُ، فيَحْتَمِلُ أن يُمْنَعَ صِحَّتُه، وإنْ سَلَّمْناه، فالفَرْقُ بينَهما أنَّ الضَّمانَ الْتِزامُ مالٍ تَبَرُّعًا بالقَوْلِ، فجازَ مِن غيرِ حَقٍّ ثابِتٍ، كالنَّذْرِ.

1775 -

مسألة: (ويَصِحُّ في كلِّ عَينٍ يَجُوزُ بَيعُها)

لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الاسْتِيثاقُ بالدَّينِ؛ لِيُتَوَصَّلَ إلى اسْتيفائِه مِن ثَمَنِ الرَّهْنِ إن تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُه مِن ذِمَّةِ الرّاهِنِ، وهذا يَتَحَقَّقُ في كلِّ ما يَجُوزُ بَيعُه، ولأنَّ 3 ما كان مَحَلًّا للبَيعِ كان مَحَلًّا لحِكْمَةِ الرَّهْنِ، ومَحَلُّ الشيءِ مَحَلُّ12

إلا الْمُكَاتَبَ، إِذَا قُلْنَا: اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ.
لَمْ يَجُزْ رَهْنُهُ.
حِكْمَتِه إلَّا أن يَمْنَعَ مِن ثُبُوتِه مانِعٌ، أو يَفُوتَ بشَرْطٍ، فيَنْتَفِيَ (1) الْحُكْمُ بِهِ.

1776 -

مسألة: (إلَّا المُكاتَبَ، إذا قُلْنا: اسْتِدامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ. لم يَجُزْ رَهْنُه)

إذا قُلْنا: لا يَجُوزُ بَيعُ المُكاتَبِ.
لم يَجُزْ رَهْنُه؛ لعَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِ الرَّهْنِ به.
وإن قُلْنا: يَجُوزُ بَيعُه.
وقُلْنا: اسْتِدامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ في الرَّهْنِ.
لم يَصِحَّ.
والصَّحِيحُ أنَّ اسْتِدامَةَ القَبْضِ شَرْطٌ، فلا يَصِحُّ رَهْنُه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ اسْتِدامَةَ القَبْضِ غيرُ مُمْكِنَةٍ في حَقِّ المُكاتَبِ؛ لمُنافاتِها مُقْتَضَى الكِتابَةِ.
وقال القاضِي: قِياسُ المَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِه.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ؛ لأنَّه يَجُوزُ بَيعُه وإيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه.
فعلى هذا، يَكُونُ ما يُؤَدِّيه من نُجُومِ الكِتابَةِ رَهْنًا معه، وإن عَجَز، ثَبَت الرَّهْنُ فيه وفي اكْتِسابِه، وإن عَتَق كان ما أدّاهُ مِن نُجُومِه بعدَ عَقْدِ الرَّهْنِ رَهْنًا، لمَنْزِلَةِ ما لوْ كَسَب العَبْدُ، ثم ماتَ.
فصل: فأمّا المُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ، فإن كانت تُوجَدُ قبلَ حُلُولِ الدَّينِ، لم يَصِحَّ رَهْنُه؛ لكَوْنِه لا يُمْكِنُ بَيعُه عندَ حُلُولِ الحَقِّ، ولا اسْتِيفَاءُ الدَّينِ1

..................................  مِن ثَمَنِه.
وإن كان الدَّينُ يَحِلُّ قَبْلَها، صَحَّ رَهْنُه؛ لإِمْكانِ بَيعِه واسْتِيفاءِ الدَّينِ مِن ثَمَنِه، وإن كانت تَحْتَمِلُ الأمْرَينِ، كقُدوم زَيدٍ، فقِياسُ المَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِه؛ لأنَّه في الحالِ مَحَلٌّ للرَّهْنِ، ويُمْكِنُ أنْ يَبْقَى حتى يَسْتَوْفِيَ الدَّينَ مِن ثَمَنِه، فأشْبَهَ المَرِيضَ والمُدَبَّرَ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ فيه غَرَرًا، إذْ يَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ اخْتِلافٌ، كنحو هذا.
فصل: ويَجُوزُ رَهْنُ الجارِيَةِ دُونَ وَلَدِها، وَوَلَدِها دُونَها وإن كان صَغِيرًا؛ لأنَّ الرَّهْنَ لا يُزِيلُ المِلْكَ، فلا يَحْصُلُ بذلك تَفْرِقَةٌ، ولأنَّه يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الوَلَدِ مع أُمِّهِ، والأُمِّ مع وَلَدِها، فإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى بَيعِ أحَدِهما بِيعَ معه الآخَرُ؛ لأنَّ الجَمْعَ في العَقْدِ مُمكِنٌ، والتَّفْرِيقَ حَرامٌ.
فإذا بِيعَا مَعًا، تعَلَّقَ حَقُّ المُرْتَهِنِ مِن ذلك بقَدْرِ قِيمَةِ الرَّهْنِ مِن الثَّمنِ، فإذا كانتِ الجارِيَةُ رَهْنًا، وكانت قِيمَتُها مائَةً، مع أنَّها ذاتُ وَلَدٍ، وقِيمَةُ الوَلَدِ خَمْسُون، فحِصَّتُها ثُلُثا الثَّمَنِ.
فإن لم يَعْلَمِ المُرْتَهِنُ بالوَلَدِ، ثم عَلِمَ،

وَيَجُوزُ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إِلَيهِ الْفَسَادُ بِدَينٍ مُؤَجَّلٍ، وَيُبَاعُ، وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا.
فله الخِيارُ في الرَّدِّ والإِمْساكِ؛ لأنَّ الوَلَدَ عَيبٌ فيها؛ لكَوْنِه لا يمكِنُ بَيعُها بدُونِه، فإن أمْسَكَ فلا شيءَ له غيرُها، وإن رَدَّها فله فَسْخُ البَيعِ، إن كانت مَشْرُوطَةً فيه.

1777 -

مسألة: (ويَجُوزُ رَهْنُ ما يُسْرِعُ إليه الفَسادُ بدَينٍ مُؤَجَّلٍ، ويُباعُ ويُجْعَلُ ثَمَنُه رَهْنًا)

يَجُوزُ رَهْنُ ما يُسْرِعُ إليه الفَسادُ بدَينٍ حالٍّ ومُؤَجَّلٍ؛ لأنَّه يُمْكِنُ إيفاءُ الدَّين.
مِن ثَمَنِه، أشبَهَ الثَّوْبَ، سواءٌ كان مِمّا يُمْكِنُ تَجْفِيفُه، كالعِنَبِ، أو لا يُمْكِنُ، كالبِطِّيخِ، فإنْ كان مِمّا يُجَفَّفُ، فعلى الرّاهِنِ تَجْفِيفُه؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ حِفْظِه وتبْقِيَتِه، فأشْبَهَ نَفَقَةَ الحَيَوانِ.
وإن كان مِمّا لا يُجَفَّفُ، فإنَّه يُباعُ ويَقْضِي الدَّينَ مِن ثَمَنِه إن كان حالًّا، أو يَحِلُّ قبلَ فسادِه، وإن لم يَحِلَّ قبلَ فَسادِه، فشَرَطا بَيعَه وجَعْلَ ثَمَنِه رَهْنًا، فَعَلا ذلك.
وإن أطْلَقَ العَقْدَ، فذَكَرَ القاضِي فيه وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ بَيعَ الرَّهْنِ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ لا يَقْتَضِيه عَقْدُ الرَّهْنِ، فلم يَجِبْ، كما لو شَرَط أنْ لا يَبِيعَه.
والثّاني، يَصِحُّ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ العُرْفَ يَقْتَضِي ذلك؛ لكَوْنِ المالِكِ لا يُعَرِّضُ مِلْكَه للتَّلَفِ

وَيَجُوزُ رَهْنُ الْمُشَاعِ،  والهَلاكِ، فإذا تَعَيَّنَ حِفْظُه في بَيعِه، حُمِلَ عليه مُطْلَقُ العَقْدِ، كالتَّجْفِيفِ في العِنَبِ، والإِنْفاقِ على الحَيَوانِ.
وللشافعيِّ قَوْلان، كالوَجْهَين.
فأمّا إن شَرَطا أن لا يُباعَ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه شَرَط ما يَتَضَمَّنُ فَسادَه، وفَواتَ المَقْصُودِ، فأشْبَهَ ما لو شَرَط عدمَ النَّفَقَةِ على الحَيَوانِ.
إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّه إن شَرَط للمُرْتَهِنِ بَيعَه، أو أذِنَ له فيه بعدَ العَقْدِ، أو اتَّفَقا على أنَّ الرّاهِنَ يَبِيعُه أو غيرَه، باعَه، وإلَّا باعَه الحاكِمُ، وجَعَل ثَمَنَه رَهْنًا، ولا يَقْضِي الدَّينَ مِن ثَمَنِه؛ لأنَّه لا يَجُوزُ له تَعْجيلُ وفاءِ الدَّينِ قبلَ حِلِّه.
وكذلك الحُكْمُ إن رَهَنَه ثِيابًا فخافَ تَلَفَها، أَو حَيَوانًا فخافَ مَوْتَه، لِما ذَكَرنا.

1778 -

مسألة: (ويَجُوزُ رَهْنُ المُشَاعِ)

وبه قال ابنُ أبي لَيلَى، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، والأوْزَاعِيُّ، والعَنْبَرِيُّ 1، والشَّافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يَصِحُّ، إلَّا أن يَرْهَنَه لشَرِيكِه، أو يَرْهَنَها

ثُمَّ إِنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ وَالْمُرْتَهِنُ بِكَوْنِهِ فِي يَدِ أحَدِهِمَا أوْ غَيرِهِمَا، جَازَ، وَإنِ اخْتَلَفَا، جَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي يَدِ أمِين، أمانَةً، أوْ بِأُجْرَةٍ.
الشَّرِيكانِ لرجلٍ واحِدٍ، أو يَرْهَنَ رجلٌ دارَه مِن رَجُلَين، فيَقْبِضانِها معًا؛ لأنَّه عَقْدٌ تَخَلَّفَ عنه مَقْصُودُه لمَعْنًى اتَّصَلَ به، فلم يَصِحَّ، كما لو تَزَوَّجَ أخْتَهُ مِن الرَّضاعِ.
بَيانُه، أنَّ مَقْصُودَه الحَبْسُ الدّائِمُ، والمُشاعُ لا يُمْكِنُ المُرْتَهِنُ حَبْسَه؛ لأنَّ شَرِيكَه يَنْتَزِعُه في نَوْبَتِه، ولأنَّ اسْتِدامَةَ القَبضِ شَرْطٌ، وهذا يَسْتَحِقُّ زَوال العَقْدِ عنه لمَعْنًى قارَنَ 1 العَقْدَ، فلم يَصِحَّ رَهْنُه، كالمَغْصُوبِ.
ولَنا، أنَّ المُشاعَ يَصِحُّ بَيعُه في محلِّ الحَقِّ، فصَحَّ رَهْنُه، كالمُفْرَزِ 2. قَوْلُهم: مَقْصُودُه الحَبْسُ.
مَمْنُوعٌ، إنَّما المَقْصُودُ اسْتِيفاءُ الدَّينِ مِن ثَمَنِه عندَ تَعَذُّرِه مِن غَيرِه، والمُشاعُ قابِلٌ لذلك، ثم يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه برَهْنِ القاتِلِ والمُرْتَدِّ والمَغْصُوبِ، ورَهْنِ مِلكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فإنَّه يَصِحُّ عندَهم.
إذا ثَبَت ذلك (فرَضِيَ الشَّرِيكُ والمُرْتَهِنُ بكَوْنِه في يَدِ أحَدِهما أو غيرِهما، جاز) لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما (فإنِ اخْتَلَفا، جَعَلَه الحاكِمُ في يَدِ أمين، أمانَةً، أو بأجْرَةٍ) لأنَّ المالِكَ لا يَلْزَمُه تَسْلِيمُ ما لم يَرْهَنْه، والمُرْتَهِنُ لا يَلْزَمُه تَرْكُ الرَّهْنِ عندَ

جارٍ التحميل