الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 5-45

بابُ

الشَّركَةِ الشَّرِكَةُ: هي الاجْتِماعُ في اسْتِحْقاقٍ أو تَصَرُّفٍ.
وهي ثابِتَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمّا الكِتابُ فقَوْلُه سُبْحانَه وتعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ 1. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ 2 الآية.
والْخُلَطاءُ هم الشُّرَكاءُ.
ومِن السُّنَّةِ ما رُوِيَ أنَّ البَراءَ بنَ عازِبٍ وزَيدَ بنَ أَرْقَمَ كانا شَرِيكَين، فاشْتَرَيا فِضَّةً بنَقْدٍ ونسِيئَةٍ، فبَلَغِ ذلك رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأمَرَهما أنَّ ما كان بنَقْدٍ فأجِيزُوه، وما كان نَسِيئةً فَرُدُّوه 3. ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:

وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، شَرِكَةُ الْعِنَانِ،  أنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَينِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ أحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَينِهِمَا».
رَواه أبو داودَ (1). ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «يَدُ اللهِ عَلَى الشَّرِيكَينِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا» (2). وأجْمَعَ المُسْلِمُون على جَوازِ الشَّرِكَةِ في الجُمْلَةِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في أنْواعٍ منها نُبَيِّنُها إن شاء اللهُ تعالى.
والشَّرِكَةُ نَوْعانِ؛ شَرِكَةُ أمْلاكٍ، وشَرِكَةُ عُقُودٍ.
وهذا البابُ لشَرِكَةِ العُقُودِ.

2040 -

مسألة: (وهي على خَمْسَمةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، شَرِكَةُ

12

..................................  العِنانِ) والثَّانِي، شَرِكَةُ 1 المُضارَبَةِ، وشَرِكَةُ الوُجُوهِ، وشَرِكَةُ الأبدانِ، وشَرِكَةُ المُفاوَضَةِ.
ولا يَصِحُّ شيءٌ منها إلّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على التَّصَرُّفِ [في المالِ] 2، فلم يَصِحَّ مِن غيرِ جائِزِ التَّصَرُّفِ في المالِ، كالبَيعَ.
فصل: قال أحمدُ: يُشارِكُ اليَهُودِيَّ والنَّصْرانِيَّ، ولكِنْ لا يَخْلُو اليَهُودِيُّ والنَّصْرانيُّ بالمالِ دُونَه، ويَكُونُ هو الذي يَلِيه؛ لأنَّه يَعْمَلُ بالرِّبا.
وبهذا قال الحَسَنُ، والثَّوْرِيُّ.
وكَرِهَ الشافعيُّ مُشارَكَتَهم مُطْلَقًا؛ لأنَّه رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ أنَّه قال: أكْرَهُ أن يُشارِكَ المُسْلِمُ اليَهُودِيَّ.
ولا يُعْرَفُ له مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ، ولأنَّ مال اليَهُودِيِّ وانَّصْرانِيِّ ليس بطَيِّبٍ، فإنَّهم يَبِيعُون الخَمْرَ، ويَتَعامَلُون بالرِّبا، فكُرِهَتْ مُعامَلَتُهم.

..................................  ولَنا، ما روَى الخَلَّالُ 1 بإسْنادِه، عن عَطاءٍ قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عنَ مُشارَكَةِ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ، إلَّا أن يَكُونَ الشِّراءُ والبَيعُ بيَدِ المُسْلِمِ.
ولأنَّ العِلةَ في كَراهَةِ ما خَلَوْا به مُعامَلَتُهم بالرِّبا، وبَيعُ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، وهذا مُنْتَفٍ فيما حَضَرَه المُسْلِمُ أو وَلِيَه.
وقولُ ابنِ عباسٍ مَحْمُولٌ على هذا، فإنَّه عَلَّلَ بكَوْنِهم يُرْبُون.
كذلك رَواه الأثْرَمُ 2 عن أبي حَمْزَةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنه قال: لا تُشارِكَنَّ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولا مَجُوسِيًّا؛ لأنَّهم يُرْبُون، وإنَّ الرِّبا لا يَحِلُّ.
وهو قولُ واحدٍ مِن الصَّحابَةِ لم يَنْتَشِرْ بينَهم، وهم لا يَحْتَجُّون به.
وقَوْلُهم: إنَّ أمْوالهم غيرُ طَيِّبَةٍ.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد عامَلَهم، ورَهَن دِرْعَه عندَ يَهُودِيٍّ على شَعِيرٍ أخَذَه لأَهْلِه 3، وأرْسَلَ إلى آخَرَ يَطْلُبُ منه ثَوْبَين إلى المَيسَرَةِ 4، وأَضافَه يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وإهَالةٍ سَنِخَةٍ 5. ولا يَأْكُلُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلَّا الطَّيِّبَ.
وما باعُوه مِن الخَمْرِ والخِنْزِيرِ قبلَ مُشارَكَةِ المُسْلِمِ، فثَمَنُه حَلالٌ؛ لاعْتِقادِهم حِلَّه؛ ولهذا قال عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: وَلُّوهُمْ

وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ بِمَاليهِمَا لِيَعْمَلَا فِيهِ ببَدَنَيهِمَا، وَرِبْحُهُ لَهُمَا، فَيَنْفُذَ تَصَرُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِمَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ في نَصِيبهِ، وَالْوَكَالةِ في نَصِيبِ شَرِيكِهِ.
بَيعَها وخُذُوا أَثْمانَها 1. فأمّا ما يَشْتَرِيه أو يَبِيعُه مِن الخَمْرِ بمالِ الشَّرِكَةِ أو المُضارَبَةِ فإنّه يَقَعُ فاسِدًا، و 2 عليه الضَّمانُ؛ لأنَّ عَقْدَ الوَكِيلِ يَقَعُ للمُوَكِّلِ، والمُسْلِمُ لا يَثْبُتُ مِلْكُه على الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فأشبَهَ شِراءَ المَيتَةِ والمُعامَلَةَ بالرِّبا.
وما خَفِي أمْرُه ولم يُعْلَمْ، فهو مُباحٌ بالأصْلِ.
فأمّا المَجُوسِيُّ، فإنَّ أحمدَ كَرِهَ مُشارَكَتَه ومُعامَلَتَه؛ لأنَّه يَسْتَحِلُّ ما لا يَسْتَحِلُّ هذا.
قال حَنْبَلٌ: قال عَمِّي: لا يُشارِكُه ولا يُضارِبُه.
وهذا، واللهُ أَعْلَمُ، على سَبيلِ الاسْتِحْبابِ لتَرْكِ مُعامَلَتِه، والكَراهَةِ لمُشارَكَتِه.
فإن فَعَل، صَحَّ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه صَحِيحٌ.
فصل: وشَرِكَةُ العِنانِ (أن يَشْتَرِكَ اثْنان بماليهما ليَعْمَلا فيه ببَدَنَيهما، ورِبْحُه لهما، فيَنْفُذَ تَصَرُّفُ كلِّ واحدٍ منهما فيهما بحُكْمِ المِلْكِ في نَصِيبِه، والوَكالةِ في نَصِيبِ شَرِيكِه) وهي جائِزَةٌ بالإِجْماعِ.
ذَكَرَه ابنُ المُنْذِرِ.
وإنَّما اخْتُلِفَ في بعضِ شُرُوطِها، واخْتُلِفَ في عِلَّةِ تَسْمِيَتِها بهذا الاسْمِ، فقِيلَ: سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّهما يَتَساوَيان في المالِ والتَّصَرُّفِ،

..................................  كالفارِسَيْن إذا سَوَّيا بينَ فَرَسَيهما وتساوَيا في السَّيرِ، فإنَّ عِنانَيهما يَكُونان سَواءً.
وقال الفَرّاءُ: هي مُشْتَقَّةٌ مِن عَنَّ الشيءُ، إذا عَرَض، يُقالُ: عَنَّتْ [لي حاجَةٌ] 1. إذا عَرَضَتْ، فسُمِّيَتِ الشَّرِكَةُ بذالك؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما عَنَّ له أن يُشارِكَ صاحِبه.
وقيل: هي مُشْتَقَّة مِن المُعانَنَةِ، وهي المُعارَضَةُ، يُقالُ: عانَنْتُ فُلانًا.
إذا عارَضْتُه بمثْلِ مالِه وأفْعالِه، فكلُّ واحدٍ مِن الشَّرِيكَين مُعارِضٌ لصاحِبِه بمالِه وأفْعالِه.
وهذا يَرْجِعُ إلى قولِ الفَرّاءِ.

وَلَا تَصِحُّ إلا بِشَرْطَينِ؛ أَحَدُهُمَا، أنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ

2041 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إلَّا بِشَرطَين؛ أحَدُهما، أن يَكُونَ رَأْسُ المالِ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ)

ولا خِلَاف في أنَّه يَجُوزُ أن يُجْعَلَ رأْسُ المالِ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ إذا كانَت غيرَ مَغْشُوشَةٍ؛ لأنَّهما قِيَمُ الأمْوالِ 1 وأثْمانُ البِياعاتِ، والنّاسُ يَشْتَرِكُون فيها مِن لَدُنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى زَمَنِنا هذا مِن غيرِ نَكِيرٍ.
فصل: ولا تَصِحُّ بالعُرُوضِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالِبٍ، وحَرْبٍ.
وحَكاه عنه ابنُ المُنْذِرِ.
وكَرِه ذلك يحيى ابنُ أبِي كَثِيرٍ، وابنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ إمَّا أن تَقَعَ على أعْيانِ العُرُوضِ أو قِيمَتِها أو أثْمانِها، لا يَجُوزُ وُقُوعُها على أعْيانِها؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ تَقتَضِي

أوْ دَنَانِيرَ.
وَعَنْهُ، تَصِحُّ بِالْعُرُوض، وَيُجْعَلُ رَأسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْعَقْدِ.
الرُّجُوعَ عندَ المُفاضَلَةِ برَأسِ المالِ أو بمِثْلِه، وهذه لا مِثْلَ لها فيُرْجَعُ إليه 1، وقد تَزِيدُ قِيمَةُ جِنْسِ أحَدِهما دُونَ الآخرِ، فيَسْتَوْعِبُ بذلك.
جَمِيعَ الرِّبْحِ أو جَمِيعَ المالِ، وقد تَنْقُصُ قِيمَتُه 2، فيُؤدِّي إلى أن يُشارِكَه الآخرُ 3 في ثَمَنِ مِلْكِه الذي ليس برِبْحٍ، ولا على قِيمَتِها؛ لأنَّ القِيمةَ غيرُ مُتَحَقِّقَةِ القَدْرِ، فيُفْضِي إلى التَّنازُعِ، وقد يُقَوَّمُ الشيءُ بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه، ولأنَّ القِيمَةَ قد تَزِيدُ في أحَدِهما قبلَ بَيعِه، فيُشارِكُه الآخَرُ في العَينِ المَمْلُوكَةِ له، ولا يَجُوزُ وُقُوعُها على أثْمانِها؛ لأنَّها مَعْدُومَةٌ حال العَقْدِ، ولا يَمْلِكانِها؛ لأنَّه إن أرادَ ثَمَنَها الذي اشْتَراها به، فقد خَرَج عن مِلْكِه وصار للبائِعِ، وإن أرادَ ثَمَنَها الذي يَبِيعُها به، فإنَّها تَصِيرُ شَرِكَةً مُعَلَّقةً على شَرْطٍ، وهو بَيعُ الأعْيانِ، وهذا لا يَجُوزُ.
وفيه رِوايَةٌ أُخرى، أنَّ الشَّرِكَةَ والمُضارَبَةَ تجُوزُ بالعُرُوضِ (ويُجْعَلُ رأسُ المالِ قِيمَتَها وَقْتَ العَقْدِ) 4. قال أحمدُ: إذا اشْتَرَكا في العُرُوضِ، يُقَسَّمُ الرِّبْحُ على

..................................  ما اشْتَرَطا.
وقال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسألُ عن المُضارَبَةِ بالمَتاعِ، فقال: جائِزٌ.
فظاهِرُ هذا صِحَّةُ الشَّرِكَةِ بها.
اختارَه أبو بَكْرٍ، وأبو الخَطّاب.
وهو قولُ مالكٍ، وابنِ أبي لَيلَى.
وبه قال في المُضارَبَةِ طاوُسٌ، والأَوْزاعِيُّ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ؛ لأنَّ مَقْصُودَ الشَّرِكَةِ جَوازُ تَصَرُّفِهما 1 في المالين جميعًا، وكَوْنُ رِبْحِ المالين بينَهما، وهو حاصِل في العُرُوضِ كحُصُولِه في الأثْمانِ، فيَجبُ أن تَصِحَّ الشَّرِكَةُ والمُضارَبَةُ بها، كالأثْمانِ، ويَرْجِعُ كلُّ واحدٍ منهما عندَ المُفاضَلَةِ بقِيمَةِ مالِه عندَ العَقْدِ، كما أنَّنا جَعَلْنا نِصابَ زَكاتِها قِيمَتَها.
وقال الشافعيُّ: إن كانَتِ العُرُوضُ مِن ذَواتِ الأمْثال كالحُبُوبِ والأدْهانِ، جازَتِ الشَّرِكَةُ بها في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأَنَّها مِن ذواتِ الأمْثالِ 2، أشْبَهَتِ النُّقُودَ، ويَرْجِعُ عندَ المُفاضَلَةِ بمِثْلِها، وإن لم تَكُنْ مِن ذَواتِ الأمْثالِ، لم يَجُزْ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ بمِثْلِها.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه نَوْعُ شَرِكَةٍ، فاسْتَوَى فيها ما له مِثْلٌ مِن العُرُوضِ وما لا مِثْلَ له، كالمُضارَبَةِ، فإنَّه سَلَّمَ أنَّ المُضارَبَةَ لا تَجُوزُ بشيءٍ مِن العُرُوضِ؛ ولأنَّها ليست بنَقْدٍ، فلم تَصِحَّ الشَّرِكَةُ بها، كالذِي لا مِثْلَ له.

وَهَلْ تَصِحُّ بِالْمَغْشُوشِ وَالْفُلُوسِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2042 - مسألة: (وهل تَصِحُّ بالمَغْشُوشِ والفُلُوسِ؟ على وَجْهَينِ)

اخْتَلَفَ أصْحابُنا في الشَّرِكَةِ بالمَغْشُوشِ مِن الأثْمانِ، هل تَصِحُّ؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا تَصِحُّ، سَواءٌ قَلَّ الغِشُّ أو كَثُر.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان الغشُّ أقَلَّ مِن النِّصْفِ، جاز،

..................................  وإن كَثُر، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالغالبِ في كَثِيرٍ مِن الأصُولِ.
ولَنا، أنَّها مَغْشُوشَة، أشْبَهَ ما لو كان الغِشُّ أكثَر، ولأنَّ قِيمَتَها تَزِيدُ وتَنْقُصُ، أشْبَهتِ العُرُوضَ.
وقَوْلُهم: الاعْتِبارُ بالغالِب.
لا يَصِحّ، فإنَّ الفِضَّةَ إذا كانَتْ أقَلَّ، لم يَسْقُطْ حُكْمُها في الزَّكاةِ، وكذلك الذَّهَبُ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يَكونَ الغِشُّ قَلِيلًا لمَصْلَحَةِ النَّقْدِ، كَيَسِيرِ الفِضَّةِ في الدِّينارِ، كالحَبَّةِ ونَحْوها، فلا اعْتِبارَ به؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، ولا يُؤثِّرُ في رِبًا ولا غيرِه.
والثّانِي، أنَّ الشَّرِكَةَ تَصِحُّ بها 1؛ بناءً على صِحَّةِ الشَّرِكَةِ في العُرُوضِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.
وحُكْمُ النُّقْرَةِ 2 في الشَّرِكَةِ بها كالحُكْمِ في العُرُوضِ 3؛ لأنّ قِيمَتَها تَزِيدُ وتَنْقصُ، أشْبَهَتِ العُرُوضَ.

..................................  ولا تَصِحُّ الشرِكَةُ بالفُلُوسِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وابنُ القاسِمِ صاحِبُ مالِكٍ.
ويَتَخَرَّجُ الجَوازُ إذا كانَتْ نافِقَةً، فإنَّ أحمدَ قال: لا أرَى السَّلَمَ في الفُلُوسِ؛ لأنَّه يُشْبِهُ الصَّرْفَ.
وهذا قولُ محمدِ بنِ الحسنِ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّها ثَمَنٌ، فأشْبَهَتِ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ الشَّرِكَةَ تجُوزُ بها على كلِّ حالٍ وإن لم تَكُنْ نافِقَةً؛ بِناءً على جَوازِ الشَّرِكَةِ بالعُرُوضِ.
وَوَجْهُ الأوَّلِ أنَّها تَنْفُقُ مَرَّةً وتَكْسُدُ أُخرى، فأشْبَهَتِ العُرُوضَ، فإذا قُلْنا بصِحَّةِ الشَّرِكَةِ بها فإنَّها إن كانَتْ نافِقَةً كان رأسُ المالِ مِثْلَها، وإن كانَتْ كاسِدَةً كانَتْ قِيمَتُها كالعُرُوضِ.
فصل: ولا يَجُوزُ أن يَكُونَ رَأسُ مالِ الشَّرِكَةِ مَجْهُولًا، ولا جُزافًا؛ لأنَّه لابُدَّ مِن الرجُوعِ به عندَ المُفاصَلَةِ، ولا يُمْكِنُ مع الجَهْلِ به.
ولا يَجُوزُ بمالٍ غائِب، ولا دَينٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّصَرفُ فيه في الحالِ، وهو مَقْصُودُ الشَّرِكَةِ.

وَالثَّانِي، أنْ يَشْترِطَا لِكُلِّ وَاحِدٍ جُزْءًا مِنَ الربحِ مُشَاعًا مَعْلُومًا.

2043 - مسألة: الشرْطُ (الثّانِي، أن يَشْرُطا لكلِّ واحِدٍ)

منهما (جُزْءًا مِن الرِّبْحِ مُشاعًا مَعْلُومًا) كالنِّصْفِ والثُّلُثِ والرُّبْعِ؛ لأنَّها أحَدُ أنْواعِ الشَّرِكَةِ، فاشْتُرِطَ عِلْمُ نَصِيبِ كلِّ واحدٍ منهما مِن الرِّبْحِ، كالمُضارَبَةِ، ويَكُونُ الرِّبْحُ بينَهما على ما شَرَطاه، سَواءٌ شَرَطا لكلِّ واحدٍ منهما على قَدْرِ مالِه مِن الرِّبْحِ أو أقَلَّ أو أكثرً؛ لأنَّ العَمَلَ يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ، بدَلِيلِ المُضارَبَةِ، وقد يتَفَاضَلان فيه لقُوَّةِ أحَدِهما وحِذْقِه، فجازَ أن يَجْعَلَ له حَظًّا مِن الرِّبْحِ، كالمُضارِبِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: مِن شَرْطِ صِحَّتِها كَوْنُ الرِّبْحِ والخُسْرانِ على قَدْرِ

فَإِنْ قَالا: الرِّبْحُ بَينَنَا.
فَهُوَ بَينَهُمَا نِصْفَينِ.
فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا الرِّبْحَ،  المالين؛ لأنَّ الرِّبْحَ في هذه الشَّرِكَةِ تَبَعٌ (1) للمالِ، فلا يَجُوزُ تَغيِيرُه بالشَّرْطِ، كالوَضِيعةِ (2). ولَنا، أنَّ العَمَلَ مما يُسْتَحَقُّ به الربْحُ، فجازَ أن يتَفَاضَلا في الرِّبْحِ مع وُجُودِ العَمَلِ منهما، كالمُضارِبَين لرجل واحِدٍ، وذلك أنَّ أحَدَهما قد يَكُونُ أْبصَرَ بالتِّجارَةِ مِن الآخَرِ وأقْوَى على العَمَلِ، فجازَ أن يَشْتَرِطَ له زِيادَةً في الرِّبْحِ في مُقابَلَةِ عَمَلِه، كما يُشْتَرَطُ الرِّبْحُ في مُقابَلَةِ (3) عَمَلِ المُضارِبِ، وفارَقَ الوَضِيعَةَ، فإنَّها لا تَتَعَلَّقُ إلَّا بالمالِ، بدَلِيلِ المُضارَبَةِ.

2044 -

مسألة: (فإن قالا: الرِّبْحُ بينَنا. فهو بينَهما نِصْفَين)

لأنَّه إضافَةٌ (4) إليهما إضافَةً واحِدَةً مِن غيرِ ترْجِيحٍ، فاقْتَضَى التَّسْويَةَ، كقَوْلِه: هذه الدّارُ بيني وبينَك، وكذلك في المُضارَبَةِ إذا قال: الرِّبْحُ بينَنا.
2045 -

مسألة: (فإن لم يَذْكُرَا الرِّبْحَ)

لم يَصِحَّ، كالمُضارَبَةِ؛ لأنَّه المَقْصُودُ مِن الشَّرِكَةِ، فلا يَجُوزُ الإخْلالُ به، فعلى هذا يَكُونُ الرِّبْحُ بينَهما على قَدْرِ المالين.1234

أوْ شَرَطَا لِأحَدِهِمِا جُزْءًا مَجْهُولًا، أوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، أوْ رِبْحَ أحَدِ الثَّوْبَينِ، لَمْ يَصِحَّ.

2046 - مسألة: وإن (شَرَطا لأحَدِهما جُزْءًا مَجْهُولًا)

لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الجهالةَ تَمْنَعُ تَسْلِيمَ الواجِبِ، ولأنَّ الرِّبْحَ هو المَقْصُودُ في الشَّرِكَةِ، فلم يَصِحَّ مع الجَهالةِ، كالثَّمَنِ والأُجْرَةِ في الإجارَةِ.
وإن قال: لك مِثْلُ ما شُرِط لفُلانٍ.
وهما يَعْلَمانِه، صَحَّ.
وإن جَهِلاه.
أو أحَدُهما، لم يَصِحَّ، كالثَّمَنِ في البَيعِ (1). 2047 -

مسألة: فإن شَرَطا لأحَدِهما في الشَّرِكَةِ أو

2 المُضارَبَةِ (دَراهِمَ مَعْلُومَةً، أو رِبْحَ أحَدِ الثَّوْبَينِ، لم يَصِحَّ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه متى جُعِلَ نَصِيبُ أحَدِ الشُّرَكاءِ دَراهِمَ مُعْلومَةً، أو جُعِلَ مع نَصِيبِه دَراهِمَ، مثلَ أن يَجْعَلَ لنَفْسِه جُزْءًا وعَشَرَةَ دَراهِمَ، بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَطُ عنه مِن أهْل العِلْمِ على إبْطالِ القِراضِ إذا جَعَل أحَدُهما أو كِلاهما لنفسِه دَراهِمَ مَعْلُومَة.
وبه قال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأي.
والجَوابُ فيما لو قال: لك نِصْفُ الرِّبْحِ إلَّا عَشَرَةَ دَراهِمَ.
أو: نِصْفُ الرِّبْحِ وعَشَرَةُ دَراهمَ.
كالجَوابِ فيما إذا شَرَط دَراهِمَ مُفْرَدَةً.
وإنَّما لم يَصِحَّ؛ لأمْرَين؛ أحَدُهما، أنَّه إذا شَرَط دَراهِمَ مَعْلُومَةً، احْتَمَلَ أن لا يَرْبَحَ1

..................................  غيرَها، فيَحْصُلَ على جَمِيعِ الرِّبْحِ، واحْتَمَلَ أن لا يَرْبَحَها، فيَأخُذَ مِن رَأسِ المالِ.
وقد يَرْبَحُ كَثيرًا فيَسْتَضِرُّ مَن شُرِطَتْ له الدَّراهِمُ.
الثّانِي، أنَّ حِصَّةَ العامِلِ يَنْبَغِي أن تَكُونَ مَعْلُومَةً بالأجْزاءِ لَمّا تَعَذَّرَ كَوْنُها مَعْلُومَةً بالقَدْرِ، فإذا جُهِلَتِ الأجْزاءُ فَسَدَتْ، كما لو جُهِلَ القَدْرُ فيما يُشْتَرَطُ أن يَكُونَ مَعْلُومًا به.
ولأنَّ العامِلَ في المُضارَبَةِ متى شَرَط لنفسِه دَراهِمَ مَعْلُومَةً، رُبَّما تَوانَى في طَلَبِ الرِّبْحِ لعَدَم فائِدَتِه منه، وحُصُولِ نَفْعِه لغيرِه، بخِلافِ ما إذا شُرِطَ له جُزْءٌ مِن الرِّبْحِ.
فصل: وكذلك الحُكْمُ إذا شُرِطَ لأحَدِهما رِبْحُ أحَدِ الثَّوْبَين، أو رِبْحُ إحْدَى السَّفْرَتَين، أو رِبْحُ تِجارَتِه في شَهْر أو عام بعَينِّه؛ لأنَّه قد يَرْبَحُ في ذلك المُعَيَّنِ دُونَ غيرِه، وقد يَرْبَحُ في غيرِه دُونَه 1، فيَخْتَصُّ أحَدُهما بالرِّبْحِ، وهو مُخالفٌ لِمَوْضُوعِ الشَّرِكَةِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
وإن دَفَع إليه ألْفًا مُضارَبَةً، وقال: لك رِبْحُ نِصْفِه.
لم يَجُزْ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: يَجُوزُ، كما لو قال: لك نِصْفُ رِبْحِه.
ولأنَّ رِبْح نِصْفِه هو نِصْفُ رِبْحِه، وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه شُرِطَ لأحَدِهما رِبْحُ بعضِ المالِ دُونَ بعضٍ، فلم يَجُزْ، كما لو قال: لك رِبْحُ هذه الخَمْسِمائَةِ.
ولأنَّه يُمْكِنُ أن يُفْرِدَ نِصْفَ المالِ فيَرْبَحَ فيه دُونَ النِّصْفِ الآخَرِ، بخِلافِ نِصْفِ الرِّبْحِ، فإنَّه لا يُؤدِّي إلى انفِرادِه

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ في الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ أنْ يَخْلِطَا الْمَالينِ، وَلَا أن يَكُونَا مِنْ جِنْس وَاحِدٍ.
برِبْحَ شيءٍ مِن المالِ.

2048 -

مسألة: (وكذلك الحُكْمُ في المُساقاةِ والمُزارَعَةِ)

قِياسًا على الشَّرِكَةِ.
2049 -

مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ أن يَخْلِطا المالينِ، ولا أن يَكُونا مِن جِنْس واحِدٍ)

لا يُشْتَرَطُ اخْتِلاطُ المالين في شَرِكَةِ العِنانِ إذا عَيَّناهما 1 وأحضَراهما.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ.
إلَّا أنّ مالِكًا شَرَط أن تَكُونَ أيدِيهما عليه، بأن يَجْعَلاه في حانُوتٍ لهما، أو في يَدِ 2

..................................  وَكِيِلهما.
وقال الشافعيُّ: لا يَصِحُّ حتى يَخلِطا المالين؛ لأنَّهما إذا لم يَخْلِطاهما فمالُ كلِّ واحدٍ منهما يَتْلَفُ منه دُونَ صاحِبِه، ويَزِيدُ له دُونَ صاحِبِه، فلم تَنْعَقِدِ الشَّرِكَةُ، كما لو كان مِن المَكِيلِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يُقْصَدُ به الرِّبْحُ، فلم يُشْتَرَطْ فيه خَلْطُ المالِ، كالمُضارَبَةِ، ولأنَّه عَقْدٌ على التَّصَرُّفِ، فلم يُشْتَرَطْ فيه خَلْطُ المالِ، كالوَكالةِ.
ولَنا على 1 مالِكٍ، فلم يَكُنْ مِن شَرْطِه أن تَكُونَ أيدِيهما عليه، كالوَكالةِ.
وقَوْلُهم: إنَّه يَتْلَف مِن مالِ صاحِبِه، أو يَزِيدُ على مِلْكِ صاحِبِه.
مَمْنُوعٌ، بل يَتْلَفُ مِن مالِهما، وزِيادَتُه لهما؛ لأن الشَّرِكَةَ اقْتَضَتْ ثُبُوتَ المِلْكِ لكلِّ واحِدٍ منهما في نِصْفِ مالِ صاحِبِه، فيَكُونُ تَلَفُه منهما وزِيادَتُه لهما.
وقال أبو حنيفةَ: متى تَلِف أحدُ المالين فهو مِن ضَمانِ صاحِبِه.
ولَنا، أنَّ الوَضِيعَةَ والضَّمانَ أحَدُ مُوجِبي الشَّرِكَةِ، فتَعَلَّقَ بالشَّرِيكَين، كالرِّبْحَ، وكما لو اخْتَلَطا.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِها 2 اتِّفاقُ المالين في الجِنْسِ، بل يَجُوزُ أن يُخْرِجَ أحَدُهُما دَراهِمَ والآخَرُ دَنانِيرَ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ.
وقال الشافعيُّ: لا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ إلَّا أن يَتَّفِقا في مالٍ واحدٍ؛ بِناءً على أنَّ خَلْطَ المالين شَرْطٌ، ولا يُمْكِنُ إلَّا في المالِ الواحِدِ.

..................................  ونحن لا نَشْتَرِطُ ذلك.
ولَنا، أنَّهما مِن جِنْسِ الأثْمانِ، فصَحَّتِ الشَّرِكَةُ فيهما، كالجِنْسِ الواحِدِ، فعلى هذا، متى تَفاضَلا رَجَع هذا بدَنانِيرِه وهذا بدَراهِمِه، ثم اقْتَسَما الفَضْلَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: كذا يَقُولُ 1 محمدٌ، والحسنُ.
وقال القاضي: متى أرادَا المُفاضَلَةَ قَوَّما المَتاعَ 2 بنَقْدِ البَلدِ، وقَوَّما مال الآخَرِ به.
ويَكُونُ التَّقْويمُ حينَ صَرَفا الثَّمَنَ فيه.
ولَنا، أنَّ هذه شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ، رَأسُ المالِ فيها الأثْمانُ، فيَكُونُ الرُّجُوعُ بجِنْسِ رَأسِ المالِ، كما لو كان الجِنْسُ واحدًا.
فصل: ولا يُشتَرَطُ تَساوي المالين في القَدْرِ.
وهو قولُ الحسنِ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأي.
وقال بعض أصْحابِ الشافعيِّ: يُشتَرَطُ ذلك؛ لأنَّ صاحِبَ المالِ القَلِيلِ إن أخَذَ نِصْفَ الرِّبْحِ، أخَذَ [رِبْحَ مالٍ لا] 3 يَملِكُه، وإن أخَذَ بقَدْرِ مالِه، أخَذَ شَرِيكُه بعضَ الرِّبْحِ الحاصلِ بعَمَلِه؛ لاسْتِوائِهما في العَمَلِ.
ولَنا، أنَّهما مالان مِن جِنْسِ الأثْمانِ، فجازَ عَقْدُ الشَّرِكَةِ عليهما، كما لو تَساوَيا.

وَمَا يَشتَرِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ، فَهُوَ بَينَهُمَا.
وَإنْ تَلِفَ أحَدُ الْمَالينِ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِمَا.

2050 - مسألة: (وما يَشْتَرِيه كلُّ واحِدٍ منهما بعدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ، فهو بينَهما)

شَرِكَةُ العِنانِ مَبْنِيَّةٌ على الوَكالةِ والأمانَةِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما بِدَفْعِ المالِ إلى صاحِبِه أمِنَه، وبإذْنِه له في التَّصَرُّفِ وَكَّلَه.
ومِن شَرْطِ صِحَّتِها أن يَأذَنَ كلُّ واحِدٍ منهما لِصاحِبِه في التَّصَرُّفِ.
فعلى هذا، ما يَشْتَرِيه كلُّ واحِدٍ منهما بعدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ، فهو بينَهما؛ لأن العَقْدَ وَقَع على ذلك.
فأمّا ما يَشْتَرِيه لنَفْسِه، فهو له، والقولُ قَوْلُه في ذلك؛ لأنه أعْلَمُ بنِيَّتِه.
2051 -

مسألة: (وإن تَلِف أحَدُ المالين، فهو مِن ضَمانِهِما)

إذا خَلَطا المال، وإن لم يُخْلَطُ فكذلك؛ لأنَّ العَقْدَ اقْتَضَى أن يَكُونَ المالان كالمالِ الو احِدِ، فكذلك في الضَّمانِ، كحالِ الخُلْطَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: متى تَلِف [أحَدُ المالين] 1، فهو مِن ضَمانِ صاحِبِه.
وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على خِلافِه.

وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ.

2052 - مسألة: (والوَضِيعَةُ على قَدْرِ المالِ)

الوَضِيعَةُ: هي الخُسْرانُ في الشَّرِكَةِ.
على كلِّ واحدٍ منهما 1 بقَدْرِ مالِه، فإن كان مُتَساويًا في القَدْرِ، فالخُسْرانُ بينَهما نِصْفين، وإن كان أثْلاثًا، فالوَضِيعَةُ أثْلاثًا.
قال شيخُنا 2: لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
وبه يَقُولُ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وغيرُهما.
وفي شَرِكَةِ الوُجُوهِ تَكُونُ الوَضِيعَةُ على قَدْرِ مِلْكَيهِما في المُشْتَرَى 3، سَواءٌ كان الرِّبْحُ بينَهما كذلك أو لم يَكُنْ، وسَواءٌ كانَتِ الوَضِيعَةُ لتَلَفٍ أو نُقْصانٍ في الثَّمَن عمّا اشْتَرَيا به، أو غيرِ ذلك.
والوَضِيعَةُ في المُضارَبَةِ على المال خاصَّة، لا شيءَ على العامِلِ منها 4؛ لأنَّ الوَضِيعَةَ عِبارَة عن نُقْصانِ رَأسِ المالِ، وهو مُخْتَصٌّ بمِلْكِ رَبِّه، لا شيءَ فيه للعامِلِ، فيَكونُ نَقْصُه مِن مالِه دُونَ غيرِه، وإنَّما يَشْتَرِكان فيما يَحْصُلُ مِن النَّماءِ، فأشْبَهَ المُساقاةَ والمُزارَعَةَ، فإنَّ رَبَّ الأرْضِ والشَّجَرِ يُشارِكُ العامِلَ فيما يَحْدُثُ مِن الزَّرْعِ والثَّمَرِ، وإن تَلِف

فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أنْ يَبِيعَ وَيَشتَرِي، وَيَقْبِضَ وَيُقْبضَ، وَيُطَالِبَ بِالدَّينِ، وَيُخَاصِمَ فِيهِ، وَيُحِيلَ وَيَحْتَال، وَيَرُدَّ بِالْعَيبِ، وَيُقِرَّ بِهِ، وَيُقَايِلَ، وَيَفْعَلَ كُلَّ مَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَةِ تِجَارَتِهِمَا.
الشَّجَرُ، أو هَلَك شيءٌ مِن الأرْضِ بِغَرَقٍ أو غيرِه، لم يَكُنْ على العامِلِ شيءٌ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَهُ الله: (ويجُوزُ لكلِّ واحِدٍ منهما أن يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ، ويَقْبِضَ ويُقْبِضَ، ويُطالِبَ بالدَّينِ، ويُخاصِمَ فيه، ويُحِيلَ ويَحْتال، ويَرُدَّ بالعَيب، ويُقِرَّ به، ويُقايِلَ، ويَفْعَلَ كل ما هو مِن مَصْلَحَةِ تِجارَتِهما) يَجُوزُ لكلِّ واحِدٍ مِن الشَّرِيكَينِ أن يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ؛ مُساوَمَةً، ومُرابَحَةً، وتَوْلِيَةً، ومُواضَعَةً، كيف رَأى المَصْلَحَةَ؛ لأنَّ هذا عادةُ التُّجّارِ.
وله أن يَقْبِضَ المَبِيعَ والثَّمَنَ ويُقْبِضَهما، ويُخاصِمَ في الدَّينِ،

..................................  ويُطالِبَ به، ويُحِيلَ ويَحْتال، ويَرُدَّ بالعَيبِ فيما وَلِيَه أو وَلِيَه صاحِبُه.
وله أن يُقِرَّ به، يُقْبَلُ إقْرارُ الوَكِيلِ بالعَيبِ على مُوَكِّلِه.
نصَّ عليه أحمدُ.
وكذلك إن أقَرَّ بالثَّمَنِ أو بعضِه، أو أُجْرَةِ المُنادِي أو الحَمّالِ؛ لأنَّ هذا مِن تَوابعِ التِّجارَةِ، فهو كتسْلِيمِ المَبِيعِ وأداءِ ثَمَنِه، [لأن هذا عادَةُ التُّجّارِ] 1. ويَفْعَلُ كل ما هو مِن مَصْلَحَةِ التِّجارَةِ بمُطْلَقِ الشرِكَةِ؛ لأنَّ مَبْناها على الوَكالةِ والأمانَةِ، على ما ذَكَرْنا، فيَتَصَرفُ كلُّ واحِدٍ منهما في المالين، بحُكْمِ المِلْكِ 2 في نَصِيبه، والوَكالةِ في نَصِيبِ شَريكِه.
وفي الإقالةِ وَجْهان؛ أصَحُّهما 3، أنَّه يَمْلِكُها 4؛ لأنَّها إن كانت بَيعًا 5، فقد أذِنَ له فيه، وإن كانَت فَسْخًا، ففَسْخُ البَيعِ المُضِرِّ مِن مَصْلَحَةِ التِّجارَةِ، فمَلَكَه، كالرَّدِّ.
والآخَرُ، لا يَمْلِكُها؛ لأنَّها فَسْخٌ، فلا يَدْخُلُ في الإذْنِ في التِّجارَةِ.
وله أن يَسْتَأجِرَ مِن مالِ الشَّرِكَةِ،

وَلَيسَ لَهُ أنْ يُكَاتِبَ الرَّقِيقَ، وَلَا يُزَوِّجَهُ، وَلَا يَعْتِقَهُ بِمَالٍ، وَلَا  ويُؤْجِرَ؛ لأنَّ المَنافِعَ أُجرِيَتْ مُجْرَى الأعْيانِ، فصارَ كالشِّراءِ والبَيعِ.
وله المُطالبَةُ بالأجْرِ لهما وعليهما؛ لأنَّ حُقُوقَ العَقْدِ (1) لا تَخْتَصُّ العاقِدَ.
فصل: فإن رُدَّتِ السِّلْعَةُ عليه بعَيبٍ، فله أن يَقْبَلَها، وأن يُعْطِيَ أرْشَ العَيبِ، أو يَحُطَّ مِن ثَمنِه، أو يُؤخِّرَ ثَمَنَه لأجْلِ العَيبِ؛ لأنَّ ذلك قد يَكُونُ أحَظَّ مِن الرَّدِّ.

2053 -

مسألة: (وليس له أن يُكاتِبَ الرَّقِيقَ، ولا يُزَوِّجَه، ولا يَعْتِقَه على مالٍ)

ولا غيرِه؛ لأن الشَّرِكَةَ انْعَقَدَتْ على التِّجارَةِ، وليست1

يَهَبَ، وَلا يُقْرِضَ، وَلَا يُحَابِيَ، وَلَا يُضَارِبَ بالْمَالِ، وَلَا يَأخُذَ بِهِ سُفْتَجَة، وَلَا يُعْطِيَهَا، إلا بِإِذنِ شَرِيكِهِ.
هذه الأشْياءُ تِجَارَةً، سِيَّما تَزْويجُ العَبْدِ، فإنَّه مَحْضُ ضَرَرٍ (ولا يَهَبَ، ولا يُقْرِضَ، ولا يُحابِىَ) لأنَّ ذلك ليس بتِجارَةٍ.

2054 -

مسألة: (ولا يُضارِبَ بالمالِ، ولا يَأْخُذَ به سُفْتَجَةً، ولا يُعْطها، إلَّا بإذْنِ شَرِيكِهِ)

ليس له أن يُشارِكَ بمالِ الشُّرِكَةِ، ولا يَدْفعَه

..................................  مُضارَبَةً؛ لأنَّ ذلك يُثْبِتُ في المالِ حُقُوقًا، ويُسْتَحَقُّ رِبْحُه لغيرِه.
وليس له أن يَخْلِطَ مال الشَّرِكَةِ بمالِه، ولا بمالِ غيرِه؛ لأنَّه يَتَضَمَّنُ إيجابَ حُقوقٍ في المالِ، وليس هو مِن التِّجارَةِ المَأذُونِ فيها.
وليس له أن يَأْخُذَ بالمالِ سُفْتَجَةً، ولا يُعْطها؛ لأنَّ فيه خَطَرًا، فإن أَذِنَ شَرِيكُه في ذلك، جاز؛

وَهَلْ لَهُ أنْ يُودِعَ، أوْ يَبِيعَ نَسَاءً، أوْ يُبْضِعَ، أوْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ، أوْ يَرْهَنَ، أوْ يَرْتَهِنَ؟ عَلى وَجْهَينِ.
لأنَّه يَصِيرُ مِن التِّجارَةِ المَأذُونِ فيها ومَعْنَى قَوْله: يَأْخُذُ به سُفْتَجَةً.
أنَّه يَدْفَعُ إلى إنْسانٍ شيئًا مِن مالِ الشَّرِكَةِ، ويَأخُذُ منه كِتابًا إلى بَلَدٍ آخَرَ، ليَسْتَوْفِيَ منه ذلك المال.
ومعنى قَوْلِه: يُعْطِيها.
أنَّه يَأْخُذُ مِن إنْسانٍ بِضاعَةً، ويُعْطِيه بثَمَنِ ذلك كِتابًا إلى بَلَدٍ آخَرَ، ليَسْتَوْفِىَ ذلك منه، فلا يَجُوزُ؛ لأن فيه خَطَرًا على المالِ.

2055 -

مسألة: (وهل له أن يُودِعَ، أو يَبِيعَ نَساءً، أو يُبْضِعَ، أو يُوَكِّلَ فيما يَتَوَلَّى مثلَه)

بنَفْسِه (أو يَرْهَنَ، أو يَرْتَهِنَ؟ على وَجْهَين) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الإيداعِ والإبضاعِ، على رِوايَتَين؛ إحْداهما، له ذلك؛ لأنَّه عادَةُ التُّجّارِ، وقد تَدْعُو الحاجَةُ إلى الإِيداعِ.
والثّانِيَةُ، لا

..................................  يَجُوزُ؛ لأنَّه ليس مِن الشَّرِكَةِ، وفيه غَرَرٌ.
والصَّحِيحُ أنَّ الإيداعَ يَجُوزُ عندَ الحاجَةِ إليه؛ لأنَّه مِن ضَرُورَةِ الشَّرِكَةِ، أشْبَهَ دَفْعَ المَتاعِ إلى الحَمّالِ.
وهل له أن يَبِيعَ نَسَاءً؟ يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَين في الوَكِيلِ والمُضارِبِ؛ إحْداهم، له ذلك؛ لأنَّه عادَةُ التُّجّارِ، والرِّبْحُ فيه أكثَرُ.
والأخْرَى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا بالمالِ.
فإنِ اشْتَرَى شيئًا بنَقْدٍ عندَه مثلُه، أو نَقْدٍ مِن غيرِ جِنْسِه، أو اشْتَرَى بشَيءٍ مِن ذَواتِ الأمْثالِ وعندَه مثلُه، جاز؛ لأنَّه إذا اشْتَرَى بجِنْسِ [ما عندَه، فهو يُؤدِّي مِمّا في يَدِه، فلا يُفْضِي إلى الزِّيادَةِ في الشَّرِكَةِ.
وإن لم يَكُنْ في يَدِه نَقْدٌ ولا مِثْلِيٌّ مِن جِنْسِ ما] 1 اشْتَرَى به، أو كان عندَه عَرْضٌ فاستَدانَ عَرْضًا، فالشِّراءُ له خاصَّةً، ورِبْحُه له، وضَمانُه عليه؛ لأنَّه استَدانَ على مالِ الشَّرِكَةِ، وليس

..................................  له ذلك؛ لِما نَذْكُرُه.
قال شيخُنا 1: والأوْلَى أنَّه متى كان عندَه مِن مالِ الشَّرِكَةِ ما يُمْكِنُه أداءُ الثَّمَنِ منه ببَيعِه، أنَّه يَجُوزُ؛ لأنَّه أمْكَنَه أداءُ الثَّمَنِ مِن مالِ الشَّرِكَةِ، أشْبَهَ ما لو كان عندَه نَقْدٌ، ولأنَّ هذا عادَةُ التُّجّارِ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه.
وهل له أن يُوكِّلَ فيما يَتَوَلَّى مثلَه بنَفْسِه؟ على وَجْهَين، بِناءً على الوَكِيلِ.
وقِيلَ: يَجُوزُ للشَّرِيكِ التَّوْكِيلُ، بخِلافِ الوَكِيلِ؛ لأنَّه لو جاز للوَكِيلِ التَّوْكِيلُ، لاسْتَفادَ بحُكْمِ العَقْدِ مثلَ العَقْدِ، والشَّرِيكُ يَسْتَفِيدُ بعَقْدِ الشَّرِكَةِ ما هو أخَصُّ منه ودُونَه؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ أخَصُّ مِن عَقْدِ الشَّرِكَةِ.
فإن وَكَّلَ أحَدُهما، مَلَك الآخرُ عَزلَه؛ لأنَّ لكلِّ واحِدٍ منهما التَّصَرُّفَ في حَقِّ صاحِبِه بالتَّوْكِيلِ،

..................................  فكذلك بالعَزْلِ.
وهل لأحَدِهما أن يَرْهَنَ أو يَرْتَهِنَ بالدَّينِ الذي لهما؟ على وَجْهَين؛ أصَحُّهما، أنَّ له ذلك عندَ الحاجَةِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ [يُرادُ للإيفاءِ] 1، والارْتِهانُ يُرادُ للاستيفاءِ، وهو يَمْلِكُ الإيفاءَ والاستيفاءَ، فمَلَكَ ما يُرادُ لهما.
والثّانِي، ليس له ذلك؛ لأنَّ فيه خَطَرًا، ولا فَرْقَ بينَ أن يكُونَ مِمَّن وَلِيَ العَقْدَ، أو مِن غيرِه؛ لكَوْنِ القَبْضِ مِن حُقُوقِ العَقْدِ، وحُقُوقُ العَقْدِ لا تَخْتَصُّ العاقِدَ، فكذلك ما يُرادُ له.
وهل له السَّفَرُ؟ فيه وَجْهان، نَذْكُرُهما في المُضارَبَةِ.

..................................  فصل: فإن قال له: اعْمَلْ برأيِكَ.
جاز له أن يَعْمَلَ كلَّ ما نَفَع 1 في التِّجارَةِ؛ مِن الإبضاعِ، والمُضارَبَةِ بالمالِ، والمُشارَكَةِ به، وخَلْطِه بمالِه، والسَّفَرِ به، والإيداعِ، والبَيعِ نَساءً، والرَّهْنِ، والارْتهانِ،

..................................  والإقالةِ، ونحو 1 ذلك؛ لأنَّه فَوَّضَ إليه الرَّأيَ في التَّصَرُّفِ الذي تَقْتَضِيه الشَّرِكَةُ، فجاز له كلُّ ما هو مِن التِّجارَةِ.
فأمّا التَّملِيكُ بغيرِ عِوَضٍ؛ كالهِبَةِ، والحَطِيطَةِ لغيرِ فائِدَةٍ، والقَرْضِ، والعِتْقِ، ومُكاتَبَةِ الرَّقِيقِ، وتَزْويجِهم، ونحوه، فليس له فِعْلُه؛ لأنَّه إنّما فَوّضَ إليه العَمَلَ بِرَأْيِه في التِّجارَةِ، وليس هذا منها.

وَلَيسَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى الشَّرِكَةِ، فَان فَعَلَ، فَهُوَ عَلَيهِ، وَرِبْحُهُ لَهُ، إلَّا أن يَأْذَنَ شَرِيكُهُ.

2056 - مسألة: (وليس له أن يَسْتَدِينَ على)

مالِ (الشَّرِكَةِ، فإن فَعَل، فهو عليه، ورِبْحُه له، إلَّا أن يَأْذَنَ شَرِيكُه) إذا اسْتَدانَ على مالِ الشَّرِكَةِ، لم يَجُزْ له ذلك، فإن فَعَل، فهو له، له رِبْحُه وعليه وَضِيعَتُه.
قال أحمدُ في رِوايةِ صالِحٍ، في 1 مَن اسْتَدانَ في المالِ بوَجْهِه ألْفًا: فهو له، رِبْحُه له والوَضِيعةُ عليه.
وقال القاضي: إذا اسْتَقْرَضَ شيئًا لَزِمَهُما، ورِبْحُه لهما، لأنَّه تَمْلِيكُ مالٍ بمالٍ، أشْبَهَ الصَّرْفَ.
ومَنْصُوصُ أحمدَ يُخالِفُ هذا، لأنَّه أدْخَلَ في الشَّرِكَةِ أكْثَرَ مِمّا رَضِيَ الشَّرِيكُ بالمُشارَكَةِ فيه، فلم يَجُزْ، كما لو ضَمَّ إليها ألْفًا مِن مالِه.
ويُفارِقُ الصَّرْفَ؟ فإنَّه بَيعٌ وإبدالُ عَين بعَين، فهو كَبَيعِ الثِّيابِ بالدَّراهِمِ.
فإنْ أذِنَ شَرِيكُه في ذلك، جاز، كبَقِيَّةِ أفْعالِ التِّجارَةِ المَأْذُونِ فيها.

وإنْ أخَّرَ حَقَّهُ مِنَ الدَّين، جَازَ.

2057 - مسألة.: (وإن أخَّرَ حَقَّه مِن الدَّينِ، جاز)

إذا كان لهما دَين حالٌّ فأخَّرَ أحَدُهما حِصَّتَه مِن الدَّينِ، جاز.
وبه قال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ.
ولَنا، أنَّه أسْقَطَ حَقَّه مِن المُطالبَةِ، فصَحَّ أن يَنْفَرِدَ أحَدُهما به، كالإبراءِ.

وَإنْ تَقَاسَمَا الدَّينَ في الذِّمَّةِ، لَمْ يَصِحَّ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.

2058 - مسألة: (وإن تَقاسَما الدَّينَ في الذِّمَّةِ، لم يَصِحَّ)

نَصَّ [عليه الإمام أحمدُ] 1 في رِوايَةِ حَنْبَلٍ لأنَّ الذِّمَمَ 2 لا تَتَكافَأُ ولا تَتَعادَلُ، والقِسْمَةَ تَقْتَضِي التَّعْدِيلَ، فأمّا القِسْمَةُ بغيرِ تَعْدِيلٍ، فهي بمَنْزِلَةِ البَيعِ، ولا يَجُوزُ بَيعُ الدَّينِ بالدَّينِ.
فعلى هذا، لو تَقاسَما ثم تَوِي 3 بعضُ المالِ، رَجَع الذي تَوِيَ مالُه على الذي لم يَتْوَ.
وبه قال ابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِيُّ.
ونَقَل حَرْبٌ جَوازَ ذلك؛ لأنَّ الاختِلافَ لا يَمْنَعُ القِسْمَةَ، كاخْتِلافِ الأعْيانِ.
وبه قال الحَسَنُ، وإسْحاقُ.
فعلى هذا، لا يَرْجِعُ مَن 4 تَوِيَ مالُه على مَن لم يَتْوَ، إذا أْبرَأ كلُّ واحِدٍ منهما صاحِبَه، وهذا إذا كان في ذِمَمٍ، فأمَّا في ذِمةٍ واحِدَةٍ فلا تُمْكِنُ القِسْمَةُ؛ لأنَّ القِسْمَةَ إفْرازُ حَقٍّ، ولا يُتَصَوَّرُ ذلك في ذِمَّةٍ واحِدَةٍ.

وَإنْ أبْرأ مِنَ الدَّينِ، لَزِمَ في حَقِّهِ دُونَ صَاحِبِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ أقَر بِمَالٍ.
وَقَال الْقَاضِي: يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ.

2059 - مسألة: (وإن أبْرَأ مِن الدَّينِ، لَزِم في حَقه دُونَ صاحِبِه)

لأنَّه تَبَرُّعٌ، فلَزِمَ في حقِّه دُونَ شَرِيكِه (1)، كالصَّدَقَةِ.
2060 -

مسألة: (وكذلك إن أقَر بمالٍ)

سواءٌ أقَرَّ بعَين أو دَينٍ؛ لأن شَرِيكَه إنَّما أذِنَ في التِّجارَةِ، وليس الإقْرارُ داخِلًا فيها (وقال القاضي: يُقْبَلُ إقْرارُه على مالِ الشَّرِكَةِ) لأنَّ للشَّرِيكِ أن يَشْتَرِيَ مِن غيرِ أن يُسَلِّمَ1

..................................  الثَّمَنَ في المَجْلِسِ، فلو لم يُقْبَلْ إقْرارُه بالثِّمَنِ لَضاعَتْ أمْوالُ النّاسِ وامْتَنَعُوا مِن مُعامَلَتِه، ولأنَّ ذلك مِمّا يُحْتاجُ إليه في البَيعِ، أشْبَهَ الإقْرارَ بالعَيبِ.

وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَوَلَّى مَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَتَولَّاهُ؛ مِنْ نَشْرِ الثَّوْبِ وَطَيِّهِ، وَخَتْمِ الْكِيسِ وَإحْرَازِهِ.
فَإِنِ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَالأجْرَةُ عَلَيهِ.
وَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَأجِرَ مَنْ يَفْعَلُهُ.

2061 - مسألة: (وعلى كلِّ واحِدٍ منهما أن يَتَوَلَّى ما جَرَتِ العادَةُ أن يَتَولّاه؛ مِن نَشْرِ الثَّوْبِ وطَيِّه، وخَتْمِ الكِيسِ وإحْرازِه)

لأنَّ إطْلاقَ الإذْنِ يُحْمَلُ على الغُرْفِ، والغُرْفُ أنَّ هذه الأُمُورَ يَتَوَلَّاها بنَفْسِه (فإنِ اسْتَأْجَرَ مَن يَفْعَل ذلك، فالأُجْرَةُ عليه) في مالِه؛ لأنَّه بَذَلَها عِوَضًا عمّا يَلْزَمُه (وما جَرَتِ العادَةُ أن يَسْتَنِيبَ فيه) كحَمْلِ المَتاعِ، ووَزْنِ ما يُنْقَلُ، والنِّداءِ (فله أن يَسْتَأْجِرَ مَن يَفْعَلُه) مِن مالِ القِراضِ؛ لأنَّه الغُرْفُ.

فَإنْ فَعَلَهُ لِيَأْخُذَ أُجْرَتَهُ، فَهَلْ لَهُ ذَلكَ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فَصْلٌ: وَالشُّرُوطُ في الشَّرِكَةِ ضَرْبَانِ؛ صَحِيحٌ، مِثْلَ أَنْ يَشْترِطَ أَلَّا يَتَّجِرَ إلَّا في نَوْعٍ مِنَ الْمَتَاعِ، أوْ بَلَدٍ بِعَينِهِ، أوْ لَا يَبِيعَ

2062 - مسألة: (فإن فَعَلَه ليَأْخُذَ أُجْرَتَه، فهل له ذلك؟ على وَجْهَين)

أحَدُهما، لا يَسْتَحِقُّها.
نَصَّ عليه؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بما لم يَلْزَمْه، فلم يَكُنْ له أجْرُ ذلك 1، كالمَرْأةِ التي تَسْتَحِقُّ على زَوْجِها خادِمًا إذا خَدَمَتْ نَفْسَها.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ له الأُجْرَةَ؛ لأنَّه فَعَل ما يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ فيه، فاسْتَحَقَّها، كالأجْنَبِيِّ.
فصل: قال المُصَنِّفُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (والشُّرُوطُ في الشَّرِكَةِ ضَرْبانِ؛ صَحِيحٌ، مِثْلَ أن يَشْتَرِطَ أن لا يَتَّجِرَ إلَّا في نَوْعٍ مِن المَتاعِ،

إلَّا بِنَقْدٍ مَعْلُومٍ، أوْ لَا يُسَافِرَ بِالْمَالِ، وَلَا يَبِيعَ إلَّا مِنْ فُلَانٍ.
أو بَلَدٍ بعَينِه، أوْ لا يبيعَ إلَّا بنَقْدٍ مَعْلُوم، أو لا يُسافِرَ بالمالِ، أو لا يَبِيعَ إلَّا مِن فُلانٍ) أو لا يَشْتَرِيَ إلَّا مِن فُلانٍ.
فهذا كلُّه صَحِيحٌ، سَواءٌ كان النَّوْعُ مِمّا يَعُمُّ وُجُودُه أو لا يَعُمُّ، أو الرجلُ مِمّا يَكْثُرُ عندَه المَتاعُ أو يَقِلُّ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: إذا شَرَط أن لا يَشْتَرِيَ إلَّا مِن رجل بعَينِه، أو سِلْعَةً بعَينِها، أو ما لا يَعُمُّ وُجُودُه، كالياقُوتِ الأحْمَرِ، والخَيلِ البُلْقِ 1، لم يَصِحّ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ مَقْصُودَ الشَّرِكَةِ والمُضارَبَةِ، وهو التَّقَلُّبُ وطَلَبُ الرِّبْحِ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَط أن لا يَبِيعَ ويَشْتَرِيَ إلَّا بِن فلانٍ، أو أن لا يَبِيع إلَّا بمِثْلِ ما اشْتَرَى به.
ولَنا، أنَّها شَرِكَة خاصَّةٌ، لا تَمْنَعُ الرِّبْحَ بالكُلِّيةِ، فصَحَّتْ، كما لو شَرَط أن لا يَتَّجِرَ إلَّا في نَوْعٍ يَعُمُّ وُجُودُه، ولأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ تَخْصِيصُه بنَوْعٍ،

جارٍ التحميل