الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 275-315

أوْ لَمْ يُوصِ.
فَإِنْ وَصَّى مَعَهَا بِتَبَرُّع، اعْتُبِرَ الثُّلُثُ مِنَ الْبَاقِي.
دَينٍ} 1. وقال عليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى 2 بالدَّينِ قبلَ الوَصِيَّةِ.
رَواه التِّرْمِذِيُّ 3. والواجِبُ لحَقِّ اللهِ سبحانه بمَنْزَلةِ الدَّينِ، لقول رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «دَينُ اللهِ أحَقُّ أن يُقْضَى» 4 (فإن وَصَّى معها بتَبَرُّعٍ، اعْتُبِرَ الثلُثُ مِن الباقِي) فيُخْرَج الواجِبُ أوَّلًا مِن رَأْسِ المالِ، ثم يُخْرَجُ ثُلُثُ الباقِيَ، كمن تكونُ تَرِكَتُه، أرْبَعِينَ، فيُوصِي بثُلُثِ مالِه وعليه دَينٌ عَشرَةٌ، فتُخْرَجُ العَشَرَةُ أوَّلًا، وتُدْفَعُ إلى المُوصَى له بالثُّلُثِ عَشَرَةٌ، وهي ثُلُثُ الباقِي بعدَ الدَّينِ.

وَإِنْ قَال: أخْرِجُوا الْوَاجِبَ مِنْ ثُلُثي.
فَقَال الْقَاضِي: يُبْدأُ بِهِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنَ الثُّلُثِ شَيْءٌ فَهُوَ لِصَاحِبِ التَّبَرُّع، وَإِلَّا بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: يُزَاحِمُ بِهِ أَصْحَابَ الْوَصَايَا.
فَيَحْتَمِلُ عَلَى هَذَا أنْ يُقْسَمَ الثُّلُثُ بَينَهُمَا، أوْ يُتَمَّمَ الْوَاجبُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَيَدْخُلُهُ الدَّوْرُ، فَلَوْ كَانَ الْمَالُ

2682 - مسألة: (وإن قال: أخْرِجُوا الواجِبَ مِن ثُلُثي)

أُخْرِجَ مِن الثُّلُثِ وتُمِّمَ مِن رَأْسِ المالِ على ما قال المُوصِي، كأنَّه قَصَد إرْفاقَ وَرَثَتِه بذلك.
فإن كان معها وصيةٌ بتَبَرُّعٍ (فقال القاضي: يُبْدَأُ بالواجِبِ، فإن فَضَل) عنه (مِن الثُّلُثِ شيءٌ فهو لصاحِبِ التبرُّعِ) وإن لم يفضُلْ منه شيءٌ سَقَط، وذلك لأنَّ الدَّينَ تَجِبُ البَداءَةُ به قَبْلَ الميراثِ والتَّبَرُّعِ، فإذا عَيَّنَه في الثُّلُثِ وَجَب البدايةُ به، وما فَضَل للتَّبَرُّعِ.
فإنْ لم يفْضُلْ شيءٌ سَقَطَ؛ لأنَّه لم يُوصِ له بشيءٍ، إلَّا أن يُجِيزَ الوَرَثةُ، فيُعْطَى ما أُوصِيَ له به (وقال أبو الخَطّابِ: يُزاحِمُ به أصحابَ الوصايا) فيَحْتَمِلُ ما قاله القاضي.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْسَمَ الثُّلُثُ بينَ الواجِبِ والتبرُّعِ بالحِصَّةِ، فما بَقِيَ مِن الواجِبِ تُمِّمَ مِن الثُّلُثَين، فيَدْخُلُه الدَّوْرُ، ويَحْتاجُ إلى العَمَلِ

ثَلَاثينَ، وَالْوَاجبُ عَشَرَةً، وَالْوَصِيَّةُ عَشَرَةً، جَعَلْتَ تَتِمَّةَ الْوَاجِب شَيئًا يَكُنِ الثُّلُثُ عَشَرَةً إلا ثُلُثَ شَيْءٍ بَينَهُمَا، لِلْوَاجِبِ خَمْسَةٌ إلَّا سُدْسَ شَيْءٍ، تَضُمُّ إِلَيهِ شَيئًا يَكُنْ عَشَرَةً، فَتَجْبُرُ الْخَمْسَةَ بِسُدْسِ شَيْءٍ مِنَ الشَّيءِ، فَتَبْقَى خَمْسَةُ أَسْدَاسِ شَيْءٍ تَعْدِلُ خَمْسَةً، فَالشَّيْءُ سِتَّةٌ، وَيَحْصُلُ لِلْوَصِيِّ الْآخَرِ أَرْبَعَةٌ.
بطَرِيقِ الجَبْرِ 1. (فلو كان المالُ ثَلاثينَ، والواجِبُ عَشَرَةً، والوصيةُ عَشَرَةً) فاجْعَلْ (تَتِمَّةَ الواجِبِ شيئًا) يَبْقَى ثَلاثُون إلا شيئًا، فثُلُثُه عَشَرَةٌ إلَّا ثُلُثَ شيءٍ، اقْسِمْها بينَ الواجِبِ والتبرُّعِ، يَحْصُلُ (للواجِبِ خَمْسَةٌ إلَّا سُدْسَ شيءٍ) فإذا أضَفْتَ إليها الشيءَ الذي هو تَتِمَّةُ الواجِبِ، كان عَشَرَةً، فاجْبُرِ الخَمْسَةَ مِن الشيءِ بسُدْسِه، يَبْقَى خَمْسَةُ أسْداسِ شيءٍ تَعْدِلُ خَمْسَةً، فتَبَيَّنَ أنَّ الشيءَ سِتَّةٌ، وللوَصِيِّ الآخَرِ، وهو صاحِبُ

..................................  التَّبَرُّعِ أرْبَعَةٌ.
فصل: فإن كان عليه دَينٌ خَمْسَةٌ أيضًا، عُزِلَتْ تَتِمَّةُ الواجِبِ شيءٌ، وتَتِمَّةُ الدَّينِ نِصْفُ شيءٍ، بَقِيَ ثُلُثُ المال عَشَرَةٌ إلَّا نِصْفَ شيءٍ، فاقْسِمْه بينَ الوصايا، فيَحْصُلُ للواجِبِ أرْبَعَةٌ إلا خُمْسَ شيءٍ، اضْمُمْ إليها تَتِمَّتَه، يَصِيرُ شيئًا وأرْبَعَةً إلَّا خُمْسَ شيءٍ، تَعْدِلُ 1 عَشَرَةً، وبعدَ الجَبْرِ تَصِيرُ أرْبعةَ أخَمْاسِ شيءٍ 2، تَعْدِلُ شيئًا، فرُدَّ على السِّنَّةِ رُبْعَها، تكنْ سَبْعَةً ونِصْفًا 3، تَعْدِلُ شيئًا، فالشيءُ سَبْعَةٌ ونِصْفٌ، ونِصْفُ الشيءِ ثلاثةٌ ونصفٌ ورُبْعٌ، وبَقِيَّةُ المالِ ثمانيةَ عَشَرَ وثلاثةُ أرْباعٍ، ثُلُثُها سِتَّةٌ ورُبْعٌ، للدَّينِ خُمْسُها أحَدٌ ورُبْعٌ، إذا ضُمَّتْ إليه تَتِمَّتُه، كَمَل خَمْسَةٌ، وللواجِبِ اثْنان ونِصْفٌ، يَكْمُلُ بتَتِمَّتِه، وللصدقةِ اثْنان ونِصْفٌ.
وفي عَمَلِها طَرِيقٌ آخَرُ، وهو أن يُقْسَمَ الثُّلُثُ بكَمالِه بينَ الوَصايا الواجِبِ أخَذْتَه مِنِ الوَرَثَةِ وصاحِبِ التَّبَرُّعِ بالقِسْطِ، ففي المسألةِ الأُولَى يَحْصُلُ للواجِبِ خمْسَة، يَبقَى له خمسةٌ، يَأْخُذُ مِن صاحِبِ التبرُّعِ دِينارًا، ومِن الوَرَثةِ أرْبَعَةً.
وفي المسألةِ الثانيةِ، حَصَل للواجِبِ أرْبَعَةٌ، وبَقِيَ له سِتَّةٌ، وحَصَل للدَّينِ دِينارٌ، وبَقِيَ له ثلاثةٌ، فيَأْخُذان ما بَقِيَ لهما، وذلك تِسْعَةٌ، مِن الورثةِ نِصْفَها وثُلُثَها، وذلك سَبْعَةٌ ونِصْفٌ، ومِن صاحِبِ

..................................  التَّبَرُّعِ سُدْسَها دِينارًا [ونِصفا] 1، للواجبِ منها ثُلُثاها وللدَّينِ ثُلُثُها.
فإن أوْصَى بالواجِبِ وأطْلَقَ، فهو مِن رأْسِ المالِ، فيُبْدأُ بإخْراجِه قبلَ التَّبَرُّعاتِ والمِيراثِ، فإن كانت ثَمَّ وَصِيَّةٌ بتَبَرُّع، فلِصاحِبِها ثُلُثُ الباقِي.
وهذا قولُ أكْثَرِ أصحابِ الشافعيِّ.
وذَهَب بعضُهم إلى أنَّ الواجِبَ مِن الثُّلُثِ كالقِسْمِ الذي قبلَه؛ لأنَّه إنَّما يَمْلِكُ الوصيةَ بالثُّلُثِ.
ولَنا، أنَّ الواجِبَ مِن رَأْسِ المالِ، وليس في وَصِيَّتِه ما يَقْتَضِي تَغْيِيرَه، فيَبْقَى على ما كان عليه، كما لو لم يُوصِ به.
وقولُهم: لا يَمْلِكُ الوَصِيَّةَ إلَّا بالثُّلُثِ.
قُلْنا: في التَّبَرُّعِ، وأمّا في الواجِباتِ فلا تَنْحَصِرُ في الثُّلُثِ، ولا تَتَقَيَّدُ به.
فإن أوْصَى بالواجِب وقَرَنَ به الوصيةَ بتَبَرُّعٍ، مثلَ أن يقولَ: حُجُّوا عني، وأدُّوا دَينِي، وتَصَدَّقُوا عني.
ففيه وَجْهان؛ أصَحُّهما، أن الواجِبَ مِن رَأْسِ المالِ؛ لأنَّ الاقْتِرانَ في اللَّفْظِ لا يَدُلُّ على الاقْتِرانِ في الحُكْمِ ولا في كَيفِيَّتِه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ 2. والأكْلُ لا يَجِبُ، والإِيتاءُ يَجِبُ.
ولأنَّه ههُنا قد عَطَف غيرَ الواجِبِ عليه، فكما لم يَسْتَويا في الوُجُوبِ لا يَلْزَمُ اسْتواؤُهما في مَحَلِّ الإِخْراجِ.
والثانِي، أنَّه مِن الثُّلُثِ؛ لأنَّه قَرَن به ما مَخْرَجُه مِن الثُّلُثِ.
واللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ.

بَابُ الْمُوصَى لَه

تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِكُلِّ مَنْ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ؛ مِنْ مُسْلِمٍ، وَذِمِّيٍّ، وَمُرْتَدٍّ، وَحَرْبِيٍّ.
بابُ المُوصَى له (تَصِحُّ الوصيةُ لكلِّ مَن يَصِحُّ تَمْلِيكه؛ مِن مُسْلِمٍ، وذِمِّيٍّ، وحَرْبِيٍّ، ومُرْتدٍّ) أمّا صِحَّةُ الوصيةِ للمُسلمِ والذِّمِّيِّ، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وبه قال شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
قال محمدُ بنُ الحَنَفِيَّةِ في قولِه تعالى: ﴿إلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ 1. هو وصيةُ المسلمِ لليهودِيِّ والنَّصْرانِيِّ.
ولأن الهِبَةَ تَصِحُّ له، فصَحَّتِ الوصيةُ، كالمسلمِ.
وتَصِحُّ وصيةُ الذِّمِّيِّ للمسلمِ؛ لأنَّه إذا صَحَّتْ وصيةُ المسلمِ للذميِّ، فوصيةُ الذميِّ للمسلمِ أوْلَى.
وحُكْمُ وصيةِ الذميِّ حُكْمُ وصيةِ المسلمِ فيما ذَكَرْنا.
وتَصِحُّ الوصيةُ للحَرْبِيِّ وإن كان في دارِ الحَرْبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال مالكٌ،

..................................  وأكْثَرُ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: لا تَصِح.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ﴾.
الآية إلى قولِه: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ 1. الآية.
فدَلَّ على أنَّ مَن قاتَلَنا لا يَحِلُّ بِرُّه.
ولَنا، أنَّه تَصِحُّ هِبَتُه فصَحَّتِ الوصيةُ له، كالذِّمِّيِّ.
وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعْطَى عُمَرَ حُلَّةً مِن حَرِير، فقال: يا رسولَ اللهِ، كَسَوْتَنِيها وقد قُلْتَ في حُلَّةِ عُطارِدٍ ما قلتَ.
فقال: «إنِّي لم أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَها».
فكساها عُمَرُ أخًا له مُشْرِكًا بمَكَّةَ 2. وعن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قالت: أتَتْنِي أُمِّي وهي راغِبَةٌ، تَعْنِي عن الإِسلام، فسَألتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أتَتْنِي أُمِّي وهي راغِبةٌ، أفأصِلُها؟ قال: «نَعَمْ» 3. وهذان فيهما

..................................  صِلَةُ أهلِ الحَرْبِ وبِرُّهم، والآيةُ حُجَّةٌ لَنا في مَن لم يُقاتِلْ، فأمّا المُقاتِلُ فإنَّما نُهِيَ عن تَوَلِّيه لا عن بِرِّه والوصيةِ له، وإِنِ احْتجَّ بالمَفْهُومِ، فهو لا يَراه حُجَّةً، ثم قد حَصَل الإِجماعُ على صِحَّةِ الهِبَةِ للحَرْبِيِّ، والوَصِيَّة في مَعْناها.

وَقَال ابْنُ أَبى مُوسَى: لَا تَصِحُّ لِمُرْتَدٍّ.
وَتَصِحُّ لِمُكَاتَبِهِ، وَمُدَبَّرِهِ، وَأُمِّ وَلَدِهِ.

2683 - مسألة: وتَصِحُّ للمُرْتَدِّ كما تَصِحُّ الهِبَةُ له. ذَكَرَه أبو الخَطّابِ (وقال ابنُ أبي مُوسى: لا تَصِحُّ)

لأنَّ مِلْكَه غيرُ مُسْتَقِرٍّ، ولا يَرِثُ ولا يُورَثُ، فهو كالمَيِّتِ، ولأنَّ مِلْكَه يَزُولُ عن مالِه برِدَّتِه في قولِ أبي بكرٍ وجماعةٍ، فلا يَثْبُتُ له المِلْكُ بالوَصِيَّةِ.
2684 -

مسألة: (وتَصِحُّ لمُكاتَبِه، ومُدَبَّرِه، وأُمِّ وَلَدِه)

تَصِحُّ الوصيةُ للمُكاتَبِ، سواءٌ كان مُكاتَبَه أو مُكاتَبَ وارِثِه أو مُكاتَبَ أجْنَبِيٍّ، سواءٌ وَصَّى له بجُزْءٍ شائِعٍ أو مُعَيَّنٍ؛ لأنَّ وَرَثَتَه لا يَسْتَحِقُّونَ المُكاتَبَ ولا يَمْلِكُون ماله، ولأنَّه يَمْلِكُ المال بالعُقُودِ، فصَحَّتِ الوَصِيَّةُ له، كالحُرِّ.
فإن قال: ضَعُوا عن مُكاتَبِي بعضَ كِتابَته -أو- بعضَ ما عليه.
وَضَعُوا ما شاءُوا.
وإن قال: ضَعُوا عنه نَجْمًا من نجُومِه.
فلهم أن يَضَعُوا

..................................  أيَّ نَجْمٍ شاءُوا، وسواءٌ كانت نُجُومُه مُتَّفِقَةً أو مُخْتَلِفَةً، لتَناوُلِ اللَّفْظِ له.
فإن قال: ضَعُوا عنه أيَّ نَجْمٍ شاء.
رَجَع إلى مَشِيئَتِه؛ لأنَّ سَيِّدَه جَعَل المَشِيئَةَ إليه.
وإن قال: ضَعُوا عنه أكْبَرَ 1 نجُوُمِه.
وَضَعُوا عنه أكْثَرَها مالًا؛ لأنَّه أكْبَرُها قَدْرًا.
وإن قال: ضَعُوا عنه أكْثَرَ نُجُومِه.
وَضَعُوا عنه أكْثَرَ مِن نِصْفِها؛ لأنَّ أكْثَرَ الشيءِ يَزيدُ على نِصْفِه.
فإن كانت نُجُومُه خَمْسَةً؛ وَضَعُوا ثلاثةً، وإن كانت سِتَّةً، وَضَعُوا أرْبَعَةً.
ويَحْتَمِلُ أن يَنْصَرِفَ إلى واحِدٍ منها أكْثَرِها مالًا.
فإن كانت نُجُومُه سواءً، تَعَيَّنَ القولُ الأوَّلُ.
فإن قال: ضَعُوا عنه أوْسَطَ نُجُومِه.
ولم يكنْ فيها إلَّا وَسَط واحِدٌ، تَعَيَّنَ، مثلَ أن تكونَ نُجُومُه مُتَساويَةَ القَدْرِ والأجَلِ، وعَدَدُها مُفْرَدٌ، فيَتَعَيَّنُ الأوْسَطُ في العَدَدِ، فإن كانت خَمْسَةً، تَعَيَّنَ الثالثُ، وإن كانت سَبْعَةً، فالرّابِعُ، فإن كان عَدَدُها مُزْدَوَجًا وهي مُخْتَلِفَةُ المِقْدارِ، فبعضُها مائةٌ، وبعضُها مائِتان، وبعضُها ثلاثُمائةٍ، فأوْسَطُها المائِتانِ فيَتَعَيَّنُ، وإن كانت مُتساويَةَ القَدْرِ مُخْتَلِفَةَ الأجَلِ، مثلَ أن يكونَ اثْنان إلى شَهْرٍ 2، وواحِدٌ إلى شَهْرَين، وواحِدٌ إلى ثلاثةِ أشْهُرٍ، تَعَينَّتَ الوَصِيَّةُ في الَّذي إلى شَهْرَين.
وإنِ اتَّفقَتْ هذه المعانِي في

..................................  واحِدٍ، تَعَيَّنَ.
وإن كان لها أوْسَطُ في القَدْرِ، وأوْسَطُ في الأجَلِ، وأوْسَطُ في العَدَدِ، يُخالِفُ بعضُها بعضًا، رُجِع إلى قولِ الوَرَثَةِ.
وإنِ اخْتَلَفَت الورثةُ والمُكاتَبُ في إرادَةِ المُوصِي منها، فالقولُ قولُ الورثةِ مع أيمانِهم أنَّهم لا يَعْلَمُون ما أراد.
ومتى كان العَدَدُ وترًا، فأوْسَطُه واحِدٌ.
وإن كان شَفْعًا، كأرْبَعَةٍ، فأوْسَطُه اثْنان.
وهكذا القولُ فيما إذا أوْصَى بأوْسَطِ نُجُومِه.
وإن قال: ضَعُوا عنه ما يَخِفُّ -أو- ما يَثْقُلُ -أو- ما يَكْثُرُ.
رُجِع إلى تَقْدِيرِ الورثةِ؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ يَخِفُّ إلى جَنْبِ 1 ما هو أثْقَلُ منه، ويَثْقُلُ إلى جنبِ (1) ما هو أخَفُّ منه،؛ قال أصحابُنا فيما إذا أقَرَّ بمالٍ عظيمٍ، أو كَثِيرٍ، أو ثَقِيلٍ، أو خَفِيفٍ.
وإن قال: ضَعُوا عنه أكْثَرَ ما عليه.
وُضِع عنهَ النِّصْفُ، وأدْنَى زِيادَةٍ.
وإن قال: ضَعُوا عنه أكْثَرَ ما عليه ومِثْلَ نِصْفِه.
فذلك ثلاثةُ أرباعٍ وأدْنَى زِيادَةٍ.
وإن قال: ضَعُوا أكْثَرَ ما عليه ومِثْلَه.
فذلك الكِتابَةُ كلُّها وزِيادَةٌ عليها، فيَصِحُّ في الكِتابَةِ ويَبْطُلُ في الزِّيادَةِ؛ لعَدَمِ مَحَلِّها.
وإن قال: ضَعُوا عنه ما شاء.
فشاء وَضْعَ كلِّ ما عليه، وُضِع؛ لِتَناوُلِه اللَّفْظَ.
فإن قال: ضَعُوا عنه ما شاء مِن مالِ الكتابةِ.
لم يَضَعُوا عنه الكلَّ؛ لأن «مِن» للتَّبْعِيضِ.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ على نحو ما ذَكَرْنا في هذا الفَصْلِ.

..................................

2685 - مسألة: وتَصِحُّ الوصيةُ لمُدَبَّرِه؛ لأنَّه يصيرُ حُرًّا حينَ لُزُومِ الوصيةِ، فصَحَّتِ الوصيةُ له، كأُمِّ الوَلَدِ.

فإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ هو والوصيةُ جميعًا، قُدِّمَ عِتْقُه على الوصيةِ؛ لأنَّه أنْفَعُ له.
وقال القاضي: يَعْتِقُ بعضُه، ويَمْلِكُ مِن الوصيةِ بقَدْرِ ما عَتَقَ منه.
ولَنا، أنَّه وَصَّى لعَبْدِه وصيةً صحيحةً، فيُقَدَّمُ عِتْقُه على ما يَحْصُلُ له مِن المالِ،؛ لو وَصَّى لعبدِه القِنِّ بمُشاعٍ مِن مالِه.
2686 -

مسألة: وتَصِحُّ الوصيةُ لأمِّ وَلَدِه؛ لأنَّها حُرَّةٌ حينَ لُزُومِ الوصيةِ. وقد رُوِيَ

1 عن عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، أنَّه أوْصَى لأُمَّهاتِ أوْلادِه بأرْبَعَةِ آلافٍ أربعةِ آلافٍ.
رَواه سعيدٌ 2. ورُوِيَ ذلك عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ.
وبه قال مَيمُونُ بنُ مِهْرانَ، والزُّهْرِيُّ، ويَحْيَى الأنْصارِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.

وَتَصِحُّ لِعَبْدِ غَيرِهِ.
فَإِذَا قَبِلَهَا، فَهِيَ لِسَيِّدِهِ.

2687 - مسألة: (وتَصِحُّ لعَبْدِ غيرِه)

وتكونُ الوصيةُ لِسَيِّدِه، والقَبُولُ مِن العَبْدِ؛ لأنَّ العَقْدَ مُضافٌ إليه، أشْبَهَ ما لو وَهَبَه شيئًا.
فإذا قَبِل، تَثْبُتُ لسَيِّدِه؛ لأنَّه مِن كَسْبِ عَبْدِه، وكَسْبُ العَبْدِ للسيِّدِ.
ولا يَفْتَقِرُ في القَبُولِ إلى إذْنِ السَّيِّدِ؛ لأنَّه كَسْبٌ مِن غيرِ إذْنِ سَيِّدِه، كالاحْتِطابِ.
وهذا قولُ أهلِ العِراقِ، والشافعيِّ.
ولأصْحابِه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَفْتَقِرُ إلى إذْنِ السَّيِّدِ؛ لأنَّه تَصَرُّفُ العَبْدِ، فهو كبَيعِه وشِرائِه.
ولَنا، أنَّه تَحْصِيلُ مالٍ بغيرِ عِوَضٍ، فلم يَفْتَقِرْ إلى إذْنِه، كقَبُولِ الهِبَةِ وتَحْصِيلِ المُباحِ.

..................................  فصل: وإن وَصَّى لعَبْدِ وارِثِه، فهي كالوَصِيَّةِ بوارِثِه، تَقِفُ على إجازَةِ الورثةِ.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ.
وقال مالكٌ: إن كان يَسِيرًا، جاز؛ لأنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ، وإنَّما لسَيِّدِه أخْذُه مِن يَدِه، فإذا أوْصَي له بشيءٍ يَسِيرٍ، عُلِم أنَّه قَصَد بذلك العَبْدَ دُونَ سَيَّدِه.
ولَنا، أنَّها وصيةٌ لعَبْدِ وارِثِه، أشْبَهَ الوصيةَ بالكَثِيرِ، وما ذَكَرَه مِن مِلْكِ العَبْدِ مَمْنُوعٌ لا اعْتِبارَ به، فإنَّه مع هذا القَصْدِ يَسْتَحِقُّ سَيِّدُه أخْذَه، فهو كالكَثِيرِ.
فصل: وإذا وَصَّى بعِتْقِ أمَتِه على أن لا تَتَزَوَّجَ، ثم مات، فقالت: لا أتَزَوَّجُ.
عَتَقَتْ.
فإن تَزَوَّجَتْ بعدَ ذلك لم يَبْطُلْ عِتْقُها.
وهذا مَذْهَبُ الأوْزاعِيِّ، واللَّيثِ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحاب الرَّأْي؛ لأنَّ العِتْقَ إذا وَقَع لم يُمْكِنْ رَفْعُه.
فإن وَصَّى لأُمِّ وَلَدِه بألْفٍ على أَن لا تَتَزَوَّجَ،

وَتصِحُّ لِعَبْدِهِ بِمُشَاعٍ؛ كَثُلُثِهِ.
فَإِذَا وَصَّى لَهُ بِثُلُثِهِ، عَتَقَ وَأَخَذَ الثُّلُثَ، وَإنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، عَتَقَ مِنْهُ قَدْرُ الثُّلُثِ.
أو على أن تَبِيتَ مع وَلَدِه، ففَعَلَتْ وأخَذَتِ الألْفَ، ثم تَزَوَّجَت، أو تَرَكَتْ وَلَدَه، ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، تَبْطُلُ وَصِيَّتُها؛ لأنَّه فات الشَّرْطُ، ففاتَتِ الوصيةُ، وفارَقَ العِتْقَ، فإنَّه لا يُمْكِنُ رَفْعُه.
والثانِي، لا تَبْطُلُ وَصِيَّتُها.
وهو قولُ أصحاب الرَّأْي؛ لأن وَصِيَّتَهَا صَحَّتْ، فلم تَبْطُلْ بمُخالفَةِ ما شَرَط عليها، كالأُوَلَى.

2688 -

مسألة: (وتَصِحُّ لعَبْدِه بمُشَاعٍ؛ كثُلُثِه)

فإن خَرَج العَبْدُ مِن الوَصِيَّةِ، عَتَقَ واسْتُحِقَّ باقِيه، وإن لم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ.
وبهذا قال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وأبو حنيفةَ، إلَّا أنَّهم قالُوا: إن لم يَخرُجْ مِن الثُّلُثِ، سَعَى في قِيمَةِ باقِيه.
وقال الشافعيُّ: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ، إلَّا أن يُوصِيَ بعِتْقِه؛ لأنَّه أوْصَى 1

وَإنْ أَوْصَى لَهُ بمُعَيَّنٍ، أوْ بِمِائَةٍ، لَمْ تَصِحَّ.
وَحُكِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ يَصِحُّ.
لمالٍ يَصِيرُ للورثةِ، فلم يَصِحَّ، كما لو وَصَّى له بمُعَيَّنٍ.
ولَنا، أنَّ الجُزْءَ الشّائِعَ يتَناوَلُ نَفْسَه أو بعضَها؛ لأنَّه مِن جُمْلَةِ الثُّلُثِ الشائعِ، والوصيةُ له بنَفْسِه تَصِحُّ ويَعْتِقُ، وما فَضَل اسْتَحَقَّه؛ لأنَّه يَصِيرُ حُرًّا، فمَلَكَ الوصيةَ، فيَصِيرُ كأنَّه قال: أعْتِقُوا عَبْدِي مِن ثُلُثِي، وأعْطُوه ما فَضَل منه.
وفارَقَ ما إذا وَصَّى له بمُعَيَّنٍ؛ لأنَّه لا يَتَناوَلُ شيئًا منه، على أنَّ لَنا في الأصْلِ المَقِيسِ عليه مَنْعًا.

2689 -

مسألة: (وإن وَصَّى له بمُعَيَّن)

كثَوْبٍ أو دارٍ (أو مائةٍ، لم تَصِحَّ) الوصيةُ في قولِ الأكْثَرِينَ، منهم الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
وذَكَرَ ابنُ أبي موسى رِوايَةً عن أحمدَ (أنَّها تَصِحُّ) وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ.
وقال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ: إن شاء الورثةُ أجازُوا، وإن شاءُوا رَدُّوا.
ولَنا، أنَّ العَبْدَ يَصِيرُ مِلْكًا للورثةِ، فما وَصَّى به له فهو لهم، فكأْنَّه أوْصَى لوَرَثَتِه بما يَرِثُونه، فلا فائِدَةَ فيه.
وفارَقَ ما إذا وَصَّى له بمُشاعٍ؛ لِما ذَكَرْناه.

وَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ إذَا عُلِمَ أْنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْوَصِيَّةِ، بِأَنْ تَضَعَهُ لِأقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ، إنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ يَطَؤُهَا، أَوْ لأقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، إِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.

2690 - مسألة: (وتَصِحُّ)

الوصيةُ (للحَمْلِ إذا عُلِم أنَّه كان مَوْجُودًا حينَ الوصيةِ، بأن تَضَعَه لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، إن كانت ذاتَ زَوْجٍ أو سَيِّدٍ يَطَؤُها، أو لأقَلَّ مِن أرْبَعِ سِنِينَ، إن لم تكنْ كذلك، في أحَدِ الوَجْهَين) وفي الآخرِ، لأقَلَّ مِن سَنَتَين.
لا نَعْلَمُ في صِحَّةِ الوصيةِ للحَمْلِ خِلافًا.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي؛ وذلك لأنَّ الوصيةَ جَرَتْ جرَى المِيراثِ مِن حيث كونُها انْتِقال المالِ مِن الإنسانِ بعدَ مَوْتِه إلى المُوصَى له بغيرِ عِوَضٍ، كانْتِقالِه إلى وارِثِه، وقد سَمَّى الله تعالى المِيراثَ وصيةً بقولِه سبحانه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ 1. وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ 2. والحَمْلُ يَرِثُ،

..................................  فتَصِحُّ الوصيةُ له، ولأنَّ الوصيةَ أوْسَعُ مِن المِيراثِ؛ لأنَّها تَصِحُّ للمُخالِفِ في الدِّينِ، والعَبْدِ، بخِلافِ المِيراثِ، فإذا وَرِث الحَمْلُ، فالوصيةُ له أوْلَى، ولأنَّ الوصيةَ تَتَعَلَّقُ بخَطَرٍ وغَرَرٍ، فصَحَّتْ للحَمْلِ، كالعِتقِ.
فإنِ انْفَصَلَ الحَمْلُ مَيِّتًا، بَطَلَتِ الوصيةُ؛ لأنَّه لا يَرِثُ، ولأنَّه يَحْتَمِلُ أن لا يكونَ حَيًّا حينَ الوصيةِ، فلا تَثْبُتُ له الوصيةُ والمِيراثُ بالشَّكِّ.

..................................  وسَواءٌ مات لعارِضٍ؛ مِن ضَرْبِ البَطْنِ، أو [لدواءٍ شَرِبَتْه] 1، أو غيره؛ لِما بَيَّنّا مِن أنَّه لا يَرِثُ.
وإن وَضَعتْه حَيًّا، صَحَّتِ الوصيةُ له إذا حَكَمْنا بوُجُودِه حال الوصيةِ، بأن تَأْتِيَ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، إن كانتِ المرأةُ فِراشًا لزَوْجٍ أو سَيِّدٍ يَطَؤُها، فإنّا نَعْلَمُ وُجُودَه حينَ الوصيةِ، فإن أتَتْ به كْثَرَ منها، لم تَصِحَّ الوصيةُ؛ لاحْتِمالِ حُدُوثِه بعدَ الوصيةِ.
وإن كانت بائِنًا فأتَتْ به لأكْثَرَ مِن أرْبَعِ سِنِين مِن حينِ الفُرْقَةِ، وأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ الوصيةِ، لم تَصِحَّ الوصيةُ له، وإن أتَتْ به لأقَل مِن ذلك، صَحَّتِ الوصيةُ؛ لأنَّ الوَلَدَ يُعْلَمُ وُجُودُه إذا كان لسِتَّةِ أشْهُرٍ، ويُحْكَمُ بوُجُودِه إذا أتَتْ به لأقَلَّ مِن أَرْبَعِ سِنِين مِن حينِ الفُرْقَةِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وإن وَصَّى لحَملِ امرأةٍ مِن زَوْجِها

..................................  أو سَيِّدِها، صَحَّتِ الوصيةُ له مع اشْتِراطِ إلْحاقِه به.
فإن كان مَنْفِيًّا باللِّعانِ، أو دَعْوَى الاسْتِبراءِ، لم تَصِحَّ الوصيةُ له؛ لعَدَمِ نَسَبِه المُشْتَرَطِ في الوصيةِ، فإن كانتِ المرأةُ فِراشًا لِزَوْج أو سَيِّدٍ إلَّا أنَّه لا يَطَؤُها لكونِه غائِبًا في بَلَدٍ بَعِيدٍ، أو مَريضًا مَرَضًا يَمْنَعُ الوَطْءَ، أو كان أسِيرًا أو مَحْبُوسًا، أو عَلِم الورثةُ أنَّه لم يَطَأْها، أو أقَرُّوا بذلك، فإن أصحابَنا لم يُفَرِّقُوا بينَ هذه الصُّوَرِ وبينَ ما إذا كان يَطَؤْها؛ لأنَّهما لم يَفْتَرِقا في لُحُوقِ النَّسَبِ بالزَّوْجِ والسَّيِّدِ، فكانت في حُكْمِ مَن يَطَؤُها.
قال شيخنا 1: ويَحْتَمِلُ أنَّها متى أتت به في هذه الحال، أو لوَقْتٍ يَغْلِبُ على الظَّنِّ أنَّه كان مَوْجُودًا حال الوصيةِ؛ مثلَ أنْ تَضَعَه لأقَلَّ مِن غالِبِ مُدَّةِ الحَمْلِ،

..................................  أو تكونَ أماراتُ الحَمْلِ ظاهرةً، أو أتَتْ به على وَجْهٍ يَغْلِبُ على الظنِّ أنَّه كان موجودًا بأماراتِ الحَمْلِ بحيث يُحْكَمُ لها بكَوْنِها حامِلًا، صَحَّتِ الوصيةُ له؛ لأنَّه يَثْبُتُ له أحْكامُ الحَمْلِ في غيرِ هذا الحُكْمِ، وقد انْتَفَتْ أسبابُ حُدُوثِه ظاهِرًا، فيَنْبَغِي أن تَثْبُتَ لهَ الوصيةُ، والحُكْمُ بإلحاقِه

..................................  بالزَّوْجِ والسَّيِّدِ في تلك الصُّوَرِ إنَّما كان احْتِياطًا للنَّسَبِ، فإنَّه يَلْحَقُ بمُجَرَّدِ الاحْتِمالِ وإن كان بَعِيدًا، ولا يَلْزَمُ مِن إْثباتِ النَّسَبِ بمُطْلَقِ الاحْتِمالِ نَفْيُ اسْتِحْقاقِ الوصيةِ، فإنَّه لا يُحْتَاطُ لإِبْطالِ الوصيةِ كما يُحْتَاطُ لإِثْباتِ الَّسَبِ، فلا يَلْزَمُ إلحاقُ ما لا يُحْتاطُ له بما يُحْتاطُ له مع ظُهُورِ ما يُثْبِتُه ويُصَحِّحُه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه إذا أتَتْ به لأكْثَرَ مِن سَنَتَين إذا كانت بائِنًا، لا تَثْبُتُ له الوصيةُ، بِنَاءً على أنَّ أكْثَرَ مُدَّةِ الحَمْلِ سَنَتان.

وَإنْ وَصَّى لِمَنْ تَحْمِلُ هَذِهِ الْمَرْأةُ، لَمْ تَصِحَّ.

2691 - مسألة: (وإن وَصَّى لِمَن تَحْمِلُ هذه المرأةُ، لم تَصِحَّ)

وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: تَصِحُّ، كما تَصِحُّ الوصيةُ بما تَحْمِلُ هذه الجارِيةُ.
ولَنا، أنَّ الوصيةَ تَمْليكٌ، فلا تَصِحُّ للمَعْدُومِ، بخِلافِ المُوصَى به، فإنَّه يُمْلَكُ، فلم يُعْتَبَرْ وُجُودُه، ولأنَّ الوصيةَ جَرَتْ مَجْرَى المِيراثِ، ولو مات إنْسانٌ لم يَرِثْه مِن الحَمْلِ إلَّا مَن كان مَوْجُودًا، كذلك الوصيةُ.
ولو تَجَدَّدَ للمَيِّتِ مالٌ بعدَ مَوْتِه، بأن يَسْقُطَ في شَبَكَتِه صَيدٌ، لوَرِثَهُ وَرَثته، ولذلك قَضَينا بثُبُوتِ الإرْثِ في دِيَتِه، وهي تَتَجَدَّدُ بعدَ مَوْتِه، فجازَ أن تُمْلَكَ بالوصيةِ.
فإن قِيلَ: فلو وَقَف على مَن يَحْدُث مِن وَلَدِه أو وَلَدِ فلانٍ، صَحَّ، فالوصيةُ أوْلَى؛ لأنَّها تَصِحُّ بالمَعْدُومِ والمَجْهُولِ، بخِلافِ الوَقْفِ.
قلنا: الوصيةُ أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيراثِ، ولا يَحْصُلُ المِيراثُ إلَّا لمَوْجُودٍ، فكذا الوصيةُ، والوَقفُ يُرادُ للدَّوامِ، فمِن ضَرُورَته إثْباتُه للمَعْدُومِ.

..................................  فصل: وإذا وَصَّى لحَمْلِ امرأةٍ، فوَلَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثَى، فالوصيةُ لهما بالسَّويةِ؛ لأنَّ ذلك عَطِيَّةٌ وهِبَةٌ، فأشْبَهَ ما لو وَهَبَهما شيئًا بعدَ ولادَتِهما.
وإن فاضَلَ بينَهما، فهو على ما قال، كالوَقْفِ.
وإن قال: إن كان في بَطْنِها غُلامٌ فله دِيناران، وإن كانت فيه جارِيَةٌ فلها دِينارٌ.
فوَلَدَتْ غُلامًا وجارِيَةً، فلكلِّ واحدٍ 1 منهما ما وَصَّى له به؛ لأنَّ الشَّرْطَ وُجِد فيه.
وإن وَلَدَتْ أحَدَهما مُنْفَرِدًا، فله وَصِيَّتِه.
ولو قال: إن كان حَمْلُها -أو- إن كان ما في بَطْنِها غُلامًا فله دِيناران، وإن كانت جارِيَةً فلها دِينارٌ.
فوَلَدَتْ أحَدَهما مُنْفَرِدًا، فله وَصِيَّتِه.
وإن وَلَدَتْ غُلامًا وجارِيةً، فلا شيءَ لهما؛ لأنَّ أحَدَهما ليس هو جَمِيعَ الحَمْلِ، ولا كلَّ ما في البَطْنِ.
وبه قال أصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.

وَإِنْ قَتَلَ الْوَصِيُّ الْمُوصِيَ، بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ، وَإِنْ جَرَحَهُ، ثُمَّ أَوْصَى لَهُ، فَمَاتَ مِنَ الْجُرْحِ، لَمْ تَبْطُلِ الْوَصِيَّةُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقَال أَصْحَابُنَا: فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ رِوَايَتَانِ.

2692 - مسألة: (وإن قَتَل الوَصِيُّ المُوصِيَ، بَطَلَتِ الوصيةُ، وإن جَرَحَه، ثم أوْصَى له، فمات مِن الجُرْحِ، لم تَبْطُلْ، في ظاهِرِ كَلامِه. وقال أصحابُنا: في الوصيةِ للقاتِلَ روايتان)

اخْتَلَفَ أصحابُنا

..................................  في الوصيةِ للقاتِلِ على ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ فقال ابنُ حامدٍ: تَجُوزُ الوصيةُ له.
واحْتَجَّ بقولِ أحمدَ، في مَن جَرَحٍ رجلًا خَطَأً فعَفا المَجْرُوحُ، فقال أحمدُ: تُعْتَبَرُ مِن الثُّلُثِ.
قال: وهذه وصية لقاتِلٍ.
وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وأظْهَرُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ الهِبَةَ له تَصِحُّ، فصَحَّتِ الوصيةُ له، كالذِّمِّيِّ.
وقال أبو بكرٍ: لا تَصِحُّ الوصيةُ لة؛ فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ على أنَّ المُدَبَّرَ إذا قَتَلَ سَيِّدَه، بَطَل تَدْبِيرُه، والتَّدْبِيرُ وصيةٌ.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ القَتْلَ يَمْنَعُ المِيراثَ الذي هو آكَدُ مِن الوصيةِ، فالوصيةُ أوْلَى، ولأنَّ الوصيةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيرِاثِ، فيَمْنَعُها ما يَمْنَعُه.
وقال أبو الخَطّابِ: إن وَصَّى له بعدَ جَرْحِه،

..................................  صَحَّ، وإن وَصى له قبلَه، ثم طَرَأ القَتْلُ على الوصيةِ، أي أبْطَلَها، جَمْعًا بينَ نَصَّيْ أحمدَ في المَوْضِعَين.
وهو قولُ الحسنِ بنِ صالِحٍ.
وهذا قولٌ حسنٌ؛ لأنَّ الوصيةَ بعدَ الجَرْحِ صَدَرَتْ مِن أهْلِها في مَحَلِّها، لم يَطْرأ عليها ما يُبْطِلُها، بخِلافِ ما إذا تَقَدَّمَتْ، فإنَّ القَتْلَ طَرَأ عليها فأبْطَلَها؛ فإنَّه يُبْطِلُ ما هو آكَدُ منها.
يُحَقِّقُه أنَّ القَتْلَ إنَّما يَمْنَعُ المِيراثَ لكونِه بالقَتْلِ اسْتَعْجَلَ المِيراثَ الذي انْعَقَدَ سَبَبُه، فعُورِضَ بنَقِيضِ قَصْدِه، وهو مَنْعُ المِيراثِ؛ دَفْعًا لمَفْسَدَةِ قَتْلِ المَوْرُوثِين، ولذلك بَطَل التَّدْبِيرُ بالقَتْلِ الطّارِئِ عليه أيضًا، وهذا المَعْنَى مُتَحَقِّق في القَتْلِ الطارِئِ على الوَصِيّةِ، فإنه رُبَّما اسْتَعْجَلَها بقَتْلِه.
وفارَقَ القَتْلَ قبلَ الوصيةِ؛ لأنَّه لم يَقصِدْ به اسْتِعْجال مالٍ، لعَدَمِ انْعِقادِ سَبَبِه، والمُوصِى راضٍ بالوصيةِ له بعدَ ما صَدَر منه في حَقِّه.
وعلى هذا، لا فَرْقَ بينَ الخَطَأ والعَمْدِ [في هذا] 1، كما لا تَفْتَرِقُ الحالُ بذلك في المِيراثِ.

وَإنْ وَصَّى لِصِنْفٍ مِنْ أصْنَافِ الزَّكَاةِ، أوْ لِجَمِيعِ الْأَصْنَافِ، صَحَّ، وَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقَدْرَ الَّذِي يُعْطَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ.

2693 - مسألة: (وإن وَصَّى لصِنْفٍ مِن أصْنافِ الزكاةِ، أو لِجَميعِ الأصْنافِ، صَحَّ)

لأنَّهم مِن أبْوابِ البِرِّ، فصَحَّتْ لهم، كغيرِهم (ويُعْطَى كلُّ واحِدٍ منهم القَدْرَ الذي يُعْطاه مِن الزكاةِ) قِياسًا عليها؛ لأنَّ

..................................  المُطْلَقَ مِن كلامِ الآدَمِيِّ يُحْمَلُ على المُطْلَقِ مِن كلامِ اللهِ تعالى، ولَمّا أطْلَقَ اللهُ تعالى إعْطاءَهم مِن الزكاةِ حُمِل على ذلك، كذلك هذا.
قال شيخُنا 1: وإذا وَصَّى لأصْنافِ الزكاةِ المَذْكُورِين في القرآنِ، فهم الذين يَسْتَحِقُّون الزكاةَ، ويَنْبَغِي أن يُجْعَلَ لكلِّ صِنْفٍ ثُمْنُ الوصيةِ، كما لو وَصَّى لثمانِ قَبائِلَ، والفَرْقُ بينَ هذا وبينَ الزكاةِ -حيث يَجُوزُ

..................................  الاقْتِصارُ على صِنْفٍ واحِدٍ- أنَّ آيةَ الزكاةِ أُرِيدَ بها بَيانُ مَن يجوزُ الدَّفْعُ إليه، والوصيةُ أُرِيدَ بها بَيانُ مَن يَجِبُ الدَّفْعُ إليه.
ويجوزُ الاقْتِصارُ مِن كلِّ صِنْفٍ على واحِدٍ في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُهم.
وحُكِيَ هذا عن أصحابِ الرَّأْي.
وعن محمدِ بنِ الحسنِ أنَّه قال: لا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلى أقَلَّ مِن اثْنَين.
وعن أحمدَ روايةٌ ثانيةٌ، أنَّه لا يجوزُ الدَّفْعُ إلى أقَلَّ مِن ثلاثةٍ مِن كلِّ صِنْفٍ.
حَكاها أبو الخَطّابِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقد ذَكَرْنا ذلك وأدِلَّتَه في الزَّكاةِ 1. ولا يجوزُ الصَّرْفُ إلَّا إلى المُسْتَحِقِّ مِن أهْلَ بَلَدِه.
كما ذَكَرْنا في الزكاةِ 2. فصل: وإذا أوْصَى للفُقَراءِ وَحْدَهم، دَخَل فيه المَساكِينُ، وكذلك إن وَصَّى للمَساكِينِ دَخَلَ فيه 3 الفُقَراءُ؛ لأنَّهم صِنْفٌ واحِدٌ في غيرِ الزكاةِ، إلَّا أن يَذْكُرَ الصِّنْفَين جيعًا، فيَدُلُّ ذلك على أنَّه أراد المُغايَرَةَ بينَهما.
ويُسْتَحَبُّ تَعْمِيمُ مَن أمْكَنَ منهم، والدَّفْعُ إليهم على قَدْرِ الحاجَةِ، والبِدايَةُ بأقَارِبِ المُوصِي، كما ذَكَرْنا في الزكاةِ.

وَإنْ وَصَّى لِكَتْبِ الْقُرْآنِ، أو الْعِلْم, أوْ لِمَسْجِدٍ، أوْ لِفَرَسٍ حَبِيسٍ يُنْفَقُ عَلَيهِ، صَحَّ، وَإِنْ مَاتَ الْفَرَسُ رُدَّ الْمُوصَى بِهِ أوْ بَاقِيهُ إلَى الْوَرَثَةِ.

2694 - مسألة: (وإن وَصَّى لكَتْبِ القُرآنِ، أو العِلْمِ، أو لمسجدٍ، أو لفَرَسٍ حَبِيسٍ يُنْفقُ عليه، صَحَّ)

لأنَّ ذلك قُرْبَةٌ يَصِحُّ بَذْلُ المالِ فيه، فصَحَّتِ الوصيةُ له، كالوصيةِ للفُقَراءِ (فإن مات الفَرَسُ رُدَّ المُوصَى به أو باقيه إلى الوَرَثَةِ) لأنَّه عَيَّنَ للوصيةِ جِهَةً، فإذا فاتَت عادت إلى الورثةِ، كما لو وصَّى أن يُشْتَرَى عبدُ زيدٍ فيَعْتِقَ، فمات العَبْدُ، أو لم يَبِعْه سَيِّدُه، أو تعَذَّرَ شِرَاؤُه.
وإن أنْفَقَ بعضَ الدَّراهِمِ ثم مات الفَرَسُ، بَطَلَتِ الوصيةُ في الباقِي، كما لو وَصَّى بشِراءِ عَبْدَين مُعَيَّنَين، فاشْتَرَى أحَدَهما ومات الآخَرُ قبلَ شِرَائهِ.
قال الأثْرمُ: سَمِعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُسْألُ

..................................  عن رجلٍ أوْصَى بألْفِ دِرْهَم في السَّبِيلِ، أيُجْعَلُ في الحَجِّ منها؟ قال: لا، إنَّما يَعْرِفُ النّاسُ السَّبِيلَ الغزْوَ.
فصل: إذا قال: يَخْدِمُ عَبْدِي فُلانًا 1 سَنَةً، ثم هو حُرٌّ.
صَحَّتِ الوصيةُ.
فإن قال المُوصَى له بالخِدْمَةِ: لا أقْبَلُ الوصيةَ.
أو قال: قد وَهَبْتُ الخِدْمَةَ له 2. لم يَعْتِقْ في الحالِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالك: إن وَهَب الخِدْمَةَ للعَبْدِ، عَتَقَ في الحالِ.
ولَنا، أنَّه أوْقَعَ العِتْقَ بعدَ مُضِيِّ السَّنَةِ، فلم يَقَعْ قبلَه، كما لو رَدَّ الوصيةَ.
فصل: وإن وَصَّى أن يُشْتَرَى عَبْدُ زيدٍ بخَمْسِمائةٍ، فيُعْتَقَ، فلم يَبِعْه سَيِّدُه، فالخَمْسُمائةِ للورثةِ.
وكذلك إنِ امْتَنَعَ مِن بَيعِه بالخَمْسِمائةِ، أو تَعَذَّرَ شِراؤُه بمَوْتِه، أو لعَجْزِ الثُّلُثِ عن ثَمَنِه، فالثَّمَنُ للورثةِ؛ لأنَّ الوصيةَ بَطَلَتْ لتَعَذُّرِ العَمَلِ بها، فأشْبَهَ ما لو وَصَّى لرجلٍ فمات قبلَ مَوْتِ المُوصِي، أو بعدَه ولم يَدَعْ وارِثًا.
ولا يَلْزَمُ الورثةَ شِراءُ عَبْدٍ آخَرَ؛ لأنَّ الوصيةَ لمُعَيَّنٍ، فلا تُصْرَفُ إلى غيرِه، فإنِ اشْتَرَوْه بأقَلَّ مِن ذلك، فالباقي للورثةِ.
وقال الثَّوْرِيُّ: يُدْفَعُ جميعُ الثَّمنِ إلى سَيِّدِ العَبْدِ؛ لأنَّه قَصَد إرْفاقَه بالثَّمَنِ ومُحاباتَه، فأشْبَهَ ما لو قال: بِيعُوه عَبْدِي بخَمْسِمائةٍ.
وقِيمَتُه

..................................  أكْثَرُ منها، وكما لو وَصَّى أن يَحُجَّ عنه فلانٌ بخَمْسِمائةٍ، وهي أكْثرُ مِن أجْرِ المِثْلِ.
وقال إسحاقُ: يُجْعَلُ بَقِيَّةُ الثَّمَنِ في العِتْقِ، كما لو وَصَّى أن يُحَجَّ عنه بخَمْسِمائةٍ، رُدَّ ما فَضَل في الحَجِّ.
ولَنا، أنَّه أمَرَ بشِرائِه بخَمْسِمائةٍ، فكان ما فَضَل مِن الثَّمنِ راجِعًا إليه، كما لو وَكَّلَ في شِرائِه في حَياتِه، وفارَقَ ما إذا أوْصَى أن يَحُجَّ عنه رجل بخَمْسِمائةٍ؛ لأن القَصْدَ ثَمَّ إرْفاقُ الذي يَحُجُّ بالفَضْلَةِ، وفي مسألَتِنا المَقْصُودُ العِتْقُ.
ويُفارِقُ ما إذا أوْصَى أن يُحَجَّ عنه بخَمْسِمائةٍ لغيرِ معَيَّنٍ؛ لأنَّ الوصيةَ ثَمَّ للحَجِّ مُطْلَقًا، فتُصْرَفُ جَميعُها فيه، وههُنا لمُعَيَّنٍ فلا تَتَعدّاه.
وقولُه: إنَّه قَصَد إرْفاقَ زيدٍ ومُحاباتَه به.
قلنا: إن كانت ثَمَّ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على ذلك، إمّا لكونِ البائِعِ صَدِيقَه، أو ذا حاجَةٍ، أو مِن أهلِ الفَضلِ الذين يُقْصدُونَ بهذا، أو كان يَعْلَمُ حُصُولَ العبدِ بدُونِ الخَمْسِمائة؛ لقِلَّةِ قِيمَتِه، فإنَّه يُدْفَعُ جَميعُ الثَّمَنِ إلى زيدٍ، كما لو صَرَّحَ بذلك، فقال: ادْفَعُوا إليه جَمِيعَها وإن بَذَلَه بدُونِها.
وإن عُدِمَتْ هذه القَرائِنُ، فالظّاهِرُ أنَّه إنَّما قَصَد العِتْقَ، وقد حَصَل، فكان الثَّمَنُ عائِدًا إلى الوَرَثَةِ، كما لو أمَرَه بالشِّراءِ في حَياتِه.
قال شيخُنا 1: وهذا الصحيحُ، إن شاء الله تعالى.
فصل: ولو أوْصَى أن يُشْتَرَى عبدٌ بألْفٍ فيُعْتَقَ عنه، فلم يَخْرُجْ مِن ثُلُثِه، اشْتُرِيَ عَبْدٌ بالثُّلُثِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ الوصيةُ؛ لأنَّه أمَرَ بشِراءِ عبدٍ بألْفٍ، فلا يَجُوزُ للمَأْمُورِ الشِّراءُ بدُونِه،

..................................  كالوَكِيلِ.
ولَنا، أنَّها وصيةٌ يَجِبُ تَنْفِيذُها إذا احْتَمَلَها الثُّلُثُ، فإذا لم يَحْمِلْها وَجَب تَنْفِيذُها فيما حَمَلَه، كما لو وَصَّى بعِتْقِ عَبْدٍ فلم يَحْمِلْه الثُّلُثُ، وفارَقَ الوَكالةَ، فإنَّه لو وَكَّلَه في إعْتاقِ عَبْدٍ لم يَمْلِكْ إعْتاقَ بَعْضِه، ولو وَصَّى إليه بإعْتاقِ عبدٍ، أعْتَقَ منه ما يَحْتَمِلُه الثُّلُثُ.
فإن حَمَلَه الثُّلُثُ، فاشْتَراه وأعْتَقَه، ثم ظَهَر على المَيّتِ دَين يَسْتَغْرِقُ المال، فالوصيةُ باطِلَة، ويُرَدُّ العبدُ إلى الرِّقِّ إن كان اشْتَراه بعَينِ المالِ؛ لأننا تَبَيَّنّا أنَّ الشِّراءَ باطِل، لكونِه اشْتَرَى بمالٍ مُسْتَحَقٍّ للغُرَماءِ بغيرِ إذْنِهم، وإن كان اشْتَراه في الذِّمَّةِ، صَحَّ الشِّراءُ، ونَفَذ العِتْقُ، وعلى المُشْتَرِي غرامَةُ ثَمنِه، لا يَرْجِعُ به على أحَدٍ؛ لأنَّ البائِعَ ما غَرَّه، إنَّما غَرَّه المُوصِي، ولا تَرِكَةَ له فيَرْجِعَ عليها.
وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يُشارِكَ الغُرَماءَ في التَّرِكَةِ، ويَضْرِبَ معهم بقَدْرِ دَينِه؛ لأنَّ الدَّينَ غرمَه بتَغْرِيرِ المُوصِي، فيَرْجِعُ به عليه، فإذا كان مَيِّتًا لَزِمَه في تَرِكَتِه، كأَرْشِ جِنايَتِه.
فصل: وإن وَصَّى بشِراءِ عَبْدٍ 1 وأطْلَقَ، أو بِبَيعِ عبدِه وأطْلَقَ، فالوصيةُ باطِلَةٌ؛ لأنَّ الوصيةَ لا بُدَّ لها مِن مُسْتَحِق، ولا مُسْتَحِقَّ ههُنا.
فإن وَصَّى ببَيعِه بشَرْطِ العِتْقِ، صَحَّتِ الوصيةُ، وبِيعَ كذلك؛ لأنَّ في البَيعِ ههُنا 2 نَفْعًا للعَبْدِ بالعِتْقِ.
فإن لم يُوجَدْ مَن يَشْتَرِيه كذلك، بَطَلَتِ الوصيةُ؛ لتَعَذُّرِها، كما لو وَصَّى بشِراءِ عَبْدٍ يُعْتَقُ، فلم يَبِعْه سَيِّدُه.
وإن وَصَّى ببَيعِه لرجلٍ بعَينِه بثَمَنٍ مَعْلُومٍ، بِيعَ به (2)؛ لأنَّه قَصَد إرْفاقَه

وَإِنْ وَصَّى في أَبْوَابِ الْبِرِّ صُرِفَ في الْقُرَبِ.
وَقِيلَ عَنْهُ: يُصْرَفُ في أَرْبَعِ جِهَاتٍ؛ في أقَارِبِهِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ.
وَعَنْهُ، فِدَاءُ الْأَسْرَى مَكَانَ الْحَجِّ.
بذلك في الغالِبِ.
وإن لم يُسَمِّ ثَمَنًا، بِيعَ بقِيمَتِه، وتَصِحُّ الوصيةُ؛ لكونِه قَصَد إيصال العَبْدِ المُعَيَّنِ إلى رجل بعَينِه، فيَحْتَمِلُ أن يتَعلَّقَ الغَرَضُ بإرْفاقِ العَبْدِ بإيصاله إلى مَن هو مَعْرُوفٌ بحُسْنِ المِلْكِ وإعْتاقِ الرِّقاب.
ويَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ إرْفاقَ المُشْتَرِي لمعنًى يَحْصُلُ له مِن العبدِ.
فإن تَعذَّرَ بَيعُه لذلك الرجل، أو أبى أن يَشْتَرِيَه بالثَّمنِ، أو بقِيمَتِه إن لم يُعَيِّنِ الثَّمَنَ، بَطَلَتِ الوصية.

2695 -

مسألة: (وإن وَصَّى في أبوابِ البِرِّ)

فقال شيخُنا: يُصْرَفُ في القُرَبِ كلِّها؛ لأنَّ اللَّفْظَ للعُمُومِ، فيَجِبُ حَمْلُه على عُمُومِه، ولا يجوزُ تَخْصِيصُ العُمُومِ بغيرِ دَلِيلٍ (وقيل) عن أحمدَ: (يُصْرَفُ في أرْبعِ جِهاتٍ؛ في الأقارِب، والمَساكِينِ، والحَجِّ، والجِهادِ.
وعنه، فِداءُ الأسْرَى مكانَ الحَجِّ) لأنَّ الصدقةَ على الأقارِبِ صدقةٌ وصِلَةٌ، والمَساكِينُ مَصارِفُ الصدقاتِ، والزكاةُ والحَجُّ والجِهادُ مِن أكْبَرِ شَعائِرِ

..................................  الإِسلامِ، وفِداءُ الأسْرَى مِن أعْظَمِ القُرُباتِ.
وقد نَقَلَ المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ، في مَن أوْصَى بثُلُثِه في أبوابِ البِرِّ: يُجَزَّأُ ثلاثةَ أجْزاءٍ؛ جُزْءًا في الجِهادِ، وجُزْءًا يُتَصَدَّقُ به في أقارِبِه، وجُزْءًا في الحَجِّ.
وقال في رِوايةِ أبي داودَ: الغَزْوُ يُبْدأُ به.
وحُكِيَ عنه، أنّه جَعَل جُزْءًا في فِداءِ الأسْرَى.
قال شيخُنا 1: وهذا، واللهُ أعلمُ، ليس على سَبِيلِ اللزُومِ والتّحْدِيدِ، بل يجوزُ صَرْفُه في جِهَاتِ البِرِّ كلِّها؛ لأنَّ اللَّفْظَ للعُمُومِ، فيَجِبُ حَمْلُه على عُمُومِه، ولأنّه رُبما كان غيرُ هذه الجِهاتِ أحْوَجَ مِن بعضِها وأحَقَّ، فقد تَدْعُو الحاجَةُ إلى تَكْفِينِ مَيِّتٍ، وإصلاحِ طَرِيقٍ، وإعْتاقِ رَقَبَةٍ، وقَضاءِ دَينٍ، وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ، أكْثرَ مِن دُعائِها إلى حَجِّ مَن لا يَجِبُ عليه الحَجُّ، فيُكَلَّفُ وُجُوبَ ما لم يكنْ عليه واجِبًا، وتَعَبًا كان الله تعالى قد أراحَه منه، مِن غيرِ مَصْلَحَةٍ تَعُودُ على أحَدٍ مِن خَلْقِ اللهِ تعالى، فتَقْدِيمُ هذا على ما مَصْلَحَتُه ظاهِرَةٌ والحاجَةُ إليه داعِيَة بغيرِ دَلِيلٍ، تَحَكُّمٌ لا مَعْنَى له.

..................................  فصل: وإن قال: ضَعْ ثُلُثِي حيث أراك الله.
فله صَرْفُه في أيِّ جِهَةٍ مِن جِهاتِ القُرَبِ رَأى وَضْعَه فيها، عَمَلًا بمُقْتَضَى وَصِيَّتِه.
وذَكَر القاضي أنَّه يَجِبُ صَرْفُه إلى الفُقَراءِ والمَساكِينِ، والأفْضَلُ صَرْفُه إلى فُقَراءِ أقارِبِه، فإن لم يَجِدْ، فإلى مَحارِمِه مِن الرَّضاعِ, فإن لم يَكُنْ، فإلى جِيرانِه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يَجِبُ ذلك؛ لأنَّه رَدَّه إلى اجْتِهادِه فيما فيه الحَظُّ، وهذا أحَظُّ.
ولَنا، أنَّه قد يَرَى غيرَ هذا أهَمَّ منه وأصْلَحَ، فلا يجوزُ تَقْيِيدُه بالتَّحَكُّمِ.
ونَقَل أبو داودَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِل عن رجلٍ أوْصَى

وَإِنْ وَصَّى أنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ، صُرِفَ في حَجَّةٍ بَعْدَ أخْرَى حَتَّى تَنْفَدَ، وَيُدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ مَا يَحُج بِهِ.
بثُلُثِه في المَساكِينِ، وله أقارِبُ مَحاويجُ، فلم يُوصِ لهم بشيءٍ ولم يَرِثُوا، فإنَّه يُبْدأُ بهم، فإنَّهم أحَقُّ.
قال: وسُئِلَ عن النَّصْرانِيِّ يُوصِي بثُلُثِه للفُقَراءِ مِنِ المسلمين، أيُعْطَى إخْوَتُه وهم فُقَراءُ؟ قال: نعم، هم أحَقُّ، يُعْطَوْن خمْسِين درْهَمًا لا يُزادُونَ على ذلك.
يَعْنِي لا يُزادُ كلُّ واحِدٍ منهم على ذلك؛ لأنّهَ القَدْرُ الذي يَحْصُلُ به الغِنَى.

2696 -

مسألة: (وإن وَصَّى أن يُحَجَّ عنه بألْفٍ، صُرِفَ في حَجَّةٍ بعدَ أُخْرَى حتَّى تَنْفَدَ)

إذا أوْصَى أن يُحَجَّ عنه بقَدْرٍ مِن المالِ، صُرِف جَمِيعُ ذلك في الحَجِّ إذا حَمَلَه الثُّلُثُ؛ لأنه وَصَّى به في جِهَةِ قُرْبَةٍ، فوَجَبَ صَرْفُه فيها، كما لو وَصَّى في سَبِيلِ اللهِ تعالى.
وليس للوَصِيِّ أن يَصْرِفَ

..................................  إلى مَن يَحُجُّ أكْثَرَ مِن نَفَقَةِ المِثْلِ؛ لأنَّه أطْلَقَ له التَّصَرُّفَ في المُعاوَضَةِ، فاقْتَضَى عِوَضَ المِثْلِ، كالتَّوْكِيلِ في البَيعِ.
ثم لا يَخْلُو؛ إمّا أن يكونَ بقَدْرِ نَفَقةِ المِثْلِ لحَجَّةٍ واحِدَةٍ، فيُصْرَف فيها، أو ناقِصًا، فيُحَجَّ به مِن حيثُ يَبْلُغُ، في ظاهِرِ مَنْصُوصِ أحمدَ، فإنَّه قال في رِوايةِ حَنْبَلٍ، في رجلٍ أوْصَى أن يُحَجَّ 1، ولا تَبْلُغُ النَّفَقَةُ، فقال: يُحَجُّ عنه مِن حيثُ تَبْلُغُ النَّفَقةُ للرّاكِبِ مِن أهلِ مَدِينَتِه.
وهذا قولُ العَنْبَرِيِّ.
وقال القاضِي: يُعان به في الحَجِّ.
وهو قولُ سَوَّارٍ القاضِي.
حَكاه عنه العَنْبَرِيُّ.
وعن أحمدَ، أنَّه مُخَيَّرٌ في ذلك؛ فإنَّه قال في روايةِ أبي داودَ، في امرأةٍ أوْصَتْ بحَجٍّ لا يَجِبُ عليها: أرَى أن يُؤْخَذَ ثُلُثُ مالِها، فيُعَانَ به في الحَجِّ، أو يُحَجَّ به مِن حيث يَبْلُغُ.
فإن كان يَفْضُلُ عنِ الحَجَّةِ، دُفِع في حَجَّةٍ ثانيةٍ وثالثةٍ، إلى أن يَنْفَدَ، أو يَبْقَى ما لا يَبْلُغُ حَجَّةً، فيُحَجُّ به مِن حيثُ يَبْلُغُ، أو يُعانُ

..................................  به في الحَجِّ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيه.
ولا يَسْتَنِيبُ في الحَجِّ مع الإمْكانِ إلَّا مِن بَلَدِ المَحْجُوجِ عنه؛ لأنَّه نائِبٌ عن المَيِّتِ وقائِمٌ مَقامَه، فيَنُوبُ عنه مِن مَوْضِعٍ لو حَجَّ المَنُوبُ عنه لحَجَّ منه.
فإن كان المُوصَى به لا يَحْمِلُه الثُّلُثُ، لم يَخْلُ مِن أن يكونَ الحَجُّ فَرْضًا أو تَطَوُّعًا، فإن كان فَرْضًا أُخِذ أكثَرُ الأمْرَين؛ مِن الثُّلُثِ أو القَدْرِ الكافِي لحَجِّ الفَرْضِ، إن كان قد أوْصَى بالثُّلُثِ، فإن كان الثُّلُثُ أكْثَرَ، أُخِذَ، ثم يُصْرَفُ منه في الفَرْضِ قَدْرُ ما يَكْفِيه، ثم يُحَجُّ بالباقِي تَطَوُّعًا حتَّى يَنْفَدَ، كما ذَكَرْنا مِن قبلُ.
وإن كان الثُّلُثُ أقَلَّ، تُمِّمَ قَدْرُ ما يَكْفِي الحَجَّ مِن رأسِ المالِ.
وبهذا قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ: كلُّ واجِبٍ مِن رأسِ المالِ.
وقال ابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِيُّ، والشعْبِيُّ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وداودُ ابنُ أبي هِنْد: إن وَصَّى بالحَجِّ

جارٍ التحميل