الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 207-247

كِتَابُ الْحُدُودِ

صفحات 207-247

وَمَتَى رَجَعَ الْمُقِرُّ بِالْحَدِّ عَنْ إِقْرَارِهِ، قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ رَجَعَ فِى أَثْنَاءِ  ذلك أْبعَدُ لهم مِن التُّهْمَةِ في الكَذِبِ عليه.

4392 -

مسألة: (ومتى رَجَع المُقِرُّ بالحَدِّ عن إقْرارِه، قُبِل منه،

الْحَدِّ، لَمْ يُتَمَّمْ.
وإن رَجَع في أثْناءِ الحَدِّ، لم يُتَمَّمْ) وجملةُ ذلك، أنَّ مِن شَرْطِ إِقامَةِ الحَدِّ بالإِقْرارِ البَقاءَ عليه إلى تَمامِ الحَدِّ، فإن رَجَع عن إقْرارِه، كُفَّ عنه.
وبهذا قال عَطاءٌ، ويَحيى بنُ يَعْمُرَ، والزُّهْرِىُّ، وحَمَّاد، ومالكٌ، والثَّورِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ.
وقال الحسنُ، وسعيدُ ابنُ جُبَيْرٍ، وابنُ أبى لَيْلَى: يُقامُ عليه الحَدُّ ولا يُتْرَكُ، لأن ماعِزًا هَرَب فقَتلُوه.
ورُوِىَ أنَّه قال: رُدُّونِى إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإِنَّ قَوْمِى هم غَرُّونِى مِن نَفْسِى، وأخْبَرُونِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- غيرُ قاتِلى.
فلم يَنْزِعُوا عنه حتى قَتَلُوه.
رَواه أبو داودَ 1. ولو قُبِلَ رُجُوعُه، للَزِمَتْهُم دِيَتُه، ولأنَّه حَقٌّ وَجَب بإقْرارِه، فلم يُقْبَلْ رُجُوعُه، كسائرِ الحُقوقِ.
وحُكِىَ عن الأوْزاعِىِّ، أنَّه إن رَجَع حُدَّ للفِرْيَةِ على نَفْسِه، وإن رَجَع عن السَّرِقَةِ والشُّرْبِ، ضُرِب دُونَ الحَدِّ.
ولَنا، أنَّ ماعِزًا هَرَب، فذُكِرَ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-,

..................................  فقال: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» 1. قال ابنُ عبدِ البَرِّ 2: ثَبَت مِن حديثِ أبى هُرَيْرَةَ، وجابرٍ، ونُعَيْمِ بنِ هَزَّالٍ، ونَصْرِ بنِ دَهْرٍ 3، وغيرِهم، أنَّ ماعِزًا لمّا هَرَب، فقال لهم: رُدُّونِى إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ، يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ».
ففى هذا أوْضَحُ الدَّلائِلِ على أنَّه يُقْبَلُ رُجُوعُه.
وعن بُرَيْدَةَ، قال: كنّا أصحابَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَتَحَدَّثُ أنَّ الغامِدِيَّةَ وماعزَ بنَ مالكٍ، لو رَجَعا بعدَ اعْتِرافِهما.
أو قال: لو لم يَرْجِعا بعدَ اعْتِرافِهما، لم يَطْلُبْهما، وإنَّما رَجَمَهما عندَ الرّابعةِ.
رَواه أبو داودَ 4. ولأَنَّ رُجوعَه شُبْهَةٌ، والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأَنَّ الإِقْرارَ أحَدُ بَيِّنَتَى الحَدِّ، فيَسْقُطُ بالرُّجوعِ عنه، كالبَيِّنَةِ إذا رَجَعَتْ قبلَ إقامَةِ الحَدِّ، وفارَقَ سائِرَ الحُقوقِ، فإنَّها لا تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ.
وإنَّما لم يَجِبْ ضَمانُ ماعِزٍ على الذين قَتَلُوه بعدَ هَرَبِه؛ لأنَّه ليس بصَرِيحٍ في الرُّجوعِ.

وَإِنْ رُجِمَ بِبَيِّنَةٍ فَهَرَبَ، لَمْ يُتْرَكْ، وَإِنْ كَانَ بِإِقْرَارٍ، تُرِكَ.

4393 - مسألة: (وإن رُجِم ببَيِّنَةٍ فهَرَب، لم يُتْرَكْ، وإن كان بإقْرارٍ، تُرِكَ)

إذا ثَبَت الحَدُّ عليه بإقْرارِه فهَرَب، لم يُتْبَعْ؛ لقول رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ».
وإن لم يُتْرَكْ وقُتِلَ، لم يُضْمَنْ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُضَمِّنْ ماعِزًا مَن قَتَلَه، ولأَنَّ هَرَبَه ليس بصَرِيحٍ في رجُوعِه.
فإن قال: رُدُّونِى إلى الحاكِمِ.
وَجَب رَدُّه، ولم يَجُزْ إتْمامُ الحَدِّ، فإن أُتِمَّ، فلا ضَمانَ على مَن أتَمَّه؛ لِما ذَكَرْنا في هَرَبِه.
وإن رَجَع عن إقْرارِه، وقال: كَذَبْتُ في إقْرارِى.
أو: رَجَعْت عنه.
أو: لم أفْعَلْ ما أقْرَرْتُ به.
وَجَب تَرْكُه، فإن قَتَلَه قاتِلٌ بعدَ ذلك، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه قد زال إقْرارُه بالرُّجوع عنه، فصارَ كمَن لم يُقِرَّ، ولا قِصاصَ على قاتِلِه؛ لأَنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفوا في صِحَّةِ رُجُوعِه، فكان اخْتِلافُهم شُبْهَةً [دارِئَةً للقصاصِ] 1، ولأَنَّ

فَصْلٌ: وَإِذَا اجْتَمَعَتْ حُدُودٌ للَّهِ فِيهَا قَتْلٌ، اسْتُوفِىَ وَسَقَطَ سَائِرُهَا.
صِحَّةَ الرُّجوعِ ممَّا يَخْفَى، فيكونُ ذلك عُذْرًا مانِعًا مِن وُجوبِ القِصاصِ.
فأمَّا إن رُجِمَ ببَيِّنَةٍ فهَرَبَ، لم يُتْرَكْ؛ لأَنَّ زِناه ثَبَت على وَجْهٍ لا يَبْطُلُ برُجوعِه، فلم يُؤثِّرْ فيه هَرَبُه، كسائرِ الأحْكامِ.
واللَّهُ أعلمُ.

فصل

: (وإذا اجْتَمَعَتْ حُدودٌ للَّهِ) تعالى (فيها قَتْلٌ، اسْتُوفِىَ، وسَقَط سائِرُها) إذا اجْتَمَعَتِ الحُدودُ، لم تَخْلُ مِن ثلاثةِ أقسامٍ؛

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فيها قَتْلٌ؛ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ مِثْلَ أَنْ زَنَى، أَوْ سَرَقَ، أَوْ شَرِبَ مِرَارًا، أَجْزَأَ حَدٌّ وَاحِدٌ.
أحدُها، أن تكونَ خالِصَةً للَّهِ تعالى، فهى نَوْعان؛ أحدُهما، أن يكونَ فيها قتلٌ، مثلَ أن يَسْرِقَ ويَزْنِىَ وهو مُحْصَنٌ، ويَشْرَبَ ويَقْتُلَ في المُحارَبَةِ، فهذا يُقْتَلُ، ويَسْقُطُ سائِرُها.
وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وعطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، ومالكٍ، وحَمّادٍ، وأبى حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: تُسْتَوفَى جميعُها؛ لأَنَّ ما وَجَب مع غيرِ القَتْلِ، وَجَب مع القتلِ، كقَطْعِ اليَدِ قِصاصًا.
ولَنا، قولُ ابنِ مسعودٍ، قال سعيدٌ: ثَنا حَسَّانُ بنُ منصورٍ، ثنا مُجالِدٌ، عن عامِرٍ، عن مَسْرُوقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: إذا اجْتَمَعَ حَدَّانِ، أحدُهما القتلُ، أحاطَ القتلُ بذلك 1. وقال إبراهيمُ: يَكْفِيه القتلُ.
وقال: ثنا هُشَيْمٌ، أنا حَجَّاجٌ، عن إبراهيمَ، والشَّعْبِىِّ، وعَطاءٍ، أنَّهم قالوا مثلَ ذلك 2. وهذه أقْوالٌ انْتَشَرَتْ في عَصْرِ 3 الصَّحابةِ والتابعِين، ولم يَظْهَرْ لها

..................................  مُخالِفٌ، فكانت إجْماعًا، ولأنَّها حُدودٌ للَّهِ فيها قَتْلٌ، فسَقَط ما دُونَه، كالمُحارِبِ إذا قَتلَ وأخذَ المالَ، فإنَّه يُكْتَفَى بقَتْلِه، ولأَنَّ هذه الحُدودَ تُرادُ 1 لمُجَرَّدِ الزَّجْرِ 2، ومع القَتْلِ لا حاجةَ إلى زَجْرِه؛ لأنَّه لا فائدةَ فيه 3، فلا يُشْرَعُ 4، ويُفارِقُ القِصاصَ؛ فإنَّ فيه غَرَضَ التَّشَفِّى والانْتِقامِ، ولا يُقصَدُ فيه مُجَرَّدُ الزَّجْرِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا وُجِدَ ما يُوجِبُ الرَّجْمَ والقتلَ للمُحارَبَةِ، أو القتلَ للرِّدَّةِ، أو لتَرْكِ الصَّلاةِ، فيَنْبَغِى أن يُقْتَلَ للمُحارَبَةِ ويَسْقُطَ الرَّجْمُ؛ لأَنَّ في القَتْلِ للمُحارَبَةِ حَقَّ آدَمِىٍّ في القِصاصِ، وإنَّما آثرَتِ المُحارَبَةُ تَحَتُّمَه، وحَقُّ الآدَمِىِّ يَجِبُ تَقْدِيمُه.
النوعُ الثانى، أن لا يكونَ فيها قتلٌ، فإن كانت مِن جِنْسٍ، مثلَ أن زَنَى، أو سَرَق، أو شَرِب مِرارًا قَبلَ إقامَةِ الحَدِّ عليه، أجْزَأَ حَدٌّ واحدٌ، بغيرِ خلافٍ عَلِمْناه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ،

وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ، اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا، وَيُبْدَأُ بِالْأَخَفِّ فَالأَخَفِّ.
وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو يوسفَ، وأبو ثَوْرٍ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
فإن أُقِيمِ عليه الحَدُّ، ثم حدَثَتْ منه جنايَةٌ أُخْرَى، ففيها حَدُّها، لا نعلمُ فيه خِلافًا.
وقد سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الأمَةِ تَزْنِى قبلَ أن تُحْصِنَ 1، فقال: «إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا, ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا» 2. ولأَنَّ تَداخُلَ الحُدودِ إنَّما يكونُ مع اجْتماعِها، والحدُّ الثَّانِى وَجَب بعدَ سُقوطِ الحَدِّ الأَوَّلِ باسْتِيفائِه (وإن كانت مِن أجْناسٍ، اسْتُوفِيَتْ كلُّها) بغَيْرِ 3 خِلافٍ نعلَمُه 4 (ويُبْدَأُ بالأخَفِّ فالأخَفِّ) فإذا شَرِب وزَنَى [وسَرَق] 5، حُدَّ للشُّرْبِ أوَّلًا، ثم حُدَّ للزِّنَى، ثم قُطِعَ للسَّرِقَةِ.
وإن أخَذَ المالَ في المُحارَبَةِ، قُطِعَ لذلك، ويدخلُ فيه القَطْعُ للسَّرِقَةِ؛ لأَنَّ مَحَلَّ القَطْعَيْن واحدٌ، فتَداخَلا، كالقَتْلَيْن.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يتَخيَّرُ بينَ البَداءَةِ بحَدِّ الزِّنَى وقَطْعِ السَّرِقَةِ؛

وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ، فَتُسْتَوْفَى كُلُّهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا قَتْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَيُبْدَأُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ.
لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما ثَبَت بنَصِّ القُرْآنِ، ثم يُحَدُّ للشُّرْبِ.
ولَنا، أنَّ حَدَّ الشُّرْبِ أَخَفُّ، فيُقَدَّمُ، كحَدِّ القَذْفِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ حَدَّ الشُّرْبِ غيرُ منْصوصٍ عليه، فإنَّه مَنْصُوصٌ عليه في السُّنَّةِ، ومُجْمَعٌ على وُجُوبِه، وهذا التَّقْدِيمُ (1) على سَبِيلِ الاسْتِحْباب.
ولو بَدَأ بغيرِه جازَ ووَقَع المَوْقِعَ.
ولا يُوالِى بينَ هذه الحُدودِ، لأنَّه رُبَّما أفْضَى إلى تَلَفِه، بل متى بَرَأ مِن حَدٍّ أُقِيمَ عليه الذى يَلِيه.

4394 -

مسألة: (وأمَّا حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، فتُسْتَوْفَى كلُّهَا، سَواءٌ كان فيها قَتْلٌ أوِ لم يَكُنْ. ويُبْدَأُ بغيرِ القَتْلِ)

وهى القِصاصُ، وحَدُّ القَذْفِ، فهذه تُسْتَوْفى كلُّها، ويُبْدَأُ بأخَفِّها، فيُحَدُّ للقَذْفِ، ثم يُقْطَعُ، ثم يُقْتَلُ، لأنَّها حُقوق لآدَمِيِّينَ أمْكَنَ اسْتِيفاؤُها، فوَجَب، كسائِرِ حُقوقِهم.
وهذا قولُ الأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَدْخُلُ ما دُونَ القَتْلِ فيه؛ لِما رُوِى عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ أنَّه قال: إذا اجْتَمَعَ حَدَّانِ، أحَدُهما القَتْلُ، أحاطَ القَتْلُ بذلك.
رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه» 2.1

وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَعَ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، بُدِئَ بِهَا، فَإِذَا زَنَى وَشَرِبَ وَقَذَفَ وَقَطَعَ يَدًا، قُطِعَتْ يَدُهُ أوَّلًا، ثُمَّ حُدَّ لِلْقَذْفِ، ثُمَّ لِلشُّرْبِ، ثُمَّ لِلزِّنَى.
وَلَا يُسْتَوْفَى حَدٌّ حَتَّى يَبْرَأَ مِنَ الَّذِى قَبْلَهُ.
وقِياسًا على الحُدودِ الخالِصَةِ للَّهِ تعالى.
ولَنا، أنَّ ما دُونَ القَتْلِ حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فلم يَسْقُطْ به، كدُيُونِهِم، وفارَقَ حَقَّ اللَّهِ تعالى، فإنَّه مَبْنِىٌّ على المُسامَحَةِ.

4395 -

مسألة: (فإنِ اجْتَمَعَتْ مع حُدُودِ اللَّهِ تعالى، بُدِئَ بِها)

إذا اجتمعت حُدودُ اللَّهِ تعالى وحُدودُ الآدَمِيِّين، فهذه ثلاثةُ أنْواع؛ أحدُها، أن لا يكونَ فيها قتلٌ، فهذه تُسْتَوْفَى كلُّها.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وعن 1 مالكٍ أنَّ حَدَّ الشُّرْبِ والقَذْفِ يَتَداخلانِ؛ لاسْتوائِهما، فهما كالقَتْلَيْن والقَطْعَيْن.
ولَنا، أنَّهما حَدَّان مِن جنْسَيْن، لا يَفُوتُ بهما المَحَلُّ، فلم يَتَداخَلَا، كحَدِّ الزِّنى والشُّرْبِ، ولا نُسَلِّمُ اسْتواءَهما، فإنَّ حَدَّ الشُّرْبِ أربعون، وحَدَّ القَذْفِ ثمانون، وإن سُلِّمَ اسْتِواؤهما، لم يَلْزَمْ تَداخُلُهما؛ لأَنَّ ذلك لو اقْتَضَى تَداخُلَهما، لَوجَبَ

..................................  دُخُولُهما في حَدِّ الزِّنَى؛ لأَنَّ الأقَلَّ ممّا يَتَداخَلُ يَدْخُلُ في الأكْثَرِ، وفارَقَ القَتْلَيْن والقَطْعَيْن؛ لأَنَّ المَحَلَّ يَفوتُ بالأوَّلِ، فيَتَعَذَّرُ اسْتِيفاءُ الثانى، فهذا بخِلافِه.
فعلى هذا، يُبْدأُ بحَدِّ القَذْفِ؛ لأنَّه اجْتَمَعَ فيه معنيان؛ خِفَّتُه، وكَوْنُه حَقًّا لآدَمِىٍّ شحيحٍ 1، إلَّا إذا قُلْنا: حَدُّ الشُّرْبِ أربعون.
فإنَّه يُبْدأُ به؛ لخِفَّتِه، ثمِ بحَدِّ القَذْفِ، وأيُّهما قُدِّمَ، فالآخَرُ يلِيه، ثم بحَدِّ الزِّنى؛ لأنَّه لا إتْلاف فيه، ثم بالقَطْعِ.
هكذا ذَكَرَه القاضى.
وقال أبو الخَطَّابِ: يُبْدَأُ بالقَطْعِ قصاصًا؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ مُتَمَحِّضٌ، فإذا بَرَأِ حُدَّ للقَذْفِ، إذا قُلْنا: هو حَقُّ آدَمىٍّ.
ثم بحَدِّ الشُّرْبِ، فإذا بَرَأ حُدَّ للزِّنى؛ لأَنَّ حَقَّ الآدَمِىِّ يَجِبُ تَقْدِيمُه لتَأكُّدِه.
النَّوعُ الثانى، أن تَجْتَمِعَ حُدودٌ للَّهِ تعالى وحُدودٌ لآدمِىٍّ، وفيها قَتْلٌ، فإنَّ حُدودَ اللَّهِ تعالى تَدْخُلُ في القتلِ، سواءٌ كان مِن حُدودِ اللَّهِ تعالى، كالرَّجْمِ في الزِّنى، والقَتْلِ في المُحارَبةِ أو الرِّدَّةِ، أو لحَقِّ آدَمِىٍّ،

..................................  كالقِصاصِ؛ لِما قَدَّمْنا.
وأمَّا حُقوقُ الآدَمِىِّ، فتُسْتَوْفَى كلُّها.
ثم إن كان القَتْلُ حَقًّا للَّهِ تعالى، اسْتُوفِيَتِ الحُقوقُ كلُّها مُتَوالِيَةً؛ لأنَّه لا بُدَّ مِن فَواتِ نفْسِه، فلا فائِدَةَ في التَّأخِيرِ، وإن كان القَتْلُ حَقًّا لآدَمِىٍّ، انْتُظِرَ باسْتِيفاءِ الثانى بُرْؤُه مِن الأَوَّلِ؛ لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ المُوالاةَ بينَهما يَحْتَمِلُ أن تُفَوِّتَ نفسَه قبلَ القِصاصِ، فيَفُوتَ حَقُّ الآدَمِىِّ.
والثانى، أنَّ العَفْوَ جائِزٌ، فتَأْخِيرُه يَحْتَملُ أن يَعْفُوَ الوَلِىُّ فيَحْيَا، بخِلافِ القَتْلِ حَقًّا للَّهِ سبحانَه.
النَّوْعُ الثالثُ، أن يَتَّفِقَ الحَقَّانِ في مَحَلٍ واحدٍ، كالقَتْلِ والقَطْعِ قِصاصًا وحَدًّا؛ فأمَّا القَتْلُ، فإن كان فيه ما هو خالصٌ لحَقِّ اللَّه تعالى، كالرَّجْمِ في الزِّنَى، وما هو حَقٌّ لآدَمِىٍّ، كالقِصاصِ، قُدِّمَ

..................................  القِصاصُ، لتَأَكُّدِ حَقِّ الآدَمِىِّ.
وإنِ اجْتَمَعَ القَتْلُ للقتلِ 1 في المُحارَبَةِ والقِصاصُ، بُدِئَ بأسْبَقِهما 2؛ لأَنَّ القَتْلَ في المُحارَبةِ فيه حَقٌّ لآدَمِىٍّ أيضًا، فقُدِّمَ أسْبَقُهُما، فإن سَبَق القَتْلُ في المُحارَبَةِ اسْتُوفِىَ، ووَجَبَ لولِىِّ المَقْتُولِ الآخرِ دِيَتُه في مالِ الجانِى، وإن سَبَق القِصاصُ، قُتِلَ قِصاصًا، ولم يُصْلَبْ؛ لأَنَّ الصَّلْبَ مِن تَمامِ الحَدِّ، وقد سَقَط الحَدُّ بالقِصاصِ، فسَقَط الصَّلْبُ، كما لو مات.
ويجبُ لوَلِىِّ المَقْتُولِ في المحارَبةِ دِيَتُه؛ لأَنَّ القَتْلَ تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤه وهو قِصاصٌ، فصار الوجوبُ إلى الدِّيَةِ.
وهكذا لو مات القاتِلُ في المُحارَبَةِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ في تَرِكَتِه، لتَعَذُّرِ اسْتِيفاءِ القَتْلِ مِن القاتلِ.
ولو كان القِصاصُ سابِقًا، فعَفَا وَلِىُّ المقْتُولِ، اسْتُوفِىَ القَتْلُ للمُحارَبَةِ، سَواءٌ عفا مُطْلَقًا أو إلى الدِّيَةِ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وأمَّا القَطْعُ، فإذا اجْتَمَعَ وُجوبُ القَطْعِ في يَدٍ أو رِجْلٍ قِصاصًا وحَدًّا، قُدِّمَ القِصاصُ على الحَدِّ المُتَمَحِّضِ للَّهِ تعالى، لِما ذَكَرْناه.
وسَواءٌ تَقَدَّمَ سَبَبُه أو تَأَخَّرَ.
وإن عَفا وَلِىُّ الجِنايةِ، اسْتُوفِىَ الحَدُّ، فإذا قَطَع يَدًا وأخَذَ المالَ في المُحارَبَةِ، قُطِعَتْ يَدُه قِصاصًا، ويُنْتَظَرُ بُرْؤُه، فإذا بَرَأ قُطِعَتْ

..................................  رِجْلُه للمُحارَبةِ؛ لأنَّهما 1 حَدَّانِ.
وإنَّما قُدِّمَ القِصاصُ في القَطْعِ [دُونَ القتلِ؛ لأَنَّ القَطْعَ في المُحارَبةِ حَدٌّ مَحْضٌ، وليس بقِصاصٍ، القتلُ فيهما يَتَضَمَّنُ القِصاصَ] 2، ولهذا لو فات القَتْلُ في المُحارَبةِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ، ولو فات القَطْعُ، لم يَجِبْ له بَدَلٌ.
وإذا ثَبَت أنَّه يُقَدَّمُ القِصاصُ على القَطْعِ في المُحارَبةِ، فقَطَع اليَدَ قِصاصًا، فإنَّ رِجْلَه تُقْطَعُ، وهل تُقْطَعُ يَدُه الأُخْرَى؟ نَظَرْنا؛ فإن كان المَقْطُوعُ بالقِصاصِ قد كان مُسْتَحِقَّ القَطْعِ بالمُحارَبَةِ قبلَ الجِنايةِ المُوجِبَةِ للقِصاصِ فيه، لم يُقْطَعْ أكثرُ مِن العُضْوِ الباقِى فِي العُضْوَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتُحِقَّ قَطْعُهما؛ لأَنَّ مَحَلَّ القَطْعِ ذَهَب بعارِضٍ حادثٍ، فلم يَجِبْ قَطْعُ بَدَلِه، كما لو ذَهَب بعُدْوانٍ أو بمَرَضٍ.
وعلى هذا لو ذَهَب العُضْوان جميعًا، سَقَط القَطْعُ عنه بالكُلِّيَّةِ.
وإن كان سَبَبُ القَطْعِ قِصاصًا سابِقًا على مُحارَبَتِه، أو كان المَقْطُوعُ غيرَ العُضْوِ الذى وَجَب قَطْعُه في المُحارَبةِ، مثلَ أن وَجَب عليه القِصاصُ في يَسارِه بعدَ وُجُوبِ قَطْعِ يُمْناه في المُحارَبةِ، فهل تُقْطَعُ اليَدُ الأُخْرَى للمُحارَبةِ؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على الرِّوايَتَيْن في قَطْعِ يُسْرَى السَّارِقِ بعدَ

فَصْلٌ: وَمَنْ قَتَلَ أَوْ أتَى حَدًّا خَارِجَ الْحرَمِ، ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ،  قَطْعِ يَمِينِه، إن قُلْنا: تُقْطَعُ ثَمَّ.
قُطِعَتْ ههُنا، وإلَّا فلا.
وإن سَرَق وأخَذَ المالَ في المُحارَبةِ، قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى لأسْبَقِهما، فإن كانتِ المُحارَبةُ سابقةً، قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى ورِجْلُه اليُسْرَى في مَقامٍ واحدٍ، وحُسِمتا.
وهل تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْه للسَّرِقَةِ؟ على الرِّوايَتَيْن؛ فإن قُلْنا: تُقْطَعُ.
انْتُظِرَ بُرْؤه مِن القَطْعِ للمُحارَبةِ؛ لأنَّهما حَدَّان.
وإن كانتِ السَّرقَةُ سابقةً، قُطِعَتْ يُمْناه للسَّرِقَةِ، ولا تُقْطَعُ رِجْلُه للمُحارَبَةِ حتى تَبْرَأَ يَدُه.
وهل تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْه للمُحارَبةِ؟ على وَجْهَيْن.

فصل

: وإن سَرَق وقَتَل في المُحارَبَةِ، ولم يَأْخُذِ المالَ، قُتِلَ حَتْمًا، ولم يُصْلَبْ، ولم تُقْطَعْ يَدُه؛ لأنَّهما حَدَّان فيهما قَتْل، فدَخَل ما دونَ القَتْل فيه، ولم يُصْلَبْ؛ لأَنَّ الصَّلْبَ مِن تَمامِ حَدِّ قاطِعِ الطَّريقِ إذا أخَذ المالَ مع القتلِ، ولم يُوجَدْ، وهذان حَدَّان كلُّ واحدٍ منهما مُنْفَصِلٌ عن صاحِبِه، فإذا اجْتَمَعا تَداخَلا.
وإن قَتَل في المُحارَبةِ جماعةً، قُتِلَ بالأوَّلِ حَتْمًا، وللباقِينَ دِيَاتُ أوْلِيائِهم؛ لأَنَّ قَتْلَه اسْتُحِقَّ بقَتْلِ الأَوَّلِ، وتَحَتَّمَ بحيثُ لا يسْقُطُ، فتَعَيَّنتْ حُقوقُ الباقِين في الدِّيَةِ، كما لو مات 1. فصل 2: (ومَن قَتَل، أو أتَى حَدًّا خارِجَ الحَرَمِ، ثم لَجَأ

لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِيهِ، وَلَكِنْ لَا يُبَايَعُ وَلَا يُشَارَى حَتَّى يَخْرُجَ فَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
إليه، لم يُسْتَوْفَ منه فيه، ولكن لا يُبايَعُ ولا يُشارَى حتى يَخْرُجَ فيُقامَ عليه الحَدُّ) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن قَتَل خارِجَ الحرمِ، ثم لَجَأ إليه، لم يُسْتَوْفَ منه فيه.
هذا قولُ ابنِ عباسٍ، وعَطاءٍ، وعُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ، والزُّهْرِىِّ، ومُجاهِدٍ، وإسْحاقَ، والشَّعْبِىِّ، وأبى حنيفةَ وأصحابه.
وأمَّا غيرُ القَتْلِ مِن الحُدودِ كلِّها والقِصاصِ فيما دُونَ النَّفْسِ، فعن أحمدَ فيه رِوِايَتان، إحْداهما، لا يُسْتَوْفَى مِن المُلْتَجِئ إلى الحَرَمِ فيه.
والثانيةُ، يُسْتَوْفَى.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ المَرْوِىَّ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- النَّهْىُ عن القتلِ بقَوْلِه عليه السلامُ: «فَلَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ» 1. وحُرْمَةُ النَّفْسِ أعْظَمُ، فلا يُقاسُ عليها غيرُها، ولأَنَّ الحَدَّ بالجَلْدِ جَرَى مَجْرَى التَّأْدِيبِ، فلم يُمْنَعْ منه، كتَأْدِيبِ السَّيِّدِ عبدَه.
والأُولَى ظاهِرُ المذْهبِ، وظاهِرُ قَوْل الخِرَقِىِّ.
قال أبو بكرٍ: هذه مسألةٌ وَجَدْتُها لحَنْبَلٍ عن عَمِّه، أنَّ

..................................  الحُدودَ كلَّها تُقامُ في الحَرَمِ، إلَّا القَتلَ، والعملُ على أنَّ 1 كلَّ جانٍ دَخَل الحَرَمَ، لم يُقَمْ عليه الحَدُّ حتى يَخْرُجَ منه.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يُسْتَوْفَى منه؛ لعُمُومِ الأمْرِ بجَلْدِ الزَّانِى، وقَطْعِ السَّارِقِ، واسْتِيفاء القِصاصِ مِن غيرِ تَخْصِيص بمكانٍ دونَ مكانٍ، وقد رُوىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: إنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عاصِيًا، وَلَا فَارًّا بخَرْبَةٍ 2 وَلَا دَمٍ 3. وقد أمَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَتْلِ ابنَ خَطَلٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بأسْتارِ الكَعْبَةِ 4. حديثٌ حسنٌ 5 صحيحٌ.
ولأنَّه حَيَوانٌ أُبِيحَ قَتْلُه

..................................  لعصْيانِه، فأشْبَهَ الكَلْبَ العَقُورَ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ 1. يعنى الحرم، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (1). والخبرُ أُرِيدَ به الأمْرُ؛ لأنَّه 2 لو أُرِيدَ به 3 الخبرُ، لأفْضَى إلى وُقُوعِ الخبرِ خِلافَ المُخْبرِ.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليومِ الآخِرِ، أَنْ يَسْفِكَ فيها دَمًا، ولا يَعْضِدَ بها شَجَرةً، فإنْ أحدٌ تَرَخَّصَ لقِتالِ رسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَقُولوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لرَسُولِه، ولمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وإنَّما أذِنَ لى سَاعَةً مِن نَهَارٍ، وقد عادتْ حُرمَتُها اليوْمَ كحُرْمَتِها بالأمسِ، فليُبَلِّغِ الشَّاهدُ 4 الغَائبَ».. وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ والأرْضَ، وَإنَّمَا أُحِلَّتْ لِى سَاعَةَّ مَنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ إلَى حُرْمَتِهَا، فَلَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ».
مُتَّفقٌ عليهما 5. والحُجَّةُ فيه مِن

..................................  وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّه حَرَّمَ سَفْكَ الدَّم بها على الإِطْلاقِ، وتَخْصِيصُ مَكَّةَ بهذا يَدُلُّ على أنَّه أرادَ العُمُومَ، فإنَّه لو أرادَ سَفْكَ الدَّمِ الحرامِ، لم تَخْتَصَّ به مكةُ، فلا يكونُ التَّخْصِيصُ مُفِيدًا.
والثانى، قولُه: «إِنَّما أُحِلَّتْ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا».
ومَعْلُومٌ أنَّه إنَّما أُحِلَّ له سفْكُ دَمٍ حَلالٍ في غيرِ الحَرَمِ، فحَرَّمَها الحَرَمُ، ثم أُحِلَّتْ له ساعةً، ثم عادتِ الحُرْمَةُ، ثم أكَّدَ هذا بمنْعِه قياسَ غيرِه عليه.
والاقْتِداءُ به بقولِه: «فَإن أحَدٌ تَرَخَّصَ بقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لِرَسُولِه، وَلَمْ يَأذَنْ لَكُمْ».
وهذا يَدْفَعُ ما احْتَجُّوا به مِن قَتْلِ ابنِ خَطَلٍ، فإنَّه مِن رُخْصَةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، التى مَنَعَ النَّاسَ أن يَقْتَدُوا به فيها، وبَيَّنَ أنَّها له على الخُصوصِ، وما رَوَوْه مِن الحديثِ، فهو مِن كلامِ عمرِو ابنِ سعيدٍ الأشْدَقِ، يَرُدُّ به قولَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ روَى له أبو شُرَيحٍ هذا الحديثَ، وقولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحَقُّ أن يُتَّبَعَ.
وأمَّا جَلْدُ الزَّانِى، وقطعُ السَّارِقِ، والأمْرُ بالقِصاصِ، فإنَّما هو مُطْلَقٌ في الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ، فإنَّه يَتَناوَلُ مَكانًا غيرَ مُعَيَّنٍ، ضَرُورَةَ أنَّه لا بُدَّ مِن مكانٍ،

..................................  فيُمْكِنُ إقامَتُه في مكانٍ غيرِ الحَرَمِ، ثم لو كان عامًّا، فإنَّ ما رَوَيْناه خاصًّا يُخَصُّ به، مع أنَّه قد خُصَّ ممَّا ذكرُوه الحامِلُ، والمريضُ المرْجُوُّ بُرْؤُه، فتأخَّر الحدُّ عنه، وتأخَّرَ 1 قتلُ الحامِلِ، فجازَ أن يُخَصَّ أيضًا بما ذَكَرْناه.
والقِياسُ على الكلبِ العَقورِ لا يَصِحُّ، فإنَّ ذلك طبعُه الأَذَى، فلم يُحَرِّمْه الحَرَمُ ليُدْفَعَ أذاه عن أهلِه، وأمَّا الآدَمِىُّ، فالأصْلُ فيه الحُرْمَة، وحُرْمَتُه عَظِيمَة، وإنَّما أُبِيحَ 2 لعارضٍ، فأشْبَهَ الصائِلَ مِن الحيواناتِ المُباحَةِ مِن المَأكُولاتِ، فإنَّ الحَرَمَ يَعْصِمُها.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُبايَعُ، ولا يُشارَى، ولا يُطْعَمُ، ولا يُؤْوَى، ويُقالُ له: اتَّقِ اللَّهَ واخْرُجْ إلى الحِلِّ؛ ليُسْتَوْفَى منك الحَقُّ الذى قِبَلَكَ.
فإذا خَرَج اسْتُوفِىَ حَقُّ اللَّهِ منه.
وهذا قولُ جميعِ مَن ذَكَرْناه.
وإنَّما كان كذلك، لأنَّه لو أُطْعِمَ أو أُوِىَ، لتَمَكَّنَ مِن الإِقامَةِ دائِمًا، فيضِيعُ الحَقُّ الذى عليه، وإذا مُنِعَ مِن ذلك، كان وسيلةً إلى خُرُوجِه فيُقامُ فيه حَقُّ اللَّهِ تعالى.
وليس علينا إطْعامُه، كما أنَّ الصَّيْدَ لا يُصادُ في الحَرَمِ، وليس علينا القيامُ به.
قال ابنُ عباسٍ، رَحِمَه اللَّهُ: مَن أصابَ حَدًّا، فلَجَأ إلى الحَرَمِ، فإنَّه لا يُجَالَسُ، ولا يُبايَعُ، ولا يُؤْوَى، ويَأتِيه الذى.
يَطْلُبُه، فيقولُ: أىْ فلانُ، اتَّقِ اللَّهَ.
فإذا خَرَج مِن الحَرَمِ، أُقِيمَ عليه الحَدُّ.
رَواه الأثرَمُ 3. فإن قَتَل مَن له

وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِى الْحَرَمِ، اسْتُوفِىَ مِنْهُ فِيهِ.
عليه قِصاصٌ في الحَرَمِ، أو أقامَ حَدًّا بجَلْدٍ أو قَتْلٍ أو قَطْعِ طَرَفٍ، أساءَ، ولا شئَ عليه؛ لأنَّه اسْتَوْفَى حَقَّه (1) في حالٍ لم يَكُنْ له اسْتِيفاؤه فيه، فأشْبَهَ ما لو اقْتَصَّ في حَرٍّ شَدِيدٍ أو بَرْدٍ مُفْرِطٍ.

4396 -

مسألة: (وإن فَعَل ذلكَ في الحَرَمِ، اسْتُوفِىَ منه فيه)

وجملةُ ذلك، أنَّ مَن انْتَهَكَ حُرْمَةَ الحَرَمِ 2، بجِنايَةٍ فيه تُوجِبُ حدًّا أو قِصاصًا، فإنَّه يُقامُ عليه [الحَدُّ فيه] 3، لا نعلمُ فيه خِلافًا.
وقد روَى الأَثْرَمُ بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: مَن أحْدَثَ حَدَثًا في الحَرَمِ، أُقِيمَ عليه ما أحْدَثَ فيه مِن شئٍ 4. وقد أَمَرَ اللَّهُ تعالى بقتالِ (2) مَن قاتَلَ في الحَرَمِ، فقال تَعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ 5. فأباحَ قَتْلَهم عندَ قِتالِهم1

..................................  في الحَرَمِ، ولأَنَّ أهلَ الحَرَم يَحْتاجُون إلى الزَّجْرِ عن ارْتِكابِ المعاصِى كغيرِهم، حِفْظًا لأنْفُسِهم وأمَوالِهم وأعْراضِهم، فلو لم يُشْرَعِ الحَدُّ في حَقِّ مَن ارْتَكَبَ الحَدَّ في الحَرَمِ، لتَعَطَّلَتْ حُدودُ اللَّهِ تعالى في حَقِّهم، وفاتَتْ هذه المصالحُ التى لا بُدَّ منها، ولا يجوزُ الإِخْلالُ بها، ولأَنَّ الجانِىَ في الحَرَمِ هاتِكٌ لحُرْمَتِه، فلا تَنْتَهِضُ الحُرْمَةُ لتَحْريمِ دَمِه وصِيانَتِه، بمَنْزِلَةِ الجانِى في دارِ المَلِكِ، لا يُعْصَمُ لحُرْمَةِ المَلِكِ، بخِلافِ المُلْتَجِئَ إليها لجِنايةٍ صَدَرَت منه في غيرِها.
فصل: فأمَّا حَرَمُ مَدينَةِ النبى -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلا يَمْنَعُ إقامَةَ حَدٍّ ولا قِصاصٍ؛ لأَنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في حَرَمِ اللَّهِ تعالى، وحَرَمُ المدينةِ دُونَه في الحُرْمَةِ، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليه.
وكذلك سائِرُ البِقاعِ، لا تَمْنَعُ مِن اسْتِيفاءِ حَقٍّ، ولا إقامَةِ حَدٍّ؛ لأَنَّ أمْرَ اللَّهِ تعالى باسْتِيفاءِ الحُقوقِ وإقامَةِ الحَدِّ مُطْلَق في الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ، خَرَج منها الحَرَمُ لمَعْنًى لا يَكْفِى 1 في غيرِه؛ لأنَّه مَحَلُّ الأنْساكِ وقِبْلَةُ المسلمين، وفيه بَيْتُ اللَّه المَحْجُوجُ، وأوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ، ومَقامُ إبراهيمَ، وآياتٌ بَيِّناتٌ، فلا يُلْحَقُ به سِواهُ، ولا يُقاسُ عليه؛ لأنَّه [لا شئَ] 2 في مَعْناه.
واللَّهُ سُبحانه أعلمُ.

وَإِنْ أَتَى حَدًّا فِى الْغَزْوِ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ في أرضِ الْعَدُوِّ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ.

4397 - مسألة: (وإن أتَى حَدًّا في الغَزْوِ، لم يُسْتَوْفَ منه في أرضِ العَدُوِّ حتى يَرْجِعَ إلى دارِ الإِسلامِ، فيُقامَ عليه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن أتَى حَدًّا مِن الغُزاةِ، أو ما يُوجبُ قِصاصًا، في أرضِ الحَرْبِ، لم يُقَمْ عليه حتى يَقْفُلَ، فيُقامَ عليه حَدُّه.
وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ، وإسْحاقُ.
وقال

..................................  مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يُقامُ الحَدُّ في كلِّ مَوْضِعٍ؛ لأنُّ أمْرَ اللَّهِ تعالى بإقامَتِه مُطْلَقٌ في كلِّ مكانٍ وزمانٍ.
إلَّا أنَّ الشافعىَّ قال: إذا لم يَكُنْ أميرُ الجيشِ الإِمامَ، أو أميرَ إقْليمٍ، فليس له إقامَتُه، ويُؤَخَّرُ حتى يأْتىَ الإِمامَ؛ لأَنَّ إقامةَ الحُدُودِ إليه، وكذلك إن كان بالمسلمين حاجَةٌ إلى المَحْدُودِ، أو قُوَّةٌ به، أو شُغْلٌ عنه، أُخِّرَ.
وقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ ولا قِصاصَ في دارِ الحَرْب، ولا إذا رَجع.
ولَنا، على وُجُوبِ الحَدِّ، أمْرُ اللَّهِ تعالى ورسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم- به، وعلى تَأْخيرِه، ما روَى بُسْرُ بنُ أبى 1 أرْطاةَ، أنَّه أُتِى برجلٍ في الغَزاةِ قد سَرَق بُخْتِيَّةً 2، فقال: لولا أنِّى سَمِعْتُ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لا تُقْطَعُ الأيدِى في الْغَزَاةِ».
لقَطَعْتُكَ.
أخْرَجَه أبو داودَ وغيرُه 3. ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فروَى سعيدٌ 4 بإسْنادِه عن الأحْوَصِ بنِ حَكيمٍ، عن أبِيه، أنَّ

..................................  عمرَ كَتَب إلى النَّاسِ، أن لا يَجْلِدَنَّ أمِيرُ جَيْشٍ ولا سَرِيَّةٍ ولا رجلًا مِن المسلمين حَدًّا، وهو غازٍ، حتى يَقْطَعَ الدَّرْبَ قافِلًا؛ لِئَلَّا تَلْحَقَه حَمِيَّةُ الشَّيْطانِ، فيَلْحَقَ بالكُفَّارِ.
وعن أبى الدَّرْداءِ مثلُ ذلك 1. وعن علْقَمَةَ، قال: كنَّا في جيش في أرضِ الرُّومِ، ومعنا حُذَيْفَةُ بنُ اليَمَانِ، [وعلى القومِ] 2 الوليدُ بنُ عُقْبَةَ، فشَرِبَ الخمرَ، فأرَدْنا أن نَحُدَّه، فقال حُذَيْفَةُ: أتَحُدُّونَ أمِيرَكم وقد دَنَوْتُمْ مِن عَدُوِّكم، فيَطْمَعُوا فيكم 3؟ وأُتِى سعدٌ بأبى مِحْجَنٍ يومَ القادِسِيَّةِ، وقد شَرِب الخمرَ، فأمَرَ به إلى القَيْدِ، فلمّا الْتَقَى الناسُ قال أبو مِحْجَنٍ: كَفَى حَزَنًا أَنْ تُطْرَدَ الخيلُ بِالْقَنا … وأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَىَّ وَثَاقِيَا 4 وقال لابْنَةِ خَصَفَةَ 5 امْرأةِ سعدٍ: أطْلِقِينى، ولَكِ اللَّهُ علَىَّ إن سَلَّمَنِى اللَّهُ

..................................  أن أرْجِعَ حتى أضَعَ رِجْلِى في القيدِ، وإن قُتِلْتُ، اسْتَرَحْتُم منِّى.
قال: فحَلَّتْه حينَ 1 الْتَقَى الناسُ، وكانتْ بسعدٍ جِراحَةٌ، فلم يَخرُجْ يومَئِذٍ إلى الناسِ، قال: وصَعِدُوا به فوقَ العُذَيْبِ 2 يَنْظُرُ إلى الناسِ، واسْتَعْمَلَ على الخيلِ خالدَ بنَ عُرْفُطَةَ، فوَثَبَ أبو مِحْجَنٍ على فَرسٍ لسعدٍ يُقالُ لها البَلْقَاءُ، ثم أخَذ رُمْحًا، فجعَلَ لا يَحْمِلُ على ناحِيَةٍ مِن العَدُوِّ إلَّا هَزَمَهم، وجَعَل الناسُ يقُولُون: هذا مَلَكٌ؛ لِما يَرَوْنَه يَصْنَعُ، وجَعَل سعدٌ يقولُ: [الضَّبْرُ ضَبْرُ] 3 البَلْقاءِ، والطَّعْنُ طَعْنُ أبى مِحْجَنٍ، وأبو مِحْجَنٍ في القَيْدِ.
فلَمّا هُزِمَ العَدُوُّ، رَجَع أبو مِحْجَنٍ حتى وَضَع رِجْلَه في القَيْدِ، فأخْبَرَت ابنةُ خَصَفَةَ 4 سعدًا بما كان مِن أمْرِه، فقال سعدٌ: لا واللَّهِ لا أضْرِبُ اليومَ رَجلًا أبْلَى اللَّهُ المسلمين على يَدَيْه 5 ما أبْلاهُم.
فَخَلَّى سَبيلَه.
فقال أبو مِحْجَنٍ: قد كنتُ أشْرَبُها إذْ يُقامُ علىَّ الحَدُّ وأُطَهَّرُ منها، فأمَّا إذْ بَهْرَجْتَنِى 6، فواللَّهِ لا أشْرَبُها أبدًا 7. وهذا اتِّفاقٌ لم يظْهَرْ

..................................  خِلافُه.
فأمَّا إذا رَجَع، فإنَّه يُقامُ عليه الحَدُّ؛ لعُمُومِ الآياتِ والأخْبارِ، وإنَّما أُخِّرَ لعارِضٍ، كما يُؤَخَّرُ لمَرَضٍ أو شُغْل، فإذا زال العارِضُ، أُقِيمَ الحَدُّ، لوُجودِ مُقْتَضِيه، وانْتِفاءِ مُعارِضِه، ولهذا قال عمرُ: حتى يقْطَعَ الدَّرْبَ قافِلًا.
فصل: وتُقامُ الحُدودُ في الثُّغورِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، لأنَّها مِن بلادِ الإِسْلامِ، والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى زَجْرِ أهْلِها، كالحاجَةِ إلى زَجْرِ غيرِهم، وقد كَتَب عمرُ إلى أبى عُبَيْدَةَ، أن يَجْلِدَ مَن شَرِب الخمرَ ثمانين، وهو بالشَّامِ 1. وهو مِن الثُّغورِ.

بَابُ حَدِّ الزِّنَى

بابُ حدِّ الزِّنى الزِّنَى حَرامٌ، وهو مِنِ الكبائِرِ العِظامِ، بدَليلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ 1. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ 2. وعن عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ، قال: سألتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أىُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قال: «أن تَجْعَلَ للَّه نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ».
قال: قلتُ: ثُمَّ أىٌّ؟ قال: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ».
قال: قلتُ: ثُمَّ أىٌّ؟ قال: «أَنْ تُزانِىَ حلِيلَةَ جَارِكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. وكان حَدُّ الزَّانِى في صَدْرِ الإِسْلامِ الحَبْسَ في البَيْتِ، والأذَى بالكَلامِ مِن التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ للبِكْرِ؛ لقولِه سبحانَه: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا

..................................  إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} 1. قال بعضُ أهلِ العلمِ: المرادُ بقولِه: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الثَّيِّبُ؛ لأَنَّ قَوْلَه: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾.
[إضَافةٌ زَوْجِيَّةٍ] 2، كقولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 3. ولا فائدةَ في إضَافَتِه ههُنا نعْلَمُها إلَّا اعْتِبارُ الثيُوبَةِ، ولأنَّه قد ذَكَرَ عُقُوبَتَيْن إحْداهما أغْلَظُ 4 مِن الأُخْرَى، فكانتِ الأغْلَظُ للثيِّبِ، والأُخْرَى للبِكْرِ، كالرَّجْمِ والجَلْدِ، ثم نُسِخَ هذا بما روَى عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «خُذُوا عَنِّى، خُذُوا عَنِّى، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بالثَّيِّب جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ».
رَواه مسلمٌ 5. فإن قِيلَ: فكيفَ يُنْسَخُ القُرْآَنُ بالسُّنَّةِ؟ قُلْنا: قد ذَهَب أصحابُنا إلى جَوازِه؛ لأَنَّ الكلَّ مِن عندِ اللَّهِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ طَرِيقُه، ومن مَنَع ذلك قال: ليس هذا نَسْخًا، إنَّما هو تَفْسِيرٌ للقُرْآنِ وتَبْيينٌ له؛ لأَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ حُكْمٍ ظاهِرُه الإِطْلاقُ، فأمَّا ما كان مَشْرُوطًا بشَرْطٍ، وزال الشَّرْطُ، لا يكونُ نَسْخًا، وههُنا شَرَط اللَّهُ تعالى حَبْسَهُنَّ إلى أن يَجعَلَ

إِذَا زَنَى الْحُرُّ الْمُحْصَنُ، فَحَدُّهُ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ.
وَهَلْ يُجْلَدُ قَبْلَ الرَّجْمَ؟ عَلَى رِوَايَتَين.
اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا، فبَيَّنَتِ السُّنَّةُ السَّبِيلَ، فكان بَيانًا لا نَسْخًا.
ويُمْكِنُ أن يُقالَ: إنَّ نَسْخَه حَصَل بالقُرآنِ، فإنَّ الجَلْدَ (1) في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، والرَّجْمَ كان فيه، فنُسِخَ رَسْمُه، وبَقِىَ حُكْمُه.

4398 -

مسألة: (إذا زَنَى الحُرُّ المُحْصَنُ، فحَدُّه الرَّجْمُ حتى يَمُوتَ. وهل يُجْلَدُ قَبلَ الرَّجْمِ؟ على رِوايَتَيْن)

الكلامُ في هذه المسألةِ في فصولٍ ثلاثةٍ: أحدُها، في وُجوبِ الرَّجْمِ على الزَّانِى المُحْصَنِ، رجلًا كان أو امرأةً.
هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ مِن الصَّحابةِ، والتَّابعِين، ومَن بَعْدَهم مِن عُلَماءِ الأمْصارِ في جميعِ الأعْصارِ، ولا نَعلمُ أحدًا خالفَ فيه إلَّا الخَوارِجَ، فإنَّهم قالُوا: الجَلْدُ للبِكْرِ والثيبِ، لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 2. وقالوا 3: لا يجوزُ تَرْكُ كتابِ اللَّهِ تعالى الثابتَ بالقَطْعِ واليَقِينِ، لأخْبارِ آحادٍ يجوزُ 41

..................................  الكَذِبُ فيها، ولأَنَّ هذا يُفْضِى إلى نَسْخِ الكِتابِ بالسُّنَّةِ، وهو غيرُ جائِزٍ.
ولَنا، أنَّه قد ثَبَت الرَّجْمُ عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَوْلِه وفِعْلِه، في أخْبارٍ تُشْبِهُ المُتَواتِرَ، وأجْمَعَ عليه أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على ما نَذْكُرُه في أثْناءِ البابِ في مَواضِعِه، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، وقد أنزَلَه اللَّهُ تَعالى في كتابِه، وإنَّما نُسِخَ رَسْمُه دُونَ حُكْمِه، فرُوِىَ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إنَّ اللَّهَ تعالى بَعَث محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- بالحَقِّ، وأنْزَلَ عليه الكِتابَ، فكان فيما أنْزَلَ عليه آيةُ الرَّجْمِ، فقَرَأتها وعَقَلْتُها ووَعَيْتُها، ورَجَم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورَجَمْنا بعدَه.
فأخْشَى إن طال بالنَّاسِ زَمانٌ، يقولُ قائِلٌ: ما نَجِدُ الرَّجْمَ في كتابِ اللَّهِ.
فيَضِلُّوا بتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ تعالى، فالرَّجْمُ حَقٌّ على مَن زَنَى إذا أحْصَنَ، مِن الرِّجال والنِّساءِ، إذا قامَت به البَيِّنَةُ، أو كان الحَبَلُ، أو الاعْتِرافُ، وقد قَرَأْتُها: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّه وَاللَّهُ عَزِيرٌ حَكِيمٌ).
مُتَّفقٌ

..................................  عليه 1. وأمَّا آيَةُ الجَلْدِ، فنقولُ بها، فإنَّ الزَّانِىَ يجبُ جَلْدُه، فإن كان ثَيِّبًا رُجِمَ مع الجلدِ، والآيةُ لم تَتَعَرَّضْ لنَفْيِه 2. وإلى هذا أشارَ علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حينَ جَلَد شُرَاحَةَ 3، ثم رَجَمَها، [وقال] 4: جَلَدْتُها بكتابِ اللَّهِ، ثم رَجَمْتُها بسُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 5. ثم لو قُلْنا: إنَّ الثَّيِّبَ لا يُجْلَدُ.
لكان هذا تَخْصِيصًا للآيَةِ العامَّةِ، وهذا سائِغٌ بغيرِ خِلافٍ، فإنَّ عُمُوماتِ القُرْآنِ في الإِثْباتِ كلَّها مُخَصَّصَةٌ.
وقولُهم: إنَّ هذا نَسْخٌ.
ليس بصَحِيحٍ، وإنَّما هو تَخْصِيصٌ، ثم لو كان نَسْخًا، [لكان نَسْخًا] 6 بالآيَةِ التى ذَكَرَها عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وقد رَوَيْنا أنَّ رُسُلَ الخَوارِجِ جاءوا عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، رَحِمَه اللَّهُ، فكانَ مِن جُمْلَةِ ما عابُوا عليه الرَّجْمُ، وقالوا: ليس في كتابِ اللَّهِ إلَّا الجَلْدُ.
وقالوا: الحائِضُ أوْجَبْتُم عليها قَضاءَ الصَّوْمِ دونَ الصَّلاةِ، والصلاةُ أوْكَدُ.
فقال لهم عمرُ: وأنتُم لا تَأخُذونَ إلَّا بما في كتابِ اللَّهِ؟ قالوا: نعم.
قال: فأخْبِرُونِى عن عَدَدِ الصَّلَواتِ المفْرُوضاتِ، وعَدَدِ رَكَعاتِها وأرْكَانِها وواجِباتِها، أين تَجِدُونَه في كتابِ اللَّهِ؟ وأخْبِرُونِى عمَّا تجبُ الزَّكاةُ فيه، ونُصُبِها، ومَقادِيرِها؟

..................................  قالوا: أنْظِرْنا.
فرَجَعُوا يَوْمَهم ذلك، فلم يَجِدوا شيئًا ممَّا سَألهم عنه في القُرْآنِ.
فقالوا لم نَجِدْه في القُرْآنِ.
قال: فكيفَ ذَهَبْتُم إليه؟ قالوا: لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَه، وفَعَلَه المسلمون بعدَه.
فقال لهم: فكذلك الرَّجْمُ، وقَضاءُ الصَّوْم، [فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَجَم، ورَجَم خُلَفاؤُه بعدَه والمسلمون، وأَمَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَضاءِ الصَّوْمِ] 1 دُونَ الصَّلاةِ، وفَعَل ذلك نِساؤُه ونِساءُ أصحابِه.
إذا ثَبَت هذا، فمعْنَى الرَّجْمِ أن يُرْمَى بالحِجارَةِ وغيرِها حتى يَمُوتَ بذلك.
قال ابنُ المُنْذِرِ 2: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ المَرْجُومَ يُدَامُ عليه الرَّجْمُ حتى يَمُوتَ.
ولأَنَّ إطلاقَ الرَّجْمِ يَقْتَضِى القَتْلَ به؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ 3. وقد رَجَم رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- اليَهُودِيَّين اللَّذَيْنِ زَنَيَا، وماعِزًا، والغامِدِيَّةَ، حتى ماتوا 4. الفصلُ الثانى: أنَّه يُجْلَدُ، ثم يُرْجَمُ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
فَعَل ذلك علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال ابنُ عباسٍ، وأُبَى بنُ كَعْبٍ، وأبو ذَرٍّ،

..................................  رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
واخْتارَه [وذَكَر ذلك أبو بَكرٍ عبدُ العزيزِ عنهم] 1. وبه قال الحسنُ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ.
والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ، يُرْجَمُ ولا يُجْلَدُ.
رُوِى عن عمرَ وعثمانَ، أنَّهما رَجَما ولم يَجْلِدا.
ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: إذا اجْتَمَعَ حَدَّانِ للَّهِ، فيهما القَتْلُ، أحاطَ القَتْلُ بذلك 2. وبهذا قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
واخْتارَه أبو إسحاقَ الجُوزْجَانِىُّ و [أبو بكرٍ] 3 الأَثْرَمُ، ونَصَراه في «سُنَنِهما»، لأَنَّ جابرًا روَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَجَم ماعِزًا ولم يَجْلِدْه 4، ورَجَمَ الغامِدِيَّةَ ولم يَجْلِدْها.
وقال: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلى امْرَأةِ هذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 5. ولم يَأمُرْه بجَلْدِها، وكان هذا آخِرَ الأَمْرَيْن مِن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فيَجِبُ تَقْدِيمُه.
قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يقولُ في حديثِ عُبادَةَ: إنَّه أوَّلُ حَدٍّ 6 نَزَلَ، وإنَّ حديثَ ماعِزٍ بعدَه، رَجَمَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يَجْلِدْه، وعمرُ رَجَم ولم يَجْلِدْ.
ونَقَل عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ

..................................  نحوَ هذا.
ولأنَّه حَدٌّ فيه قَتْلٌ، فلم يَجْتَمِعْ معه جَلْدٌ، كالرِّدَّةِ، ولأَنَّ الحُدُودَ إذا اجْتَمَعَتْ وفيها قَتْلٌ، سَقَط ما سِواهُ، فالحَدُّ الواحِدُ أَوْلَى.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى قولُه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ 1. وهذا عامٌّ، ثم جاءتِ السُّنَّةُ بالرَّجْمِ في حَقِّ الثَّيِّبِ، والتَّغْرِيبِ 2 في حَقِّ البِكْرِ، فوَجَبَ الجمعُ بينَهما.
وإلى هذا أشارَ علىٌّ بقولِه: جَلَدْتُها بكتابِ اللَّهِ، ورَجَمْتُها بسُنَّةِ رسولِ اللَّهِ.
وقد صَرَّحَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقوْلِه في حديثِ عُبادَةَ: «والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ، الْجَلْدُ والرَّجْمُ» 3. وهذا الصَّريحُ الثابِتُ بيَقِينٍ لا يُتْرَكُ إلَّا بمِثْلِه، والأحادِيثُ الباقِيَة ليست صَرِيحةً، فإنَّه ذَكَر الرَّجْمَ ولم يَذْكُرِ الجَلْدَ، فلا يُعارَضُ به الصَّرِيحُ، بدليلِ أنَّ التَّغْرِيبَ يجبُ بذِكْرِه في هذا الحديثِ، وليس بمَذْكُورٍ في الآيَةِ، ولأنَّه زانٍ، فَيُجْلَدُ كالبِكْرِ، ولأنَّه قد شُرِعَ في حَقِّ البِكرِ عُقوبَتانِ؛ الجَلْدُ، والتَّغْرِيبُ، فيكونُ الرجمُ 4 مكانَ التَّغْرِيبِ.
فعلى هذه الرِّوايةِ، يَبْدأُ بالجَلْدِ أوَّلًا، ثم يَرْجُمُ، فإن وَالَى بينَهما جاز؛ لأَنَّ إتْلافَه مقصودٌ، فلا تَضُرُّ المُوالاةُ بينَهما، وإن جَلَدَه يومًا ثم رَجَمَه في آخَرَ، جاز، كما فَعَل علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَلَد شُراحَةَ يومَ الخميسِ، ثم رَجَمَها يومَ الجُمُعةِ.

وَالْمُحْصَنُ مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِى قُبُلِهَا، فِى نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُمَا بَالِغَانِ عَاقِلَانِ حُرَّانِ، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فِى أحَدِهِمَا، فَلَا إِحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَلَا يَثْبُتُ الإِحْصَانُ بِالْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَا فِى نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
الفصلُ الثالثُ: أنَّ الرَّجْمَ لا يَجِبُ إلَّا على المُحْصَنِ، بإجْماعِ أهلِ العلمِ.
وفى حديثِ عمرَ: إنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ 1 على مَن زَنَى وقد أحْصَنَ 2: وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ».
ذكَرَ منها: «أَوْ زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ» 3.

4399 -

مسألة: (والمُحْصَنُ مَن وَطِئَ امرأتَه في قُبُلِها، في نِكاحٍ صَحِيحٍ، وهُما بالِغان عاقِلان حُرَّانِ، فإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، فلا إحْصانَ لواحِدٍ منهما.
ولا يَثْبُتُ الإِحْصانُ بالوَطْءِ بمِلْكِ اليَمِينِ، ولا في نِكاحٍ فاسِدٍ)

يُشْتَرَطُ للإِحْصانِ شُروطٌ سبعةٌ؛ أحدُها، الوَطْءُ في القُبُلِ، ولا خلافَ في اشْتِراطِه؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، الجَلْدُ والرَّجْمُ».
والثِّيابَةُ تَحْصُلُ بالوَطْءِ في القُبُلِ، فوَجَب

..................................  اعْتِبارُه.
ولا خِلافَ في أنَّ النِّكاحَ الخالِىَ عن الوَطْءِ، لا يَحْصُلُ به إحْصانٌ، سَواءٌ حَصَلَتْ فيه خَلْوَةٌ، أو وَطْءٌ فيما دُون الفَرْجِ، أو في الدُّبُرِ، أو لم يَحْصُلْ شئٌ مِن ذلك، لأَنَّ هذا لا تَصِيرُ به المرأةُ ثَيِّبًا، ولا تَخْرُجُ به عن حَدِّ الأبْكارِ، الذينَ حَدُّهم جَلْدُ مائةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، بمُقْتَضَى الخَبَرِ، ولا بُدَّ أن يكونَ وَطْئًا حَصَل به تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرْجِ؛ لأَنَّ ذلك الوَطْءُ الذى تَتَعَلَّقُ به أحْكامُه.
الثانى، أن يكونَ في نِكاحٍ، لأَنَّ النِّكاحَ يُسَمَّى إحْصانًا، بدَليلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 1. يعنى المُتَزَوِّجاتِ.
ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ وَطْءَ الزِّنى، ووَطْءَ الشُّبْهَةِ، لا يَصِيرُ به الوَاطِئُ 2 مُحْصَنًا.
ولا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّ التَّسَرِّىَ لا يَحْصُلُ به الإِحْصانُ لواحدٍ منهما، لكَوْنِه ليس بنِكاحٍ، ولا تَثْبُتُ فيه أحْكامُه.
الثالثُ، أن يكونَ

..................................  النِّكاحُ صَحِيحًا.
وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ: يَحْصُلُ الإِحْصانُ بالوَطْءِ في نِكاحٍ فاسِدٍ.
وحُكِىَ ذلك عن اللَّيْثِ، والأوْزَاعِىِّ؛ لأَنَّ الصَّحِيحَ والفاسِدَ سَواءٌ في أكثرِ الأحْكام، مِن وُجُوبِ المَهْرِ والعِدَّةِ، وتَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ وأُمِّ المرأةِ، ولَحاقِ الوَلَدِ، فكذلك في الإِحْصانِ.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ، فلم يَحْصُلْ به الإِحْصانُ، كوَطْءِ الشُّبْهَةِ، ولا نُسَلِّمُ ثُبوتَ ما ذَكَرُوه مِن الأحْكامِ، وإنَّما ثَبَت بالوَطْءِ فيه، وهذه ثَبَتَتْ في كلِّ وَطءٍ، وليست مُخْتَصَّةً بالنِّكاحِ، إلَّا أنَّ النِّكاحَ ههُنا صارَ شُبْهَةً، فصارَ الوَطْءُ فيه كوَطْءِ الشُّبْهَةِ سَواءً.
الرابعُ، الحُرِّيَّةُ، وهى شَرْطٌ في قولِ جميعِ أَهْلِ العلمِ، إلَّا أبا ثَوْرٍ، قال: العَبْدُ والأمَةُ هما مُحْصَنان، يُرْجَمانِ إذا زَنَيا، إلَّا أن يكونَ الإِجْماعُ يخالِفُ ذلك.
وحُكِىَ عن الأوْزَاعِىِّ في العبدِ تحتَه حُرَّةٌ: هو مُحْصَنٌ، يُرْجَمُ إذا زَنَى، وإن كان تحتَه أمَةٌ، لم يُرْجَمْ.
وهذه أقْوالٌ تخالفُ النَّصَّ والإِجْماعَ، فإنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ 1. والرَّجْمُ لا يَتَنَصَّفُ، وإيجابُه كلُّه يُخالِفُ النَّصَّ مع

..................................  مُخالَفةِ الإجْماعِ المُنْعَقِدِ قبلَه، إلَّا أن يكونَ إذا عَتَقا 1 بعدَ الإِصابةِ، فهذا فيه اخْتِلافٌ سنَذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ.
وقد وافَقَ الأوْزَاعِىُّ على أنَّ العَبْدَ إذا وَطِئَ الأمَةَ، ثم عَتَقَا (1)، لم يَصِيرا مُحْصَنَيْن، وهو قولُ الجُمهورِ، وزاد فقال في المَمْلوكَيْن إذا عَتَقا وهما مُتَزَوِّجان، ثم وَطِئَها الزَّوْجُ: لا يَصِيران مُحْصنَيْن بذلك الوَطْءِ 2. وهذا أيضًا قولٌ شاذٌّ، خالفَ أهلَ العلمِ به، فإنَّ الوَطْءَ وُجِدَ منهما حالَ كَمالِهما، فحصَّنَهما، كالصَّبِيَّين 3 إذا بَلَغا.
الشَّرْطُ الخامسُ والسادِسُ، البُلُوغُ والعقلُ، فلو وَطِئَ وهو صَبِىٌّ أو مجنونٌ، ثم بَلَغ أو عَقَل، لم يَكُنْ مُحْصَنًا.
هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، وقولُ الشافعىِّ.
ومِن أصحابِه مَن قال: يَصِيرُ مُحْصَنًا، وكذلك العَبْدُ إذا وَطِئَ، ثم عَتَقَ، يصيرُ مُحْصَنًا؛ لأَنَّ هذا وَطْءٌ يَحْصُلُ به الإحْلالُ للمُطَلِّقِ ثلاثًا، فحصلَ به الإِحْصانُ، كالموجودِ حالَ الكَمالِ.
ولَنا، قولُه، عليه السلامُ: «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ».
فاعْتَبَرَ الثُّيُوبَةَ خاصَّةً، ولو كانت تَحْصُلُ قبلَ ذلك، لَكان يجبُ عليه الرَّجْمُ قبلَ بُلُوغِه وعَقْلِه، وهو خِلافُ الإِجْماعِ، ويُفارِقُ

..................................  الإِحْصانُ الإِحْلالَ؛ لأَنَّ اعْتِبارَ الوَطْءِ في حَقِّ المُطَلِّقِ، يَحْتَمِلُ أن يكونَ عُقُوبَةً له، بتَحْرِيمِها عليه حتى يَطَأَها غيرُه، لأَنَّ هذا ممّا تَأْباه الطِّباعُ ويَشُقُّ على النُّفُوسِ، فاعْتَبَرَه الشارِعُ زَجْرًا عن الطَّلاقِ الثَّلاثِ، وهذا يَسْتَوِى فيه العاقِلُ والمجْنونُ، بخِلافِ الإِحْصانِ، فإنَّه اعْتُبِرَ لكَمالِ النِّعْمَةِ، فإنَّ مَن كَمَلَتِ النِّعْمَةُ في حَقِّه، كانت جِنايتُه أفْحَشَ وأحَقَّ بزيادَةِ العُقُوبةِ، والنِّعْمَةُ في العاقِلِ البالِغِ أكمَلُ.
الشَّرْطُ السابعُ، أن يُوجَدَ الكَمالُ فيهما جميعًا حالَ الوَطْءِ، فيَطَأُ الرجلُ العاقِلُ الحُرُّ امرأةً عاقِلةً حُرَّةً.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه.
ونحوُه قولُ عَطاءٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاق.
قالُوه في الرَّقيقِ.
وقال مالكٌ: إذا كان أحدُهما كامِلًا صار مُحْصَنًا، إلَّا الصَّبِىَّ إذا وَطِئَ الكبيرةَ، لم يُحْصِنْها.
ونحوُه عن الأوْزَاعِىِّ.
واخْتُلِفَ عن الشافعىِّ، فقِيلَ: له قَوْلان؛ أحدُهما، كقَوْلِنا.
والثانى، أنَّ الكامِلَ يَصِيرُ مُحْصَنًا.
وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ.
وذَكَرَ ابنُ أبى موسى نحوَ ذلك في «الإِرْشَادِ» فقال: إذا وَطِئَ الحُرُّ البالغُ حُرَّةً صغيرةً في نِكاحٍ صحيحٍ، صار مُحْصَنًا دُونَها، وإذا وَطِئَ الصَّبِىُّ الحُرُّ الصَّغيرُ الكبيرةَ، صارَتْ مُحْصَنَةً دُونَه، كما أنَّه لا 1 يجبُ على الصَّغيرِ الحَدُّ، ويجبُ على الكبيرِ.
ولَنا، أنَّه وَطْءٌ لم يُحْصِنْ أحَدَ المُتَواطِئَيْن، فلم يُحْصنِ الآخَرَ، كالتَّسَرِّى، ولأنَّه متى

جارٍ التحميل