..................................
حُكْمَهُ، وهو الأصْلُ، وما سوَاهُ مَقِيس عليه.
ومن هذا الضَّرْبِ، القُطْنُ، وما يُقْصَدُ نَوْرُه كالورْدِ، والياسَمِينِ، والنَّرْجِس، والبَنَفْسَجِ، فإنَّه تَظْهَرُ أكْمامُه ثم تَتَفتَّحُ، فهو كالطَّلْعِ إن تفَتَّحَ 1، فهو للبائع، وإلَّا فهو للمُشْتَرِي.
الثاني، ما تَظْهَرُ ثَمَرَتُه بارزَةً لا قِشْرَ عليها ولا نوْرَ؛ كالتِّينِ، والتُّوتِ، والجُمَّيزِ، فهي للبائِعِ؛ لأنَّ ظُهورَها من شَجَرِها بمَنْزِلَةِ ظُهُورِ ما في الطَّلْعِ.
الثالثُ، ما يَظْهَرُ في قِشْرِه ثم يَبْقَى فيه إلى حينِ الأكْلِ؛ كالمَوْزِ، والرُّمّانِ، فهو للبائِعِ أيضًا بنَفْسِ الظُّهورِ؛ لأنَّ قِشْرَه من مَصْلَحَتِه، ويَبْقَى فيه إلى حينِ الأكْلِ فهو 2 كالتِّينِ.
الرّابع، ما يَظْهَرُ في قِشْرَينِ، كالجَوْزِ، واللَّوْزِ، فهو للبائِع أيضًا بِنَفْسِ الظُّهورِ؛ لأنَّ قِشْرَهُ لا يَزُولُ عنه غالِبًا إلَّا بعدَ جِذاذِه، فأشبَهَ
..................................
الضرْبَ الذي قَبْلَه.
ولأنَّ قِشْرَ اللَّوْزِ يُؤكَلُ معه، أشْبَهَ التِّينَ.
وقال القاضِي: إنْ تَشَقَّقَ القِشْرُ الأعْلَى فهو للبائِعِ، وإن لم يَتَشَقَّقْ فهو للمُشْتَرِي، كالطَّلْعِ.
ولو اعْتُبِرَ هذا لم يكُنْ للبائِعِ إلَّا نادِرًا، ولا يَصِحُ قِياسُه على الطَّلْعِ؛ لأنَّ الطَّلْعَ لابُدَّ من تَشَقُّقِه، وتَشَقُّقُهُ من مَصْلَحَتِه، وهذا بخِلافِه، فإنّه لا يَتَشَقَّقُ على شَجَرِه، وتَشَقُّقُه قبلَ كمالِه يُفْسِدُه.
الخامِسُ، ما يَظْهَرُ نَوْرُه ثم يَتَنَاثَرُ فتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ؛ كالتُّفَّاحِ، والمِشْمش، والإجَّاصِ 1، والخَوْخِ، فإذا تَفَتَّحَ نَوْرُه وظَهَرَتِ الثَّمَرَةُ فيه، فهو للبائِعِ، وإنْ لم تَظْهَرْ، فهو للمُشْتَرِي.
وقيلَ: ما يَتَناثَرُ نَوْرُه، فهو للبائِعِ، وما لا، فهو للمُشْتَرِي؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ لا تَظْهَرُ حتى يَتَنَاثَرَ النَّوْرُ.
وقال القاضِي: يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ للبائِعِ بظُهُورِ نَوْرِه؛ لأنَّ الطَّلْعَ إذا تَشَقَّقَ كان كنَوْرِ الشَّجَرِ، فإنَّ العُقَدَ التي في جَوْفِ الطَّلْعِ ليست عَينَ الثَّمَرَةِ،
..................................
وإنّما هي أوْعيَة لها تَكْبُرُ الثَّمَرَةُ في جَوْفِها، وتَظْهَرُ فتَصِيرُ العُقْدَةُ في طَرَفِها، وهي قِمَعُ الرُّطَبَةِ.
وظاهِرُ لَفْظِه ها هنا يَقْتَضِي ما قُلْنَاهُ أوّلًا، وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه عَلَّقَ اسْتِحْقاقَ البائِعِ للثَّمَرَةِ ببُدُوِّها، [لا ببُدُوِّ نَوْرِها] 1. ولا يَبْدُو الثَّمَرُ حتى يتفَتَّحَ نَوْرُه، وقد يبْدُو إذا كَبُرَ قبلَ أنْ يَنْثُرَ النَّوْرَ، فيَتَعَلَّقُ ذلك بظُهُورِه.
والعِنَبُ بمَنْزِلَةِ ما له نَوْر؛ لأنَّه يَبْدُو في قُطُوفِه شيءٌ صِغارٌ كحَبِّ الدُّخْنِ، ثم يَتَفَتَّحُ ويَتَنَاثَرُ، كَسَائِرِ 2 النَّوْرِ، فيكونُ من هذا القِسْمِ.
وهذا يُفارِقُ الطَّلْعَ؛ لأنَّ الذي في الطَّلْعِ عَينُ الثَّمَرَةِ يَنْمُو ويَتَغَيَّرُ، والنَّوْرُ في هذه الثِّمارِ يَتَسَاقَطُ ويَذْهَبُ وتَظْهَرُ الثمَرَةُ.
ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ في هذا 3 جميعِه كما ذَكَرْنا أو قَرِيبًا منه، وبينَهم 4 اخْتِلافٌ قَرِيبٌ مما 5 ذَكَرْنا.
وَالْوَرَقُ لِلْمُشْتَرِي بِكُلِّ حَالٍ.
وَيَحْتَمِلُ فِي وَرَقِ التّوتِ الْمَقْصُودِ أخذُهُ، أنَّهُ إِنْ تَفَتَّحَ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَإنْ كَانَ حَبًّا، فَهُوَ لِلْمُشْترِي.
1708 - مسألة: (والوَرَقُ للمُشْتَرِي بكُلِّ حالٍ)
الأغْصَانُ والوَرَقُ وسائِرُ أجْزَاءِ الشَّجَرِ للمُشْتَرِي؛ لأنَّه من أجزَائِها، خُلِقَ لمصْلَحَتِها، فهو كأجزَاءِ سائِرِ المَبِيعِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ وَرَقُ التُّوتِ المَقْصُودُ أخذُه لدُودِ القَزِّ للبائِعِ إذا تَفَتَّحَ، وللمُشْتَرِي قبلَ ذلك؛ لأنه بمَنْزِلَة الجُنْبُذِ الذي يَتَفَتُّح فيَظْهَرُ نَوْرُه، من الوَرْدِ وغَيرِه، وإنّما هذا في المواضِعِ التي عادَتُهم أخْذُ الوَرَقِ، وإنْ لم تَكُنْ عادتُهُم ذلك، فهو للمُشْتَرِي، كسائِرِ الوَرَقِ.
والله أعْلَمُ.
وَإنْ ظَهَرَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَمَا لَمْ يَظْهَرْ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
وَقَال ابنُ حَامِدٍ: الْكُلُّ لِلْبَائِعِ.
1709 - مسألة: (وإنْ ظَهَرَ بَعْضُ الثمَرَةِ، فهو للبائعِ، وما لم يَظْهَرْ، فهو للمُشْتَرِي. وقال ابنُ 1 حامِدٍ: الكُلُّ للبائِعِ) وقد ذَكَرنَاهُ.
وَإنِ احْتَاجَ الزَّرْعُ أو الثَّمَرَةُ إِلَى سَقْيٍ، لَمْ يَلْزَمَ الْمُشْتَرِيَ، وَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَ الْبَائِعِ مِنْهُ.
1710 - مسألة: (وإنِ احْتَاجَ الزَّرْعُ أو الثَّمَرَةُ إلى سَقْي، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ، ولم يَمْلِكْ مَنْعَ البائِعِ منه)
إذا كانت الثَّمَرَةُ للبائِع مُبَقَّاةً في شَجَرِ المُشْتَرِي، فاحْتَاجَتْ إلى سَقْي، لم يكُنْ للمُشْتَرِي مَنْعُه؛
..................................
لأنَّه يَبْقَى به؛ فَلَزِمَه تَمْكِينُه منه، كتَرْكِهِ على الأصُول.
وإنْ أرادَ سَقْيَها من غيرِ حاجَةٍ، فللمُشْتَرِي مَنْعُه؛ لأنَّ سَقْيَهُ يَتَضَمَّنُ التَّصَرُّفَ في مِلْكِ غَيرِه، والأصْلُ مَنْعُه منه، وإنّما أبحْنَاهُ للحاجَةِ، فما لم تُوجَدِ الحاجَةُ يَبْقَى على أصْلِ المَنْعِ.
وإنِ احْتَاجَتْ إلى سَقْي يَضُرُّ بالشَّجَرِ، أو احْتَاجَ الشَّجَرُ إلى سَقْيٍ يَضُرُّ بالثَّمَرَةِ.
فقال القاضِي: أيهما طَلَبَ السَّقْيَ لحاجَتِه أجْبِرَ الآخَرُ عليه؛ لأنه دَخَلَ في 1 العَقْدِ على ذلك، فإنَّ المُشْتَرِيَ اقْتَضَى عَقْدُه تَبْقِيَةَ الثمَرَةِ، والسَّقْيُ من تَبْقِيَتها، واقْتَضَى تَمْكِينَ المُشْتَرِي من حِفْظِ الأصُولِ، وتَسْلِيمِها، فَلَزِمَ كلَّ واحِدٍ منهما ما أوْجَبَهُ العَقْدُ للآخَرِ، وإنْ أضَرَّ به.
وإنَّما له أنْ يَسْقِيَ بِقَدْرِ حاجَتِه، وإنِ اخْتَلَفَا في ذلك، رُجِعَ إلى أهْلِ الخِبْرةِ.
وأيهُما التمَسَ السَّقْيَ فالمُؤنَةُ عليه؛ لأنَّه لحاجَتِه.
فصل: وإن خِيفَ على الأصُولِ الضَّرَرُ بتَبْقِيَةِ الثَّمَرَةِ عليها، لعَطَشْ أو غيرِه، والضَّرَرُ يَسِير، لم يُجْبَرْ على قَطْعِها؛ لأنَّها مُسْتَحِقَّة للبَقَاءِ، فلم يُجْبَرْ على إزَالتِها لدَفْعِ ضَرَر يَسِير عن غيرِه.
وإنْ كان كَثِيرًا، فخِيف على الأصُولِ الجَفافُ، أو نَقْصُ حَمْلِها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُجْبَرُ لذلك 2. والثاني، يُجْبَرُ على القَطْعِ، لأنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُها وإنْ لم تُقْطَعْ، والأصُولُ تَسْلَمُ بالقَطْعِ، فكان القَطْعُ أوْلَى.
وللشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ،
فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَلَا الزَّرْعِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ، إلا بِشرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ.
كالوَجْهَينَ.
فصل: (ولا يَجُوزُ بَيعُ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، ولا الزَّرْعِ قبلَ اشْتِدادِ حَبِّه، إلَّا بشَرْطِ القَطْعِ في الحالِ) لا يَجُوزُ بَيعُ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُو صَلاحِها بشَرْطِ التبقِيَةِ إجْماعًا؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بيع الثِّمَارِ حتى يَبْدُوَ صَلَاحُها.
نَهَى البائِعَ والمُبْتَاعَ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. والنَّهْيُ يَقتَضِي فسادَ المَنْهِيِّ عنه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على القَوْلِ بجُمْلَةِ هذا الحَدِيثِ.
..................................
فصل: وكذلك الزَّرْعُ الأخْضَرُ في الأرْضِ، لا يَجُوزُ بَيعُه إلَّا بشَرْطِ القَطْعِ، كما ذَكَرْنَا في الثَّمَرَةِ على الأصُولِ؛ لِما رَوَى مُسْلِمٌ 1 أنّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ السُّنْبُلِ حتى يَبْيَضَّ ويأمَنَ العاهَةَ.
نَهَى البائِعَ والمُشْتَرِيَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا أعْلَمُ أحَدًا يَعْدِلُ عن القَوْلِ به.
وهو قولُ مالِك، وأهْلِ المَدِينَةِ، وأهْلِ البَصْرَةِ، وأصحَابِ الحَدِيثِ، وأصْحابِ الرَّأي.
فإنْ باعَهُ بشَرْطِ القَطْعِ، أو باعَ الثَّمَرَةَ قبل بُدُوِّ صَلاحِها بشَرْطِ القَطْعِ، صَحَّ بالإجْماعِ، لأنَّ المَنْعَ إنَّما كان خَوْفًا من
..................................
تَلَفِ الثَّمرَةِ وحُدُوثِ العاهَةِ عليها قبلَ أخْذِها؛ لِما رَوَى أنَسٌ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ 1، قال: «أرَأيتَ إذا مَنَع اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأخُذُ أحَدُكُم مال أخِيهِ؟».
رَواهُ البُخَارِيُّ 2. وهذا مَأمُونٌ فيما يُقْطَعُ، فصَحَّ بَيعُه، كما لو بَدَا صَلَاحُه.
فصل: وإذا اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، أو نِصْفَ الزَّرْعِ قبلَ اشْتِدادِ حَبِّه مُشاعًا، لم يَجُزْ، سَواءٌ اشْتَرَاها من رَجُل، أو من أكثرَ منه، وسَواء شَرَطَ القَطْعَ أو لم يَشْرُطْه؛ لأنه لا يُمْكِنُه قَطْعُه إلَّا بقَطْعِ ما لا يَمْلِكُه، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُه.
وَلَا بَيعِ الرَّطْبَةِ، وَالْبُقُولِ، إلا بِشَرْطِ جَزِّهِ، وَلَا الْقِثَّاءِ وَنَحْوهِ، إلا لَقَطَةً لَقَطَةً، إلا أن يَبِيعَ أصلَهُ.
1711 - مسألة: (ولا)
يَجُوزُ (بَيعُ الرَّطْبَةِ والبُقُولِ، إلَّا بشَرْطِ جزِّهِ، ولا القِثَّاءِ ونحوه، إلَّا لَقَطَةً لَقَطَةً 1، إلَّا أنْ يَبِيعَ أصْلَه) الرَّطْبَةُ وما أشْبَهَها مما تَثْبُتُ أصُولُه في الأرْضِ، ويُؤخَذُ ما ظَهَرَ منه بالقَطْعِ مَرَّةً بعدَ أخْرَى؛ كالنَّعْنَاعِ والهِنْدِبا وشِبْهِهِما، لا يَجُوزُ بَيعُه إلَّا أنْ يَبِيعَ الظّاهِرَ منه بشَرْطِ القَطْعِ في الحالِ.
وبذلك قال الشّافِعِيُّ.
ورُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، وعَطاءٍ.
ورَخَّصَ مالِكٌ في شراءِ جَزَّتَينِ وثلاثةٍ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ ما في الأرْضِ منه مَسْتُورٌ، وما يَحْدُثُ منه مَعْدُومٌ، فلا يَجُوزُ بَيعُه، كما لا يَجُوزُ بَيعُ ما يَحْدُثُ 2 من الثَّمَرَةِ.
ومتى اشْتَرَى جزَّةً، لم يجُزْ إبقاؤها؛ لأن ما يَظْهَرُ منها أعيانٌ لم يَتَنَاوَلْها البَيعُ، فيكونُ للبائِعِ إذا ظَهَرَ، فيُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المبِيعِ بغيرِه.
فإنْ أخَّرَها حتى طالتْ، فالحُكْمُ فيها يُذكَرُ إنْ شاءَ الله تعالى.
..................................
فصل: وإذا باعَ ثَمَرَةَ شيءٍ من هذه البُقُولِ، كالقِثَّاءِ، والباذِنْجَانِ، لم يَجُزْ إلَّا بَيعُ المَوجودِ منها دونَ المَعْدُومِ.
وبهذا قال أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ.
وقال مالِكٌ: يَجُوزُ بَيعُ الجَمِيعِ، لأنَّ ذلك يَشُقُّ تَمْيِيزُه، فجُعِلَ ما لم يَظْهَرْ تَبَعًا لِما ظَهَرَ، كما أنّ ما لم يَبْدُ صَلاحُه تَبَع لِما بَدَا.
ولَنا، أنّها ثَمَرَةٌ لم تُخْلَقْ، فلم يَصِحَّ بَيعُها، كما لو باعَها قبلَ ظُهُورِ شيءٍ منها، والحاجَةُ تَنْدَفِعُ بِبَيعِ أصُولِه، ولأنَّ ما لم يَبْدُ صَلاحُه يَجُوزُ إفْرادُه بالبَيعِ، بخِلافِ ما لم يُخْلَقْ، ولأنَّ ما لم يُخْلَقْ من ثَمَرَةِ النَّخْلِ لا يَجُوزُ بَيعُه تَبَعًا لما خُلِقَ، وإنْ كان ما لم يَبْدُ صَلَاحُه تَبَعًا لِمَا بَدا.
إذا ثَبَتَ ذلك، فإنْ باعَها قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، لم يَجُزْ إلَّا بشَرْطِ القَطْعِ، وإنْ كان بعدَ بُدُوِّ صَلاحِه، جازَ مُطْلَقًا، وبشَرْطِ القَطْعِ والتَّبْقِيَةِ، على ما نَذْكُرُ في ثَمَرَةِ الأشْجَارِ، وسَنُبَيِّنُ بما يكونُ بُدُوُّ صَلَاحِه.
..................................
فصل: ويَصِحُّ بَيعُ هذه الأصُولِ التي تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُها من غيرِ شَرْطِ القَطْعِ.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والشَّافِعِيِّ.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الأصُولِ صِغارًا أو كِبارًا، مُثْمِرَةً أو غيرَ مُثْمِرَةٍ؛ لأنه أصْلٌ تَتَكَرَّرُ 1 فيه الثَّمَرَةُ، فأشْبَهَ الشَّجَرَ.
فإنْ باعَ المُثْمِرَ منه، فثَمَرَتُه الظّاهِرَةُ للبائعِ مَتْرُوكَة إلى حينِ بُلُوغِها، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَها المُبْتاعُ.
فإنْ حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أخْرَى، فهي للمُشْتَرِي.
وإنِ اخْتَلَطَتْ بثَمَرَةِ البائِع ولم تَتَمَيَّزْ، كان الحُكْمُ فيها كثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ إذا اخْتَلَطَتْ بثَمَرَةٍ أخْرَى، على ما يَأتي حُكْمُه.
فصل: والقُطْنُ ضَرْبانِ؛ أحَدُهما، ما لَهُ أصْلٌ يَبْقَى في الأَرْضِ
..................................
أعْوامًا، فهذا حُكْمُه حُكْمُ الشَّجَرِ، في أنه يَصِحُّ إفْرادُه بالبَيعِ، وإذا بِيعَتِ الأرْضُ بحُقُوقِها دَخَلَ في البَيعِ، وثَمَرُه كالطَّلْعِ، إنْ تَفَتَّحَ فهو للبائِعِ، وإلَّا فهو للمُشْتَرِي.
الثاني، ما يَتَكَرَّرُ زَرْعُه كُلَّ عام، فحُكْمُه حُكْمُ الزَّرْعِ، ومتى كان جَوْزُه ضَعِيفًا رَطْبًا لم يَقْوَ ما فيه، لم يَصِحَّ بَيعُه، إلَّا بشَرْطِ 1 القطْعِ، كالزَّرْعِ الأخْضَرِ.
وإنْ قَوىَ حَبُّه واشْتَدَّ، جازَ بَيعُه بشَرْطِ التبقِيَةِ، كالزَّرْعِ إذا اشْتَدَّ حَبُّه، وإذا بِيدَتِ الأرْضُ لم يَدْخُلْ في البَيعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ.
والباذِنْجَانُ الذي تَبْقَى أصُولُه وتَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُه كالشَّجَرِ، وما يَتَكَرَّرُ زَرْعُه كُلَّ عام فهو 2 كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيعُ ما المَقْصُودُ منه مَسْتُور في الأرْضِ؛ كالجَزَرِ والفُجْلِ والثُّومِ والبَصَلِ، حتى يُقْلَعَ ويُشاهَدَ.
وهذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وابنِ المُنْذِر، وأصحَابِ الرَّأي.
وأباحَهُ مالِك، والأوْزَاعِي، وإسْحاقُ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه، فأشْبَهَ بَيعَ ما لم يَبْدُ صَلَاحُه تَبَعًا لِمَا بَدَا.
ولَنا، أنّه مَجْهُول لم يَرَهُ ولم يُوصَفْ له، فأشْبَهَ بَيعَ الحَمْلِ.
ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الغَرَرِ.
رَواهُ مسلمٌ 3. وهذا غَرَرٌ.
وأمّا بَيعُ ما
وَالْحَصَادُ وَاللقَاطُ عَلَى الْمُشْتَرِي،
لم يَبْدُ صَلاحُه، فإنّما جَازَ تَبَعًا، فإنّ الظاهِرَ أنَّه يَتَلَاحَقُ في الصَّلاحِ، ويَتْبَعُ بَعْضُه بَعْضًا.
فإنْ كان ممّا تُقْصَدُ فُرُوعُه وأصُولُه؛ كالبَصَلِ المَبِيعِ أخْضَرَ، والكُرَّاثِ واللِّفْتِ، وسائِرِ ما تُقْصَدُ فُرُوعُه، جازَ بَيعُه؛ لأنَّ المَقْصُودَ منه ظاهِر، فأشْبَهَ الحِيطانَ التي أسَاسَاتُها مَدْفُونَةٌ، ويَدْخُلُ ما لم يَظْهَرْ في البَيعِ تَبَعًا (1) لما ظَهَرَ، فلا تَضُرُّ جَهالته، كالحَمْلِ في البَطْنِ مع بَيعِ الحَيَوانِ.
فإن كان مُعْظَمُ المَقْصُودِ منه أصُولَه، لم يَجُزْ بَيعُه؛ لأن الحُكْمَ للأغلَبِ، وكذلك إنْ تَسَاوَيَا؛ لأنَّ الأصلَ اعْتِبارُ الشَّرْطِ في الجَمِيعِ، وإنَّما سَقَطَ اعْتِبارُه فيما كان مُعْظَمُ المَقْصُودِ منه ظاهِرًا تَبَعًا، فَفِيما عَدَاهُ يَبْقَى على الأصْلِ.
1712 -
مسألة: (وَالْحَصَادُ وَاللِّقَاطُ على المُشْتَرِي)
وكذلك1
فَإِنْ بَاعَهُ مُطْلَقًا، أو بِشَرْطِ التبقِيَةِ، لَمْ يَصِحَّ،
جِذاذُ الثَّمَرَةِ إذا اشْتَراها في شَجَرِها؛ لأنَّ نَقْلَ المَبِيعِ وتَفْرِيغَ مِلْكِ البائِعِ منه على المُشْتَرِي، كنَقْلِ الطَّعامِ المَبِيعِ من دارِ البائِعِ.
ويُفارِقُ الكيلَ والوَزْنَ، فإنَّهما على البائِعِ؛ لأنَّهُما من مُؤنَةِ تَسْلِيم المَبِيعِ إلى المُشْتَرِي، والتَّسْلِيمُ على البائِعِ، وههُنا حَصَلَ التَّسْلِيمُ بالتَّخْلِيَةِ بدونِ القَطْعِ، بدَلِيلِ جَوازِ التَّصَرُّفِ فيها.
وهذا مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا.
1713 -
مسألة: (فإن باعَهُ مُطْلَقًا، أو بشَرْطِ التبقِيَةِ، لم يَصِحَّ)
إذا باعَ الثَّمَرَةَ قبلَ بُدُوِّ 1 صَلاحِها، أو الزَّرْعَ قبلَ اشْتِدادِ حَبِّهِ، بشَرْطِ التبقِيَةِ، لم يَصِحَّ إجْمَاعًا، وقد ذَكَرْنَاهُ.
وكذلك إذا باعَها ولمِ يَشْتَرطْ تَبْقِيَةً ولا قَطْعًا.
وبه قال مالِك، والشّافِعِيُّ.
وأجازَهُ أبو حَنِيفةَ؛ لَأنَّ إطْلَاقَ العَقْدِ يَقْتَضِي القَطْعَ، فَحُمِلَ عليه، كما لو اشْتَرَطَه، قالُوا: ومَعْنَى النَّهْي أنْ يَبيعَها مُدْرِكَةً قبلَ إدْرَاكِها، بدَلِيلِ قَوْلِه في الحَدِيثِ: «أرَأيتَ
..................................
إن مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأخُذُ أحَدُكُمْ مال أخِيهِ؟» 1 فلَفْظَةُ المَنْعِ تَدُلُّ على أنَّ العَقْدَ يَتَناوَلُ مَعْنى هو مَقْصُودٌ في الحالِ، حتى يُتَصَوَّرَ المَنْعُ.
ولَنا، النَّهْيُ المُطْلَقُ عن بَيعِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، فيَدْخُلُ فيه مَحَلُّ النّزاعِ، واسْتِدْلالُهم بسِياقِ الحَدِيثِ يَدُلُّ على هَدمِ قاعِدَتِهم التي قَرَّرُوها، في أنّ إطْلاقَ العَقْدِ يَقْتَضِي القَطْعَ، ويُقَرِّرُ ما قُلْنا، من أنَّ إطْلَاقَ العَقْدِ يَقْتَضِي التبقِيَةَ، فيَصِيرُ العَقْدُ المُطْلَقُ كالذي شُرِطَ فيه التبقِيَةُ، يَتَناوَلُهما النَّهْي جَمِيعًا، ويَصِحُّ تَعْلِيلُهما بالعِلَّةِ التي عَللَ بها النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - من مَنْعِ الثَّمَرَةِ وهَلاكِها.
فصل: وبَيعُ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها من غيرِ شَرْطِ القَطْعِ على ثَلاثَةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، أنْ يَبِيعَها مُنْفَرِدَةً لغَيرِ مالِكِ الأصْلِ، فلا يَصِحُّ.
وهذا الذي ذَكَرْناه، وبَيَّنَّا بُطلانَه.
الثاني، أنْ يَبِيعَها مع الأصلِ، فيَجُوزُ بالإِجْماعِ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ باعَ نَخْلًا بَعْدَ أنْ تُؤبَّرَ، فَثَمَرَتُها للذي باعَهَا، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَ 2 المُبْتَاعُ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. ولأنَّه إذا باعَها مع الأصْلِ حَصَلَتْ تَبَعًا في البَيعِ، فلم يَضُرَّ احْتِمالُ الغَرَرِ فيها، كما
..................................
احْتُمِلَتِ الجَهالةُ في بَيعِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ مع بَيعِ الشَّاةِ، وأساساتِ الحِيطانِ.
الثالِثُ، أنْ يَبِيعَها مُفْرَدَةً لمالِكِ الأصلِ، نحوَ أنْ تكونَ للبائِعِ، ولم يَشْتَرِطْها المُبْتَاعُ، فيَبِيعَها له بعد ذلك، أو يُوصِيَ لرَجُل بثَمَرَةِ نَخْلَةٍ فيَبِيعَها لوَرَثَةِ المُوصِي، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَصِحُّ.
وهو المَشْهُورُ عن مالِك، وأحَدُ الوَجْهَينِ لأصحابِ الشّافِعِيّ؛ لأنَّه يَجْتَمِعُ الأصلُ والثَّمَرَةُ للمُشْتَرِي، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَاهُما معًا.
ولأنه إذا باعَها لمالِكِ الأصْلِ، حَصَلَ التَّسْلِيمُ إلى المُشْتَرِي على الكَمالِ؛ لكَوْنِه مالِكًا لأصُولِها، فَصَحَّ، كبَيعِها مع أصْلِها.
والثاني، لا يَصِحُّ.
وهو الوَجْهُ الثانِي لأصْحابِ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ العَقْدَ تَنَاوَلَ الثمرَةَ خاصَّة، والغَرَرَ فيما تَنَاوَلَه العَقْدُ أصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو كانتِ الأصُولُ لأجنَبِي، ولأنها تَدْخل في عموم النَّهْي، بخِلافِ ما إذا باعَهُما معًا، فإنّه مُسْتَثنى بالخَبَرِ المَذْكُورِ، ولأنَّ الغَرَرَ فيما يَتَنَاوَلُه العَقْدُ أصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، ولا يَمْنَعُ إذا تَناوَلَه تبعًا، فإنَّه يَجُوزُ في التابع من الغَرَرِ هما لا يَجُوزُ في المَتْبُوعِ، كاللَّبَنِ في الضَّرْعِ، والحمْلِ مع الشّاةِ، وغيرِهما.
وإنْ باعَهُ الثَّمَرَةَ بشَرْطِ القَطعِ في الحالِ، صَحَّ، وَجْهًا واحِدًا، ولا يَلْزَمُ المُشْتَرِيَ الوَفاءُ بالشَّرْطِ، لأنَّ الأصلَ له.
وَإنِ اشْتَرَطَ الْقَطْعَ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ، أو طَالتِ
فصل: وإذا باعَ الزَّرْعَ الأخْضَرَ من غيرِ شَرْطِ القَطْعِ مع الأرْضِ، جازَ، كبَيعِ الثَّمَرَةِ مع الأصْلِ، وإنْ باعَهُ لمالِكِ الأرْضِ مُنْفَرِدًا، ففيه وَجْهَانِ، على ما ذَكَرْنا في الثَّمَرَةِ.
واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ الجوازَ.
وإنْ باعَهُ إيَّاهُ بشرْطِ القَطْعِ، جازَ، وَجْهًا واحِدًا، ولم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ الوَفاءُ بالشَّرْطِ؛ لأنَّ الأصْلَ له، فهو كبَيعِ الثَّمَرَةِ لمالِكِ الأصْلِ.
فصل: وإذا اشْتَرَى قَصِيلًا مِن شَعِيرٍ ونحوه، فقَطَعَه، ثم نَبَتَ، فهو لصاحِبِ الأرْضِ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ تَرَكَ الأصُولَ على سَبِيلِ الرَّفْضِ لها، فَسَقَطَ حَقُّه منها، كما يَسْقُطُ حَقُّ حاصِدِ (1) الزَّرْعِ من السّنابِلِ التي يَدَعُها، ولذلك أُبِيحَ الْتِقاطُها.
ولو سَقَطَ من الزَّرْعِ حَب، ثم نبَتَ من العامِ المُقْبِلِ، فهو لصاحِبِ الأرْضِ.
نَصَّ أحمدُ على هاتَينِ المسْألَتَين.
وممّا يُؤكِّدُ هذا، أنَّ البائِعَ لو أرادَ التَّصَرُفَ في أرْضِه بعدَ فَصْلِ الزَّرْعِ بما يُفْسِدُ الأصُولَ ويَقْلَعُها، كان له ذلك، ولم يَمْلِكِ المُشْتَرِي مَنْعَهُ.
1714 -
مسألة: (فإنْ باعَها بشَرْطِ القَطْعِ، ثم تَرَكَهُ المُشْتَرِي
1
الْجَزَّة، أوْ حَدَثَتْ ثَمَرَة أخْرَى فَلَمْ تَتَمَيَّزْ، أو اشْتَرَى عَرِيَّةً لِيَأكلَهَا رطَبًا، فَأتْمَرَتْ، بَطَلَ الْبَيعُ.
وَعَنْهُ، لَا يَبْطل، وَيَشتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ.
وَعَنْهُ، يَتَصَدَّقَانِ بِهَا.
حتى بَدَا الصَّلاحُ [في الثَّمَرَةِ، أو] 1، طالتِ الجَزَّةُ، أو حَدَثَتْ ثَمَرَة أخْرَى فلم تَتَميزْ، أو اشْتَرَى عَرِيةً ليَأكُلَها رُطَبًا، فأتْمَرَتْ، بَطَلَ البَيعُ.
وعنه، لا يَبْطُلُ، ويَشْتَرِكَانِ في الزِّيَادَةِ.
وعنه، يَتَصَدَّقَانِ بها) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في مَن اشترَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بشرْطِ القَطْعِ ثم تَرَكَها حتى بَدَا صَلَاحُها، فنَقَلَ عنه حَنْبَلٌ، وأبو طالب، أنَّ البَيعَ يَبْطُلُ.
اخْتَارَها الخِرَقِي.
قال القاضِي: هي أصَحُّ.
فعلى هذا يَرُدُّ المُشْتَرِي الثَّمَرَةَ إلى البائِعِ، ويَأخُذُ الثمَنَ.
ونَقَلَ أحمدُ بنُ سَعِيدٍ، أنَّ البَيعَ لا يَبْطُلُ.
وهو قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ أكثَرَ ما فِيه أنَّ المَبِيعَ اخْتَلَطَ بغَيرِه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى حِنْطَةً، فانْثَالتْ عليها أخْرَى، أو ثَوْبًا فاخْتَلَطَ بغَيرِه.
ونَقَلَ عنه أبو داودَ في من اشْتَرَى قَصِيلًا فمَرِضَ، أو تَوَانَى حتى صار شَعِيرًا، فإنْ أرادَ به حِيلَةً فَسَدَ البَيعُ وانْتَقَضَ.
وجَعَلَ بعضُ أصْحابِنا هذا رِوَايَةً
..................................
ثالِثَةً، في مَن قَصَدَ التبقِيَةَ.
وإلَّا لم يَفْسُدْ.
قال شَيخُنا 1: والظّاهِرُ أنّ هذه تَرْجِعُ إلى ما نَقَلَه أحمدُ بنُ سَعِيدٍ، فإنَّه يَتَعَيَّنُ حَمْلُ ما نَقَلَه أحمدُ بنُ سَعِيدٍ في صِحَّةِ البَيعِ على مَنْ لم يُرِدْ حِيلَةً، فإنْ أرادَ الحِيلَةَ، لم يَصِحَّ بحالٍ، إذ قد ثَبَتَ من مَذْهَبِ أحمدَ أنَّ الحِيَلَ كُلَّها باطِلَة.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأولَى أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الثمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها 2. فاسْتُثْنِيَ منه ما اشْتَراهُ بشَرْطِ القَطْع وقَطَعَه، بالإِجْماعِ، فيَبْقَى فيما عَدَاهُ على أصْلِ التَّحْرِيمِ، ولأنَّ التبقِيَةَ مَعْنى حَرَّمَ الشَّرْعُ اشْتِراطَه لِحَقِّ الله تِعالى، فأبْطَلَ العَقْدَ وجُودُه، كالنَّسِيئَةِ فيما يَحْرُمُ فيه النَّسَاءُ، وتَرْكِ التَّقَابُض فيما يُشْتَرَط 3 القَبْضُ فيه، ولأنَّ صِحَّة البَيعِ تَجْعَلُ ذلك ذَرِيعَةً إلى شِراءِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُو صَلاحِها وتَرْكِها حتى يَبْدُوَ صَلَاحُها، ووَسائِلُ الحرامِ حَرَام، كبَيعِ العِينَةِ.
ومتى حَكَمْنَا بفَسَادِ البَيعِ، فالثمَرَةُ كُلُّها للبائِعِ.
وعنه، أنَّهما يَتَصَدَّقانِ بالزِّيَادَةِ.
قال القَاضِي: هذا مُسْتَحَبٌّ؛ لوُقُوعِ الخِلافِ في مُسْتَحِقِّ الثَّمَرَةِ، فاسْتُحِبَّ الصَّدَقةُ بها، وإلَّا فالحَقُّ أنها للبائِع
..................................
تَبَعًا للأصْلِ، كسائِرِ نَماءِ المَبِيعِ المُتَّصلِ إذا رُدَّ على البائِعِ بفَسْخٍ أو بُطْلانٍ.
ونَقَلَ ابنُ أبي مُوسَى في «الإِرْشادِ» أنَّ البائِعَ والمُشْتَرِيَ يَشْتَرِكَانِ في الزِّيَادَةِ.
وإنْ قُلْنا: لا يَبْطُلُ العَقْدُ.
فقد رُوِيَ أنَّهُما يَشتَرِكَانِ في الزِّيادَةِ؛ لحُصُولِها في مِلْكِهما، فإنَّ الثمَرَةَ مِلْكُ المُشْتَرِي، والأصْلَ مِلْكُ البائِعِ، وهو سَبَبُ الزِّيَادَةِ.
وقال القاضِي: الزِّيادَةُ 1 للمُشْتَرِي،
..................................
كالعَبْدِ إذا سَمِنَ.
وحَمَلَ قَوْلَ أحمدَ: يَشْتَرِكانِ.
على الاسْتِحْبابِ.
والأوَّلُ أظهَرُ؛ لِما ذَكَرْنَا، فإنَّ الزيادَةَ حَصَلَتْ من أصلِ البائِعِ من غيرِ
..................................
اسْتِحْقاقِ تَرْكِها، فكان له فيها حَقّ، بخِلافِ سِمَنِ العَبْدِ، فإنَّه لا يَتَحَقَّقُ فيه هذا المَعْنَى، ولا يُشْبِهُه.
ولا يَصِحُّ حَمْلُ قولِ أحمدَ على الاسْتِحْبابِ؛ فإنَّه لا يُسْتَحَبُّ للبائِعِ أنْ يَأخُذَ من المُشْتَرِي ما لَا يَسْتَحِقُّه، بل ذلك حَرَام عليه، فكَيفَ يُستَحَبُّ! وعن أحمدَ، أنَّهما يَتَصَدَّقَانِ بالزيادَةِ.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، ومحمّدِ بنِ الحَسَنِ؛ لأنَّ عَينَ المَبِيعِ زادَ بجِهَةٍ مَحْظُورَةٍ.
قال الثَّوْرِيُّ: إذا اشْتَرَى قَصِيلًا، يأخُذُ رَأسَ مالِه، ويَتَصَدَّقُ بالباقِي.
ولأنَّ الأمْرَ اشْتَبَهَ في هذه الزّيادَةِ، فكان الأوْلَى الصَّدَقَةَ بها.
..................................
قال شَيخُنا 1: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هذا اسْتِحْبابًا؛ لأنَّ الصَّدقَةَ بالشُّبُهاتِ مُسْتَحَبَّة.
فإنْ أبيَا الصَّدَقَةَ بها، اشْتَرَكَا فيها.
والزِّيَادَةُ هي ما بَينَ قِيمَتِها يومَ الشِّراءِ وقِيمَتِها يومَ أخْذِها.
قال القاضِي: ويحَتمِلُ أنّه ما بَينَ قِيمَتِها قُبَيلَ بُدُوِّ صَلاحِها وقيمَتِها بعده؛ لأنَّ الثَّمَرَةَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها كانت للمُشْتَرى بنَمائِها، لا حَقَّ للبائِعِ فيها.
وكذلك الحُكْمُ في الرَّطْبَةِ إذا طالت، والزَّرْعِ الأخضَرِ إذا أدْجَنَ؛ لأنه في مَعْنَى الثّمَرَةِ، وهذا إذا لم يَقْصِدْ وَقْتَ الشراءِ تَأخِيرَه، ولم يَجْعَلْ شِراءَه بِشَرْطِ القَطعِ حِيلَةً على
..................................
المَنْهِيِّ عنه، من شِراءِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها ليَتْرُكَها حتى يَبْدُوَ صَلاحُها.
فإنْ قَصَدَ ذلك، فالبَيعُ باطِلٌ من أصْلِه؛ لأنَّه حِيلَة مُحَرَّمَةٌ.
وعند أبي حَنِيفَة، والشَّافِعِيِّ، لا حُكْمَ للقَصْدِ، والبَيعُ صَحِيحٌ.
وقد ذَكرنا ذلك في تَحْرِيمِ الحِيَلِ 1.
فصل: فإنْ حَدَثَتْ ثَمَرَة أخْرَى، أو باعَ شَجَرًا فيه ثَمَرَة للبائِع فحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أخْرَى، فإنْ تَمَيَّزَتْ، فلِكُلِّ واحِدٍ ثَمَرَتُه، وإنِ اخْتَلَطَا ولم تَتَمَيَّزْ واحِدَة منهما، فهما شَرِيكَانِ فيهما، كُلُّ واحِدٍ بقَدْرِ ثَمَرَتِه.
فإنْ لم يُعْلَمْ قَدْرُها 2 اصْطَلَحَا عَلَيهما، ولا يَبْطُلُ العَقْدُ في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ المَبِيعَ لم يَتَعَذَّرْ تَسْلِيمُه، وإنّما اخْتَلَطَ بغَيرِه، فهو؛ لو اشْتَرَى طَعامًا في مكانٍ، فانْثَال عليه طَعامٌ للبائِعِ، أو انْثال هو على طَعام للبائِعِ، ولم يُعْرَفْ قَدْرُ كُلِّ واحِدٍ منهما.
ويُفارِقُ هذا ما لو اشْتَرَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها فتَرَكَها حتى بَدَا صَلاحُها، فإنَّ العَقْدَ يَبْطُلُ في أظْهَرِ الروَايَتَينِ؛
..................................
لكَوْنِ اخْتِلاطِ المبِيعِ بغَيرِه حَصَلَ بارْتِكابِ نَهْي، وكَوْنِه يَتَّخِذُ حِيلَةً على شِراءِ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وههنا ما ارتْكَبَ نهيًا، ولا يَجْعَلُ هذا طَرِيقًا إلى فِعلِ المُحَرَّمِ.
وفيه رِوَايَةٌ أخْرَى، أنّه يَبْطُلُ.
ذَكَرَها أبو الخَطَّابِ كالمسألَةِ التي قَبْلَها.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ، وقد ذَكَرْنا الفَرْقَ بينهما.
وقال القاضِي: إنْ كانتِ الثَّمَرَةُ للبائِعِ، فحَدثَتْ ثَمَرَةٌ أخْرَى، قيلَ لكُل واحِدٍ: اسْمَحْ بنَصِيبِكَ لصاحِبِكَ.
فإنْ فَعَلَ أحَدُهما، أقرَرْنَا العَقْدَ، وأجْبَرْنَا الآخَرَ على القَبُولِ؛ لأنَّه يَزُولُ به النِّزاع.
فإنِ امْتَنَعَا، فَسَخْنا العَقْدَ؛ لتَعَذُّرِ وصُولِ كُل واحِدٍ منهما إلى قَدْرِ حَقه.
وإنِ اشْتَرَى ثمَرَةً، فحَدَثَتْ ثَمَرَة أخْرَى، لم نَقُلْ لِلمُشْتَرِي: اسْمَحْ بنَصِيبِكَ.
لأنَّ الثَّمَرَةَ كُلُّ المَبِيعِ، فلا يُؤمَرُ بتَخْلِيَته كُلِّه، ونَقُول للبائِعِ ذلك، فإنْ سَمَحَ بنَصِيبِه للمُشْتَرِي، أجْبَرْنَاهُ على القَبُولِ، وإلَّا فُسِخَ البَيعُ بينهما.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
قال ابنُ عَقِيل: لعلَّ هذا قَوْلٌ لبَعْضِ أصْحَابِنا، فإنَّنِي لم أجِدْه مَعْزِيًّا إلى أحمدَ.
والظّاهِرُ أنّ هذا اخْتِيارُ القاضِي، وليس بمَذْهَبٍ لأحمدَ.
ولو اشْتَرَى حِنْطَةً، فانْثالتْ عليها أخْرَى، لم يَنْفَسِخِ البَيعُ، والحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الثَّمَرَةِ تَحْدُثُ معها أخْرَى، على ما ذَكَرناه.
..................................
فصل: فإنِ اشْتَرَى عَرِيَّةً فتَرَكَها حتى أتمَرَتْ، بَطَلَ البَيعُ.
وهذا قَوْلُ الخِرَقِيِّ.
وعن أحمدَ أنّه لا يَبْطُلُ.
وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ؛ لأنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ جازَ بَيعُها رُطَبًا، لا يَبْطُلُ العَقْدُ إذا صارَت تَمْرًا، كغَيرِ العَرِيَّةِ، وكما لو قَطَعَهَا وتَرَكَها عنده حتى أتْمَرَتْ.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَأكُلُها أهْلُهَا 1 رُطَبًا» 2. ولأنَّ شِراءَها إنّما جازَ للحاجَةِ إلى أكلِ الرُّطَبِ، فإذا أتْمَرَتْ تَبَينا عَدَمَ الحاجَةِ، فيَبْطُلُ العَقْدُ.
ولا فَرْقَ بينَ تَرْكِه لغِنَاهُ عنها أو مع حاجَتِه إليها، أو تَرْكِها لعُذْرٍ أو لغَيرِ عُذْرٍ؛ للخَبَرِ.
ولو أخَذَها رُطَبًا، فتَرَكَها عندَه فأتْمَرَت، أو شَمَّسَها حتى صارَتْ تَمْرًا، جازَ؛ لأنَّه قد أخَذَها.
فإنْ أخَذَ بَعْضَها رُطَبًا، وتَرَكَ باقِيَها حتى أتمَرَ، فهل يَبْطُل البَيعُ فيما أتْمَرَ؟ على وَجْهَينِ.
وَإذَا اشْتَدَّ الحَبُّ وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرَةِ، جَازَ بَيعُهُ مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ التبقِيَةِ، وَلِلْمُشْتَرِي تَبْقِيَتُهُ إِلَى الْحَصَادِ والْجِدَادِ.
1715 - مسألة: (وإذَا اشْتَدَّ الحَبُّ وبَدَا الصَّلَاح في الثَّمَرِ، جازَ بَيعُه مُطْلَقًا، وبِشَرْطِ التبقِيَةِ، وللمُشْتَرِي تَبْقِيَتُه إلى الحَصادِ والجِذَاذِ)
إذا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ، جازَ بَيعُها مُطْلَقًا، وبِشَرْطِ القَطْعِ، وبشَرْطِ
..................................
التبقِيَةِ.
وهو قَوْلُ مالك، والشّافِعِيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، وأصْحابُه: لا يَجُوزُ بشَرْطِ التبقِيَةِ.
إلَّا أنّ محمّدًا قال: إذا تَنَاهَى عِظَمُها، جازَ.
واحْتَجُّوا بأنَّ هذا شَرَطَ الانْتِفَاعَ بمِلْكِ البائِعِ على وَجْهٍ لا يَقْتَضِيه العَقْدُ، فلم يَجُزْ، كما لو اشْتَرَطَ تَبْقِيَةَ الطّعَامِ في كُنْدُوجِه 1. ولَنا، أنَّ نَهْىَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ الثَّمَرَةِ حتى يَبْدُوَ صَلاحُها 2. يَدُلُّ بمَفْهُومِه على إباحة بَيعِها بعدَ بُدُوِّ صَلاحِهَا.
والمَنْهِيُّ عنه قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ عندَهم بَيعُها بشَرْطِ التبقِيَةِ، فيَجِبُ أنْ يكونَ ذلك جائِزًا بعدَ بُدُو الصَّلَاح، وإلَّا لم يكُنْ بُدُوُّ الصَّلَاحِ غايَةً، ولا يكُونُ في ذِكْرِه فائِدَة.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الثَّمَرَةِ حتى يَبْدُوَ صَلاحُها، وتَأمَنَ العاهَةَ 3. وتَعْلِيلُه بأمْنِ العَاهَةِ يَدُلُّ على التبقِيَةِ؛ لأنَّ ما يُقْطَعُ في الحالِ لا تُخافُ العاهَةُ عليه، وإذا بَدَا الصَّلاحُ فقد أمِنَتِ العَاهَةُ، فيَجُوزُ 4 أنْ يَجُوزَ بَيعُه مُبَقَّى لزَوَالِ عِلَّةِ المَنْعِ، ولأنَّ النَّقْلَ والتَّحْويلَ يَجِبُ في المَبيعِ 5 بحُكْمِ العُرْفِ، فإذا شَرَطَه، جازَ، كما لو اشترَطَ نَقْلَ الطَّعَامِ من مِلْكِ البائِعِ حَسَبَ
وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ سَقْيُهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، وَإنْ تَضَرَّرَ الأصْلُ.
العادَةِ.
وفي هذا انْفِصالٌ عمَّا ذَكَرُوه.
وكذلك إذا اشْتَدَّ الحَبُّ يَجُوزُ بَيعُه كذلك؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الحَدِيثِ: «حتى يَبْيَضَّ» (1). فجَعَلَ ذلك غايَةً للمَنْعِ من بَيعِه، فيَدُلُّ على الجَوازِ بعدَه.
وفي رِوايَةٍ: نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ الحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ (2). ولأنَّه إذا اشْتَدَّ حَبُّهُ بَدَا صَلاحُه، فصارَ كالثَّمَرَةِ إذا بَدَا صَلاحُها، وإذا اشْتَدَّ بَعْضُ حَبِّه، جازَ بَيعُ جَمِيعِ ما في البُسْتَانِ من نَوْعِه، كالشَّجَرَةِ [إذا بَدَا صَلَاحُ بعضِهَا.
وللمُشْتَرِي تَبْقِيَتُه إلى الحَصَادِ والجِذاذِ؛ لِما ذكرنا] (3).
1716 -
مسألة: (ويَلْزَمُ البائِعَ سَقْيُه إنِ احْتَاجَ إلى ذلك)
لأنَّه يَجِبُ عليه تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ كامِلَةً، وذلك يكونُ بالسَّقْي.
فإنْ قيلَ: فلِمَ قُلْتُم: إنَّه إذا باعَ الأصلَ وفيه ثمَرَةٌ للبائِعِ، لا يَلْزَمُ المُشْتَرِيَ سَقْيُها؟ قُلْنا: لأنَّ المُشْترِيَ ليس عليه تَسْلِيمُ الثمَرَةِ؛ لأنَّ البائِعَ لم يَمْلِكْها من جِهَتِه، وإنَّما بَقِيَ مِلْكُه عليها، بخِلافِ مسألتِنا.
فإنِ امْتَنَعَ البائِعُ من السقْي، لضَرَرٍ يَلْحَقُ بالأصْلِ، أجْبِرَ عليه؛ لأنَّه دَخَلَ على ذلك.
فصل: ويَجُوزُ لمُشْتَرِي الثَّمَرَةِ بَيعُها في شَجَرِها.
رُوِيَ ذلك عن الزُّبَيرِ بنِ العَوّامِ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وابن123
وَإنْ تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ.
وَعَنْهُ، إِنْ أتْلَفَتِ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا، ضَمِنَهُ الْبَائِعُ، وَإلَّا فَلَا، وَإنْ أتلَفَهُ آدَمِيٌّ، خُيِّرَ الْمُشتَرِي بَينَ الْفَسْخِ وَالإمْضَاءِ وَمُطَالبَةِ الْمُتْلِفِ.
المُنْذِرِ.
وكَرِهَهُ ابنُ عَبّاس، وعِكْرِمَةُ، وأبو سَلَمَةَ؛ لأنَّه بَيعٌ (1) له قبلَ قَبْضِه، فلم يَجُزْ، كما لو كان على وَجْهِ الأرْضِ ولم يَقْبِضْه.
ولَنا، أنّه يَجُوزُ له التَّصَرُّفُ فيه، فجازَ بَيعُه، كما لو قَطَعَه.
وقَوْلُهم: لم يَقْبِضْه.
مَمْنُوع، فإنَّ قَبْضَ كُلِّ شيءٍ بحَنبِه، وهذا قَبْضُه التَّخْلِيَةُ، وقد وُجِدَتْ.
1717 -
مسألة: (وإنْ تَلِفَتْ بجَائِحَةٍ من السَّماءِ، رَجَعَ على البائِعِ. وعنه، إنْ أتْلَفَتِ الثُّلُثَ فصاعِدًا، ضَمِنَه البائِعُ، وإلَّا فَلَا)
كُل ما تُهْلِكُه الجائِحَةُ من الثَّمَرِ على أصُولِه قبلَ أوانِ الجِذَاذِ من ضمانِ البائِعِ.
وبهذا قال أكثرُ أهْلِ المَدِينَةِ؛ منهم يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، ومالِكٌ، وأبو عُبَيدٍ، وجَماعَة من أهْلِ الحَدِيث.
وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ القَدِيمُ.
وقال أبو حَنِيفَةَ،1
..................................
والشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ: هو من ضَمانِ المُشْتَرِي؛ لما رُوِيَ أنَّ امْرأةً أتَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إنّ ابْنِي اشْتَرَى ثمرَةً من فلانٍ، فأذْهَبَتْها الجائِحَةُ، فسَأله أنْ يَضَعَ عنه، فتَألَّى أنْ لا يَفْعَلَ.
فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَألَّى فلانٌ أنْ لا يَفْعَلَ خَيرًا».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولو كانَ واجِبًا لأجبَرَه عليه.
ولأنَّ التَّخْلِيَةَ يَتَعَلَّقُ بها جَوازُ التَّصَرُّفِ، فتَعَلَّقَ بها الضّمانُ، كالنَّقْلِ والتَّحْويلِ، ولأنّه لا يَضْمَنُه إذا أتْلَفَه آدَمِيٌّ، كذلك لا يَضْمَنُه بإتْلافِ غيرِه.
ولَنا، ما رَوَى جابر، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، أمَرَ بوَضْعِ الجَوائِحِ.
وعنه قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنْ بِعْتَ من أخيكَ ثَمَرًا فأصَابَتْه جائِحَة، فلا يَحِلُّ لَكَ أنْ تَأخُذَ منه شَيئًا، بمَ تَأخُذُ مال أخِيكَ بغَيرِ حَقٍّ؟».
رَواهُما مُسْلِمٌ 2. ورَواهُ أبو دَاوُدَ 3، ولَفْظُه: «مَنْ باعَ ثَمَرًا، فأصَابَتْهُ
..................................
جائِحَةٌ، فلا يَأخُذْ منَ مالِ أخِيهِ شيئًا، عَلَامَ يَأخُذُ أحَدُكُم مال أخِيهِ المُسْلِمِ؟».
وهذا صَرِيحٌ في الحُكْمِ، فلا يُعْدَلُ عنه.
قال الشّافِعِيُّ: لم يَثْبُت عِنْدِي أنّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بوَضْعِ الجَوائحِ، ولو ثَبَتَ لم أعْدُه، ولو كُنْتُ قائِلًا بوَضْعِها لوَضَعْتُها في القَلِيلِ والكَثِيرِ.
قُلْنَا: الحَدِيثُ ثابِتٌ.
رَواهُ الإِمامُ أحمدُ، ومُسْلِم، وأبو دَاوُدَ، وابنُ ماجَه، وغيرُهم.
فأما حَدِيثُهم فلا حُجَّةَ لهم فيه؛ فإنَّ فِعْلَ الواجِبِ خَيرٌ، فإذا تَألَّى أنْ لا يَفْعَلَ الواجِبَ، فقد تَألَّى أنْ لا يَفْعَلَ خَيرًا.
وإنّما لم يُجْبِرْه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه بمُجَرَّدِ قَوْلِ أمِّ المُدَّعِى، من غيرِ إِقْرارِ البائِعَ ولا حُضُورِه.
وأمّا التَّخْلِيَةُ، فلَيسَتْ قَبْضًا تامًّا، بدَلِيلِ ما لو تَلِفَتْ بعَطَش عندَ بَعْضِهم.
ولا يَلْزَمُ من إباحَةِ التَّصَرُّفِ تمامُ القَبْضِ، بدَلِيلِ المنافِع في الإِجارَةِ يُباحُ التَّصَرُّفُ فيها، ولو تَلِفَتْ كانت من ضَمانِ المُوجِرِ، كذلك الثَّمَرَةُ في شَجَرِها، كالمَنافِعِ قبلَ اسْتِيفَائِها، تُؤخَذُ حَالًا فحالًا.
وقِياسُهُم يَبطُلُ بالتَّخْلِيَةِ في الإجارَةِ.
..................................
فصل: والجائِحَةُ كُلُّ آفَةٍ لا صُنْعَ لآدَمِيٍّ فيها؛ كالرِّيحِ، والحَرِّ، والبَرْدِ، والعَطَشِ؛ لما رَوَى السّاجِيّ 1 بإسْنادِه، عن جابِرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى في الجائِحَةِ، والجائِحَةُ تكونُ في البَرْدِ، والجرَادِ 2، والحَرِّ، وفي الحَبَقِ 3، وفي السَّيلِ، وفي الرِّيحِ.
وهذا تَفْسِيرٌ من الرّاوي لكَلَامِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فيَجِبُ الرّجُوعُ إليه.
فأمّا ما كان بفِعْلِ آدَمِي، فقال القاضِي: يُخَيَّرُ المُشْتَرِي بينَ فَسْخِ العَقْدِ ومُطَالبَةِ البائِعِ بالثَّمَنِ، وبينَ البَقاءِ عليه ومُطَالبَةِ الجانِي بالقِيمَةِ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ إذا أتْلَفَه آدَمِي قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه أمْكَنَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِه، بخِلافِ التالِفِ بِالجائِحَةِ.
إلَّا أنَّ في إحْراقِ اللُّصُوصِ ونَهْبِ العَسَاكِرِ والحَرامِيَّةِ وَجْهَينِ.
فإن قيلَ: فقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن رِبْحِ ما لم يَضْمَنْ 4. والثَّمَرَةُ غيرُ مَضْمُونَةٍ على المُشْتَرِي، فإذا كانتِ القِيمَةُ أكثَرَ من الثَّمَنِ فقد رَبِحَ فيه.
قُلنا: المُرادُ بالخَبَرِ النَّهْي عن الرِّبْحِ بالبَيعِ، بدَلِيلِ أنَّ المَكِيلَ لو زَادَتْ قِيمَتُه قبلَ قَبْضِه، ثم قَبَضَه، جازَ ذلك بالإجْماعِ.
..................................
فصل: وظاهِرُ المَذْهَبِ أنّه لا فَرْقَ بينَ قَلِيلِ الجائِحَةِ وكَثِيرِها، إلَّا أنّ ما جَرَتِ العادَةُ بتَلَفِ مِثْلِه، كاليَسِيرِ الذي لا يَنْضَبِطُ، لا يُلْتَفَتُ إليه.
قال أحمدُ: إنِّي لا أقولُ في عَشرِ ثَمَرَاتٍ، ولا عِشرِينَ، ولا أدرِى ما الثُّلُثُ، ولكنْ إذا كانت جائِحَة تَسْتَغْرِقُ الثُّلُثَ، أو الرُّبْعَ، أو الخُصْرَ،
..................................
تُوضَعُ.
وعن أحمدَ، أنّ ما دُونَ الثُّلُثِ من ضمانِ المشتَرِي.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ في القَدِيمِ؛ لأنّه لا بُدَّ أنْ يَأكلَ الطائِرُ منها، وتَنْثُرَ الرِّيحُ، ويَسْقُطَ منها، فلم يكُنْ بُدٌّ من ضابِطٍ وحَدٍّ 1، وَالثلُثُ قد اعْتَبَرَه
..................................
الشّارِعُ في الوَصِيَّةِ وعَطِيَّةِ المَرِيضِ.
قال الأثْرَمُ: قال أحمدُ: إنَّهُم يَسْتَعْمِلُونَ الثُّلُثَ في سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْألةٍ.
ولأن الثُّلُثَ في حَدِّ الكَثْرَةِ، وما دُونَه في حَدِّ القِلَّةِ، بدَلِيلِ قَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الوَصِيَّةِ: «الثُّلُثُ، والثُّلث كَثِير» 1. فلهذا قُدِّرَ به.
ولنا، عُمومُ الأحادِيثِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بوَضْعِ الجوائِحِ.
وما دُونَ الثُّلُثِ داخِل فيها، فيَجِبُ وَضْعُه.
ولأنَّ هذه الثَّمَرَةَ لم يتمَّ قَبْضُها، فكانَ ما تَلِفَ منها من ضَمانِ البائِعِ وإنْ نَقَصَ عن الثُّلُثِ، كالتي على الأرْضِ، وما أكَلَه الطَّيرُ أو سَقَطَ، لا يُؤثِّرُ في العادَةِ، ولا يُسَمَّى جائِحَة، فلا يَدْخُلُ في الخَبَرِ، ولأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فهو مَعْلُومُ الوُجُودِ بحُكْمِ العادَةِ، فكَأنه مَشْرُوط.
إذا ثَبَتَ ذلك، فمَتَى تَلِف شيء له قَدْر خارِج عن العادَةِ، وَضَعَ من الثَّمَنِ بقَدْرِ الذّاهِب.
وإنْ تَلِفَ الجَمِيعُ، بَطَلَ العَقْدُ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي بجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَأمّا على الروَايَةِ الثانِيَةِ، فإنَّه يَعْتَبِرُ ثُلُثَ الثَّمَرَةِ.
وقيل: ثُلُثَ القِيمَةِ.
فإنْ تَلِفَ الثُّلُثُ فما زادَ، رَجعَ بقِسْطِه من الثَّمَنِ، وإنْ كان دُونَه، لم يَرْجِعْ بشَيءٍ.
وإنِ اخْتَلَفَا في الجائِحَةِ، أو قَدْرِ التّالِفِ، فالقَوْلُ قولُ البائِعَ؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلَامَةُ، ولأنه غارِم، والقَوْلُ في الأصُولِ قَوْلُ الغارِمِ.
..................................
فصل: فإنْ بَلَغَتِ الثَّمَرَةُ أوانَ الجِذاذِ، فلم يَجُذَّها حتى أصَابَتْها جائِحَة، فقال القاضِي: عندي، لا تُوضَعُ عنه 1؛ لأَنه مُفرِّط بتَرْكِ النَّقْلِ في وَقْتِه مع قُدْرَتِه، فكان الضَّمانُ عليه.
ولو اشْتَرَى ثَمَرَةً قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بشَرْطِ القَطْعِ، فأمْكَنَه قَطْعُها، فلم يَقْطَعْها حتى تَلِفَت، فهي من ضَمانِه؛ لذلك.
وإنْ تَلِفَتْ قبلَ إمْكانِ قَطْعِها، فهي من مالِ البائِعِ، كالمسألةِ قَبْلَها.
..................................
فصل: فإنِ اسْتَأجَرَ أرْضًا، فزَرَعَها، فتَلِفَ الزَّرْعُ، فلا شيءَ على المُؤجِرِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه مَنافِعُ الأرْضِ، ولم يَتْلَفْ، إنَّما تَلِفَ مالُ المُسْتَأجِرِ فيها، فصارَ كدارٍ اسْتَأجَرَها لِيَقْصُرَ فيها ثِيابًا، فتَلِفَتِ الثيابُ فيها.