الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 211-250

كِتَابُ الطَّلَاقِ

صفحات 211-250

بابُ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ

بابُ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِه لا يقَعُ الطَّلاقُ بغيرِ لفْظٍ، فلو نَوَاهُ بقَلْبِه مِن غيرِ لفْظٍ، لم يَقَعْ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ويَحْيَى ابنُ أبى كَثِيرٍ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
ورُوِىَ أيضًا عن القاسِمِ، وسالمٍ، والحسَنِ، والشَّعْبِىِّ.
وقال الزُّهْرِىُّ: إذا عَزَم على ذلك طَلُقَتْ.
وقال ابنُ سِيرينَ في مَن طَلَّقَ في نفْسِه: أليس قد عَلِمَه اللَّه.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى عَمَّا حَدَّثَتْ بهِ أنْفُسَهَا، مَا لَم تكلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ».
رَواه النَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 1، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ.
ولأنَّه تَصَرُّفٌ يُزِيلُ المِلْكَ، فلم يَحْصُلْ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كالبَيْعِ والهِبَةِ.
وكذلك إن نَواه بقَلْبِه وأشارَ بإِصْبَعِه، فإنَّه لا يَقَعُ؛ لِما ذَكَرْناه.
إذا ثَبَتَ

وَصَرِيحُهُ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ، فِى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: صَرِيحُهُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ؛ الطَّلَاقُ، وَالْفِرَاقُ، وَالسَّرَاحُ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُنَّ.
أنَّه يُعْتَبَرُ له اللَّفْظُ، فهو يتَصرَّفُ إلى صريحٍ وكنايةٍ (فصَريحُه لفْظُ الطَّلاقِ وما تَصرَّفَ منه، في الصَّحيحِ) وهو اخْتِيارُ ابنِ حامدٍ.
فإذا قال: أنتِ طالقٌ -أو- مُطَلَّقَةٌ -أو- قد (1) طَلَّقْتُكِ.
وَقَعَ الطَّلاقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ.
والكِنايةُ لا يقَعُ بها الطَّلاقُ حتى يَنْوِيَه، أو يَأْتِىَ بما يَقومُ مَقامَ نِيَّتِه.

3444 -

مسألة: (وَقَالَ الخِرَقِىُّ: صَرِيحُهُ ثَلَاثَةُ ألْفَاظٍ؛ الطَّلاقُ، والفِراقُ، والسَّراحُ، وما تَصَرَّفَ مِنْهُنَّ)

وهذا مذهبُ1

..................................  الشافعىِّ.
ومذهبُ أبى حنيفةَ، أنَّ صَرِيحَه يخْتَصُّ بلَفْظِ الطَّلاقِ وما تصرَّفَ منه [ووَجْهُه] 1 أنَّ لفْظَ الفِراقِ والسَّراحِ يُسْتَعْملانِ في غيرِ الطَّلاقِ كثيرًا، فلم يكونا صَرِيحَيْن فيه، كسائِرِ كِنَاياتِه.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّ هذه الألْفاظَ ورَدَ بها الكِتابُ بمَعْنى 2 الفُرْقَةِ بين الزَّوْجَيْنِ، فكانا صَرِيحَيْنِ فيه، كلَفْظِ الطَّلاقِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 3. وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ 4. وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ 5. وقال سبحانه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ 6. والقولُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ

..................................  الصَّرِيحَ في الشئِ ما كان نصًّا فيه، لا يَحْتَمِلُ غيرَه إِلَّا احْتمالًا بعيدًا، ولفظةُ الفِراقِ والسَّراحِ إنْ ورَدَتْ [في القرْآنِ] 1 بمعنى الفُرْقةِ بينَ الزَّوْجَيْن، فقد ورَدَتْ فيه لغيرِ ذلك المعنى، وفى العُرْفِ كثيرًا، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ 2. وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ 3. فلا مَعْنَى لتَخْصِيصِه بفرْقَةِ الطَّلاقِ، على أنَّ

..................................  قولَه: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ 1. لم يرِدْ به الطَّلاقَ، وإنَّما هو تَرْكُ ارْتِجاعِها، وكذلك قولُه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
ولا يَصِحُّ قياسُه على لفظِ الطلاقِ، فإنَّه مُخْتَصٌّ بذلك، سابِقٌ إلى الأَفْهامِ مِن غيرِ قَرينةٍ ولا دَلالةٍ، بخِلافِ الفِرَاقِ والسَّراحِ.

فَمَتَى أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَقَعَ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ.

3445 - مسألة: (فمتى أَتَى بصَرِيحِ الطَّلاق، وَقَعَ، نَواه أو لم يَنْوِه)

وجلة ذلك، أنَّ الصَّريحَ لا يحْتاج إلى نِيَّةٍ، بل يقَع مِن غيرِ قَصْدٍ، فمتى قال: أنتِ طالقٌ -أو- مُطَلَّقةٌ -أو- طَلَّقْتُكِ.
وقَعَ من غيرِ نِيَّةٍ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ ما يعْتَبَر له القَوْل يكْتَفَى فيه به مِن غيرِ نِيَّةٍ، إذا كان صَرِيحًا فيه، كالبَيْعِ.
وسَواءٌ قَصَدَ المَزْحَ أو الجِدَّ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ثَلَاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وَهَزْلهُنَّ جِدٌّ؛ النِّكَاحٌ، وَالطَّلاقُ، وَالرَّجْعَةُ».
روَاه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 1، وقال: حديثٌ حسَنٌ صَحيحٌ.
قال ابن

وَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.
مِنْ وَثَاقٍ.
أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: طَاهِرٌ.
المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على (1) أنَّ جِدَّ الطَّلاقِ وهَزْلَه سواءٌ.
رُوِىَ هذا عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، وابنِ مسعودٍ.
ونحوُه عن عَطاءٍ، وعَبيدَةَ.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ.
قال أبو عُبَيْدٍ: وهو قولُ سفيانَ، وأَهلِ العراقِ.
فأمَّا لَفْظُ الفِرَاق والسَّراحِ، فيَنْبَنِى على الخِلافِ فيه؛ فمَن جعلَه صَرِيحًا أوْقعَ به الطَّلاقَ مِن غيرِ نيَّةٍ، ومَن جعلَه كِنايةً لم يُوقِعْ به الطَّلاقَ حتى يَنْوِيَه، ويكونُ بمَنْزلةِ الكِناياتِ الخَفِيَّةِ.
فإن قال: أرَدْتُ بقَوْلِى: فارَقْتُكِ: أى بجِسْمِى، أو بقَلْبِى، أو بمَذْهَبِى، أو سَرَّحْتُكِ مِن يَدِى، أو شُغْلِى، أو مِن حَبْسِى، أو سَرَّحْتُ شعَرَكِ.
قُبِلَ قوْلُه.

3446 -

مسألة: (فَإنْ نَوَى بقَوْلِه: أنْتِ طَالِقٌ. مِن وَثَاقٍ. أو أراد

1

فَسَبَقَ لِسَانُهُ، أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: مُطَلَّقَة.
مِنْ زَوْج كَانَ قَبْلَهُ، لَمْ تَطْلُقْ، وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ دُيِّنَ، وَهَلْ يُقْبَل فِى الْحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِى حَالِ الْغَضَبِ، أَوْ بَعْدَ سُؤالِهَا الطَّلَاقَ، فَلَا يُقْبَلُ.
أن يَقُولَ: طَاهِرٌ.
فسَبَقَ لِسَانُه) [فقال: طالقٌ] 1 (أَوْ أرَادَ) أنَّها (مُطَلَّقَة مِنْ زَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ، لَمْ تَطْلُقْ، فإنِ ادَّعَى ذلك، دُيِّنَ.
وهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِى حَالِ الغَضَبِ، أَوْ بَعْدَ سُؤَالِها الطَّلاقَ، فَلَا يُقْبَلُ) إذا نَوَى بقولِه: أنتِ طالقٌ.
مِن وَثاقٍ.
أو قال: أرَدْتُ أن أقولَ: طَلَّبْتُكِ.
فسَبَقَ لِسانِى فقلتُ: طَلَّقْتُكِ.
أو نحو ذلك، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، فمتى عَلِمَ مِن نَفْسِه ذلك، لم يَقَعْ عليه فيما بينَه وبينَ رَبَّه.
قال أبو بكرٍ: لا خِلافَ عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّه إذا أرادَ أن يقولَ لزَوْجَتِه: اسْقِينى ماءً.
فسبَقَ لسانُه فقال: أنتِ طالقٌ -أو- أنتِ حُرَّةٌ.
أنَّه لا طَلاقَ فيه.
ونقلَ ابنُ مَنْصُورٍ عنه، أنَّه سُئِلَ عن

..................................  رجلٍ حَلَفَ، فجَرَىِ على لسانِه غيرُ ما في قلْبِه، فقال: أرْجو أن يكونَ 1 الأمرُ فيه واسِعًا.
وهل تُقْبَلُ دَعْواه في الحُكْمِ؟ يُنْظَرُ؛ فإنْ كان في حال الغَضَبِ، أو سُؤالِها الطَّلاقَ، لم يُقْبَلْ في الحُكْمِ؛ لأن لَفْظَه ظَاهِرٌ في الطَّلاقِ، وقَرينةَ حالِه تدُلُّ عليه، فكانت دَعْواه مُخالِفةً للظَّاهرِ مِن وجْهَيْن، فلا تُقْبَلُ، وإن لم يكُنْ في هذه الحالِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في روايةِ ابنِ مَنْصورٍ، وأبى الحارِثِ، أنَّه يُقْبَلُ قوْلُه.
وهو قولُ جابرِ ابنِ زيدٍ، والشَّعْبِىِّ، والحَكَمِ.
حَكَاه عنهم أبو حَفْصٍ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه احْتِمالًا غيرَ بعيدٍ، فقُبِلَ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ.
وقال: أردتُ بالثَّانيةِ إفْهامَها.
وقال القاضى: فيه رِوَايتان -إحداهما، التى ذَكَرْناها- قال: وهى ظاهرُ كلامِ أحمدَ.
والثانيةُ، لا يُقْبَلُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه خلافُ ما يَقْتَضِيَه الظَّاهِرُ في العُرْفِ، فلم يُقْبَلْ في الحُكْمِ، كما لو أقَرَّ بعشَرةٍ ثم قال: زُيُوفًا -أو- صِغارًا -أو- إلى شهرٍ.
فأمَّا إن صَرَّحَ بذلك في اللَّفْظِ فقال: طَلَّقْتُكِ مِن وَثَاقِى.
أو: فارَقْتُكِ بجِسْمِى.
أو: سرَّحتُكِ مِن يَدِى.
فلا شَكَّ في أنَّ الطَّلاقَ لا يقعُ؛ لأنَّ ما يتَّصِلُ بالكَلامِ يَصْرِفُه عن 2 مُقْتضاه، كالاسْتِثْناءِ

وَفِيمَا إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلِى.
وَجْهٌ ثَالِثٌ، أَنَّهُ يُقْبَلُ إنْ كَانَ وُجِدَ، وَإِلَّا فَلَا.
والشَّرْطِ.
وذكَرَ أبو بكرٍ في قولِه: أنتِ مُطَلَّقَةٌ.
[أنَّه إن] 1 نَوَى أنَّها مُطَلَّقة طلاقًا ماضِيًا، أو 2 مِن زَوْجٍ كانَ قَبْلَه، لم يَكُنْ عليه شئٌ، وإنْ لم يَنْوِ شيئًا، فعلى قوْلَيْن؛ أحدُهما، يقَعُ.
والثانى، لا يَقَعُ.
وهذا مِن قولِه يَقْتَضِى أن تكونَ هذه اللَّفْظَةُ غيرَ صَرِيحةٍ في أحَدِ القَوْلَيْن.
قال القاضى: والمنْصوصُ عن أحمدَ أنَّه صَرِيحٌ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأَنَّ هذه مُتصَرِّفةٌ مِن لفظِ الطَّلاقِ، فكانتْ صَرِيحةً فيه، كقوْلِه: أنتِ طالقٌ (فإن قال: أرَدْتُ بقَوْلِى أنَّها مُطَلَّقةٌ مِن زَوْجٍ) كان (قَبْلِى) ففيهِ (وَجْهٌ ثالثٌ، أنَّه يُقْبَلُ إنْ كان وُجِدَ) لأَنَّ كلامَه يَحْتَمِلُه، ولا يُقْبَلُ إن لم يكُنْ وُجِدَ؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُه.
وقد ذَكَرْنا في ذلك رِوايَتَيْن غيرَ هذا الوَجْهِ.

وَلَوْ قِيلَ لَهُ.
أَطَلَّقْتَ امْرأتَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَأَرَادَ الْكَذِبَ، طَلُقَتْ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَكَ امْرأةٌ؟ قَالَ: لَا.
وَأَرَادَ الْكَذِبَ، لَمْ تَطْلُقْ.

3447 - مسألة: (ولو قِيلَ له: أطَلَّقْتَ امْرَأتَكَ؟ فقال: نعم. وأراد الكَذِبَ، طَلُقَتْ. ولو قِيلَ له: ألكَ امْرَأةٌ؟ قال: لا. وأراد الكَذِبَ، لم تَطْلُقْ)

أمَّا إذا قيلَ له: أطَلَّقْتَ امْرأتَكَ؟ قال: نعم.
أو قيلَ له: امْرأتُكَ طالق؟ فقال: نعم.
طَلُقَتِ امْرأتُه وإنْ لم يَنْوِ.
وهذا الصحيحُ مِن مذهبِ الشافعىِّ، واخْتِيَارُ المُزَنِىِّ؛ لأَنَّ «نَعَمِ» صَريحٌ في الجوابِ، والجوابُ 1 الصَّريحُ لِلَّفْظِ الصَّريحِ صريحٌ، ألا ترَى أنَّه (1) لو قيلَ له: ألِفُلانٍ عليك ألْفٌ؟ قال: نعم.
وجَبَ عليه.
فإنْ قيلَ له:

..................................  أطَلَّقْتَ امْرأتَك؟ فقال: قد كان بعضُ ذلك.
وقال: أردتُ الإيقاعَ.
وقَع.
وإن قال: أردتُ أنَّنِى علَّقتُ طَلاقَها بشَرْطٍ.
قُبِلَ؛ لأَنَّ ما قالَه مُحْتَمِلٌ.
وإن قال: أردتُ الإخْبارَ عن شئٍ ماضٍ.
أو قيلَ له: ألكَ امرأةٌ؟ فقال: قد طَلَّقْتُها.
ثم قال: إنَّما أردتُ أنِّى طَلَّقتُها في نكاحٍ آخَرَ.
دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وأمَّا في الحُكْمِ، فإنْ لم يكُنْ وُجِدَ ذلك منه، لم يُقْبَلْ، وإن كان وُجِدَ، فعلى وَجْهَيْن.
وأمَّا إذا قيلَ له: ألك امرأةٌ؟ فقال: لا.
وأرادَ به الكذبَ، لم يَلْزَمْه شئ؛ لأنَّ قولَه: ما 1 لى امرأةٌ.
كِنايةٌ تَفْتَقِرُ إلى نِيَّةِ الطَّلاقِ، وإذا نَوَى الكَذِبَ فما نَوَى الطَّلاقَ، فلم يَقَعْ.
وهكذا لو نَوَى أنَّه ليس لى امرأةٌ تَخْدِمُنى، أو تُرضِينى، أو أنِّى كمَنْ لا امرأةَ له، أو لم يَنْوِ شيئًا، لم تَطْلُقْ؛ لعَدَمِ النِّيَّةِ المُشْتَرطةِ في الكِنايةِ.
وإن أرادَ بهذا اللَّفْظِ طَلاقَها، طَلُقَتْ؛ لأنّها كِناية صَحِبَتْها النِّيَّةُ.
وبهذا قال الزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وحَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ، وأبو حنيفةَ، والشافعِىُّ.
وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: لا تَطْلُقُ؛ لأنَّ هذا ليس بكِنايةٍ، ولكنَّه خبَرٌ هو كاذبٌ فيه، وليس بإيقاع.
ولَنا، أنَّه مُحْتَمِلٌ للطَّلاقِ؛ لأنَّه إذا طَلَّقَها، فليست له بامرأةٍ، فأشْبَهَ قوْلَه: أنتِ بائِنٌ.
وغيرَها مِن

..................................  الكِناياتِ الظَّاهرةِ، وبهذا يَبْطُلُ قوْلُهم.
فصل: فأمَّا لفْظةُ الإِطْلاقِ، فليستْ صريحةً في الطَّلاقِ؛ لأنَّها لم يَثْبُتْ لها عُرْفُ الشَّرْعِ ولا الاسْتِعمال، فأشْبَهَتْ سائرَ كِناياتِه.
وذكَرَ القاضى فيها احْتِمالًا، أنَّها صَريحةٌ؛ لأَنَّه لا فَرْقَ بين: فَعَّلْتُ وأفْعَلْتُ، نحو عَظَّمْتُهُ وأعْظَمْتُهُ، وكَرمْتُه وأكْرَمْتُه.
وليس هذا الذى ذكَره بمُطَّرِدٍ؛ فإنَّهم يقولون: حَييته مِن التَّحِيَّةِ، وأحْيَيْتُه مِن الحياةِ، وأصْدَقْتُ المرأةَ

..................................  صداقًا، وصَدَّقْتُ حديثَها تَصْديقًا.
ويُفَرِّقُونَ بين قَبَل و 1 أقْبَلَ، ودبَرَ و (1) أدْبَرَ، وبَصُرَ وأَبْصَرَ، ويُفَرِّقُون بين المعانى المُخْتَلِفَةِ بحَرَكةٍ أو حرفٍ، فيقولونَ: حَمْلٌ.
لما في البطنِ، وبالكسرِ لما على الظَّهْرٍ، والوَقْرُ بالفَتْحِ الثِّقْلُ في الأُذُنِ، وبالكسرِ لثِقْلِ الحِمْلِ.
وههُنا فرَّقُوا بينَ حَلِّ 2 قَيْدِ النِّكاحِ بالتَّضْعيفِ في أحدِهما، والهمزةِ في الآخَرِ، ولو كان معنى اللَّفْظَيْن واحدًا لقِيلَ: طَلَّقْتُ الأسِيرَ، والفَرَسَ 3، والطَّائِرَ، فهو طالقٌ، وطَلَّقْتُ الدَّابَّةَ، فهى طالق، ومُطَلَّقةٌ.
ولم يُسْمَعْ هذا في كلامِهم.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.

وَلَوْ لَطَمَ امْرأَتَهُ، أَوْ أَطْعَمَهَا، أَوْ سَقَاهَا، وَقالَ: هَذَا طَلَاقُكِ.
طَلُقَتْ، إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ أَنَّ هَذَا سَبَبُ طَلَاقِكِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

3448 - مسألة: (وَإِنْ لَطَمَ امرأتَهُ، أَوْ أطْعَمَهَا، أو سقَاهَا، وَقال: هَذا طَلاقُكِ. طَلُقَتْ، إلَّا أَنْ يَنْوِىَ أنَّ هذَا سَبَبُ طَلاقِكِ، أَوْ نَحْوَ ذلك)

لأنَّ هذَا اللَّفْظَ كِنَايَةٌ في الطَّلاقِ، إذَا نَوَاهُ بِهِ وَقَعَ، وَلا يَقَعُ مِن غَيْرِ نِيَّةٍ أو دَلالَةِ حَالٍ؛ لأنَّه أضافَ إليْهَا الطَّلاقَ، فَوَقَعَ بِهَا، كما لو قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ.
وقال ابنُ حامدٍ: تَطْلُقُ مِن غيرِ نِيَّةٍ؛ لأن تَقْديرَه: أوْقعتُ عليكِ طلاقًا، هذا الضَّربُ مِن أجْلِه.
فعلَى قولِه يكونُ صَرِيحًا.
وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: ليس بكِنايةٍ، ولا يقَعُ به طَلاقٌ وإنْ نَوَى؛

..................................  لأَنَّ هذا لا 1 يُؤَدِّى معْنى الطَّلاقِ، ولا هو سَبَبٌ له، ولا حُكْمٌ فيه، فلم يَصِحَّ التَّعْبِيرُ به عنه، كما لو قال: غَفرَ اللَّهُ لكِ.
ولَنا على أنَّه كِنايةٌ، أنَّه يَحْتَمِلُ هذا التَّفْسِيرَ الذى ذكَرَه ابنُ حامدٍ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ سبَبًا للطَّلاقِ؛ لكَوْنِ الطَّلاقِ مُعلَّقًا عليه، فصَحَّ أَنْ يُعَبِّرَ به عنه، ولأَنَّ الكِنايةَ ما احْتَملتِ الطَّلاقَ، وهذا يَحْتَمِلُه؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ قد عَلَّقَ طَلاقَها به 2، فلَمّا فعله قال: هذا طَلاقُكِ.
إخْبارًا لها، فلَزِمَه ذلك، كقوْلِه: اعْتَدِّى.
ويدُلُّ على أنَّه ليس بصَريحٍ، أنَّه احْتاجَ إلى التَّقْدِيرِ، والصَّريحُ

..................................  لا يحْتاجُ إلى تقْديرٍ، فيكونُ كِنايةً.
فإن نَوَى أنَّ هذا سبَبُ طَلاقِك، أو نحوَ ذلك، فلا تَطْلُقُ؛ لأنَّه إذا أرادَ سبَبَ الطَّلاقِ، جازَ أن يكونَ سَببًا له في زمانٍ بعدَ هذا الزَّمانِ.

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا شَىْءَ.
أَوْ: لَيْسَ بِشَىْءٍ.
أَوْ: لَا يَلْزَمُكِ شَىْءٌ.
طَلُقَتْ، وَإِنْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَا؟ أَوْ: طَالِقٌ وَاحِدَةً

3449 - مسألة: (وإنْ قَالَ: أنْتِ طَالقٌ لا شَئَ -أو- ليس بشئٍ -أو- لا يَلْزَمُكِ. طَلُقَتْ)

وكذلك إنْ قال: أنتِ طالقٌ طلقةً لا تقَعُ عليك -أو- طالقٌ طلْقَةً لا يَنْقُصٌ (1) بها عدَدُ الطَّلاقِ (2). لأَنَّ ذلك رَفْعٌ لجميعِ ما أوْقَعه، فلم يَصِحَّ، كاسْتِثناءِ الجميعِ، وإنْ كان ذلك خبرًا، فهو كَذِبٌ؛ لأَنَّ الواحِدَةَ إذا أوْقَعَها وقَعَتْ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
ولا نعلمُ فيه مخالفًا.
3450 -

مسألة: (وإن قال: أنتِ طالِقٌ أَوْ لا؟ أَوْ: طالِقٌ وَاحِدَةً

12

أَوْ لَا؟ لَمْ يَقَعْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ.
أَوْ لا؟ لَم تَطْلُقْ) لأَنَّ هذا اسْتِفْهامٌ، فإذا اتَّصَلَ به خَرَجَ عن أَنْ يَكونَ لَفْظًا لإِيقَاعٍ، ويُخالِفُ المسألةَ قبلَها؛ لأنَّه إيقاع (ويَحْتَمِلُ أن يَقَعَ) لأَنَّ لَفْظَه لَفظُ الإيقاعِ لا لَفْظُ الاسْتِفْهامِ؛ لأَنَّ لَفْظَ الاسْتِفْهامِ يَكون بالهَمْزَةِ أو نحوِها، فيَقَعُ ما أوْقَعَه، ولا يَرْتَفِعُ بما ذكَرَه بعدَه، كالتى قبلَها.
وكذلك إن قال: أنتِ طالقٌ واحدةً أو لا؟ وبه قال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ.
وهو قِياسُ قولِ الشافعىِّ.
وقال محمدٌ في هذه: تَقَعُ واحدةٌ؛ لأَنَّ قوْلَه: أو لا.
يَرْجِعُ إلى ما يَلِيه منِ اللَّفْظِ، وهو واحدةٌ دُونَ لَفْظِ الإِيقاعِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الواحدةَ صِفةٌ للطَّلْقَةِ الواقِعَةِ، فما اتصَلَ بها [يَرْجِعُ إليهما] 1، فصارَ كقولِه: أنتِ طالقٌ أو لا؟

وَإِنْ كَتَبَ طَلَاقَ امْرأَتِهِ وَنَوَى الطَّلَاقَ، وَقَعَ، وَإِنْ نَوَى تَجْوِيدَ خَطِّهِ، أَوْ غَمَّ أَهْلِهِ، لَمْ يَقَعْ.
وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِى الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

3451 - مسألة: (وَإِنْ كَتَبَ طَلاقَ امْرَأتِه ونَوَى الطَّلاقَ، وَقَعَ، وإنْ نَوَى تَجْوِيدَ خَطِّهِ، أو غَمَّ أهْلِهِ، لَمْ يقَعْ. وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِى الحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن)

إذا كتبَ طَلاقَ زَوْجتِه ونوَى الطَّلاقَ، طَلُقَتْ زَوْجتُه.
وبهذا قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والحَكَمُ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وهو المنْصوصُ عن الشافعىِّ.
وذكَرَ بعضُ أصحابِه، أنَّ له قَوْلًا آخَرَ، أنَّه لا يَقَعُ به طلاق وإنْ نَوَاه؛ لأنَّه فِعْل مِن قادرٍ على النُّطْقِ، فلم يَقَعْ به الطَّلاقُ، كالإِشارةِ.
ولَنا، أنَّ الكِتابةَ حُروفٌ يُفهَمُ منها الطَّلاقُ، فإذا أتَى فيها بالطلاق وفُهِمَ منها، ونَواهُ،

..................................  وَقَع كاللَّفْظِ، ولأَنَّ الكِتابةَ تَقومُ مَقامَ قَوْلِ 1 الكاتبِ؛ بدَلالةِ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان مَأْمُورًا بتَبْليغِ رِسالَتِه، فَحَصَل 2 ذلك في حَقِّ البعْضِ بالقَوْلِ، وفى حَقِّ آخرينَ بالكتابةِ إلى مُلُوكِ الأطْرافِ، ولأَنَّ كتابَ القاضى يَقومُ مَقامَ لَفْظِه في إثْباتِ الدُّيونِ والحُقُوقِ.
فإنْ نَوَى بذلك تَجْوِيدَ خَطِّه، أو تَجْرِبَةَ قَلَمِه، لم يَقَعْ؛ لأنَّه لو نَوَى باللَّفْظِ غيرَ الإِيقاعِ، لم يَقَعْ، فالكَتابةُ أوْلَى.
وإذا ادَّعَى ذلك، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، ويُقْبَلُ في الحُكْمِ في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّ ذلك يُقْبَلُ في اللَّفْظِ الصَّرِيحِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَههُنا مع أنَّه ليس بلَفْظٍ أوْلَى.
وإن قال: نوَيْتُ غَمَّ

..................................  أهْلِى.
فقد قال في رِوايَةِ أبى طالبِ، في مَن كتبَ طَلاقَ زَوْجَتِه ونَوَى الطَّلاقَ: وَقَعَ، وإن أرادَ أن يَغُمَّ أهْلَه، فقد عَمِلَ في ذلك أيضًا.
يعنى أنه يُؤاخَذُ به؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «عُفِىَ لأُمَّتِى عَمَّا حَدَّثَتْ بهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ 1». فظاهِرُ هذا أنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ؛ لأَنَّ غَمَّ أهْلِه يَحْصُلُ بالطَّلاقِ، فيَجْتَمِعُ غَمُّ أهْلِه ووُقُوعُ طَلاقِه، كما لو قال: أنتِ طالقٌ.
يُرِيدُ به غَمَّها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ؛ لأنَّه أرادَ غَمَّ أهْلِه بتَوَهُّمِ الطَّلاقِ دُونَ حقيقتِه، فلا يَكونُ ناوِيًا للطَّلاقِ، والخَبَرُ إنَّما يدُلُّ على مُؤاخَذَتِه بما نَوَاه عندَ العَمَلِ به أو الكلامِ، وهذا لم يَنْوِ طَلاقًا، فلا يُؤاخَذُ به.

وَإن لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَهَلْ يَقَعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

3452 - مسألة: (وإن لم يَنْوِ شَيْئًا)

فقال أبو الخَطَّابِ: قد خَرَّجَها القاضى الشريفُ 1 في «الإِرْشادِ» على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يقعُ.
وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والحَكَمِ؛ لما ذَكَرْنا مِن أنَّ الكِتابةَ تقومُ مَقامَ اللَّفْظِ.
والثانيةُ، لا يقعُ إلا بِنيَّةٍ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، ومَنْصوصُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ الكِتابَةَ مُحْتَمِلَة؛ فإنَّه يُقْصَدُ بها تَجْرِبةُ القلمِ، وتَجْويدُ الخَطِّ، وغَمُّ الأهْلِ، فلم يقَعْ مِن غيرِ نِيَّةٍ، ككِناياتِ الطَّلاقِ.

وَإِنْ كَتَبَهُ بِشَىْءٍ لَا يَبِينُ، لَمْ يَقَعْ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: يَقَعُ.

3453 - مسألة: (وإن كَتَبَه بِشئٍ لا يَبِينُ)

مِثْلَ [أن كتبَه] 1 بإصْبَعِهِ عَلَى وِسَادَةٍ، أَوْ في الهَوَاءِ، فَظَاهِرُ كَلامِ أَحمدَ أنَّه لا يَقَعُ (وقال أبو حفصٍ) العُكْبَرِىُّ: (يَقَعُ) ورَواهُ الأَثْرَمُ عن الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّه كتبَ حروفَ الطَّلاقِ، فأشْبَهَ ما لو كَتَبَه بشئٍ يَبِينُ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ 2 الكِتابةَ التى 3 لا تَبِينُ كالهمْسِ بالفمِ 4 بما لا يَسْتَبِينُ، وثَمَّ لا يَقَعُ، فههُنا أوْلَى.

..................................  فصل: ولا يقَعُ الطَّلاقُ بغيرِ لَفْظٍ إلَّا في مَوْضِعَيْن؛ أحدُهما، إذا كتبَ الطَّلاقَ ونَوَاه، وقد ذَكَرْناه.
الثانى، مَنْ لا يَقْدِرُ على الكلامِ، كالأخْرَسِ إذا طَلَّقَ بالإِشارَةِ، طَلُقَتْ زَوْجَتُه.
وبهذا قال [مالكٌ و] 1 الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خلافَهم؛ لأنَّه لا طريقَ له [إلى الطَّلاقِ] 2 إلَّا بالإِشَارَةِ، فقامَتْ إشارَتُه مَقامَ النُّطْقِ مِن غيرِه فيه، كالنِّكاحِ.
فأمَّا القادِرُ، فلا يَصِحُّ طَلاقُه بالإِشارةِ، كما لا يَصِح نِكاحُه بها.
[فإنْ أشارَ الأخْرَسُ بأصابِعِه الثَّلاثِ، لم يَقَعْ إلَّا واحدةٌ؛ لأَنَّ إشارَتَه لا تَكْفِى] 3.

وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ فِى لِسَانِ الْعَجَمِ بِهِشْتَمْ.
فَإِنْ قَالَهُ الْعَرَبِىُّ وَلَا يَفْهَمُهُ، أَوْ نَطَقَ الْعَجَمِىُّ بِلَفْظِ الطَّلَاق وَلَا يَفْهَمُهُ، لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.

3454 - مسألة: (وصَرِيحُ الطَّلاقِ في لِسَانِ العَجَمِ بِهِشْتَمْ)

فإذَا أتَى بها العَجَمِىُّ، وقَعَ الطَّلاقُ منه بغيرِ نِيَّةٍ.
وقال النَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: هو كنايةٌ، لا تَطْلُقُ به إلَّا بِنِيَّةٍ؛ لأَنَّ معناه خلَّيْتُكِ، وهذه اللَّفْظَةُ كِنايةٌ.
ولَنا، أنَّ هذه اللَّفْظةَ بلِسانِهم موْضوعةٌ للطَّلاقِ، ويَسْتَعْمِلونها فيه، فأشْبَهَ لفْظَ الطَّلاقِ بالعربيَّةِ، ولو لم تكُنْ هذه صريحةً، لم يكُنْ في العَجَمِيَّةِ صريحٌ للطَّلاقِ 1، وهذا بعيدٌ، ولا يَضُرُّ كوْنُها بمعنى خَلَّيْتكُ، فإنَّ معنى طَلَّقْتُكِ خَلَّيْتُك أيضًا، إلَّا أنَّه لمَّا كان موْضوعًا له، يُسْتَعْمَلُ فيه، كان صريحًا، كذا هذه.
ولا خلافَ في أنَّه إذا نَوَى بها الطَّلاقَ، كانت طلاقًا.
كذلك قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحسَنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفة، وزُفَرُ، والشافعىُّ (فإنْ قالَه العَرَبِىُّ ولا يَفْهَمُه، أو [نطقَ العَجَمِىُّ بلفظِ الطَّلاقِ وِلا يَفْهَمُهُ] 2، لم يَقَعْ) لأنَّه لم يَخْتَرِ الطَّلاقَ؛ لعَدمِ عِلْمِه بمعناه (وإنْ نوَى موجَبَه، فعلَى وَجْهَيْن) أحدُهما، لا يَقَعُ؛

..................................  لأنَّه لا يتَحَقَّقُ اخْتِيارُه لما لا يَعْلَمُه، فأشْبَهَ ما لو نَطَقَ بكلمةِ الكُفْرِ مَنْ 1 لا يعْرفُ معناها.
والثانى، يقَعُ؛ لأنَّه أتَى بالطَّلاقِ ناوِيًا مقْتضاهُ، فوَقَعَ، كما لو عَلِمَه.

فَصْلٌ: وَالْكِنَايَاتُ نَوْعَانِ؛ ظَاهِرَةٌ، وَهِىَ سَبْعَةٌ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ، وَبَائِنٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، وَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَأَنْتِ الْحَرَجُ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رحمَه اللَّه: (والكِناياتُ نوْعان؛ ظاهرَةٌ، وهى سَبْعة: أنتِ خَلِية، وبَرِيَّةٌ، وبَائِنٌ، وبَتَّةٌ، وبَتْلَةٌ، وأنتِ حُرَّةٌ، وأنتِ الحَرَجُ) أكثْرُ الرواياتِ عن أبى عبدِ اللَّهِ، رَحِمَه اللَّهُ، كَراهِيَةُ الفُتْيا في هذه الكناياتِ، مع مَيْلِه إلى أنَّها ثلاثٌ.
وحَكَى ابنُ أبى موسى في «الإِرْشادِ» عنه رِوَايَتَيْن؛ إحْداهما، أنَّها ثلاثٌ.
والثَّانيةُ، يُرْجَعُ إلى ما نَوَاه اختارَها أبو الخَطَّابِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ، قال: يُرْجَعُ إلى ما نَوَى، فإنْ لم يَنْوِ شيئًا وقَعَتْ واحدةٌ.
ونحوُه قولُ النَّخَعِىِّ، إلَّا أنَّه قال: يَقَعُ طلقةٌ بائنةٌ؛ لأنَّ لَفْظَه يقْتَضِى البَيْنُونَةَ، ولا يَقْتَضِى عدَدًا.
ورَوَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ ما يدُلُّ على هذا؛ فإنَّه قال: يَزِيدُها في مَهْرِها إنْ أرادَ رَجْعَتَها.
ولو وقَعَ ثَلاثًا لم تُبَحْ له رَجْعَتُها، ولو لم تَبِنْ لم يَحْتَجْ

..................................  إلى زِيادةٍ في مَهْرِها.
واحْتَجَّ الشافعىُّ بما روَى أبو داودَ 1 بإسْنادِه، أنَّ رُكَانَةَ بنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرأتَه سُهَيْمَة البَتَّةَ، فأخْبَرَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بذلك، وقال: واللَّهِ ما أردتُ إلَّا واحدةً.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلّا وَاحِدَةً».
فقال رُكَانَةُ: واللَّهِ ما أردْتُ إلَّا واحدةً.
فرَدَّها إليه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فطَلَّقَها الثَّانيةَ في زمنِ عمرَ، والثَّالِثةَ في زمن عثمانَ.
قال علىُّ بنُ محمدٍ الطَّنافِسىُّ 2: ما أشْرفَ هذا الحديثَ.
ولأَنَّ الكناياتِ مع النِّيَّةِ كالصَّريحِ، فلم يَقَعْ به عندَ الإِطْلاقِ أكثرُ مِنِ واحدةٍ، كقوْلِه: أنتِ طالقٌ.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: إنْ نوَى ثلاثًا، فثلاثٌ، وإن نَوَى اثْنَتَيْن أو واحدةً، وقعتْ وِاحدة، ولا يقعُ اثْنتان؛ لأنَّ الكنايةَ تَقْتَضِى البَيْنُونةَ دونَ العَدَدِ، [والبَيْنُونةُ بَيْنُونَتانِ، صُغْرَى وكُبْرَى، فالصُّغْرَى بالواحدةِ، والكُبْرَى بالثَّلاثِ، ولو أوْقَعْنا اثْنَتَيْن كان مُوجَبُه العَدَدَ] 3،

..................................  وهى لا تقْتَضِيه.
وقال رَبِيعةُ، ومالكٌ: يقَعُ بها الثَّلاثُ وإن لم يَنْوِ، إلَّا في الخُلْعِ 1 أو قبلَ الدُّخولِ، فإنَّها تَطْلُقُ واحدةً؛ لأنَّها تَقتَضِى [البَيْنُونةَ، والبَيْنُونَةُ تَحْصُلُ في الخُلْعِ وقبلَ الدُّخولِ بواحدةٍ، فلم يُزَدْ عليها؛ لأنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِى] 2 زيادةً عليها 3، وفى غيرِهما 4 يقَعُ الثَّلاثُ ضرورةَ أنَّ 5 البَيْنُونَةَ لا تحْصُلُ إلَّا بها.
ووَجْهُ أنَّها ثلاثٌ أنَّه قَوْلُ أصحاب رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرُوِىَ عن علىٍّ، [وابنِ عُمَرَ] 6، وزيدِ بنِ ثابتٍ، أَنَّها ثلاثٌ.
قال أحمدُ في الخَلِيَّةِ والبَرِيَّةِ والبَتَّةِ: قولُ علىٍّ وابنِ عمرَ قولٌ صحيحٌ ثلاثًا.
وقال علىٌّ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ، في البائِنِ:

..................................  إنَّها ثلاثٌ.
ورَوَى النَّجّادُ بإسْنادِه، عن نافعٍ، أنَّ رجلًا جاءَ إلى عاصمٍ وابنِ الزُّبَيْرِ، فقال: إنَّ ظِئْرِى هذا طلَّقَ امْرأتَه البَتَّةَ قبلَ أن يدخلَ بها، فهل تَجِدان له رُخْصةً؟ فقالا: لا، ولكنَّا تَركْنا ابنَ عباسٍ وأبا هُرَيْرَةَ عندَ عائشة فسَلْهُم، ثم ارْجِعْ إلينا فأخْبِرْنا.
فسألهم، فقال أبو هُرَيْرَةَ: لا تَحِلُّ له حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه.
وقال ابنُ عباسٍ: هى ثلاثٌ.
وذكَرَ عن عائشةَ مُتابَعَتَهما 1. وروَى بإسْنادِه، أنَّ عمرَ جعلَ البَتَّةَ واحدةً، ثم جعلها بعدُ ثلاثَ تَطليقاتٍ.
وهذه أقْوالُ عُلَماءِ الصحابةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالفٌ في عَصْرِهم؛ فكان إجْماعًا.
ولأنَّه طلَّقَ امْرأتَه بلَفْظٍ يَقْتَضِى البَيْنُونةَ، فوَجبَ الحُكْمُ بطَلاقٍ تحْصُلُ به البَيْنُونَةُ، كما لو طلَّقَ ثلاثًا، أو نَوَى الثَّلاثَ، وإفْضاؤُه إلى البَيْنُونَةِ ظاهِرٌ في قوْلِه: أنتِ بائنٌ.
وكذا في قوْلِه: البتَّةَ.
لأَنَّ البَتَّ القَطْعُ، فكأنَّه قطَع النِّكاحَ كلَّه، ولذلك 2 يُعَبَّرُ به عن الطَّلاقِ الثَّلاثِ، كما قالتِ امرأةُ رِفاعةَ: إنَّ رِفاعةَ طَلَّقَنِى فبَتَّ طَلاقِى 3. وبَتْلَةٌ 4 هو مِن القَطْعِ أيضًا؛ ولذلك (2) قيلَ في مَريمَ: البَتُولُ؛ لانْقِطاعِها عن النِّكاحِ.
ونَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن التَّبَتُّلِ 5، وهو

..................................  الانْقِطاعُ عن النِّكاحِ بالكُلِّيَّةِ.
وكذلك الخَلِيَّةُ والبَرِيَّةُ يَقْتضيانِ الخُلُوَّ مِن النِّكاحِ والبَراءَةَ منه، وإذا كان للَّفْظِ معنًى فاعْتبرَه الشَّرْعُ، إنَّما يَعْتبرُه فيما يَقْتَضِية ويُؤَدِّى مَعْناه، ولا سبيلَ إلى البَيْنونَةِ بدُونِ الثلاثِ، فوَقعتْ ضَرُورةَ الوفاءِ بما يَقْتَضِيه لفْظُه، ولا يُمْكِنُ إيقاعُ واحدةٍ بائِنَةٍ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على إِيقاعِ ذلك بصَريحِ الطَّلاقِ، فكذلك بكِنايتِه، ولم 1 يُفَرِّقْ بينَ المدخولِ بها وغيرِها؛ لأَنَّ الصحابةَ لم يُفَرِّقوا؛ لأَنَّ كلَّ لفْظةٍ أوْجَبَتِ الثَّلاثَ في المدخولِ بها أوْجَبَتْها في غيرِها، كقولِه: أنت طالقٌ ثلاثًا.
فأمَّا حديث رُكانَةَ، فإنَّ أحمدَ ضَعَّف إسْنادَه، فلذلك تَرَكَه.
وقولُه: أنتِ حُرَّة.
يَقْتَضِى ذَهابَ الرِّقِّ عنها، وخُلوصَها منه، والرِّقُّ ههُنا النِّكاحُ.
وقولُه: أنت الحَرَجُ.
يعنى الحَرَامَ والإِثْمَ، قال اللَّه تعالى: ﴿عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ 2. أى إثْمٌ، وأصْلُه الضِّيقُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ 3. فكأنَّه حَرَّمَها وأثَّمَ

وَالْخَفِيَّةُ نَحْوُ: اخْرُجِى، وَاذْهَبِى، وَذُوقِى، وَتَجَرَّعِى، وَخَلَّيْتُكِ، وَأَنْتِ مُخَلَّاةٌ، وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ، وَلَسْتِ لِى بِامْرَأَةٍ، وَاعْتَدِّى، وَاسْتَبْرِى، وَاعْتَزِلِى، وَمَا أَشْبَهَهُ.
نفسَه في إمساكِها، فصارَ في ضِيقٍ مِن أمْرِها، وإنَّما تكونُ بالبَيْنونَةِ على ما مَرَّ.
[والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يقعُ ما نَواه.
اختَاره أبو الخَطَّابِ؛ لحديثِ رُكَانَةَ.
فإِنْ لم يَنْوِ عَددًا، وقعَ واحدةٌ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وروى عنه حَنْبَلٌ أنَّه يقعُ بها واحدةٌ بائنةٌ.
وقد ذكرناه] (1).

3455 -

مسألة: (والخَفِيَّةُ نَحْوُ: اخْرُجِى، واذْهَبِى، وذُوقِى، وتَجَرَّعِى، وخَلَّيْتُكِ، وأنْتِ مُخَلَّاةٌ، وأنْتِ وَاحِدَةٌ، ولستِ لى بامْرَأةٍ، واعْتَدِّى، واسْتَبْرِى، ومَا أشْبَهَهُ)

واخْتارِى، ووَهَبْتُكِ لأهْلِكِ، فَهَذِهِ ثَلاثٌ إنْ نَوَى ثَلاثًا، واثْنَتَانِ إنْ نَوَاهُمَا، وَوَاحِدَة إنْ نَوَاهَا أو أطْلَقَ.1

..................................  [قال أحمدُ:] 1 ما ظهرَ [مِن الطلاقِ فهو على ما ظَهَر] 2 وما عَنَى به الطَّلاقَ، فهو على ما عَنَى مثلَ: حَبْلُكِ على غارِبِكِ.
[إذا نَوَى واحدةً أو اثْنَتَيْن أو ثلاثًا، فهو على ما نَوَى.
وقد ذكَرَ الخِرَقِىُّ 3 قولَه: حَبْلُكِ على غارِبكِ] 4. في الكِناياتِ الظَّاهرةِ.
وإن فال: أنتِ واحدةٌ.
فهى كنايةٌ خَفِيَّةٌ، لكنَّه لا يَقَعُ بها إلَّا واحدةٌ وإن نوَى ثلاثًا.
ذكَره شيخُنا 5؛ لأنَّها لا تَحْتَمِلُ أكثرَ منها.
وإن قال: أغْناكِ اللَّهُ.
فهو كنايةٌ خَفِيَّةٌ، لأنَّه يَحْتَمِلُ: أغْناكِ اللَّهُ بالطَّلاقِ.
قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ 6. وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ في الكناياتِ: لا يقَعُ اثْنتانِ وإنْ نَوَاهما، وتقَعُ واحدةٌ.
وقد ذكَرْناه.

وَاخْتُلِفَ فِى قَوْلِهِ: الْحَقِى بِأَهْلِكِ، وَ: حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَ: تَزَوَّجِى مَنْ شِئْتِ، وَ: حَلَلْتِ لِلْأَزْوَاجِ، وَ: لَا سَبِيلَ لِى عَلَيْكِ، وَ: لَا سُلْطَانَ لِى عَلَيْكِ.
هَلْ هِىَ ظَاهِرَةٌ أَوْ خَفِيَّةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.

3456 - مسألة: (واخْتُلِفَ في قولِه: الْحَقِى بأهْلِكِ، و: حَبْلَكِ عَلَى غَارِبِكِ، و: تَزَوَّجِى مَنْ شِئْتِ، و: حَلَلْتِ للأزْواجِ، و: لا سَبِيلَ لى علَيْكِ، و: لا سُلْطَان لِى [عليكِ)

و: أنْتِ عَلَىَّ حَرَامٌ، و: أنْتِ عَلَىَّ حَرَجٌ (هَلْ هِىَ ظَاهِرَة أو خَفِيَّةٌ؟) و: غَطِّى شَعَرَكِ، و: قَدْ أعْتَقْتُكِ.
فَهذِه عَنْ أحمدَ فيها رِوَايَتَانِ إحْداهما، أنَّها ثلاثٌ.
والأُخْرَى، تَرْجِعُ إلى ما نَوَاه، وإن لم يَنْوِ شيئًا، فواحدةٌ، كسائِرِ الكِناياتِ الخَفِيَّةِ.
وقد قاسُوا على هذه: اسْتَبْرِئِى رَحِمَك، و: تَقَنَّعِى] 1.

..................................  [فهذه في] 1 معْنى المذكورةِ، فيكونُ حُكْمُها حُكْمَها.
والصَّحيحُ في: الْحَقِى بأهْلِكِ.
أنَّها واحدةٌ، ولا تكونُ ثلاثًا إلَّا بنِيَّةٍ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لابْنِةِ الجَوْنِ: «الْحَقِى بأهْلِكِ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولم يَكُنِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليُطَلِّقَ ثلاثًا وقد نَهَى عنه أُمَتَّهَ.
قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لابْنةِ الجَوْنِ: «الْحَقِى بأهْلِكِ».
ولم يكنْ طلاقًا غير هذا، ولم يَكُنِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليطَلِّقَ ثلاثًا، فَيكونَ غيرَ طلاقِ السُّنَّةِ.
قال: لا أدْرِى.
وكذلك قولُه: اسْتَبْرِئى رَحِمَك.
[لا يَخْتَصُّ الثَّلاثَ] 3؛ فإِنَّ ذلك يكونُ مِنَ الواحدةِ، كما يكونُ مِن الثَّلاثِ.
وقد روَى هُشَيمٌ 4، أنا الأعْمشُ، عن المِنْهَالِ بنِ عمرٍو 5، أنَّ نُعَيمَ بنَ دَجَاجَةَ الأسَدِىَّ طلَّقَ

..................................  [امرأتَه تطليقَتَيْن، ثم قال: هى علىَّ حَرَجٌ.
فكتبَ في ذلك إلى عمرَ بنِ الخَطَّابِ، فقال: أمَا إنَّها ليستْ بأهْونِهِنَّ 1. فأمَّا سائرُ اللَّفَظاتِ، فإن قُلْنا: هى ظاهرةٌ.
فإنَّ مَعْناها معْنى الظَّاهرةِ، فإنَّ قولَه: لا سبيلَ لى عليكِ، ولا سُلْطانَ لى] 2 عليك.
إنَّما يكونُ في المَبْتُوتَةِ، أمَّا الرَّجْعِيَّة فله عليها سبيلٌ وسُلْطانٌ.
وقولُه: أعْتَقْتُكِ.
يَقْتَضِى ذَهابَ الرِّقِّ عنها، والرِّقُّ ههُنا النِّكاحُ.
وقولُه: أنتِ علىَّ حَرَامٌ.
يَقْتَضِى بَيْنُونَتَها منه؛ لأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ غيرُ مُحرَّمةٍ.
وكذلك قولُه: حَلَلْت للأزْواجِ؛ لأنَّكِ بِنْتِ مِنِّى.
وكذلك سائِرُها.
وإن قُلْنا: هى واحدة.
فلأنَّها محْتمِلةٌ، فإنَّ قولَه: حَلَلْتِ للأزْواجِ.
أى بعدَ انْقضاءِ عِدَّتِك؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ حِلُّها قبلَ ذلك، والواحدَةُ تُحِلُّها.
وكذلك: انْكِحى مَن شِئْتِ.
وكذلك سائرُ الألْفاظِ، يتَحَقَّقُ معْناها بعدَ انْقِضاء عِدَّتِها.
وذكَرَ بعضُ أصحابِنا: اعْتَدِّى.
في المخْتَلَفِ فيه.
والصَّحيحُ أَنَّها مِن الخَفِيَّةِ؛ لِما روَى أبو هريرةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لسَوْدَةَ: «اعْتَدِّى».
مُتَّفَقٌ عليه 3.

..................................  فصل: فإن قال: أنتِ طالقٌ بائنٌ -أو- 1 البَتَّةَ.
ففيه مِن الخلافِ ما ذكَرْنا في الكِناياتِ الظَّاهرةِ، [إلَّا أنَّه] 2 لا يحْتاجُ إلى نِيَّةٍ؛ لأنَّه وصَفَ بها الطَّلاقَ الصَّريحَ.
فإن قال: أنتِ طالقٌ لا رَجْعَةَ لى عليك.
وهى مَدْخولٌ بها، فقال أحمدُ: إذا قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ لا رجْعةَ فيها، ولا مَثْنَوِيَّةَ 3. هذه مثلُ الخَلِيَّةِ والبَرِيَّةِ ثلاثًا، هكذا هو عندِى.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
وإن قال: ولا رجْعةَ لى فيها.
بالواوِ، فكذلك.
وقال

..................................  أصحابُ أبى حنيفةَ: تكونُ رجْعِيَّةً؛ لأنَّه لم يَصِفِ الطَّلْقَةَ بذلك، وإنَّما عطَفَ عليها.
ولَنا، أنَّ الصِّفَةَ تَصِحُّ مع العطفِ، كما لو قال: بِعْتُك بعشرةٍ وهى مَغْرِبِيَّةٌ.
صحَّ 1، وكان صِفةً للثَّمَنِ.
قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ 2. وإن قال: أنتِ طالقٌ واحدةً بائنًا -أو- واحدةً بَتَّةً.
ففيها ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُن، أنَّها واحدةٌ رَجْعيَّةٌ، ويلغو ما بعدَها.
قال أحمدُ: لا أعْرِفُ شيئًا مُتَقَدِّمًا أنَّ بواحدةٍ تكونُ بائنًا.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه وصَفَ الطَّلْقةَ بما لا تتَّصِفُ به، فَلَغَتِ الصِّفَةُ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَةً لا تقعُ عليك.
والثانيةُ، هى ثلاثٌ.
قالَه أبو بكرٍ، وقال: هو قولُ أحمدَ؛ لأنَّه أتَى بما يَقْتَضِى الثَّلاثَ، فوقعَ، ولَغَا قولُه 3: واحدةً: كما لو (1) قال: أنتِ طالقٌ واحدةً ثلاثًا.
والثَّالثةُ، روَاها حَنْبَلٌ عن أحمدَ، إذا طَلَّقَ امْرأتَه واحدةً (1) البَتَّةَ، فإنَّ أمْرَها بيَدِها، يَزِيدُها في مَهْرِها إن أرادَ رَجْعَتَها.
فهذا يدُلُّ على أنه أوْقعَ بها واحدةً بائنًا؛ لأنَّه جَعَلَ أمْرَها بيَدِها، ولو كانت رَجْعِيَّةً 4 لَما جَعَلَ أمْرَها بيَدِها، ولو

وَمِنْ شَرْطِ وُقُوع، الطَّلَاقِ أَنْ يَنْوِىَ بِهَا الطَّلَاقَ،  وقعَ ثلاثٌ لَما حَلَّتْ له رَجْعتُها.
قال أبو الخَطَّابِ: هذه الرِّوايةُ تُخَرَّجُ في جميعِ الكِناياتِ الظَّاهرةِ، فيكونُ مثلَ قولِ إبراهيمَ النَّخَعِىِّ.
وَوجْهُه أنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ بصفَةِ البَيْنُونَةِ، فوَقَعَ على ما أوْقَعَه، ولم يَزِدْ على واحدةٍ؛ لأَنَّ لفْظَه لم يَقْتَضِ عَددًا، فلم يَقَعْ أكثرُ مِن واحدةٍ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ.
وحملَ القاضى رِوايةَ حَنْبَلٍ على أنَّ ذلك بعدَ انْقضاءِ العِدَّةِ.

3457 -

مسألة: (ومِنْ شَرْطِ وُقُوعِ الطَّلاقِ)

بها (أن يَنْوِىَ بها الطَّلاقَ) يَعْنِى مِن شَرْطِ وُقوعِ الطَّلاقِ بالكِنايةِ النِّيَّةُ للطَّلاقِ؛ لأنَّها كنايةٌ، فلا يقَعُ بها طَلاقٌ بدونِ النِّيَّةِ، كالكِنايةِ الخَفِيَّةِ.
وإن لم يَنْوِ شيئًا، ولا دَلَّتْ عليه قَرِينةٌ، لم يَقَعْ؛ لأنَّه ظاهِر في غيرِ الطَّلاقِ، فلم يُصْرَفْ إليه عندَ الإِطْلاقِ، كما لا يَنْصَرِفُ الصَّريحُ إلى غيرِه.
وإن نَوَى بها الطَّلاقَ، وقَعَ.
وذكَرَ القاضى أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أنَّ الطَّلاقَ يقعُ بالكِناياتِ الظَّاهرةِ مِن غيرِ نِيَّةٍ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّه اشْتَهَر اسْتِعْمالُها فيه، فلم تحْتَجْ إلى نِيَّةٍ، كالصَّريحِ.
ومَفْهومُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّهْ لا يقَعُ

جارٍ التحميل