الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 253-285

وَإنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَجَبَ لَهَا مَهْرُهَا، وَلَمْ يَرْجِع بِهِ عَلَى  الآخَرِ، فلم يَجِبْ له بَدَلُ ما أخَذَ بَدَلَه مَرَّةً أُخْرَى.
ولأنَّ خُرُوجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ لا قِيمَةَ له، وإنَّما ضَمِنَتِ المُرضِعةُ ههُنا لمَّا ألْزَمَتِ الزَّوْجَ ما كان مُعَرَّضًا للسُّقُوطِ بسَبَبٍ يُوجَدُ مِن الزَّوْجَةِ، [فلم يَرْجِعْ ها هنا بأكثرَ ممَّا ألْزَمَتْه] (1). فصل: والواجبُ نِصْفُ المُسَمَّى، لا نِصْفُ مَهْرِ المِثلِ؛ لأنَّه إنَّما يَرْجِعُ بما غَرِمَ، والذي غَرِمَ نِصْفُ ما فَرَضَ لها، فرَجَعَ به.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: يَرْجِعُ بنِصْفِ مَهْرِ المِثلِ؛ لأنه ضَمانُ مُتْلَفٍ، فكان الاعْتِبارُ بقِيمَتِه، دون ما مَلَكَه به، كسائرِ الأعْيانِ.
ولَنا، أنَّ خُرُوجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ لا قِيمَةَ له، بدليلِ ما لو قَتَلَتْ نَفْسَها، أو ارْتَدَّتْ، أو أرْضَعَتْ مَن يَنْفَسِخُ نِكاحُها بإرْضاعِه، فإنَّها لا تَغْرَمُ له (2) شيئًا، وإنَّما الرُّجُوعُ ها هنا بما غَرِمَ، فلا يَرْجِعُ بغيرِه، ولأنَّه لو رَجَعَ بقِيمَةِ المُتْلَفِ، لرَجَعَ بمَهْرِ المِثْلِ كلِّه، ولم يَخْتَصَّ بالنِّصْفِ، ولأنَّ شُهودَ الطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ إذا رَجَعُوا، لَزِمَهُم نِصْفُ المسَمَّى، كذلك ها هنا.

3930 -

مسألة: وإن أفْسَدَتْ نِكاحَ نَفْسِهَا بعدَ الدُّخُولِ،

لَمْ12

أَحَدٍ.
وَذكرَ القاضِي أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ أَيضًا.
وَرَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ.
يَسْقُطْ مَهْرُها، ويَجبُ على زَوْجها.
وإن أفْسَدَه غيرُه، وَجَبَ مَهْرُها (ولم يَرْجِعْ به على أَحدٍ) ونَصَّ أحمدُ على أنَّه يَرْجِعُ بالمَهْرِ كله.
قاله القاضي.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المرأةَ تَسْتَحِقُّ المَهْرَ كلَّه على زَوْجِها، فيَرْجِعُ بما لَزِمَه، كنِصْف المَهْرِ في غيرِ المَدْخُول بها.
قال شيخُنا 1: والصَّحيحُ إن شاءُ اللهُ تعالى، أنَّه لا يَرْجِعُ على مَن أَفْسَدَه بعدَ الدُّخولِ بشيءٍ؛ لأنَّه لم يُقَرِّرْ على الزَّوْجِ شيئًا، ولم يُلزِمْه إيَّاه، فلم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ، كما لو أفْسَدَتِ المرأةُ نِكاحَ نَفْسِها, ولأنَّه لو مَلَكَ الرُّجوعَ بالصَّداقِ بعدَ الدُّخولِ، لسَقَطَ إذا كانتِ المرأةُ هي المُفْسِدَةَ للنِّكاحَ، كما قبلَ الدُّخولِ، ولأنَّ خُروجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوْجِ غيرُ مُتَقَوَّمٍ، على ما ذَكَرْناه فيما مَضَى، [ولذلك] 2 لا يجبُ مَهْرُ المِثْلِ، وإنَّما رَجَعَ الزَّوْجُ بنِصْفِ المُسَمَّى قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّها قَرَّرَتْه عليه، ولذلك 3 يسْقُطُ إذا كانت هي المُفْسِدَةَ لنِكاحِها قبلَ الدُّخولِ، ولم يُوجَدْ ذلك

وَلَوْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا، لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا، بِغَيرِ خِلَافٍ في الْمَذْهَبِ.
ههُنا.
وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعيِّ.
ولأنَّه لو رَجَعَ بالمَهْرِ بعدَ الدُّخولِ، لم يَخْلُ إمَّا أن يكونَ رُجُوعُه ببَدَلِ البُضْعِ الذي فَوَّتَتْه، أو بالمَهْرِ الذي أدَّاه، لا يجوزُ أن يكونَ ببَدَلِ البُضْعِ؛ لأنَّه لو وَجَبَ بَدَلُه، لوَجَبَ له على الزَّوْجَةِ إذا فاتَ بفِعْلِها أو بقَتْلِها, ولَكان الواجبُ لها مَهْرَ مِثْلِها، ولا يجوزُ أن يَجِبَ لها بَدَلُ ما أدَّاه إليها لذلك، ولأنَّها ما أوْجَبَتْه، ولا لها أثَرٌ في إيجابِه ولا تَقْرِيرِه.

3931 -

مسألة: (وإن أفْسَدَتْ نِكاحَ نَفْسِها)

بعدَ الدُّخُولِ (لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُها) قال شيخُنا 1: لا نَعْلَمُ بينهم خِلافًا في ذلك، وأنَّ الزَّوْجَ لا يَرْجِعُ عليها بشيءٍ إذا كان أدَّاه إليها, ولا في أنَّها إذا أفْسَدَتْه قبلَ الدُّخولِ أنَّه يَسْقُطُ، وأنَّه يَرْجِعُ عليها بما أعْطَاها.

فَإِذَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ الْكُبْرَى الصُّغْرَى، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا، فَعَلَيهِ نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكُبْرَى، وَلَا مَهْرَ لِلْكُبْرَى إنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا.
وإن كَانَ دَخَلَ بِهَا، فَعَلَيهِ صَدَاقُهَا، وَإنْ كَانَتِ الصُّغْرَى هِيَ الَّتِي دَبَّتْ إِلَى الْكُبْرَى وَهِيَ نَائِمَةٌ،

3932 - مسألة: (فإذا أرْضَعَتِ امْرَأتُه الكُبْرَى الصُّغْرَى، فَانْفَسَخَ نِكاحُهما، فعليه نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى، يَرْجِعُ به على الكُبْرى، ولا مَهْرَ للكبرَى إن كان قبلَ الدُّخولِ)

لأنَّها أفْسَدَت نِكاحَ نَفْسِها.
وقد ذكَرْنا وَجْهَ ذلك إن كان [المُفْسِدُ غَيرَها] (1). 3933 -

مسألة: فلو دَبَّتِ الصُّغْرَى إلى الكُبْرَى وهي نائِمَةٌ،

1

فَارْتَضَعَتْ مِنْهَا، فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَيَرْجِعُ عَلَيهَا بِنِصْفِ مَهْرِ الْكُبْرَى إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، أَوْ بِجَمِيعِهِ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي.
وَعَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ، لَا يَرْجِعُ بَعْدَ الدُّخولِ بِشَيْءٍ.
فارْتَضَعَتْ مِنها خَمْسَ رَضَعاتٍ، انْفَسَخَ نِكاحُ الكُبْرى، وحَرُمَتْ على التّأْبِيدِ، فإن كان دَخَلَ بالكَبِيرَةِ، حَرُمَتِ الصَّغِيرَةُ، وانْفَسَخَ نِكاحُها، ولَا مَهْرَ لِلصَّغِيرَةِ؛ لأنَّها فَسَخَتْ نِكاحَ نَفسِها، وعليه مَهْرُ الكَبِيرةِ، يرْجعُ به على الصَّغيرةِ عندَ أصْحابِنا، ولا يرْجِعُ به على ما اخْتَرْناه.
وإن لم يَكن دَخلَ بالكَبيرةِ، فعلَيه نِصْفُ صَداقِها، يَرْجِعُ به في مالِ الصَّغيرةِ؛ لأنَّها فسَخَتْ نِكاحَها 1. وإنِ ارْتَضَعَتِ الصَّغيرةُ منها رَضْعَتَين وهي نائمةٌ، ثم انْتَبَهَتِ الكبيرةُ، فأتَمَّتْ لها ثلاثَ رَضَعاتٍ، فقد حَصَلَ الفسادُ بفِعْلِهما، فيَتَقَسّطُ 2 الواجبُ عليهما، وعليه مَهْرُ الكبيرةِ، وثلاثةُ أعْشارِ مَهْرِ الصغيرةِ، ويَرْجِعُ به على الكبيرةِ.
وإن لِم يكنْ دَخَلَ بالكبيرةِ، فعليه خُمْسُ مَهْرِها، يَرْجِعُ به على الصغيرةِ.
وهل يَنْفسِخُ نِكاحُ الصغيرةِ؟ على رِوايتَين.

..................................  فصل: وإن أرْضَعَتْ بنتُ الكبيرةِ الصغيرةَ، فالحكمُ في التَّحْريم والفَسْخِ حُكْمُ ما لو أرْضَعَتْها الكبيرةُ؛ لأنَّها صارتْ جَدَّتَها، والرُّجوعُ بالصَّداقِ على المُرْضِعَةِ التي أفْسَدَتِ النِّكَاحَ.
وإن أرْضَعَتْها أُمُّ الكبيرةِ، انْفَسَخَ نِكاحُهما معًا، لأنَّهما صارَتا أُخْتَين.
فإن كان 1 لم يَدْخُلْ بالكبيرةِ، فله أن يَنْكِحَ مَن شاءَ منهما، ويَرْجِعُ على المُرْضِعةِ بنِصْفِ صَداقِها.
وإن كان دَخَلَ بالكبيرةِ، فله نِكاحُها؛ لأنَّ الصَّغيرةَ لا عِدَّةَ عليها، [وليس له نِكاحُ الصَّغيرةِ حتَّى] 2 تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الكبيرةِ؛ لأنَّها قد صارتْ أُخْتَها، فلا يَنْكِحُها في عِدَّتِها.
وكذلك الحكمُ إن أرْضَعَتْها جَدَّةُ الكبيرةِ؛ لأنَّها تَصِيرُ 3 عَمَّةَ الكَبيرةِ أو خالتها، والجمعُ بينَهما مُحَرَّم.
وكذلك إن أرْضَعَتْها أُخْتَها أو زَوْجَةُ أخِيها بِلَبَنِه؛ لأنَّها صارتْ بِنتَ أُخْتَ الكبيرةِ، أو بنتَ أخِيه.
وكذلك إن أرْضَعَتْها بنتُ 4 أُخْتَها أو بنت أخِيها 5، ولا يَحْرُمُ في شيءٍ مِن هذا واحدةٌ منهنَّ على التَّأْبِيدِ؛ لأنَّه تَحْريمُ جَمْعٍ، إلَّا إذا أرْضَعَتْها بنتُ الكبيرةِ وقد دَخَلَ بأُمِّها.

وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُ أُمَّهَاتِ أوْلَادٍ، لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ، فَأَرضَعْنَ امْرَأةً لَهُ صُغْرَى.
كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً، حَرُمَتْ عَلَيهِ، في أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَلَمْ تَحْرُمْ أُمَّهَاتُ الأوْلَادِ.

3934 - مسألة: (وإذا كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُ أُمَّهَاتِ أوْلَادٍ، لَهُنَّ مِنْهُ لَبَنٌ، فَأَرضَعْنَ امْرَأةً لَهُ صُغْرَى. كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً، حَرُمَتْ عَلَيهِ، في أحَدِ الْوَجْهَينِ)

لأنَّها ارْتَضَعَتْ مِن لَبَنِه خَمْسَ رَضَعاتٍ، فكَمَلَ رَضاعُها مِن لَبَنِه، فصارَ أبًا لها، كما لو أرْضَعَتْها واحدة منهنَّ.
والوَجْهُ الثانِي، لا يَصِيرُ أبًا لها؛ لأنَّه رَضاعٌ لم تَثْبُتْ به الأُمُومَةُ، فلم تَثْبُتْ به الأُبُوَّةُ، كلَبَنِ البَهِيمةِ (ولا تَحْرُمُ أُمَّهَاتُ الأوْلادِ) لأنَّه لم يُثْبِتْ لهنَّ أُمُومَةً.

..................................  فصل: فإن أرْضَعْنَ طِفْلًا كذلك، لم يَصِرْنَ أُمَّهاتٍ له، وصار المَوْلَى أبًا له.
وهذا قولُ ابنِ حامدٍ؛ لأنَّه ارْتَضَعَ مِن لَبَنِه خَمْسَ رَضَعاتٍ.
وفيه وَجْه آخَرُ، لا تَثْبُتُ الأبُوَّةُ؛ لأنَّه رَضاعٌ لم يُثْبِتِ الأُمُومةَ، فلم يُثْبِتُ الأُبُوَّةَ، كالارْتِضاعِ بِلبَنِ الرَّجُلِ.
والأوَّلُ أصَحُّ، لأنَّ الأُبُوَّةَ إنَّما تَثْبُتُ لكَوْنِه رَضَعَ مِن لَبَنِه، لا لكُونِ المُرضِعَةِ أمًّا له.
ولأصْحابِ الشَّافعيِّ وَجْهان كهذَين.
وإذا قُلْنا بثُبُوتِ الأُبُوَّةِ، حَرُمَت عليه المُرْضِعاتُ؛ لأنَّه رَبِيبُهُنَّ، وهُنَّ مَوْطُوءاتُ أبِيه.
فصل: وإن كان لرَجُلٍ خَمْسُ بناتٍ، فأرْضَعْنَ طِفْلًا، كلُّ واحدةٍ رَضْعةً، لم يَصِرْنَ أُمَّهاتٍ له.
وهل يَصِيرُ الرَّجُل جَدًّا له، وأوْلادُه أخْوالًا له وخالاتٍ؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَصِيرُ جَدًّا، وأخُوهُنَّ خَالًا، لأنَّه قد كَمَلَ للمُرْتَضِعِ خَمْسُ رَضَعاتٍ مِن لَبَنٍ بَناتِه، فأشْبَهَ ما لو كان مِن واحدةٍ.
والآخَرُ، لا يَثْبُتُ ذلك؛ لأنَّ كَوْنه جَدًّا فَرْعُ كَوْنِ ابْنَتِه أُمًّا، وكَوْنَه خالًا فَرْعُ كَوْنِ أُخْتِه امًّا، ولم يَثْبُتْ، فلا يَثْبُتُ ذلك الفرْعُ.
وهذا الوَجْهُ يتَرَجَّحُ في هذه المَسْأَلةِ؛ لأنَّ الفَرْعِيَّةَ مُتَحَقِّقَة، بخِلافِ التي قبلَها.
فإن قُلْنا: يَصِيرُ أَخُوهُنَّ خَالًا.
لم تَثْبُتِ الخُئُولَةُ في حَقِّ واحدةٍ منهنَّ؛ لأنَّه لم يَرْتَضِعْ مِن لَبَنِ أخَواتِها خَمْسَ رَضَعاتٍ، ولكنْ يَحْتَمِلُ التَّحريمُ؛ لأنَّه قد اجْتَمَعَ مِن اللبنِ 1 المُحَرِّمِ خَمْسُ رَضَعاتٍ.
ولو كَمَلَ للطِّفْلِ

وَلَوْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ، فَأَرْضَعْنَ امْرَأَةً لَهُ صُغْرَى، كُلُّ وَاحِدَةٍ رَضْعَتَينِ، لَمْ تَحْرُمِ الْمُرْضِعَاتُ.
وَهَلْ تَحْرُمُ  خَمْسُ رَضَعاتٍ مِن أُمِّه وأُخْتِه [وابْنَتِه وزَوْجَتِه] (1) وزَوْجَةِ أبِيه، مِن كلِّ واحدةٍ رَضْعَةٌ، خُرِّجَ على الوَجْهَين.
فصل: إذا كان لامرأةٍ لَبَنٌ مِن زَوْجٍ، فأرْضَعَتْ به طِفْلًا ثلاثَ رَضَعاتٍ، وانْقَطَعَ لَبَنُها، فتَزَوَّجَتْ آخَرَ، فصارَ لها منه لَبَنٌ، فأرْضَعَتْ منه الصَّبِيَّ رَضْعَتَين، صارَتْ أُمًّا له، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه عندَ القائِلين بأنَّ الخَمْسَ مُحَرماتٌ، ولم يَصِرْ واحِدٌ مِن الزَّوْجَين أبًا له؛ لأنَّه لم يَكْمُلْ عَدَدُ الرَّضاعِ مِن لَبَنِه، ويَحْرُمُ على الرَّجُلَين؛ لكَوْنِه رَبِيبَهما، لا لكَوْنِه وَلَدَهما.

3935 -

مسألة: (وَلَوْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ، فَأَرْضَعْنَ امْرَأَةً لَهُ صُغْرَى، كُلُّ وَاحِدَةٍ رَضْعَتَينِ، لَمْ تَحْرُمِ الْمُرْضِعَاتُ)

لأنَّه لم يَكْمُلْ عَدَدُ الرَّضَعاتِ لكلِّ واحدةٍ منهنَّ (وهل تَحْرُمُ الصُّغْرَى؟1

الصُّغْرَى؟ عَلَى وَجْهَينِ؛ أَصَحُّهُمَا، تَحْرُمُ عَلَيهِ، وَعَلَيهِ نِصْفُ مَهْرِهَا، يَرْجِعُ بِهِ عَلَيهِنَّ عَلَى قَدْرِ رَضَاعِهِنَّ، يُقْسَمُ بَينَهُنَّ أخْمَاسًا.
على وَجْهَين؛ أصَحُّهما، تَحْرُمُ) لأنَّها ارْتَضَعَتْ مِن لَبَنِه خَمْسَ رَضَعاتٍ (وعليه نِصْفُ مَهْرِها، يَرْجِعُ به عليهنَّ على قَدْرِ رَضاعِهِنَّ، يُقْسَمُ بَينَهنَّ أخْماسًا) [لأنَّ الرَّضَعاتِ الخمسَ مُحَرِّمَةٌ، وقد وُجِدَ مِن الأُولَى رَضْعتان، ومِن الثانيةِ رَضْعتان، والخامسةُ وُجِدَتْ مِن الثالثةِ، فيَجِبُ على الأُولَى خُمْسُ مَهْرِها] 1، وعلى الثانيةِ خُمْسٌ، وعلى الثالثةِ عُشْرٌ.

فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ امْرَأَةٍ لَهُنَّ لَبَنٌ، فَأَرْضَعْنَ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ لَهُ صِغَارًا، حَرُمَتِ الْكُبْرَى، وَإنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، حَرُمَ الصِّغَارُ أَيضًا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ مَنْ كَمَلَ رَضَاعُهَا أَوْلًا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

3936 - مسألة: (فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ امْرَأَةٍ لَهُنَّ لَبَنٌ، فَأَرْضَعْنَ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ لَهُ صِغَارًا، حَرُمَتِ الْكُبْيرَةُ)

لأَنَّها من جدَّاتِ النِّساءِ، وجَدَّةُ الزَّوْجَةِ مُحَرَّمَةٌ، ولم يَنْفَسِخْ نِكاحُ الصِّغارِ؛ لأنَّهُنَّ لَسْنَ أخَواتٍ، وإنَّما هُنَّ بَناتُ خَالاتٍ، ولَبَنُ الرَّبِيبَةِ لا يُحَرِّمُ إلَّا بالدُّخولِ بالأُمِّ (وإن كان دَخَلَ بالأُمِّ، حَرُمَ الصِّغارُ أيضًا) لأنَّهُنَّ رَبائِبُ 1 مَدْخُولٌ بأُمِّهِنَّ (وإن لم يكنْ دَخَلَ بها، فهل يَنْفَسِخُ نِكاحُ مَن كَمَلَ رَضاعُها أو لا؟ على رِوايتَين) بِناءً على ما إذا أرْضَعَتْ زوْجَتُه الكُبرى زوْجَتَه

وَإنْ أرْضَعْنَ وَاحِدَةً، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَتَينِ، فَهَلْ تَحْرُمُ الْكُبْرَى بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
الصُّغْرَى، فإنَّ الكُبْرى تَحْرُمُ.
وهل يَنْفَسِخُ نِكاحُ الصُّغْرَى؟ على رِوايتَين، ذكَرْنا تَوْجِيهَهما فيما مَضَى.

3937 -

مسألة: (وإن أَرْضَعْنَ واحِدَةً، كلُّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَتَين، فهَل تَحْرُمُ الكُبْرَى بذلك؟ على وَجْهَين)

أحَدُهما، تَحْرُمُ؛ لأنَّها صارتْ جَدَّةً بكَوْنِ الصَّغيرةِ قد كَمَلَ لها خَمْسُ رَضَعاتٍ مِن لَبَن بَناتِها.
والثاني، لا تَصِيرُ جدَّةً، ولا يَنْفَسِخُ نِكاحُها؛ لأنَّ كَوْنَها جَدَّةً فَرْع على كَوْنِ ابْنَتِها أُمًّا، ولم تَثْبُتِ الأُمُومَةُ، فما هو فَرْعٌ عليها أَوْلَى أن لا يَثْبُتَ.
وهذا الوَجْهُ 1 أَوْلَى.
واللهُ أعلمُ.
فصل: إذا تزَوَّجَ كبيرةً، ثم طَلَّقَها، فأرْضَعَتْ صغيرةً بلَبَنِه، صارتْ بِنْتًا له، وإن أرْضَعَتْها بلَبَنِ غيره صارتْ رَبِيبَتَه، فإن كان قد دَخَلَ بالكبيرةِ، حَرُمَتِ الصغيرةُ على التَّأْبِيدِ، وإن كان لم يَدْخُلْ بها، لم تَحْرُمْ؛

..................................  لأنَّها رَبِيبَةٌ لم يَدْخُلْ بأُمِّها.
وإن تزَوَّجَ صغيرةً، ثم طَلَّقَها، فأرْضَعَتْها 1 امرأةٌ له، حَرُمَتِ المُرْضِعةُ على التَّأْبِيدِ؛ لأنَّها مِن أُمَّهاتِ نِسائِه.
وإن تزَوَّجَ كبيرةً وصغيرةً، ثم طَلَّقَ الصغيرةَ، فأرْضَعَتْها الكبيرةُ، حَرُمَتِ الكبيرةُ، وانْفَسَخَ نِكاحُها، فإن كان 2 لم يَدْخُلْ بها، فلا مَهْرَ لها، وله نِكاحُ الصغيرةِ، وإن كان دَخَلَ بها، فلها مَهْرُها، وتَحْرُمُ هي والصَّغيرةُ على التَّأْبِيدِ، وإن طَلَّقَ الكبيرةَ وحدَها قبلَ الرَّضاعِ، فأرْضَعَتِ الصغيرةَ ولم يكنْ دَخَلَ بالكبيرةِ، ثَبَتَ نِكاجُ الصَّغيرةِ، وإن كان دَخَلَ بها، حَرُمَتِ الصغيرةُ، وانْفَسَخَ نِكاحُها، ويَرْجعُ على الكبيرةِ بنِصْفِ صَداقِها.
وإن طَلقَهُما جميعًا، فالحُكمُ في التَّحْريمِ على ما مَضَى.
فصل: ولو تزَوَّجَ رَجُلٌ كبيرةً، وآخَرُ صغيرةً، ثم طَلَّقاهما، ونَكَحَ [كل واحدٍ] 3 منهما زَوْجَةَ الآخَرِ، ثم أرْضَعَتِ الكبيرةُ 4 الصغيرةَ، حَرُمَتِ الكبيرةُ عليهما، وانْفَسَخَ نِكاحُها، وإن كان زَوْجُ الصَّغيرةِ دَخَلَ بالكبيرةِ، حَرُمَتْ عليه، وانْفَسَخَ نِكاحُها، وإلَّا فلا.

فَصْلٌ: إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَلَهَا مِنْهُ لَبَنٌ، فَتَزَوَّجَتْ بِصَبِيٍّ، فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا مِنْهُ، وَحَرُمَتْ عَلَيهِ، وَعَلَى الأوَّلِ أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا صَارَت مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ، وَلوْ تزَوَّجَتِ الصَّبِيَّ أَوَّلًا، ثُمَّ فَسَخَتْ نِكَاحَهُ لِعَيبٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ كَبِيرًا، فَصَارَ لَهَا مِنْهُ لَبَنٌ، فَأَرضَعَتْ بِهِ الصَّبِيَّ، حَرُمَتْ عَلَيهِمَا عَلَى الأَبَدِ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَهُ اللهُ: (إذا طَلَّقَ امرأتَه، ولها منه لَبَنٌ، فتَزَوَّجَتْ بصَبِيٍّ، فأرْضَعَتْه بلَبَنِه، انْفَسَخَ نِكاحُها منه) لأنَّها صارتْ أمَّه مِن الرَّضاعِ (وحَرُمَتْ عليه) لأنَّها صارتْ أُمَّه مِن الرَّضاعِ، وإن تزَوَّجَتْ بآخرَ، ودَخَلَ بها ثم مات عنها، لم يَجُزْ أن يتَزَوَّجَها الأوَّل (لأنَّها صارت مِن حَلائلِ الأبْناءِ) لمَّا أرْضَعَتِ الصَّبِيَّ الَّذي تزَوَّجَت به.

3938 -

مسألة: (ولو تَزَوَّجَتِ الصَّبِيَّ أوَّلًا، ثم فَسَخَتْ نِكاحَه لِعَيب، ثم تَزَوَّجَتْ كَبِيرًا، فصار لها منه لَبَنٌ، فأرْضَعَتْ به الصَّبِيَّ، حَرُمَتْ عليهما علي الأبَدِ)

على الزَّوْج الثَّانِي؛ لأنَّها صَارَتْ مِن حَلائلِ أَبْنَائِه، وعلى الصَّبِيِّ؛ لأنَّها صارَتْ أُمَّه.

..................................  فصلِ: ولو زَوَّجَ رَجُلٌ أُمَّ ولَدِه أو أمَتَه بِصَبِيٍّ مَمْلوكٍ، فأرْضَعَتْه بلَبَنِ سَيِّدِها خمْسَ رَضَعاتٍ، انْفَسَخَ نِكاحُه، وحَرُمَتْ على سَيِّدِها على التَّأْبيدِ، لأنَّها صارتْ مِن حلائِلِ أَبْنَائِه، فإن كان الصَّبِيُّ حُرًّا، لم يُتَصَوَّرْ هذا الفَرْعُ عندَنا، لأنَّه لا يَصِحُّ نِكاحُه، لأنَّ مِن شَرْطِ نِكاحِ الحُرِّ للأمَةِ خَوْفَ العَنَتِ، ولا يُوجَدُ ذلك في الطِّفْلِ، فإن تزَوَّجَ بها كان النِّكاحُ فاسِدًا، وإن أرْضَعَتْه لم تَحْرُمْ على سَيِّدِها، لأنَّه ليس بزَوْجٍ في الحَقِيقةِ.
فصل: فإن أفْسَدَ النِّكاحٍ جماعةٌ، تَقَسَّطَ 1 المَهْرُ عليهمْ، فلو جاء خَمْسٌ، فسَقَينَ زَوْجَةً صغيرةً مِن لَبَنِ أُمِّ الزَّوْجِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، انْفَسَخَ نِكاحُها، ولَزِمَهُنَّ نِصْفُ مَهْرِها بَينَهُنَّ.
فإن سَقَتْها واحدَةٌ شَرْبَتَين 2،

..................................  وأُخرَى ثَلاثًا، فعلى الأُولَى الخُمْسُ، وعلى الثانيةِ خُمْسٌ وعُشْرٌ.
وإن سَقَتها 1 واحدَةٌ شَرْبَتَين، وسَقاها ثلاثٌ ثَلاثَ شَرَباتٍ، فعلى الأُولَى الخُمْسُ 2، وعلى كلِّ واحدةٍ مِن الثَّلاثِ عُشْرٌ.
وإن كان له ثَلاث نِسْوَةٍ كِبار، وواحدةٌ صغيرةٌ، فأرْضَعَتْ كلُّ واحدةٍ مِن الثَّلاثِ الصَّغيرةَ أرْبَعَ رَضَعاتٍ، ثم حَلَبْنَ في إناءٍ، وسَقَينَه الصَّغيرةَ، حَرُمَ الكِبارُ، وانْفَسَخَ نِكاحُهُنَّ، فإن لم يكنْ دَخَلَ بهِنَّ، فنِكاحُ الصَّغيرةِ ثابت، على إحْدَى الرِّوايتَين، وعليه لكلِّ واحدةٍ منهنَّ ثُلُثُ صَداقِها، يَرْجِعُ 3 به على ضَرَّتَيها؛ لأنَّ فسادَ نِكاحِها حَصَلَ بفِعْلِها وفِعْلِهِما، فسَقَطَ ما قابَلَ فِعْلَها، وهو سُدْسُ الصَّداقِ، وبَقِيَ عليه الثُّلُثُ، فرَجَعَ به على ضَرَّتَيها، فإن كان صَداقُهُنَّ مُتَسَاويًا، سَقَطَ، ولم يجبْ شيءٌ؛ لأنَّه يَتقاصُّ ما لَها على الزَّوْجِ بما يَرجِعُ به عليها، إذ لا فائِدَةَ في أن يَجِبَ لها عليه ما يَرْجِعُ به عليها، وإن كان مُخْتَلِفًا، وهو مِن جِنْس واحدٍ، تَقاصَّ منه بقَدْرِ أقَلِّهما 4، ووَجَبَتِ الفَضْلَةُ لصاحِبِها، وإن كان مِن أجْناسٍ، ثَبَتَ التَّراجُعُ، على ما ذكَرْنا، وإن كان قد دَخَلَ بإحْدَى الكِبارِ، حَرُمَتِ الصَّغيرةُ أيضًا، وانْفَسَخَ نِكاحُها، ووَجَبَ لها نِصْفُ صَداقِها، يَرْجِعُ (3) به عليهنَّ أثْلاثًا،

..................................  وللتي دَخَلَ بها المَهْرُ كامِلًا، وفي الرُّجُوعِ به مما أسْلَفْناه مِن الخِلافِ.
وإن حَلَبْنَ في إناءٍ، فسَقَتْه إحْداهُنَّ الصغيرةَ خَمْسَ مَرَّاتٍ، كان صَداقُ ضَرَّاتِها يَرْجِعُ به عليها، إن كان قبلَ الدُّخُولِ بهِنَّ؛ لأنَّها أفْسَدَتْ نِكاحَهُنَّ، ويسْقُطُ مَهْرُها إن لم يكنْ دَخَلَ بها، وإن كان دَخَلَ بها، فلها مَهْرُها، لا يَرْجِعُ به على أحدٍ.
وإن كانت كلُّ واحدةٍ مِن الكِبارِ أرْضَعَتِ الصغيرةَ خَمْسَ رَضَعاتٍ، حَرُمَ الثَّلاثُ، فإن كان لم يَدْخُلْ بهنَّ، فلا مَهْرَ لهنَّ عليه، وإن كان دَخَلَ بهنَّ، فعليه لكلِّ واحدةٍ مَهْرُها، لا يَرْجِعُ به على أحدٍ، وتَحْرُمُ الصَّغيرةُ، ويَرْجِعُ بما لَزِمَه مِن صَداقِها على المُرْضِعَةِ الأُولَى؛ لأنَّها التي حَرَّمَتْها عليه، وفسَخَتْ نِكاحَها.
ولو أرْضَعَ الثَّلاثُ الصغيرةَ بلَبَنِ الزَّوْجِ، فأرْضَعَتْها كلُّ واحدةٍ رَضْعَتَين، صارتْ بِنْتًا لزَوْجِها، في الصَّحيحِ، ويَنْفَسِخُ نِكاحُها، ويَرْجِعُ 1 بنِصْفِ صَداقِها عليهنَّ؛ على المُرْضِعَتَين الأُولَيَين أرْبعَةُ أخْماسِه، وعلى الثالثةِ خُمْسُه؛ لأنَّ رَضعَتَها الأُولَى هي التي حَصَلَ بها التَّحْريمُ، والثاني لا أثَرَ لها، ولا يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأَكَابِرِ؛ لأنَّهُنَّ لم يَصِرْنَ أُمَّهاتٍ لها.
فإن قِيلَ: فلِمَ لا يَرْجِعُ 2 به عليهنَّ على عَدَدِهِنَّ؛ لكَوْنِ الرَّضاعِ مُفْسِدًا، فيسْتَوي قليلُه وكثيرُه، كما لو طَرَحَ الجماعةُ نجاسةً في مائع في حالةٍ واحدةٍ؟ قُلْنا:

..................................  لأنَّ التَّحْريمَ يتَعَلَّقُ بعَدَدِ الرَّضَعاتِ، فكان الضَّمانُ مُتَعَلِّقًا بالعَدَدِ، بخِلافِ النَّجاسةِ، فإنَّ التَّنْجِيسَ لا يتَعَلَّقُ بقَدْرٍ، فيَسْتَوي قليلُه وكثيرُه، لكَوْنِ الكثيرِ والقليلِ سَواءً في الإفْسادِ، فَنَظِيرُ ذلك أن تَشْرَبَ في الرَّضْعَةِ مِن إحْداهُما أكثرَ مِمَّا تَشْرَبُ مِن الأُخْرَى.
فصل: وإن كانت [له زوجةٌ] 1 أمَة، فأرْضَعَتِ امرأتَه الصَّغيرةَ فحَرَّمَتْها عليه وفَسَخَتْ نِكاحَها، كان 2 ما لَزِمَه مِن صَداقِ الصَّغيرةِ له في رَقَبَةِ الأمَةِ؛ لأنَّ ذلك مِن جِنايَتِها.
وإن أرْضَعَتْها أُمُّ ولَدِه، أفْسَدَتْ نِكاحَها، وحَرَّمَتْها عليه، لأنَّها رَبيبَتُه دَخَلَ بأُمِّها، وتَحْرُمُ أُمُّ الوَلَدِ عليه أَبَدًا، لأنَّها مِن أُمَّهاتِ نِسائِه، ولا غَرامَةَ عليها، لأنَّها أفْسَدَتْ على سَيِّدِها.
وإن كانت مُكاتَبَتَه، رَجَعَ عليها، لأنَّ المُكاتَبَةَ يَلْزَمُها أَرْشُ جِنايَتِها.
وإن أرْضَعَتْ أُمُّ ولَدِه امرأةَ ابْنِه بلَبَنِه، فسَخَتْ نِكاحَها، وحَرَّمَتْها عليه؛ لأنَّها صارتْ أُخْتَه.
وإن أرْضَعَتْ زوجةَ ابنِه 3 بلَبَنِه، حَرَّمَتْها عليه، لأنَّها صارتْ بِنْتَ ابْنِه، ويَرْجِعُ الأبُ على ابْنِه بأقَلِّ الأمْرَين ممَّا غَرِمَه لِزَوْجَتِه [أو قِيمَتِها، لأنَّ ذلك مِن جِنايَةِ أُمٍّ ولَدِه.
وإن أرْضَعَت واحدةً منهما بغيرِ لَبَنِ سَيِّدِها، لم تُحَرِّمْها، لأنَّ كلَّ] 4 واحدةٍ منهما صارتْ بِنْتَ أُمِّ ولَدِه.

فَصْلٌ: وَإذَا شَكَّ في الرَّضَاعِ أَوْ عَدَدِهِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ، وَإن شَهِدَ بِهِ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ، ثَبَتَ بِشَهَادَتِهَا.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَرْضِيَّة اسْتُحْلِفَتْ، فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، لَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ حَتَّى يَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا، وَذَهَبَ في ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ الله عَنْهُ.
فصل: قال رَضِيَ اللهُ عنه: (وإِذا شَكَّ في الرَّضاعِ أو عَدَدِه، بَنَى على اليَقِينِ) فلم يُحَرمْ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الرَّضاعِ في المَسْأَلَةِ الأُولَى، وعَدَمُ وُجُودِ الرَّضاعِ المُحَرِّمِ في الثانيةِ، فهو كما لو شَكَّ في وُجُودِ الطَّلاقِ أو عَدَدِه.

3939 -

مسألة: (وَإن شَهِدَ بِهِ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ، ثَبَتَ بِشَهَادَتِهَا.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَرْضِيَّة اسْتُحْلِفَتْ، فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً، لَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ حَتَّى يَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا، وَذَهَبَ في ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ)

وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّضاعَ إذا شَهِدَتْ به امرأةٌ مَرْضِيَّة، حَرُمَ النِّكَاحُ، وثَبَتَ الرَّضاعُ بشَهادَتِها.
وعنه رواية أُخرَى، كالتي ذكَرْناها عن ابنِ عباسٍ، [أنَّها تُسْتَحْلَفُ، وتُقْبَلُ شَهادَتُها.
وهو قولُ ابنِ عباس، وإسحاقَ] 1، فإنَّ

..................................  ابنَ عباسٍ، قال في امرأةٍ زَعَمَتْ أنَّها أرْضَعَتْ رَجُلًا وأهْلَه، قال: إن كانت مَرْضِيَّةً، اسْتُحْلِفَتْ، وفارَقَ أهْلَه.
وقال: إن كانت كاذِبَةً، لم يَحُلِ الحَوْلُ حتَّى يَبْيَضَّ ثَدْياها 1. أي يُصِيبَها فيهما بَرَصٌ، عُقُوبَةً على كَذِبِها.
وهذا لا يَقْتَضِيه القِياسُ، ولا يَهْتَدِي إليه رَأيٌ، فالظاهِرُ أنَّه لا يَقُولُه إلَّا تَوقِيفًا.
وممَّن ذهبَ إلى أنَّ شهادةَ المرأةِ الواحدةِ مَقْبُولَةٌ في الرَّضاعِ، إذا كانتْ مَرْضِيَّةً؛ طاوسٌ، والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ أبي ذِئْبٍ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرَى، لا تُقْبَلُ إلَّا شهادةُ امْرَأتَين.
وهو قولُ الحَكَمِ؛ لأنَّ الرِّجال أكْمَلُ مِن النِّساءِ، ولا تُقْبَلُ إلَّا شهادةُ رَجُلَين، فالنِّساءُ أَولَى.
وقال عطاءٌ، والشافعيُّ: لا يُقْبَلُ مِن النِّساءِ أقَلُّ مِن أرْبَع؛ لأنَّ كلَّ امْرأتَين كرَجُل.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: لا يُقْبَلُ فيه إلَّا رَجُلانِ، أو رَجُلٌ وامْرَأتان.
[ورُوِيَ ذلك عن عمرَ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأتانِ 2﴾] 3. ولَنا، ما روَى عُقْبَةُ بنُ الحارثِ، قال: تَزَوَّجْتُ أُمَّ يحيى بنتَ أبي إِهابٍ، فجاءتْ أَمَةٌ سوداءُ، فقالتْ: قد أرْضَعْتُكُما.
فأتَينا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكَرْتُ ذْلك له،

..................................  فقال: «وَكَيفَ، وقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ!».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وفي لَفْظٍ رواه النَّسَائِيُّ، قال: فأتَيتُه مِن قِبَلِ وَجْهِه، فقلتُ: إنَّها كاذِبةٌ.
فقال: «وَكَيفَ، وَقَدْ زعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُما؟ خَلِّ سَبِيلَهَا».
وهذا يَدُلُّ على الاكْتِفاءٍ بالمَرْأةِ الواحدةِ.
وقال الزُّهْرِيُّ: فُرِّقَ بينَ أهْلِ أبياتٍ في زَمَنِ عُثْمان بشَهادةِ امْرَأةٍ في الرَّضاعِ 2. وقال الشَّعْبِيُّ: كانتِ القُضاةُ يُفَرِّقُونَ بينَ الرَّجُلِ والمرأةِ بشَهادَةِ امْرأَةٍ واحدةٍ في الرَّضاعِ 3. ولأنَّ هذه شَهادَة على عَوْرَةٍ، فتُقْبَلُ فيه شَهادَةُ [المُنْفَرِداتِ، كالولادَةِ.
وعلى الشافعيِّ، أنَّه مَعْنًى يُقْبَلُ فيه قولُ النِّساءِ المُنْفَرداتِ، فيُقْبَلُ فيه] 4 شهادةُ 5 امْرأَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، كالخَبَرِ.
فصل: وتُقْبَلُ فيه شَهادةُ المرْضِعَةِ على فِعْلِ نَفْسِها؛ لِما ذكَرْنا مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ، مِن أنَّ الأمَةَ السَّوْداءَ قالت: قد أرْضَعْتُكُما.
فقَبِلِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - شَهادَتَها.
ولأنَّه فِعْلٌ لا يَحْصُلُ لها به نَفْعٌ مَقْصُودٌ، ولا تَدْفعُ عنها به ضَرَرًا، فقُبِلَتْ شَهادَتُها به 6، كفِعْلِ غيرِها.
فإن قِيلَ: فإنَّها تَسْتَبِيحُ الخَلْوَةَ به، والسَّفَرَ معه، وتَصِيرُ مَحْرَمًا له.
قُلْنا: ليس هذا مِن

وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرأةً، ثُمَّ قَال قَبْلَ الدُّخُولِ: هِيَ أُخْتِي مِنَ الرَّضَاعِ.
انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ، فَلَا مَهْرَ، وَإنْ أَكْذَبَتْهُ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ.
الأُمُورِ المَقْصُوَدَةِ التي تُرَدُّ بها الشَّهادَةُ، ألَا تَرَى أنَّ رَجُلَين لو شَهِدا أنَّ فُلَانًا طَلَّقَ زَوْجَتَه، أو أعْتَقَ أمَتَه، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، وإن حَلَّ لهما نِكاحُها بذلك.

3940 -

مسألة: (وإن تَزَوَّجَ امْرَأةً، ثم قال قبلَ الدُّخُولِ: هي أُخْتِي مِن الرَّضاعِ. انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فإن صَدَّقَتْه، فلا مَهْرَ)

لها (وإن كَذَّبَتْه، فلها نِصْفُ المَهْرِ) وجملتُه، أنَّ الزَّوْجَ إذا أقَرَّ أنَّ زَوْجَتَه أُخْتُه مِن الرَّضاعَةِ 1، انْفَسَخَ نِكاحُهْ، ويُفَرِّقُ بينَهما.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: وَهِمْتُ.
أو أخْطَأتُ.
قُبِلَ قَوْلُه؛ لأنَّ قَوْلَه ذلك يتَضَمَّنُ أنَّه لم يكنْ بينَهما نِكاحٌ، ولو جَحَدَ النِّكاحَ ثم أقَرَّ به، قُبِلَ، كذلك ههُنا.
ولَنا، أنَّه أقَرَّ بما يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَها عليه، فلم يُقْبَلْ رُجُوعُه عنه، كما لو أقَرَّ بالطَّلاقِ ثم رَجَعَ، أو أقَرَّ أنَّ أَمَتَه أخْتُه مِن النَّسَبِ، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
وهذا الكلامُ في الحُكْمِ، فأمَّا فيما بَينَه وبينَ اللهِ تعالى، فيَنْبَنِي ذلك على عِلْمِه بصِدْقِه، فإن عَلِمَ أنَّ الأَمْرَ كما قال، فهي

وَإِنْ قَال ذَلِكُ بَعْدَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
وَلَهَا الْمَهْرُ بِكُل حَالٍ.
مُحَرَّمَة عليه، ولا نِكاحَ بينَهما، وإن عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِه، فالنِّكاحُ باقٍ بحالِه، وقولُه كَذِبٌ لا يُحَرِّمُها عليه؛ لأنّ المُحَرِّمَ حَقِيقَةُ الرَّضاعِ، لا القَوْلُ.
وإن شَكَّ في ذلك، لم يَزُلْ عن اليَقينِ بالشَّكِّ.
وقِيلَ: في حِلِّها له إذا عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِه رِوايَتان والصَّحِيحُ ما قُلْناه؛ لأنَّ قوْلَه ذلك إذا كان كَذِبًا، لم يُثْبِتِ التَّحْريمَ، كما لو قال لها وهي أكْبَرُ منه: هي ابْنَتِي مِن الرَّضاعَةِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن كان قبلَ الدُّخولِ، وصَدَّقَتْه المرأةُ، فلا شيءَ لها؛ لأنَّهما اتَّفَقا على أنَّ النِّكاحَ باطِلٌ مِن أصْلِه، لا تَسْتَحِقُّ فيه مَهْرًا، فأشْبَهَ ما لو ثَبَتَ ذلك بِبَيِّنَةٍ، وإن أكْذَبَتْه، فالقولُ قَوْلُها؛ لأنَّ قَوْلَه غيرُ مَقْبُولٍ عليها في إسْقاطِ حُقُوقِها، فلَزِمَه إقْرارُه فيما هو حَقٌّ له، وهو تَحْريمُها (1) عليه، وفَسْخُ نِكاحِه، ولم يُقْبَلْ قَوْلُه فيما عليه مِن المَهْرِ.

3941 -

مسألة: (وإن قال ذلك بعدَ الدُّخولِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ)

لِمَا ذكَرْنا (ولها المَهْرُ بكُلِّ حالٍ) لأنَّ المَهْرَ يَسْتَقِرُّ بالدُّخُولِ.1

..................................  فصل: فإن قال: هي عَمَّتِي.
أو: خالتِي.
أو: ابْنَةُ أخِي.
أو: أُخْتِي.
أو: أمِّي مِن الرضاع.
وأمْكَنَ صِدْقُه، فالحكمُ فيه كما لو قال: هي أُخْتِي.
وإن لم يُمْكِنْ صِدْقه، مثلَ أن يقولَ لمَن هي مِثْلُه: هذه أُمِّي.
أو لأكْبَرَ منه أو لمِثْلِه: هذه ابْنَتِي.
لم تَحْرُمْ عليه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: تَحْرُمُ عليه؛ لأنَّه أقَرَّ بما يُحَرِّمُها عليه 1، فقُبِلَ، كما لو أمْكَنَ.
ولَنا، أنَّه أقَرَّ بما يتَحَقَّقُ كَذِبُه فيه (1)، فأشْبَهَ ما لو قال: أرْضَعَتْنِي وإيَّاها حَوَّاءُ.
أو كما لو (1) قال: هذه حَوَّاءُ.
وما ذكَرُوه مُنْتَقِضٌ بهذه الصُّوَرِ، ويُفارِقُ ما إذا أمْكَنَ، فإنَّه لا يتَحَقَّقُ كَذِبُه.
والحُكمُ في الإِقْرارِ بقَرابَةٍ مِنَ النَّسَبِ تُحَرِّمُها عليه، كالحُكْمِ في الإِقْرارِ بالرَّضاعِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: إذا ادَّعَى أنَّ زَوْجَتَه أَخْتُه مِن الرَّضاع، فأنْكَرَتْه، فشَهِدَتْ بذلك أُمُّه أو ابْنَتُه 2، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما 3؛ لأنَّ شَهادةَ الوالدِ لوَلَدِه،

وَإنْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي قَالتْ: هُوَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعِ.
فَأَكْذَبَهَا، فَهِيَ زَوْجَتُهُ في الْحُكْمِ.
والوَلَدِ لوالِدِه، لا تُقْبَلُ.
وإن شَهِدَتْ بذلك (1) أُمُّها أو ابْنَتُها، قُبِلَتْ.
وعنه، لا تُقْبَلُ؛ بِناءً على شَهادةِ الوالدِ على وَلَدِه والولدِ على والدِه، وهي مَقْبولَةٌ في أصَحِّ الرِّوايتَينِ.
وإنِ ادَّعَتْ ذلك المرأةُ، وأنْكَرَ الزَّوْجُ، فشَهِدَتْ لها أُمُّها أو ابْنَتُها، لم تُقْبَلْ، وإن شَهِدَتْ لها أُمُّ الزَّوْجِ أو ابْنَتُه، قُبِلَ في أصَحِّ الرِّوايتَين.

3942 -

مسألة: (وإن كانت هي التي قالت: هو أخِي مِن الرَّضاعِ. فأكْذَبَهَا، فهي زَوْجَتُه في الحُكْمِ)

[وجملُة ذلك، أنَّ المرأةَ إذا أقَرَّتْ أنَّ زَوْجَها أخوها مِن الرَّضاعةِ، فأكْذَبَها، لم يُقْبَلْ قولُها في فسْخِ النكاحِ] (2)؛ لأنَّهْ حَقٌّ عليها، فإن كان قبلَ الدُّخولِ، فلا مَهْرَ لها؛ لأنَّها تُقِرُّ بأنها لا تَسْتَحِقُّه، وإن كانت قد 1 قَبَضَتْه، لم يَكُنْ للزَّوْجِ أخْذُه2

..................................  منها؛ لأنَّه يُقِرُّ بأنَّه حَقٌّ لها، وإن كان بعدَ الدُّخول، فأقَرَّتْ أنَّها كانت عالِمةً بأنَّها أُختُه، وبتَحْرِيمِها عليه، وطاوَعَتْه في الوَطءِ، فلا مَهْرَ لها عليه 1 أيضًا؛ لإقرارِها بأنَّها زانِيَةٌ مُطاوعَةٌ، وإن أنكَرَت شيئًا مِن ذلك، فلها المَهْرُ؛ لأنَّه وَطْءٌ بشُبْهَةٍ، وهي زَوْجَتُه في ظاهِرِ الحُكْمِ؛ لأنَّ قَوْلَها غيرُ مَقْبُولٍ عليه (1)، فأمَّا فيما بينَها وبينَ اللهِ تعالى، فإن عَلِمَتْ صِحَّةَ ما أقَرَّتْ به، لم يَحِلَّ لها مُساكَنَتُه وتَمْكِينُه مِن وَطْئِها، وعليها أن تَفِرَّ منه، وتَفْتَدِيَ نَفْسَها بما أمْكَنَها؛ لأنَّ وَطْأَة لها زنًى، فعليها التَّخَلُّصُ منه مَهْما أمْكَنَها، كما قُلْنا في التي عَلِمَتْ أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها ثلاثًا، وأنْكَرَ.
ويَنْبَغِي أن يكونَ الواجِبُ لها مِن المَهْرِ بعدَ الدُّخولِ أقَلَّ الأمْرَين؛ مِن المُسَمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه إن كان المُسَمَّى أقَلَّ، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها في وُجُوبِ زائِدٍ عليه، وإن كان الأقَلُّ 2 مَهْرَ المِثْلِ، لم تَسْتَحِقَّ 3 أكثرَ منه؛ لاعْتِرافِها بأنَّ اسْتِحْقاقَها له بِوَطْئِها لا بالعَقْدِ، فلا تَسْتَحِقُّ أكْثَرَ منه.
وإن كان إقْرارُها بأُخُوَّتِه قبلَ النِّكَاحِ، لم يَجُزْ لها نِكاحُه، ولا يُقْبَلُ

وَلَوْ قَال الزَّوْجُ: هِيَ ابْنَتِي مِنَ الرَّضَاعِ.
وَهِيَ في سِنِّهِ أَوْ أَكْبَرُ مِنْهُ، لَمْ تَحْرُمْ؛ لِتَحَقُّقِنَا كَذِبَهُ.
رُجُوعُها عن إقْرارِها في ظاهِرِ الحُكْمِ؛ لأنَّ إقْرارَها لم يُصادِفْ زَوْجِيَّةً عليها يُبْطِلُها، فقُبِلَ إقْرارُها على نَفْسِها (1) [بتَحْريمِه عليها] (2). وكذلك لو أقَرَّ الرَّجُلُ أنَّ هذه أُخْتُه مِن الرَّضاعِ، أو مُحَرَّمَةٌ عليه برَضاع أو غيرِه، وأمْكَنَ صِدْقُه، لم يَحِلَّ له تَزَوُّجُها فيما (3) بعدَ ذلك في ظاهِرِ الحُكْمِ، وأمَّا فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فيَنْبَنِي على عِلْمِه بحَقِيقَةِ الحالِ، على ما ذكَرناه.

3943 -

مسألة: (ولو قال الزَّوْجُ: هي ابْنَتِي مِن الرَّضاعِ. وهي في سِنِّه أو أكْبَرُ منه، لم تَحْرُمْ؛ لِتَحَقُّقِنا كَذِبَه)

وقد [ذكَرْنا ذلك] 4.123

وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً لَهَا لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلَهُ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَزِدْ لَبَنُهَا، فهُوَ لِلأَوَّلِ، وَإنْ زَادَ لَبَنُهَا فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا، صَارَ ابْنًا لَهُمَا.
وَإنِ انْقَطَعَ لَبَنُ الْأوَّلِ، ثُمَّ ثَابَ بِحَمْلِهَا مِنَ الثَّانِي، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ.
وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ، هُوَ ابْنُ الثَّانِي وَحْدَهُ.

3944 - مسألة: (وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً لَهَا لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلَهُ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَزِدْ لَبَنُهَا، فهُوَ لِلأَوَّلِ، وَإنْ زَادَ لَبَنُهَا فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا، صَارَ ابْنًا لَهُمَا.
وَإِنِ انْقَطَعَ لَبَنُ الْأوَّلِ، ثُمَّ ثَابَ بِحَمْلِهَا مِنَ الثَّانِي، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ.
وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ، هُوَ ابْنُ الثَّانِي وَحْدَهُ)

وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّجُلَ إذا طَلَّقَ زَوْجَتَه، ولها منه لَبَنٌ، فتَزَوَّجَتْ آخَرَ، لم يَخْلُ مِن خَمْسَةِ أحْوالٍ؛

..................................  أحَدُها، أن يَبْقَى لَبَنُ 1 الأوَّلِ بحالِه، لم يَزِدْ ولم يَنْقُصْ، ولم تَلِدْ مِن الثانِي، فهو للأوَّلِ، سَواءٌ حَمَلَتْ مِن الثاني أو لم تَحْمِلْ.
لا نعلمُ فيه خِلافًا، لأنَّ [اللَّبَنَ كان] 2 للأوَّلِ، ولم يتَجَدَّدْ ما يَجْعَلُه مِن الثاني، فبَقِيَ للأوَّلِ.
الثاني، أن لا تَحْمِلَ مِن الثاني، فهو للأوَّلِ، سواءٌ زادَ أو لم يَزِدْ، أو انْقَطَعَ ثم عاد أو لم يَنْقَطِعْ.
الثالثُ، أن تَلِدَ مِن الثاني، فاللَّبَنُ له خاصَّةً.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن أحْفَظُ عنه [مِن أهْلِ العِلْمِ] 3، وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
سَواءٌ زادَ أو [لم يَزِدْ] 4، انْقَطَعَ أو لم يَنْقَطِعْ، لأنَّ لَبَنَ الأوَّلِ يَنْقَطِعُ بالولادَةِ مِن الثاني، فإنَّ حاجةَ الموْلودِ تَمْنَعُ كَوْنَه لغيرِه.
الرابعُ، أن يكونَ لَبَنُ الأوَّلِ باقِيًا، وزادَ بالحَمْلِ مِن الثاني، فاللَّبَنُ

..................................  منهما جميعًا، في قولِ أصْحابِنا.
وقال أبو حنيفةَ: هو للأوَّلِ، ما لم تَلِدْ مِن الثاني.
وقال الشافعيُّ: إن لم يَنتَهِ الحَمْلُ إلى حالٍ يَنْزِلُ 1 منه 2 اللَّبنُ، فهو للأوَّلِ، وإن بَلَغَ إلى حالٍ يَنْزِلُ به اللَّبَنُ، فزادَ به، ففيه قَوْلان؛ أحَدُهما، هو للأوَّلِ.
والثاني، هو لهما.
ولَنا، أنَّ زِيادَتَه عندَ حُدوثِ الحَمْلِ ظاهِرٌ في أنَّها 3 منه، وبَقاءُ لَبَنِ الأوَّلِ يَقْتَضِي كَوْنَ أصْلِه منه، فيَجِبُ أن يُضافَ إليهما، كما لو كان الوَلَدُ منهما.
الحالُ الخامسُ، انْقَطَعَ مِن الأولِ، ثم ثَابَ بالحَمْلِ مِن الثاني.
فقال أبو بكرٍ: هو منهما.
وهو أحَدُ أقْوالِ الشافعيِّ، إذا انْتَهَى الحَمْلُ إلى حالٍ يَنْزِلُ به اللَّبَنُ؛ وذلك لأنَّ اللَّبَنَ كان للأوَّلِ، فلمَّا عادَ بحُدُوثِ الحَمْلِ، فالظاهِرُ أنَّ لَبَنَ الأوَّلِ ثابَ بسَبَبِ الحَمْلِ الثاني، فكان مُضافًا إليهما، كما لو لم يَنْقَطِعْ.
واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه مِن الثاني.
وهو القولُ الثاني للشافعيِّ 4؛ لأنَّ لَبَنَ الأولِ انْقَطَع، فزال حُكْمُه بانِقْطاعِه، وحَدَثَ بالحَمْلِ مِن الثاني، فكان له، كما لو لم يكنْ لها لَبَنٌ مِن الأوَّلِ.
وقال أبو حنيفةَ: هو للأوَّلِ ما لم تَلِدْ مِن الثانِي.
وهو القولُ الثالثُ للشافعيِّ؛ لأنَّ الحَمْلَ لا (4) يَقْتَضِي اللَّبَنَ، وإنَّما يَخْلُقُه اللهُ تعالى للوَلَدِ عندَ وُجُودِه

..................................  لحاجَتِه إليه.
وقد سَبَقَ الكلامُ عليه.
فصل: وإذا ادَّعَى أحَدُ الزَّوْجَين على الآخَرِ، أنَّه أقَرَّ أنَّه أخُو صاحِبِه مِن الرَّضاعِ، فأنْكَرَ، لم يُقْبَلْ في ذلك شَهادَةُ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ؛ لأنَّها شَهادَةٌ على الإِقْرارِ، والإِقْرارُ ممَّا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، فلم يحْتَج فيه إلى شَهادَةِ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ، فلم يُقْبَلْ ذلك، بخِلافِ الرَّضاعِ نفْسِه.
فصل: كَرِهَ أبو عبدِ الله الارْتِضاعَ بلَبَنِ الفُجُورِ والمُشرِكاتِ.
وقال عمرُ بنُ الخطابِ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، رَضِيَ اللهُ عنهما: اللَّبَنُ يُشْبِهُ 1، فلا تَسْقِ 2 مِن يَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ ولا زانِيَةٍ، ولا يَقْبَلُ 3 أهْلُ الذِّمَّةِ المُسْلِمَةَ، ولا يَرَى شُعُورَهُنَّ 4. ولأنَّ لَبَنَ الفَاجِرَةِ رُبَّما أفْضَى إلى شَبَهِ المُرْضِعةِ في الفُجُورِ، ويَجْعَلُها أُمًّا لِوَلَدِه، [فيَتَعَيَّرُ بها، ويتَضَرَّرُ] 5 طَبْعًا وتَعَيُّرًا، والارْتِضاعُ مِن المُشْرِكَةِ يجْعَلُها أُمًّا، لها حُرْمَةُ

..................................  الأُمِّ مع شِرْكِها، ورُبَّما مال إليها في مَحَبَّةِ دِينِها.
ويُكْرَهُ الارْتِضاعُ بلَبَنِ الحَمْقاءِ؛ كيلا يُشْبِهَها الوَلَدُ في الحُمْقِ، فإنَّه يُقالُ: إنَّ الرَّضاعَ يُغَيِّرُ الطِّباعَ.

جارٍ التحميل