الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 248-290

..................................  كَعْبٍ، أنَّه قال: وَجَدْتُ مائةَ دِينارٍ، فأتَيتُ بها النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «عَرِّفْهَا حَوْلًا».
فعَرَّفْتُها حَوْلًا فلم تُعْرَفْ، فرَجَعْتُ إليه، فقال: «اعْرِفْ عِدَّتَها وَوعَاءَهَا ووكاءَها واخْلِطْهَا بمَالِكَ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأدِّهَا إلَيهِ؟.
ففي هذا الحَدِيثِ أمَرَه بمَعْرِفَةِ صِفَاتِها بعد التَّعْرِيفِ، وفي غيرِه أمَرَه بمَعْرِفَتِها حين 1 الْتقاطِها قبلَ تَعْرِيفِها، وهو الأوْلَى؛ لِيَحْصُلَ عندَه

..................................  عِلْمُ ذلك، فمتى جاء صاحِبُها فنَعَتَها، غَلَب على ظَنِّه صِدْقُه فدَفَعَها إليه.
وإن أخَّرَ مَعْرِفَةَ ذلك إلى حينِ مجئِ باغِيها، جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ بمَعْرِفَتِها 1 حينَئِذٍ.
فإن لم يَجئْ طالِبُها، فأرادَ التَّصَرُّفَ فيها بعدَ الحَوْلِ، لم يَجُزْ له حتى يَعْرِفَ صِفاتِها؛ لأنَّ عَينَها تَنْعَدِمُ بالتَّصَرُّفِ، فلا يَبْقَى له سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَةِ صِفاتِها إذا جاء طالِبُها، وكذلك إن خَلَطَها بمالِه على وَجْهٍ لا تَتَمَيَّزُ منه، فيكونُ أمْرُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأُبَيٍّ بمَعْرِفَةِ صِفاتِها عند خَلْطِها بمالِه أمْرَ إيجابٍ مُضَيَّقٍ، وأمْرُه لزَيدِ بنِ خالدٍ بمَعْرِفَةِ ذلك حينَ الالْتِقاطِ أمْرَ اسْتِحْبابٍ.
قال القاضي: يَنْبَغِي أن يَعْرِفَ جِنْسَها، ونَوْعَها، وإن كانت ثِيابًا عَرَف لُفافَتَها وجِنْسَها، ويَعْرِفَ قَدْرَها بالكَيلِ، أو الوَزْنِ، أو العَدَدِ، أو الذَّرْعِ، ويَعْرِفَ العَقْدَ عليها، هل

..................................  هو عَقْدٌ واحِدٌ أو أكْثَرُ؟ أُنْشُوطَةٌ 1 أو غيرُها؟ ويَعْرِفَ صِمامَ القارُورَةِ الذي يَدْخُلُ رَأْسَها، وعِفاصَها الذي تَلْبَسُه.
ويُسْتَحَبُّ أن يُشْهِدْ عليها حينَ يَجِدُها.
قال أحمدُ: لا أُحِبُّ أن يَمَسَّها حتى يُشْهِدَ عليها.
فظاهِرُ هذا أنَّه مُسْتَحَبٌّ غيرُ وأُجِبٍ، وأنَّه لا ضَمانَ عليه إذا لم يُشْهِدْ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُها إذا لم يُشْهِدْ عليها؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ، أو ذَوَيْ عَدْل» 2. وهذا أمْرٌ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، ولأنَّه إذا لم يُشْهِدْ، كان الظّاهِرُ أنَّه أخَذَها لنَفْسِه.
ولنَا، خَبَرُ زَيدِ بنِ خالدٍ، وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، فإنَّه أمَرَهُما بالتَّعْرِيفِ دُونَ الإشْهادِ، ولو كان واجِبًا لبَيَّنَه، فإنَّه لا يجوزُ تَأخِيرُ البيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، سِيَّما وقد سُئِلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن حُكْمِ اللُّقَطَةِ، فلم يَكُنْ ليُخِلَّ بذِكْرِ الواجبِ فيها، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الأمْرِ في حَدِيثِ عِياضٍ على الاسْتِحْبابِ.
ولأنَّه أَخْذُ أمانَةٍ، فلم يَفْتَقِرْ إلى الإِشْهادِ، كالوَدِيعَةِ.
والمَعْنَى الذي ذَكَرُوه غيرُ صَحِيحٍ.
فإنَّه إذا حَفِظَها وعَرَّفَها لم يَأْخُذْها لنَفْسِه، وفائِدَةُ الإِشْهادِ صِيانَةُ نَفْسِه مِن الطَّمَعِ فتيها، وحِفْظُها مِن وَرَثَتِه إن مات، ومن غُرَمائِه إن أفْلَسَ، وإذا أشْهَدَ عليها، لم يَذْكُرْ

فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهَا فَوَصَفَهَا، لَزِمَ دَفْعُهَا إِلَيهِ بِنَمَائِهَا الْمُتَّصِلِ، وَزِيَادَتُهَا الْمُنْفَصِلَةُ لِمَالِكهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، وَلوَاجِدِهَا بَعْدَهُ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَينِ.
للشُّهُودِ صِفاتِها، كما قُلْنا في التَّعْرِيفِ، لكِنْ يَذْكُرُ للشُّهُودِ ما يَذْكُرُه في التَّعْرِيفِ مِن الجِنْسِ والنَّوْعِ.
قال أحمدُ، في رِوايةِ صالحٍ، وقد سَألَه: إذا أشْهَدَ عليها، هل يُبَيِّنُ كم هي؟ قال: لا، ولكنْ يقولُ: قد أصَبْتُ لُقَطَةً.
ويُسْتَحَبُّ أن يَكْتُبَ صِفاتِها؛ ليكونَ أثْبَتَ له، مَخافَةَ أن يَنْساها إنِ اقْتَصَرَ على حِفْظِها بقَلْبِه، فإنَّ الإنْسانَ عُرْضَةُ النِّسْيانِ.

2512 -

مسألة: (فمتى جاء طالِبُها فوَصَفَها، لَزِم دَفْعُها إليه بنَمائِها المُتَّصِلِ، وزِيادَتُها المُنْفَصِلَةُ لمالِكِها قبلَ الحَوْلِ، ولِواجِدِهَا بعدَه، في أصَحِّ الوَجْهين)

إذا جاء طالِبُ اللُّقَطَةِ فوَصَفَها، وَجَب دَفْعُها إليه بغيرِ بَيِّنَةٍ، سواءٌ غَلَب على ظَنِّه صِدْقُه أو لم يَغْلِبْ.
وبهذا قال مالكٌ، وأبو عُبَيدٍ 1، وداوُدُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يُجْبَرُ على ذلك إلَّا ببيِّنَةٍ، ويَجوزُ له دَفْعُها إليه إذا غَلَب على ظَنِّه صِدْقُه.
وقال أصحابُ الرَّأْي: إن شاء دَفَعَها إليه،

..................................  وأخَذَ كَفِيلًا بذلك؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «البَيِّنةُ عَلَى المُدَّعِي» 1. ولأنَّ صِفَةَ المُدَّعِي لا يَسْتَحِقُّ بها، كالمَغْصُوبِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنْ جَاءَكَ أحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِها وَوعَائِهَا وَو كَائِها، فَادْفَعْهَا إلَيهِ» 2. وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ.
وفي حَدِيثِ زَيدٍ: «اعْرِفْ وكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفهَا سَنَةً، فَإنْ لم تُعْرَفْ فاسْتَنْفِقْهَا، وإنْ جَاءَ طَالِبُها يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَأدِّهَا إلَيهِ» 3. يَعْنِي إذا ذَكَرَ صِفَاتِهِا؛ لأنَّ ذلك هو المَذْكُورُ في صَدْرِ الحَدِيثِ، ولم يَذْكُرِ البَيِّنَةَ، ولو كانتْ شَرْطًا للدَّفْعِ لذَكَرَها؛ لأنَّه لا يجوزُ تَأُخِيرُ البَيَانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، ولأنَّ إقامَةَ البَيِّنَةِ على اللُّقَطَةِ تَتَعَذَّرُ؛ لأنَّها إنَّما تَسْقُطُ حال الغَفْلَةِ، فتَوَقُّفُ دَفْعِها على البَيِّنةِ منعٌ

..................................  لِوُصُولِها إلى صاحِبِها أبدًا، وهذا يُفَوِّتُ مَقْصُودَ الالْتِقاطِ، ويُفْضِي إلى تَفْويتِ أمْوالِ النّاسِ، وما هذا سَبِيلُه يَسْقُطُ اعْتِبارُ البَيِّنةِ فيه، كالإِنْفاقِ على اليَتِيمِ.
والجَمْعُ بين هذا القَوْلِ وبينَ تَفْضِيلِ الالْتِقاطِ على تَرْكِه مُتَناقِضٌ؛ لأنَّ الالْتِقاطَ حِينَئِذٍ يكونُ تَضْيِيعًا لمالِ المُسْلِمِ، وإتْعابًا لنَفْسِه بالتَّعْرِيفِ الذي لا يُفِيدُ، والمُخاطَرَةِ بدِينه بتَرْكِه الواجِبَ مِن تعْرِيفِها، وما هذا سَبِيلُه يَجِبُ أن يكونَ حَرَامًا، فكيف يكونُ فاضِلًا.
وعلى هذا نقولُ: لو لم يَجِبْ دَفْعُها بالصِّفَةِ، لم يَجُزِ الْتِقاطُها؛ لِما ذَكَرْناه، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «البَيِّنةُ عَلَى المُدَّعِي».
يَعْنِي إذا كان ثَمَّ مُنْكِرٌ؛ لقولِه في سِيَاقِه: «وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ».
ولا مُنْكِرَ ههُنا، على أنَّ البَيِّنَةَ تَخْتَلِفُ، وقد جَعَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيَّنَةَ مُدَّعِي اللُّقَطَةِ وصْفَها، فإذا وَصَفَها فقد أقامَ بَيِّنَتَه.
وقِياسُ اللُّقَطَةِ على المَغْصُوبِ غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ النِّزاعَ

..................................  ثَمَّ في كَوْنِه مَغْصُوبًا، في الأصْلُ عَدَمُه، وقولُ المُنْكِرِ يُعارِضُ دَعْوَاه، فاحْتِيجَ إلى البَيِّنَةِ، وههُنا قد ثَبَت كونُ هذا المالِ لُقَطةً، وأنَّ له صاحِبًا غيرَ مَن هو في يَدِه، ولا مُدَّعِيَ له إلَّا الواصِفُ، وقد تَرَجَّحَ صِدْقُه، فيَنْبَغِي أن يُدْفَعَ إليه.
فصل: ويَدْفَعُها إليه بزِيادَتِها المُتَّصِلةِ والمُنْفَصِلةِ، إذا كان قبلَ الحولِ؛ لأنَّها نماءُ 1 مِلْكِه، فإن وَجَدَها زائِدةً بعدَ الحَوْلِ، أخَذَها بزِيادَتِها المُتَّصِلَةِ؛ لأنَّها تَتْبَعُ في الرَّدِّ بالعَيبِ والإقَالةِ، فتَبعَتْ ههُنا.
وإن حَدَث بعدَ الحَوْلِ لها نَماءٌ مُنْفَصِلٌ، فهو للمُلْتَقِطِ؛ لأَنَّه نَماءُ مِلْكِه مُتَمَيِّزٌ لا يَتْبَعُ في الفُسُوخِ، فكان له، كَنَماءِ المَبِيعِ إذا رُدَّ بعَيبٍ.
وذكر أبو الخَطَّابِ فيه وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يكونُ لصاحِبِ اللُّقَطَةِ، بِنَاءً على المُفْلِسِ إذا اسْتُرْجِعَتْ منه العَينُ بعدَ أن زادَتْ زِيادَةً مُتَمَيِّزةً، والوَلَدِ إذا اسْتَرْجَعَ

وَإنْ تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ، لَمْ يَضْمَنْهَا، وَإنْ كَانَ بَعْدَهُ ضَمِنَهَا.
أبُوه ما وَهَبَه له بعدَ زِيادَتِه المُنْفَصِلَةِ.
والصَّحِيحُ أنَّ الزِّيادَةَ للمُلْتَقِطِ؛ لِما ذَكَرْناه، وكذلك الصَّحِيحُ في المَوْضِعَين اللَّذَين ذكَرَهما أنَّ الزِّيادَةَ لمن حَدَثَتْ في مِلْكِه.
ثم الفَرْقُ بينَهما أنَّه في مَسألَتِنا يَضْمَنُ النَّقْصَ، فتكونُ الزِّيادَةُ له؛ ليكونَ الخَرَاجُ بالضَّمانِ، وثَمَّ لا ضَمانَ عليه، فأمْكَنَ أن لا يكونَ الخَرَاجُ له (1). ومتى اخْتَلَفَا في القِيمَةِ أو المِثْلِ، فالقَوْلُ قولُ المُلْتَقِطِ مع يَمِينه، إذا كانتِ اللُّقَطَةُ قد اسْتُهْلِكَت في يَدِ المُلْتَقِطِ؛ لأنَّه غارِمٌ.

2513 -

مسألة: (وإن تَلِفَتْ أو نَقَصَتْ قبلَ الحَوْلِ، لم يَضْمَنْها، وبعدَه يضْمَنُها)

لأنَّها أمانةٌ في يَدِه، إلَّا أن تكونَ تَلِفَتْ أو نَقَصَتْ1

..................................  بتَفْرِيطِه، كالوديعَةِ.
وإن أتْلَفَهَا المُلْتَقِطُ أو تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه، ضَمِنَها بمِثْلِها إن كانت مِن ذواتِ الأمْثالِ، أو بقِيمَتِها إن لم تكُنْ مِثْلِيَّةً.
قال شَيخُنا 1: لا أعْلَمُ فيه خِلافًا.
وإن تَلِفَتْ بعدَ الحَوْلِ، ثَبَت في ذِمَّتِه مِثْلُها أو قِيمَتُها بكلِّ حالٍ؛ لأنَّها دَخَلَتْ في مِلْكِه، وتَلِفَتْ من مالِه، وسواءٌ فَرَّطَ أو لم يُفَرِّطْ.
وإن وَجَد العَينَ ناقِصَةً بعدَ الحَوْل، أخَذَ العَينَ وأَرْشَ النَّقْصِ؛ لأنَّ جَمِيعَها مَضْمُونٌ إذا تَلِف، فكذلك أَرْشُ نَقْصِها.
وهذا قولُ أكْثَرِ العُلَماءِ الَّذِين حَكَمُوا بمِلْكِه لها بمُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ.
فأمّا مَن قال: لا يَمْلِكُها إلَّا باخْتِيارِه.
لم يُضَمِّنْه إيّاها حتى يَتَمَلَّكَها، وحُكْمُها قبلَ ذلك كَحُكْمِها قبلَ مُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ.
ومَن قال: لا يَمْلِكُ اللُّقَطَةَ بحالٍ.
لم يُضَمِّنْه إيّاها.
وبهذا قال الحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وأبو مِجْلَزٍ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، [ومالِكٌ] 2، وأبو يُوسُفَ، قالوا: لا يَضْمَنُ، وإن ضاعتْ بعدَ الحَوْلِ.
وقد ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ دَلِيلَ دُخُولِها في مِلْكِه.
وقال داوُدُ: إذا تَمَلَّكَ العَينَ وأتْلَفَها، لم يَضْمَنْها.
وحَكَى ابنُ أبي مُوسَى،

..................................  عن أحمدَ، أنَّه لَوَّحَ إلى مِثْلِ هذا القولِ؛ لحَدِيثِ عِياض، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «فَإِنْ جَاءَ رَبُّها، وَإلَّا فَهُوَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» 1. وقولِه في حَدِيثِ أُبَيِّ بنِ كعْبٍ: «فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُها، وَإلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مالِكَ» 2. وفي حَديثِ زَيدٍ: «فإنْ جَاءَ صَاحِبُها، وإِلَّا فَشَأنَكَ بِهَا» 3. ورُوِيَ «فَهِيَ لَكَ».
ولم يَأْمُرْهُ بِرَدِّ بَدَلِها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْها، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإن جَاء طَالِبُها يَوْمَا مِنَ الدَّهْرِ فَادفَعْهَا إلَيهِ» 4. قال الأثْرَمُ: قال أحمدُ: أذْهَبُ إلى حَدِيثِ الضَّحّاكِ بنِ عُثْمَانَ.
جَوَّدَه، ولم يَروه أحَدٌ مثلَ ما رَوَاهُ: «إنْ جَاءَ صَاحِبُها بَعدَ سَنةٍ وَقَد أَنفَقَهَا، رَدَّها اليهِ» 5. ولأنَّها عَينٌ يَلْزَمُه رَدُّها لو كانت باقِيةً، فيَلْزَمُه ضَمانُها إذا أتْلَفَها، كما قَبْلَ الحَوْلِ، ولأنَّه مالُ مَعْصُومٍ، فلم يَجُزْ إسْقاطُ حَقِّه منه مُطْلَقًا، كما لو اضْطُرَّ إلى مالِ غيرِه.

..................................  فصل: فإن وَجَد العَينَ بعدَ خرُوجِها مِن مِلْكِ المُلْتَقِطِ ببَيعٍ أو هِبَةٍ أو نحوهما، لم يكُنْ له أخْذُها، وله أخْذُ بَدَلِها؛ لأنَّ تَصرُّفَ المُلْتَقِطِ وَقَع صَحيحًا؛ لأنَّه مَلَكَها.
فإن صَادَفَها وقد عادَتْ إلى المُلْتَقِطِ بفَسْخٍ أو شِراءٍ أو غيرِ ذلك، فله أخْذُها؛ لأنَّه وَجَد عَينَ مالِه في يَدِ مُلْتَقِطِه، فكان له أخْذُها، كالزَّوْجِ إذا طَلَّقَ قبلَ الدُّخُولِ فوَجَدَ الصَّداقَ قد رَجَع إلى المَرْأةِ.
وسائِرُ أحْكامِ 1 الرُّجُوعِ ههُنا كَحُكْمِ رُجُوعِ الزَّوْجِ، على ما نَذْكُرُه، إن شاء الله تعالى.

وَإنْ وَصَفَهَا اثْنَانِ، قُسِمَتْ بَينَهُمَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وفَىِ الْآخَرِ يُقْرَعُ بَينَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا.

2514 - مسألة: (وإن وَصَفَها اثْنان، قُسِمَتْ بينَهما، في أحَدِ الوَجْهَين)

ذَكَرَه أبو الخَطَّاب؛ لأنَّهما تَساوَيَا فيما يُسْتَحَقُّ به الدَّفْعُ، فتَساوَيا فيها، كما لو كانت في أيدِيهما.
والوَجْهُ الثّانِي أنَّه (يُقْرَعُ بينهما) فمَن وَقَعَتْ له القُرْعَةُ حَلَف وسُلِّمَتْ إليه.
ذَكَرَه القاضِي.
وهكذا إن أقاما بَيِّنتَينِ.
وهذا الوَجْهُ أشْبَهُ بأُصُولِنَا، فيما إذا تَداعَيا عَينًا في يَدِ غيرِهما، ولأنَّهما تداعَيَا عَينًا في يَدِ غيرِهما، وتَساوَيا في البَيِّنَةِ أو عَدَمِها، فتكونُ لمَن وقَعَتْ له القُرْعَةُ، كما لو ادَّعَيا وَدِيعَةً في يَدِ إنْسانٍ، فقال: هي لأحَدِكُما، لا أعْرِفُ عَينَه.
وفارَقَ ما إذا كانت في أيدِيهما؛ لأنَّ يَدَ كلِّ واحدٍ منهما على نِصْفِه، فرَجَحَ قَوْلُه فيه.

وَإنْ أَقَامَ آخَرُ بَيَّنةً أنَّهَا لَهُ، أَخَذَهَا مِنَ الْوَاصِفِ، فَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَهَا مَنْ شَاءَ مِنَ الْوَاصِفِ أَوْ الدَّافِعِ إِلَيهِ،

2515 - مسألة: (فإن أقَامَ آخَرُ بَيِّنةً أنَّها له)

قُدِّمَ؛ لأنَّ البَيَّنةَ أقْوَى مِن الوَصْفِ، فإن كان الواصِفُ قد أخَذَها، رُدَّتْ إلى صاحِبِ البَيِّنةِ؛ لأنَّنا تَبَيَّنّا أنَّها له.
فإن كانت قد هَلَكَتْ، فلصاحِبِها تَضْمِينُ مَن شاءَ مِن الواصِفِ والدَّافِعِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ويتَخَرَّج أن لا يَلْزَمَ المُلْتَقِطَ شيءٌ، إذا قُلْنا بوُجُوبِ الدَّفْعِ عليه؛ لأنَّه فَعَل ما أَمِرَ به، ولم يُفَرِّطْ، وهو أمِينٌ؛ فلم يَضمَنْ، كما لو دَفَعَها بأمْرِ الحاكِمِ، ولأنَّه إذا كان الدَّفْعُ واجِبًا عليه يأْثَمُ بترْكِه، فكأنَّه دَفَع بغيرِ اخْتِيارِه، فلم يَضْمَنْ،

إلا أَنْ يَدْفَعَهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيهِ.
وَمَتَى ضَمِنَ الدَّافِعُ، رَجَعَ عَلَى الْوَاصِفِ.
كما لو أُخِذَتْ منه كَرْهًا.
وَوَجْهُ الأوّلِ، أنَّه دَفَع مال غيرِه إلى غيرِ مُسْتَحِقِّه اخْتِيارًا منه، فَضَمِنَه، كما لو دَفَع الوَدِيعةَ إلى غيرِ مالِكِها إذا غَلَب على ظَنِّه أنَّه مالِكُها.

2516 -

مسألة: (إلَّا أن يَدْفَعَها بحُكْمِ حاكِمٍ)

فلا يَمْلِكُ صاحِبُها مُطالبَتَه؛ لأنَّها مَأْخُوذَةٌ منه على سَبِيلِ القَهْرِ، فلم يَضْمَنْها، كما لو غَصبَها غاصِبٌ، ومتى ضَمِن الواصِفُ لم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّ العُدْوانَ منه والتَّلَفَ عندَه.
وإن (ضَمِنَ الدافِعُ، رَجَع على الواصِفِ) لأنَّه كان

..................................  سَبَبَ تَغْرِيمِه، إلَّا أن يكونَ المُلْتَقِطُ قد أقَرَّ للواصِفِ أنَّها له، فإنَّه لا يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه أقَرَّ أنَّه مالِكُها ومُسْتَحِقُّها، وأنَّ صاحِبَ البَيِّنةِ ظَلَمَه بتَضْمِينِه، فلا يَرْجِعُ على غيرِ ظالِمِه.
وإن كانتِ اللُّقَطَةُ قد تَلِفَتْ عندَ المُلْتَقِطِ، فضَمَّنَه إيّاها، رَجَع على الواصِفِ بما غَرِمَه، وليس لمالِكِها تَضْمِينُ الواصِفِ؛ لأنَّ الذي قَبَضَه إنَّما هو مالُ المُلْتَقِطِ لا مالُ صاحِبِ اللُّقَطَةِ، بخِلافِ ما إذا سَلَّمَ العَينَ.
فأمّا إن وَصَفَها إنْسان فأخَذَها، ثم جاء آخرُ فوَصَفَها وادَّعاها، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا؛ لأنَّ الأوَّلَ اسْتَحَقَّها لوَصْفِه إيّاها وعَدَمِ المُنازِعِ فيها، وثَبَتَتْ يَدُه عليها، ولم يُوجَدْ ما يَقْتَضِي انْتِزاعَها منه، فوَجَبَ إبْقاؤُها في يدِه 1، كسائِرِ مالِه.
فصل: ولو جاء مُدَّعٍ للُقَطَةٍ فلم يَصِفْها، ولا أقامَ بَيَنةً أنَّها له، لم يَجُزْ دَفْعُها إليه، سواءٌ غَلَب على ظَنِّه صِدقُه أو كَذِبُه؛ لأنَّها أمانةٌ، فلم يَجُزْ دَفْعُها إلى مَنْ لم يُثْبتْ أنَّه صاحِبُها، كالوَدِيعة.
فإنْ دَفَعَها فجاء آخَرُ فوصَفَهَا، أو أقامَ بها بَيِّنةً، لَزِمَ الدّافِعَ غَرامَتُها له، لأنَّه فَوَّتَها على مالِكِها بتَفْرِيطِه، وله الرُّجُوعُ على مُدَّعِيها، لأنَّه أخَذ مال غيرِه، ولصاحِبِها تَضْمِينُ آخِذِها، فإذا ضَمَّنَه، لم يَرْجِع على أحَدٍ.
وإن لم يَأْتِ أحَدٌ يَدَّعِيها فلِلْمُلْتَقِطِ مُطالبةُ آخِذِها؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ مَجِئَ صاحِبِها فيُغَرِّمُه إيّاها، ولأنَّها أمانةٌ في يَدِه، فمَلكَ الأخْذَ مِن غاصِبِها، كالوَدِيعةِ.

..................................  فصل: فإن كان المُلْتَقِطُ قد مات واللُّقَطَةُ مَوْجُودةٌ، قام وارِثُه مَقَامَه في تَعْرِيفِها، أو إتمامِه إن مات قبلَ إتْمامِ 1 الحَوْلِ، ويَمْلِكُها بعد إتْمامِ التَّعْرِيفِ.
وإن مات بعد تَمامِ الحَوْلِ، وَرِثَها الوارِثُ، كسائِرِ أمْوالِ المَيِّتِ، ومتى جاء صاحِبُها، أخَذَها مِن الوارِثِ، كما يأْخُذها مِن المَوْرُوثِ، وإن كانت مَعْدُومَةَ العَينِ، فصاحِبُها غَرِيمٌ للمَيِّتِ بمِثْلِها إن كانت مِن ذواتِ الأمْثالِ، أو بقِيمَتِها إن لم تَكنْ كذلك، فيَأْخُذُ ذلك مِن تَرِكَتِه إنِ اتَّسَعَتْ لذلك، فإن ضاقَتِ التَّرِكَةُ زاحَمَ الغُرَماءَ ببَدَلِها، سواءٌ تَلِفَتْ بعد الحَوْلِ بفِعْلِه أو بغيرِ فِعْلِه؛ لأنَّها قد دَخَلَتْ في مِلْكِه بمُضِيِّ الحَوْلِ.
وإن عَلِمَ أنَّها تَلِفَتْ قبلَ الحَوْلِ بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه، ولا شيءَ لصاحِبِها؛ لأنَّها أمانةٌ في يَدِه تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلم يَضْمَنْها، كالوَدِيعةِ.
وكذلك إن تَلِفَتْ بعد الحَوْل قبلَ تَملُّكِها بغيرِ تَفريطٍ، عند مَن يَرَي أنَّها لا تَدْخُلُ في مِلْكِه حتى يتَملَّكَها، أو أنَّها لا تُمْلَكُ بحالٍ.
وقد مَضَى الكلامُ في ذلك.
فأمّا إن لم يَعْلَم تَلَفَها، ولا وُجِدَتْ في تَرِكَتِه، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه غرِيمٌ بها، سَواءٌ كان قبلَ الحَوْلِ أو بعدَه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَ المُلْتَقِطَ شيءٌ، ويَسْقُطَ حَقُّ صاحِبِها؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّةِ المُلْتَقِطِ منها؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن تكونَ قد تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا تُشْغَلُ ذِمَّتُه بالشَّكِّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان المَوْتُ قبلَ الحَوْلِ فلا شيءَ عليه؛ لأنَّها كانتْ أمانةً عنده، ولم تُعْلمْ خِيانَتُه 2

فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَينَ كَوْنِ الْمُلْتَقِطِ غَنِيًّا أَو فَقِيرًا، مُسْلِمًا أَو كَافِرًا، عَدْلًا أَو فَاسِقًا، تَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيها.
وَقِيلَ: يُضَمُّ إِلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ فِي تَعْرِيفِهَا وَحِفْظِهَا.
فيها، والأصْلُ بَراءَةُ ذِمَّتِه منها.
وإن ماتَ بعدَ الحَوْلِ، فهي في تَرِكَتِه؛ لأنَّ الأصْلَ بقاؤُها إلى ما بعد الحَوْلِ، ودُخُولُها في مِلْكِه، ووُجُوبُ بَدَلِها عليه.
فإن قِيلَ: فقد قُلْتُم: إنَّ صاحِبَها لو جاء بعد بَيْعِ المُلْتَقِطِ إيّاها أو هِبَتِه لم يَكُنْ له إلَّا بَدَلُها.
فلِمَ قُلْتُم: إنَّها إذا انْتَقَلَتْ إلى الوارِثِ يَمْلِكُ صاحِبُها أخْذَها؟ قُلْنا: لأنَّ الوارِثَ خَلِيفةُ المَوْرُوثِ، وإنَّما يَثْبُتُ له المِلْكُ فيها على الوَجْهِ الذي كان ثابتًا لمَوْرُوثِه، ومِلْكُ مَوْرُوثِه فيها كان مُرَاعًى مَشْرُوطًا بعَدَمِ مَجِئِ صاجِبِها، فكذلك مِلْكُ وارِثِه، بخِلافِ مِلْكِ المُشْتَرِي والمُتَّهِبِ، فإنَّهما يَمْلِكانِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ المُلْتَقِطِ غَنِيًّا أو فَقِيرًا، مُسْلِمًا أو كافرًا، عَدْلًا أو فاسِقًا، يأَمَنُ نَفْسَه عليها.
وقيل: يُضَمُّ إلى الفاسِقِ أمِينٌ في تَعْرِيفِها وحِفْظِها) إذا الْتَقَطَ الغَنِيُّ لُقَطَةً وعَرَّفَها حَوْلًا، مَلَكَها، كالفَقِيرِ، رُوِيَ نحوُ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مَسْعُودٍ، وعائشةَ،

..................................  وعَلِيٍّ، وابنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، والشّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ.
وبه قال الشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: ليس له أن يَتَمَلَّكَها، إلَّا أن يكونَ فَقِيرًا مِن غيرِ ذَوي القُرْبَى؛ لِما روَى عِياضُ بنُ حِمارٍ المُجاشِعِيُّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ عَلَيها ذَا عَدْلٍ -أو ذَوَيْ عَدْلٍ- وَلَا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ، فَإِنْ وَجَدَ صاحِبَها فَلْيَرُدَّهَا عَلَيه، وَإلَّا فَهِيَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ».
رَواه النَّسَائِيُّ 1. قالوا: وما يُضَافُ إلى اللهِ تعالى إنَّما يتَمَلَّكُه مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ.
ونَقَل حَنْبَلٌ عن أحمدَ مثلَ هذا القَوْل.
وأنْكَرَه الخَلَّالُ، وقال: ليس هذا مَذْهَبًا لأحمدَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَدِيثِ زَيدِ بنِ خالدٍ 2: «فَإِنْ لم تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْها».
وفي لَفْظٍ: «فَشَأنَكَ بها».
وفي لَفْظٍ: «وَإلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مالِكَ».
ولأنَّ مَن مَلَك بالقَرْضِ مَلَك اللُّقَطَةَ، كالفَقِيرِ، ومَن جاز له الالْتِقاطُ مَلَك به بعدَ التَّعْريفِ، كالفَقِيرِ، ودَعْواهُم في حَدِيثِ عِياض أنَّ ما يُضافُ إلى اللهِ تعالى لا يتَمَلَّكُه إلَّا مَن يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ، لا دَلِيل عليها 3، وبُطْلانُها ظاهِر، فإنَّ الأشياءَ كُلَّها تُضافُ إلى

..................................  اللهِ تعالى؛ مِلْكًا وخَلْقًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ 1. فصل: ويَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بالالْتِقاطِ كالمُسْلِم.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: ليس له الالْتِقاطُ في دارِ الإِسلامِ؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ الأمانةِ.
ولَنا، أنَّه نَوْعُ اكْتِسابٍ، فكان مِن أهْلِه، كالاحْتِشاشِ [والاصطِيادِ] 2 والاحتِطاب -وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، فإنَّه يَصِحُّ الْتِقاطُهُما مع عَدَمِ الأَمانةِ.
ومتى عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلًا، مَلَكَها، كالمُسْلِمِ، وإن عَلِم بها الحاكِمُ أقَرَّهَا في يَدِه، وضَمَّ إليه مُشْرِفًا عَدْلًا يُشْرِفُ عليه ويُعَرِّفُها؛ لأنَّنا لا نَأْمَنُ الكافِرَ على تَعْرِيفِها، ولا نَأْمَنُ أن يُخِلَّ في التَّعْرِيفِ بشيءٍ

وَإنْ وَجَدَهَا صَبِيٌّ أَوْ سَفِيهٌ، قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا، فَإِذَا عَرَّفَهَا، فَهِيَ لِوَاجِدِهَا.
مِن الواجِبِ عليه فيه، وأجْرُ المُشْرِفِ عليه، فإذا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ، مَلَكَها المُلْتَقِطُ.
ويَحْتَمِلُ أن تُنْزَعَ مِن يَدِ الذِّمِّيِّ وتُوضَعَ على يَدِ عَدْلٍ؛ لأنَّه غيرُ مَأْمُونٍ عليها.
فصل: ويَصِحُّ الْتِقاطُ الفاسِقِ؛ لأنَّها جِهة مِن جِهاتِ الكَسْبِ، فصَحَّ الْتِقاطُه، كالعَدْلِ، ولأنَّه إذا صَحَّ الْتِقاطُ الكافِرِ، فالمُسْلِمُ أوْلَى، إلَّا أنَّ الأوْلَى له ألا يأْخُذَها؛ لأنَّه يُعَرِّضُ نَفْسَه للأمانةِ، وليس مِن أهْلِها.
وإذا الْتَقَطَها فعَرَّفَها حَوْلًا، مَلَكَها، كالعَدْلِ، وإن عَلِمَ الحَاكِمُ أو السُّلْطانُ بها، أقَرَّها في يَدِه، وضَمَّ إليه مُشْرِفًا يُشْرِفُ عليه ويَتَولَّى تَعْرِيفَها، كما قُلْنا في الذِّمِّيِّ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ [في أحَدِ قَوْلَيه] (1)، وقال في الآخَرِ: يَنْزِعُها مِن يَدِه ويَدَعُها في يَدِ عَدْلٍ.
ولَنا، أنَّ مَن خُلِّيَ بينَه وبينَ الوَدِيعَةِ، لم تَزُلْ يَدُه عن اللُّقَطَةِ، كالعَدْلِ، والحِفْظُ يَحْصُلُ بضَمِّ المُشْرِفِ إليه، فأمّا إن لم يُمْكِنِ المُشْرِفَ حِفْظُها منه، انْتُزِعَتْ مِن يَدِه وتُرِكَتْ في يَدِ العَدْلِ، فإذا عَرَّفَها مَلَكَها المُلْتَقِطُ؛ لوُجُودِ سَبَبِ المِلْكِ منه.

2517 -

مسألة: (وإن وَجَدَهَا صَبِيٌّ أو سَفِيهٌ، قام وَلِيُّه بتَعْرِيفِها، فإذا عَرَّفَها، فهي لواجِدِها)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الصَّبِيَّ والسَّفِيهَ1

..................................  والمَجْنُونَ، إذا الْتَقَطَ أحَدُهُم لُقَطةً، ثَبَتَتْ يَدُه عليها؛ لعُمُومِ الأخبارِ، ولأنَّه نَوْعُ تَكَسُّبٍ، فصَحَّ منه، كالاصطِيادِ والاحْتِطابِ.
فإن تَلِفَتْ في يَدِه بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه، وإن تلِفَتْ بتَفْرِيطِه، ضَمِنَها في مالِه، وإذا عَلِمَ بها وَلِيُّه، لَزِمَه أخْذُها منه؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ الحِفظ والأمانةِ، فإن تَرَكَهَا في يَدِه، ضَمِنَها؛ لأنَّه يَلْزَمُه حِفْظُ ما يتَعَلَّقُ به حقُّ الصَّبيِّ، وهذا يَتَعَلَّقُ 1 به حَقُّه، فإذا تَرَكَها في يَدِه كان مُضَيِّعًا لها.
ويُعَرِّفُها الوَلِى إذا أخَذَها؛ لأنَّ واجِدَها ليس مِن أهْلِ التَّعْرِيفِ، فإذا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ دَخَلَتْ في مِلْكِ واجِدِها؛ لأنَّ سَبَبَ التَّمَلُّكِ تَمَّ بشَرْطِه، فثَبَتَ المِلْكُ له، كما لو اصْطادَ صَيدًا.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ، إلَّا أنّ أصحابَه قالوا: إذا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعرِيفِ، فكان الصبيُّ والمَجْنُونُ بحيثُ يُسْتَقْرَضُ لهما، يَمْلِكُه لهما، وإلَّا فلا.
وقال بعضُهم: يتَمَلَّكُه لهما بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ الظّاهِرَ عَدَمُ ظُهُورِ صاحِبِه، فيكونُ تَمَلُّكُه مَصْلَحةً له.
ولَنا، عُمُومُ الأخبارِ، ولو جَرَى هذا مَجْرَى الاقْتِراضِ لَما صَحَّ الْتِقاطُ صَبِيٍّ لا يجوزُ الاقتِراضُ له؛ لأنَّه يكونُ تَبَرُّعًا بحِفْظِ مالِ غيرِه مِن غيرِ فائِدَةٍ.

..................................  فصل: قال أحمدُ، في رِوايةِ العَبّاسِ بنِ مُوسَى 1، في غُلامٍ له عَشْرُ سِنِينَ الْتَقَطَ لُقَطَةً، ثم كَبِرَ: فإن وَجَد صاحِبَها دَفَعَها إليه، وإلَّا تَصَدَّقَ بها، قد مَضَى أجَلُ التَّعْرِيفِ فيما تَقَدَّمَ مِن السِّنِين.
ولم يَرَ عليه اسْتِقْبال أجَلِ التَّعْرِيفِ.
[قال.
وقد كنتُ سَمِعْتُه قبلَ هذا أو بعدَه يقول في انْقِضاء أجَلِ التَّعْرِيفِ] 2 إذا لم يَجِدْ صاحِبَها: أيَتَصَدَّقُ بمالِ الغَيرِ! وهذه المسألةُ قد مَضَى نحوُها فيما إذا لم يُعَرِّفِ المُلْتَقِطُ اللقَطَةَ 3 في حَوْلِها الأوَّلِ، فإنَّه لا يَمْلِكُها وإن عَرَّفَها فيما (3) بعدَ ذلك؛ لكَوْنِ التَّعْرِيفِ بعدَه لا يُفيدُ ظاهِرًا، لكَوْنِ صاحِبِها يَيأَسُ منها ويَتْرُكُ طَلَبَها.
وهذه المسألةُ تَدُلُّ على أنَّه إذا تَرَك التَّعْرِيفَ لعُذْرٍ، فهو كَتَرْكِه لغيرِ عُذرٍ؛ لكونِ الصَّبِيِّ مِن أهْلِ العُذْرِ، وقد ذَكَرْنا فيه وَجْهَين، فيما تَقَدَّمَ.
وقال أحمدُ، في غُلامٍ لم يَبْلُغْ أصَابَ عَشَرَةَ دَنانِيرَ، فذَهَبَ بها إلى مَنْزِلِه فضاعَتْ، فلمّا بَلَغ أرادَ رَدَّها، فلم يَعْرِفْ صاحِبَها: تَصَدَّقَ بها، فإن لم يَجدْ عَشَرَةً، وكان يُجْحِفُ به، تَصَدَّقَ قليلًا قَليلًا.
قال.
القاضِي: هذا مَحْمُولٌ على أنَّها تَلِفَتْ بتَفْرِيطِ الصَّبِيِّ، وهو أنَّه لم يُعلِمْ وَلِيَّه حتى يَقُومَ بتَعْريفِها.

وَإنْ وَجَدَهَا عَبْدٌ، فَلِسَيِّدِهِ أَخذُهَا مِنْهُ وَتَرْكُهَا مَعَهُ، يَتَوَلَّى تَعْرِيفَهَا إِذَا كَانَ عَدْلًا، وَإنْ لَمْ يَأْمَنِ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ عَلَيها، لَزِمَهُ سَتْرُهَا عَنْهُ، فَإِنْ أَتْلَفَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، فَهِيَ فِي رَقَبَتِهِ، وَإنْ أَتلَفَهَا بَعْدَهُ، فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ.

2518 - مسألة: (وإن)

الْتَقَطَها (عَبْدٌ، فلِسَيِّدِه أخْذُها منه وتَرْكُها معه، يَتَوَلَّى تَعْرِيفَها إن كان عَدْلًا، فإن لم يَأْمَنِ العَبْدُ سَيِّدَه عليها، لَزِمَه سَتْرُها عنه، فإن أتْلَفها قبلَ الحَوْلِ، فهي في رَقَبَتِه، وإن أتْلَفَها بعدَه، فهي في ذِمَّتِه) يَصِحُّ الْتِقاطُ العَبْدِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ 1، والشافعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيه وقال في الآخَرِ: لا يَصِحُّ الْتِقاطُه؛ لأنُّ اللُّقَطَةَ في الحَوْلِ الأوَّلِ أمانَةٌ وَولايَةٌ، وفي الثاني تَمَلُّكٌ،

..................................  والعَبْدُ ليس مِن أهْلِ الولاياتِ ولا التَّمَلُّكِ.
ولَنا، عُمُومُ الخَبر، ولأنَّ الالْتِقاطَ سَببٌ يَمْلِكُ به الصَّبِيُّ ويَصِحُّ منه، فَصَحَّ مِن العَبْدِ، كالاصْطِيادِ والاحْتِطابِ، ولأنَّ مَن جاز له قَبولُ الوَدِيعَةِ، صَحَّ منه الالْتِقاطُ، كالحُرِّ.
قولُهم: إنَّ العَبْدَ ليس مِن أهْلِ الولاياتِ والأماناتِ.
يَبْطُلُ

..................................  بالصَّبِي والمَجْنُونِ، فإنَّهما أدْنَى حالًا منه في هذا.
وقولُهم: إن العَبْدَ لا يَمْلِكُ.
مَمْنوعٌ، وإن سَلَّمْنا، فإنَّه يَتَمَلَّكُ لسَيِّدِه، كما يَحْصُلُ بسائِرِ الاكْتِساباتِ، ولأنَّ الالْتِقاطَ تَخْلِيصُ مالٍ مِن الهَلاكِ، فجازَ مِن العَبْدِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، كإنْقاذِ المالِ الغَرِيقِ والمَغْصُوبِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ اللُّقَطَةَ تكونُ أمانةً في يَدِ العَبْدِ، إن تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ في حَوْلِ التَّعْرِيفِ لم يَضْمَنْ، فإن عَرَّفَها، صَحَّ تَعْرِيفُه؛ لأنَّ له قَوْلًا صَحِيحًا، فصَحَّ تَعْرِيفُه، كالحرِّ، فإذا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ، مَلَكَها سَيِّدُه، لأنَّ الالْتِقاطَ

..................................  كَسْبُ العَبْدِ، وكَسْبُه لسَيِّدِه.
فإن عَلِمَ السَّيِّدُ بلُقَطَةِ عَبْدِه، كان له انْتِزاعُها منه؛ لأنَّها مِن كَسْبِ العَبْدِ، وللسَّيِّدِ انْتِزاعُ كَسْبِه مِن يَدِه، فإنِ انْتَزَعَها بعدَ أن عَرَّفَها العَبْدُ، مَلَكَها، وإن كان لم يُعَرِّفْها، عَرَّفَها سَيِّدُه حَوْلًا، وإن كان العَبْدُ عَرَّفَها بعضَ الحَوْلِ، عَرَّفَها السَّيِّدُ تَمامَه.
وللسَّيِّدِ إقْرارُها في يَدِ العَبْدِ إن كان أمِينًا، ويكونُ مُسْتَعِينًا بعَبْدِه في حِفْظِها، كما يَسْتَعِينُ به في حِفْظِ مالِه، فإن كان العَبْدُ غيرَ أمِينٍ، كان السَّيِّدُ مُفَرِّطًا بإقْرارِها في يَدِه، ولَزِمَه ضَمانُها، كما لو أخَذَها مِن يَدِه ورَدَّها؛ لأنَّ يَدَ العَبْدِ كيَدِه، وما يَسْتَحِقُّ بها لسَيِّدِه.
وإن أُعْتِقَ العَبْدُ بعد الالْتِقاطِ، فله انْتِزاعُ اللُّقَطَةِ مِن يَدِه؛ لأنَّها مِن كَسْبِه، وأكْسابُه لسَيِّدِه.
ومتى عَلِمَ العَبْدُ أن سَيِّدَه غيرُ مَأْمُونٍ عليها، لَزِمَه سَتْرُها عنه، ويُسَلِّمُها إلى الحاكِمِ ليُعَرِّفَها، ثم يَدْفَعُها إلى سَيِّدِه بشَرْطِ الضَّمانِ.
فإن أتْلَفَها العَبْدُ في الحَوْلِ الأوّلِ فهي في رَقَبَتِه، كجِناياتِه، وكذلك إن تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه، وإن أتْلَفَها بعدَه، فهي في ذِمَّتِه إن قُلْنا: إنَّ العَبْدَ يَمْلِكُها بعد التَّعْرِيفِ.
وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُها.
فهو كما لو أتْلَفها في حَوْلِ التَّعْرِيفِ.
ويَصْلُحُ أن يَنْبَنِيَ ذلك على اسْتِدانةِ العَبْدِ، هل تتَعَلَّقُ برَقَبتِه أو ذِمَّتِه؟ على رِوايَتينِ، وقد مَرَّ ذِكْرُه في الحَجْرِ.

وَالْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَهِيَ بَينَهُ وَبَينَ سَيِّدِهِ، إلا أَنْ يَكُونَ بَينَهُمَا مُهَايَأَةٌ فَهَلْ تَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأةِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2519 - مسألة: (والمُكاتَبُ كالحُرِّ)

في اللُّقَطَةِ؛ لأنَّ المال له في الحالِ، وأكْسابُه له دُونَ سَيِّدِه، وهي مِن أكْسابِه، فإن عَجَز عاد عَبْدًا، وصار حُكْمُه في لُقَطَتِه حُكْمَ العَبْدِ.
وأُمُّ الوَلَدِ والمُدَبَّرُ والمُعَلَّقُ عِتْقُه بصفَةٍ، كالقِنِّ (ومَنْ بعضه حُرٌّ) إذا الْتَقَطَ لُقَطةً (فهي بَينَه وبينَ سَيِّدِه) إذا لم يكُنْ بينَهما مُهايَأةٌ كالحُرَّين إذا الْتَقَطا لُقَطةً.
(وإن كان بينَهما مُهايأةٌ، لم تَدْخل في المُهايأةِ) في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنها كسْبٌ

..................................  نادِرٌ، لا يُعْلَمُ وُجُودُه، ولا يُظَنُّ، فلم يَدْخُلْ في المُهايَأة كالإرْثِ.
فعلى هذا، يكونُ بينَهما.
والثاني، يَدْخُلُ في المُهايَأةِ؛ لأنَّها مِن كَسْبه، أشْبَهتْ سائِرَ أكْسابِه، فيكونُ لمَن يُوجَدُ في يَوْمِه.
وكذلك الحُكْمُ في الهَدِيَّةِ والوَصِيَّةِ وسائِرِ الأكْسابِ النادِرَةِ، فيها الوَجْهانِ.
فإن كان العَبْدُ بين اثْنَين شَرِكَةً فلُقَطَتُه بينَهما، على ما ذَكَرْنا في مَن بعضُه حُرٌّ.
واللهُ وأعلمُ.

بَابُ اللَّقِيطِ

وَهُوَ الطِّفْل الْمَنْبُوذُ.
بابُ اللَّقِيطِ (وهو الطِّفْلُ المَنْبُوذُ) واللَّقِيطُ بمَعْنَى المَلْقُوطِ، كالقَتِيلِ والجَرِيحِ.
والْتِقاطُه واجِبٌ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ 1 ولأنَّ فيه إحْياءَ نَفْسِه، فكان واجِبًا، كإطْعامِه إذا اضْطُرَّ، وإنْجائِه مِن الغَرَقِ.
وهو من فُرُوضِ الكِفاياتِ، إذا قام به مَن يَكْفِي سَقَط عن الباقِين، وإن تَرَكَه الجماعةُ، أثِمُوا كُلُّهُم إذا تَرَكُوه مع إمْكانِ أخْذِه.
وقد رُوِيَ عن سُنَينٍ أبي جَمِيلَةَ، قال: وَجَدْتُ مَلْقُوطًا فأتَيتُ به عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، فقال عَرِيفِي: يا أميرَ المُؤْمِنينَ، إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ.
فقال عُمَرُ: أكَذِلكَ هُوَ؟ قال: نعم.
قال: فَاذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، ولَكَ وَلاؤُه، وعَلَينا نَفَقَتُه.
رَواه سَعِيدٌ 2 عن سُفْيانَ عن الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ سُنَينًا أبا جَمِيلةَ بهذا، وقال: وعَلَينا رَضَاعُهُ.

وَهُوَ حُرٌّ،

2520 - مسألة: (وهو حُرٌّ)

اللَّقِيط حُرٌّ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا النَّخَعِيَّ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ عوامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ.
رُوِيَ هذا القولُ عن عُمَرَ، وعَلِيٍّ، رَضِيَ الله عنهما.
وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، ومالكٌ،

يُنْفَقُ عَلَيهِ مِنْ بَيتِ الْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيهِ.
والثَّورِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي، ومَن تَبِعَهُم.
وقال النَّخَعِيُّ: إنِ الْتَقَطَه للْحِسْبَةِ، فهو حُرٌّ، وإن كان أرادَ أن يَسْتَرِقَّه، فذلك له.
وهذا قولٌ شَذَّ فيه عن الخُلَفاء والعُلَماءِ، ولا يَصِحُّ في النَّظرَ، فإنَّ الأصْلَ في الآدَمِيِّينَ الحُرِّيَّةُ، فإنَّ الله تعالى خَلَق آدمَ وذُرِّيَّتَهَ أحْرارًا، وإنَّما الرِّقُّ لعارِض، فإذا لم يُعْلَمْ ذلك العارِضُ، فله حُكْمُ الأصْلَ.

2521 -

مسألة: (يُنْفَقُ عليه مِن بَيتِ المالِ إن لم)

يُوجَدْ (معه ما يُنْفَقُ عليه) إذا لم يُوجَدْ مع اللَّقِيطِ شيءٌ، لم يَلْزَمِ المُلْتَقِطَ الإِنْفاقُ عليه، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ نَفَقَةَ اللَّقِيطِ غيرُ واجبَةٍ على المُلْتَقِطِ كوُجُوبِ نَفَقةِ الوَلَدِ.
وذلك لأن أسْبابَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ مِن القَرابةِ، والزَّوْجِيَّة،

..................................  والمِلْكِ، والوَلاءِ، مُنْتَفِيَةٌ، فالالْتِقاطُ إنَّما هو تَخْلِيصٌ له مِن الهلاكِ، وتَبَرُّعٌ بحِفْظِه، فلا يُوجِبُ ذلك النَّفَقَةَ، كما لو فَعَلَه بغيرِ اللَّقِيطِ.
وتَجِبُ نفقَتُه في بَيتِ المالِ، لقولِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، في حَدِيثِ أبي جَميلةَ: اذْهَبْ فهو حُرٌّ، ولك وَلاؤُه، وعلينا نَفَقَتُه.
وفي روايةٍ: مِن بيتِ المالِ.
ولأنَّ بيتَ المالِ وارِثُه، ومالُه مَصْرُوفٌ إليه، فكانت نَفَقَتُه عليه، كَقرابَتِه ومَولاه.
فإن تَعَذَّرَ الإِنْفاقُ عليه مِن بَيتِ المالِ، لكَوْنِه لا مال فيه، أو كان في مكانٍ لا إمامَ فيه، أو لم يُعْطَ شيئًا، فعَلَى من عَلِمَ حاله مِن المُسْلِمِينَ الإِنْفاقُ عليه؛ لقَوْلِ الله تِعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
ولأنَّ في تَركِ الإِنْفاقِ عليه هَلاكَه، وحِفْظُه مِن ذلك واجِبٌ، كإنقاذِه مِن الغَرَقِ.
وهو فَرْضُ كِفايةٍ، ومن أنْفَقَ عليه مُتَبَرِّعًا، فلا شيءَ له، سواءٌ كان المُلْتَقِطَ أو غيرَه، وإن لم يَتَبرَّعْ أحَدٌ بالإنْفاقِ عليه، فأنْفَقَ عليه المُلْتَقِطُ أو غيرُه مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ عليه إذا أيسَرَ، وكان ذلك بأمْرِ الحاكِمِ، لَزِم اللَّقِيطَ ذلك إذا كانتِ النَّفَقَةُ قَصْدًا بالمَعْرُوفِ.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ.
فإن أنْفَقَ بغيرِ أمْرِ الحاكِمِ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ عليه، فقال أحمدُ: تُؤَدَّى النَّفَقَةُ مِن بيتِ المالِ.
وقال شُرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ: يَرْجِعُ عليه بالنَّفَقَةِ إذا أشْهَدَ عليه، يحْلِفُ ما أنْفَقَ

..................................  احْتِسابًا، فإن حَلَف اسْتُسْعِيَ 1. وقال الشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه أنْفَقَ عليه مِن غيرِ إذْنِه، ولا إذْنِ وَلِيِّه، ولا إذْنِ الحاكِمِ، فلم يَرْجِعْ بشيءٍ، كما لو تَبَرَّعَ به.
ولَنا، أنَّه أدَّى مالًا وَجَب على غيرِه، فكان له الرُّجُوعُ على مَن كان الوُجُوبُ عليه، كالضّامِنِ إذا قَضَى عن المَضْمُونِ عنه.

وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، إلا أنْ يُوجَدَ فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ، فَيَكُونَ كَافِرًا.
فَإِنْ كَانَ فِيهِ مُسْلِمٌ، فَعَلَى وَجْهَينِ.

2522 - مسألة: (ويُحْكَمُ بإسْلامِه، إلَّا أن يُوجَدَ في بَلَدِ الكُفّارِ ولا مُسْلِمَ فيه، فيكونَ كافِرًا. فإن كان فيه مُسْلِمٌ، فعلى وَجْهَين)

إذا وُجِدَ اللَّقِيطُ في دارِ الإِسْلامِ، فهو مَحْكُومٌ بإسْلامِه وإن كان فيها أَهْلُ الذِّمَّةِ؛ تغْلِيبًا للإِسْلام، ولظاهِرِ الدّارِ، ولأنَّ الإِسْلامَ يَعْلُو ولا يُعْلَى.
ودارُ الإسْلام قِسْمان؛ أَحدُهما، ما اختَطَّهُ المُسْلِمونَ؛ كبَغْدادَ، والبَصْرَةِ، فلَقِيطُها محْكُومٌ بإسْلامِه، على ما ذَكَرْنا.
الثاني، دارٌ فَتَحَها المُسْلِمونَ؛ كمَدائِنِ الشّامِ، فهذه إن كان فيها مُسْلِمٌ حُكِمَ بإسْلامِ لَقِيطِها؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ لذلك المُسْلِمِ، تَغْلِيبًا للإسْلامِ، وإن لم يَكُنْ فيها مُسْلِمٌ، بل كان أهْلُها أهْلَ ذِمَّةٍ، حُكِمَ بكُفْرِه؛ لأنَّ تَغْلِيبَ حُكْمِ

..................................  الإسْلامِ إنَّما يكونُ مع الاحْتِمالِ.
فأمّا بَلَدُ الكُفّارِ فضَرْبانِ؛ أحَدُهما، بَلَدٌ كان للمسلمين فغَلَبَ الكُفّارُ عليه، كالسّاحِلِ، فهذا كالقِسْمِ الذي قبلَه: إن كان فيه مُسْلِمٌ حُكِمَ بإسْلامِ لَقِيطِه، وإن لم يَكُنْ فيه مُسْلِمٌ فهو كافِرٌ.
وقال القاضِي: يُحْكَمُ بإسْلامِه أيضًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ فيه مُؤْمِن يَكْتُمُ إيمانَه، بخِلافِ الذي قبلَه، فإنَّه لا حاجَةَ به إلى كَتْمِ إيمانِه في دارِ الإسْلامِ.
الثّاني، دارٌ لم تَكُنْ للمسلمين أصْلًا؛ كبِلادِ الهِنْدِ والرُّومِ، فإن لم يَكُنْ فيها مُسْلِمٌ، فلَقِيطُها كافِرٌ؛ لأنَّ الدّارَ لهم وأهْلَها منهم.
وإن كان فيها مُسْلِمونَ؛ كالتُّجّارِ، وغيرِهم، ففيه وَجْهانِ؛

وَمَا وُجِدَ مَعَهُ، مِنْ فِرَاشٍ تَحْتَهُ، أوْ ثِيَابٍ، أوْ مَالٍ فِي جَيبِهِ أوْ تَحْتَ فِرَاشِهِ، أوْ حَيَوَانٍ مَشْدُودٍ بِثِيَابِهِ، فَهُوَ لَهُ.
وَإنْ كَانَ مَدْفُونًا  أحدُهما، يُحْكَمُ بإسْلامِه، تَغْلِيبًا للإِسْلامِ.
والثّاني، يُحْكَمُ بكُفْرِه، تَغْلِيبًا للدّارِ والأكْثَرِ.
وهذا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ الطِّفْلَ إذا وُجِدَ في بلادِ المسلمين مَيِّتًا في أيِّ مكانٍ وُجِدَ، أنَّه يَجِبُ غَسْلُه ودَفْنُه في مقابِرِ المسلمين، وقد مَنَعُوا أن يُدْفَنَ أطْفالُ المُشْرِكين في مقابِرِ المسلمين.
قال: وإذا وُجِدَ لَقِيطٌ في قَرْيَةٍ ليس فيها إلَّا مُشْرِكٌ، فهو على ظاهِرِ ما حَكَمُوا به أنَّه كافِرٌ.
هذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.

2523 -

مسألة: (وما وُجِدَ معه؛ من فِراشٍ تَحْتَه، أو ثِيابٍ، أو مالٍ في جَيبِه أو تَحْتَ فِراشِه، أو حَيوانٍ مَشْدُودٍ بثِيابِه، فهو له. وإن

تَحْتَهُ، أو مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
كان مَدْفُونًا تَحْتَه، أو مَطْرُوحًا قريبًا منه، فعلى وَجْهَينِ) وجملةُ ذلك، أنَّ ما وُجِدَ مع اللَّقِيطِ فهو له، يُنْفَقُ عليه منه.
وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ الطِّفْلَ يَمْلِكُ، وله يَدٌ صَحِيحةٌ، بدَلِيلِ أنَّه يَرِثُ ويُورَثُ، ويَصِحُّ أن يَشْتَرِيَ له وَلِيُّه ويَبِيعَ، ومَن له مِلْكٌ صَحِيحٌ فله يَدٌ صَحِيحةٌ، كالبالِغِ.
إذا ثَبَت هذا، فكلُّ ما كان مُتَّصِلًا به أو مُتَعلِّقًا بمنْفَعَتِه، فهو تحتَ يَدِه، ويَثْبُتُ بذلك مِلْكًا له في الظّاهِرِ، فمِن ذلك، ما كان لابِسَه، أو مَشْدُودًا في مَلْبُوسِه، أو في يَدَيهِ، أو تحتَه مَجْعُولًا 1

..................................  فيه؛ كالسَّرِيرِ، والسَّفَطِ 1، وما فيه من فَرْيقٍ أو دَراهِمَ، والثِّيابُ التي تحتَه والتي عليه.
وإن كان مَشْدُودًا على دابَّةٍ، أو كانت مَشدُودَةً في ثِيابِه، أو كان في خَيمَةٍ أو دارٍ، فهي له.
وأمّا المُنْفَصِلُ عنه، فإن كان بعيدًا منه، فليس في يَدِه.
وإن كان قَرِيبًا منه؛ كَثَوْبٍ مَوْضُوعٍ إلى جانِبه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّه مُنْفَصِلٌ عنه، فهو كالبَعِيدِ.
والثاني، هو له؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه تُرِكَ له، فهو كالذي تَحْتَه، ولأنَّ القَرِيبَ مِن البالِغِ يكونُ في يَدِه، ألا تَرَى أنَّ الرجلَ يَقْعُدُ في السُّوقِ وَمَتَاعُه بقرْبِه، ويُحْكَمُ بأنَّه في يَدِه، والحَمّالُ إذا جَلَس للاسْتِراحَةِ، تَرَك حِمْلَه قريبًا منه.
وهذا أصَحُّ.
فأمَّا المَدْفُونُ تَحْتَه، فقال ابنُ عَقِيلٍ: إن كان الحَفْرُ

وَأوْلَى النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ وَاجِدُهُ إِنْ كَانَ أمِينًا.
طَرِيًّا فهو له، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه إذا كان طَرِيًّا فواضِعُ اللَّقِيطِ حَفَرَه، وإذا لم يَكُنْ طَرِيًّا، كان مَدْفُونًا قبل وَضْعِه.
وقيل: ليس هو له بحالٍ، لأنَّه بمَوْضِع لا يَسْتَحِقُّه إذا لم يَكُنِ الحَفْرُ طَرِيًّا، فلم يَكُنْ له إذا كان طَرِيًّا، كالبَعِيدِ منه، ولأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لو كان له، لَشَدَّه واضِعُه في ثِيابِه، ليُعْلَمَ به، ولم يَتْرُكْه في مكانٍ لا يُطَّلَعُ عليه.
وكلُّ ما حَكَمْنا بأنَّه ليس له، فحُكْمُه حُكْمُ اللُّقَطَةِ أو الرِّكازِ.

2524 -

مسألة: (وأوْلَى النّاسِ بحَضانَتِه واجِدُه إن كان أمِينًا)

لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أقَرَّ اللَّقِيطَ في يَدِ أبي جَمِيلَةَ، حين قال عَرِيفُه: إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ.
ولأنَّه سَبَق إليه، فكان أوْلَى به؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ

وَلَهُ الإنفَاقُ عَلَيهِ مِمَّا وُجدَ مَعَهُ بِغَيرِ إِذْنِ حَاكِمٍ.
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» (1). وهل يَجِبُ الاشْهادُ عليه؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَجِبُ، كما لا يَجبُ الإِشْهادُ في اللُّقَطَةِ.
والثّاني، يَجبُ؛ لأنَّ القَصْدَ بالإِشْهادِ حِفْظُ النَّسَبِ والحُرِّيَّةِ، فاخْتَصَّ بوُجُوبِ الشَّهادَةِ، كالنِّكاحِ.
وفارَقَ اللُّقَطَةَ؛ فإنَّ المَقْصُودَ منها حِفْظُ المالِ، فلم يَجِبِ الإشْهادُ فيها، كالبَيعِ.

2525 -

مسألة: (وله الإِنْفاقُ. عليه ممّا وُجِدَ معه بغيرِ إذْنِ حاكِم. وعنه، ما يَدُلُّ على أنَّه لا يُنْفِقُ عليه إلَّا بإذْنِه)

وجُمْلةُ ذلك، أنَّه يُنْفِقُ على اللَّقِيطِ ممّا وُجدَ معه وما حُكِمَ له به، فإن كان فيه كِفايَتُه، لم تَجِبْ نَفَقَتُه على أحَدٍ؛ لأَنَّه ذو مالٍ، فأشْبَهَ غيرَه مِن النّاسِ.
ولمُلْتَقِطِه الإِنْفاقُ عليه منه بغيرِ إذْنِ الحاكِمِ.
ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه وَلِيُّه، فلم يُعْتَبَرْ في الإِنْفاقِ عليه إذْنُ الحاكِمِ، كوَلِيِّ اليَتِيمِ.
ولأنَّ هذا مِن الأمْرِ بالمَعْرُوفِ، فاسْتَوَى فيه الإمامُ وغيرُه، كتَبْدِيدِ الخَمْرِ.
وروَى أبو الحارِثِ، عن أحمدَ، في رَجُل أوْدَعَ رَجُلًا مالًا، وغابَ وطالتْ غَيبَتُه،1

جارٍ التحميل