وَيَجِبُ عَلَيْهِ اجْتِنَابُ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ, فَإِنْ شُتِمَ اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ: إِنِّى صَائِمٌ.
والثانيةُ، يُكْرَهُ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ حُدُوثَ الشَّهْوَةِ، ولأنَّ الصومَ عِبادَةٌ تَمْنَعُ الوَطْءَ، فاسْتَوَى في القُبْلَةِ فيها مَن تُحَرِّكُ شَهْوَتَه ومَن لا تُحَرِّكُ، كالإِحرامِ.
فأمّا اللَّمْسُ لغيرِ شَهْوَةٍ، كلَمْسِ اليَدِ ليَعْرِفَ مَرَضَها، ونحوِه، فليس بمكْرُوهٍ بحالٍ؛ لأنَّ ذلك لا يُكْرَهُ في الإِحْرامِ، أشْبَهَ لَمْسَ ثَوْبِها.
1085 -
مسألة: (ويَجِبُ عليه اجْتِنابُ الكَذِبِ والغِيبَةِ
..................................
والشَّتْمِ، فإن شُتِمَ اسْتُحِبَّ أن يَقُولَ: إنِّى صائِمٌ) يَجِبُ على الصّائِمِ أن يُنَزِّهَ صَوْمَه عن هذه الأشْياءِ.
قال أحمدُ: يَنْبَغِى للصّائِمِ أن يَتَعاهَدَ صَوْمَه مِن لِسانِه، ولا يُمارِىَ، ويَصُونَ صومَه، كانُوا إذا صامُوا قَعَدُوا في المَساجِدِ، فقالُوا: نَحْفَظُ صَوْمَنا, ولا نَغْتابُ أحَدًا.
ولا يَعْمَلَ عَمَلًا يَجْرَحُ به صَوْمَه.
وقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، والعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلّهِ حِاجَةٌ فِى أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
وقال أبو هُرَيْرَةَ: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إلَّا الصِّيامَ، فَإنَّهُ لِى وَأنَا أجْزِى بِهِ، الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَصْخَبْ، فَإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّى امْرُؤٌ صَائِمٌ.
وَالّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه لخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، للِصَّائِمِ فَرْحَتانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإذَا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ».
مُتَّفَقٌ عليهما 1.
فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرُ السَّحُورِ، وَأَنْ يُفْطِرَ عَلَى التَّمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ [58 ظ] أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّى، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
1086
- مسألة: (و يُسْتَحَبُّ تعجِيلُ الإِفْطارِ وتأخيرُ السَّحورِ، وأن يُفْطِرَ على التَّمْرِ، فإن لم يَجِدْ فعلى الماءِ، وأنَّ يَقُولَ عندَ فِطْرِه: اللَّهُمَّ لك صُمْتُ، وعلى رِزْقِكَ أفْطَرْتُ، سبحانك وبحَمْدِك، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّى، إنَّك أنت السَّمِيعُ العَلِيمُ) يُسْتَحَبُّ تَعجيلُ الإِفْطارِ.
وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ لِما روَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ السّاعِدِىُّ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:
..................................
«لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعن أبى عَطِيَّةَ، قال: دَخَلْتُ أنا ومَسْرُوقٌ على عائشةَ، فقالَ مَسْرُوقٌ: رَجُلان مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أحَدُهما يُعَجِّلُ الإِفْطارَ ويُعَجِّلُ المَغْرِبَ، والآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطارَ ويُؤَخِّرُ المَغْرِبَ.
قالت: مَن الذى يُعَجِّلُ الإِفْطارَ ويُعَجِّلُ المَغْرِبَ.
قال: عبدُ اللهِ 2. قالت: هكذا كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. رَواه مسلمٌ 3. وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَقولُ اللهُ تَعَالَى: أحَبُّ عِبَادِى إلَىَّ أسْرَعُهُمْ فِطْرًا».
قال
..................................
التِّرْمِذِىُّ (1): هذا حديثٌ حسنٌ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُفْطِرَ قبلَ الصلاةِ؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّى حتى يُفْطِرَ، ولو على شَرْبَةٍ مِن ماءٍ.
رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ (2).
1087 -
مسألة: (و)
يُسْتَحَبُّ (تَأْخِيرُ السَّحُورِ) الكَلامُ في السَّحُورِ في أُمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُها، في اسْتِحْبابِه، ولا نَعْلَمُ بينَ العُلماءِ خِلافًا في اسْتِحْبابِه؛ لِما روَى أنَسٌ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَسَحَّرُوا؛ فَإنَّ فِى السَّحُورِ بَرَكَةً».
مُتَّفَقٌ عليه 3. وعن عَمْرِو بنِ العاصِ، قال: قال12
..................................
رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَصْلُ 1 مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أهْلِ الْكِتَابِ أكْلَةُ السَّحَرِ».
رَواه مسلمٌ 2. وعن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «السَّحُورُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أنْ يَجْرَعَ أحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإنَّ اللهَ وَمَلَاِئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى المُتَسَحِّرِينَ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 3. الثانِى، في وَقْتِه.
قال أحمدُ: يُعْجِبُنِى تَأْخِيرُ السَّحُورِ؛ لِما روَى زيدُ بنُ ثابتٍ، قال: تَسَحَّرْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثم قُمْنا إلى الصلاةِ.
قُلْتُ: كم كان قَدْرُ ذلك؟ قال: خَمْسِينَ آيةً.
مُتَّفَقٌ عليه 4.
..................................
وروَى العِرْباضُ بنُ سارِيَةَ، قال: دعانِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى السَّحُورِ، فقالَ: «هَلُمَّ إلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ».
رَواه أبو داودَ 1. سَمّاه غَداءً لقُرْبِ وَقْتِه منه.
ولأنَّ المَقْصُودَ بالسَّحُورِ التَّقَوِّى على الصومِ، وما كان أقْرَبَ إلى الفَجْرِ كان أعْوَنَ على الصومِ.
قال أبو داودَ، قال أبو عبدِ اللهِ: إذا شَكَّ في الفَجْرِ يَأْكُلُ حتى يَسْتَيْقِنَ طُلُوعَه.
وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، والأوْزاعِىِّ.
قال أحمدُ: يَقُولُ اللهُ تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ 2. وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَمْنَعْكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أذَانُ بلَالٍ، ولا الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ، ولَكِنِ الفَجْرُ 3 المُسْتَطِيرُ في الأُفُقِ» 4. حديثٌ حسنٌ.
= 2/ 6. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 182، 185، 186، 188.
..................................
وروَى أبو قِلابَةَ قال: قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِىَ اللهُ عنه، وهو يَتَسَحَّرُ: يا غُلامُ، أَجِفْ 1، لا يَفْجَأْنا الصُّبْحُ.
وقال رجلٌ لابنِ عباسٍ: إنِّى أتَسَحَّرُ؛ فإذا شَكَكْتُ أمْسَكْتُ.
فقالَ ابنُ عباسٍ: كُلْ ما شَكَكْتَ حتى لا تَشُكَّ 2. فأمّا الجِماعُ فلا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُه؛ لأَنَّه ليس مِمّا يُتَقَوَّى به، وفيه خَطَرُ وُجُوبِ الكَفّارَةِ، والفِطْرِ به.
الثالثُ، فيما يُتَسَحَّرُ به.
كلُّ ما حَصَل مِن أكْلٍ أو شُرْبٍ، حَصَل به فَضِيلَةُ السَّحُورِ؛ لقولِه عليه السَّلامُ: «وَلَوْ أنْ يَجْرَعَ أحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ».
وروَى أبو داود 3 عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ».
..................................
فصل: فيما يُسْتَحَبُّ أن يُفْطِرَ عليه.
يُسْتَحَبُّ أن يُفْطِرَ على رُطَباتٍ، فإن لم يَكُنْ فعلى تَمَراتٍ، فإن لم يَكُنْ فعلى الماءِ؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُفْطِرُ على رُطَباتٍ قبلَ أن يُصَلِّىَ، فإن لم يَكُنْ فعلى تَمَراتٍ، فإن لم يَكُنْ تَمَراتٌ حَسَا حَسَواتٍ 1 مِن ماءٍ.
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 2، وقال: حسنٌ غريبٌ.
وعن سَلْمانَ 3 بنِ عامِرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أفْطَرَ أحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ 4، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ».
أخْرَجَه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 5.
..................................
فصل: روَى ابنُ عباسٍ، قال: كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا أفْطَرَ قال: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنَا، وَعَلَى رِزْقِكَ أفْطَرْنَا، فَتَقَبَّلْ مِنَّا، إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».
وعن ابنِ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا أفْطَرَ قال: «ذهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَوَجَبَ الْأجْرُ إنْ شَاءَ اللهُ».
وإسْنادُه حسنٌ.
ذَكَرَهما الدّارَقُطْنِىُّ 1.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَفْطِيرُ الصائِمِ؛ لِما روَى زيدُ بنُ خالِدٍ الجُهَنِىُّ، = كما أخرجه ابن ماجه، في: باب ما جاء على ما يستحب الفطر، من كتاب الصيام.
سنن ابن ماجه 1/ 542. والدارمى، في: باب ما يستحب الإفطار عليه، من كتاب الصوم.
سنن الدارمى 2/ 7. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 17 - 19، 213، 214.
وَيُسْتَحَبُّ التَّتَابُعُ فِى قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَلَا يَجِبُ.
عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا، [كَانَ لَهُ] (1) مِثْلُ أجْرِه، مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أجْرِ الصَّائِمِ شىْءٌ».
قال التِّرْمِذِىُّ (2): حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
1088 -
مسألة: (يُسْتَحَبُّ التَّتابُعُ في قَضاءِ رمضانَ، ولا يَجبُ)
لا نَعْلَمُ خِلافًا في اسْتِحْبابِ التَّتابُع في قَضاءِ رمضانَ, لأنَّه أشْبَهُ بالَأداءِ، وفيه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ، ولا يَجِبُ.
هذا قولُ ابنِ عباسٍ، وأنَسِ ابنِ مالكٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأبى قِلابَةَ، ومُجاهِدٍ، وأهلِ المدينةِ،12
..................................
ومالكٍ، وأبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وغيرِهم 1. وحُكِىَ وُجُوبُ التَّتابُعِ عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ.
وقال داودُ: يَجِبُ، ولا يُشْتَرَطُ؛ لِما روَى ابنُ المُنْذِرِ بإسْنادِه، عن أبى هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ، فَلْيَسْرُدْهُ، وَلَا يَقْطَعْهُ» 2. ولَنا، قَوْلُه 3 تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 4. غيرُ مُقَيَّدٍ بالتَّتابُعِ.
فإن قِيلَ: فقد رُوِىَ عن عائشةَ، أنَّها قالت: نَزَلَتْ: (فَعِدَّةٌ منْ أيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ).
فسَقَطَت «مُتَتَابِعاتٍ» 5. قُلْنا: هذا لم تَثْبُتْ عندَنا صِحَّتُه، ولو صَحَّ فقد سَقَطَتِ اللَّفْظَةُ المُحْتَجُّ بها.
وأيضًا قولُ الصحابةِ، قال ابنُ عُمَرَ: إن سافَرَ؛ إن شاء فَرَّقَ، وإن شاء تابَعَ.
ورُوِىَ مَرْفُوعًا 6. وقال أبو عُبَيْدَةَ 7، في
..................................
قَضاءِ رمضانَ: اللهُ لم يُرَخِّصْ لكم في فِطْرِه، وهو يُرِيدُ أن يَشُقَّ عليكم في قَضائِه 1. وعن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، أنَّه قال: بَلَغَنِى أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن تَقْطِيعِ قَضاءِ رمضانَ، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ كَانَ عَلَى أحَدِكُمْ دَيْنٌ فقَضَاهُ مِنَ الدِّرْهَمِ و 2 الدِّرْهَمَيْن، حَتَّى يَقْضِىَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، هَلْ كَانَ ذَلِكَ قَاضِيًا دَيْنَهُ؟» قالُوا: نعم يا رسولَ اللهِ.
قال: «فاللهُ أحَقُّ بِالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ مِنْكُمْ».
رَواه الأثْرَمُ 3. ولأنَّه صومٌ لا يَتَعَلَّقُ بزَمانٍ بعَيْنِه، فلم يَجِبْ فيه التَّتابُعُ، كالنَّذْرِ المُطْلَقِ، وخَبَرُهم لم تَثْبُتْ صِحَّتُه، ولم يَذْكُرْه أَصحابُ السُّنَنِ، ولو صَحَّ حَمَلْناه على الاسْتِحْبابِ؛ جَمْعًا بَيْنَه وبينَ ما ذَكَرْناه.
واللهُ أعلمُ.
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضَاءِ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ آخَرَ مِنْ غَيرِ عُذْرٍ.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضاءِ رمضانَ إلى رمضانَ آخَرَ مِن غيرِ عُذْرٍ) وجُمْلَتُه أنَّ مَن عليه صومٌ مِن رمضانَ، فله تَأْخِيرُه ما لم يَدْخُلْ رمضانُ آخَرُ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان يكونُ علىَّ الصيامُ مِن شهرِ رمضانَ، فما أقْضِيه حتى يَجِئَ شعبانُ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولا يجوزُ تَأْخِيرُه إلى رمضانَ آخَرَ مِن غيرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها،
فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ.
لم تُؤَخِّرْه إلى ذلك، ولو أمْكَنَها لأَخَّرَتْه، ولأنَّ الصومَ عِبادَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، فلم يَجُزْ [تَأْخِيرُ الأُولَى] (1) عن الثانيةِ، كالصَّلواتِ (2) المَفْرُوضَةِ.
1089 -
مسألة: (فإن فَعَل، فعليه القضاءُ، وإطْعامُ مِسْكِينٍ لكلِّ يَوْمٍ)
إذا أخَّرَ قَضاءَ رمضانَ حتى أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ لعُذْرٍ، فليس عليه إلَّا القَضاءُ؛ لعُمومِ الآيَةِ.
وإن كان لغيرِ عُذْرٍ، فعليه مع القَضاءِ إطعامُ مِسْكِينٍ لكلِّ يَوْمٍ.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ، ومجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ.
وقال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه صومٌ واحبٌ، فلم يَجِبْ عليه في تَأْخِيرِه كَفّارَةٌ، كالأداءِ والنَّذْرِ.
ولنا، أنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابةِ، ولم يُرْوَ عن غيرِهم خلافُهم.
ورُوِىَ مُسْنَدًا مِن طريقٍ ضَعِيفٍ 3، ولأنَّ تَأْخِيرَ صومِ رمضانَ عن وَقْتِه إذا لم يُوجِبِ القَضاءَ أوْجَبَ الفِدْيَةَ، كالشَّيْخِ الكَبِيرِ.
فصل: فإن أخَّرَه لعُذْرٍ حتى أدْرَكَه رَمضانان أو أكْثَرُ، لم يَكُنْ عليه12
وَإِنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ.
أكثرُ مِن فِدْيَةٍ مع القَضاءِ؛ لأنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لا يَزْدادُ بها الواجِبُ، كما لو أخَّرَ الحَجَّ الواجِبَ سِنِينَ، لم يَكُنْ عليه أكثرُ مِن فِعْلِه.
1090 -
مسألة: (وإن أخَّرَه لعُذْرٍ فلا شئَ عليه، وإن مات)
مَن مات وعليه صِيامٌ مِن رمضانَ قبلَ إمْكانِ الصِّيامِ، إمّا لضِيقِ الوَقْتِ، أو لعُذْرٍ مِن مَرَضٍ، أو سَفَرٍ، أو عَجْزٍ عن الصومِ، فلا شئَ عليه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن طاوُسٍ، وقَتادَةَ أَنَّهما قالا: يَجِبُ الإِطْعامُ عنه؛ لأنَّه صومٌ واجِبٌ سَقَط بالعَجْزِ عنه، فوَجَبَ الإِطْعامُ عنه، كالشَّيْخِ الهِمِّ 1 إذا تركَ الصيامَ لعَجْزِه عنه.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ للهِ تعالى وَجَب بالشَّرْعِ، مات مَن يَجِبُ عليه قبلَ إمْكانِ فِعْلِه، فسَقَطَ إلى غيرِ بَدَلٍ، كالحَجِّ، ويُفارِقُ الشَّيْخَ الهِمَّ (1)؛ فإنَّهُ يَجُوزُ ابْتِداءُ الوُجُوبِ عليه، بخِلافِ المَيِّتِ.
وَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَمَاتَ قَبْلَ رَمَضَانَ آخَرَ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمِ مِسْكِينٌ.
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَهَلْ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ أَوِ اثْنَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
1091 - مسألة: (وإن أخَّرَه لغيرِ عُذْرٍ، فمات قبلَ أن أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ، أُطْعِمَ عنه لكلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ.
ومَن مات بعدَ أن أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ، فهل يُطْعَمُ عنه لكلِّ يومٍ مِسْكينٌ أو اثْنان؟ على وَجْهَيْن)
إذا أخَّرَ قَضاءَ رمضانَ مع إمْكانِ القَضاءِ، فمات، أُطْعِمَ عنه لكلِّ يومٍ مسكينٌ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
رُوِىَ ذلك عن عائشةَ، وابنِ عباسٍ.
وبه قال مالكٌ، واللَّيْثُ، والَأوْزاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وابنُ عُلَيَّةَ، وأبو عُبَيْدٍ، في الصَّحِيحِ عنهم.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُصامُ عنه.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وروَى ابنُ عباسٍ نحْوَه 2. ولَنا، ما روَى ابنُ ماجه، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
..................................
«مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ» 1. رَواه التِّرْمِذِىُّ، وقال: الصَّحِيحُ عن ابنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ.
وعن عائشةَ أيضًا، قالت: يُطْعَمُ عنه في قَضاءِ رمضانَ، ولا يُصامُ 2. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه سُئِل عن رجلٍ مات وعليه نَذْرٌ يَصُومُ شَهْرًا، وعليه صومُ رمضانَ؟ قال: أمّا رمضانُ فيُطْعَمُ عنه، وأمّا النَّذْرُ فيُصامُ عنه 3. رَواه الأثْرَمُ في السُّنَنِ.
ولأنَّ الصومَ لا تَدْخُلُه النِّيابَةُ حالَ الحَياةِ، فكذلك بعدَ الوَفاةِ، كالصلاةِ.
فأمّا حَدِيثُهم فهو في النَّذْرِ؛ لأنَّه قد جاء مُصَرَّحًا به في بعضِ الألْفاظِ، كذلك رَواه البخارىُّ، عن ابنِ عباسٍ 4، قال:
..................................
قالَتِ امرأةٌ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّى ماتَتْ وعليها صومُ نَذْرٍ، أفأقْضِيه عنها؟ قال: «أرَأيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أكَانَ يُؤَدِّى ذَلِكَ عَنْهَا؟» قالت: نعم.
قال: «فَصُومِى عَنْ أُمِّكِ».
وقالت عائشةُ، وابنُ عباسٍ كقَوْلِنا، وهما راوِيا حَدِيثِهم، فدَلَّ على ما ذَكَرْنا.
فصل: فإن مات المُفَرِّطُ بعدَ أن أدْرَكَه رمضانُ آخَرُ، لم يَجِبْ عليه أكْثَرُ مِن إطْعامِ مِسْكِينٍ لكلِّ يَوْمٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فيما رَواه عنه أبو داودَ، أنَّ رجلاً سَألَه عن امرأةٍ أفْطَرَتْ رمضانَ، ثم أدْرَكَها رمضانُ آخَرُ، ثم ماتَتْ؟ قال: يُطْعَمُ عنها.
قال له السّائِلُ: كم أُطْعِمُ؟ قال: كم أفْطَرَتْ؟ قال: ثَلاثِين يَوْمًا.
قال: اجْمَعْ ثلاثِين مِسْكِينًا، وأطْعِمْهم مَرَّةً واحِدَةً، وأشْبِعْهم.
قال: ما أطْعِمُهم؟ قال: خُبْزًا ولَحْمًا إن قَدَرْتَ مِن أوْسَطِ طَعامِكم.
وذلك لأنَّه بإخْراجِ كَفَّارَةٍ واحِدَةٍ، زال تَفْرِيطُه بالتَّأْخِيرِ، فصار كما لو مات مِن غيرِ تَفْرِيطٍ.
وقال أبو الخَطّابِ: يُطْعَمُ عنه لكلِّ يومٍ مِسْكِينان؛ لأنَّ المَوْتَ بعدَ التَّفْرِيطِ بدُونِ التَّأْخِيرِ عن رمَضانَ آخَرَ يُوجِبُ كَفّارَةً، والتَّأْخِيرُ بدُونِ المَوْتِ يُوجِبُ كَفّارَةً، فإذا اجْتَمَعَا وَجَب كَفَّارَتان، كما لو فَرَّطَ في يَوْمَيْن.
..................................
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في جَوازِ التَّطَوُّعِ بالصومِ مِمَّن عليه صومُ فَرْضٍ؛ فنَقَلَ عنه حَنْبَلٌ، أنَّه لا يَجُوزُ، بل يَبْدَأُ بالفَرْضِ حتى يَقْضِيَه؛ إن كان عليه نَذْرٌ صامَه، يَعْنِى بعد الفَرْضِ.
وروَى حَنْبَلٌ، [عن أحمدَ] 1، بإسْنادِه، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا، وعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَىْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، فَإنَّهُ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ».
ولأنَّه عِبادَةٌ يَدْخُلُ في جُبْرانِها المالُ، فلم يَصِحَّ التَّطَوُّعُ قبلَ أَداءِ فَرْضِها، كالحَجِّ.
ورُوِىَ عنه، أنَّه يَجُوزُ له التَّطَوُّعُ؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بوَقْتٍ مُوَسَّعٍ، فجاز التَّطَوُّعُ في وَقْتِها قبلَ فِعْلِها، كالصلاةِ يُتَطَوَّعُ في وَقْتِها قبلَ فِعْلِها، وعليه يُخَرَّجُ الحَجُّ.
ولأنَّ التَّطَوُّعَ بالحَجِّ يَمْنَعُ فِعْلَ واجِبِه المُتَعَيَّنِ، فأشْبَهَ صومَ التَّطَوُّعِ في رمضانَ، على أنَّ لنا في الحَجِّ مَنْعًا.
والحَدِيثُ يَرْوِيه ابنُ لَهيعَةَ، وهو ضَعِيفٌ، وفى سِياقِه ما هو مَتْرُوكٌ، فإنَّه قال في آخِرِه: «وَمَنْ أدْرَكَهُ رَمَضَانُ، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَىْءٌ، لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ».
ويُخَرَّجُ في التَّطَوُّعِ بالصلاةِ في حَقِّ مَن عليه القَضاءُ مثلُ ما ذَكَرْنا في الصومِ، بل عَدَمُ الصِّحَّةِ في الصلاةِ أوْلَى؛ لأنَّها تَجِبُ على الفَوْرِ، بخِلافِ الصومَ.
..................................
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في كَراهِيَةِ القَضاءِ في عَشْرِ ذى الحِجَّةِ، فرُوِىَ أنَّه لا يُكْرَهُ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كان يَسْتَحِبُّ قَضاءَ رمضانَ في العَشْرِ، ولأنَّه أيَّامُ عِبادَةٍ، فلم يُكْرَهِ القَضاءُ فيه، كعَشْرِ المُحَرَّم.
والثانيةُ، يُكْرَهُ.
رُوِىَ ذلك عن الحَسَنِ، والزُّهْرِىِّ؛ لأنَّه يُرْوَى عَن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كَرِهَه.
ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا مِنْ أيَامٍ العَمَلُ الصّالِحُ فِيهَا أحَبُّ إلَى اللهِ سُبْحَانَهُ مِنْ هَذِهِ الْأيَّامِ».
يَعْنِى أيّامَ العَشْرِ.
قالُوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللهِ؟ قال: «ولا الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، إلَّا رَجُلاً خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَىْءٍ» 1. فاسْتُحِبَّ إخْلاؤُها للتَّطَوُّعِ لينالَ 2 فَضِيلَتَها، ويَجْعَلُ القَضاءَ في غيرِها.
وقالْ بعضُ أصحابِنا: هاتان الرِّوايَتان مَبْنِيَّتان على الرِّوايَتَيْن في إباحَةِ التَّطَوُّعِ قبلَ صومِ الفَرْضِ وتَحْرِيمِه، فمنَ أباحَه كَرِه القَضاءَ فيها؛ لتَوْفِيرِها على التَّطَوُّعِ لينالَ (2) فَضْلَه فيها مع فَضْلِ القَضاءِ،
وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ أوْ حَجٌّ أَوِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ، فَعَلَهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ مَنْذُورَةٌ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ومَن حَرَّمَه لم يَكْرَهْه، بل اسْتَحَبَّ فِعْلَه فيها, لِئَلَّا تَخْلُوَ مِنِ العِبادَةِ بالكُلِّيَّةِ.
قال شَيْخُنا (1): ويَقْوَى عندِى أنَّ هاتَيْن الرِّوايَتَيْن فرْعٌ على إباحَةِ التَّطَوُّعِ قبلَ القَضاءِ، أمّا على رِوايَةِ التَّحْرِيمِ، فيَكُونُ صَوْمُها تَطَوُّعًا قبلَ الفَرْضِ مُحَرَّمًا، وذلك أبْلَغُ مِن الكَراهَةِ.
واللهُ أعلمُ.
1092 -
مسألة: (ومَن مات وعليه صومٌ مَنْذُورٌ أو حَجٌّ أو اعْتِكافٌ، فَعَلَه عنه وَلِيُّه. وإن كانت صلاةً مَنْذُورَةً، فعلى رِوَايَتَيْن)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن مات وعليه صومُ نَذْرٍ، ففَعَلَه عنه وَلِيُّه، أجْزَأ عنه.1
..................................
وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، واللَّيْثِ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال مالكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ عُلَيَّةَ: يُطْعِمُ عنه؛ لِما ذَكَرْنا في صومِ رمضانَ.
ولَنا، الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ التى رَوَيْناها مِن قبلِ هذا، وسُنَّةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحَقُّ بالاتِّباعِ، وفيها غِنًى عن كلِّ قولٍ، والفَرْقُ بينَ النَّذْرِ وغيرِه أنَّ النِّيابَةَ تَدْخُلُ العِبادَةَ بحَسَبِ خِفَّتِها، والنَّذْرُ أخَفُّ حُكْمًا لكَوْنِه لم يَجِبْ بأصْلِ الشَّرْعِ، وإنَّما أَوْجَبَه الناذِرُ على نَفْسِه.
فصل: ولا يَجِبُ على الوَلِىِّ فِعْلُه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - شَبَّهَه بالدَّيْنِ،
.................................. ولا يَجِبُ على الوَلِىِّ قَضاءُ دَيْنِ المَيِّتِ إذا لم يُخَلِّفْ تَرِكَةً، كذلك هذا، لكنْ يُسْتَحَبُّ له أن يَصُومَ عنه لتَفْرِيغِ ذِمَّتِه، وكذلك يُسْتَحَبُّ له قَضاءُ الدَّيْنِ عنه، ولا يَخْتَصُّ ذلك بالوَلِىِّ، بل كلُّ مَن قَضَى 1 عنه وصام عنه
..................................
أجْزَأ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ.
فأمّا الاعْتِكافُ فلا يَجِبُ إلَّا بالنَّذْرِ، فمَن مات وعليه اعْتِكافٌ واجِبٌ، فقَضاه وَلِيُّه، أجْزَأ، قِياسًا على الصومِ، ولأنَّ الكَفّارَةَ تَجِبُ بتَرْكِه في الجُمْلَةِ.
أشْبَهَ الصومَ.
وأمّا الحَجُّ فتَجُوزُ النِّيابَةُ فيه عندَ العَجزِ
.................................. عنه، وأن يَفْعَلَه عنه غيرُه في حالِ الحَياةِ، فبعدَ المَوْتِ أوْلَى، ولا فَرْقَ في الحَجِّ بينَ النَّذْرِ وحَجَّةِ الإِسْلامِ؛ لحديثِ الخَثْعَمِيَّةِ 1 الذى يُذْكَرُ في الحَجِّ، إن شاء اللهُ تعالَى، وغيرِه مِن الأحادِيثِ.
..................................
فصل: وفى الصلاةِ المَنْذُورَةِ رِوايَتان؛ إحداهُما، حُكْمُها حُكْمُ الصومِ فيما ذَكَرْنا قِياسًا عليه.
والثّانِيَةُ، لا يُجْزئُ عنه فِعْلُ الوَلِىِّ؛ لأنَّها عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ لا يَدْخُلُ المالُ في جُبْرانِها بحالٍ، فلا يَصِحُّ قِياسُها على
..................................
الصومِ.
فعلى هذا يُكَفِّرُ عنه كَفّارَةَ يَمِينٍ، لتَرْكِه النَّذْرَ واللهُ تعالى أعلمُ.
وسوف نَذْكُرُه في النَّذْرِ بأبْسَطَ مِن هذا، إن شاء اللهُ تعالى.
بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ
وَأَفْضَلُهُ صِيَامُ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا.
بابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ
1093 -
مسألة: (وأفْضَلُه صِيامُ داودَ، عليه السَّلامُ، كان يَصُومُ يَوْمًا، ويُفْطِرُ يَوْمًا)
لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال له: «صُمْ يَوْمًا، وَأفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ».
فقُلْتُ: إنِّى أُطِيقُ أفْضَلَ مِن ذلك، فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا أفْضَلَ مِنْ ذلِكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1.
وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيضِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَوْمُ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ.
1094 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صِيامُ أيّامِ البِيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ، وصومُ الاثْنَيْنِ والخَمِيسِ)
صِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شَهْرٍ مُسْتَحَبٌّ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، بدَلِيلِ ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أوْصَانِى خَلِيلِى بثَلاثٍ؛ صِيامِ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، ورَكْعَتَىِ الضُّحَى، وأن أُوتِرَ قبلَ أن أنامَ.
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْروٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال له: «صُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، فَإنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ».
مُتَّفَقٌ عليهما 1. ويُسْتَحَبُّ أنْ يَجْعَلَ هذه الثَّلاثَةَ أيّامَ [البِيضِ، وهى] 2 ثلاثَ عَشْرَةَ، وأرْبَعَ عَشْرَةَ، وخَمْسَ عَشْرَةَ؛ لِما روَى أبو ذَرٍّ، قال: قال
..................................
رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةً، فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وأَربَعَ عَشْرَةَ، وخَمْسَ عَشْرَةَ» 1. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
وروَى النَّسائِىُّ 2، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لأعْرابِىٍّ: «كُلْ».
قال: إنِّى صائِمٌ.
قال: «صَوْمُ مَاذا؟».
قال: صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّام مِن الشَّهْرِ.
قال: «إنْ كُنْتَ صَائِمًا فعَلَيْكَ بِالغُرِّ الْبِيضِ، ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَأرْبَعَ عَشْرَةَ، وخَمْسَ عَشْرَةَ».
وعن مِلْحانَ القَيْسِىِّ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُنا أن نَصُومَ البِيضَ؛ ثلاثَ عَشْرَةَ، وأرْبَعَ عَشْرَةَ، وخمْسَ عَشْرَةَ، وقال: «هُوَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ».
أخْرجه أبو داودَ 3. وسُمِّيَتْ أيّامَ البِيضِ لابْيِضاضِ لَيْلِها، والتَّقْدِيرُ: أيّامَ اللَّيالِى البِيضِ.
وذَكَر أبو الحسنِ التَّمِيمِىُّ أنَّ اللهَ سُبْحَانَه تاب على آدمَ فيها، وبَيَّضَ صحِيفَتَه.
ورَوى أسامَةُ ابنُ زَيْدٍ أنَّ نبىَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يَصُومُ يومَ الاثْنَيْنِ والخَمِيسِ، فسُئِلَ عن
وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ، [59 و] وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ.
ذلك، فقالَ: «إنَّ أعْمَالَ النَّاسِ تُعْرَضُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ».
رَواه أبو داودَ (1)، وفى لَفْظٍ: «فَأُحِبُّ أنْ يُعْرَضَ عَمَلِى وَأَنَا صَائِمٌ».
1095 -
مسألة: (ومَن صام رمضانَ، وأتْبَعَه بسِتٍّ مِن شَوّالٍ، فكَأنَّما صام الدَّهْرَ)
صَوْمُ سِتَّةِ أَيّامٍ مِن شَوّالٍ مُسْتَحَبٌّ، عندَ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، رُوِىَ عن كَعْبِ الأحْبارِ 2، والشَّعْبِىِّ، ومَيْمُونِ بنِ مِهْران، والشافِعِىِّ.
وكَرِهَه مالكٌ، وقال: ما رَأَيْتُ أحَدًا مِن أَهْلِ الفِقْهِ يَصُومُها، ولم يَبْلُغْنى ذلك عن أحَدٍ مِن السَّلَفِ، وإنَّ أهْلَ العِلْمِ يَكْرَهُون ذلك، ويخافُون بِدْعَتَه، وأن يُلْحَقَ برمضانَ ما ليس منه.
ولَنا، ما روَى1
..................................
أبو أيُّوبَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ».
رواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 1، وقال: حديثٌ حسنٌ.
قال أحمدُ: هو مِن ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَجْرِى مَجْرَى التَّقْدِيمِ لرمضانَ؛ لأنَّ يَوْمَ العِيدِ فاصِلٌ.
وروَى سعيدٌ بإسْنادِه عن ثَوْبانَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، شَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصَامَ سِتَّةَ أيَّامٍ بَعْدَ الفِطْرِ، وَذَلِكَ تَمَامُ سَنَةٍ» 2. يَعْنِي أنَّ الحَسَنَةَ بعَشْرِ أمْثالِها، فالشَّهْرُ بعَشَرَةٍ، والسِّتَّةُ بسِتِّينَ يَوْمًا.
فذلك سَنَةٌ كامِلَةٌ.
فإن قِيلَ: فالحَدِيثُ لا يَدُلُّ على فَضِيلَتِها؛ لأَنَّه شَبَّهَ صِيامَها بصِيامِ الدَّهْرِ، وهو مَكْرُوهٌ.
قُلْنا: إنَّما كُرِهَ صَوْمُ الدَّهْرِ؛ لِما فيه مِن الضَّعْفِ، والتَّشَبُّهِ بالتَّبَتُّلِ، لولا ذلك لكانَ فَضْلًا عَظِيمًا؛ لاسْتِغْراقِه الزَّمانَ بالعبادَةِ والطَّاعَةِ، والمرادُ بالخَبَرِ التَّشْبِيهُ
..................................
به في حُصولِ العِبادَةِ به على وَجْهٍ لا مَشَقَّةَ فيه، كما قال عليه السَّلامُ: «مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ» 1. مع أنَّ ذلك لا يُكْرَهُ، بل يُسْتَحَبُّ بغيرِ خِلافٍ.
وكذلك نَهَى عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْروٍ عن قِراءَةِ القُرْآنِ في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ.
وقال: «مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَكَأنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» 2. أرادَ التَّشْبِيهَ بثُلُثِ القُرْآنِ في الفَضْلِ، لا
وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ.
وَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ.
في كَراهَةِ الزِّيادَةِ عليه.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ كَوْنِها مُتَتابِعَةً أو مُتَفَرِّقَةً، في أَوَّلِ الشَّهْرِ أو في آخِرِه؛ لأنَّ الحَدِيثَ وَرَد مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقْيِيدٍ، ولأنَّ فَضِيلَتَها لكَوْنِها تَصِيرُ مع الشَّهْرِ عُشْرَ السَّنَةِ، والحَسَنَةُ بعَشْرِ أَمْثالِها، فيكونُ كَأنَّه صام السَّنَةَ كُلَّها، فإِذا وُجِد ذلك في كُلِّ سَنَةٍ صار كصيامِ الدَّهْرِ كُلِّه.
وهذا المَعْنَى يَحْصُلُ مع التَّفْرِيقِ.
واللهُ أَعْلَمُ.
1096 -
مسألة: (وصِيامُ يَوْمِ عاشُوراءَ كَفّارَةُ سَنَةٍ، ويَوْمِ عَرَفَةَ كَفّارَةُ سَنَتَيْن. ولا يُسْتَحَبُّ لمَن كان بعَرَفَةَ)
صِيامُ هذَيْن اليَوْمَيْن مُسْتَحَبٌّ؛ لِما روَى أبو قَتادَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال في صِيامِ عَرَفَةَ: «إنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِى بَعْدَهُ» 1.
..................................
وقال في صِيامِ عاشُوراءَ: «إنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ».
أخْرَجَه مسلمٌ 1.
فصل: يَوْمُ عاشُوراءَ هو اليَوْمُ العاشِرُ مِن المُحَرَّمِ.
هذا قولُ سَعِيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: أمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بصَوْمِ يومِ عاشُوراءَ، العاشِرِ مِن المُحَرَّمِ.
أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ 2. وقال: حسنٌ صحيحٌ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أَنَّه قال: التّاسِعُ.
ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَصُومُ التّاسِعَ.
أخْرَجَه مسلمٌ بمَعْناه 3. وروَى عنه عَطاءٌ، أنَّه قال: صُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ 4. فعلى هذا يُسْتَحَبُّ صومُ التَّاسِعِ والعاشِرِ، نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قولُ إسحاقَ.
قال أحمدُ: فإنِ اشْتَبَهَ عليه أوَّلُ الشَّهْرِ صام ثَلاثَةَ أيَّامٍ.
وإنَّما يَفْعَلُ ذلك ليَحْصُلَ له التّاسِعُ والعاشِرُ يَقِينًا.
فصل: واخْتُلِفَ في صَوْمِ عاشُوراءَ، هل كان واجِبًا؟ فذَهَبَ القاضى إلى أنَّه لم يَكُنْ واجِبًا، وقال: هذا قِياسُ المَذْهَبِ، واسْتَدَلَّ بأمْرَيْن؛
..................................
أحَدُهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، أمَر مَن لم يَأْكُلْ بالصومِ.
والنِّيَّةُ في اللَّيْلِ شَرْطٌ في الواجِبِ.
والثانى، أنَّه لم يأْمُرْ مَن أكَل بالقَضاءِ، ويَشْهَدُ لهذا ما روَى مُعاوِيَةُ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إنَّ هذَا يَوْمُ عاشُوراءَ، لم يَكْتُبِ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيامَهُ، فَمَنْ شاءَ فَلْيَصُمْ، ومَنْ شاءَ فلْيُفْطِرْ» 1. وهو حديثٌ صحَيحٌ.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه كان مَفْرُوضًا؛ لِما رَوَتْ عائِشَةُ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - صامَه، وأَمَر بصِيامِه، فلمّا افْتُرِضَ رمضانُ كان هو الفَرِيضَةَ، وتَرَك عاشُوراءَ، فمَن شاء صامَه، ومَن شاء تَرَكَه 2. حديثٌ صحيحٌ.
وحَدِيثُ مُعاوِيةَ مَحْمُولٌ على أنَّه أرادَ، ليس هو مكْتُوبًا عليكم الآنَ.
وأمَّا تَصْحِيحُه بنِيَّةٍ مِن النَّهارِ، وتَرْكُ الأمْرِ بقَضائِه، فيَحْتَمِلُ أن يَقُولَ: مَن لم يُدْرِكِ اليومَ بكَمالِه لم يَلْزَمْه قَضاؤُه.
كما قُلْنا في مَن أَسْلَمَ وبَلَغ في أثْناءِ يومٍ من رمضانَ.
على أنَّه قد روَى
..................................
أبو داودَ 1، أنَّ أَسْلَمَ 2 أتَتِ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: «صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هذَا؟»، قالُوا: لا.
قال: «فَأتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ».
فصل: فأمَّا يَوْمُ عَرَفَةَ، فهو اليَوْمُ التّاسِعُ مِن ذى الحِجَّةِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
سُمِّىَ بذلك؛ لأنَّ الوُقُوفَ بعَرَفَةَ فيه.
وقيل: سُمِّىَ بذلك؛ لأنَّ إبراهيمَ عليه السَّلامُ أُرِىَ في المَنامِ لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ أَنَّه يُؤْمَرُ بذَبْحِ ابْنِه، فأصْبَحَ يَوْمَه يَتَرَوَّى، هل هذا مِن اللهِ أو حُلْمٌ.
فسُمِّىَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فلمّا كانتِ اللَّيْلَةُ الثانيةُ رَآه أيضًا، فأصْبَحَ فعَرَفَ أنَّه مِن اللهِ، فسُمِّىَ يومَ عَرَفَةَ.
وهو يومٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ، وفَضْلُه كَبِيرٌ.
فصل: ولا يُسْتَحَبُّ لمَن كان بعَرَفَةَ أن يَصُومَه؛ ليَتَقَوَّى على الدُّعاءِ عندَ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ، وكانت عائشةُ وابنُ الزُّبَيْرِ يَصُومانِه، وقال قَتادَةُ: لا بَأْسَ به إذا لم يَضْعُفْ عن الدُّعاءِ، وقال عَطاءٌ: أصُومُ في الشتاءِ، ولا أصُومُ في الصَّيْفِ؛ لأنَّ كَراهَةَ صومِه إنَّما هى مُعَلَّلَةٌ بالضَّعْفِ عن الدُّعاءِ، فإذا قَوِىَ عليه، أو كان في الشتاءِ لم يَضْعُفْ، فتَزُولُ الكَراهَةُ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن أمِّ الفَضْلِ بنتِ الحارِثِ، أنَّ ناسًا تَمارَوْا بينَ يَدَيْها يومَ عَرَفَةَ في رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ بَعْضُهم: صائِمٌ.
وقال بَعْضُهم: ليس بصائِمٍ.
فأرْسَلَتْ إليه بقَدَحٍ مِن لَبَنٍ، وهو واقِفٌ على بَعِيرِه بعَرَفَاتٍ،
..................................
فشَرِبَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -. مُتَّفَقٌ عليه 1. وقال ابنُ عُمَرَ: حَجَجْتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فلم يَصُمْه - يَعْنى يومَ عَرَفَةَ - ومع أبي بكرٍ فلم يَصُمْه، ومع عُمَرَ فلم يَصُمْه، ومع عثمانَ فلم يَصُمْه، وأنا لا أصُومُه، ولا آمُرُ به، ولا أنْهَى عنه 2. قال التِّرْمِذِىُّ: حديثٌ حسنٌ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن صِيامِ يَوْمِ عَرَفَةَ بعَرَفَةَ.
رَواه أبو داودَ 3. لأنَّ الصومَ يُضْعِفُه، ويَمْنَعُه مِن الدُّعاءِ في هذا اليومِ المُعَظَّمِ، الذي يُسْتَجابُ فيه الدُّعاءُ،
وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ عَشْرِ ذِى الْحِجَّةِ، في ذلك المَوْقِفِ الشَّرِيفِ، الذي يُقْصَدُ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، رَجاءَ فَضْلِ اللهِ فيه، وإجابَةِ دُعائِه، فكانَ تَرْكُه أفْضَلَ.
1097 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ صِيامُ عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ)
أيّامُ عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ كُلُّها شَرِيفَةٌ مُفَضَّلَةٌ، يُضاعَفُ العَمَلُ الصّالِحُ فيها، ويُسْتَحَبُّ صومُها، والاجْتِهادُ في العِبادَةِ فيها؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ما مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فيهِنَّ أحَبُّ إلَى اللهِ مِن هذهِ الأيَّامِ».
يَعنِي أيّامَ العَشْرِ.
قالُوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجِهادُ في سبيلِ اللهِ؟ قال: «ولا الجهادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إلَّا رجلاً خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَىْءٍ» 1. حدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ