..................................
وللشَّافِعِيِّ فيه قَوْلَانِ.
واحْتَجَّ مَنْ أجازَهُ بأنَّ مال الربَا بيعَ بغَيرِ أصْلِه ولا جِنْسِه، فجازَ، كما لو باعَهُ بالأثْمانِ.
والظَّاهِرُ أنَّ الاختِلافَ مَبْنِيٌّ على الاختِلافِ في اللَّحْمِ، فإنْ قُلْنا بأنَّه جِنْسٌ واحِدٌ، لم يَجُزْ.
وإنْ قُلْنَا: إنّه أجْنَاسٌ.
جازَ بَيعُه بغَيرِ جِنْسِه؛ لما ذَكَرْنا.
فإنْ باعَه
..................................
بحَيَوانٍ غيرِ مَأْكُولٍ، جازَ في ظاهِرِ قَوْلِ أصْحابِنَا.
وهو قَوْلُ عامَّةِ الفُقَهاءِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ وَلَا سَويقِهِ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
1683 - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ حَبٍّ بدَقِيقِه ولا بسَويقِه؛ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ)
لا يَجُوزُ بَيعُ الحَبِّ بالدَّقِيقِ، في الصَّحِيحِ من المَذْهَبِ.
وهو قَوْلُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، وَمَكْحُولٍ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ.
وهو المَشْهُورُ عن الشَّافِعِيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه جائِزٌ.
وبه قال رَبِيعَةُ، ومالِكٌ.
وحُكِيَ عن النَّخَعِيِّ، وقَتَادَةَ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وإسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ الدَّقِيقَ نفْسُ الحِنْطَةِ، وإنَّما تَكَسَّرَتْ أجْزاؤها، فجازَ بَيعُ بَعْضِها بِبَعْض، كالحِنْطَةِ المُكَسَّرَةِ بالصِّحاحِ.
فعلى هذا، إنَّما يُباعُ الحَبُّ بالدَّقيقِ 1 وَزْنًا؛ لأنَّ
..................................
أجْزَاءَه قد تَفَرَّقَتْ بالطَّحْنِ وانْتَشَرَتْ، فَيَأْخُذُ من المِكْيالِ مَكانًا كَبِيرًا، والحَبُّ يأخُذُ مكانًا صَغِيرًا، والوَزْنُ يُسَوِّي بَينَهُما.
وبهذا قال إسحاق.
ولَنا، أنَّ بَيعَ الحَبِّ بالدَّقِيقِ بَيع لمالِ الرِّبَا بجِنْسِه مُتَفَاضِلًا، فَحَرُمَ، كبَيعِ مَكِيلَةٍ بِمَكِيلَتَينِ؛ وذلك لأنَّ الطَّحْنَ قد فَرَّقَ أجْزَاءَه، فيَحْصُلُ في مِكْيالِه دونَ ما يَحْصُلُ في مِكْيَالِ الحَبِّ، وإنْ لم يَتَحَقَّقِ التَّفَاضُلُ، فقد جُهِلَ التَّماثُلُ، والجَهْلُ بالتَّمَاثُلِ كالعِلْمِ بالتَّفَاضُلِ فيما يُشْتَرَطُ التّماثُلُ فيه، ولذلك لم يَجُزْ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْض جُزافًا، والتَّسَاوي في الوَزْنِ لا يَلْزَمُ منه التَّسَاوي في الكَيلِ، والحَبُّ والدَّقِيقُ مَكِيلَانِ؛ لأنَّ الأصْلَ الكَيلُ، ولم يُوجَدْ ما يَنْقُلُ عنه، ثم لو ثَبَتَ أنَّ الدَّقِيقَ كان مَوْزُونًا، لم يَتَحَقَّقِ التَّماثُلُ؛ لأنَّ المَكِيلَ لا يُقَدَّرُ بالوَزْنِ، لا يُقَدَّرُ المَوْزُونُ بالكَيلِ.
فصل: ولا يَجُوزُ بيعُ الحَبِّ بالسَّويقِ.
وبه قال الشَّافِعِيُّ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ، وأَبِي ثَوْرٍ جَوازُ ذلك مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا.
ولَنا، أنَّه بَيعُ الحَبِّ
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَلَا: أَصْلِهِ بِعَصِيرِهِ، وَلا خَالِصِهِ بِمَشُوبِهِ، وَلَا رَطْبِهِ بِيَابِسِهِ.
بِبَعْضِ أجْزَائِه مُتَفَاضِلًا، فلم يَجُزْ، كبَيعِ مَكُّوكِ (1) حِنْطَةٍ بمَكُّوكَيْ دَقِيقٍ، ولا سَبِيلَ إلى التّماثُلِ، لأنَّ النارَ قد أخَذَتْ من أحَدِهما دُونَ الآخرِ، فأشْبَهَتِ المَقْلِيَّةَ بالنِّيئَةِ.
فأمّا الخُبْزُ، والهَرِيسَة، والفالُوذَجُ (2)، والنَّشاءُ، وأَشْبَاهُها، فلا يَجُوزُ بَيعُه بالحِنْطَةِ.
وقال أصْحابُ أبي حَنِيفَةَ: يَجُوزُ، بناءً على مسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ.
وسَنَذْكُرُ ذلك إنْ شاءَ الله تعالى.
ويَجُوزُ بَيعُ الحَبِّ بالدَّقِيقِ من غيرِ جنْسِه، والخُبْزِ وغيرِ ذلك، لعَدَم اشْتِراطِ المُماثَلَةِ بَينَهما.
وقال ابنُ أَبِي مُوسَى: لا يَجُوزُ بَيعُ سَويقِ الشًّعِيرِ بالبُرِّ في رِوَايَةٍ.
وذلك مَبْنِيٌّ على أنّ البُرَّ والشَّعِيرَ جِنْسٌ واحِدٌ، وقد ذَكَرْنَاهُ.
1684 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ أصْلِه بعَصِيرِه، ولا خالِصِه بمَشُوبِه، ولا رَطْبِه بِيَابِسِه، ولا نِيئه بمَطْبُوخِه)
لا يَجُوزُ بَيعُ شَيءٍ من12
..................................
مالِ الرِّبَا بأَصْلِه الذي فيه منه، كالسِّمْسِمِ بالشَّيرَجِ، والزَّيتُونِ بالزَّيتِ، وسائِرِ الأدْهانِ بأُصُولِها، والعَصِيرِ بأَصلِه؛ كعَصِيرِ العِنَبِ، والرُّمَّانِ، والتُّفَّاحِ، والسَّفَرْجَلِ، وقَصَبِ السُّكَّرِ، لا يُباعُ شيءٌ منها بأَصْلِه.
وبه قال الشّافِعِيُّ، و 1 ابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يَجُوزُ وقال أبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ إذا عَلِمَ أنّ ما في الأصْلِ من الدُّهْن والعَصِيرِ أقَلُّ من المُنْفَرِدِ، وإنْ لم يَعْلَمْ، لم يَجُزْ.
ولَنا، أنّه مالٌ بِيعَ بأَصْلِه الذي هو منه، فلم يَجُزْ، كَبَيعِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ، وقد أثْبَتْنا ذلك بالنَّصِّ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ اللَّبَنِ بالزُّبْدِ، ولا بالسَّمْنِ، ولا بشيءٍ منِ فُرُوعِه؛ كاللِّبَأ 2 والمَخِيضِ، وسواءٌ كان فيه من غَيرِه أوْ لَا؛ لأنَّه مُسْتَخْرَجٌ من اللَّبَنِ، فلم يَجُزْ بَيعُه بأَصْلِه الذي فيه، كالسِّمْسِمِ بالشَّيرَجِ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه يَجُوزُ بَيعُ اللَّبَنِ بالزُّبْدِ إذا كان الزُّبْدُ المُنْفَرِدُ أكثرَ من الزُّبْدِ الذي في اللَّبَنِ.
وهذا يَقْتَضِي جوازَ بَيعِه به مُتَفَاضِلًا، ومَنْعَ جَوازِه مُتَماثِلًا.
قال القاضِي: وهذه الرِّوَايَةُ لا تُخَرَّجُ على المَذْهَبِ؛ لأنَّ الشَّيئَينِ إذا دَخَلَهُما الرِّبَا، لم يَجُزْ بَيعُ أحَدِهما بالآخرِ ومعه من غيرِ جِنْسِه، كمُدِّ عَجْوَةٍ.
والصَّحِيحُ أنّ هذه الرِّوَايَةَ دَالَّة على جَوازِ البَيعِ في مسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وكَوْنُها مُخالِفَةً لروايَاتٍ أُخَرَ
..................................
لا يَمْنَعُ كَوْنَها رِوَايَةً كسائِرِ الرِّوَاياتِ المُخَالِفَةِ لغَيرِها لكَوْنِها مُخَالِفَةً لظَاهِرِ المَذْهَبِ.
والحُكْمُ في السَّمْنِ كالحُكْمِ في الزُّبْدِ.
وأما اللَّبَنُ بالمَخِيضِ، فلا يَجُوزُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ويَتَخَرَّجُ الجَوازُ، كالتي قَبْلَها.
وأمّا اللَّبَنُ باللِّبَأَ فإنْ كان قبلَ أنْ تَمَسَّهُ النَّارُ، جازَ مُتَماثِلًا؛ لأنَّهُ لَبَن بِلَبَنٍ.
وإنْ مَسَّتْهُ النّارُ، لم يَجُزْ.
وذَكَرَ القاضِي وجْهًا، أنّه يَجُوزُ.
وليس بصحِيحٍ؛ لأنَّ النّارَ عَقَدَتْ أجْزَاءَ أحَدِهما، وذَهَبَتْ بِبَعْضِ رُطوبَتِه، فلم يَجُزْ بَيعُه بما لم تَمَسَّهُ النّارُ، كالخُبْزِ بالعَجِينِ، والمَقْلِيَّةِ بالنِّيئَةِ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ الخالِصِ بالمَشُوبِ، كحِنْطَةٍ فيها شَعِيرٌ أو زُوانٍ 1 بخَالِصَةٍ أو غيرِ خالِصَةٍ، أو لَبَن مَشُوبٍ بخالِص أو مَشُوبٍ، أو اللَّبَنِ بالكِشْكِ أو الكَامَخِ 2. ويَتَخَرَّجُ الجوازُ إذا كان اللَّبَنُ أكثَرَ من اللَّبَنِ الذي في الكِشْكِ والكَامَخِ، بناغ على مُدِّ عَجْوَةٍ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ العَسَلِ في شَمْعِه بمِثْلِه، فإنْ كان الخَلْطُ يَسِيرًا، كحَبَّاتِ الشَّعِيرِ [في الحِنْطَةِ] 3، ويَسِيرِ الترابِ والزُّوانِ الذي لا يَظْهَرُ في الكَيلِ، لم يُمْنَعْ؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بالتَّمَاثُلِ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ التَّمْرِ بالدِّبْسِ والخَلِّ
..................................
والنّاطِفِ 1، والقُطارَةِ 2؛ لأنَّ بَعْضَها معه من غيرِ جِنْسِه، وبَعْضَها مائِعٌ، والتَّمْرُ جامِدٌ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ الناطِفِ بَعْضِه بِبَعْض، ولا بغَيرِه من المَصْنُوعِ من التَّمْرِ؛ لأنَّ مَعَهُما شَيئًا مَقْصُودًا من غيرِ جِنْمسِهما، فهو كمُدِّ عَجْوَةٍ، والعِنَبُ كالتَّمْرِ فيما ذَكَرْناه.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ المَشُوبِ بالمَشُوبِ، كالكِشْكِ والكامَخِ، ولا يَجُوزُ بَيعُ أَحَدِهِما بالآخَر، كمسألةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، ولا يَجُوزُ بَيعُ 3 نِيئهِ بمَطْبُوخِه؛ كالخُبْزِ بالعَجِينِ، والحِنْطَةِ المَقلِيَّةِ بالنِّيئةِ؛ لانه لا يَحْصُلُ التَّمَاثُلُ؛ لأنَّ النّارَ ذَهَبَت بِبَعْضِ رُطُوبَتِها وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
فصل: [ويَجُوزُ] 4 بَيعُ نَوْعٍ بنَوْعٍ آخَرَ إذا لم يَكُنْ فيه منه، فيَجُوزُ بَيعُ الزُّبْدِ بالزُّبْدِ، والسَّمْنِ بالمَخِيضِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا؛ لأنَّهُما جِنْسَانِ من أصْلٍ واحِدٍ، أشْبَها اللَّحْمَ والشَّحْمَ.
وممَّنْ أجازَ بَيعَ الزُّبْدِ بالمَخِيضِ؛ الثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحاقُ؛ لأنَّ اللَّبَنَ الذي في الزُّبْدِ غيرُ مَقْصُودٍ، وهو يَسِيرٌ، فلم يَمْنَعْ، كالمِلْحِ في الشَّيرَجِ.
وبَيعُ السَّمْنِ بالمَخِيضِ أوْلَى بالجَوازِ؛ لخُلُوِّه من اللَّبَنِ
..................................
المَخِيضِ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ الزُّبْدِ بالسَّمْنِ؛ لأنَّ في الزُّبْدِ لَبَنًا يَسِيرًا، ولا شيءَ في السَّمْنِ، فيَخْتَلُّ التَّماثُلُ، ولأنَّه من الزُّبْدِ، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالزَّيتُونِ بالزَّيتِ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
واخْتَارَ القاضِي جَوازَهُ؛ لأنَّ اللَّبَنَ الذي في الزُّبْدِ غيرُ مَقْصُودٍ، فوُجُودُه كعَدَمِه، ولهذا جازَ بَيعُ الزُّبْدِ بالمَخِيضِ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ التماثُلَ شَرْطٌ، وانْفِرادُ أحَدِهما بوُجُودِ اللَّبَنِ فيه يُخِلُّ بالتّماثلِ، فلم يَجُزِ البَيعُ، كتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بما نَواهُ فيه، ولأنَّ أحَدَهما يَنْفَرِدُ برُطُوبَةٍ لا تُوجَدُ في الآخَرِ، أشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ، وكُلَّ رَطْبٍ بِيابِسٍ من جِنْسِه.
ولا يَجُوزُ بَيعُ شيءٍ من الزُّبْدِ والسَّمْنِ والمَخِيضِ بشيءٍ من أنْواعِ اللَّبَنِ، كالجُبْنِ واللِّبَأَ ونحوهِما؛ لأنَّ هذه الأنْواعَ لم يُنْزَعْ منها شيء، فهي كاللَّبَنِ الذي فيه زُبْدُه، فلم يَجُزْ بَيعُها به، كبَيعِ اللَّبَنِ بها.
وأمّا بَيعُ الجبْنِ بالأقطِ، فلا يَجُوزُ بَيعُ رُطُوبَتِهما أو رُطُوبَةِ أحَدِهما، كما لا يَجُوزُ بَيع الرُّطَبِ بالتمْرِ.
وإنْ كانَا يابِسَينِ احْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأنَّ الجُبْنَ مَوْزُونٌ والأقِطَ مَكِيلٌ، فأشْبَهَ بَيعَ الخُبْزِ بالدَّقِيقِ.
ويحْتَمِلُ الجَوازَ إذا تَماثَلَا، كبَيعِ الجُبْنِ بالجُبْنِ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ رَطْبٍ بِيابِس، كالرُّطَبِ بالتمْرِ، والعِنَبِ بالزَّبِيبِ، والحِنْطَةِ المَبْلُولَةِ أو الرَّطْبَةِ باليابِسَةِ، والمَقْلِيَّةِ بالنِّيئَةِ، ونحو ذلك.
وبه قال سَعْدُ بنُ أبي وَقّاصٍ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، واللَّيثُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو يُوسُفَ، ومحمّدٌ.
وقال أبو
..................................
حَنِيفَةَ: يَجُوزُ 1؛ لأنَّه إمّا أنْ يكونَا جِنْسًا، فيَجُوزُ مُتَماثِلًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ» 2. أو يكُونَا جِنْسَينَ، فيَجُوزُ؛ لقَوْلِه عليه السّلامُ: «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ، فبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ يدًا بِيَدٍ» 3. ولَنا، قَوْلُه عليه السّلامُ: «لا تَبِيعُوا التَّمْرَ بالتَّمْرِ».
وفي لَفْظٍ: نَهَى عن بَيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، ورَخَّصَ في 4 العَرِيَّةِ أنْ تُباعَ بخَرْصِهَا، يأكُلُها أهلُها رُطَبًا.
مُتَّفَقٌ عليهما 5. وعن سَعْدٍ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عنِ بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، قال: «أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟» قالُوا: نعم.
فنَهَى.
عن ذلك.
رَواهُ مالِكٌ، وأبو داوُدَ، والأثْرَمُ، وابنِ ماجه 6. وفي رِوَايَةِ الأثْرَمِ، قال: «فَلَا إذَنْ».
نَهَى وعَلَّلَ بأنَّه
..................................
يَنْقُصُ إذا يَبِسَ.
ورَوَى مالِكٌ 1 عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ؛ والمُزَابَنَةُ: بَيعُ الرُّطَب بالتَّمْرِ كَيلًا، وبَيعُ العِنَبِ بالزَّبِيبِ كَيلًا.
ولأنَّه جِنْسٌ فيه الرِّبَا بِيعَ بَعْضُه بِبَعْضٍ على وَجْهٍ يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصَانِ، فلم يَجُزْ، كبَيعِ المَقْلِيَّةِ بالنيئَةِ، ولا يَلْزَمُ الحدِيثُ 2 بالعَتِيقِ؛ لأنَّ التَّفاوُتَ يَسِيرٌ.
قال الخَطّابِيُّ 3: وقد تَكَلَّمَ بعضُ النّاسِ في إسْنادِ حَدِيثِ سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ في بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ.
وقال: زيدٌ أبو عَيَّاش رَاويه ضَعِيف.
وليس الأمْرُ على ما تَوَهَّمَه، وأبو عَيَّاشٍ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ مَعْرُوفٌ، وقد ذَكَرَه مالِكٌ في «المُوَطَّأ»، = في: باب بيع الرطب بالتمر، من كتاب التجارات.
سنن ابن ماجه 2/ 761. والإمام مالك، في: باب ما يكره من بيع التمر، من كتاب البيوع.
الموطأ 2/ 624. كما أخرجه الترمذي، في: باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة، من أبواب البيوع.
عارضة الأحوذي 5/ 233. والنسائي، في: باب اشتراء التمر بالرطب، من كتاب البيوع.
المجتبى 7/ 236. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 175. ورواية الأثرم أخرجها الحاكم، في: كتاب البيوع.
المستدرك 2/ 38.
وَيَجُوزُ بَيعُ دَقِيقِهِ بِدَقِيقِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النُّعُومَةِ، وَمَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَخُبْزِهِ بِخُبْزِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النَّشَافِ، وَعَصِيرِهِ بِعَصِيرِهِ، وَرَطْبِهِ بِرَطْبِهِ.
وهو لا يَرْوي عن مَتْرُوكِ الحَدِيثِ.
1685 -
مسألة: (ويَجُوزُ بَيعُ دَقِيقِه بدَقِيقِه إذا اسْتَوَيَا في النُّعُومَةِ، ومَطْبُوخِه بمَطْبُوخِه، وخُبْزِ؛ بخُبْزِه إذا اسْتَوَيَا في النّشافِ، وعَصِيرِه بعَصِيرِه، ورَطْبِه برَطْبِه)
يَجُوزُ بَيعُ كُلِّ واحِدٍ مِن الدَّقِيقِ والسَّويقٍ بنَوْعِه مُتَسَاويًا.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ.
والمَشْهُورُ عن الشَّافِعِيِّ المَنْعُ؛ لأَنَّه يُعْتَبَرُ تَساويهما حالةَ الكَمَالِ، وهو حالُ كَوْنِها 1 حبًّا، وقد فات ذلك؛ لأنَّ أحَدَ الدَّقِيقَينِ يكونُ مِن حِنْطَةٍ رَزِينَةٍ، والآخَرَ مِن خَفِيفَةٍ، فيَسْتَويانِ دَقِيقًا، ولا يَسْتَويَانِ حَبًّا.
ولَنا، أنَّهُما تَسَاوَيَا حال العَقْدِ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصَانِ، فجازَ، كبَيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يُبَاعُ بَعْضُه بِبَعْضٍ كَيلًا؛ لأنَّ الحِنْطَةَ مَكِيلَة، ولم يُوجَدْ في الدَّقِيقِ والسَّويقِ ما يَنْقُلُهُما عن ذلك.
ويُشْتَرَطُ تَساويهما في النُّعُومَةِ.
ذَكَرَه أصْحَابُنا.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّهُما إذا تَفَاوَتا في النُّعُومَةِ، تَفَاوَتَا في
..................................
ثانِي الحالِ، فيَصِيرُ كبَيعِ الحَبِّ بالدَّقِيقِ وَزْنًا.
وذكَرَ القاضِي أنَّ الدَّقِيقَ يُباعُ بالدَّقِيقِ وَزْنًا.
ولا وَجْهَ له، وقد سَلَّمَ في السَّويقِ أنَّه يُباعُ بالكَيلِ، والدَّقِيقُ مِثْلُه.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ الدَّقِيقِ بالسَّويقِ.
وبه قال الشّافِعِيُّ.
وعنه الجَوَازُ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما أجزَاءُ حِنْطَةٍ ليس معه غيرُه، أشْبَهَ السَّويقَ بالسَّويقِ.
ولَنا، أنَّ النَّارَ قد أخَذَت مِن السَّويقِ، فلم يَجُزْ بَيعُه بالدَّقِيقِ، كالمَقْلِيَّةِ بالنِّيئَةِ.
ورُوِيَ عن مالِكٍ، وأبي يُوسُفَ، ومحمّدٍ، وأبي ثَوْرٍ، جَواز بَيعِ أحَدِهما بالآخَرِ مُتَفَاضِلًا؛ لأنَّهُما جِنْسَانِ.
ولَنا، أنَّهما أجْزَاءُ جِنْسٍ واحِدٍ؛ فأَشْبَهَ بَيعَ أحَدِهما بجِنْسِه.
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ مَطْبُوخِه بمَطْبُوخِه، كاللِّبَأَ بمِثْلِه، والجُبْنِ بالجُبْنِ، والأَقِطِ بالأَقِطِ، والسَّمْنِ بالسَّمْنِ، مُتَسَاويًا.
ويُعْتَبَر التَّسَاوي بينَ الأقِطِ والأَقِطِ بالكَيلِ، ولا يُباعُ ناشِفٌ مِن ذلك برَطْبٍ، كما لا يُباعُ الرّطَبُ بالتمْرِ، ويُباعُ الجبنُ بالجبنِ بالوَزْنِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ كَيلُه، أَشْبَهَ الخُبْزَ.
وكذلك الزُّبْدُ والسَّمْن.
ويَتَخرَّجُ أنْ يُباعَ السَّمْنُ بالكَيلِ، كالشَّيرَجِ.
..................................
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ الخُبْز بالخُبْز وَزْنًا، وكذلك النَّشاءُ بنَوْعِه، إذا تَسَاوَيَا في النَّشَافَةِ والرُّطُوبَةِ.
ويُعْتَبَرُ التَّسَاوي في الوَزْنِ، لأنَّه يُقَدَّرُ به عادَةً، ولا يُمْكِنُ كَيلُه.
وقال مالِكٌ: إذا تَحَرَّى المُمَاثَلَةَ، فلا بَأْسَ به وإنْ لم يُوزَنْ.
وبه قال الأوْزَاعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وحُكِيَ عن أبي حَنِيفةَ: لا بَأْسَ به قُرْصًا بقُرْصَينِ.
وقال الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْض بحالٍ، إلَّا أنْ يَيبَسَ ويُدَقَّ دَقًّا ناعِمًا ويُباعَ بالكَيلِ، ففيه قَوْلانِ؛ لأنَّه مَكِيل، ويَجبُ التَّسَاوي فيه، ولا يمكِنُ كَيلُه، فَتَعَذَّرَتِ المُسَاوَاةُ فيه، ولأنَّ في كُلِّ واحِدٍ منهما مِن غيرِ جِنْسِه، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالمَغْشُوشِ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيرِهما.
ولَنا على وُجُوبِ التَّسَاوي، أنَّه مَطْعُومٌ مَوْزُونٌ، فَحَرُمَ التَّفَاضُلُ بَينَهُما، كاللَّحْمِ واللَّبَنِ.
ومتى وَجَبَ التَّسَاوي، وَجَبَتْ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ التَّسَاوي في المِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ، كالحِنْطَةِ بالحِنْطَةِ، والدَّقِيقِ بالدَّقِيقِ.
ولَنا على الشّافِعِيِّ، أنَّ مُعْظَمِ نَفْعِه في حالِ رُطُوبَتِه، فجازَ بَيعُه به، كاللَّبَنِ باللَّبَنِ.
ولا يَمْتَنِعُ أنْ يكون مَوْزُونًا أصْلُه مَكِيلٌ، كالأدْهانِ.
ولا يجوزُ بَيعُ الرَّطْبِ باليابِسِ، لانْفِرَادِ أحَدِهما
..................................
بالنَّقْصِ ثانِي الحالِ، فأشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ.
ولَا يَمْنَعُ زِيَادَة أخْذِ النّارِ من أحَدِهما أكثَرَ من الآخَرِ إذا لم يَكْثرْ؛ لأنَّ ذلك يَسِيرٌ، ولا يُمكِن التَّحَرُّز منه، أشْبَهَ بَيعَ الحَدِيثَةِ بالعَتِيقَةِ، وما فيه من المِلْحِ والماءِ غير مَقْصودٍ، ويُرَادُ لمَصْلَحَتِه، فهو كالمِلْحِ في الشَّيرَجِ.
فإنْ يَبِسَ الخُبْزُ ودُقَّ وصارَ فَتِيتًا، بِيعَ بمِثْلِه كَيلًا؛ لأَنَّه أمْكَنَ كَيلُه، فَردَّ إلى أصْلِه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه وَجْهٌ أنّه يُباعُ بالوَزْنِ؛ لأنَّه انْتَقَلَ إليه.
فصل: فأمّا ما فيه غيره من فرُوعِ الحِنْطَةِ ممّا هو مَقْصُودٌ، كالهَرِيسَةِ، والخَزِيرَةِ 1، والفالُوذَجِ، وخبْزِ الأبازِيرِ، والخُشْكَنَانَجِ 2، والسَّنْبُوسَكِ 3، ونحوه، فلا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ، ولا بَيعُ نَوعٍ بنَوْعٍ آخرَ؛ لأنَّ كُل واحِدٍ منهما يَشْتَمِلُ على ما ليس من جِنْسِه، وهو مَقْصُود، كاللَّحْمِ في الهَرِيسَةِ، والعَسَلِ في الفَالُوذَجِ، والماءِ والدُّهْنِ في الخَزِيرَةِ، ويكْثُرُ التَّفَاوتُ في ذلك، نلا يَتَحَقَّق التَّماثُلُ فيه.
وحُكْمُ سائِرِ الحُبُوبِ حُكْمُ الحِنْطَةِ فيما ذَكَرْنا.
..................................
ويَجُوزُ بَيعُ الحِنْطَةِ والمَصْنُوعِ منها، بغيرِها من الحبُوبِ والمَصْنُوعِ منها؛ لعَدَمِ اشْتِراطِ المُماثَلَةِ بَينَهُما.
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ العَصِيرِ بجِنْسِه، مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا بغيرِ جِنْسِه وكيف شاءَ؛ لأنَّهُما جِنْسَانِ، ويُعْتَبَرُ التَّسَاوي فيهما بالكَيلِ؛ لأنَّه يُقَدَّرُ به ويُباعُ به عادَةً.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
وسَواءٌ كانَا مَطْبُوخَينِ أو نِيئَينِ.
وقال أصْحابُ الشّافِعِيِّ: لا يَجُوزُ بَيعُ المَطْبُوخِ بجِنْسِه؛ لأنَّ النّارَ تَعْقِدُ أجْزَاءَهما، فيَخْتَلِفُ، ويُؤَدِّي إلى التَّفَاضُلِ.
ولَنا، أنّهُما مُتَسَاويَانِ في الحالِ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنَّقْصِ 1، فأَشْبَهَ النِّئَ بالنِّئِ.
فأَمّا بَيعُ النِّئِ بالمَطْبُوخِ من جِنْس واحِدٍ، فلا يَجُوزُ؛ لأنَّ أحَدَهُما يَنْفَرِدُ بالنَّقْصِ في ثانِي الحالِ، أشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ، وقد ذَكَرْناه.
وإنْ باعَ عَصِيرَ شيءٍ من ذلك بِثُفْلِهِ 2، فإنْ كان فيه بَقِيَّةٌ من المُسْتَخْرَجِ منه، لم يَجُز بَيعُه به، فلا يَجُوزُ بَيعُ الشَّيرَجِ بالكُسْبِ، ولا الزَّيتِ بِثُفْلِه الذي فيه بَقِيَّةٌ من الزَّيتِ، إلَّا على قَوْلِنا بجَوَازِ مُدِّ عَجْوَةٍ.
..................................
وإنْ لم يَبْقَ فيه شيءٌ من عَصِيرِه، جازَ بَيعُه به مُتَفَاضِلًا ومُتَمَاثِلًا؛ لأنَّهُما جِنْسَانِ.
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ، والعِنَبِ بالعِنَبِ، ونحوه من الرُّطَبِ بمِثْلِه، في قَوْلِ الأَكْثَرِينَ.
ومَنَعَ منه الشّافِعِيُّ فيما يَيبَسُ.
فأمّا ما لا يَيبَسُ، كالقِثَّاءِ والخِيارِ ونحوه، فعلى قَوْلَينِ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ تَساويهما حالةَ الادِّخارِ، فأشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ.
وذهَبَ أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ إلى هذا، وقال: ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ؛ لقَوْلِه في اللَّحْمِ: لا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْض رَطْبًا.
قال شَيخُنا 1: ومَفْهُومُ كلامِ الخِرَقِيِّ إباحَتُه ههُنا؛ لأنّه قال: ولا يُباعُ شيءٌ من الرَّطْبِ بِيابِس من جِنْسِه.
مَفْهُومُه جَوازُ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ.
ولَنا، أنَّ نَهْيَهُ عليه السّلامُ عن بيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، يَدُلُّ بمَفْهُومِه على إباحَةِ بَيعِ كُلِّ واحِدٍ منهما بمِثْلِه.
ولأنَّهُما تَسَاوَيَا في الحالِ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصَانِ، فجازَ، كبَيعِ اللَّبَنِ باللَّبَنِ، والتَّمْرِ بالتَّمْرِ، ولأنَّ قولَه تَعالى: (وَأحلَّ الله الْبَيعَ) 2. عامٌّ خرَجَ منه المَنْصُوصُ عليه، وهو بَيعُ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، وليس هذا في مَعْناهُ فبَقِيَ على العُمُومِ، وقِياسُهم لا يَصِحُّ، فإنَّ التَّفَاوُتَ كَثِيرٌ، ويَنْفَرِدُ أحَدُهما
..................................
بالنُّقْصَانِ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
ولا بَأْسَ بِبَيعِ الحَدِيثِ بالعَتِيقِ؛ لأنَّ التَّفَاوُتَ فيه يَسِيرٌ ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه، فَعُفِيَ عنه.
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ القُطَارَةِ والدِّبْس والخَلِّ، كلُّ نوْعٍ بَعْضُه بِبَعْضٍ مُتَسَاويًا.
قال أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنّا في خَلِّ الدَّقَلِ: يَجُوزُ بَيعُ بعْضِه ببَعْضٍ مُتَسَاويًا؛ لأنَّ الماءَ في كُلِّ واحِدٍ منهما غيرُ مَقْصُودٍ، وهو من مَصْلَحَتِه، فلم يَمْنَعْ جوازَ البَيعِ، كالخُبْزِ بالخُبْزِ، والتَّمْرِ بالتَّمْرِ، في كُلِّ واحِدٍ منهما نَواهُ.
ولا يُباعُ نوعٌ بآخَرَ، لأنَّ في كُلِّ واحِدٍ منهما من غيرِ جِنْسِه يَقِلّ ويَكْثُرُ، فيُفْضِي إلى التَّفاضُلِ.
والعِنَبُ كالتَّمْرِ، إلَّا أنّه لا يُباعُ خَلّ العِنَبِ بخَلِّ الزَّبِيبِ؛ لانْفِرادِ أحَدِهما بما ليس من جِنْسِه.
ويَجُوزُ بَيعُ خَلِّ الزَّبِيبِ بعضِهِ بِبَعْض، كخَلِّ العِنَبِ، وخَلِّ التَّمْرِ.
فصل: ويَجُوزُ بَيعُ اللَّحْمِ باللَّحْمِ رَطْبًا.
نَصَّ عليه.
وقال الخِرَقِيُّ: لا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه ببَعْضٍ إلَّا إذا تَناهَى جَفافُه.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
واخْتَارَه أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ في «شَرْحِه».
قال القاضِي: والمذْهَبُ جَوازُ بَيعِه.
ونَصُّ أحمدَ على جَوازِ بَيعِ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ، تَنْبِيهٌ على إباحَةِ بَيعِ اللَّحْمِ باللَّحْمِ، من حيث كان اللَّحْمُ حالُ كمالِه ومُعْظَمُ نَفْعِه في حالِ رُطُوبَتِه دونَ حالِ يُبْسِه، فجَرَى مَجْرَى اللَّبَنِ، بخِلافِ الرُّطَبِ؛ فإنّ
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الْمُحَاقَلَةِ؛ وَهُوَ بَيعُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ بِجِنْسِهِ.
وَفِي بَيعِهِ بِغَيرِ جِنْسِهِ وَجْهَانِ.
حال كمالِه ومُعْظَمَ نَفْعِه في حالِ يُبْسِه، فإذا جازَ فيه البَيعُ، ففي اللَّحْمِ أوْلَى.
فأمّا بَيعُ رَطْبِه بيابِسِه، ونِيئِه بمَطْبُوخِه، فلا يَجُوزُ، لانْفِرادِ أحَدِهما بالنَّقْصِ ثانِي الحالِ، فلم يَجُزْ، كالرُّطَبِ بالتَّمْرِ.
قال القاضِي: ولا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ إلَّا مَنْزُوعَ العِظَامِ، كما لا يَجُوزُ بَيعُ العَسَلِ بمِثْلِه إلَّا بعدَ التَّصْفِيَةِ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَينِ لأصْحَابِ الشافِعِيِّ.
وكلامُ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، يَقْتَضِي الإِباحَةَ مُطْلَقًا، فإنَّه قال في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: إذا صارَ إلى الوَزْنِ رَطْلًا برَطْل، مِثْلًا بمِثْلٍ.
فأطْلَقَ ولم يَشْتَرِطْ شَيئًا.
ولأنَّ العَظْمَ تاجٌ للَّحْمِ بأَصْلِ الخِلْقَةِ، فأشْبَهَ النَّوَى في التَّمْرِ.
وفارَقَ العَسَلَ في أنَّ اخْتِلاطَ الشَّمْعِ به من فِعْل النَّحْلِ، لا من أصْلِ الخِلْقَةِ.
1686 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ المُحاقَلَةِ؛ وهو بَيعُ الحَبِّ في سُنْبُلِه بجِنْسِه. وفي بَيعِه بغَيرِ جِنْسِه وَجْهانِ)
وذلك لِما رَوَى
..................................
البُخَارِيُّ 1 عن أنَسٍ، قال: نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن المُحَاقَلَةِ، والمُخاضَرَةِ، والمُلَامَسَةِ، والمُنَابَذَةِ، والمُزَابَنَةِ.
والمُخَاضَرَةُ؛ بَيعُ الزَّرْعِ الأخْضَرِ.
والمُحَاقَلَةُ؛ بَيعُ الزَّرْعِ في الحُقُولِ بحَبٍّ من جِنْسِه.
قال جابِرٌ: المُحَاقَلَةُ أنْ يَبِيعَ الزَّرْعَ بمائَةِ فَرْقٍ حِنْطَةً 2. وقال الأزْهَرِيُّ 3؛ الحَقْلُ؛ القَراحُ؛ المَزْرُوعُ.
وفَسَّرَه أبو سَعِيدٍ باسْتِكْرَاءِ
..................................
الأرْضِ بالحِنْطةِ.
ولأنَّه بَيعُ الحَبِّ بجِنْسِه جُزَافًا من أحَدِ الجانِبَينِ، فلم يَجُزْ، كما لو كانَا على الأرْضِ.
فأمَّا بَيعُه بغَيرِ جِنْسِه، فإنْ كان بدَرَاهِمَ أو دَنَانِيرَ، جازَ؛ لأنَّ نَهْىَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعَ الحَبِّ حتى يَشْتَدَّ 1. يَدُلُّ على جَوازِ ذلك إذا اشْتَدَّ.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ.
وإنْ باعَهُ بحَبٍّ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَجُوزُ، لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اخْتَلَفَ الجِنْسَانِ فبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» 2. والثاني، لا يَجُوزُ، لعُمُومِ الحَدِيثِ المذكورِ.
وَلَا الْمُزَابَنَة؛ وَهِيَ بَيعُ الرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ، إلا فِي الْعَرَايَا؛ وَهِي بَيعُ الرُّطَب فِي رُءُوسِ النَّخْلِ خَرْصًا بِمِثْلِهِ مِنَ التَّمْرِ كَيلًا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ لِمَنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى أَكْلِ الرُّطَبِ، وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ.
1687 - مسألة: (ولا)
يَجُوزُ بَيعُ (المُزَابَنَةِ؛ وهو بَيعُ الرُّطَبِ في رُءُوسِ النَّخْلِ بالتَّمْرِ، إلَّا في العَرَايا؛ وهي بَيعُ الرُّطَبِ في رءُوسِ النَّخْلِ خرْصًا بمثْلِه من التَّمْرِ كيلًا فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ لمن به حاجَةٌ إلى أَكْلِ الرُّطَبِ ولا ثَمَنَ معه) لا يَجُوزُ بَيعُ المُزَابَنَةِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ، وهو بَيعُ الثَّمَرِ 1 بالتَّمْرِ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ورَوَى البُخارِيُّ، عن أنس، أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ.
فأمّا العَرَايَا، فيَجُوزُ في الجُمْلَةِ، وهو قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالِكٌ في أهْلِ المَدِينةِ، والأوْزَاعِيُّ في أهْلِ الشامِ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَحِلُّ بَيعُها؛ لِما ذَكَرْنَا من الحَدِيثِ.
ولأنَّه
..................................
بَيعُ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ من غيرِ كَيلٍ في أحَدِهِما، فلم يَجُزْ، كما لو كان على وَجْهِ الأرْضَ.
ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في العَرَايَا في خَمْسَةِ أَوسُقٍ، أو دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ورَواهُ زَيدُ بنُ ثابِتٍ، وسَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ وغيرُهما.
وحَدِيثُهم في سِيَاقِه: «إلَّا العَرَايَا».
كذلك في المُتَّفَقِ عليه 2. وهذه زِيَادَةٌ يَجِبُ الأخْذُ بها.
ولو قُدِّرَ التَّعَارُضُ وَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثنا؛ لخُصُوصِه، جَمْعًا بين الحَدِيثين، وعَمَلًا بكِلَا النَّصَّينِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: الذي نَهَى عن المُزَابَنَةِ هو الذي أرْخَصَ في العَرايَا، وطَاعَةُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أوْلَى.
والقِياسُ لا يُصارُ إليه مع النَّصِّ، مع أنَّ في الحَدِيثِ أنّه أرْخَصَ في العَرَايَا.
والرُّخْصَةُ اسْتِباحَةُ المَحْظُورِ مع وجُودِ السَّبَبِ الحاظِرِ، فلو مَنَعَ وُجُودُ السَّبَبِ من الاسْتِبَاحَةِ، لم يَبْقَ لَنَا رُخْصَةٌ بحالٍ.
..................................
فصل: وإنّما يَجُوزُ بشُرُوطٍ خَمْسَةٍ؛ أحَدُها، أنْ يكُونَ فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، ولا خِلافَ في أنّها لا تَجُوزُ في زِيادَةٍ على خَمْسَةِ أوْسُقٍ، وأنّها تَجُوزُ فيما نَقَصَ عن خَمْسَةِ أوْسُقٍ، عندَ القائِلِينَ بجَوازِها.
فأمّا الخَمْسَةُ الأوْسُقُ، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنّه لا يَجُوزُ فيها.
وبه قال ابنُ المُنْذِرِ، والشّافِعِيُّ في أَحَدِ قَوْلَيه.
وقال مالِكٌ، والشّافِعِيُّ في قَوْلٍ: يَجُوزُ.
ورَواهُ إسْماعِيلُ بنُ سَعِيدٍ عن أحمدَ؛ لأنَّ في حَدِيثِ زَيدٍ وسَهْلٍ أنّه رَخَّصَ في العَرَايَا مُطْلَقًا، ثم استَثْنَى ما زادَ على الخَمْسَةِ، وشَكَّ الرّاوي في الخَمْسَةِ، فبَقِيَ المَشْكُوكُ فيه على أصْلِ الإِباحَةِ.
ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ.
والمُزَابَنَةُ؛ بَيعُ الثَّمَرِ 1 بالتَّمْرِ، ثم أزخَصَ في العَرِيَّةِ فيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ.
وشَكَّ في الخَمْسَةِ، فيَبْقَى على العُمُومِ في التَّحْرِيمِ.
ولأنَّ العَرِيَّةَ رُخْصَةٌ بُنِيَتْ على خِلافِ النَّصِّ والقِياسِ فيما دُونَ الخَمْسَةِ، والخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فيها، فلا تَثْبُتُ إِباحَتُها مع الشَّكِّ.
ورَوَى ابنُ المُنْذِرِ 2 بإسْنَادِه، أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ
..................................
في بيعِ العَرِيَّةِ في الوَسْقِ والوَسْقَينِ والثّلاثَةِ والأرْبَعَةِ.
والتَّخْصِيصُ بهذا يَدُلُّ على أنَّه لا تَجُوزُ الزِّيادَةُ في العَدَدِ عليه، كما اتَّفَقْنا على أنَّه لا تَجُوزُ الزّيَادَةُ على الخَمْسَةِ؛ لِتَخْصِيصِه إيّاهَا بالذِّكْرِ.
ولأنَّ خَمْسَةَ الأوْسُقِ في حُكْمِ ما زادَ عليها في وجُوبِ الزَّكاةِ فيها دونَ ما نَقَصَ عنها.
فأمّا قَولُهم: أرْخَصَ في العَرِيَّةِ مُطْلَقًا.
فلم يَثْبُتْ أنّ الرُّخْصَةَ المُطْلَقَةَ سابِقَةٌ على الرُّخصَةِ المُقَيَّدَةِ، ولا مُتَأخِّرَةٌ عنها، بل الرُّخْصَةُ واحِدَة، رَوَاها بَعْضُهم مُطْلَقَةً وبعضُهم مُقَيَّدَةً، فيَجِبُ حَمْلُ المُطْلَقِ على المُقَيَّدِ، ويَصِيرُ القَيدُ المَذْكُورُ في أحَدِ الحَدِيثَينِ كأنَّه مَذْكُورٌ في الآخَرِ، ولذلك يُقَيَّدُ فيما زادَ على الخَمْسَةِ، اتّفَاقًا.
فصل: ولا يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِيَ أكْثَرَ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ فيما زادَ على صَفْقَةٍ، سواءٌ اشْتَرَاهَا مِن واحِدٍ أو مِن جَماعَةٍ.
وقال الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ للإِنْسانِ بَيعُ جميعِ حائِطِه عَرايَا، مِن رِجُلٍ واحِدٍ، ومِن رِجَالٍ في عُقُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ، لعُمُومِ حَدِيثِ زيدٍ، ولأن كُلَّ عَقدٍ جازَ مَرَّةً جازَ أنْ يتَكَرَّرَ، كسائِرِ البُيُوعِ.
ولَنا، عمومُ النَّهْي عن المُزَابَنَةِ، اسْتَثْنَى منه العَرِيَّةَ فيما دونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، فما زادَ يَبْقَى على العُمُومِ في التَّحْرِيمِ.
ولأنَّ ما لا يَجُوزُ عليه العَقْدُ مَرَّةً إذا كان نَوْعًا واحِدًا، لا يَجُوزُ في عَقدَينِ، كالذي على وَجْهِ الأرْضِ، وكالجَمْعِ بين الأخْتَينِ.
..................................
فصل: ولا تُعْتَبَرُ حاجَةُ البائِعِ، فلو باعَ رَجُلٌ عَرِيَّةً من رَجُلَينِ فيها أكثرُ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ، جازَ.
وقال أبو بكْرِ، والقاضِي: لا يَجُوزُ، لِما ذَكَرْنا في المُشْتَرِي.
ولَنا، أنّ المُغَلِّبَ في التَّجْويزِ حاجَةُ المُشْتَرِي، بدَلِيلِ ما رَوَى محمودُ بنُ لَبِيدٍ، قال: قُلْتُ لزَيدِ بنِ ثابِتٍ: ما عَرَايَاكُم هذه؟ فسمّى رِجَالًا مُحْتاجِينَ من الأنْصَارِ شَكَوْا إلى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي، ولا نَقْدَ بأيدِيهِم يَبْتَاعُونَ به رُطَبًا يأْكُلُونَه، وعِنْدَهم فُضُولٌ من التَّمْرِ، فرَخَّصَ لهم أنْ يَبْتَاعُوا العَرايَا بخَرْصِها من التَّمْرِ الذي في أيدِيهم، يَأْكُلُونَه رُطَبًا 1. وإذا كان سَبَبُ الرُّخْصَةِ حاجَةَ المُشْتَرِي، لم تُعْتَبَرْ حاجَةُ البائِعِ إلى البَيعِ، فلا يَتَقَيَّدُ في حَقِّه بخَمْسَةِ أوْسُقٍ.
ولأنَّنَا لو اعْتَبَرْنَا الحاجَةَ من المُشْتَرِي، وحاجَةَ البائِعِ إلى البَيعِ، أفْضَى إلى أنْ لا يَحْصُلَ الإِرْفاقُ، إذْ لا يكادُ يَتَّفِقُ وجُودُ الحاجَتَينِ، فَتَسْقُطُ الرُّخْصَةُ.
فإنْ قُلْنا: لا يَجُوزُ ذلك.
بَطَلَ العَقْدُ الثاني.
وإنِ اشْتَرَى عَرِيَّتينِ، أو باعَهُما، وفيهما أقَلُّ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ، جازَ، وَجْهًا واحِدًا.
الثاني، أنْ يكونَ مُشْتَرِيها مُحْتَاجًا إلى أكْلِها رُطَبًا، ولا يَجُوزُ بَيعُها لغَنِيٍّ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ.
وله قَوْلٌ آخرُ، أنّها تُباحُ مُطْلَقًا لكلِّ
..................................
أحَدٍ؛ لأنَّ كُلَّ بَيعٍ جازَ للمُحْتَاجِ، جازَ للغَنِيِّ، كسائِرِ البِياعاتِ 1، ولأنَّ حَدِيثَ أبي هُرَيرَةَ وسَهْلٍ مُطْلَقان.
ولَنا، حَدِيثُ زَيدِ بنِ ثابِتٍ الذي ذَكَرْنَاهُ.
وإذا خُولِفَ الأصلُ بشَرْطٍ، لم تَجُزْ مُخَالفَتُه بدُونِ ذلك الشَّرْطِ، ولا يَلْزَمُ من إباحَتِه للحَاجَةِ إباحَتُه مع عَدَمِها، كالزَّكَاةِ للمَسَاكِينِ.
فعلى هذا، مَتَى كان المُشْتَرِي غيرَ مُحْتَاجٍ إلى أكْلِ الرُّطَبِ، لم يَجُزْ شِراؤها بالتَّمْرِ، ولو باعَها لواهِبِها تحَرُّزًا من دُخُولِ صاحِبِ العَرِيَّةِ حائِطَهُ، كمَذْهَبِ مالِكٍ، أو لغَيرِه، لم يَجُزْ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يباحُ.
ويَحْتَمِلُه كلامُ أحمدَ؛ لان الحاجَةَ وُجِدَتْ من الجانِبَينِ، فجازَ، كما لو كان المُشْتَرِي مُحْتَاجًا إلى أكلِها.
ولنا، حَدِيث زَيدٍ الذي ذَكَرْنَاهُ، والرُّخْصَةُ لمَعْنًى خاصٍّ، لا تَثْبُتُ مع عَدَمِه، ولأنّ في حَدِيثِ زَيدٍ وسَهْلٍ: «يَأْكُلُها أَهْلُها رُطَبًا».
ولو جازَتْ لتَخْلِيصِ المُعَرَّى لَما شَرَطَ ذلك.
..................................
الثالِثُ، أنْ لا يَكُونَ للمُشْتَرِي نَقْدٌ يَشْتَرِي به؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ.
الرَّابعُ، أنْ يَشْتَرِيَها بخَرْصِها من التَّمْرِ، ويَجِبُ أنْ يكونَ التَّمْرُ الذي يَشْتَرِي به مَعْلُومًا بالكَيلِ، ولا يَجُوزُ جُزافًا.
لا نَعْلَمُ خِلافًا في هذا عند مَنْ أباحَ بَيعَ العَرايَا؛ لِما رَوَى زَيدُ بنُ ثابِتٍ، أنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ في العَرِايَا أنْ تُباعَ بخَرْصِها كَيلًا.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولمُسْلِمٍ: أنْ تُؤخَذَ بمثلِ خرْصِها تَمْرًا يَأْكُلُها أهْلُها رُطَبًا.
إذا ثَبَتَ ذلك، فمَعْنَى خَرْصِها بمِثْلِها من التَّمْرِ، أنْ يَنْظُرَ الخارِصُ إلى العَرِيَّةِ، فيَنْظُرَ كم يَجِئُ منها تمْرًا، فيَشْتَرِيها المُشْتَرِي بمثلِه تمرًا.
وبهذا قال الشّافِعِيُّ.
ونَقَلَ حَنْبَل عن أحمدَ، أنّه قال: يَخْرُصُها رُطَبًا، ويُعْطِي تَمْرًا.
وهذا يَحْتَمِلُ الأوَّلَ، ويَحْتَمِلُ أنّه يَشْتَرِيها [بِتَمْرٍ مثلِ] 2 الرُّطَبِ الذي عَلَيها؛ لأنَّه بَيعٌ اشْتُرِطَتِ المُماثَلَةُ فيه، فاعْتُبِرَتْ حال البَيعِ، كسائِرِ البُيوعِ.
ولأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ المُماثَلَةِ في الحالِ، وأنْ لا يُباعَ الرُّطَبُ بالتَّمْرِ، خُولِفَ في الأصْلِ في بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، فبَقِيَ فيما عَدَاهُ على قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ.
قال القاضِي: والأوَّلُ أصَحُّ؛
..................................
لأنَّه يَنْبَنِي على خَرْصِ الثِّمارِ في العُشْرِ، والصَّحِيحُ خَرْصُه تمْرًا.
ولأنَّ المُماثَلَةَ في بَيعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ مُعْتَبَرَةٌ حالةَ الادِّخارِ، وبَيعُ الرُّطَبِ بمثْلِه تمْرًا يُفْضِي إلى فَواتِ ذلك.
فأمّا إنِ اشْتَرَاها بخَرْصِها رُطَبًا، لم يَجُزْ.
وهذا أحَدُ الوُجُوهِ لأصْحابِ الشّافِعِيِّ.
والثاني، يَجُوزُ.
والثالِثُ، لا يَجُوزُ مع اتِّفاقِ النَّوْعِ، ويَجُوزُ مع اخْتِلافِه.
وَوَجْهُ جَوازِه، ما رَوَى الجُوزْجانِيُّ، عن أبي صَالِحٍ، عن اللَّيثِ، عن ابنِ شهابٍ، عنِ سالِمٍ، عن ابنِ عمرَ، عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ، عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أرْخصَ بعد ذلك في بَيعِ العَرِيَّةِ بالرُّطَبِ أو التَّمْرِ، ولم يُرَخِّصْ في غيرِ ذلك 1. ولأَنَّه إذا جازَ بَيعُها بالتَّمْرِ مع اخْتِصاصِ أحَدِهما بالنَّقْصِ في ثاني الحالِ، فلأنْ يَجُوزَ مع عَدَم ذلك أَوْلَى.
ولَنا، ما رَوَى مُسْلِم بإسْنادِه، عن زَيدِ بنِ ثابِتٍ، أنّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، رَخصَ في العَرَايَا أنْ تُؤخَذَ بمِثْل خَرْصِها تمْرًا.
وعن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيعِ التَّمْرِ بالثَّمَرِ 2، وقال: «ذلك الرِّبَا، تِلْك المُزَابَنَةُ».
إلَّا
..................................
أنَّه أرْخَصَ في العَرِيَّةِ، النَّخْلَةِ والنَّخْلَتَينِ يأْخُذُهما أهْلُ البَيتِ بخَرْصِهما تمْرًا، يَأْكُلُونها رُطَبًا 1. ولأنَّه مَبِيعٌ يَجِبُ فيه مِثْلُه تمْرًا، فلم يَجُزْ بَيعُه بمثْلِهِ رُطَبًا، كالتَّمْرِ الجافِّ.
ولأنَّ مَنْ له رُطَبٌ، فهو مُسْتَغْن عن شراءِ الرُّطَبِ بأَكْلِ ما عنده، وبَيعُ العَرَايَا يُشْتَرَطُ فيه حاجَةُ المُشْتَرِي، على ما أسْلَفْنَاهُ.
وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ 2 شَكٌّ في الرُّطَبِ والتَّمْرِ، فلا يَجُوزُ العَمَلُ به مع الشَّكِّ، لا سِيَّما وهذه الأحَادِيثُ تُثْبتُه، وتُزِيلُ الشَّكَّ.
الخامسُ، التَّقَابُضُ في المَجْلِسِ.
وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ لأنَّه بَيعُ تَمْرٍ بتَمْرٍ، فاعْتُبِرَ فيه شُروطُه، إلَّا ما اسْتَثْناهُ الشَّرْعُ مما لم يمْكِنِ اعْتِبارُه في بَيعِ العَرَايَا.
والقَبْضُ في كُل واحِدٍ منهما على حَسَبِه، ففي التَّمْرِ اكْتِيالُه، وفي الثَّمَرِ التَّخْلِيَةُ.
وليس من شُرُوطِه حُضُورُ التَّمْرِ عند النَّخِيلِ، بل لو تَبَايَعَا بعد مَعْرِفَةِ التَّمْرِ والثَّمَرَةِ، ثم مَضَيا جَمِيعًا إلى النَّخِيلِ فَسَلَّمَه إلى مُشْتَريه، ثم مَضَيَا إلى التَّمْرِ فَسَلَّمَه البائِعِ، أو تَسَلَّمَ التَّمْرَ أوَّلًا ثم مَضَيَا إلى النَّخْلِ فسَلَّمَه، جازَ؛ لأنَّ التَّفَرُّق لم يَحْصُل قبلَ القَبْضِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ بَيعَ العَرِيَّةِ يَقَعُ على وَجْهَينِ؛ أحَدُهما،
وَيُعْطِيهِ مِنَ التَّمْرِ مِثْلَ مَا يَؤُولُ إِلَيهِ مَا فِي النَّخْلِ عِنْدَ الْجَفَافِ.
وَعَنْهُ، يُعْطِيهِ مِثْلَ رُطَبِهِ.
أنْ يقولَ: بِعْتُكَ ثَمَرَةَ هذه النَّخْلَةِ بكذا.
ويَصِفُه.
الثانِي، أنْ يَكِيلَ من التَّمْرِ بقَدْرِ خَرْصِها، ثم يقولَ: بِعْتُك هذا بهذا.
أو: بعْتُكَ ثمرَةَ النَّخْلَةِ بهذا التَّمْرِ.
ونحوَ هذا.
فإنْ باعَهُ بمُعَيَّنٍ، فقَبْضُه بنَقْلِه وَأخْذِه، وإنْ باعَهُ بمَوْصُوفٍ، فقَبْضُه بكَيله.
1688 -
مسألة: (فيُعْطِيهِ مِن التَّمْرِ مثلَ ما يؤولُ إليه ما في النَّخْلِ عند الجَفَافِ. وعنه، يُعْطِيهِ مثلَ رُطَبِه)
وقد ذَكَرْنَاه.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ في العَرِيَّةِ أنْ تكونَ مَوْهُوبَةً لبائِعِها.
وبه قال الشّافِعِيُّ.
وظاهِرُ قوْلِ الخِرَقِيِّ أنّه شَرْطٌ.
وقال الأَثْرَمُ: يسمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن تَفْسِيرِ العَرايَا، فقال: العَرَايَا أنْ يُعَرِّيَ الرَّجُلُ الجارَ أو القَرَابَةَ للحَاجَةِ والمَسْكنَةِ، فللمُعْرى أنْ يَبِيعَها ممَّنْ شاءَ.
وقال مالِكٌ:
..................................
بَيعُ العَرايَا الجائِزُ هو أنْ يُعَرِّيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ نَخَلاتٍ من حائِطِه، ثمّ يَكْرَهُ صاحِبُ الحائِطِ دُخُولَ الرَّجُلِ المُعَرَّى حائِطَه؛ لأنَّه ربَّما كانَ مع أَهلِه في الحائِطِ فَيُؤْذِيه دُخُولُ صاحِبِه عليه، فيَجُوزُ أنْ يَشْترِيَها منه.
واحْتَجُّوا بأَنَّ العَرِيَّةَ في اللُّغَةِ هِبَةُ ثمَرَةِ النَّخِيكِ عامًا.
قال أبو عُبَيدٍ 1: الإِعراءُ: أن يَجْعَلَ الرَّجُلُ للرَّجُلِ ثمَرَةَ نَخْلِه عَامَها ذلك، قال شاعِرُ الأنْصَارِ:
لَيسَتْ بِسَنْهاءَ ولا رُجَّبِيَّةٍ … ولَكِنْ عَرايَا في السِّنِينَ الجَوائِحِ 2
يقولُ: إنَّا نُعَرِّيها النَّاسَ.
فتَعَيَّنَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى مَوْضُوعِه لُغَةً ومُقْتَضَاهُ في العَرَبِيَّةِ، ما لَم يُوجَدْ ما يَصْرِفُه عن ذلك.
ولَنا، حَدِيث زَيدِ بنِ ثابِتٍ، وهو حُجَّة على مالِكٍ، [في تَصْرِيحِه بجَوازِ] 3 بَيعِها من غيرِ الواهِبِ، ولأنَّه لو كان لحَاجَةِ الوَاهِبِ، لَما اخْتَصَّ بخَمْسَةِ أوْسُقٍ؛ لعَدَمِ اخْتِصاصِ الحاجَةِ بها؛ ولم يَجُزْ بَيعُها بالتَّمْرِ 4؛ لأَنَّ الظّاهِرَ من حالِ
وَلَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
صاحِبِ الحائِطِ الذي له النَّخِيلُ الكَثِيرُ يُعَرِّيه الناسَ، أنّه لا يَعْجِزُ عن أداءِ ثَمَنِ العَرِيَّةِ، وفيه حُجَّةٌ على من اشْتَرَطَ كَونَها مَوْهُوبَةً لبائِعِها؛ لأَنَّ عِلَّةَ الرُّخْصَةِ حاجَةُ المُشْتَرِي إلى أكل الرُّطَبِ ولا ثَمَنَ (1) معه سِوَى التَّمْرِ، فمتى وُجِدَ ذلك، جازَ البَيعُ.
ولأنَّ اشْتِراطَ كَوْنِها مَوْهُوبَةً، مع اشْتِرَاطِ حاجَةِ المُشْتَرِي إلى أَكْلِها رُطَبًا ولا ثَمَنَ معه، يُفْضِي إلى سُقُوطِ الرُّخْصَةِ، إذْ لا يكادُ يَتَّفِقُ ذلك.
ولأنَّ ما جازَ بَيعُه (2) إذا كان مَوْهُوبًا، جازَ وإن لم يكُنْ مَوْهُوبًا، كسائِرِ الأموالِ، وما جازَ بَيعُه لواهِبِه جازَ لغَيرِه، كسائِرِ الأمْوالِ، وإنَّما سُمِّيَ عَرِيَّةً لتَعَرِّيه عن غيرِه، وإفْرادِه بالبَيعِ.
1689 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ في سائِرِ الثّمارِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ)
12
..................................
لا يَجُوزُ بَيعُ العَرِيَّةِ في غيرِ النَّخِيلِ.
اخْتَارَه ابنُ 1 حامِدٍ.
وهو قَوْلُ اللَّيثِ، إلَّا أن تكونَ ثَمَرَتُه ممّا لا يَجْرِي فيها الرِّبَا، فيَجُوزُ بَيعُ رَطْبِها بِيَابِسِها؛ لعَدَمِ جَرَيانِ الرِّبَا فيها.
وقال القاضِي: يجوزُ في سائِرِ الثِّمارِ.
وهو قولُ مالِكٍ، والأوْزَاعِيِّ، قِياسًا على ثَمَرَةِ النَّخِيلِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَجُوزَ في العِنَبِ [والرُّطَبِ] 2 دونَ غَيرِهما.
وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العِنَبَ كالرُّطَبِ في وجُوبِ الزَّكاةِ فيه، وجَوازِ خرْصِه وتَوْسِيقِه، وكَثْرَةِ يابِسِه، واقْتِياتِه 3 في بَعْضِ البُلْدانِ، والحاجَةِ إلى أكلِ رَطْبِه، والتَّنْصيصُ على الشيءِ يُوجِبُ ثُبوتَ الحُكْمِ في مِثْلِه.
ولا يَجُوزُ في غيرِهما؛ لاخْتِلافِهما في أكثرِ هذه المَعانِي، فإنّه لا يُمْكِنُ خرْصُها؛ لتَفَرُّقِها في الأغْصَانِ، واسْتِتَارِها بالأوْرَاقِ، ولا يُقْتَاتُ يابِسُها، فلا يُحْتَاجُ إلى الشِّراءِ به.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن المُزَابَنَةِ، التَّمْرِ بالثَّمَرِ، إلَّا اصحابَ العَرايَا، فإنّه أَذِنَ لهم، وعن بَيعِ العِنَبِ بالزَّبِيبِ، وكُلِّ ثَمَرٍ بخَرْصِه.
وهذا حَدِيث حَسَنٌ.
رَواهُ لتِّرْمِذِيُّ 4. وهو يَدُلُّ على تَخْصِيصِ العَرِيَّةِ بالتَّمْرِ.
..................................
وعن زيدِ بنِ ثابِتٍ، عن رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه أرْخَصَ بعدَ ذلك في بَيعِ العَرِيَّةِ بالرُّطَبِ، أو بالتَّمْرِ، ولم يُرَخِّصْ في غيرٍ ذلك 1. وعن ابن عمرَ، رَضِيَ الله عنهما، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن المُزَابَنَةِ 2. والمُزَابَنَةُ، بَيعُ ثمَرِ النَّخْلِ بالتمْرِ كَيلًا، [وبَيعُ العِنَبِ بالزَّبِيبِ كيلًا] 3، وعن كُل ثَمَرٍ بخَرْصِه.
ولأنَّ الأصْلَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ بَيعِ العَرِيَّةِ، وإنّما جازَتْ في ثَمَرَةِ النَّخِيلِ رُخْصَةً، ولا يَصِحُّ قِياسُ غَيرِها عليها؛ لوَجْهَينِ، أحَدُهما، أنّ غَيرَها لا يُسَاويها في كَثْرَةِ الاقْتِيَاتِ بها وشهُولَةِ خَرْصِها، وكَوْنِ الرُّخْصَةِ في الأَصْلِ لأَهْلِ المَدِينَةِ، وإنّما كانت حاجَتهم إلى الرُّطَبِ دونَ غيرِه.
وَلَا يَجُوزُ بَيعُ جِنْس فِيهِ الرِّبَا بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَمَعَ أحَدِهِمَا أَوْ مَعَهُمَا مِنْ غَيرِ جِنْسِهِمَا، كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَم بمُدَّينِ، أو بِدِرْهَمَينِ، أوْ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي مَعَهُ غيرُهُ، أوْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيرِ جِنْسِهِ.
الثانِي، أنَّ القِياسَ لا يُعْمَلُ به إذا خالفَ نَصًّا، وقِياسُهم يُخَالِفُ نُصُوصًا غيرَ مَخْصُوصَةٍ، وإنّما يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بالقِياسِ على المَحَلِّ المَخْصُوصِ، ونَهْيُ [النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 1 عن بَيعِ العِنَبِ بالزَّبِيبِ، لم يَدْخُلْه 2 تَخْصِيصٌ فيُقاسُ عليه، وكذلك سائِرُ الثّمارِ.
1690 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ جِنْسٍ فيه الرِّبَا بَعْضِه بِبَعْضٍ ومع أحَدِهما أو معهما من غَيرِ جِنْسِهما؛ كمُدِّ عَجْوَةٍ ودِرْهَم بمُدَّينِ، أو بدِرْهَمَينِ، أو بمُدٍّ ودِرْهَمٍ.
وعنه، يَجُوزُ بشَرْطِ أنْ يكونَ المُفْرَدُ أكثَرَ من الذي معه غيرُه، أو يكونَ مع كُلِّ واحِدٍ منهما من غيرِ جِنْسِه)
هذه المسألةُ تُسَمَّى مسألةَ مُدِّ عَجْوَةٍ.
وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ ذلك لا يَجُوزُ.
..................................
نَصَّ عليه أحمدُ في مواضِعَ كَثِيرَةٍ.
قال ابنُ أبي مُوسَى في السَّيفِ المُحَلَّى والمِنْطَقَةِ والمَراكِبِ المُحَلَّاةِ تُباعُ بجِنْسِ ما عليها: لا يَجُوزُ، قَوْلًا واحِدًا.
ورُوِيَ هذا عن سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ، والقاسِمِ بنِ محمّدٍ، وشُرَيحٍ، وابنِ سِيرِينَ.
وبه قال الشّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وعن أحمدَ، أنّه يَجُوزُ، بشَرْطِ أنْ يكونَ المُفْرَدُ أكثرَ من الذي معه غيرُه، أو يكونَ مع كُلِّ واحِدٍ منهما من غيرِ جِنْسِه.
قال حَرْب: قلتُ لأحمدَ: دَفَعْتُ دِينارًا كُوفِيًّا ودِرْهَمًا، وأَخَذْتُ دِينارًا شامِيًّا، وَزْنُهما سَواءٌ؟ قال: لا يَجُوزُ، إلَّا أنْ يَنْقُصَ الدِّينارَ، فيُعْطِيَه بِحِسَابه فِضَّةً.
وكذلك رَوَى عنه 1 محمّدُ بنُ أبي حَرْبٍ الجَرْجَرَائِيُّ 2. قال أبو دَاوُدَ: سَمِعْت أحمدَ يُسأَلُ عن الدَّرَاهِمِ المُسَيَّبِيَّةِ 3، بَعْضُها صُفْرٌ وبعْضُها فِضَّةٌ،
..................................
بالدَّراهِم؟ قال: لا أقولُ فيه شيئًا.
قال أبو بكْرٍ: رَوَى هذه المسألةَ عن أحمدَ خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا، كُلُّهم اتَّفَقُوا على أنّه لا يَجُوزُ حتى يَفْصِلَ، إلَّا المَيمُونِيَّ.
وقال حَمّادُ بنُ أبِي سُلَيمانَ، وأبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذلك بما ذَكَرْنا من الشَّرْطِ.
وقال الحَسَنُ: لا بَأْسَ بِبَيعِ السَّيفِ المُحَلَّى بالفِضَّةِ بالدَّرَاهِمِ 1. وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ.
واحْتَجُّوا بأنَّ العَقْدَ إذا أمْكَنَ حَمْلُه على الصِّحَّةِ، لم يُحْمَلْ على الفَسَادِ؛ لأنَّه لو اشْتَرَى لَحْمًا من قَصَّابٍ، جازَ، مع احْتِمالِ كَوْنِه مَيتَة.
لكنْ يَجِبُ حَمْلُه على أنّه مُذَكًّى؛ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ 2، وقدأمْكَنَ تَصْحِيحُ العَقْدِ ها هنا بجَعْلِ الجِنْسِ في مُقابَلَةِ غيرِ الجِنْسِ، أو جَعْلِ غيرِ الجِنْسِ في مُقَابَلَةِ الزّائِدِ على المِثْلِ.
ولَنا، ما رَوَى فَضالةُ بنُ عُبَيدٍ، قال: اُّتِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقِلَادَةٍ
..................................
فيها ذَهَبٌ وخَرَزٌ، ابْتَاعَها رَجُلٌ بتِسْعَةِ دَنانِيرَ أو سَبْعَةِ دَنانِيرَ، فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَينَهُما».
قال: فَرَدَّهُ حَتَّى مَيَّزَ بَينَهُما.
رَواهُ أبو دَاوُدَ 1. وفي لَفْظٍ رَواهُ مسلمٌ قال: فأمَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالذَّهَبِ الذي في القِلادَةِ فَنُزِعَ وحْدَه، ثم قال لهم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَب وزْنًا بوَزْنٍ».
ولأنَّ العَقْدَ إذا جَمَعَ عِوَضَينِ مُخْتَلِفَي الجِنْسِ، وَجَبَ أن يَنْقَسِمَ أحَدُهما على الآخَرِ، على قدْرِ قِيمَةِ الآخَرِ في نَفْسِه، فإذا اخْتَلَفَتِ القِيمَةُ اخْتَلَفَ ما يَأْخُذُه من العِوَضِ.
بَيانُه، إذا اشْتَرَى عَبْدَينِ، قِيمَةُ أحَدِهما مثلُ نِصْفِ قِيمَةِ الآخَرِ بعَشَرَةٍ، كان ثَمَنُ احدِهما ثُلُثَي العَشَرَةِ، والآخَرِ ثُلُثَها، فلو رَدَّ أحَدَهُما بعَيبٍ، رَدَّهُ بقِسْطِه من الثَّمَنِ، وكذلك إذا اشْتَرَى شِقْصًا وسَيفًا بثَمَن، أخَذَ الشَّفِيعُ الشقْصَ بقِسْطِه
..................................
من الثَّمَنِ، فإذا فَعَلْنا هذا في مَن باعَ دِرْهَمًا ومُدًّا قِيمَتُه دِرْهَمانِ، بمُدَّين قِيمَتُهُما ثَلاثَة، حصل الدِّرْهَمُ في مُقَابَلَةِ ثُلُثَيْ مُدٍّ، والمُدُّ الذي مع الدِّرْهَمِ في مُقَابَلَةِ ما وثُلُثٍ، هذا إذا تَفَاوَتَتِ القِيَمُ، ومع التَّسَاوي يُجْهَل ذلك؛ لأنَّ التَّقْويمَ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ، والجَهْلُ بالتَّسَاوي كالعِلْمِ بعَدَمِه في بابِ الرِّبَا، ولذلك 1 لم يَجُزْ بَيعُ صُبْرَةٍ بصُبْرَةٍ بالظَّنِّ والخَرْصِ.
وقَوْلُهم: يَجِبُ تَصْحِيحُ العَقْدِ.
مَمْنُوع، بل يُحْمَلُ على ما يَقْتَضِيه من صِحَّةٍ وفَسَادٍ.