فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ فَبِالطِّينِ الْحُرِّ، يُغْسَلُ الْمَحَلُّ، وَيُوَضَّأُ.
فإن لم يَسْتَمْسِكْ فبالطِّينِ الحُرِّ) متى خَرَجَتْ مِن المَيِّتِ نَجاسَةٌ بعدَ السَّبْعِ لم يَعُدْ إلى الغَسْلِ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ إعادَةَ غَسْلِه يُفْضى إلى الحَرَجِ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ ثَلاثًا، أو خَمْسًا، أو سبْعًا، في حديثِ أُمِّ عَطِيَّةَ.
لكنْ يَحْشُوه بالقُطْنِ، أو يُلْجَمُ بالقُطْنِ كما تَفْعَلُ المُسْتَحاضَةُ، ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، فإن لم يُمْسِكْه ذلك حُشِىَ بالطِّينِ الخالِصِ الصُّلْبِ الذى له قُوَّةٌ يُمْسِكُ المَحَلَّ.
752 -
مسألة: (ثم يُغْسَلُ المَحَلُّ ويُوَضَأُّ)
وقد ذُكِرَ عن أحمدَ، أنَّه لا يُوَضَّأُ.
وهو قولٌ لأصْحابِ الشافعىِّ.
والأوْلَى، إن شاء اللهُ، أنَّه يُوَضَّأُّ، كالجُنُبِ إذا أحْدَثَ بعدَ الغُسْلِ، لتَكُونَ طَهارَتُه كامِلَةً.
.................................. وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَىْءٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِى أَكْفَانِهِ، لَمْ يَعُدْ إِلَى الْغَسْلِ.
753 -
مسألة: (فإن خَرَج منه شئٌ بعدَ وَضْعِه في أكْفانِه، لم يَعُدْ إلى الغَسْلِ)
قال شيخُنا 1، رحِمَه اللهُ: لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، إذا كان الخارِجُ يَسِيرًا؛ لِما في إعادَةِ الغَسْلِ مِن المَشَقَّةِ الكَثِيرَةِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى إخْراجِه، وإعادَةِ غَسْلِه، وغَسْلِ أكْفانِه، وتَجْفِيفِها أو إبْدالِهَا، ثم لا يُؤْمَنُ مثلُ هذا في المَرَّةِ الثَّانِيَةِ والثَّالِثَةِ، فسَقطَ ذلك.
ولا يَحْتاجُ أيضًا إلى إعادَةِ وُضوئِه، ولا غَسْلِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ، دَفْعًا لهذه المَشَقَّةِ، ويُحْمَلُ بحالِه.
وقد رُوِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ ابْنَةً له لمّا لُفَّتْ في أكفانِها، بَدَا منها شئٌ، فقالَ الشَّعْبِىُّ: ارْفَعُوا.
وإن كان كَثِيرًا، فالظَّاهِرُ عنه أنَّه يُحْمَلُ أيضًا؛ لِما ذَكَرْنا.
وعنه، أنَّه يُعادُ غَسْلُه، ويُطَهَّرُ كَفَنُهْ؛ لأنَّه يُؤْمَنُ مِثْلُه في الثَّانِى للتَّحَفُّظِ بالتَّلَجُّمِ والشَّدِّ.
وَيُغَسَّلُ الْمُحْرِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا يُلْبَسُ الْمَخِيطَ، وَلَا يُخَمَّرُ رَأسُهُ، وَلَا يُقْرَبُ طِيبًا.
754 - مسألة: (ويُغَسَّلُ المُحْرِمُ بِماءٍ وسِدْرٍ، ولا يُلْبَسُ المَخِيطَ، ولا يُخَمَّرُ رَأْسُه، ولا يُقْرَبُ طِيبًا)
إذا ماتَ المُحْرِمُ لم يَبْطُلْ
حُكْمُ إحْرامِه بمَوْتِه، ويُجَنَّبُ ما يُجَنَّبُه المُحْرِمُ مِن الطيبِ، وتَغْطيَةِ الرَّأْس، ولُبْسِ المَخِيطِ، وقَطْعِ الشَّعَرِ.
رُوِىَ ذلك عن عثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عباسٍ.
وبه قال عَطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ.
وقال مالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ: يَبْطُلُ إحْرامُه بمَوْتِه، ويُصْنَعُ به ما يُصْنَعُ بالحَلالِ.
ورُوِى ذلك عن عائشةَ، وابنِ عُمَرَ، وطاوُسٍ؛ لأنَّها عِبادَةٌ شَرْعِيَّةٌ، فبَطَلَتْ بالمَوْتِ، كالصلاةِ والصيامِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ رجلًا وَقصَه بَعِيرُه 1، ونحن مع النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِى ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا» 2. وفى رِوايَةٍ: «مُلَبِّيًا».
مُتَّفَقٌ عليه 3. فإن قِيلَ: هذا خَاصٌّ له؛ لأنَّه يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا.
قُلْنا: حُكْمُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - في واحِدٍ حُكْمُه في مِثْلِه، إلَّا أن
..................................
يَرِدَ تَخْصِيصُه، ولهذا ثَبَت حُكْمُه في شُهَداءِ أُحُدٍ، وفى سائِرِ الشُّهَداءِ.
قال أبو داود: سَمِعْتُ أحمدَ يَقُولُ: في هذا الحديثِ خَمْسُ سُنَنٍ؛ كَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، أى يُكَفَّنُ في ثَوْبَيْنِ.
وأن يَكُونَ في الغَسَلاتِ كلِّها سِدْرٌ، ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَه، ولا تُقَرِّبُوه طِيبًا، وكَوْنُ الكَفَنِ مِن جَمِيع المالِ.
قال أحمدُ في مَوْضِعٍ: يُصَبُّ عليه الماءُ صَبًّا، ولا يُغَسَّلُ يُغَسَّلُ الحَلالُ.
وإنَّما كُرِه عَرْكُ رَأْسِه ومَواضِعِ الشَّعَرِ، كيلا يَنْقَطِعَ شَعَرُه.
فصل: واخْتُلِفَ عن أحمدَ في تَغْطِيَةِ وَجْهِه، فعنه، لا يُغَطَّى.
نَقَلَها عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ؛ لأنَّ في بَعْضِ الحديثِ: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ».
وعنه، لا بَأْسَ بتَغْطِيَةِ وَجْهِه.
نَقَلَها عنه سائِرُ أصْحابِه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ المَذْكُورِ، فإنَّه أصَحُّ ما رُوِىَ فيه، وليس فيه سِوَى المَنْعِ مِن تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ.
ولا يُلْبَسُ المَخِيطَ؛ لأنَّه يَحْرُمُ عليه في حياتِه، فكذلك بعدَ المَوْتِ.
واخْتُلِفَ عن أحمدَ أيضًا في تَغْطِيَةِ رِجْلَيْه، فرَوَى حَنْبَلٌ عنه: لا تُغَطَّى رِجْلاه.
كذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
..................................
وقال الخَلَّالُ: لا أعْرِفُ هذا في الأحادِيثِ، ولا رَواه أحَدٌ عن أبِى عبدِ اللهِ غيرُ حَنْبَلٍ، وهو عندى وَهَمٌ 1 مِن حَنْبَلٍ، والعَمَلُ على أنَّه يُغَطَّى جَمِيعُ المُحْرِمِ، إلَّا رَأْسَه، ولأنَّ المُحْرِمَ لا يُمْنَعُ مِن تَغْطِيَةِ رِجْلَيْه في حَياتِه، فكذلك بعدَ مَوْتِه.
فإن كان المَيِّتُ امرأةَ مُحْرِمَةً، أُلْبِسَتِ القَمِيصَ، وخُمِّرَتْ، كما تَفْعَلُ في حَياتِها، ولم تُقْرَبْ طِيبًا، ولم يُغَطَّ وَجْهُها؛ لأنَّه يَحْرُمُ عليها في حَياتِها، فكذلك بعدَ مَوْتِها.
فإن ماتَتِ المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها في عِدَّتِها، احْتَمَلَ أن لا تُطَيَّبَ؛ لأنَّهَا مَمْنُوعَةٌ حالَ حَياتها، واحْتَمَلَ أن تطَيَّبَ؛ لأنَّ التَّطَيُّبَ إنَّما حَرُمَ لكَوْنِه يَدْعُو إلى نِكاحِها، وقد زال بالمَوْتِ.
وهو أصَحُّ.
ولأصحابِ الشافعىِّ وَجْهان.
وَالشَّهِيدُ لَا يُغَسَّلُ، إِلَّا أنْ يَكُونَ جُنُبًا،
755 - مسألة: (والشَّهِيدُ لَا يُغَسَّلُ، إلَّا أن يَكُونَ جُنُبًا)
إذا مات الشَّهِيدُ في المَعْرَكَةِ لم يُغَسَّلْ رِوايَةً واحِدَةً، إذا لم يَكُنْ جُنُبًا.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ، ولا نَعْلَمُ فيه 1 خِلَافًا، إلَّا عن الحسنِ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّب، فإنَّهُما قالا: يُغَسَّلُ، ما مات مَيِّتٌ إلَّا جُنُبًا.
ولَنا، ما روَى جابِرٌ، أَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بِدَفْنِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ في دِمائِهِم، ولم يُغَسِّلْهم، ولم يُصَلِّ عليهم.
مُتَّفَقٌ عليه 2. إذا ثَبَت هذا فيَحْتَمِلُ أنَّ تَرْكَ الغَسْلِ لِما يَتَضمَّنُه مِن إزالَةِ أثَرِ العِبادَةِ المُسْتطابِ شَرْعًا، فإنَّه جاء عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -
..................................
أنَّه قال: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَا يُكْلَمُ 1 أحَدٌ في سَبِيلِ اللهِ، وَاللهُ أعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِى سَبِيلِه، إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ».
رَواه البخارىُّ 2. وروَى عبدُ اللهِ بنُ ثَعْلَبَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِم، فَإنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِى اللهِ إلَّا يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ».
رَواه = يصل عليهم» وباب من يقدم في اللحد، باب اللحد والشق في القبر، من كتاب الجنائز، وفى: باب من قتل من المسلمين يوم أحد.... إلخ، من كتاب المغازى.
صحيح البخارى 2/ 114، 115، 117، 5/ 131. كما أخرجه أبو داود بدون لفظ: «ولم يصل عليهم»، في: باب في الشهيد يغسل، من كتاب الجنائز.
سنن أبي داود 2/ 174. والترمذى، في: باب ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد، من أبواب الجنائز.
عارضِة الأحوذى 4/ 253. والنسائي، في: باب ترك الصلاة عليهم، من كتاب الجنائز.
المجتبى 4/ 50. وابن ماجة, في: باب ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم، من كتاب الجنائز.
سنن ابن ماجه 1/ 485. والإِمام أحمد نحوه، في: المسند 1/ 247، 3/ 299.
..................................
النَّسَائِىُّ 1. ويَحْتَمِلُ أنَّ الغَسْلَ لا يَجِبُ إلَّا مِن أجْلِ الصلاةِ، إلَّا أنَّ المَيِّتَ لا فِعْلَ له، فأُمِرْنا بغَسْلِه ليُصَلَّى عليه، فمَن لم تَجِبِ الصلاةُ عليه لم يَجبْ غَسْلُه، كالحَىِّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ الشُّهَداءَ في المَعْرَكَةِ يَكْثُرُون، فيَشُقَّ غَسْلُهم، فعُفِىَ عنه لذلك.
فصل: فإن كان الشَّهِيدُ جُنُبًا غُسِّلَ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال مالكٌ: لا يُغَسَّلُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ في الشُّهَداءِ.
وعن الشافعىِّ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ حَنْظَلَةَ بنَ الرَّاهِبِ قُتِل يَوْمَ أُحُدٍ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا شَأْنُ حَنْظَلَةَ؟ فَإِنِّى رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُةُ».
قالُوا: إنَّه جامَعَ، ثم سَمِع الهَيْعَةَ 2 فخَرَجَ إلى القِتالِ.
رَواه ابنُ إسحاقَ، في «المَغَازِى» 3.
ولأنَّه غُسْلٌ واجِبٌ لغيرِ المَوْتِ، فلم يَسْقُطْ بالمَوْتِ، كغَسْلِ النَّجَاسَةِ.
بَلْ يُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ وَالْجُلُودُ، وَيُزَمَّلُ فِى ثِيَاْبِهِ،
وحَدِيثُهم وَرَد في شُهَداءِ أُحُدٍ، وحَدِيثُنا خاصٌّ في حَنْظَلَةَ، وهو مِن شُهَداءِ أُحُدٍ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه.
وعلى هذا، كلُّ مَن وَجَب عليه الغُسْلُ بسَبَبٍ سابِقٍ على المَوْتِ، كالمرأةِ تَطْهُرُ مِن حَيْضٍ أو نِفاسٍ ثم تُقْتَلُ، فهى كالجُنُبِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن العِلَّةِ.
ولو قُتِلَتْ في حَيْضِها أو نِفاسِها لم يَجِبِ الغَسْلُ؛ لأنَّ الطُّهْرَ شَرْطٌ في الغُسْلِ، أو في السَّبَبِ المُوجِبِ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ بدُونِه.
فإن أسْلَمَ، ثم اسْتُشْهِدَ قبِلَ الغُسْلِ، فلا غُسْلَ عليه؛ لأنَّه رُوِىَ أنَّ أُصيْرِمَ بَنِى عبدِ الأشْهَلِ (1) أَسْلَمَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثم قُتِل، فلم يؤْمَرْ بغُسْلٍ.
756 -
مسألة: (ويُنْزَعُ عنهُ السِّلاحُ والجُلُودُ، ويُزَمَّلُ فِى ثِيابِه،
1
وَإِنْ أَحَبَّ كَفَّنَهُ [39 ظ] بِغَيْرِهَا.
وإن أَحَبَّ [كَفَّنَه بغيرِها] 1 أمَّا دَفْنُه في ثِيَابِه، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وقد ثَبَت بقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «ادْفِنُوهُمْ فِى ثِيَابِهِمْ» 2. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أن يُنْزَعَ عنهم الحَدِيدُ
والجُلُودُ، وأن يُدْفَنُوا في ثِيابِهم، بدِمائهم.
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه 3. وليس ذلك بواجِبٍ.، لكنَّه الأوْلَى.
ويَجُوزُ للوَلِىِّ أن يَنْزِعَ ثِيابَه ويُكَفِّنَه بغيرِها.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْزِعُ ثِيَابَه؛ لظاهِرِ الخَبَرِ.
ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ صَفِيَّةَ أرْسَلَتْ إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ثَوْبَيْنِ، ليُكَفِّنَ فيهما حَمْزَةَ، فكَفَّنَه في أحَدِهما، وكَفَّنَ في الآخَرِ رجلًا آخَرَ.
رَواه
وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
يَعْقُوبُ بنُ شَيْبَةَ (1)، وقال: هو صالِحُ الإِسْنادِ.
وحَدِيثُهم يُحْمَلُ على الإِباحَةِ والاسْتِحْبابِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُنْزَعُ عنه ما لم يَكُنْ مِن عَامَّةِ لِباسِ النَّاسِ، مِن الجُلُودِ والفِراءِ والحَدِيدِ.
قال أحمدُ: لا يُتْرَكُ عليه فَرْوٌ، ولا خُفٌّ، ولا جِلْدٌ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ: لا يُنْزَعُ عنه فَرْوٌ ولا خُفٌّ ولا مَحْشُوٌّ، لعُمُوم الخَبَرِ وهو قولُه: «ادْفِنُوهُمْ فِى ثِيَابِهِمْ».
وما رَوَيْناه أخَصُّ، فكانَ أولَى.
757 -
مسألة: (ولا يُصَلَّى عليه، في أصَحِّ الرِّوايتَيْن)
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وعن أحمدَ، رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يُصَلَّى عليه.
اخْتارَهَا الخَلَّالُ.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ.
إلَّا أنَّ كلامَ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في هذه الرِّوايَةِ يُشِيرُ إلى أنَّ الصلاةَ عليه مُسْتَحَبَّةٌ غيرُ واجِبَةٍ، وقد صَرَّحَ بذلك في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ، فقال: الصلاةُ عليه1
..................................
أجْوَدُ، وإن لم يُصَلُّوا عليه أجْزَأ 1. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: يُصَلَّى عليه، وأهلُ الحِجازِ لا يُصَلُّونَ عليه، وما تَضُرَّه الصَّلاةُ، لا بَأْسَ به.
فكَأنَّ الِّرَوايتَيْن في اسْتِحْباب الصلاةِ، لا في وُجُوبِها؛ إحْدَاهُما، يُسْتَحَبُّ؛ لِما روَى عُقْبَةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - خَرَج.
يَوْمًا، فصَلَّى على أهلِ اُّحُدٍ صلاتَه على المَيِّتِ، ثم انْصرَفَ إلى المِنْبَر.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى على قَتْلَى اُّحُدٍ 3. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى ما روَى جابِرٌ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بِدَفْنِ شُهَداءِ أُحُدٍ في دِمائِهم، ولم يُغَسِّلْهم، ولم يُصَلِّ عليهم.
مُتَّفَقٌ عليه 4. وحديثُ عُقْبَةَ مَخْصُوصٌ بِشُهَداءِ أُحُدٍ، فإنَّه صَلَّى عليهم في القُبُورِ بعدَ سِنِين، وهم لا يُصَلُّون على القَبْرِ أصلًا، ونحن لا نُصَلِّى عليه بعدَ شَهْرٍ.
وحديثُ ابنِ عباسٍ يَرْوِيه
..................................
الحسنُ بنُ عُمارَةَ، وهو ضَعِيفٌ، وقد أنْكَرَ عليه شُعْبَةُ رِوايَةَ هذا الحَديثِ.
إذا ثَبَت هذا، فيَحْتَمِلُ أن يَكُونَ سُقُوطُ الصلاةِ عليهم لكَوْنِهِم أحْياءً عندَ رَبِّهم، والصلاةُ إنَّما شُرِعَتْ في حَقِّ المَوْتَى، ويَحْتَمِلُ أنَّ ذلك لِغناهم عن الشَّفاعَةِ لهم، فإنَّ الشَّهِيدَ يُشَفَّعُ في سَبْعِين مِن أهْلِه، فلا يَحْتاجُ إلى شَفِيعٍ، والصَّلاةُ إنَّما شُرِعَتْ للشَّفاعَةِ.
فصل: والبالِغُ وغيرُه سَواءٌ في تَرْكِ غَسْلِه والصلاةِ عليه، إذا كان شَهِيدًا.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَثْبُتُ حُكْمُ الشَّهادَةِ لغيرِ البالِغِ؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ القِتالِ.
ولَنا، أنَّه مُسْلِمٌ قُتِل في مُعْتَرَكِ المُشْرِكِين بقِتَالِهِم، أشْبَهَ البالِغَ، ولأنَّه يُشْبِهُ البالِغَ في غَسْلِه والصلاةِ عليه إذا لم يَكُنْ شَهِيدًا، فيُشْبِهُه في سُقُوطِ ذلك عنه بالشَّهادَةِ، وقد كان في شُهَداءِ أُحُدٍ حارِثَةُ بنُ النُّعْمانِ، وهو صَغِيرٌ، والحديثُ عامٌّ في الكُلِّ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالنِّساءِ.
وَإِنْ سَقَطَ منْ دَابَّتِهِ، أَوْ وُجدَ مَيَتًّا وَلَا أثَرَ بِهِ، أَوْ حُمِلَ فَأَكَلَ، أَوْ طَالَ بَقَاؤُهُ، غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ.
758 - مسألة: (وإن سَقَط مِن دَابَّتِه، [أو وُجِد مَيِّتًا ولا] 1 أثَرَ به، أو حُمِلَ فأَكَلَ، أو طال بَقَاؤُه، غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه) إذا سَقَط مِن دَابَّتِه فمات، أو وُجِد مَيِّتًا ولا أثَرَ به، فإنَّه يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه. نَصَّ عليه أحمدُ.
وتأوَّلَ الحديثَ: «ادْفِنُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ» 2. فإذا كان به كَلْمٌ لم يُغَسَّلْ.
..................................
وهذا قولُ أبى حنيفةَ في الذى يُوجَدُ مَيَتًّا لا أثَرَ به.
وقال الشافعىُّ: لا يُغَسَّلُ بحالٍ؛ لأنَّه مات بسَبَبٍ مِن أسْبابِ القِتالِ.
ولَنا، أنَّ الأصْلَ وُجُوبُ الغَسْلِ، فلا يَسْقُطُ بالاحْتِمال، ولأنَّ سُقُوطَ الغَسْلِ في مَحَلِّ الوِفاقِ مَقْرُونٌ بمَن كُلِم، فلا يَجُوزُ تَرْكُ اعْتِبارِ ذلك.
فصل: وكذلك إن حُمِل، فأكَلَ، أو طال بَقَاؤُه، لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - غَسَّلَ سَعْدَ بنَ مُعاذٍ، وصَلَّى عليه، وكان شَهِيدًا، رَمَاه ابنُ العَرِقَةِ يَوْمَ الخَنْدَقِ بسَهْمٍ، فقَطَعَ أكْحَلَه 1، فحُمِلَ إلى المَسْجِدِ، فلَبِثَ فيه
..................................
أيَّامًا، ثم مات 1. وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه متى طالَتْ حَياتُه بعدَ حَمْلِه غُسِّلَ، وصُلَّىَ عليه، وإن مات في المَعْرَكَةِ، أو عَقِبَ حَمْلِه، لم يُغَسَّلْ، ولم يُصَلَّ عليه.
وقال مالكٌ: إن أكَلَ، أو شَرِب، أو بَقِىَ يَوْمَيْن أو ثَلاَثةً، غُسِّلَ.
وقال أحمدُ في مَوْضِعٍ: إن تَكَلَّمَ، أو أَكَلَ، أو شَرِب، صُلِّىَ عليه.
وعن أحمدَ، أنَّه سُئِل عن المَجْرُوحِ إذا بَقِىَ في المَعْرَكَةِ يَوْمًا إلى اللَّيْلِ ثم مات، فرَأى أن يُصَلَّى عليه.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: إن مات حالَ الحَرْبِ، لم يُغَسَّلْ، ولم يُصَلَّ عليه، وإلَّا غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه.
قال شيخُنا 2: والصَّحِيحُ التَّحْدِيدُ بما ذَكَرْنا مِن طُولِ الفَصْلِ والأكْلِ؛ لأنَّ الأكْلَ لا يَكُونُ إلَّا مِن ذِى حَياةٍ مُسْتَقِرَّةٍ،
وطُولُ الفَصْلِ يَدُلُّ على ذلك، وقد ثَبَت اعْتِبارُهما في كَثِيرٍ مِن المَواضِعِ،
..................................
وأمَّا الكَلامُ والشربُ، وحالَةُ.
الحَرْبِ، فلا يَصِحُّ التَّحْدِيدُ بشئٍ منها؛ لِما رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال يَوْمَ أُحُدٍ: «مَنْ يَنْظرُ مَا فَعَلَ سَعْدُ بنُ الرَّبِيعِ؟» فقال رَجُلٌ: أنا أنْظُرُ يا رسولَ اللهِ.
فنَظَرَ فوَجَدَه جَرِيحًا به رَمَقٌ، فقال له: إنَّ رسولَ الله أِمَرَنِى أن أَنْظُرَ في الأحْياءِ أنت أم في الأمْواتِ؟ قال: فأنا في الأمْواتِ، فأبْلِغْ رسولَ اللهَ - صلى الله عليه وسلم - عَنِّى السَّلامَ.
وذَكَر الحديثَ، قال: ثم لم أبْرَحْ أن مات 1. ورُوِىَ أنَّ أُصَيْرِمَ بَنِى عَبْدِ الأشْهَلِ وُجِد صَرِيعًا يَومَ أُحُدٍ، فقِيلَ له: ما جاء بك؟ قال: أسْلَمْتُ، ثم جِئْتُ.
وهما مِن شُهَداءِ أُحُدٍ، دَخَلا في عُمُومِ قولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ».
ولم يُغَسَّلَا 2، ولم يُصَلَّ عليهما 3،
..................................
وقد تَكَلَّما وماتا بعدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ.
وفى حديث أهلِ اليَمَامَةِ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه طاف في القَتْلَى، فوَجَدَ أبا عَقِيلٍ الأُنيْفِىَّ 1، قال: فسَقَيْتُه ماءً، وبه أرْبَعَةَ عَشَرَ جُرْحًا، كُلُّها قد خَلَص إلى مَقْتَلٍ، فَخَرَجَ الماءُ مِن جِراحاتِه كلِّها، فلم يُغَسَّلْ.
فصل: فإن كان الشَّهِيدُ قد عاد عليه سِلاحُه فقَتَلَه، فهِو كالمَقْتُولِ بأيْدِى العَدُوِّ.
وقال القاضى: يُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه؛ لأنَّه مات بغيرِ أيْدِى المُشْرِكِين، أشْبَهَ مَن أصابَه ذلك في غيرِ المُعْتَرَكِ.
ولَنا، ما روَى أبو داودَ 2، عن رجل مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: أغَرْنَا على حَىٍّ مِن جُهَيْنَةَ 3، فطَلَبَ رجلٌ مِن المُسْلِمِينَ رجلًا منهم، فضَرَبَه فأخْطَأه، فأصاب نَفْسَه بالسَّيْفِ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَخُوكُمْ يا
..................................
مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ».
فابْتَدَرَه الناسُ، فوَجَدُوه قد مات، فلَفَّه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بثِيابِه ودِمَائِه، وصَلَّى عليه، فقالُوا: يارسولَ اللهِ، أشَهِيدٌ هو؟ قال: «نَعَمْ، وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ».
وعامِرُ بنُ الأكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يومَ خَيْبَرَ، فذَهَبَ يَسْفُلُ 1 له، فرَجَعَ سَيْفُه على نَفْسِه، فكانت فيها نَفْسُه 2. فلم يُفْرَدْ عن الشُّهَداء بحُكْمٍ.
ولأنَّه شَهِيدُ المَعْركَةِ، أشْبَهَ مالو قَتَلَه الكُفَّارُ، وبهذا فارَقَ ما لَو كان في غيرِ 3 المُعْتَرَكِ.
فصل: ومَن قُتِل مِن أهلِ العَدْلِ 4 في المَعْرَكَةِ، فَحُكْمُه في الغَسْلِ حُكْمُ مَن قُتِل في مَعْرَكَةِ المُشْرِكِين.
وقال القاضى: يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن، كالمَقْتُولِ ظُلْمًا.
ولَنا، أنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، لم يُغَسِّلْ مَن قُتِلَ معهَ، وعَمَّارٌ أوْصَى أن لا يُغَسَّلَ، وقال: ادْفِنُوني في ثِيابِى، فإنى مُخاصِمٌ.
ولأنَّه شَهِيدُ المَعْرَكَةِ، أشْبَهَ قَتِيلَ الكُفَّارِ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: يُغَسَّلُون، لأنَّ أسْمَاءَ غَسَّلَتِ ابْنَها عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيْرِ.
والأوَّلُ أوْلَى، لِما ذَكَرْنا، فأمَّا عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ فإنَّه أُخِذ وصُلِب، فصار كالمَقْتُولِ ظُلْمًا، ولأنه ليس بِشَهِيدِ المَعْرَكَةِ.
وأمَّا الباغِى، فيَحْتَمِلُ أن يُغَسَّلَ، ويُصلَّى عليه.
اخْتارَه الخِرَقِىُّ،
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا، فَهَلْ يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
والقاضى.
ويَحْتَمِلُ إلْحَاقُه بأهِل العَدْلِ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ غَسْلُ أهْلِ الجَمَلِ وصِفَينَ (1) مِن الجَانِبَيْن، ولأنَّهم يَكْثُرُون في المُعْتَرَكِ، فيَشُقُّ عليهم غَسْلُهم، أشْبَهُوا أهلَ العَدْلِ.
وهل يُصَلَّى على أهْلِ العَدْلِ؟ فيه احْتِمَالَان؛ أحَدُهما، لا يُصلَّى عليهم؛ لأنَّهم أشْبَهُوا شُهَدَاءَ المُشْرِكِينَ.
ويَحْتَمِلُ أن يُصَلَّى عليهم؛ لأنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، صَلَّى عليهم.
والمَرْجُومُ يُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه، وكذلك المَقْتُولُ قِصَاصًا، كسائِرِ المَوْتَى.
759 -
مسألة: (ومَن قُتِل مَظْلُومًا، فهل يُلْحَقُ بِالشَّهِيدِ؟ على رِوايَتَيْن)
إحْدَاهما، يُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه.
اخْتارَها الخَلَّالُ.
وهو قولُ الحسنَ، ومَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ رُتْبَتَه دونَ رُتْبَةِ الشَّهِيدِ في المُعْتَرَكِ، أشْبَهَ المَبْطُونَ 2، ولأنَّ هذا لا يَكْثُرُ القَتْلُ فيه، فلم يَجُزْ1
..................................
إلْحَاقُه بشَهِيدِ المُعْتَرَكِ.
والثَّانِيَةُ، حُكْمُه حُكْمُ الشَّهِيدِ.
وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ في الغَسْلِ؛ لأنَّه شَهِيدٌ، أشْبَهَ شَهِيدَ المُعْتَرَكِ.
قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» 1.
..................................
فصل: فأمَّا الشَّهِيدُ بغيرِ قَتْلٍ، كالمَطْعُونِ 1، والمَبْطُونِ، والغَرِقِ، وصاحِبِ الهَدْمِ، والنُّفَساءِ، فإنَّهم يُغَسَّلُون، ويُصَلَّى عليهم.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا أنَّه رُوِىَ عن الحسنِ: لا يُصَلَّى على النُّفَساءِ؛ [لأنَّها شَهِيدَةٌ] 2. ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلي على امْرَأةٍ ماتَت في نِفاسِها، فقامَ وَسَطَها.
مُتَّفَقٌ عليه 3. وصَلَّى المُسْلِمُون على عُمَرَ، وعليٍّ، رَضىَ اللهُ عنهما، وهما شَهِيدان.
وقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: «الشُّهَدَاءُ خَمْسٌ؛ الْمَطْعُونُ، والْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصاحِبُ الْهَدْمِ،
وَإذَا وُلِدَ السِّقْطُ لأَكْثَرَ مِنْ أَربَعَةِ أَشْهُرٍ، غُسِّلَ وَصُلِّىَ عَلَيْهِ.
وَالشَّهِيدُ في سَبِيلِ اللهِ» (1). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثُ حسنٌ صحيحٌ.
وكلُّهم، غيرَ الشَّهِيدِ في سَبِيلِ اللهِ، يُغَسَّلُون، ويُصَلَّى عليهم، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك غَسْلَ شَهِيدِ المَعْرَكَةِ، لِما يَتَضَمَّنُه مِن إزالَةِ الدَّمِ المُسْتَطابِ شَرْعًا، أو لمَشَقَّةِ غَسْلِهم، لكَثْرَتِهم، أو لِما فيهم من الجِراحِ، ولا يُوجَدُ ذلك ههُنا.
760 -
مسألة: (وإذا وُلِد السِّقْطُ لأكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، غُسِّلَ
1
..................................
وِصُلِّى عليه) السِّقْطُ: الوَلَدُ 1 تَضَعُه المرأةُ لغيرِ تَمامِ، أو مَيِّتًا.
فإن خرَج حَيًّا واسْتَهَلَّ، غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه، بغيرِ خِلافٍ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.
وإن خَرَج مَيَتًّا، فقال أحمدُ: إذا أتَى له أرْبَعَةُ أشْهُرٍ غُسِّلَ وصُلِّىَ عليه.
وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وابنِ سِيرِينَ، وإسحاقَ.
وصَلَّى ابنُ عُمَرَ على ابْنٍ لابنَتِه 2 وُلِدَ مَيَتًّا 3. وقال الحسنُ، وإبراهيمُ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ: لا يُصَلَّى عليه حتى يَسْتَهِلَّ.
وللشافعيِّ قَوْلانِ كالمَذْهَبَيْنِ، لِما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «الطِّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يَرِثُ، وَلَاْ يُورَثُ، حَتَّى يَسْتَهِلَّ».
رَواه التِّرْمِذِىُّ 4. ولأنَّه لم يَثْبُتْ له حُكْمُ الحَياةِ، ولا يَرِث ولا يُورَثُ، فلا يُصَلَّى عليه، كمَن دُونَ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ.
ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ».
رَواه أبو داودَ،
..................................
والتِّرْمِذِىُّ 1. وفى رِوايَةِ التِّرْمِذِىِّ: «وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ».
وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وذَكَرَه أحمدُ، واحْتَجَّ به، وبحديثِ أبي بكِرٍ الصِّدِّيقِ، أنَّه قال: ما أحَدٌ أحَقُّ أن يُصَلَّى عليه مِن الطِّفْلِ 2. ولأنَّه نَسَمَةٌ نُفِخ فيها الرُّوحُ، فيُصَلَّى عليه، كالمُسْتَهِلِّ، فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أخْبَرَ في حديثِ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، أنَّه يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ لأرْبَعَةِ أشْهُرٍ 3.
وحَدِيثُهم، قال التِّرْمِذِيُّ: قد اضْطَرَبَ النَّاسُ فيه، فرَواه بعضُهم مَرْفوِعًا.
قال التِّرْمِذِىُّ: كأنَّ 4 هذا أصَحُّ مِن المَرْفُوعِ.
وإنَّما لم يَرِثْ؛ لأنَّه لا
..................................
يُعْلَمُ حَياتُه حالَ مَوْتِ مُوَرِّثِه، وذلك مِن شَرْطِ الِإرْثِ، والصلاةُ مِن شَرْطِها أن تُصادِفَ مَن كانت فيه حَياةٌ، وقد عُلِم ذلك بما ذَكَرْنا مِن الحَديثِ، ولأن الصلاةَ دُعاءٌ له ولوالِدَيْه، فلم يُحْتَجْ فيها إلى الاحْتِياطِ واليَقِينِ، بخِلافِ المِيراثِ.
فأمَّا مَن لم يَبْلُغْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فلا يُغَسَّلُ، ولا يُصلَّى عليه، ويُلَفُّ في خِرْقَةٍ، ويُدْفَنُ؛ لعَدَمِ وُجُودِ الحَياةِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا عن ابنِ سِيرِينَ، فإنَّه قال: يُصَلَّي عليه إذا عُلِم أنَّه نُفِخَ فيه الرُّوحُ 1. وحديثُ الصّادِقِ المَصْدُوقِ يَدُلّ على أنَّه لا يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ إلَّا بعدَ الأرْبَعَةِ أشْهُرِ، وقبلَ ذلك لا يَكُونُ نَسَمَةً، فلا يُصَلَّى عليه، كسائرِ الجَماداتِ، ذَكَرَه شيخُنا 2. وحَكَى ابنُ أبي موسى، أنَّه
يُصَلَّى على السِّقْطِ إذا اسْتَبَانَ فيه بعضُ خَلْقِ الِإنْسانِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُسَمَّى السِّقْطُ؛ لأنَّه يُرْوَى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنَّه
وَمَنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ يُمِّمَ.
قال: «سَمُّوا أسْقَاطَكُمْ، فَإنَّهُمْ أسْلَافُكُمْ» (1). رَواه ابنُ السَّمّاكِ (2) بإسْنادِهِ.
قِيل: إنَّهم يُسَمَّوْن ليُدْعَوْا يَوْمَ القِيامَةِ بأسْمائِهِم.
فإذا لم يُعْلَمْ أذَكَرٌ هو أم أُنْثَى، سُمِّىَ اسْمًا يَصْلُحُ لهما جَمِيعًا؛ كسَلَمَةَ، وقَتادَةَ، وهِبَةِ اللهِ، وما أشْبَهَه.
761 -
مسألة: (ومَن تَعَذَّرَ غَسْلُه يُمِّمَ)
مَن تَعَذَّرَ غَسْلُه لعَدَمِ الماءِ، أو للخَوْفِ عليه مِن التَّقَطُّعِ بالغَسْلِ، كالمَجُدُورِ، والغَرِيقِ،12
وَعَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا.
والمُحْتَرِقِ يُمِّمَ إذا أمْكَنَ، كالحَىِّ العادِمِ للماءِ، أو الذى يُؤْذِيه الماءُ، وإن أمْكَنَ غَسْلُ بعضِه غُسِّلَ ويُمِّمَ للباقِى، كالحَىِّ.
ويَحْتَمِلُ ألَّا يُيَمَّمَ، ويُصَلَّى عليه على حَسَبِ حالِه، ذَكَرَه ابنُ عَقِيل، لأنَّ المَقْصُودَ بغَسْلِ المَيِّتِ التَّنْظِيفُ، ولا يَحْصُلُ ذلك بالتَيّمُّمِ.
والأوَّلُ أصَحُّ إن أمْكَنَ غَسْلُه بأن يُصَبَّ عليه الماءُ صَبًّا، ولا يُمَسَّ، غُسِّلَ كذلك.
واللهُ أعلمُ.
762 -
مسألة: (وعلى الغاسِلِ سَتْرُ ما رَآه إن لم يَكُنْ حَسَنًا)
يَنْبَغِى للغاسِلِ، ومَن حَضَر، إذا رَأى مِن المَيِّتِ شيئًا مِمَّا يُحِبُّ المَيِّتُ سَتْرَه أن يَسْتُرَه، ولا يُحَدِّثَ به، لِما رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، ثُمَّ لَمْ يُفْشِ مَا عَلَيْهِ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
رواه
..................................
ابنُ ماجه 1. وقال: «مَنْ سَتَر عَوْرَةَ مُسْلِمٍ، سَتَرَهُ اللهُ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» 2. فإن رَأى حَسَنًا مثلَ أماراتِ الخَيْرِ، مِن وَضَاءَةِ الوَجْهِ، والتَّبَسَّمِ، ونَحْوِ ذلك، اسْتُحِبَّ إظْهارُه، ليُكْثُرَ التَّرَحُّمُ عليه، والتَّشَبُّهُ بجَمِيلِ سِيرَتِه.
قال ابنُ عَقِيلٍ: إلَّا أن يَكُونَ مَغْمُوصًا عليه في الدِّينِ والسُّنَّةِ، مَشْهُورًا ببِدْعَةٍ، فلا بَأسَ بإظْهَارِ الشَّرِّ عليه؛ لتُحْذَرَ طَرِيقَتُه.
وعلى هذا يَنْبَغِى أن يَكْتُمَ ما يَرَى عليه مِن أماراتِ الخَيْرِ، لئَلَّا يُغْتَرَّ به، فَيُقْتَدَى.
به في بِدْعَتِه.
فَصْلٌ فِىِ الْكَفَنِ: وَيَجِبُ كَفَنُ الْمَيِّتِ فِى مَالِهِ، مُقَدَّمًا عَلَى الدَّيْنَ وَغيْرِهِ، فصلٌ في الكَفَن
ِ 763 - مسألة: (ويَجِبُ كَفَنُ المَيِّتِ في مالِه، مقَدَّمًا على الدَّيْنِ وغيرِه)
مِن الوَصِيَّةِ والمِيراثِ، لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ به، ولأنَّ سُتْرَتَه واجِبَةٌ في الحَياةِ، فكذلك بعدَ المَوْتِ.
ويَكُونُ ذلك مِن رَأْسِ مالِه؛ لأنَّ حَمْزَةَ ومُصْعَبًا، رَضِىَ اللهُ عَنهما، لم يُوجَدْ لكلِّ وَاحِدٍ منهما إلَّا ثَوْبٌ فكُفِّنَ فيه، ولأنَّ لِباسَ المُفْلِسِ مُقَدَّمٌ على قَضاءِ دَيْنِه، فكذلك كَفَنُ المَيِّتِ، ولا يَنْتَقِلُ إلى الوَرَثَةِ مِن مالِ المَيِّتِ إلَّا ما فَضلَ عن حاجَتِه الأصْلِيَّةِ.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وفيه قَوْلانِ شاذَّان؛ أحَدُهما، قولُ خِلاسِ بنِ عَمْرٍو 1: إنَّ الكَفَنَ مِن الثُّلُثِ.
والآخَرُ، قال طاوسٌ: إن كان المالُ قَلِيلًا فمِن الثُّلُثِ 2. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وكذلك مَؤُونَةُ دَفْنِه وتَجْهِيزِه، وما لا بُدَّ للمَيِّتِ منه، قِياسًا على الكَفَنِ.
فأمَّا الحَنُوطُ والطِّيبُ فليس بِواجِبٍ، ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه لا يَجِبُ في الحَياةِ،
..................................
فكذلك بعدَ المَوْتِ.
وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أنَّه وَاجِبٌ؛ لأنَّه مما جَرَتِ العادَةُ به.
وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ العادَةَ جَرَت بتَحْسِينِ الكَفَنِ، وليس بواجبٍ.
ولأصحابِ الشافعىِّ وَجْهان كهَذَيْن.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، إِلَّا الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِهِ.
764 - مسألة: (فإن لم يَكُنْ لهْ مالٌ، فعلَى مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه، إلَّا الزَّوْجَ لا يَلْزَمُه كَفَنُ امرأتِه)
إذا لم يَكُنْ للمَيِّتِ مالٌ، فكَفَنُه على مَن تَلْزَمُه
.................................. مَؤُونَتُه في الحَياةِ، وكذلك دَفْنُه، وما لا بُدَّ للمَيِّتِ منه؛ لأنَّ ذلك يَلْزَمُه
..................................
حالَ الحياةِ، فكذلك بعدَ المَوْتِ، إلَّا الزَّوْجَ لا يَلْزَمُه كَفَنُ امرأتِه.
وهذا قولُ الشَّعْبِىِّ، وأبي حنيفةَ، وبعضِ أصحابِ الشافعىِّ.
وقال بَعْضهم: يَجِبُ على الزَّوْجِ.
واخْتُلِفَ فيه عن مالكٍ.
واحْتَجُّوا بأنَّ كُسْوَتَها واجِبَةٌ عليه في الحَياةِ، فوَجَبَ عليه كَفَنُها، كسَيِّدِ العَبْدِ.
ولَنا، أنَّ النَّفَقَةَ والكُسْوَةَ وَجَبَتْ في النكاحِ للتَّمْكِينِ مِن الاسْتِمْتاعِ، ولهذا تَسْقُطُ بالنُّشُوزِ والبَيْنُونَةِ، وقِد انْقَطَعَ ذلك بالمَوْتِ، فأشْبَهَ ما لو انْقَطَعَ بالفُرْقَةِ في الحَياةِ، ولأنَّها بانتْ منه في المَوْتِ، فأشْبَهَتِ الأجْنَبِيَّةَ، وفارَقَتِ المَمْلُوكَ، فإنَّ نَفَقَتَه تَجِبُ بحَقِّ المِلْكِ لا بالانْتِفاعِ، ولهذا تَجِبُ نَفَقَةُ الآبِقِ وفِطْرَتُه، والوَلَدُ تَجِبُ نَفَقَتُه بالقَرابَةِ، ولا تَبْطُلُ بالمَوْتِ؛ بدَلِيل أنَّ السَّيِّدَ والوالِدَ أحَقُّ بدَفْنِه وتَوَلِّيه.
إذا تَقَرَّرَ هذا فإن لم يَكُنْ لها مالٌ، فعلى مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُها مِن الأقارِبِ، فإن لم يَكُنْ ففى بَيْتِ المالِ، كمَن لا زَوْجَ لها.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَحْسِينُ الكَفَنِ؛ لِما روَى مسلمٌ 1، أنَّ النبىَّ
..................................
- صلى الله عليه وسلم - ذَكَر رَجُلًا مِن أصحابِه، قُبِض فكُفِّنَ في كَفَن غيرِ طائِلٍ، فقال: «إذَا كَفَّنَ أحَدُكُمْ أخَاهُ، فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ».
فإن تَشَاحَّ الوَرَثَةُ، جُعِل بحَسَبِ حالِ الحياةِ، إن كان مُوسِرًا، كان حَسَنًا رَفِيعًا، على نحْوِ ما كان يَلْبَسُ في حال الحياةِ، وإن كان دُونَ ذلك، فعلى حَسَبِ حالِه، وليس لثَمَنِه حَدٌّ، لأَنَّ ذلك يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ البُلْدانِ والأوْقاتِ، ولأنَّ التَّحْدِيدَ إنَّما يَكُونُ بنَصٍّ أو إجْماعٍ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما.
وقال الخِرَقِيُّ: إذا تَشاحَّ الوَرَثَةُ في الكَفَنِ، جُعِل بثَلاثِينَ، وإن كان مُوسِرًا فبخَمْسِين.
وهذا مَحْمُولٌ على وَجْهِ التَّقْرِيبِ، ولعَلَّ الجَيِّدَ في زَمَنِه والمُتَوَسِّطَ كان يَحْصُلُ بهذا القَدْرِ.
وقد رُوِى عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه أوْصَى أن يُكَفَّنَ بنَحْوٍ مِن ثَلاثِين درْهَمًا 1.
فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يُكَفَّنَ في جَدِيدٍ، إلَّا أن يُوصِىَ المَيِّتُ بغيرِه، فتُمْتَثَلَ وَصِيَّتُه،؛ رُوِىَ عن الصِّدِّيقِ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه قال: كَفِّنُونِى في ثَوْبَىَّ هَذَيْن، فإنَّ الحَىَّ أحْوَجُ إلى الجَدِيدِ مِن المَيِّتِ، وإنَّما هما للمُهْلَةِ 2 والتُّرابِ.
رَواه البخارىُّ بمَعْناه 3. وذَهَب ابنُ عَقِيل إلى أنَّ
وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِى ثَلَاثِ لَفَائِفَ بيضٍ، يُبْسَطُ بَعْضُهَا فوْقَ بَعْضٍ بَعْدَ تجْمِيرِهَا،
التَّكْفِينَ في الخَلِيعِ (1) أوْلَى لهذا الخَبَرِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لدَلالَةِ قولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وفِعْلَ أصحابِه به
765 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الرجلِ في ثَلاثِ لَفائِف بِيضٍ، يُبْسَطُ بَعْضُها فوقَ بَعْضٍ بعدَ تَجْمِيرِها)
الأفْضَلُ عندَ إمامِنا،
رَحِمَه اللهُ، أن يُكَفَّنَ الرجلُ في ثَلاثِ لَفائِفَ بِيضٍ، ليس فيها قَمِيصٌ ولا عِمامَةٌ، لا يَزِيدُ عليها ولا يَنْقُصُ منها.
قال التِّرْمِذِيُّ 2: والعَمَلُ عليها عندَ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ مِن أصحاب النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهم.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
ويُسْتَحَبُّ كَوْنُ الكَفَنِ أبْيَضَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كُفِّنَ في ثَلاثَةِ أثْوابٍ بِيضٍ 3. ولقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ،1
..................................
فَإنَّهُ أطْهَرُ وَأطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ».
رَواه النَّسَائِىُّ 1. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ، أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُكَفَّنَ 2 في إزارٍ ورِداءٍ وقَمِيصٍ، لِما روَى عبدٌ اللهِ بنُ المُغَفَّلِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كُفنَ في قَمِيصه 3. ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ألْبَسَ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ قَمِيصَه.
رَواه النَّسَائِىُّ 4. ولَنا، قولُ عائشةَ: كُفِّنَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في ثَلاَثةِ أثْوابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ 5، ليس
..................................
فيها قَمِيصٌ ولا عِمامَةٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 1 وهو أصَحُّ حديثٍ يُرْوَى في كَفَنِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وعائشةُ أقْرَبُ إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وأعْرَفُ بأحْوالِه، ولهذا لمَّا ذُكِر لها قولُ النَّاسِ: إنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كُفِّنَ في بُرْدٍ، قالت: قد أُتِىَ بالبُرْدِ، ولكنَّهم لم يُكَفِّنُوه فيه، فحَفِظَتْ ما أغْفَلَه غيرُها.
وقالَتْ أيضًا: أُدْرِجَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ كانت لعَبْدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ، ثم نُزِعَتْ عنه، فرَفَعَ عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ الحُلَّةَ، وقال: أُكَفَّنُ فيها.
ثم قال: لم يُكَفَّنْ فيها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأُكَفَّنُ فيها.
فتَصَدَّقَ بها.
رَواه مسلمٌ 2. ولأنَّ حالَ الِإحْرَامِ أكْمَلُ أحْوالِ الحَىِّ، وهو لا يَلْبَسُ المَخِيطَ، فكذلك حالَةُ المَوْتِ.
وأمَّا إلْباسُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - عبدَ اللهِ بنَ أُبيٍّ قَمِيصَه، فإنَّما فَعَل ذلكَ تَكْرِمَةً لابْنِه عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ؛ لأنَّه كان سأله ذلك، ليَتَبَرَّكَ به أبوه، ويَنْدَفِعَ عنه العَذابُ ببَرَكَةِ قَمِيصِ رسولِ
اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وقِيل: إنَّما فَعَل ذلك جَزاءً لعبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ عن كُسْوَتِه العباسَ قَمِيصَه يَوْمَ بَدْرٍ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَجْمِيرُ الأكْفانِ، وهوْ تَبْخِيرُها 3 بالعُودِ، فيُجْعَلُ العُودُ على النَّارِ في مِجْمَرٍ، ثم يُبَخَّرُ به الكَفَنُ حتى تَعْبَقَ رائِحَتُه، ويَكُونُ ذلك بعدَ أن يُرَشَّ عليه ماءُ الوَرْدِ؛ لتَعْلَقَ به الرَّائِحَةُ.
وقد رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذَا أجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأجْمِرُوهُ ثَلَالًا».
رَواه الِإمامُ
ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهَا مُسْتَلْقِيًا، وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ فِيمَا بَيْنَهَا، وَيُجْعَلُ مِنْهُ فِى قُطْنٍ يُجْعَلُ مِنْهُ بَيْنَ ألْيَتَيْهِ، وَيُشَدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةٌ مَشْقُوقَة
الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ، تَجْمَعُ أَلْيتَيْهِ وَمثَانَتَهُ، ويجْعَلُ الْبَاقِى عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ، وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ، وَإنْ طُيِّبَ جَمِيعُ بَدَنِه كَانَ حَسَنًا،
أحمدُ (1). وأوْصَى أبو سعيدٍ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، أن تُجَمَّرَ أكْفانُهم بالعُودِ.
ولأنَّ هذا عادَةُ الحَيِّ عندَ غُسْلِه، وتَجْدِيدِ ثِيابِه، أن تُجَمَّرَ بالطِّيبِ والعُودِ، فكذلك المَيِّتُ.
766 -
مسألة:. (ثم يُوضَعُ عليها مُسْتَلْقِيًا، ويُجْعَلُ الحَنُوطُ 2 فيما بينَها، ويُجْعَلُ منه في قُطْن يُجْعَلُ بَيْنَ ألْيَتَيْه، ويُشَدُّ فوقَه خِرْقَة مَشْقُوقَةُ الطَّرَفِ كالتُّبّانِ، تَجْمَعُ ألْيَتَيْه ومَثَانَتَه، ثم يُجْعَلُ الباقِى على مَنافِذِ وَجْهِه، ومَواضِعِ سُجُودِه، وإن طَيَّبَهَ كلَّه كان حَسَنًا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُوخَذَ أوْسَعُ اللَّفائِفِ وأحْسَنُها، فتُبْسطَ أوَّلًا،1
..................................
لتَظْهَرَ للنَّاسِ؛ لأنَّ هذا عادَةُ الحَىِّ، يَجْعَلُ الظَّاهِرَ أفْخَرَ ثِيابِه.
ويَجْعَلُ عليها حَنُوطًا، ثم يَبْسُطُ الثانيةَ التى تَلِيها في الحُسْنِ والسَّعَةِ عليها، ويَجْعَلُ فوقَها حَنُوطًا وكافُورًا، ثم يَبْسُطُ فوقَها الثَّالِثَةَ، ويَجْعَلُ فوقَها حَنُوطًا وكافُورًا، ولا يَجْعَلُ على وَجْهِ العُلْيَا، ولا على النَّعْشِ شيئًا مِن الحَنُوطِ؛ لأنَّ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللهُ عنةْ، قال: لا تَجْعَلُوا على أكْفانِى حَنُوطًا 1. ثم يُحْمَلُ المَيِّتُ مَسْتُورًا بثَوْبٍ فيُوضعُ عليها مُسْتَلْقِيًا؛ لأنَّه أمْكَنُ لإدْراجِه فيها، ويُجْعَلُ مِن الحَنُوطِ والكافورِ في قُطْنٍ، ويُجْعَلُ منه بينَ ألْيَتَيْه برِفْقٍ، ويُكْثِرُ ذلك ليَرُدَّ شيئًا إن خَرَج منه حينَ تَحْرِيكِه، ويُشَدُّ فوقَه خِرْقَةٌ مَشْقُوقَةُ الطَّرَفِ كالتُّبّانِ، وهو السَّراوِيلُ
بلا أكْمامٍ، ليَجْمَعَ ألْيَتَيْه ومَثانَتَه، ويُجْعَلُ بَاقِى الطِّيبِ على مَنافِذِ وَجْهِه،