وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أن يُصَلِّىَ فِى ثَوْبَيْنِ،
فصل: فإن عَتقَتِ الأمَةُ في أثْناءِ صَلاتِها وهى مَكْشُوفَةُ الرَّأس، ووَجَدَتْ سُترة، فهى كالعُريانِ يَجدُ السترَةَ في أثْناءِ صَلاِته، وسيأتِى إن شاء الله.
وإن لم تعلم بالعِتْقِ حتى أتمتْ صَلاَتها، أو عَلِمَتْ به ولم تَعلَم بوُجُوبِ السترِ، فصَلاُتها باطِلَةٌ؛ لأن شروطَ الصلاةِ لا يُعْذَرُ فيها بالجَهْلِ، فأمَّا إن عَتَقَتْ ولم تَقْدر كل سُترةٍ، أتمَّتْ صَلاتَها ولا إعادَةَ عليها؛ لأنَّها عاجِزَة عن السترَةِ، فهى كالحُرةِ الأصلِيَةِ إذا عَجَزَتْ.
306 -
مسألة: (ويُسْتَحب للرجلِ أن يُصَلِّىَ في ثَوْبَيْن)
لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أو قال: قال عُمَرُ: «إذَا كَانَ لِأحَدِكُم ثَوْبَانِ فَلْيُصَل فِيهِمَا، فَإنْ لَمْ يَكُن لَهُ إلا ثَوْب وَاحِد فَلْيَتَّزِر بِهِ».
رَواه أبو داودَ 1. وعن عُمَرَ، أنه قال: إذا أوْسعَ الله فأوْسِعُوا، جَمَع رجلْ عليه ثِيابَه، صَلَّى رجلٌ في إزار ورِداء، في إزارٍ وقمِيص، في إزار وقَباءٍ، في سَراوِيلَ ورداءٍ، في سَراوِيلَ وقمِيص، في سَراويلَ وقَباء، في تُبان 2 وقَمِيص 3. قال القاضى: وذلك في الإمامِ آكَدُ؛ لأنّه بينَ يَدَىِ
فَإنِ اقْتَصَرَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ أجْزَأهُ، إذَا كَانَ عَلَى عَاتِقِهِ شَئٌ مِنَ اللِّبَاسِ.
المَأمُومِين، وتَتَعَلقُ صَلاُتهم بصَلاتِه.
فإن لم يَكُنْ إلَّا ثَوبْ واحِدٌ فالقَمِيصُ أوْلَى، لأنه أبلَغُ في السترِ، ثم الرداءُ، ثُم المِئْزَرُ أو السَّراوِيلُ.
307 -
مسألة: (فإنِ اقْتَصَر على سَتْرِ العَوْرَةِ أجْزأه، إذا كان على عاتِقِه شئٍ مِن اللباس)
وجُملَةُ ذلك، أن الرجلَ متى سَتَر عَوْرَتَه في الصلاةِ صَحَّتْ صَلاُته، إذا كان على عاتِقِه شئ مِن اللباس، سَواءٌ كان مِن الثَّوْبِ الذى سَتَر عَوْرَتَه، أو مِن غيرِه، إذا كان قادِرًا على ذلك؛ لِما روَى عُمَرُ ابنُ أبى سَلمَةَ، أنه رَأى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في ثَوْب واحِدٍ في بَيْتِ أم
..................................
سَلَمَةَ، قد ألْقَى طَرَفَيه على عاتِقَيْه 1. وعن أبي هُرَيرةَ، أنَّ سائِلا سَأَل رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الصلاةِ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، قال: «أوَ لِكُلِّكُم ثَوْبَانِ؟».
مُتفَقٌ عليهما 2. وعن جابِر أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا كَان
..................................
الثَّوْبُ وَاسِعًا، فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ».
وفي لَفْظٍ: «فَاتَّزِرْ بِهِ».
رَواه البُخارِيُّ 1.
فصل: ولا يُجْزِئُ مِن ذلك إلَّا ما سَتَر العَوْرَةَ عن غيرِه ونَفْسِه فلو كان القَمِيصُ واسِعَ الجَيْبِ، يَرَى عَوْرَتَه إذا رَكَع أو سَجَد، أو كانت بحيث يراها، لم تَصِحَّ صَلَاتُه، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لسَلَمَةَ ابن الأكْوَعِ: «وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ» 2. فإن كان ذا لِحْيَةٍ كَبِيرَةٍ، تُغَطِّي الجَيْبَ فتَسْتُرُ عَوْرَتَه، صَحَّتْ صَلَاتُه.
نصَّ عليه؛ لأنَّ عَوْرَتَه مَسْتُورَةٌ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
..................................
فصل: ويَجبُ عليه أن يَضَعَ على عاتِقِه شيئًا مِن اللِّباسِ مع القُدْرَةِ.
اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ، وأكثَرُ العُلَمَاءِ على خِلافِه؛ لأنَّهما لَيْسا مِن العَوْرَةِ، أشْبَها بَقِيةَ البَدَنِ.
ولنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْب الْوَاحِدِ لَيْس عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ».
رَواه مسلمٌ 1. وعن بُرَيْدَةَ، قال: نَهَى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يُصَلِّيَ في لِحافٍ ولا يَتَوَشَّحُ به، وأن يُصَلِّيَ في سَراوِيلَ، ليس عليه رِداءٌ.
رَواه أبو داودَ 2. وهو شرْطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ، واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّهْىَ يَقْتَضِي فَسادَ المَنْهِي عنه، ولأنَّ سَتْرَه واجِبٌ في الصلاةِ، فالإخْلالُ به يُفْسِدُها، كالعَوْرَةِ.
وذَكَر القاضي وابنُ عَقِيل، أنَّه نُقِل عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه ليس بشَرْط، فإنَّه قال في رِوايَةِ مُثَنَّى بن جامِعٍ 3، في مَن صَلَّى وثَوْبُه على إحْدَى عاتِقَسْه، والأُخْرَى مَكشُوفَةٌ:
..................................
يُكْرَهُ.
قِيل له: يُؤمَرُ أن يُعِيدَ؟ فلم يَرَ عليه إعادَةً.
قال شيخُنا 1: وليس هذا رِوايَةٌ أُخْرَى، إنَّما يَدُلُّ على أنَّه لا يَجِبُ سَتْرُ المَنْكِبَيْن [في الصلاةِ] 2 جَمِيعًا؛ لأنَّ الخَبَرَ لا يَقْتَضِي سَترَهما.
فعلى هذا لا يَجِبُ سَتْرُهما جميعًا، بل يُجْزِئُه وَضْعُ ثَوْبٍ على أحَدِ عاتِقَيْه وإن كان يَصِفُ البَشَرَةَ؛ لأن وُجُوبَ ذلك بالخَبَرِ، ولَفْظُه: «لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ».
وهذا يَقَعُ على ما يَعُمُّ المَنْكِبَيْن، وما لا يَعُمُّ، [وعلى ما يَسْتُرُ البَشَرَةَ، وما لا يَسْتُرُ] (2). وقال القاضي، وأبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ سَتْرُ المَنْكِبَيْن، لقولِ النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طرَفَسْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ» 3. صحيحٌ.
فصل: فإن طَرَح على كَتِفَيْه حَبْلًا أو نَحْوَه، لم يُجْزِئه في اخْتِيارِ الخِرَقِي والقاضى.
وقال بعضُ أصحابِنا: يُجْزِئُه.
قالوا: لأنَّ هذا شئٌ فيَتَناوَلُه الخَبَرُ.
قال بَعْضُهم: وقد رُوِيَ عن جابرٍ، أنَّه صَلَّى في ثَوْبٍ واحِدٍ
وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ.
مُتَوَشِّحًا به، كأنِّي أنظُرُ إليه، كأنَّ على عاتِقِه ذَنَبَ فَأْرَةٍ 1.
وعن إبراهيمَ، قال: كان أصحابُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إذا لم يَجِدْ أحَدُهم ثَوْبًا ألْقَي على عاتِقِه عِقالًا وصَلَّى.
وقال شيخُنا 2: والصَّحِيحُ أنَّه لا يُجْزِئُ؛ لأن ذلك لا يُسَمَّى سُترةً، ولا لِباسًا، ولأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذَا صلَّى أحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ».
صحيحٌ رَواه أبو داودَ.
والأمْرُ بوَضْعِه على العاتِقيْن للسَّترِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بوَضْع خَيْطٍ ولا حَبْلٍ، وما رُوِيَ عن جابِرٍ لا يَصِحُّ، وما رُوِيَ عن 3 الصَّحابَةِ إن صحَّ، فلعَدَمِ ما سِواه؛ لقَوْلِه «إذَا لَمْ يَجِدْ».
وفي هذا دَلِيلٌ على أنَّه لا يُجْزِئُ مع وُجُودِ الثَّوْبِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: (وقال القاضي: يُجْزِئُه سَتْرُ العَوْرَةِ في النَّفْلِ دُونَ الفَرْضِ) يَعْنِي إذا اقْتَصَر على سَتْرِ العَوْرَةِ دُونَ المَنْكِبَيْن أجْزأه في النَّفلِ دُونَ الفَرْضِ.
نصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، قال: يُجْزِئُه أن يَأْتَزِرَ بالثَّوْبِ الواحِدِ ليس
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأة أَنْ تُصَلِّيَ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَمِلْحَفَةٍ، فَإنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهَا أَجْزَأَهَا.
على عاتِقِه منه شئٌ، في التُّطوُّعِ؛ لأنَّ مَبْناه على التَّخْفِيفِ، ولذلك يُسامَحُ فيه بتَرْكِ القِيام والاسْتِقْبالِ في حالِ سَيْره مع القُدْرَةِ، فسُومِحٍ فيه بهذا القَدْرِ، واسْتَدَلَّ أبو بكر بقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ».
قال: هذا في التَّطَوُّعِ، وحديثُ أبي هُرَيَرةَ في الفَرْضِ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ التَّسْوِيَةُ بينَهما؛ لأنَّ ما اشْتُرِطَ للفَرْضِ اشْتُرِطَ للنَّفْلِ، كالطهارةِ، ولأنَّ الخَبَرَ عامٌّ فيهما، وهذا ظاهِرُ كلامِ شَيْخِنا (1)، رَحِمَه اللهُ.
واللهُ أعلمُ.
308 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ للمرأةِ أن تُصَلِّيَ في دِرْع وخِمارٍ ومِلْحَفَةٍ، فإنِ اقْتَصَرَتْ على سَتْرِ العَوْرَةِ أجْزأها)
رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن عُمَرَ، وابنِه، وعائشةَ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وذلك لأنَّه أسْتَرُ وأحْسَنُ، فإنَّه إذا كان عليها جِلْبابٌ تُجافِي عنها راكِعَةً وساجِدَةً، فلا يَصِفُها، ولا تَبِينُ عَجيزَتُها ومَواضِعُ العَوْرَةِ المُغَلَّظَةِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ سِيرِينَ، ونافِعٍ، قالوا: تُصَلِّي المرأةُ في أَرْبَعَةِ أثْوابٍ؛ لذلك.
وهذا على وَجْهِ الاسْتِحْبابِ، فإنِ اقْتَصَرَتْ على سَتْرِ عَوْرَتِها أجْزأها.
قال أحمدُ: قد اتَّفَقَ عامَّتُهم على الدِّرْعِ والخِمارِ، وما زاد فهو خَيْرٌ وأسْتَرُ.
وقد دَلَّ1
وَإذَا انْكَشَفَ مِنَ الْعَوْرَةِ يَسِيرٌ لا يَفْحُشُ فِي النَّظرِ، لَمْ تَبْطُلْ صَلاتُهُ،
عليه حديثُ أُمِّ سَلَمَةَ حينَ قالت: يَا رسولَ اللهِ، أتُصَلِّي المرأةُ في دِرْعٍ وخِمارٍ؟ قال: «نَعَمْ، إذا كَانَ سَابِعًا يُغَطِّي ظُهُورَ قدَمَيْهَا» (1) ورُوِيَ عن عائشةَ، ومَيْمُونَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، أزواجِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّهُنَّ كُنَّ يَرَيْنَ الصلاة في دِرْعٍ وخِمارٍ (2). حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
ولأنَّها سَتَرَتْ ما يَجِبُ عليها سَتْرُه، أشْبَهَتِ الرجلَ.
فصل: ويُكْرهُ للمرأةِ النِّقابُ وهي تُصَلِّى.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعُوا على أنَّ على المرأةِ أن تَكْشِفَ وَجْهَها في الصلاةِ والإحْرام.
ولأنَّ ذلك يُخِلُّ بمُباشَرَةِ المُصَلَّى بالجَبْهَةِ والأنْفِ، ويُغَطِّي الفَمَ، وقد نَهَى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الرجلَ عنه (3).
309 -
مسألة: (وإذا انْكشَفَ مِن العَوْرَةِ يَسِيرٌ لا يَفْحْشُ في النَّظَرِ، لم تَبْطُلْ صَلاتُه)
نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ:123
..................................
تبْطُلُ؛ لأنَّه حُكْمٌ يَتَعَلَّق بالعَوْرَةِ، فاسْتَوَى قَلِيلُه وكَثِيرُه، كالنَّظَرِ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن عَمْرِو بنِ سَلِمَةَ الجَرْمِيِّ، قال: انْطَلَقَ أبي وافِدًا إلى رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في نَفرٍ مِن قَوْمِه، فعَلَّمَهم الصلاةَ، وقال: «يَؤُمُّكُمْ أقْرَؤُكُمْ».
فكنت أقْرَأهم، فقَدَّمُونِي، فكُنْتُ أؤُمُّهم وعليَّ بُرْدَةٌ لى 1 صَفْراءُ صغيرةٌ، فكنتُ إذا سَجَدْتُ انْكَشَفَتْ عنَّى، فقالتِ امرأةٌ مِن النَّساءِ: وارُوا عنّا عَوْرَةَ قارِئِكم.
فاشْتَرَوْا لى قَمِيصًا عُمانِيًّا، فما فَرِحْتُ بعدَ الإِسلامِ فَرَحِي به.
وفي لَفْظٍ: فكنتُ أؤُمُّهم في بُرْدَةٍ مُوَصَّلَةٍ فيها فَتْقٌ، فكنتُ إذا سَجَدْتُ فيها خَرَجَتِ اسْتِي.
رَواه أبو داودَ والنَّسائِيُّ 2. وهذا يَنْتَشِرُ ولم يُنْكَرْ، ولم يَبْلُغْنا أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنْكَرَه ولا أحدٌ مِن أصحابِه، ولأنَّ ما صَحَّتِ الصلاةُ مع كَثِيرِه حالَ العُذْرِ، فُرِّقَ بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه في غيرِ حالِ العُذْرِ، كالمَشْيِ، ولأنَّ اليَسِيرَ يَشُقُّ الاحْتِرازُ منه، فعُفِيَ عنه كيَسِيرِ الدَّمِ.
وحَدُّ اليَسِير ما لا يَفْحُشُ في النَّظرَ عادَةً، ولا فَرْق في ذلك بينَ الفَرْجَيْن وغيرِهما، إلَّا أنَّ العَوْرَةَ المُغَلَّظَةَ يَفْحُشُ منها ما لا يَفحُشُ مِن غيرِها، فيُعْتَبَرُ ذلك، وسَواءٌ في ذلك الرجلُ والمرأةُ.
وقال أبو حنيفةَ: إنِ انْكَشَفَ مِن المُغلَّظَةِ قَدْرُ
..................................
الدِّرْهَمِ، أو مِن غيرِها أقَلُّ مِن رُبْعِها، لم تَبْطُلِ الصلاةُ، وإن كان أكْثَرَ، بَطَلَتْ.
ولَنا، أنَّ هذا تَقْدِيرٌ لم يَردِ الشَّرْعُ به، فلا يَجُوزُ المَصِيرُ إليه، وما لم يَرِدِ الشَّرْعُ فيه بالتَّقْدِيرِ، يُرَدُّ إلى العُرْفِ، كالكثِيرِ مِن العَمَلِ في الصلاةِ، والتَّفَرقِ والاحْتِرازِ 1. فإنِ انْكشَفَتْ عَوْرَتُه مِن غيرِ عَمْدٍ، فسَتَرَها في الحالِ، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّه يسِيرٌ في الزَّمَنِ، أشْبَهَ اليَسِيرَ في القَدْرِ.
وقال التَّمِيمِيُّ: إن بَدَتْ عوْرَتُه وَقْتًا واسْتَتَرَتْ وَقْتًا، لم يُعِدْ، لحديثِ عَمْرِو بنِ سَلِمَةَ، فلم يَشْتَرِطِ اليَسِيرَ.
قال شيخُنا 2: ولابُدَّ مِن اشْتِراطِه؛ لأنَّه يَفْحُشُ، ويُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ الكَثِيرَ في القَدْرِ.
وَإِنْ فَحُشَ بَطَلَتْ.
وَمَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ حَرِيرٍ، أَوْ مَغْصُوُبٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
وَعَنْهُ، تَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ.
310 - مسألة: (وإن فَحُش بَطَلَتْ)
يَعْنِي ما فَحُش في النَّظَرِ عادَةً وعُرْفًا، لِما ذَكَرْنا؛ لأنَّ التَّحَرُّزَ منه مُمْكِنٌ مِن غيرِ مَشَقَّةٍ، أشْبَهَ سائِرَ العَوْرَةِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أنَّ المرأةَ الحُرَّةَ إذا صَلَّتْ، وجَمِيعُ رَأْسِها مَكشُوف، أنَّ عليها الإعادَةَ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ سترِ جَمِيع (1) العَوْرَةِ، وعُفِيَ عنه في اليَسِيرِ؛ لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ منه، يَبْقَى فيما عَداه كل قَضِيَّة الدَّلِيلِ.
311 -
مسألة: (ومَن صَلَّى في ثَوْبٍ حَرِيرٍ أو مَغْصُوب، لم تَصِحَّ صَلاتُه. وعنه، تَصِحُّ مع التَّحْرِيمِ)
لُبْسُ المَغْصُوبِ والصلاةُ فيه حَرامٌ على الرِّجالِ والنَّساءِ، وَجْهًا واحِدًا، فإن صَلَّى فيه، فهل تَصِحُّ صَلاتُه؟1
..................................
على رِوايَتَيْن، أظْهَرُهما، لا تَصِحُّ إذا كان هو السّاتِرَ للعَوْرَةِ؛ لأنَّه اسْتَعْمَل المُحَرمَ في شَرْطِ الصلاةِ، فلم تَصِحَّ، كا لو كان نَجِسًا، ولأنَّ الصلاةَ قُرْبَةٌ وطاعَةٌ، وقِيامُ هذا وقُعُودُه في هذا الثَّوْبِ مَنْهِيٌّ عنه، فكيف يكُونُ مُتَقَربًا بما هو عاصٍ به، مَأمُورًا بما هو مَنْهِيٌّ عنه.
وقال ابنُ عُمَرَ: مَن اشْتَرَى ثَوْبًا بعَشْرَةِ دَراهِم، وفيها دِرْهَمٌ حَرامٌ، لم تُقْبَلْ له صلاة ما دام عليه.
ثم أدْخَل أُصْبُعَيْه في أُذُنَيْه وقال: صُمَّتا إن لم يَكُنِ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَمِعْتُه يَقُولُه.
رَواه الإمامُ أحمدُ 1، وفي إسْنادِه رجلٌ غيرُ مَعْرُوفٍ.
والثّانِيَةُ، تَصِحُّ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ والشافعي؛ لأنِّ النَّهْىَ لا يَعُودُ إلى الصلاةِ، ولا يَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بها، فهو كما لو صَلَّى في عِمامَةٍ مَغْصُوبَة، أو غَسَل ثَوْبَه مِن النَّجاسَةِ بماءٍ مَغْصُوبٍ.
فإن تَرَك الثَّوْبَ المَغْصُوبَ في كُمِّه، أو صَلَّى في عِمامَةٍ مَغْصُوبَةٍ، أو في يَدِه خاتَمٌ مَغْصُوبٌ، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لأنَّ النَّهْىَ لا يَعُودُ إلى شَرْطِ الصلاةِ، فلم يُؤثِّرْ فيها، كما لو كان في جَيْبِه دِرْهَمٌ مَغْصُوبٌ.
والفَرْضُ والنَّفْلُ في ذلك سَواءٌ؛ لأنَّ ما كانَ شَرْطًا للفَرْضِ فهو شَرْطٌ للنَّفْلِ.
..................................
فصل: فإن صَلَّى وعليه سُتْرَتان؛ إحْداهما مَغْصُوبَةٌ، ففيه الرِّوايَتان، سَواءٌ كان المَغْصُوبُ 1 الفَوْقانِيَّ أو التَّحْتِانِيَّ؛ لأنَّ السَّتْرَ لا يَتَعَيَّنُ بأحَدِهما، والمَغْصُوبَ مِن جِنْس ما يَسْتَتِرُ به، فصار (1) بمثابَةِ ما زاد على المَشْرُوطِ مِن اللَّفائِفِ في حَقِّ المَيِّتِ، فإنَّه يُجْرَى جراه في وُجُوبِ القَطْعِ.
فإن صَلَّى في قَمِيصٍ بَعْضُه حَلالٌ وبعضُه حَرامٌ، لم تَصِح صَلاتُه على الرِّوايَةِ الأُولَى، سَواءٌ كان المَغْصُوبُ هو الذى سَتَر العَوْرَةَ أو بالعَكسِ؛ لأنَّ القَمِيصَ يَتبعُ بَعْضُه بَعْضًا، فلا يَتَميَّزُ، بدَلِيلِ دُخُولِه في مُطلقِ البَيْعِ.
ذَكَر هذا الفَصْلَ ابنُ عَقِيلٍ.
فصل: وإن صَلَّى الرجلُ في ثَوْبٍ حَرِيرٍ، لم يَجُزْ له، والحُكمُ في صِحَّةِ الصلاةِ فيه كالحُكْم في الثَّوْبِ المَغْصُوب على ما بَيَّنَّا؛ لأنَّه في مَعْناه.
وتَصِحُّ صلاةُ المرأةِ فيه؛ لأنَّه مُباحٌ لها، وكذلك صلاةُ الرجلِ فيه في حالِ العُذْرِ إذا قُلْنا بإباحَتِه له.
وَمَنْ لمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا، صَلَّى فِيهِ وَأعَادَ عَلَى الْمَنْصُوصِ.
312 - مسألة: (ومَن لم يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا صَلَّى فيه)
وذلك لأنَّ سَتر العَوْرَةِ آكَدُ مِن إزالَةِ النَّجاسَةِ؛ لتَعَلُّقِ حَقِّ الآدَمِيِّ به في سَتْرِ عَوْرَتِه، ووُجُوبه في الصلاةِ وغيرِها، فكان تَقْدِيمُه أوْلَى.
وهذا قَوْلُ مالكٍ.
وقال الشافعيُّ: يُصَلِّي عُرْيانا، ولا يُعِيدُ.
وقال أبو حنيفةَ في النَّجِسَةِ (1) كلِّها: يُخَيَّرُ في الفِعْلَيْن؛ لأنَّه لابُدَّ مِن تركِ واجِبٍ في كلا الفِعْلَيْن.
وقد ذَكَرنا أنَّ السَّتْرَ آكَدُ، فوَجَبَ تَقْدِيمُه، ولأنَّه قَدَر على سَتْرِ عَوْرَته، فلَزِمَه، كما لو وَجَد ثَوْبًا طاهِرًا.
313 -
مسألة: (وتَلْزَمُه الإعادَةُ على المَنْصُوص)
لأنَّه أخَلَّ بشَرْطِ1
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يُعِيدَ، بِنَاءً عَلَى مَنْ صَلَّى فِي مَوْضِع نَجِسٍ، لَا يُمْكنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، فَإنَّهُ قَالَ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.
الصلاةِ مع القُدْرَةِ عليه، أشْبَهَ ما لو صلَّى مُحْدِثًا.
(ويَتَخَرَّجُ أن لا يُعِيدَ، بِناءً على مَن صلَّى في مَوْضعٍ نَجِسٍ، لا يُمْكِنُه الخُرُوجُ منه، فإَّنه قال: لا إعادَةَ عليه).
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 1؛ لأنَّ الشَّرْعَ مَنَعَه نَزْعَه، أشْبَهَ
..................................
ما إذا لم يُمْكِنْه.
وهو مذهبُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ.
ولأنَّ التَّحَرُّزَ مِن النَّجاسَةِ شَرْطٌ عَجَز عنه، فسَقَطَ، كالعَجْزِ عن السُّتْرَةِ، فإن لم يَجِدْ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ صَلَّى فيه، ولا إعادَةَ عليه؛ لأنَّ تَحْرِيمَ لُبْسِه يَزُولُ بالحاجَةِ
..................................
إليه.
وذَكَر ابنُ عَقِيل أنَّه يُخَرَّجُ على الرِّوايَتَيْن في السُّتْرَةِ النَّجِسَةِ.
فإن لم يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا مَغْصُوبًا، صَلَّى عُرْيانًا؛ لأنَّ تَحْرِيمَه لحَقِّ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ مَن لم يَجِدْ إلَّا مَغْصُوبًا.
وذَكَر ابن عَقِيل في وُجُوبِ الإعادَة كل مَن صَلَّى في الثَّوْب النَّجِسِ رِوايَتَيْن، إحْداهما يُعِيدُ، لما ذَكَرْنا.
وَالثانيةُ، لا يُعيدُ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِر به، أشْبَهَ ما لو لم تَكنْ عليه نَجاسَةٌ.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ سَتَرَهَا،
314 - مسألة: (فإن لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ عَوْرَتَه سَتَرَها)
إذا لم يَجِدْ إلَّا ما يَسْتُرُ عَوْرتَه حسْبُ، بَدَأ بها وتَرَك مَنْكبَيْه؛ لأنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ مُتَّفَقٌ على وُجُوبِه، وسَتْرَ المَنْكبَيْن مُخْتَلَفٌ فيه، ولأن سَتْرَ العَوْرَةِ واجِبٌ في غيرِ الصلاةِ، ففيها أوْلَى.
وقد روَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، في مَن معه ثَوْبٌ واحِدٌ لَطِيفٌ، إن سَتَر عَوْرَتَه انْكَشَفَ مَنْكِباه، فقال: يُصَلِّي جالِسًا، ويُرْسِلُه مِن وَرائِه على مَنْكبَيْه وعَجِيزَتِه.
واحْتَجَّ لذلك بأن سَتْرَ المَنْكِبَيْن، الحديثُ فيه أَصَحُّ مِن سَتْرِ الفَخِذَيْن، والقِيامَ يَسْقُطُ في حَقِّ العُرْيانِ، وله بَدَلٌ، فإذا صَلَّى جالِسًا، حَصَل سَتْرُ العَجيزَةِ والمَنْكِبَيْن بالثَّوْبِ، وسَتْرُ العَوْرَةِ بالجُلُوسِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، اخْتارَهْ
فَإنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيعَهَا سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ،
شيخُنا (1)؛ لِما ذَكَرْنا، ولِما روَى جابِرٌ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَخالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ».
رَواه أبو داودَ (2). وروَى ابنُ عُمَرَ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «مَنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ، فَلْيَأْتَزِرْ وَلْيَرْتَدِ، وَمَنْ لَمْ يَكنْ لَهُ ثَوْبَانِ، فَلْيَأْتَزِرْ ثُمَّ لْيُصَلِّ».
رَواه الإمامُ أحمدُ (3). ولأنَّ القِيامَ مُتَّفَقٌ على وُجُوبِه، فلا يُتْرَكُ لأمْرٍ مُختَلَفٍ فيه.
واللهُ أعلمُ.
315 -
مسألة: (فإن لم يَكْفِ جَمِيعَها، سَتَر الفَرْجَيْن)
لأنَّهما أفْحَشُ، وهما عَوْرَةْ بغيرِ خِلافٍ.123
فَإِنْ لَمْ يَكْفِهمَا جَمِيعًا سَتَرَ أَيُّهُمَا شَاءَ، وَالْأَوْلَى سَتْرُ الدُّبُرِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقِيلَ: الْقُبُلُ أوْلَى.
316 - مسألة: (فإن لم يَكفِهما جَمِيعًا، سَتَر أيُّهما شاء)
لاسْتِوائِهما (والأوْلَى سَتْرُ الدُّبُرِ على ظاهرِ كلامِه) لأنَّه أفْحَشُ ويَنْفَرِجُ 1 في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
(وقِيل: القُبُلُ أوْلَى) لأنَّ به يَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، والدُّبُرَ مَسْتُورْ بالأليَتَيْن.
وَإِنْ بُذِلَتْ لَهُ سُتْرَةٌ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا، إذَا كَانَتْ عَارِيَّةً.
317 - مسألة: (وإن بُذِلَتْ له سُترَةٌ، لَزِمَه قَبُولُها، إذا كانت عارِيَّةً)
لأنَّ المِنَّةَ لا تَكثُرُ في العارِيَّة، فيَكُونُ قادِرًا على سَتْرِ عَوْرَتِه بما لا ضَرَرَ فيه.
وإن كانت هِبَةً، لم يَلْزَمْه قَبُولُها؛ لأنَّ المِنةَ تَكْثُرُ فيها.
قال شيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه؛ لأنَّ العارَ في كَشْفِ عَوْرَته أكْثرُ مِن الضَّررِ فيما يَلْحَقُه مِن المِنَّةِ.
وإن وَجَد مَن يَبِيعُه سُتْرَةً، أو يُؤَجِّرُه بِثَمَنِ المِثْلِ، أو زِيادَةٍ يَسِيرَةٍ، وَقَدَر على العِوَضِ، لَزِمَه، وإن كانت كَثِيرَةً لا تُجْحِفُ بمالِه، فهو كما لو قَدَر على شِراءِ الماءِ بذلك، وفيه وَجْهان، مَضَى تَوْجِيهُهما.
واللهُ أعلمُ.
فَإنْ عَدِمَ بِكُلِّ حَالٍ صَلَّى جَالِسًا يُومِئُ إيمَاءً، فَإنْ صَلَّى قَائمًا جَازَ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا وَيَسْجُدُ بِالأرْضِ.
318 - مسألة: (فإن عَدِم بكلِّ حالٍ صَلَّى جالِسًا يُومِئُ إيماءً، وإن صَلَّى قائِمًا جاز. وعنه، أنَّه يُصَلِّي قائِمًا ويَسْجُدُ بالأرْضِ)
لا تَسْقُطُ الصلاةُ عن العُرْيانِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه شَرْطٌ عَجَز عنه فلم تَسْقُطِ الصلاةُ بعَجْزِه عنه، كالاسْتِقْبالِ، ويُصَلِّي جالِسًا، يُومِئُ بالرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وابن المُنْذِرِ: يُصَلِّي قائِمًا كغيرِ العُرْيانِ، لقَوْلِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لَمْ تَستطِعْ فَقَاعِدًا».
رَواه البُخارِيُّ 1. ولأنَّه قادِرٌ على القِيامِ
..................................
مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلم يَجُزْ له تَرْكُه، كالقادِرِ على السَّتْرِ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ قَوْمًا انْكسَرَتْ بهم مَراكِبُهم، فخرَجُوا عُراةً، قال: يُصَلُّون جُلُوسًا، يُومِئُون إيماءً برُؤُوسِهم.
ولم يُنْقَلْ خِلافُه، ولأنَّ السَّترَ آكدُ مِن القِيامِ لأمْرَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه لا يَسْقُطُ مع القدْرَةِ بحالٍ، والقِيامُ يَسْقُطُ في النَّافِلَةِ.
والثاني، أنَّ السَّتْرَ لا يَخْتَصُّ الصلاةَ، بخِلافِ القِيامِ، فإذا لم يَكُنْ بُدٌّ مِن تركِ 1 أحَدِهما، فتَرْكُ الأخَفِّ أوْلَى.
فإن قِيل: فلا يَحْصُلُ السَّتْرُ كلُّه مع فَواتِ ثلاثةِ أرْكانٍ، القِيامِ، والرُّكُوعِ، والسُّجُودِ.
فالجَوابُ، أنّا إذا قُلْنا: العَوْرَةُ الفَرْجان.
فقد حَصَل سَتْرُهما، وإن قُلْنا: هما بَعْضُ العَوْرَةِ.
فهما آكَدُها وُجُوبًا، وأفْحَشُها في النَّظَرِ، فكان سَتْرُهما أوْلَى.
ولا تَجِبُ عليه إعادَة؛ لأنَّه صَلَّى كما أُمِر، أشْبَهَ ما لو صَلَّى إلى غيرِ القِبْلَةِ عندَ العَجْزِ.
فإن صَلَّى قائِمًا جاز، لِما ذَكَرْنا.
وقد رُوِيَ عنه، أنَّه يُصَلِّي جالِسًا ويَسْجُدُ بالأرْضِ؛ لأنَّ السُّجُودَ آكَدُ مِن القِيامِ، لكَوْنِه مَقْصُودًا في نَفْسِه، ولا يَسْقُطُ فيما يَسْقُطُ فيه القِيامُ
..................................
وهو النَّفْلُ.
والأوْلَى الإِيماءُ بالسُّجُودِ؛ لأنَّ القِيامَ سَقَط عنهم لحِفْظِ العَوْرَةِ، وهي في حالِ السُّجُودِ أفْحَشُ، فكان سُقُوطُه أوْلَى.
وإن صَلَّى قائِمًا، ورَكع وسَجَد بالأرْضِ، جاز في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأيِ؛ لأنَّه لابُدَّ مِن تَرْكِ أحَدِ الواجِبَيْن، فأيَّهما تَرَك فقد أتَى بالآخَرِ.
وعلى أيِّ حالٍ صَلَّى فإنَّه يَتَضامُّ ولا يَتَجافَى، قِيل لأبي عبدِ الله: يَتَضامُّون أم يَتَرَبَّعُون؟ قال: بل يَتَضامُّون.
وقد قيل: إنهم يَتَرَبَّعُون في حالِ القيامَ، كصلاةِ النّافِلَةِ قاعِدًا.
والأوَّلُ أوْلَى.
فصل: فإذا وَجَد العُرْيانُ جِلْدًا طاهِرًا، أو وَرَقًا يُمْكِنُ خَصْفُه عليه، أو حَشِيشًا يُمْكِنُ رَبْطُه عليه، فيَسْتُرُ، لَزِمَه؛ لأنِّه قادِرٌ على سَتْرِ عَوْرَتِه بطاهِرٍ لا يَضُرُّه، وقد سَتَر النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رِجْلَيْ مُصْعَبِ بن عُمَيْرٍ بالإذْخِرِ لمّا لم يَجدْ سُتْرَةً وإن وَجَد طِينًا يَطْلِي به جَسَدَه، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّه يَتَناثر إذا جَفَّ، وفيه مَشَقَّةٌ، ولا يُغَيِّبُ الخِلْقَةَ، وقال ابنُ عَقِيلٍ:
..................................
يَلْزَمُه؛ لأنَّه يَسْتُرُ، وما تَناثَرَ سَقَط حُكْمُه، واسْتَتَرَ بما بَقِيَ.
وهو قولُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.
وإن وَجَد ماءً، لم يَلْزَمْه النُّزُولُ فيه وإن كان كَدِرًا؛ لأنَّ عليه فيه مَشَقَّة وضَرَرًا، [ولا يَحْصُل به السَّتْرُ] 1. وإن وَجَد حُفْرَةً لم يلْزَمْه النُّزُولُ فيها؛ لأَنَّها لا تَلْصَقُ بجَسَدِه، فهي كالجِدارِ.
وإن وَجَد سُتْرَةً تُضِرُّ به، كبارِيَّةٍ 2 ونَحْوِها، لم يَلْزَمْه الاسْتِتارُ بها، لِما فيها مِن الضَّرَرِ والمَنْع مِن إكْمالِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
وَإنْ وَجَدَ السُّتْرَةَ قَرِيبَة مِنْهُ فِي أثْنَاءِ الصَّلَاةِ سَتَرَ وَبَنَى، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدةً سَتَرَ وَابْتَدَأَ.
319 - مسألة: (وإن وَجَد السُّتْرَةَ قَرِيبَةً عنه في أثْناءِ الصلاةِ، سَتَر وبَنَى، وإن كانت بَعِيدَةً، سَتَر وابْتَدَأ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ العُرْيانَ متى قَدَر على السُّتْرَةِ في أثْناءِ الصلاةِ، وأمْكَنَه مِن غيرِ زمَنٍ طَوِيلٍ ولا عَمَلٍ كَثِيرٍ، سَتَر وبَنَى على ما مَضَى مِن الصلاةِ، كأهْلِ قُباءَ لَمَّا عَلِمُوا بتَحْوِيلِ القِبْلَةِ، اسْتَدارُوا إليها وأتَمُّوا صَلَاتَهم.
وإن لم يُمْكِنِ السَّتْرُ إلَّا بعَمَلٍ كثيرٍ، أو زَمَنٍ طويلٍ، بَطَلَتِ الصلاةُ؛ لأنَّه لا يُمْكنُه المُضِيُّ فيها إلَّا بما يُنافِيها مِن العملِ الكثير، أو فِعْلِها بدُونِ شَرْطِها، والمَرْجِعُ في ذلك إلى العُرْفِ، لأنَّه لا تَقْدِيرَ فيه تَوْقِيفًا.
وذَكَر القاضي [في الأمَةِ إذا عَتَقَتْ في أَثْنَاء الصلاةِ، وهي مَكْشُوفَةُ الرَّأسِ، ووَجَدَتِ] 1 السُّتْرَةَ احْتِمالًا، أنَّ
..................................
صَلَاتها لا تَبْطلُ بانْتِظارِها وإن طال؛ لأنَّه انْتِظارُ واجِدٍ 1. ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنهَّا صَلَّتْ في زَمَنٍ طويلٍ عارِيةً، مع إمْكانِ السَّتْرِ، فلم تَصِحَّ، كالصلاةِ كلِّها.
وما ذَكَروه يَبْطُلُ بما لو أتَمَّتْ صلاتها حالَ 2 انْتِظارِها أو انْتَظَرَتْ من يَأتِي فيُناوِلُها، وقِياسُ الكثيرِ على اليَسِيرِ فاسِدٌ، لما ثَبَت في الشَّرْعِ مِن العَفْوِ عن اليَسِيرِ دُونَ الكَثِير في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.
فصل: فإن صَلَّى عُرْيانًا، ثم بأن معه سِتارَةٌ أُنْسِيَها، أعاد؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ، كما قُلْنا في الماءِ.
وَتُصَلِّي الْعُرَاةُ جَمَاعَةً، وَإمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ،
320 - مسألة: (وتُصَلِّي العُراةُ جَماعَةً، وإمامُهم في وَسَطِهم)
الجَماعَةُ تُشْرَعُ للعُراةِ كغيرِهم، لقول النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلَاةُ الرِّجُلِ فِي الْجَمِيعِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاِته وَحْدَهُ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وهذا قولُ قتادَة.
وقال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ: يُصَلُّون فُرادَى.
قال مالكٌ: ويَتَباعَدُ بَعْضُهما مِن بعض.
وإن كانوا في ظُلْمَةٍ صَلَّوْا جَماعَةً، ويَتقدَّمُهم إمامُهما.
وبه قال الشافعيُّ في القَدِيمِ، وقال في مَوْضِعٍ: الجَماعَةُ والإفْرادُ سَواءٌ؛ لأنَّ في الجَماعَةِ الإخْلالَ بسُنَّةِ المَوْقِفِ، وفي الانْفِرادِ الإخْلالَ بفَضِيلَةِ الجَماعَةِ.
..................................
ووافَقَنا أنَّ إمامَهم يَقُومُ وَسَطَهم، وعلى مَشْرُوعِيَّةِ الجَماعَةِ للنِّساءِ العُراةِ؛ لأنَّ إمامَتَهُنَّ تَقُومُ في وَسَطِهِنَّ، فلا يَحْصُلُ الإخْلالُ في حَقِّهِنَّ بفَضِيلَةِ المَوْقِفِ.
ولَنا، الحدِيثُ الذى ذَكَرْنا، ولأنَّهم قَدَرُوا على الجَماعَةِ مِن غيرِ عُذْرٍ، أشْبَهُوا المُسْتَتِرِين، ولا تَسْقُطُ الجَماعَةُ لفَواتِ السُّنَّةِ في المَوْقِفِ، كما لو كانوا في ضِيقٍ ولا يُمْكِنُ تَقْدِيمُ أحَدِهم.
وإذا شُرِعَتِ الجَماعَة حالَ الخَوْفِ مع تَعَذُّرِ الاقْتِداءِ بالإمامِ في بَعْضِ الصلاةِ، والحاجَةِ إلى مُفارَقتِه، وفِعْلِ ما يُبطِلُ الصلاةَ في غيرِ تلك الحالِ، فأوْلَى أن تُشْرَعَ
وإنْ كَانُوا رجَالًا وَنِسَاءً، صَلَّى كُلُّ نَوْعٍ لأنْفُسِهِمْ، وَإنْ كَانُوا فِي ضِيقٍ، صَلَّى الرِّجَالُ وَاسْتَدْبَرَهُمُ النِّسَاءُ، ثمَّ صَلَّى النَّساءُ وَاسْتَدْبَرَهنَّ الرِّجَالُ.
هاهُنا.
إذا ثَبَت هذا، فإن إمامَهم يكُون في وَسَطِهم، ويُصَلون صفًّا واحِدًا؛ لأنه أستَرُ لهم، فإن لم يَسَعْهم صَفٌّ واحدٌ، وَقَفُوا صُفُوفا وغَضُّوا أبصارَهم، وإن صلَّى كل صَف جَماعَةً، فهو أحْسَنُ.
321 -
مسألة: (وإن كانوا رِجالًا ونِساءً، صَلَّى كل نَوْعٍ لأنْفُسِهم)
لئَلا يَرَى بَعْضُهم عَوْراتِ بعض، (وإن كانوا في ضِيقٍ، صَلى الرجالُ واستَدْبَرَهم النساءُ، ثم صَلَّى النساءُ واستدبَرَهُنَّ الرِّجالُ) لئلا يَنْظُرَ بَعْضُهم إلى بَعْض.
..................................
فصل: فإن كان مع العُراةِ واحِدٌ له سترةٌ، لَزِمَه الصلاةُ فيها، فإن أعارَها وصَلَّى عُرْيانًا، لم تَصِحَّ؛ لأنه قادِر على السُّترةِ، وإذا صَلَّى فيه اسْتُحِبَّ له أن يُعيِرَه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ 1 ولا يَجبُ ذلك، بخلافِ ما لو كان معه طَعامٌ فاضِلٌ عن حاجَتِه، ووَجَد مُضْطَرا، فإنَّه يَلْزَمُه إعْطاؤه، وإذا بَذَلَه لهم صَلَّى فيه واحِدٌ بعدَ واحِدٍ، ولم يَجُزْ لهم الصلاةُ عُراةً؛ لقُدْرَتهم على السترِ، إلَّا أن يَخافُوا ضِيقَ الوَقْتِ، فيُصَلوا 2 عُراةً جَماعةً؛ لأنَّهم لو كانوا في سَفِينَةٍ لا يُمْكن جَميِعُهم الصلاةَ قِيامًا، صَلَّى واحِدٌ بعدَ واحِدٍ، إلَّا أن يَخافُوا فواتَ الوَقْتِ، فيُصلىَ واحِدٌ قَائِمًا والباقُون قعُودًا، كذلك هذا، ولأنَّ هذا يَحْصُلُ به إدْراكُ الوَقتِ والجَماعَةِ، وذاك إنما يَحْصُل به السترُ خاصَّةً.
ويَحْتَمِلُ أن يَنْتَظِرُوا الثوْبَ وإن فات الوَقْتُ؛ لأنه قَدَر على شَرْطِ الصلاةِ، فلم تَصِحَّ صَلاتُه بدُونِه، كواجِدِ الماءِ لا يَتَيَمَّمُ وإن خاف فَواتَ الوَقْتِ.
قال شيخُنا 3: وهذا أقْيَسُ عندِي.
فإنِ امْتَنَعَ صاحِبُ الثَّوْبِ مِن إعارَته، فالمُسْتَحَبُّ أن يَؤمَّهم، ويَقف بينَ أيدِيهم، فإن كان أُمِّيًّا وهم قرّاءٌ، صَلى العُراةُ جَماعَة وصاحبُ الثوْب وَحْدَه؛ لأنه لا يَجُوزُ أن يَؤمَّهم؛ لكَوْنِه أُمِّيًّا، ولا يَأتَمَّ بهم؛ لكوْنِهم عُراةً وهو مُسْتَتِر.
وإن صلَّى وبَقِيَ وَقْتُ صلاةٍ واحِدَةٍ، اسْتُحِبُّ أن يُعِيرَه لمن يَصْلُحُ لإمامَتِهم، وإن
ويُكْرَه فِي الصَّلاةِ السَّدْلُ؛ وَهُوَ أنْ يَطْرَحَ عَلى كَتِفَيْهِ ثَوْبًا وَلَا يَرُدَّ أحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الكَتِفِ الأخْرَى.
أعارَه لغيرِه، جاز، وصار حُكْمُه حُكْم صاحِبِ الثَّوْبِ، فإنِ اسْتوَوْا، ولم يكنِ الثوْبُ لواحِدٍ منهم، أقرعَ بينَهم، فيَكُونُ مَن تَقعُ له القُرْعَة أحَقَّ به، وإلا قدِّم مَن تُسْتحَبُّ البِدايَةُ بعارِيته.
وإن كانُوا رِجالًا ونِساءً، فالنساءُ أحَق؛ لأنَّ عَوْرَتهُنَّ أفْحَش, وسَترَها آكَدُ.
وإذا صَلَّيْن فيه أخَذَه الرجالُ.
322 -
مسألة: (ويُكْرَه في الصلاةِ السدْلُ؛ وهو أن يَطْرَحَ على كَتِفَيْه ثَوْبًا ولا يَرُدَّ أخدَ طرَفَيْه على الكَتِفِ الأخْرَى)
وهذا قول ابنِ مسعودٍ، والثوْرِيِّ، والشافعيِّ؛ لِما روَى أبو هُريرة، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نهَى عن السدْلِ في الصلاةِ.
رَواه أبو داود 1. فإن فَعَل، فلا إعادةَ عليه.
وقال ابنُ أبي موسى: يُعِيدُ الصلاةَ في إحْدَى الروايَتَيْن؛ للنهْيِ عنه.
فأمّا إن ردَّ أحَدَ طَرفَيْه على الكَتِفِ الأخْرَى، أو ضَمَّ طَرَفَيْه بيَديْه، لم يُكْرهْ؛ لزَوالِ السَّدْلِ.
وقد رُوِيَ عن جابِرٍ 2، وابنِ عُمر 3 الرخْصَة في السدْلِ.
قال
..................................
ابن المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ فيه حديثًا يَثْبُت.
وحَكاه الترمِذي 1، عن أحمدَ.
وَاشْتِمَالُ الصَّمَّاء؛ وَهُوَ أنْ يَضْطبعَ بثَوْبٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُه.
323 - مسألة: (و)
يُكرَه (اشْتِمالُ الصَّمّاءِ؛ وهو أن يضطَبعَ بثَوْبٍ ليس عليه غيرُه) لِما روَى أبو هُرَيرة، وأبو سعيدٍ، أن النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نهَى عن لُبْسَتَيْن؛ اشْتِمالِ الصَّمّاءِ، وأن يَحْتَبِيَ الرجلُ بثَوْبٍ ليس بينَ فَرْجَيْه وبينَ السماءِ شيء.
أخْرَجَه البُخارِي 1. ومَعْنَى الاضْطِباعِ: أن يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّداءِ تحتَ عاتِقِه الأيمَنِ، وطَرَفَيْه على عاتِقِه الأيسرِ، كلُبْسَةِ
..................................
المُحْرِمِ، وهذا هو اشْتِمالُ الصمّاءِ.
ذَكَرَه بعضُ أصحابنا، وجاء مُفَسْرًا في حديثِ أبي سعيدٍ بذلك، مِن رِوايَة إسحاقَ، عن عبدِ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِي، أظنه عن عطاءِ بنِ يزيدَ، عن أبي سعيدٍ 1. وإنما كُرِه؛ لأنه إذا فَعَل ذلك وليس عليه ثَوْبْ غيرُه، بَدَتْ عَوْرَتُه كذلك.
رَواه حَنْبَل، عن أحمدَ.
أمّا إذا كان عليه غيرُه، فتلك لُبْسَةُ المُحْرِمِ، وقد فَعَلَها النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وعلى هذا يَنبغِي أن يكونَ اشْتِمالُ الصَّمّاءِ مُحَرَّمًا؛ لإفْضائِه إلى كَشْفِ العَوْرَةِ، وروَى أبو بكر بإسنادِه، عن ابنِ مسعود، قال: نَهَى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يَلْبَسَ الرجلُ ثَوْبًا واحِدًا، يَأخُذُ بجَوانِبِه على مَنْكبَيْه، فتُدْعَى تلك الصماءَ.
وقال بَعْضُ أصحابِ الشَّافعيّ: اشْتِمالُ الصَّمّاءِ: أن يَلْتَحِفَ بالثوْبِ، ثم يُخْرِجَ يَدَيْه مِن قِبَلِ صَدْرِه، فتَبْدُوَ عَوْرَتُه.
وهو في مَعْنَى تَفْسِيرِ أصحابِنا.
وقال أبو عُبيَدٍ 2: اشْتمالُ الصَّمّاءِ عندَ العَرَبِ: أن يَشتَمِلَ الرجلُ بثَوْبٍ يُجَلِّل به جَسَدَه كلَّه، ولا يَرْفَعُ مِنه جانِبًا يُخْرِجُ مِنه يَدَه.
كأنه يَذْهَبُ به إلى أنَّه لَعلَّه يُصِيبُه شئٌ يرِيدُ الاحْتِرازَ 3 منه، فلا يَقْدِرُ عليه.
قال شيخنا 4: والفُقَهاءُ أعلمُ
وَعَنْهُ، أنَّهُ يُكْرَه وإنْ كَانَ عَلَيْهِ غيره.
وَيُكْرَه تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ، وَالتَّلثُّمُ عَلَى الْفَمَ وَالْأَنْفِ،
بالتَّأوِيلِ.
(وعنه، يُكْرَه، وإن كان عليه غيرُه) رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه الله, كَراهَةُ ذلك مُطلَقًا؛ لعُمُومِ النهْيِ، ولأنَّ كلَّ ما نُهِيَ عنه مِن اللباس في الصلاةِ لم يُفَرقْ بينَ أن يكُونَ عليه ثَوْب غيرُه، أو لم يَكُنْ، كالسَّدْلِ والإسْبالِ.
واللهُ أعلمُ.
324 -
مسألة: (ويُكْرَه تَغْطِيَةُ الوَجْهِ والتَّلثُّمُ على الفمِ والأنْفِ)
لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نهي أن يُغَطِّيَ الرجلُ فاه.
رَواه أبو
ولَفُّ الكمِّ,
داودَ (1)، ففي (2) هذا تَنْبِيهٌ على كَراهِيَّة تَغْطِيَةِ الوَجْهِ؛ لاشْتِمالِه على تَغْطِيَة الفَمِ، ويُكْرَه تَغْطِيَةُ الأنفِ قِياسًا على الفَمِ.
رُوي ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وفيه رِوايَةٌ أخرى، لا يُكْرَه؛ لأنَّ تَخْصِيصَ الفَمِ بالنَّهْيِ يَدُلُ على إباحَةِ غيرِه.
325 -
مسألة: (و)
يكرهُ (لَفُّ الكُمِّ) لقول النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظم، وَلَا أكُفّ 3 شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا».
مُتفَق عليه 4.12
وَشَدُّ الْوَسَطِ بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزنَّارِ،
326
- مسألة: (و
يُكْرَه شَدُّ الوَسَطِ بما يُشْبِهُ شدَّ الزُّنّارِ 1 لِما فيه مِن التشبهِ بأهل الكِتابِ، وقد نهَى النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن التشَبُّهِ بهم، فقال: «لَا تَشْتَمِلُوا اشْتِمَالَ الْيَهُودِ».
رَواه أبو داودَ 2. فأمَّا شَدُّ الوَسَطِ بمِئْزَرٍ أو حَبْل، أو نَحْوِهما 3 مِمّا لا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنارِ، فلا يُكْرَه.
قال أحمدُ: لا بأسَ به، أليس قد رُوِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «لَا يُصَلِّي
وإسْبَالُ شَيْءٍ مِنْ ثِيَابِهِ خُيَلَاءَ.
أحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ محْتَزِم» (1). وقال أبو طالِبٍ: سأَلتُ أحمدَ عن الرجلِ يُصَلِّي وعليه القَمِيصُ، يَأتَزِرُ بالمِنْدِيلِ فَوقه؟ قال: نَعَمْ، فَعَل ذلك ابنُ عُمَرَ.
وعن الشَّعْبِيِّ، قال: كان يُقالُ: شُدَّ حَقْوَكَ في الصلاةِ ولو بعِقالٍ.
رَواه الخَلّالُ، وعن يزيدَ بنِ الأصَمِّ (2) مِثْلُه.
327 -
مسألة: (و)
يُكْرَه (إسْبالُ شيء مِن ثِيابه خُيَلاءَ) يُكْرَه إسْبالُ القَمِيص والإزارِ مُطْلقًا، وكذلك السَّراوِيلُ؛ لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمَرَ برَفْع الإزارِ، فإن فَعَلَه خُيَلاءَ فهو حَرامٌ؛ لقولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ12