بَابُ الْهَدْى وَالْأَضَاحِى
بابُ الهَدْى والأضَاحِى
الأَصْلُ في مَشْرُوعِيَّةِ الأُضْحِيَةِ، الكِتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ، فقَوْلُه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 1. قال بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: والمُرَادُ به الأُضْحِيَةُ بعدَ صَلاةِ العِيدِ.
وأمَّا السُّنَّةُ، فإنَّه رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَحَّى بكَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُما بيَدِه، وسَمَّى وكَبَّرَ، ووَضَعَ رِجْلَه على صِفاحِهِما.
مُتَّفَقٌ عليه 2. الأمْلَحُ: الذى فيه بَياضٌ وسَوَادٌ، وبَيَاضُه أكْثَرُ.
قاله الكِسَائِىُّ.
وقال ابنُ الأعْرَابِىِّ: هو النَّقِىُّ البَيَاضِ.
قال الشاعِرُ 3:
وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْغَنَمُ.
وَالذَّكَرُ وَالأنْثَى سَوَاءٌ.
حَتَّى اكْتَسَى الرَّأْسُ قِنَاعًا أَشْيَبَا … أَمْلَحَ لا لذًّا وَلَا مُحَبَّبَا
وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ على مَشْرُوعِيَّةِ الأُضْحِيَةِ.
ويُسْتَحَبُّ لمَن أتَى مَكَّةَ أن يُهْدِىَ هَدْيًا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أهْدَى في حَجَّتِه مائَةَ بَدَنَةٍ (1)، وقد كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَبْعَثُ الهَدْى، ويُقِيمُ بالمَدِينَةِ.
1341 -
مسألة: (والأَفْضَلُ فيهما الإِبِلُ، ثم البَقَرُ، ثم الغَنَمُ. والذَّكَرُ والأُنْثَى سَواءٌ)
أفْضَلُ الهَدَايَا والأضَاحِى الإِبِلُ، ثم البَقَرُ، ثم الغَنَمُ، ثم شِرْكٌ في بَدَنةٍ، ثم شِرْكٌ في بَقَرَةٍ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.1
..................................
وقال به مالكٌ في الهَدْى.
وقال في الأُضْحِيَةِ: الأَفْضَلُ الجَذَعُ، ثم الضَّأْنُ، ثم البَقَرَةُ، ثم البَدَنَةُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَحَّى بكَبْشَيْنِ، ولا يَفْعَلُ إلَّا الأفْضَلَ، ولو عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَه خَيْرًا منه لفَدَى به إسحاقَ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولأنَّه ذَبْحٌ يُتَقَرَّبُ به إلى اللَّهِ تَعالَى، فكانتِ البَدَنَةُ فيه أفْضَلَ،
..................................
كالهَدْىِ، ولأنَّها أكثرُ ثَمَنًا ولَحْمًا، وأنْفَعُ للفُقَرَاءِ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِلَ: أىُّ الرِّقابِ أفْضَلُ؟ فقال: «أَغلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» 1. والإِبِلُ أَغْلَى ثَمَنًا وأَنْفَسُ مِن الغَنَمِ.
فأَمَّا التَّضْحِيَةُ بالكَبْشِ، فلأنَّه أفْضَلُ أجْناسِ الغَنَمِ، وكذلك حُصُولُ الفِداء به أفْضَلُ، والشّاةُ أفْضَلُ مِن شِرْكٍ في بَدَنَةٍ؛ لأنَّ إراقَةَ الدَّمِ مَقْصُودٌ في الأُضْحِيَةِ، والمُنْفَرِدُ يَتَقَرَّبُ بإرَاقَتِه كلِّه.
فصل: والذَّكَرُ والأُنْثَى سَواءٌ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ 2. وقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ 3. ولم يَقُلْ: ذَكَرًا ولا أُنْثَى.
ومِمَّن أجَازَ ذُكْرانَ الإِبِلِ في الهَدْى ابنُ المُسيَّبِ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، ومالكٌ، وعَطاءٌ، والشافعىُّ.
وعن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما، قال: ما رَأَيْتُ أحَدًا فاعِلًا ذلك، وأن أَنْحَرَ أُنْثَى أَحَبُّ إلَىَّ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنا مِن النَّصِّ،
..................................
وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أهْدَى جَمَلًا لأبى جَهْلٍ، في أنْفِه بُرَةٌ 1 مِن فِضَّةٍ.
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 2. ولأنَّه يَجُوزُ ذبْحُ الذَّكَرِ مِن سائِرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، فكذلك مِن الإِبِلِ، ولأنَّ القَصْدَ اللَّحْمُ، ولَحْمُ الذَّكَرِ أوْفَرُ، ولَحْمُ الأُنْثَى أَرطَبُ، فتَسَاوَيَا.
قال أحمدُ: الخَصِىُّ أحَبُّ إلَيْنا مِن النَّعْجَةِ؛ لأنَّ لَحْمَه أوْفَرُ وأطْيَبُ.
قال شيخُنا 3: والكَبْشُ في الأُضْحِيَةِ أفْضَلُ النَّعَمِ؛ لأنَّها أُضْحِيَةُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وذَكَرَه ابنُ أبى مُوسَى.
والضَّأْنُ أفْضَلُ مِن المَعْزِ؛ لأنَّه أطْيَبُ لَحْمًا.
وقال القاضى: جَذَعُ الضَّأنِ أفْضَلُ مِن ثَنِىِّ المَعْزِ؛ لذلك، ولِما رُوى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «نِعْمَ الأُضْحِيَةُ الجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ» 4. حَدِيث غَرِيبٌ.
قال شيخُنا 5 رَحِمَه اللَّهُ: ويَحْتَمِلُ أنَّ الثَّنِىَّ مِنٍ المَعْزِ أفْضَلُ مِن الجَذَعِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، فإنْ عَسُرَ عَلَيْكُمْ، فَاذْبَحُوا الجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ» رَواه مسلمٌ 6. وهذا يَدُلُّ على فَضْلِ الثَّنِىِّ على الجَذَعِ، لكَوْنِه جَعَل
وَلَا يُجْزِئُ إِلَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ؛ وَهُوَ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَالثَّنِىُّ
الثَّنِىَّ أصْلًا، والجَذَعَ بَدَلًا، لا يُنْتَقلُ إليه إلَّا عندَ عَدَمِ الثَّنِىِّ.
فصل: ويُسَنُّ اسْتِسْمَانُها واسْتِحْسَانُها؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (1). قال ابنُ عباسٍ: تَعْظِيمُها اسْتِسْمانُها واسْتِعْظَامُها واسْتِحْسَانُها (2). ولأنَّ ذلك أعْظَمُ لأجْرِها، وأعْظَمُ لنَفْعِها.
والأفْضَلُ في لَوْنِ الغَنَمِ البَيَاضُ؛ لِما رُوِى عن مَوْلَاةِ أبى ورقَةَ بنِ سعيدٍ، قالت: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «دَمُ عَفْرَاءَ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ مِنْ دَم سَوْدَاوَيْن».
رَواه أحمدُ بمَعْنَاه (3). وقال أبو هُرَيْرَةَ: دَمُ بَيْضَاءَ أَحَبُّ إلى اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْن (4). ولأنَّه لَوْنُ أُضْحِيَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم ما كان أحْسَنَ لَوْنًا فهو أَفْضَلُ.
1342 -
مسألة: (ولا يُجْزِئُ إلَّا الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ؛ وهو ما له
1234
مِمَّا سِوَاهُ.
سِتَّةُ أشْهُرٍ، والثَّنِىُّ مِمّا سِوَاه) وهو قولُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
وقال ابنُ عُمَرَ، والزُّهْرِىُّ: لا يُجْزِئُ الجَذَعُ؛ لأنَّه لا يُجْزِئُ مِن غيرِ الضَّأْنِ، فلا يُجْزِئُ منه، كالحَمَلِ.
وعن عطاءٍ، والأوْزَاعِىِّ، أنَّهُما قالا: يُجْزِئُ الجَذَعُ مِن جَمِيعِ الأجْنَاسِ؛ لِما روَى مُجَاشِعُ بنُ سُلَيْمٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يقول: «إنَّ الجَذَعَ يُوفِى بِمَا يُوفِى بِهِ الثَّنِىُّ».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، وابنُ ماجه 1. ولأنَّه يُجْزِئُ مِن بَعْضِ الأجْناسِ، فأجْزَأ مِن جَمِيعِها، كالثَّنِىِّ.
ولَنا على إجْزاءِ الجَذَعِ مِن الضَّأْنِ، حَدِيث مُجاشِعٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وعلى أنَّ الجَذَعَةَ مِن غيرِها لا تُجْزِئُ، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، فإنْ عَسُرَ عَلَيْكُمْ فَاذْبَحُوا الجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ».
وقال أبو بُرْدَةَ بنُ نِيَارٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: عِنْدِى جَذَعَةٌ مِن المَعْزِ أحَبُّ إلَىَّ مِن شَاتَيْن، فهل تُجْزِئُ عَنِّى؟ قال: «نَعَمْ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على الجَذَعِ مِن الضَّأْنِ؛
وَثَنِىُّ الإِبِلِ مَا كَمَلَ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَمِنَ الْبَقَرِ مَا لَهُ سَنَتَانِ، وَمِنَ
لِما ذَكَرْنا.
قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ: إنَّما يُجْزِئُ الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ؛ لأنَّه يَنْزُو فيَلْقَحُ، فإذا كان مِن المَعْزِ لم يَلْقَحْ حتى يكون ثَنِيًّا.
فصل: ولا يُجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ غيرُ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ، وإن كان أحَدُ أبَوَيْه وَحْشِيًّا.
وحُكِىَ عن الحسنِ بنِ صالِحٍ، أنَّ بَقرَة الوَحْشِ تُجْزِئُ عن سَبْعَةٍ، والظَّبْىَ عن واحِدٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يُجْزِئُ وَلَدُ البَقَرَةِ الإِنْسِيَّةِ إذا كان أبوه وَحْشِيًّا.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُجْزِئُ إذا كان مَنْسُوبًا إلى بَهِيمَةِ الأنْعَام.
ولَنا، قَوْلُه سبحانه: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (1). وهى الإِبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ.
وعلى أصحاب الرَّأْى، أنَّه مُتَوَلِّدٌ بينَ ما يُجْزِئُ وبينَ ما لَا يُجْزِئُ، أشْبَهَ ما لو كانَتِ الأُمُّ وَحْشِيَّةً.
والجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ ما له سِتَّةُ أشْهُرٍ.
قال وَكِيعٌ: الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ يكونُ ابنَ سَبْعَةِ أشْهُرٍ، أو سِتَّةِ أشْهُرٍ.
قال الخِرَقِىُّ: وسَمِعْتُ أبى يقولُ: سَأَلْتُ بعضَ أهْلٍ البادِيَةِ: كيف تَعْرِفُونَ الضَّأْنَ إذا أجْذَعَ؟ قالُوا: لا تَزالُ الصُّوفَةُ قائِمَةً على ظَهْرِه ما دامَ حَمَلًا، فإذا نامَتِ الصُّوفَةُ على ظَهْرِه عُلِمَ أنَّه قد أجْذَعَ.
وفيه قولٌ، أنَّ الجَذَعَ مِن الضَّأْنِ ما له ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ.
ذَكَرَه ابنُ أبى مُوسَى.
1343 -
مسألة: (وثَنِىُّ الإبِلِ ما كَمَلَ له خَمْسُ سِنِينَ، ومِن البَقَرِ
1
الْمَعْزِ مَا لَهُ سَنَةٌ.
ما له سَنَتَانِ، ومِن المَعْزِ ما له سَنَةٌ) قال الأصْمَعِىُّ، وأبو زيادٍ الكِلابِىُّ، وأبو زيدٍ الأنصارِىُّ: إذا مَضَتِ السنةُ الخامسة على البَعِيرِ، ودَخَل في السادسةِ، وأَلْقَى ثَنِيَّتَه، فهو حِينئِذٍ ثَنِىٌّ.
ويُرْوَى أنَّه يُسَمَّى ثَنِيًّا لأنَّه ألْقى ثَنِيَّتَه.
وأمَّا البَقَرَةُ، فهى التى لها سَنَتان.
وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً».
ومُسِنَّةُ البَقَرِ التى لها سَنَتَان، على ما ذَكَرْنا في الزَّكاةِ 1. وثَنِىُّ المَعْزِ ما له سَنَةٌ.
وقال ابنُ أبى مُوسَى: فيه قَوْلٌ، أنَّ ثَنِىَّ البَقَرِ ما دَخَل في السنَّةَ الرَّابِعَةِ.
والأوَّلُ المَشْهُورُ في المَذْهَبِ.
وَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ، وَالْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، سَوَاءٌ أَرَادَ جَمِيعُهُمُ الْقُرْبَةَ، أَوْ بَعْضُهُمْ وَالْبَاقُونَ اللَّحْمَ.
1344 - مسألة: (وتُجْزِئُ الشاةُ عن واحِدٍ، والبَدَنَةُ والبَقَرَةُ عن سَبْعَةٍ، سَواءٌ أرادَ جَمِيعُهم القُرْبَةَ، أو بَعْضُهم والباقُون اللَّحْمَ)
أمَّا إجْزاءُ الشَّاةِ عن واحِدٍ، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وقد روَى أبو أيُّوبَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: كان الرجلُ في عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُضَحِّى بالشَّاةِ عنه وعن أهْلِ بَيْتِه، فَيَأْكُلُونَ ويُطْعِمُونَ 1. حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وتُجْزِئُ البَدَنَة والبَقَرَةُ عن سَبْعَةٍ.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
رُوِى ذلك عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسالِمٌ، والحسنُ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، والثَّوْرىُّ، والأوْزَاعِىُّ،
..................................
والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وعن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّه قال: لا تُجْزِئُ نَفْسٌ واحِدَةٌ عن سَبْعَةٍ.
ونَحْوُه قولُ مالكٍ، إلَّا أن يَذْبَحَ عنه وعن أهْلِ بَيْتِه.
قال أحمدُ: ما عَلِمْتُ أنَّ أحَدًا لا يُرَخِّصُ في ذلك إلَّا ابنَ عُمَرَ.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ الجَزُورَ عن عَشَرَةٍ، والبَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ.
وبه قال إسحاقُ؛ لِما روَى رافِعٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم فعَدَلَ عن عَشَرَةٍ مِن الغَنَمِ ببَعِيرٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعن ابنِ عباسٍ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في سَفَرٍ، فحَضَرَ الأضْحَى، فاشْتَرَكْنَا في الجَزُورِ عن عَشَرَةٍ، والبَقَرَةِ عن سَبْعَةٍ.
رَواه ابنُ ماجه 2. ولَنا، ما
..................................
روَى جابِرٌ، قال: نَحَرْنَا بالحُدَيْبِيَةِ مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ، والبَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ 1. وقال أيضًا: كنّا نَتَمَتَّعُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَنَذْبَحُ البَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ، نَشْتَرِكُ فيها.
رَواه مسلمٌ 2. وهذا أصَحُّ مِن حَدِيثهم.
وأمّا حَدِيثُ رَافعٍ، فهو في القِسْمَةِ، لا في الأُضْحِيَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فسَواءٌ كان المشْتَرِكُونَ مِن أهْلِ بَيْتٍ، أو لم يَكُونوا، مُتَطَوِّعِينَ أو مُفْتَرِضِينَ، أو كان بَعْضهم يُرِيدُ القُرْبَةَ، وبعضُهم يُرِيدُ اللَّحْمَ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ إذا كانُوا كلُّهم مُتَقَرِّبينَ، ولا يَجُوز إذا لم يُرِدْ بعضهم القُرْبَةَ.
ولَنا، أنَّ الجُزْءَ المُجْزِئُ لا يَنقُصُ بإرَادَةِ الشَّرِيكِ غيرَ القُرْبَةِ، فجازَ, كما لو اخْتَلَفَت جهاتُ القُرَبِ، فأرادَ بَعْضهم المُتْعَةَ، والآخَرُ القِرانَ، ولأنَّ كُلَّ إنْسَانٍ إنَّما يُجْزِئُ عنه نَصِيبُه، فلا يَضُرُّه نِيَّةُ غَيْرِه في نَصِيبه.
ويَجُوزُ أن يَقْتَسِمُوا
..................................
اللَّحْمَ؛ لأنَّ القِسْمَةَ إفْرازُ 1 حَقٍّ، وليست بَيْعًا.
ومَنَعَ منه أصْحابُ الشافعىِّ في وَجْهٍ، بناءً على أنَّ القِسْمَةَ بَيْعٌ، وبَيْعُ لَحْمِ الهَدْى والأُضْحِيَةِ غيرُ جائِزٍ.
ولَنا، أنَّ أمْرَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالاشْتِراكِ، مع أنَّ سُنَّةَ الهَدْى والأُضْحِيَةِ الأكْلُ منها، دَلِيلٌ على تَجْوِيزِ القِسْمَةِ، إذ به يُتَمَكَّنُ مِنْ الأكْلِ، وكذلك الصَّدَقَةُ والهَدِيَّة.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَذْبَحَ الرجلُ عن أهْلِ بَيْتِه شاةً واحِدَةً، أو بَدَنَةً، أو بَقَرَةً، يُضَحِّى بها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال مالكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وأبى هُرَيْرَةَ.
قال صالِحٌ: قُلْتُ لأبى: يُضَحِّى بالشَّاةِ عن أهْلِ البَيْتِ؟ قال: نعم، لا بَأْسَ، قد ذَبَحَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَبْشَيْن، قال: «بِسْمِ اللَّهِ، هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِه».
وقَرَّبَ الآخَرَ، وقال: «اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَمَّنْ وَحَّدَكَ مِنْ أُمَّتِى» 2. وحُكِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يُضَحِّى
..................................
بالشَّاةِ، فتَجِئُ ابْنَتُه، فتَقُولُ: عَنِّى؟ فيقُولُ: وعنك.
وكَرِهَ ذلك الثَّوْرِىُّ، وأبَو حنيفةَ؛ لأنَّ الشاةَ لا تُجْزِئُ عن أكْثَرَ مِن واحِدٍ، فإذا اشْتَرَكَ فيها اثْنانِ لم تُجْزِئ عنهما، كالأجْنَبِيَّيْن.
ولَنا، الحَدِيثُ الذى ذَكَرَه أحمدُ، وروَى جابِرٌ، قال: ذَبَح رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ الذَّبْحِ كَبْشَيْن أقْرَنَيْن أمْلَحَيْن مَوْجُوءَيْنِ 1، فلَمَّا وَجَّهَهُما، قال: «وَجَّهْتُ وَجْهِىَ للَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا أنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاِتى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَن مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِه، بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أكْبَرُ».
ثم ذَبَح.
رَواه أبو داودَ 2. وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ أبى أيُّوبَ في أوَّلِ المسألةِ.
وَلَا يُجْزِئُ فِيهِمَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا؛ وَهِىَ الَّتِى انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا، وَلَا الْعَجْفَاءُ الَّتِى لَا تُنْقِى، وَهِىَ الْهَزِيلَةُ الَّتِى لَا مُخَّ فِيهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، فَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْمَشْىِ مَعَ الْغَنَمِ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَضْبَاءُ؛ وَهِىَ الَّتِى ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أوْ قَرْنِهَا.
1345 - مسألة: (ولا يُجْزِئُ فيهما 1 العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُها؛ وهى التى انْخَسَفَتْ عَيْنُها، ولا العَجْفَاءُ التى لا تُنْقِى؛ وهى الهَزِيلَةُ التى لا مُخَّ فيها، ولا العَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، فلا تَقْدِرُ على المَشْىِ مع الغَنَمِ، ولا المَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، ولا العَضْبَاءُ؛ وهى التى ذَهَبَ أكْثَرُ أُذُنِها أو قَرْنِها) أمَّا العُيُوبُ الأرْبَعَةُ الأُوَلُ، فلا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا في أنَّها تَمْنَعُ الإِجْزاءَ في الهَدْى والأُضْحِيَةِ؛ لِما روَى البَراءُ بنُ عازِبٍ، رَضِىَ
..................................
اللَّهُ عنه، قال: قامَ فِينَا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ في الأَضَاحِى؛ العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، والعَجْفَاءُ التى لا تُنْقِى».
رَواه أبو داودَ، والنَّسَائِىُّ 1. نَصَّ على الأَضَاحِى، والهَدْىُ في مَعْنَاهَا.
ومَعْنَى العَوْرَاءِ البَيِّنِ عَوَرُها: التى قد انْخَسَفَتْ عَيْنُها، والعَيْنُ عُضْوٌ مُسْتَطَابٌ، فإن كان على عَيْنِها بَيَاضٌ، ولم تَذْهَبْ، جازَتِ التَّضْحِيَةُ بِها؛ لأنَّ عَوَرَها ليس بِبَيِّنٍ، ولا يَنْقُصُ ذلك لَحْمَها.
والعَجْفَاءُ: المَهْزُولَةُ، والتى لا تُنْقِى، هى التى لا مُخَّ فيها في عِظَامِها؛ لهُزالِها، والنِّقْىُ: المُخُّ.
قال الشاعِرُ 2:
لا يَشْتَكِينَ عملًا ما أنْقَينْ
مَا دَامَ مُخٌّ في سُلامَى أو عَيْنْ 3
..................................
فهذه لا تُجْزِئُ؛ لأنَّه لا مُخَّ 1 فيها، إنَّما هى عِظامٌ مُجْتَمِعَةٌ.
وأمَّا العَرْجَاءُ البَيِّنُ عَرَجُها، فهى التى بها عَرَجٌ فاحِشٌ، وذلك يَمْنَعُها مِن اللَّحاقِ بالغَنَمِ، فَيَسْبِقْنَها إلى الكَلَأ، فيَرْعَيْنَه، لا تُدْرِكُهُنَّ، فَيَنْقُصُ لَحْمُها، فإن كان عَرَجًا يَسِيرًا لا يُفْضِى بها إلى ذلك، أجْزَأتْ.
وأمَّا المَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها، فقال الخِرَقِىُّ: هى التى لا يُرْجَى بُرْؤُها؛ لأنَّ ذلك يَنْقُصُ قِيمَتَها ولَحْمَها نَقْصًا كَثِيرًا.
وقال القاضى: هى الجَرْباءُ؛ لأنَّ الجَرَبَ إذا كَثُرَ يُهْزِلُ ويُفْسِدُ اللَّحْمَ.
وهذا قولُ أصحابِ الشافعىِّ.
قال شيخُنا 2: والذى في الحَدِيثِ: «المَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا».
وهو الذى يَبِينُ أثَرُه عليها، لأنَّ ذلك يَنْقُصُ لَحْمَها ويُفْسِدُه.
وهذا أوْلَى مِمّا ذَكَرَه الخِرَقِىُّ، والقاضى؛ لأنَّه تَقْيِيدٌ للمُطْلَقِ، وتَخْصِيصٌ للعُمُومِ بلا دَلِيلٍ،
..................................
والمَعْنَى يَقْتَضِى العُمُومَ, كما يَقْتَضِيه اللَّفْظُ [فإن كان المرضُ الظاهرُ يُفسِدُ اللَّحمَ ويَنْقُصُه، فلا مَعْنَى للخُصُوصِ مع عُمُومِ اللَّفْظِ] 1 والمَعْنَى.
وأمَّا العَضَبُ فهو ذَهابُ أكْثَر مِن نِصْفِ القَرْنِ أو الأُذُنِ، وذلك يَمْنَعُ الإِجْزاءَ أيْضًا.
وبه قال النَّخَعِىُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: تُجْزِئُ مَكْسُورَةُ القَرْنِ.
ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن علىٍّ، وعَمّارٍ، وابنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ.
وقال مالكٌ: إن كان قَرْنُها يَدْمَى لم تُجْزِئْ، وإلَّا أجْزَأتْ.
وعن أحمدَ: لا تُجْزِئُ ما ذَهَب ثُلُثُ أُذُنِها.
وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ.
وقال عَطاءٌ، ومالكٌ: إذا ذَهَبَتِ الأُذُنُ كُلُّهَا لم تُجْزِئْ، وإن ذَهَب يَسِيرٌ، جازَ.
واحْتَجُّوا بأنَّ قَوْلَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَرْبَعٌ لا تَجُوزُ في الأَضَاحِى».
يَدُلُّ على أنَّ غَيْرَها يُجْزِئْ، ولأنَّ في حَدِيثِ
..................................
البَراءِ، عن عُبَيْدِ بنِ فَيْرُوزَ، قال: قلت للبَرَاءِ: فإنِّى أَكْرَهُ النَّقْصَ مِن القَرْنِ والذَّنَبِ.
قال: اكْرَهْ لِنَفْسِكَ ما شِئْتَ، ولا تُضَيِّقْ على النّاسِ.
ولأنَّ المَقْصُودَ اللَّحْمُ، وهذا لا يُؤَثِّرُ فيه.
ولَنا، ما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُضَحَّى بأعْضَبِ الأُذُنِ والقَرْنِ.
قال قَتَادَةُ: فسألْتُ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ، فقال: نعم، العضَبُ النِّصْفُ فأكْثَرُ مِن ذلك.
رَواه النَّسائِىُّ، وابنُ ماجه 1. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ والأُذُنَ.
رَواه أبو داودَ، والنَّسَائِىُّ 2. وهذا مَنْطُوقٌ يُقَدَّمُ على المَفْهُومِ.
فصل: ولا تُجْزِى العَمْيَاءُ؛ لأنَّ النَّهْىَ عن العَوْراءِ تَنْبِيهٌ على العَمْيَاءِ،
وَتُكْرَهُ الْمَعِيبَةُ الأُذُنِ بِخَرْقٍ أَوْ شَقٍّ أَوْ قَطْعٍ لِأَقَلَّ مِنَ النِّصْفِ.
ولا تُجْزِئُ، وإن لم يَكُنْ عَمَاهَا بَيِّنًا؛ لأنَّ العَمَى يَمْنَعُ مَشْيَها مع الغَنَمِ ومُشَارَكَتَها في العَلَفِ.
ولا تُجْزِئُ ما قُطِعَ منها عُضْوٌ، كالألْيَةِ والأطبَاءِ 1؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: لا تَجُوزُ العَجْفَاءُ، ولا الجَدّاءُ.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ.
هى التى قد يَبِسَ ضَرْعُها.
ولأنَّه أبْلَغُ في الإِخْلَالِ بالمَقْصُودِ مِن ذَهابِ شَحْمَةِ العَيْنِ.
فصل: (وتُكْرَهُ المَعِيبَةُ الأُذُنِ بخَرْقٍ أو شَقٍّ أو قَطْعٍ لأقَلَّ مِن النِّصْفِ) لِمَا روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ والأُذُنَ، ولا نُضَحِّىَ بمقابَلَةٍ، ولا مُدابَرَةٍ، ولا شَرْقَاءَ،
..................................
ولا خَرْقَاءَ.
قال زُهَيْرٌ: قُلْتُ لأبى إسحاقَ: ما المُقابَلَةُ؟ قال: تُقْطَعُ طَرَفُ الأُذُنِ.
قُلْتُ: فَمَا المدابَرَةُ؟ قال: تُقْطَعُ مِن مُؤَخَّرِ الأُذُنِ.
قلتُ: فما الخَرْقَاءُ؟ قال: شَقُّ الأُذُنِ.
قلتُ: فَمَا الشَّرْقَاءُ؟ قال: تُشَقُّ أُذُنُها للسِّمَةِ.
رَواه أبو داودَ 1. وقال القاضى: الخَرْقاءُ، التى قد انْثَقَبَتْ أُذُنُها، والشَّرْقَاءُ، التى تُشَقُّ أُذُنُها ويَبْقَى كالشّاخِتَيْن 2. وهذا نَهْىُ تَنْزِيهٍ.
ويَحْصُلُ الإِجْزاءُ بها؛ لأنَّ اشْتِراطَ السَّلَامَةِ مِن ذلك يَشُقُّ،
وَتُجْزِئُ الْجَمَّاءُ وَالْبَتْرَاءُ وَالْخَصِىُّ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تُجْزِئُ الْجَمَّاءُ.
ولا يَكادُ يُوجَدُ سالِمٌ مِن هذا كُلِّه.
وذَكَر ابنُ أبى مُوسَى في «الإِرْشادِ» أنَّها لا تُجْزِئٌ؛ لظاهِرِ الحَدِيثِ.
والجُمْهُورُ على خِلافِ هذا؛ للمَشَقَّةِ.
1346 -
مسألة: (وتُجْزِئُ الجَمَّاءُ والبَتْرَاءُ والخَصِىُّ. وقال ابنُ حامِدٍ: لا تُجْزِئُ الجَمّاءُ)
تُجْزِئُ الجَمَّاءُ، وهى التى لم يُخْلَقْ لها
..................................
قَرْنٌ، والصَّمْعَاءُ، وهى الصَّغِيرَةُ الأُذُنِ، والبَتْرَاءُ، وهى التى لا ذَنَبَ لها، سَواءٌ كان خِلْقَةً أو مَقْطُوعًا.
ومَن لم يَرَ بالبَتْرَاءِ بَأْسًا ابنُ عُمَرَ، وسعيدُ ابنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ.
وكَرِهَ اللَّيْثُ أن يُضَحَّى بالبَتْرَاءِ ما فوقَ القَبْضَةِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: لا تُجْزِئُ الجَمَّاءُ؛ لأنَّ ذَهابَ أكْثَرَ مِن نِصْفِ القَرْنِ يَمْنَعُ، فذَهابُ جَمِيعِة أوْلَى، ولأنَّ ما مَنَع منه العَوَرُ مَنَع منه العَمَى، فكذلك ما مَنَعَ منه العَضَبُ يَمْنَعُ منه كَوْنُه أجَمَّ.
ولَنا، أنَّ هذا نَقْصٌ لا يَنْقُصُ اللَّحْمَ، ولا يُخِلُّ بالمَقْصُودِ، ولم يَرِدْ به نَهْىٌ، فوَجَبَ أن يُجْزِئَ؛ وفارَقَ العَضَبَ؛ فإنَّه قد نُهِىَ عنه، وهو عَيْبٌ، فإنَّه رُبَّما دَمِىَ وآلمَ الشّاةَ، فيكونُ كمَرَضِها، ويُقَبِّحُ مَنْظَرَها، بخِلافِ الأجَمِّ، فإنَّه ليس بمَرَضٍ ولا عَيْبٍ.
وما كان كامِلَ الخِلْقَةِ فهو أفْضَلُ؛
.................................. فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَحَّى بكَبْشٍ أقْرَنَ فَحيلٍ 1، وقال: «خَيْرُ الأُضْحِيَةِ الكَبْشُ الأقْرَنُ» 2. فصل: ويُجْزِئُ الخَصِىُّ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْن 3. والوَجْأُ رَضُّ الخُصْيَتَيْنِ، وما قُطِعَتْ خُصْيَتَاهُ أو سُلَّتَا في
وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا الْيُسْرَى، فَيَطْعَنُهَا بِالْحَرْبَةِ في الْوَهْدَةِ الَّتِى بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ، وَيَذْبَحُ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ.
مَعْنَاه، ولأنَّ الخَصْىَ إذْهابُ عُضْوٍ غيرِ مُسْتَطَابٍ، يَطِيبُ اللَّحْمُ بذَهابِه ويَسْمَنُ.
قال الشَّعْبِىُّ: ما زَادَ في لَحْمِه وشَحْمِه أكثَرُ مِمّا ذَهَب منه.
وبهذا قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
1347 -
مسألة: (والسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا اليُسْرَى، فيَطْعَنُها بالحَربَةِ في الوَهْدَةِ التى بينَ أصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ، ويَذْبَحُ البَقَرَ والغَنَمَ)
السُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ كما ذَكَر.
ومِمَّن اسْتَحَبَّ ذلك مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال عَطاءٌ: يُسْتَحَبُّ وهى بارِكَةٌ.
وجَوَّزَ
..................................
الثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى كِلَا الأمْرَيْن.
ولَنا، ما روَى زِيادُ بنُ جُبَيْرٍ، قال: رَأَيْتُ ابنَ عُمَرَ أتَى على رجلٍ أناخَ بَدَنَتَه ليَنْحَرَها، فقال: ابْعَثْهَا قِيامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةً مُحَمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وروَى أبو داودَ 2، بإسْنادِه عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ 3، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه كانُوا يَنْحَرُونَ البَدَنَةَ مَعْقُولَةَ اليُسْرَى، قائِمَةً على ما بَقِىَ مِن قَوائِمِها.
وفى قَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ 4. دَلِيلٌ على أنَّها تُنْحَرُ قائِمَةً.
وقِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِه تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (4) أى قِيامًا.
وكَيْفَما نَحَر أجْزَأه.
قال أحمدُ: ويَنْحَرُ الإِبِلَ مَعْقُولَةً على ثَلاثِ قَوائِمَ، فإن خَشِىَ عَلَيْها أن تَنْفِرَ أنَاخَها.
ويَذْبَحُ البَقَرَ والغَنَمَ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ 5. وروَى أنَسٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ، ذَبَحَهُما بيَدِه 6. فإن ذَبَح ما يُنْحَرُ، أو نَحَر ما يُذْبَحُ، جاز، وأُبِيحَ؛ لأنَّه لم يَتَجَاوَزْ مَحِلَّ
وَيَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذا مِنْكَ وَلَكَ.
الذَّبْحِ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ (1) عَلَيْهِ فَكُلْ» (2). وقد رُوِى عن أحمدَ أنَّه تَوَقَّفَ في أكْلِ البَعِيرِ إذا ذُبِحَ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
1348 -
مسألة: (ويقولُ عندَ ذلك: بسمِ اللَّه واللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُمَّ هذا مِنْكَ وَلَكَ)
يُسْتَحَبُّ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلى القِبْلَةِ، وأن يقولَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أكْبَرُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا ذَبَح يقولُ: «بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أكْبَرُ».
وإن قال ما وَرَدَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِمّا زَادَ على ذلك فحَسَنٌ، فقد روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-12
..................................
ذَبَح يومَ العِيدِ كَبْشَيْنِ، ثم قال حينَ وَجَّهَهُما: «وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاِتى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ.
بِسْمِ اللَّه واللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ».
رَواه أبو داودَ 1. فإنِ اقْتَصَر على التَّسْمِيَةِ، أو وَجَّهَ الذَّبِيحَةَ إلى غيرِ القِبْلَةِ، تَرَكَ الأَفْضَلَ، وأجْزَأه.
هذا قولُ القاسِمِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وكَرِهَ ابنُ عُمَرَ، وابنُ سِيرِينَ الأكْلَ مِن الذَّبِيحَةِ إذا وُجِّهَتْ إلى غيرِ القِبْلَةِ.
والصَّحِيحُ أنَّه غيرُ واجِبٍ؛ لأنَّه لم يَقُمْ عليه دَلِيلٌ.
فصل: إذا قال: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّى ومِن فُلانٍ.
بعدَ قَوْلِه: اللَّهُمَّ هذا مِنْكَ ولك.
فحَسَنٌ.
وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
وقال أبو حنيفةَ: يُكْرَهُ أن يَذْكُرَ اسمَ غيرِ اللَّهِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ 2. ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صلى اللَّه عليه وسلم-».
رَواه مسلمٌ 3. وهذا نَصٌّ لا يُعَرَّجُ على خِلافِه، وليس عليه أن يقولَ عمَّن، فإنَّ النِّيَّةَ تُجْزِئُ بغيرِ خِلافٍ.
وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا إِلَّا مُسْلِمٌ، فَإِنْ ذَبَحَهَا بِيَدِهِ كَانَ أَفْضَلَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، اسْتُحِبَّ أَنْ يَشْهَدَهَا.
1349 - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ أن يَذْبَحَها إلَّا مُسْلِمٌ، وإن ذَبَحَها بيَدِه كانَ أفْضَلَ، فإن لم يَفْعَلْ، اسْتُحِبَّ أن يَشْهَدَها)
يُسْتَحَبُّ أن لا يَذْبَحَ الأُضْحِيَةَ إلَّا مُسْلِمٌ؛ لأنَّها قُرْبَةٌ، فلا يَلِيها غيرُ أهْلِ القُرْبَةِ.
فإنِ اسْتَنَابَ ذِمِّيًّا في ذَبْحِها، أجْزَأتْ مع الكَرَاهَةِ.
وهو قَوْلُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ، لا يَجُوزُ أن يَذْبَحَها إلَّا مُسْلِمٌ.
وهو قَوْلُ مالكٍ.
ومِمَّن كَرِهَ ذلك؛ علىٌّ، وابنُ عباسٍ، وجابرٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ.
قال جابِرٌ: لا يَذبَحُ النُّسُكَ إلَّا مُسْلِمٌ.
لأنَّ في حَدِيثِ ابنِ عباسٍ الطَّوِيلِ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَلَا يَذْبَحُ ضَحَايَاكُمْ إلَّا طَاهِرٌ» 1. ولأنَّ الشُّحُومَ تَحْرُمُ علينا مِمّا يَذْبَحُونَه، على رِوَايَةٍ، فيكونُ ذلك بمَنْزِلَةِ إتْلافِه.
وحَكَى ابنُ أبى موسى رِوايَةً ثالِثَةً، أنَّه إن كان بَعِيرًا لم يُنْحَرْ، وإلَّا أجْزَأ في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْن.
ووَجْهُ الأُولَى، أنَّ مَن جاز له ذَبْحُ غيرِ الأُضْحِيَةِ، جازَ له ذَبْحُ الأُضْحِيَةِ، كالمُسْلِمِ، ويَجُوزُ أن يَتَوَلَّى الكافِرُ ما كان قُرْبَةً للمُسْلِمِ، = الحديث السابق.
..................................
كبِناءِ المَسَاجِدِ والقَناطِرِ، ولا نُسَلِّمُ تَحْرِيمَ الشُّحُومِ علينا بِذَبْحِهم، والحدِيثُ مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ، والأَوْلَى أن يَذْبَحَها المُسْلِمُ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ.
وذَبْحُها بيَدِه أفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَحَّى بكَبْشَيْنِ أقْرَنَيْن أمْلَحَيْن، ذَبَحَهُما بِيَدِه، وسَمَّى، وَوَضَع رِجْلَه على صِفاحِهِما 1. ونَحَرَ البَدَناتِ السِّتَّ بيَدِه 2. [ونَحَر في البُدْنِ] 3 التى ساقَها في حَجَّتِه
وَوَقْتُ الذَّبْحِ يَوْمُ الْعِيدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ أوْ قَدْرِهَا، إِلَى آخِرِ يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ.
ثلاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِه (1). ولأنَّ فِعْلَه قُرْبَةٌ، وتَوَلِّى القُرْبَةِ بِنَفْسِه أوْلَى مِن الاسْتِنَابَةِ فيها، والاسْتِنَابَةُ جائِزَةٌ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَنَابَ مَن نَحَر ما بَقِىَ مِن بُدْنِه.
وهذا لا خِلافَ فيه.
وإن لم يَذْبَحْها بيَدِه، اسْتُحِبَّ أن يَحْضُرَ ذَبْحَها؛ لأنَّ في حَدِيثِ ابنِ عباسٍ الطَّوِيلِ: «وَاحْضُرُوهَا إذَا ذَبَحْتُمْ، فَإنَّه يُغْفَرُ لَكُمْ عِنْدَ أوَّلِ قَطرةٍ مِنْ دَمِهَا».
ورُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لفَاطِمَةَ: «احْضُرِى أُضْحِيَتَكِ يُغْفرْ لَك بأَوَّلِ قَطرةٍ مِنْ دَمِهَا» (2).
1350 -
مسألة: (ووَقتُ الذَّبْحِ يومُ العِيدِ بعدَ الصَّلاةِ أو قدرِها، إلى آخِرِ يَوْمَيْنِ مِن أيامِ التَّشْرِيقِ)
الكَلامُ في وَقْتِ الذَّبْحِ في ثلاثةِ أشْياءَ؛12
..................................
أوَّلِه، وآخِرِه، وعُمُومِ وقتِه أو خُصُوصِه.
أمّا أوَّلُه، فظاهِرُ كلامِه ههُنا إذا دَخَل وَقْتُ صلاةِ العِيدِ ومَضَى قَدْرُ الصَّلاةِ التَّامَّةِ، فقد دَخَل وَقْتُ الذَّبْحِ، ولا يُعْتَبَرُ نَفْسُ الصَّلاةِ، لا فَرْقَ في هذا بينَ أهْلِ الأمْصَارِ والقُرَى مِمَّن يُصَلِّى العِيدَ وغيرِهم.
وهذا قولُ الخِرَقِىِّ، إلَّا أنَّه قال: مِقْدارُ الصَّلاةِ والخُطْبَةِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّها عِبادَةٌ يَتَعَلَّقُ آخِرُها بالوَقْتِ، فَتَعَلَّقَ أوَّلُها به، كالصِّيَامِ.
وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّه مِن شَرْطِ جَوازِ التَّضْحِيَةِ في حَقِّ أهْلِ المِصْرِ صلاةُ الإِمامَ وخُطْبَتُه.
وعلى قِياسِ قَوْلِه كُلُّ مَوْضِعٍ يُصَلَّى فيه العِيدُ.
رُوِى نَحْوُ هذا عن الحسنِ، والأوْزَاعِىِّ، ومالكٍ، وأبى حنيفةَ، وإسحاقَ؛ لِمَا روَى جُنْدَبُ بنُ عبدِ اللَّهِ البَجَلِىُّ،
..................................
أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أنْ يُصَلِّى فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى» 1. وعن البَراءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ صَلَّى صَلَاتنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْل أنْ يُصَلِّى، فَلْيُعِدْ مَكَانَها أُخْرَى».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وظاهِرُ هذا اعْتِبارُ نَفْسِ الصَّلاةِ.
فإن ذَبَحَ بعدَ الصَّلاةِ وقبلَ الخُطْبَةِ، أجْزَأ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَّقَ المَنْعَ على فِعْلِ الصَّلاةِ، فلا يَتَعَلَّقُ بغيرِه، ولأنَّ الخُطْبَةَ غيرُ واجِبَةٍ، فلا تكونُ شَرْطًا.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ.
وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّهُ تَعالَى؛ لمُوافَقَةِ ظاهِرِ الحَدِيثِ.
فأمَّا غيرُ أهْلِ الأمْصَارِ والقُرَى، فأوَّلُ الوَقْتِ في حَقِّهم قَدْرُ الصلاةِ والخُطْبَةِ بعدَ حِلِّ الصَّلاةِ، في قولِ الخِرَقِىِّ.
..................................
وظاهِرُ ما ذَكَره شيخُنا في كتابِ «المُقْنِعِ» أنَّ أوَّلَ الوَقْتِ في حَقِّهِم قَدْرُ الصلاةِ بعدَ حِلِّ الصَّلاةِ؛ لأنَّه لا صلاةَ في حَقِّهم تُعْتَبَرُ، فوَجَبَ الاعْتِبارُ بقَدْرِها.
وقال عَطاءٌ: وَقْتُها إذا طَلَعَتِ الشمسُ.
وقال أبو حنيفةَ: أوَّلُ وَقْتِها في حَقِّهِم إذا طَلَع الفَجْرُ الثَّانِى؛ لأنَّه مِن يومِ النَّحْرِ، فكانَ وَقْتًا لها، كسائِرِ اليَوْمِ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ وَقْتُها في حَقِّ أهْلِ المِصْرِ بعدَ إشْراقِ الشمسِ، فلا يَتَقَدَّمُ وَقْتُها في حَقِّ غَيْرِهم، كصلاةِ العِيدِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُل بأهْلِ المِصْرِ، فإن لم يُصَلِّ الإِمامُ في المِصْرِ, لم يَجُزِ الذَّبْحُ حتى تَزُولَ الشمسُ عندَ مَن اعْتَبَرَ نَفْسَ الصَّلاةِ؛ لأنَّها حِينَئِذٍ تَسْقُطُ، فكَأنَّه قد صَلَّى.
وسَواءٌ تَرَك الصلاةَ عَمْدًا أو خَطأً، لعُذْرٍ أو غيرِ عُذْرٍ.
فأمَّا الذَّبْحُ في اليومِ الثَّانِى والثالِثِ، فيَجُوزُ في أوَّلِ النَّهارِ؛ لأنَّ الصلاةَ فيه غيرُ واجِبَةٍ، ولأنَّ الوَقْتَ قد دَخَل في اليَوْمِ الأوَّلِ، وهذا مِن أثنائِه، فلم تُعْتَبَرْ فيه صلاةٌ ولا غيرُها.
فإن صَلَّى الإِمامُ في المُصَلَّى، واسْتَخْلَفَ مَن
..................................
صَلَّى في المَسْجِدِ، فمتى صَلَّى في أحَدِ المَوْضِعَيْن جازَ الذَّبْحُ؛ لوُجُودِ الصَّلاةِ التى يَسْقُطُ بها الفَرْضُ عن سائِرِ الناسِ.
ولا يُسْتَحَبُّ أن يَذْبَحَ
..................................
قبلَ الإِمام، فإن فَعَل أجْزَأه.
وقال ابنُ أبى موسى: لا تُجْزِئُه.
ويُرْوَى عن مالكٍ.
والصَّحِيحُ أنَّها تُجْزِئُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِن الأحَادِيثِ.
..................................
فصل: الثَّانِى في آخِرِ وَقْتِ الذَّبْحِ، وآخِرُه آخِرُ اليَوْم الثَّانِى مِن أيّام التَّشْرِيقِ، فتَكُون أيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةً؛ يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَه.
وهذا قولُ عُمُر، وعلىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأَنَسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
قال أحمدُ: أيّامُ النَّحْرِ ثَلاثَةٌ عن غيرِ واحِدٍ مِن أصحاب رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وفى رِوَايَةٍ قال: خَمْسَةٌ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولم يَذْكُرْ أَنَسًا.
وإليه ذَهَب مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: آخِرُه آخِرُ أيّامِ التَّشْرِيقِ.
وبه قال عَطاءٌ، والحسنُ، والشافعىُّ؛ لأنَّه رُوِى عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعَم، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أَيَّامُ مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» 1. ولأنَّها أيّامُ تَكْبِيرٍ وإفْطارٍ، فكانت مَحِلًّا للنَّحْرِ، كالأوَّلَيْن 2. وقال ابنُ سِيرِينَ: لا يَجُوزُ إلَّا في يَوْمِ النَّحْرِ خاصَّةً؛ لأنَّها وَظِيفَةُ عِيدٍ، فاخْتَصَّتْ بيومِ العِيدِ، كالصلاةِ وأداءِ الفِطْرَةِ يومَ الفِطْرِ.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وجابِرُ بنُ زَيْدٍ كقَوْلِ ابنِ سِيرِينَ في أهْلِ الأمْصارِ، وكقَوْلِنا في أهْلِ مِنًى.
وعن أبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، وعَطاءِ بنِ يَسارٍ: تَجُوزُ
..................................
التَّضْحِيَةُ إلى هِلالِ المُحَرَّمِ؛ لِمَا روَى أبو أُمامَةَ سَهْلُ بنُ حُنَيفٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: كان الرجلُ مِن المسلمين يَشْتَرِى أُضْحِيَتَه، فيُسَمِّنُها، حتى يكونَ آخِرُ ذِى الحِجَّةِ، فيُضَحِّىَ بها.
رَواه الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه 1. وقال: هذا حدِيِثٌ عَجِيبٌ.
وقال: أيَّامُ الأضْحَى التى أُجْمِعَ عليها ثَلاثَةُ أيَّامٍ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن ادِّخَارِ لُحُومِ الأضَاحِى فوقَ ثَلاثٍ 2. ولا يَجُوزُ الذَّبْحُ قى وَقْتٍ لا يَجُوزُ ادِّخَارُ الأُضْحِيَةِ إليه، ولأنَّ اليومَ الرَّابعَ لا يَجِبُ الرَّمْىُ فيه، فلم تَجُزِ التَّضْحِيَةُ فيه، كاليومِ الذى بعدَه، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابةِ، ولا مُخَالِفِ لهم إلَّا رِوَايَةً عن علىٍّ، وقد رُوِى عنه مثلُ مَذْهَبِنا، وحَدِيثُهم إنَّما هو: «وَمِنًى كُلُّها مَنْحَرٌ».
وليس فيه ذِكْرُ الأيَّامِ، والتَّكْبِيرُ أعَمُّ مِن الذَّبْحِ، وكذلك الإِفْطارُ، بدَلِيلِ أوَّلِ يَوْمِ النَّحْرِ.
وَلَا تُجْزِئُ في لَيْلَتِهِمَا، في قَوْلِ الْخِرَقِىِّ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يُجْزِئُ.
1351 - مسألة: (ولا تُجْزِىُ في لَيْلَتَيْهما، في قولِ الخِرَقِىِّ. وقال غَيْرُه: يُجْزِئُ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ في الذَّبْحِ في لَيْلَتَىْ يَوْمَى التَّشْرِيقِ، فعنه، لا يُجْزِئُ.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَضِىَ اللَّه عنه، في روايَةِ الأثْرَم.
وهو قَوْلُ مالكٍ؛ لقَوْلِ اللَّه تِعالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ 1. ولأنَّه رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه نَهَى عن الذَّبْحِ باللَّيْل 2. ولأنَّه لَيْلُ يَوْم يَجُوزُ الذَّبْحُ فيه، فأشْبَهَ لَيْلَةَ يَوْمِ النَّحْرِ، ولأنَّ اللَّيْلَ تَتَعَذَّرُ فيه تَفْرِقَةُ اللَّحْمِ في الغالِبِ، ولا يُفَرَّقُ طَرِيًّا، فَيَفُوتُ بعضُ المَقْصُودِ؛ ولهذا قالُوا: يُكْرَهُ الذَّبْحُ فيه.
فعلى هذا إن ذَبَح لَيْلًا يُجْزِئْه عن الواجِبِ، وإن كانت تَطَوُّعًا، فذبَحَها لَيْلًا، كانتْ شاةَ لَحْمٍ، ولم تَكُنْ أُضْحِيَةً، فإن فَرَّقَها حَصَلَتِ القُرْبَةُ بتَفْرِيقِها لا بذَبْحِها.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّ الذَّبْحَ يَجُوزُ لَيْلًا.
اخْتَارَه أصحابُنا
فَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ، ذَبَحَ الْوَاجِبَ قَضَاءً، وَسَقَط التَّطَوُّعُ.
المُتَأَخِّرُونَ.
وبه قال الشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه؛ لأنَّ اللَّيْلَ زَمَنٌ يَصِحُّ فيه الرَّمْىُ، فأشْبَهَ النَّهارَ، ولأنَّ اللَّيْلَ داخِلٌ في مُدَّةِ الذَّبْحِ، فجازَ الذَّبْحُ فيه، كالأَيَّام.
1352 -
مسألة: (فإن فاتَ الوَقْتُ، ذَبَح الواجِبَ قَضاءً، وسَقَط التَّطَوُّعُ)
إذا فاتَ وَقْتُ الذَّبْحِ، ذَبَح الواجبَ قَضاءً، وصَنَع به ما يَصْنَعُ بالمَذْبُوحِ في وَقْتِه، لأنَّ حُكْمَ القَضاءِ حُكْمُ الأدَاءِ.
فأمَّا التَّطَوُّعُ، فهو مُخَيَّرٌ فيه، فإن فَرَّقَ لَحْمَها كانتِ القُرْبَةُ بذلك دُونَ الذَّبْحِ؛ لأنَّها شاةُ لحْمٍ وليست أُضْحِيَةً.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُسَلِّمُها إلى الفُقَراء ولا يَذْبَحُها، فإن ذَبَحَها فَرَّقَ لَحْمَها، وعليه أرْشُ ما نَقَصَها الذَّبْحُ؛ لأَنَّ الذَّبْحَ قد سَقَط بفَوات وَقْتِه، كالوُقُوفِ والرَّمْى.
ولَنا، أنَّ الذَّبْحَ أحَدُ مَقْصُودَى الأُضْحِيَةِ، فلم يَسْقُطْ بفَواتِ وَقْتِه، كتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ، ولأنَّه لو ذَبَحَها في الوَقْتِ، ثم خَرَج قبلَ تَفْرِقَتِها، فَرَّقَها بعدَ