الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 369-408

كِتَابُ النَّفَقَاتِ

صفحات 369-408

..................................  بِعُنَّتِه 1، أو قالت بعدَ العَقْدِ: قد رَضِيتُ به عِنِّينًا.
ولَنا، أنَّ وُجُوبَ النَّفقةِ يتَجَدَّدُ في 2 كلِّ يومٍ، فيَتَجَدَّدُ لها الفَسْخُ، ولا يَصِحُّ إسْقاطُ حَقِّها فيما لم يَجِبْ لها، كإسْقاطِ شُفْعَتِها قبلَ البَيْعِ، ولذلك 3 لو أسْقَطَتِ النَّفقةَ المُسْتَقْبَلَةَ لم تَسْقُطْ، ولو أسْقَطَتْها 4 أو أسْقَطَتِ المَهْرَ قبلَ النِّكاحِ لم يَسْقُطْ، وإذا لم يَسْقُطْ وُجُوبُها، لم يَسْقُطِ الفَسْخُ الثَّابِتُ به.
وإن أعْسَرَ بالمَهْرِ، وقُلْنا: لها الفَسْخُ [لإِعْسارِه به] 5. فرَضِيَتْ بالمُقامِ، لم يكنْ لها الفَسْخُ؛ لأَنَّ وُجُوبَه لم يتَجَدَّدْ، بخِلافِ النَّفقَةِ، فإن تزَوَّجَتْه عالمةً بإعْسارِه بالمَهْرِ، رَاضِيَةً بذلك، فيَنْبَغِى أن لا تَمْلِكَ الفَسْخَ بإعْسارِه؛ لأنَّها رَضِيَتْ بذلك في وَقْتٍ لو أسْقَطَتْه فيه سَقَطَ.
فصل: وإذا رَضِيَتْ بالمُقَامِ مع ذلك، لم يَلْزَمْها التَّمْكِينُ مِن الاسْتِمْتاعِ؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ إليهِا عِوَضَه، فلم يَلْزَمْها تَسْلِيمُه، كما لو أعْسَرَ

..................................  المُشْتَرِى بثَمَنِ المَبِيعِ، لم يجبْ تَسْلِيمُه إليه، وعليه تَخْلِيةُ سَبِيلِها لتَكْتَسِبَ لها، وتُحَصِّلَ ما تُنْفِقُه عليها؛ لأَنَّ في حَبْسِها بغيرِ نَفَقةٍ إضْرَارًا بها.
وإن كانت مُوسِرَةً، لم يكنْ له حَبْسُها؛ [لأنَّه إنَّما] 1 يَمْلِكُ حَبْسَها إذا كَفاها المُؤْنةَ، وأغْناهَا عمَّا لابدَّ لها منه، ولحاجَتِه إلى الاسْتِمْتاعِ الواجبِ له 2 عليها، فإذا انْتَفَى الأمْران، لم يَمْلِكْ حَبْسَها.

وَإِنْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ، أَوْ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ، أَوِ الْمُتَوَسِّطِ، أَوِ

3985 - مسألة: (وإن أعْسَرَ بِنَفَقَةِ الخادِمِ، أو النَّفَقَةِ الماضِيَةِ،

الْأُدْمَ، أَوْ نَفَقَةِ الْخَادِمِ، فَلَا فَسْخَ لَهَا، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِى ذِمَّتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: تَسْقُطُ.
أو نَفَقَةِ المُوسِرِ، أو المُتَوَسِّطِ، أو الاُّدْمِ، فلا فَسْخَ لها، وتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِى ذِمَّتِهِ.
وقال القاضى: تَسْقُطُ) إذا أعْسَرَ بالنَّفقةِ الماضِيَةِ، لم يكنْ لها الفَسْخُ؛ لأنَّها دَيْنٌ يقومُ 1 البَدَنُ بدُونِها 2، فأشْبَهَتْ سائِرَ الدُّيونِ، وكذلك إن أعْسَرَ بنَفَقةِ المُوسِرِ أو المُتَوَسِّطِ، فلا فَسْخَ لها 3؛ لأَنَّ الزِّيادَةَ تَسْقُطُ بإعْسارِه، ويُمْكِنُ الصَّبْرُ عنها، وكذلك إن أعْسَرَ بنَفَقةِ الخادِمَ أو الأُدْمَ؛ لذلك 4.

وَإِنْ أَعْسَرَ بِالسُّكْنَى أَوِ الْمَهْرِ، فَهَلْ لَهَا الْفَسْخُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ.

3986 - مسألة: ويَثْبُتُ ذلك

(1) فِى ذِمَّتِهِ، وكذلك إن أعْسَرَ بالمَسْكَنِ، وقلنا: لا يَثْبُتُ لها الفَسْخُ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال القاضى: لا يَثْبُتُ؛ لأنَّه مِن الزَّوائِدِ، فلم يَثْبُتْ في ذِمَّتِه، كالزَّائِدِ (2) عن الواجبِ عليه.
ولَنا، أنَّها نَفَقةٌ تَجِبُ على سَبِيلِ العِوَضِ، فتَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، كالنَّفَقةِ الواجبَةِ للمرأةِ قُوتًا، وهذا فيما عَدا الزَّائِدَ على نَفَقةِ المُعْسِرِ، فإنَّ ذلك يَسْقُطُ بالإِعْسارِ.
3987 -

مسألة: (وإن أعْسَرَ بالسُّكْنَى أو المَهْرِ، فهل لها الفَسْخُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن)

إذا أعْسَرَ بأُجْرَةِ المَسْكَنِ، فلها الخِيارُ في12

..................................  أحَدِ الوجْهَيْن؛ لأنَّه ممَّا لا بُدَّ منه، أشْبَهَ النَّفقةَ والكُسْوَةَ.
والثانى، لا خِيارَ لها؛ لأَنَّ البِنْيَةَ 1 تقُومُ بدُونِه.
وهذا الوَجْهُ الذى ذكَرَه القاضى.
وإن أعْسَرَ بالصَّداقِ ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، ليس لها الفَسْخُ.
اخْتارَه ابن حامِدٍ.
والثانى، لها الفَسْخُ.
اخْتارَه أبو بكرٍ، لأنَّه أعْسَرَ بالعِوَضِ، فكان لها الرُّجُوعُ في المُعَوَّضِ، كما لو أعْسَرَ بثَمَنِ مَبِيعِها.
والثالثُ، إن أعْسَرَ قبلَ الدُّخُولِ، فلها الفَسْخُ، كما لو أفْلَسَ المُشْتَرِى والمَبِيعُ بحالِه، وإن كان بعدَ الدُّخُولِ، لم تَمْلِكِ الفَسْخَ؛ لأَنَّ المَعْقُودَ عليه قد اسْتُوفِىَ، فأشْبَهَ ما لو أفْلَسَ المُشْتَرِى بعدَ [تَلَفِ المَبِيعِ] 2 أو بَعْضِه.
وهذا المَشْهُورُ في المذهَبِ.
واخْتارَ شَيْخُنا 3 الرِّوايةَ الأُولَى؛ لأنَّه دَيْنٌ، فلم يُفْسَخِ النِّكاحُ للإِعْسارِ به، كالنَّفَقةِ الماضِيَةِ، ولأَنَّ تأْخِيرَه ليس فيه ضَرَرٌ مُجْحِفٌ، فأشْبَهَ نَفَقةَ الخادِمِ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على

..................................  الثَّمنِ في المَبِيعِ 1؛ لأَنَّ الثَّمنَ كلُّ مَقْصُودِ البائِعِ، والعادَةُ تَعْجِيلُه، والصَّداقُ فَضْلَةٌ ونِحْلَةٌ، ليس هو المَقْصُودَ في النِّكاحِ، ولذلك 2 لا يَفْسُدُ النِّكاحُ بفَسادِه، ولا بتَرْكِ ذِكْرِه، والعادَةُ تأخِيرُه، ولأَنَّ أكثرَ مَن يَشْتَرِى بثَمَنٍ حالٍّ يكونُ مُوسِرًا به، وليس الأكْثَرُ أنَّ مَن يتَزَوَّجُ بمَهْرٍ يكونُ مُوسِرًا به، ولا يَصِحُّ قِياسُه على النَّفقةِ؛ لأَنَّ الضَّرُورَةَ لا تَنْدَفِعُ إلَّا بها، بخِلافِ الصَّداقِ، فأشْبَهُ شئٍ به النَّفقةُ الماضِيَةُ.
وللشافعىِّ نحوُ هذه الوُجُوهِ.
وإذا قُلْنا: لها الفَسْخُ للإِعْسارِ به.
فتَزَوَّجَتْه عالِمَةً بعُسْرَتِه، فلا خِيارَ لها، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّها رَضِيَتْ به كذلك.
وكذا إن عَلِمَتْ عُسْرَتَه فرَضِيَتْ بالمُقَامِ 3، سَقَطَ حَقُّها مِن الفَسْخِ؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإسْقاطِ حَقَّها بعدَ وُجُوبِه، فسَقَطَ، كما لو رَضِيَت بعُنَّتِه.

وَإِنْ أَعْسَرَ زَوْجُ الْأَمَةِ، فَرَضِيَتْ،

3988 - مسألة: (وإن أعْسَرَ زَوْجُ الأمَةِ فرَضِيَتْ، لم يَكُنْ)

لِسَيِّدِها (الفَسْخُ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لَهُ ذلك) وجملةُ ذلك، أنَّ نَفقةَ الأمَةِ المُزَوَّجَةِ حَقٌّ لها [ولسَيِّدِها] 1؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منهما ينْتَفِعُ بها، ولكُلِّ واحدٍ منهما طَلَبُها إذا امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِن أدائِها، ولا يَمْلِكُ واحدٌ منهما إسْقاطَها؛ لأَنَّ في سُقُوطِها بإسْقاطِ أحَدِهِما ضَرَرًا بالآخَرِ.
فعلى هذا، إن أعْسَرَ الزَّوجُ بها 2، فلها الفَسْخُ؛ لأنَّه عَجَزَ عن نَفَقَتِها، فمَلَكَتِ الفَسْخَ، كالحُرَّةِ.
وإن لم تَفْسَخْ، فقال القاضى: لسَيِّدِها الفَسْخُ؛ لأَنَّ عليه ضَرَرًا في عَدَمِها 3، لِما يتَعَلَّقُ بفَواتِها مِن فَواتِ مِلْكِه وتَلَفِه 4، فإن أنْفَقَ عليها سَيِّدُها مُحْتَسِبًا بالرُّجوعِ، فله الرُّجُوعُ بها على الزَّوجِ، رَضِيَتْ بذلك أو كَرِهَتْ؛ لأَنَّ الدَّيْنَ خالِصُ حَقِّه، لا حَقَّ لها

أَوْ زَوْجُ الصَّغِيرَةِ، أَوِ الْمَجْنُونَةِ، لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِنَّ الْفَسْخُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ.
فيه، وإنَّما (1) تَعَلَّقَ حَقُّها بالنَّفقةِ الحاضِرَةِ، لوُجُوبِ صَرْفِها إليها، وقِوامِ بَدَنِها به، بخِلافِ الماضِيَةِ.
وقال أبو الخَطَّابِ، وأصْحابُ الشافعىِّ: ليس لسَيِّدِها الفَسْخُ لعُسْرَةِ زَوْجِها بالنَّفَقَةِ؛ لأنَّها حَقٌّ لها، فلم يَمْلِكْ سَيِّدُها الفَسْخَ دُونَها، كالفَسْخِ للعَيْبِ (2). فإن كانت مَعْتُوهَةً، أنْفَقَ المَوْلَى، وتكونُ النَّفقةُ دَيْنًا له (3) في ذِمَّةِ الزَّوجِ.
وإنْ كانت عاقِلَةً قال لها السَّيِّدُ: إن أرَدْتِ النَّفَقةَ، فافْسَخِى النِّكاحَ، وإلَّا فلا نَفَقَةَ لكِ عندِى.

3989 -

مسألة: وإن أعْسَرَ (زَوْجُ الصَّغِيرَةِ أو المَجْنُونَةِ)

لم يَكُنْ لِوَلِيِّهِما الفَسْخُ؛ لأنَّه فَسْخٌ لنِكاحِها، فلم يكنْ له ذلك، كالفَسْخِ بالعَيْبِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ الفَسْخَ؛ لأنَّه فَسْخٌ لِفَواتِ العِوَضِ، فمَلَكَه، كفَسْخِ البَيْعِ (4) لتَعَذُّرِ الثَّمنِ.

فصل

: وإنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجان في الإِنْفاقِ عليها، أو في تَقْبِيضِها نَفَقَتَها،1234

..................................  فالقولُ قولُ المرأةِ؛ لأنَّها مُنْكِرَةٌ، والأصلُ معها.
وإنِ اخْتَلَفا في يَسارِه، فادَّعَتْه المرأةُ لِيَفْرِضَ لها نَفَقةَ المُوسِرينَ 1، أو قالت: كُنْتَ مُوسِرًا.
وأنْكَرَ ذلك، فإن عُرِفَ له مالٌ، فالقولُ قَوْلُها، وإلَّا فالقولُ قولُه.
وبهذا كلِّه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وإنِ اخْتَلفا في فَرْضِ الحاكمِ للنَّفقةِ، أو في وَقْتِها، فقال: فَرَضَها منذُ شَهْرٍ 2. قالت: بل منذُ عام.
فالقولُ قولُه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال مالِكٌ: إن كان مُقِيمًا معها، فالقولُ قولُه، وإن كان غائِبًا عنها، فالقولُ قولُ المرأةِ مِن يومِ رَفَعَتْ أمْرَها إلى الحاكمِ.
ولَنا، أنَّ قولَه يُوافِقُ الأَصْلَ، فقُدِّمَ، كما لو كان مُقِيمًا معها.
وكُلُّ مَن قُلْنا: القولُ قولُه.
فَلِخَصْمِه عليه اليَمِينُ؛ لأنَّها دَعَاوٍ في المالِ، فأشْبَهَتْ دَعْوَى الدَّيْنِ، ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ولكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ» 3. وإن دَفَعَ الزَّوجُ إلى امْرأتِه نَفقةً وكُسْوَةً، أو بَعَثَ بها إليها، فقالتْ: إنَّما فَعَلْتَ ذلك تبَرُّعًا وهِبَةً.
قال: بل وفاءً للواجِبِ علىَّ.
فالقولُ قولُه؛ لأنَّه أعْلَمُ بنِيَّتِه، أشْبَهَ ما لو قَضَى دَيْنَه فاخْتَلَفَ هو وغَرِيمُه في نِيَّتِه.
وإن طَلَّقَ امرأتَه، وكانت حامِلًا فوَضَعَتْ، فقال: طَلَّقْتُكِ حامِلًا، فانْقَضَتْ عِدَّتُكِ بوَضْعِ الحَمْلِ، وانْقَطَعَتْ نَفَقَتُكِ ورَجْعَتُكِ.
قالت: بل بعدَ الوَضْعِ، فَلِىَ

فَصْلٌ: وَإِنْ مَنَعَ النَّفَقَةَ أَوْ بَعْضَهَا مَعَ الْيَسَارِ، وَقَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ، أَخَذَتْ مِنْهُ مَا يَكْفِيهَا وَيَكْفِى وَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛  النَّفقةُ، ولكَ الرَّجْعَةُ.
فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَقاءُ النَّفقةِ، وعَدَمُ المُسْقِطِ لها، وعليها العِدَّةُ، ولا رَجْعَةَ للزَّوْجِ؛ لإِقْرارِه بعَدَمِها (1). وإن رَجَعَ فصَدَّقَها، فله الرَّجْعَةُ؛ لأنَّها مُقِرَّةٌ [له بها] (2). ولو قال: طَلَّقْتُكِ بعدَ الوَضْعِ، فَلِىَ الرَّجْعَةُ، ولكِ النَّفقةُ.
قالت: بل وأنا حامِلٌ.
فالقولُ [قولُه؛ لأَنَّ [الأَصْلَ] (3) بقاءُ الرَّجْعةِ، ولا نَفَقةَ لها، ولا عِدَّةَ عليها؛ لأنَّها حَقٌّ للَّه تعالى، فالقول] (4) قولُها (5) فيها، فإن عادَ فصَدَّقَها، سَقَطَتْ رَجْعَتُه، ووَجَبَتْ لها النَّفقةُ، هذا في ظاهِرِ الحُكْمِ، فأمَّا فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، فيَنْبَنِى على ما [يَعْلَمُه مِن] (6) حقيقَةِ الأَمْرِ دُونَ ما قالَه.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وإن مَنَعَها النَّفقةَ أو بعْضَها مع اليَسارِ، وقَدَرَتْ له على مالٍ، أخَذَتْ منه ما يَكْفِيها ويَكْفِى وَلَدَها123456

لِقَوْلِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِهِنْدٍ، حِينَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِى مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِى وَوَلَدِى.
قَالَ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالْمَعْرُوفِ».
بالمَعْروفِ بغيرِ إذْنِه؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِهِنْدٍ حِينَ قالت له: إنَّ أبا سُفيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وليس يُعْطِينِى مِن النَّفقةِ ما يَكْفِينِى ووَلَدِى.
قال: «خُذِى ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ») 1 وجملةُ ذلك، أنَّ الزَّوجَ إذا لم يَدْفَعْ إلى زَوْجَتِه ما يجبُ لها عليه مِن النَّفقةِ والكُسْوَةِ، أو دَفَعَ إليها أقَلَّ مِن كِفايَتِها، فلها أن تَأْخُذَ مِن مالِه [الواجِبَ أو تمامَه، بإذْنِه و 2 بغيرِ إذْنِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ هِنْدٍ، وهو إذْنٌ لها في الأخْذِ مِن مالِه] 3 بغيرِ إذْنِه، ورَدٌّ لها إلى اجْتِهادِها في قَدْرِ كِفايَتِها وكِفايَةِ وَلَدِها، وهو مُتَناوِلٌ لأخْذِ تَمامِ الكِفايَةِ، فإنَّ ظاهِرَ الحديثِ دَلَّ على أنَّه كان يُعْطِيها بعضَ الكِفايَةِ، ولا يُتَمِّمُها لها، فرَخَّصَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لها في أخْذِ تَمامِ الكِفايةِ بغيرِ عِلْمِه؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ، فإنَّ النَّفقةَ لا غِنَى عنها، ولا قِوَامَ إلَّا بها، فإذا لم يَدْفَعْها الزَّوجُ ولم تأْخُذْها، أفْضَى إلى ضَياعِها وهَلاكِها، فرَخَّصَ لها في أخْذِ قَدْرِ نَفَقَتِها، دَفْعًا لحاجَتِها، ولأَنَّ النَّفقةَ تتَجَدَّدُ 4

وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ وَحَبَسَهُ، فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ، دَفَعَ النَّفَقَةَ إِلَيْهَا مِنْ مَالِهِ،  بتَجَدُّدِ الزَّمانِ شيئًا فشيئًا، فتَشُقُّ المُرافَعَةُ إلى الحاكمِ، والمُطالَبَةُ بها في كلِّ الأوْقاتِ، فلذلك رَخَّصَ لها في أخْذِها بغيرِ إذْنِ مَن هى عليه.
وذكر القاضى بينَها وبينَ الدَّيْنِ فَرْقًا آخَرَ، وهو أنَّ نَفقةَ الزَّوْجَةِ تَسْقُطُ بفَواتِ وَقْتِها عندَ بعضِ أَهْلِ العلمِ، ما لم يكُنِ الحاكمُ فَرَضَها لها، فلو لم تَأْخُذْ حَقَّها، أفْضَى إلى سُقُوطِها، والإِضْرارِ بها، بخِلافِ الدَّيْنِ، فإنَّه لا يَسْقُطُ عندَ أحَدٍ بتَرْكِ المُطالَبَةِ، فلا يُؤَدِّى تَرْكُ الأخْذِ إلى الإِسْقاطِ.

3990 -

مسألة: (فإن لم تَقْدِرْ، أجْبَرَه الحاكِمُ وحَبَسَه)

[إذا لم تَقْدِرْ على الأخْذِ مِن مالِه، رافَعَتْه إلى الحاكمِ، فيأْمرُه بالإِنفاقِ، ويُجْبِرُه عليه، فإن أبَى حَبَسَه] 1، فإن صبَر على الحَبْسِ ولم يُنْفِقْ، أخَذَ الحاكِمُ النَّفَقَةَ مِن مالِه فدَفَعَها إلى المَرْأةِ، فإن لم يَجِدْ إلَّا عُروضًا أو عَقارًا، باعَه في ذلك.
وبهذا قال مالِكٌ، والشافعىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ؛ النَّفقةُ في مالِه مِن الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، ولا يَبِيعُ عَرْضًا؛ لأَنَّ بَيْعَ مالٍ الإِنْسانِ لا يَنْفُذُ إلَّا بإذْنِه، أو إذْنِ وَلِيِّه، ولا وِلايَةَ على الرَّشِيدِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لهِنْدٍ: «خُذِى ما يَكْفِيكِ».
ولم يُفَرِّقْ، ولأَنَّ ذلك مالٌ له، فتُؤْخَذُ منه النَّفَقةُ، كالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، وللحاكمِ ولايَةٌ عليه إذا امْتَنَعَ، بدليلِ وِلاِيَتِه على دَراهِمِه ودَنانِيرِه.
وإن تَعَذَّرَتِ النَّفَقةُ

فَإِنْ غَيَّبَهُ، وَصَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ، فَلَهَا الْفَسْخُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ.
في حالِ غَيْبَتِه، وله وَكِيلٌ، فَحُكْمُ وَكِيلِه حُكْمُه في المُطالَبَةِ والأخْذِ مِن المالِ عندَ امْتِناعِه، وإن لم يكُنْ له وَكِيلٌ ولم تَقْدِرِ المرأةُ على الأخْذِ، أخَذَ لها الحاكمُ مِن مالِه، ويجوزُ بَيْعُ عَقارِه وعُروضِه في ذلك، إذا لم يَجِدْ (1) ما يُنْفِقُ سواه.
ويُنْفِقُ على المرأةِ يومًا بيَوْمٍ.
وبهذا (2) قال الشافعىُّ، ويحيى بنُ آدمَ.
وقال أصْحابُ الرَّأْى: يَفْرِضُ لها في كُلِّ شَهْرٍ.
ولَنا، أنَّ هذا تَعْجِيلٌ للنَّفَقةِ قبلَ وُجُوبِها، فلم يَجُزْ، كما لو عَجَّلَ لها أكْثَرَ مِن شَهْرٍ.

3991 -

مسألة: (فإن غَيَّبَ مالَه، وصَبَرَ على الحَبْسِ، فلها الفَسْخُ)

إذا لم يَقْدِرِ الحاكمُ له على مالٍ يأْخُذُه، أو لم يَقْدِرْ على النَّفَقةِ مِن مالِ الغائِبِ، فِى ظاهِرِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارِ أَبى الخَطَّاب.
واخْتارَ القاضى أنَّها لا تَمْلِكُ الفَسْخَ.
وهو ظاهِرُ مذهب الشافعىِّ؛ لَأنَّ الفَسْخَ في المُعْسِرِ لِعَيْبِ الإِعْسارِ، ولم يُوجَدْ ههُنا، ولأَنَّ المُوسِرَ في مَظِنَّةِ الأخْذِ مِن مالِه، وإذا امْتَنَعَ فرُبَّما لا يَمْتَنِعُ في غَدِه، بخِلافِ المُعْسِرِ.
ولَنا،12

..................................  أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَبَ في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهم، فأمَرَهُم بأن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقُوا 1. وهذا إجْبارٌ على الطَّلاقِ عندَ الامْتِناعِ مِن الإِنْفاقِ، ولأَنَّ الإِنْفاقَ عليها مِن مالِه مُتَعَذِّرٌ، فكان لها الخِيارُ، كحالِ الإِعْسارِ، بل هذا أَوْلَى بالفَسْخِ؛ فإنَّه إذا جازَ الفَسْخُ على المَعْذُورِ، فعلى غيرِه أَوْلَى، ولأَنَّ في الصَّبْرِ ضَرَرًا أمْكَنَ إزالَتُه بالفَسْخِ، فوَجَبَتْ إزالَتُه دَفْعًا للضَّرَرِ، [ولأنَّه نَوْعُ تَعَذُّرٍ] 2 يُجَوِّزُ الفَسْخِ، فلم يَفْتَرِقِ الحالُ بينَ المُعْسِرِ والمُوسِرِ، كأداءِ ثَمَنِ المَبِيعِ، فإنَّه لا فَرْقَ في جَوازِ الفَسْخِ بينَ أن يكونَ المُشْتَرِى مُعْسِرًا، وبينَ أن يَهْرُبَ قبلَ أداءِ الثَّمنِ، ولأَنَّ عَيْبَ الإِعْسارِ إنَّما جَوَّزَ الفَسْخَ لتَعَذُّرِ الإِنْفاقِ، بدليلِ أنَّه لو اقْتَرَضَ ما يُنْفِقُ عليها، أو تَبَرَّعَ له إنْسانٌ بدَفْعِ ما يُنْفِقُه، لم تَمْلِكِ الفَسْخَ.
وقولُهم: إنَّه يَحْتَمِلُ أن يُنْفِقَ فيما بعدَ هذا.
قُلْنا: وكذلك المُعْسِرُ، يَحْتَمِلُ أن يُعِينَه اللَّهُ تعالى، وأن يَقْتَرِضَ، أو يُعْطَى ما يُنْفِقُه، فاسْتَوَيا.

وَإِنْ غَابَ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً، وَلَمْ تَقْدِرْ لَهُ عَلَى مَالٍ، وَلَا الاسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ، فَلَهَا الْفَسْخُ، إِلَّا عِنْدَ الْقَاضِى، فِيمَا إِذَا لَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُهُ.

3992 - مسألة: (وإن غاب)

زَوْجُها (ولم يَتْرُكْ لها نَفَقَةً) فإن قَدَرَتْ له على مالٍ، أخَذَتْ بِقَدْرِ حاجَتِها؛ لحَدِيثِ هِنْدٍ (و) إن (لم تَقْدِرْ، ولا) قَدَرَتْ (على الاسْتِدانَةِ عليه، فلها الفَسْخُ، إلَّا عِنْدَ القاضِى، فيما إذا لم يَثْبُتْ إعْسارُه) وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ؛ لأَنَّ الفَسْخَ ثَبَتَ لِعَيْبِ الإِعْسارِ، ولم يَثْبُتِ الإِعْسارُ ههُنا.
وقد دَلَّلْنا على جَوازِ الفَسْخِ في المَسْأَلَةِ التى قبلَها، وهذه مِثْلُها، بلِ هى أَوْلَى؛ لأَنَّ الحاضِرَ رُبَّما إذا طالَ عليه الحَبْسُ أنْفَقَ، وهذا قد تكونُ غيْبَتُه بحيثُ لا يُعْلَمُ خَبَرُه، فيكونُ الضَّرَرُ فيه 1 أكْثَرَ.
فصل: ومَن وَجَبَتْ عليه نَفَقةُ زَوْجَتِه، وكان له عليها دَيْنٌ، [فأرادَ أن يَحْتَسِبَ عليها بدَيْنِه مكانَ نَفَقَتِها، فله ذلك إن كانَتْ مُوسِرَةً؛ لأَنَّ مَن 2 عليه حَقٌّ] 3، فله أن يَقْضِيَه 4 مِن أىِّ أمْوالِه شاءَ، وهذا مِن مالِه.

وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ فِى ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ.
وإن كانت مُعْسِرَةً، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأَنَّ قَضاءَ الدَّيْنِ إنَّما يجبُ في الفاضِلِ مِن قُوتِه، وهذا لا يفْضُلُ عنها، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بإنْظارِ المُعْسِرِ، بقولِه سُبْحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (1). فيجبُ إنْظارُها بما عليها.
فصل: وإذا أنْفَقَتِ المرأةُ على نَفْسِها مِن مالِ زَوْجِها الغائِبِ، ثم بانَ أنَّه قد ماتَ قبلَ إنْفاقِها، حُسِبَ عليها ما أنْفَقَتْه مِن مِيراثِها، سَواءٌ أنْفَقَتْه بنَفْسِها، أو بأمْرِ الحاكمِ.
وبهذا قال أبو العالِيَةِ، ومحمَدُ بنُ سِيرِينَ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهُم؛ لأَنَّها أنْفَقَتْ ما لا تَسْتَحِقُّ.
وإن فَضَلَ لها شئٌ، أخَذَتْه، وإن فَضل عليها شئٌ، وكان لها صَداقٌ أو دَيْنٌ على زَوْجها، حُسِبَ منه، وإن لم يكُنْ لها شئٌ، كان الفَضْلُ دَيْنًا عليها.
واللَّهُ أَعلمُ.

3993 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ الفَسْخُ في ذلك كلِّه إلَّا بِحُكْمِ

1

..................................  الحاكِمِ) كلُّ مَوْضِعٍ وجبَ لها الفَسْخُ لأجْلِ النَّفقةِ، لم يَجُزْ إلَّا بحُكْمِ حاكمٍ؛ لأنَّه فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فيه، فافْتَقَرَ إلى الحاكمِ، كالفَسْخِ بالعُنَّةِ، [ولا يجوزُ له الفَسْخُ إلَّا أن تَطْلُبَ المرأةُ ذلك؛ لأنَّه لحَقِّها، فلم يَجُزْ مِن غيرِ طَلَبِها، كالفَسْخِ للعُنَّةِ] 1. فإذا فَرَّقَ الحاكمُ بينَهما، فهو فَسْخٌ لا رَجْعَةَ له فيه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالِكٌ: هو تَطْلِيقَةٌ، وهو أحَقُّ بها إن أيْسَرَ في عِدَّتِها؛ لأنَّه تَفْرِيقٌ لامْتِناعِه مِن الواجِبِ عليه لها، فأشْبَهَ تَفْرِيقَه بينَ المُولِى وامرأتِه إذا امْتَنَعَ مِن الفَيْئَةِ 2 والطَّلاقِ.
ولَنا، أنَّها فرْقَةٌ لعَجْزِه عن الواجِبِ عليه 3، أشْبَهَتْ فرْقَةَ العُنَّةِ.
فأمَّا إن أجْبَرَه الحاكمُ على الطَّلاقِ، فطَلَّقَ أقَلَّ مِن ثلاثٍ، فله الرَّجْعَةُ عليها ما دامَتْ في العِدَّةِ.
فإن راجَعَها وهو مُعْسِرٌ، أو امْتَنَعَ مِن الإِنْفاقِ عليها، ولم يُمْكِنِ الأخْذُ مِن مالِه، فطَلَبَتِ المرأةُ الفَسْخَ، فللحاكِمِ الفَسْخُ؛ لبَقاءِ المُقْتَضِى له، أشْبَهَ ما قبلَ الطَّلاقِ.

بَابُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ

يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ وَوَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ، إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ، وَلَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ،  بابُ نَفَقةِ الأقاربِ والمماليكِ (يجبُ على الإِنْسانِ نفقةُ والدَيْه ووَلَدِه بالمَعْروفِ، إذا كانوا فُقَراءَ، وله ما يُنْفِقُ عليهم فاضِلًا عن نَفَقَةِ نَفْسِه وامْرأتِه) الأصْلُ في وُجُوبِ نَفَقةِ الوالدَيْن والموْلُودِين الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ، فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 1. وقال سُبْحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ 2. ومِن الإِحْسانِ الإِنْفاقُ عليهما عندَ حاجَتِهما.
وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لِهِنْدٍ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. ورَوَتْ عائشةُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّ مِنْ 4 أَطْيَبِ ما أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ».
رواه أبو داودَ 5. وأَمَّا الإِجْماعُ، فحَكَى 6 ابنُ

..................................  المُنْذِرِ 1، قال.
أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ نَفقةَ الوالِدَيْن الفَقِيرَيْن الَّذَيْن لا كَسْبَ لهما ولا مالَ، واجِبَةٌ في مالِ الوَلَدِ، وأجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، على أنَّ على المرءِ نَفَقةَ أوْلَادِه الأطْفالِ الذِين لا مالَ لهم.
ولأَنَّ وَلَدَ الإِنْسانِ بعْضُه، وهو بَعْضُ والِدِه، فكما يَجِبُ عليه أن يُنْفِقَ على نَفْسِه وأهْلِه، كذلك على بَعْضِه وأصْلِه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الأُمَّ تَجِبُ نَفَقَتُها، ويَجِبُ عليها نَفَقةُ وَلَدِها إذا لم يكُنْ له أبٌ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّه لا نَفَقةَ لها ولا عليها؛ لأنَّها ليستْ عَصَبةً لوَلَدِها.
ولَنا، قولُه سُبْحانَه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لرَجُلٍ سألَه: مَن أبَرُّ؟ قال: «أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَكَ، ثُمَّ أُمَكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ 2 الأقْرَبَ فالأقْرَبَ».
رواه أبو داودَ 3. ولأنَّها أحَدُ الوالِدَيْن، فأشْبَهَتِ الأبَ، ولأَنَّ بينَهما قَرابَةً تُوجِبُ رَدَّ الشهادةِ، ووُجُوبَ العِتْقِ 4، فأشْبَهَتِ الأبَ.
فإِنْ أعْسَرَ الأبُ، وجَبَتِ النَّفقةُ على الأُمِّ، ولم تَرْجِعْ بها عليه إن أيْسَرَ، وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: تَرْجِعُ عليه.
ولَنا، أنَّ مَن وَجَبَ عليه الإِنْفاقُ بالقَرابَةِ، لم يَرْجِعْ به، كالأبِ.

وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ سَائِرِ آبَائِهِ وَإِنْ عَلَوْا، وَأَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا،

3994 - مسألة: (ويَلْزَمُه نَفَقَةُ سائِرِ آبائِه وإن عَلَوْا، وأوْلادِه وإن سَفَلُوا)

وبذلك قال الشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال مالِكٌ: لا تَجِبُ النَّفَقةُ عليهم ولا لهم؛ لأَنَّ الجَدَّ ليس بأبٍ حَقِيقِىٍّ.
ولَنا، قولُه سُبْحانَه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ 1. ولأنَّه يَدْخُلُ في مُطْلَقِ اسْمِ الوَلَدِ والوالِدِ، بدليلِ أنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ 2. فيَدْخُلُ فيهم وَلَدُ البَنِينَ.
وقال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (2). وقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ 3. ولأَنَّ بينَهما قَرابَةً تُوجِبُ العِتْقَ ورَدَّ الشهادةِ، فأشْبَهَ الوَلَدَ والوالِدَينِ القَرِيبَيْنِ 4.

..................................  فصل: ويُشْتَرَطُ لوُجُوبِ الإِنْفاقِ ثَلاثَةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أن يكونُوا فُقَراءَ لا مالَ لهم، ولا كَسْبَ يَسْتَغنُونَ 1 به عن إنْفَاقِ غيرِهم، فإن كانُوا مُوسِرِينَ بِمَالٍ أو كَسْبٍ يَكْفِيهِم، فلا نَفَقةَ لهم؛ لأنَّها تَجِبُ على سبِيلِ المُواساةِ، والمُوسِرُ مُسْتَغْنٍ عن المُواساةِ.
الثانى، أن يكونَ لِمَن

..................................  تَجِبُ عليه النَّفقةُ ما يُنْفِقُ عليهم، فاضِلًا عن نَفَقةِ نَفْسِه، إمَّا مِن مالِه، وإمَّا مِن كَسْبِه.
فأمَّا مَن لا يَفْضُلُ عنه شئٌ، فليس 1 عليه شئٌ؛ لِما روَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذا كان أحَدُكُمْ فَقِيرًا، فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإن فَضَلَ، فعَلَى عِيالِهِ، فإنْ كان فَضْلٌ، فَعَلَى قَرابَتِهِ» 2. وفى لَفْظٍ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ».
حَدِيثٌ صَحِيحٌ 3 وروَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، عندِى دِينارٌ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ».
قال.
عندِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ».
قال: عندِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجِكَ».
قال: عندِى آخَرُ.
قال: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ».
قال: عندى آخَرُ.
قال: «أنْتَ أبْصَرُ».
روأه أبو داودَ 4. ولأنَّها مُواساةٌ، فلا تَجبُ على المُحْتاجِ، كالزَّكاةِ.
الثالثُ، أن يكونَ المُنْفقُ وارِثًا، لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
ولأَنَّ بينَ المُتَوارِثين قَرابَةً تَقْتَضِى كَوْنَ الوارِثِ أحَقَّ بمالِ المَوْرُوثِ مِن سائِرِ الناسِ، فيَنْبَغِى أن

..................................  يَخْتَصَّ بوُجُوبِ صِلَتِه بالنَّفَقةِ دُونَهم، فإن لم يكُنْ وَارِثًا لعَدَمِ القَرابَةِ، لم تَجِبْ عليه النَّفقةُ لذلك 1. فصل: ولا يُشْتَرَطُ في نَفَقةِ الوَالِدَيْن والمَوْلُودِين نَقْصُ الخِلْقَةِ، ولا نَقْصُ الأحْكامِ، في ظاهرِ الذَّهَبِ، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وقال القاضى: لا يُشْتَرَطُ ذلك في الوَالِدَيْن.
وهل يُشتَرَطُ ذلك في الوَلَدِ؟ فكلامُ أحمدَ يَقْتَضِى رِوايتَيْن؛ إحْداهما، تَلْزَمُ نَفَقَتُه؛ لأنَّه فَقِيرٌ.
والثانيةُ، أنَّه إن كان يَكْتَسِبُ فيُنْفِقُ على نَفْسِه، لم تَلْزَمْ نَفَقَتُه.
وهذا القولُ يَرْجِعُ إلى 2 الذى لا يَقْدِرُ على الكَسْبِ بما 3 يَقُومُ به تَلْزَمُ نَفَقَتُه، رِوايةً واحِدَةً، سواءٌ كان ناقِصَ الأَحْكامِ، كالصَّغِيرِ والمَجْنونِ، أو ناقِصَ الخِلْقَةِ، كالزَّمِنِ.
وإنَّما الرِّوايتانَ في مَن لا حِرْفَةَ له ممَّن يَقدِرُ على الكَسْبِ ببَدَنِه 4. وقال الشافعىُّ: يُشْتَرَطُ نُقْصانُه، إمَّا مِن طَريقِ الحُكْمِ، أو مِن طَريقِ الخِلْقَةِ.
وِقال أبو حنيفةَ: يُنْفَقُ على الغُلامِ حتى يَبْلُغَ، فإذا بَلَغَ صَحِيحًا انْقَطَعَتْ نفَقَتُه، ولا تَسْقُطُ نَفَقةُ الجارِيَةِ حتى تَتَزَوَّجَ.
ونحوَه قال مالِكٌ، إلَّا أنَّه قال: يُنْفَقُ على النِّساءِ حتى يتَزَوَّجْنَ ويَدْخُلَ بهِنَّ الأزْواجُ، ثم لا نَفقةَ لَهُنَّ، وإن طُلِّقْنَ قبل البِناءِ بِهِنَّ، فهُنَّ على نَفَقَتِهِنَّ.

وَتَلْزَمُهُ نَفَقَةُ كُلِّ مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ مِمَّنْ سِوَاهُمْ؛ سَواءٌ وَرِثَهُ الْآخَرُ أَوْ لَا، كَعَمَّتِهِ، وَعَتِيقِهِ، وَحُكِىَ عَنْهُ، إِنْ لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لهِنْدٍ: «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْرُوفِ» (1). ولم يَسْتَثْنِ منهم بالغًا ولا صحيحًا، ولأنَّه وَالِدٌ أو وَلَدٌ فَقِيرٌ، فاسْتَحَقَّ النَّفقةَ على والِدِه أو وَلَدِه الغَنِىِّ، كما لو كان زَمِنًا.
ووافَقَ أبو حنيفةَ على وُجُوبِ نَفَقَةِ الوالِدِ وإن كان صَحِيحًا، إذا لم يكنْ ذا كَسْبٍ.
وللشافعىِّ في ذلك قَوْلان، ولَنا، أنَّه والِدٌ مُحْتاجٌ، فأشْبَهَ الزَّمِنَ.

3995 -

مسألة: (وتَلْزَمُه نَفَقةُ كلِّ مَن يَرِثُه بِفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ مِمَّن سِواهُم، سَواءٌ وَرِثَه الآخَرُ أَوْ لا، كعَمَّتِهِ، وعَتِيقِه. وحُكِىَ عنه، إن لم يَرِثْه الآخَرُ، فلا نَفَقَةَ لَهُ)

ظاهِرُ المذهبِ أنَّ النَّفقةَ تجبُ على كلِّ وارثٍ لمَوْرُوثِه، إذا اجْتَمَعَتِ الشُّرُوطُ التى تَقَدَّمَ ذِكْرُها.
وهو الذى ذكَرَه الخِرَقِىُّ.
وبه قال الحسنُ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، والحسنُ بنُ صالحٍ، وابنُ أبى لَيْلَى، وأبو ثَوْرٍ.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، في1

..................................  الصَّبِىِّ المُرْضَعِ لا أبَ له 1، نَفَقَتُه وأجْرُ رَضاعِه على الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ.
وكذلك روَى [بكرُ بنُ محمدٍ] 2 عن أبِيه، عن أحمدَ، النَّفقةُ على العَصَباتِ.
وبه قال الأوْزاعِىُّ، وإسْحاقُ.
وذلك لِما رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَضَى على بَنِى عَمِّ مَنْفُوسٍ بنَفَقَتِه 3. احْتَجَّ به أحمدُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ 4: ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه حَبَسَ عَصَبَةً يُنْفِقُونَ على صَبِىٍّ، الرجالَ دُونَ النِّساءِ 5. ولأنَّها مُواساةٌ ومَعُونَةٌ تَخْتَصُّ القَرابَةَ 6، فاخْتَصَّتْ بالعَصَباتِ، كالعَقْلِ 7. وقال أصْحابُ الرَّأْى: تجبُ النَّفَقةُ على كلِّ ذِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، ولا تجبُ على غيرِهم، لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ 8.

..................................  وقال مالِكٌ، والشَّافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا نَفَقةَ إلَّا على المَوْلُودِين والوالدين؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لِرَجُلٍ سألَه: عندى دِينارٌ؟ قال: «أنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ».
قال: عندى آخَرُ.
قال: «أنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ».
قال: عندى آخَرُ.
قال: «أنْفِقْهُ عَلَى زَوْجِكَ».
قال: عندى آخَرُ.
قال: «أنْفِقْهُ عَلَى خَادمِكَ».
قال: عندى آخَرُ.
قال: «أنْتَ أبْصَرُ».
رواه أبو داودَ 1. ولم يأْمُرْه بإنْفاقِه على غيرِ هؤلاءِ، ولأَنَّ الشَّرْعَ إنَّما ورَدَ بنَفَقَةِ الوالدين والمَوْلُودِين، ومَن سِوَاهُم لا يَلْحَقُ بهم في الوِلادَةِ وأحْكامِها، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليهم.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
فَأوْجَبَ على الأَبِ نَفَقةَ الرَّضاعِ، ثم عَطَفَ الوَارِثَ عليه، فأوْجَبَ على الوَارِثِ مِثْلَ ما أوْجَبَ على الوالِدِ.
ورُوِىَ أنَّ رَجُلًا سألَ

..................................  النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: مَن أبَرُّ؟ قال: «أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخَاكَ» 1. وفى لَفْظٍ: «ومَوْلَاكَ الذى هو أدْنَاكَ، حَقًّا وَاجبًا، ورَحِمًا مَوْصُولًا».
رواه أبو داودَ (1). وهذا نَصٌّ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَلْزَمَه الصِّلَةَ والبِرَّ، والنَّفَقةُ مِن الصِّلَةِ، جَعَلَها حَقًّا واجِبًا، وما احْتَجَّ به أبو حنيفةَ حُجَّةٌ عليه، فإنَّ اللَّفْظَ عامٌّ في كُلِّ ذِى رَحِمٍ 2. فيكونُ حُجَّةً عليه في مَن عَدا الرَّحِمِ المَحْرَمِ 3، وقد اخْتَصَّتْ بالوارِثِ في الإِرْثِ، فكذلك في الإِنْفاقِ.
وأمَّا خَبَرُ أصْحابِ الشافعىِّ، فقَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أنَّه لم يكُنْ له غيرُ مَن أُمِرَ بالإِنْفاقِ عليه، ولهذا لم يَذْكُرِ الوالِدَ والأجْدادَ وأوْلادَ الأوْلادِ.
وقولُهم: لا يَصِحُّ القِياسُ.
قُلْنا: إنَّما أثْبَتْناه بالنَّصِّ، ثم إنَّهم قد ألْحَقُوا أوْلادَ الأوْلادِ بالأوْلادِ (4)، مع التَّفاوُتِ، فبَطَلَ ما قالوه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَخْتَصُّ بالوارِثِ بفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ؛ لعُمُومِ الآيةِ، ولا يَتَناولُ ذَوِى الأرْحامِ، على ما نَذْكُرُه.

..................................  فصل: فإن كان اثْنانِ يَرِثُ أحَدُهما قَرِيبَه ولا يَرِثُه الآخَرُ، كالرَّجُلِ مع عَمَّتِه أو ابْنَةِ عَمِّه وابْنَةِ أخِيه 1، والمرأةِ مع ابْنَةِ بِنْتِها وابْنِ بِنْتِها، فالنَّفقَةُ على الوارِثِ دُوِنَ المَوْرُوثِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ زِيادٍ، فقال: يَلْزَمُ الرَّجُلَ نَفقةُ بنتِ عمِّه، ولا يَلْزَمُه نَفَقةُ بنتِ أُخْتِه.
وذكَرَ أصْحابُنا رِوايَةً أُخْرَى، لا تَجِبُ النَّفقةُ على الوارِثِ ههُنا؛ لأنَّها قَرابَةٌ ضَعِيفَةٌ، لِكَوْنِها لا تُثْبتُ التَّوارُثَ مِن الجِهَتَيْن 2؛ لقولِ أحمدَ: العَمَّةُ والخالَةُ لا نَفَقةَ لهما.
إلَّا أنَّ القاضِىَ قال: هذه الرِّوايةُ محمولةٌ على العَمَّةِ مِن الأُمِّ، فإنَّه لا يَرِثُها؛ لِكَوْنِه ابْنَ أخِيها مِن أُمِّها.
وذكَرَ الخِرَقِىُّ، أنَّ على الرَّجُلٍ نَفَقةَ مُعْتَقِه؛ لأنَّه وارِثٌ.
ومَعْلُومٌ أنَّ المُعْتَقَ لَا يَرِثُ مُعْتِقَه، ولا يَلْزَمُه نفَقَتُه.
فعلى هذا، يَلْزَمُ الرَّجُلَ نَفَقةُ عَمَّتِه لأبَوَيْه أو لأبِيه وابْنةِ عَمِّه وابْنَةِ أخيه 3 كذلك، ولا يَلْزَمُهُنَّ نَفَقَتُه.
وهذا هو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى؛ لقولِ اللَّهِ سبحانَه وتعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
وكلُّ واحدٍ مِن هؤلاءِ وارِثٌ.

فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ، فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِمْ، رِوَايَةً وَاحِدَةً.
ذَكَرَهُ الْقَاضِى.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُخَرَّجُ فِى وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ رِوَايَتَانِ.

3996 - مسألة: (فأمَّا ذَوُو الأرْحامِ، فلا نَفَقَةَ عليهم، رِوايَةً واحِدَةً. ذَكَرَه القاضِى. وقال أبو الخَطَّابِ، يُخَرَّجُ فِى وُجُوبِها عليهم رِوايَتان)

أمَّا ذَوُو الأرْحامِ الذِين لا يَرِثُونَ بفَرْضٍ ولا تَعْصِيبٍ، فإن كانُوا مِن غيرِ عَمُوِدَىِ النَّسَبَ، فلا نَفَقةَ عليهم.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: الخالَةُ والعَمَّةُ لا نفقةَ عليهما.
قال القاضى: لا نَفَقةَ لهم رِوايَةً واحدَةً؛ لأَنَّ قَرابَتَهم ضَعِيفَةٌ، وإنَّما يَأْخُذونَ مالَه عندَ عَدَمِ الوارِثِ، فهم كسائرِ المُسْلِمِين، فإنَّ المالَ يُصرَفُ إليهم إذا لم يكُنْ للمَيِّتِ وارِثٌ، وذلك الذى يَأْخُذُه بَيْتُ المالِ، ولذلك يُقَدَّمُ الرَّدُّ عليهم.
وقال أبو الخَطَّابِ: يُخَرَّجُ في وُجُوبِها عليهم رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ النَّفقةَ تَلْزَمُهم عندَ عَدَمِ العَصَباتِ وذَوِى الفُرُوضَ؛ لأنَّهم وارِثُونَ في تلك الحالِ.
قال ابنُ أبى موسى: هذا

..................................  يتَوَجَّهُ على مَعْنى قولِه، والأَوَّلُ هو المَنْصُوصُ عنه.
فأمَّا عَمُودَا 1 النَّسَبِ، فذكَرَ القاضى ما يَدُلُّ على أنَّه يجبُ الإِنْفاقُ عليهم، سَواءٌ كانوا مِن ذَوِى الأرْحام، كأبِى الأُمِّ وابنِ البِنْتِ، أو مِن غيرِهم، وسواءٌ كانوا مَحْجُوبِين أو وَارِثِين.
وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ؛ وذلك لأَنَّ قَرابَتَهم قَرابَةٌ جُزْئِيَّةٌ وبَعْضِيَّةٌ 2، تَقْتَضِى رَدَّ الشَّهادةِ، وتَمْنَعُ جَرَيانَ القِصاصِ على الوالدِ بقَتْلِ الوَلَدِ وإن سَفَلَ، فأوْجَبَتِ النَّفَقةَ على كلِّ حالٍ، كقَرابَةِ الأبِ الأَدْنَى.

وَإِنْ كَانَ لِلْفَقِيرِ وُرَّاثٌ، فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ لَهُ أُمٌّ وَجَدٌّ، فَعَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِى عَلَى الْجَدِّ،

3997

  • مسألة: (وإن كان للفَقيرِ وُرَّاثٌ، فنَفَقَتُه عليهم على قَدْرِ إِرْثِهم منه) لأَنَّ اللَّهَ تعالى رَتَّبَ النَّفَقَةَ عَلَى الإِرْثِ، بقَوْلِه سُبْحانَهُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
    فيَجِبُ أن يَتَرَتَّبَ فِى المِقْدارِ عليه.
    وجملةُ ذلك، أنَّ الصَّبِىَّ إذا لم يكُنْ له أبٌ، فالنَّفقةُ على وارِثِه، لِمَا ذكَرْنا.
    فإن كان له وارِثان، فالنَّفَقةُ عليهما، على قَدْرِ إرْثِهِما منه، وإن كانوا ثَلاثةً أو أكثرَ، فالنَّفَقةُ عليهم على قَدْرِ إرْثِهِم منه.
    3998 -

مسألة: (فإذا كان له أُمٌّ وجَدٌّ، فعلى الأُمِّ الثُّلُثُ، والبَاقِى على الجَدِّ)

لأنَّهما يَرِثانِه كذلك.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: النَّفقةُ كلها على الجَدِّ؛ لأنَّه يَنْفَرِدُ بالتَّعْصِيبِ، فأشْبَهَ الأبَ.
وقد ذكَرْنا عن أحمدَ رِوايةً أُخْرَى، أنَّ النَّفقةَ على العَصَباتِ خاصَّةً.
ووَجْهُ الأَوَّلِ ما ذكَرْنا مِن الآيةِ، والأُمُّ وارثَةٌ، فكان عليها بالنَّصِّ، ولأنَّه مَعْنًى يُسْتَحَقُّ بالنَّسَبِ، فلم يَخْتَصَّ به العَصَبَةُ دُونَ الأُمِّ كالورَاثَةِ 1. فصل: فإنِ اجْتَمَعَ ابْنٌ وبنتٌ، فالنَّفقَةُ بينَهما أثْلاثًا، كالمِيراثِ.

وَإِنْ كَانَتْ جَدَّةٌ وَأَخٌ، فَعَلَى الْجَدَّةِ السُّدْسُ، وَالْبَاقِى عَلَى الْأَخِ.
وقال أبو حنيفةَ: النَّفقةُ (1) عليهما سَواءٌ؛ لاسْتِوائِهما في القُرْبِ.
وإن كانت أُمٌّ وابنٌ، فعلى الأُمِّ السُّدْسُ، والباقِى على الابنِ.
وإن كانت بنتٌ وابنُ ابنٍ، فالنَّفقَةُ عليهما نِصْفان (2). وعندَ أبى حنيفةَ، هى على البنتِ؛ لأنَّها أقْرَبُ.
وقال الشافعىُّ في المسائلِ الثَّلاثَةِ: النَّفقةُ على الابنِ؛ لأنَّه العَصَبةُ.
فإن كانت له أُمٌّ وبِنْتٌ، فالنَّفَقةُ عليهما أرْباعًا، كمِيراثِهما منه.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وعندَ الشافعىِّ، النَّفقةُ على البِنْتِ؛ لأنَّها تكونُ عَصَبةً مع أخيها (3). فإن كان له [بِنْتٌ و] (4) ابنُ بِنْتٍ، فالنَّفَقةُ على البِنْتِ.
وقال أصْحابُ الشَّافعىِّ: النَّفَقةُ على الابنِ، في أحَدِ الوجْهَيْن؛ لأنَّه ذَكَرٌ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
فرَتَّبَ النَّفَقةَ على الإِرْثِ، فيجبُ أن تَتَرَتَّبَ في المِقْدارِ عليه، وإيجابُها على ابنِ البِنْتِ يُخالِفُ النَّصَّ والمَعْنَى، فإنَّه ليس بعَصَبَةٍ ولا وارِثٍ، فلا معنى لإِيجابِها عليه دُونَ البِنْتِ الوارثةِ.

3999 -

مسألة: (وإنِ)

اجْتَمَعَ (جَدَّةٌ وأخٌ، فعلى الجَدَّةِ1234

وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حِسَابُ النَّفَقَاتِ،  السُّدْسُ، والباقى على الأخِ) لِأَنَّ مِيراثَهُما منه كذلك (وعلى هذا المَعْنَى حِسَابُ النَّفَقاتِ) يعنى أنَّ تَرْتِيبَ النَّفقاتِ على تَرْتِيبِ المِيراثِ، فكما أنَّ للجَدَّةِ السُّدْسَ مِن الميراثِ، فكذلك عليها سُدْسُ النَّفقةِ، والباقِى على الأخِ؛ لأَنَّ باقىَ المِيراثِ له.
وعندَ مَن لا يَرَى النَّفقةَ على غيرِ عَمُودَىِ النَّسَبِ، يَجْعَلُ 1 النَّفقةَ كلَّها على الجَدَّةِ.
وهذا أصْلٌ قد سَبَقَ الكلامُ فيه.
فإنِ اجْتَمَعَ بِنْتٌ وأُخْتٌ، أو بِنْتٌ وأَخٌ، أو بِنْتٌ وعَصَبَةٌ، أو أُخْتٌ وعَصَبَةٌ، أو أُخْتٌ وأُمٌّ، أو بِنْتٌ وبِنْتُ ابنٍ، [أَو أُخْتٌ لأبَوَيْن وأختٌ لأبٍ] 2، أو ثَلاثُ أخواتٍ مُفْتَرِقاتٍ، فالنَّفَقةُ بينهم على قَدْرِ المِيراثِ في ذلك، سَواءٌ كان في المسألةِ رَدٌّ أو عَوْلٌ أو لم يكُنْ.
[وعلى] (2) هذا تَحْسِبُ ما أتاكَ مِن المسائلِ.
فإنِ اجْتَمَعَ أمُّ أُمٍّ وأمُّ أبٍ، فهما سَواءٌ في النَّفَقَةِ؛ لاسْتِوائِهما في المِيراثِ.

..................................  فصل: فإنِ اجْتَمَعَ معها أبوا 1 أُمٍّ، فالنَّفقةُ على أُمِّ الأُمِّ، لأنَّها الوَارِثَةُ.
وإنِ اجْتَمَعَ أُمُّ أبٍ وأبَوانِ، فعلى أُمِّ 2 الأبِ السُّدْسُ، والباقى على الجَدِّ.
وإنِ اجْتَمَعَ جَدٌّ وأخٌ، فهما سَواءٌ.
وإنِ اجْتَمَعَتْ أُمٌّ وجَدٌّ وأخٌ، فالنَّفقةُ عليهم أثْلاثًا.
وعندَ الشافعىِّ، النَّفقةُ على الجَدِّ في هذه المسائلِ كلِّها، إلَّا المسألةَ الأُولَى، فالنَّفقةُ عليهما بالسَّوِيَّةِ، وقد مَضَى الكَلامُ في هذا.
فصل: فإن كان في مَن عليه النَّفَقةُ خُنْثَى مُشْكِلٌ، فالنَّفَقةُ عليه على قَدْرِ مِيراثِه، فإنِ انْكَشَفَ بعدَ ذلك حالُه، فبانَ أنَّه أنْفقَ أكثرَ مِن الواجِبِ عليه، رَجَعَ بالزِّيادَةِ على شَرِيكِه في الإِنْفاقِ.
وإن بانَ أنَّه أنْفقَ أقَلَّ، رَجَعَ عليه، فلو كان للرجلِ ابنٌ ووَلَدٌ خُنْثَى، عليهما نَفَقتُه، فأنْفَقا عليه، ثم بانَ أنَّ 3 الخُنْثَى ابنٌ، رَجَعَ عليه أخُوه بالزِّيادَةِ، وإن بانَ بِنْتًا، رَجَعَتْ على أخِيها بفَضْلِ نَفَقَتِها؛ لأَنَّ مَن له الفَضْلُ أدَّى ما لا يجبُ عليه أداؤُه، مُعْتَقِدًا وُجُوبَه، فإذا تَبَيَّنَ خِلافُه، رَجَعَ بذلك، كما لو أدَّى ما يَعْتَقِدُه دَيْنًا فبَانَ خِلافُه.

إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبٌ، فَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ.

4000 - مسألة: (إلَّا أن يَكُونَ له أبٌ، فتَكُونُ النَّفَقَةُ عليه وَحْدَه)

لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 1. وقال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ 2. وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لهندٍ 3: «خُذِى ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالْمَعْرُوفِ» 4. فجعَلَ النَّفقةَ عليه دُونَها، ولا خِلافَ في هذا نَعْلَمُه، إَلَّا أنَّ لأصْحابِ الشافعىِّ، فيما إذا اجْتَمَعَ للفَقيرِ أبٌ وابْنٌ مُوسِران، وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ النَّفقةَ على الأبِ وحدَه.
والثانى، عليهما؛ لأنَّهما

وَمَنْ لَهُ ابْنٌ فَقِيرٌ وَأَخٌ مُوسِرٌ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا.
وَمَنْ لَهُ أُمٌّ فَقِيرَةٌ وَجَدَّةٌ مُوسِرَةٌ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهَا.
سَواءٌ في القُرْبِ.
ولَنا، أنَّ النَّفقةَ على الأبِ مَنْصوصٌ عليها، فيَجِبُ اتِّباعُ النَّصِّ، وتَرْكُ ما عَداه.

4001 -

مسألة: (ومَن له ابنٌ فَقِيرٌ وأَخٌ مُوسِرٌ، فلا نَفَقَةَ له عليهما)

وهكذا ذَكَرَه القاضِى، وأبو الخَطَّابِ؛ لأَنَّ الابنَ لا نَفَقةَ عليه لعُسْرَتِه، والأخَ لا نَفَقةَ عليه لعَدَمِ إرْثِه، ولأَنَّ قَرابَتَه ضَعِيفَةٌ لا تَمْنَعُ شَهادَتَه له، فإذا لم يكُن وارِثًا، لم تَجِبْ عليه النَّفقةُ، كذَوِى الرَّحِمِ.
قال شيْخُنا (1): ويتَخرَّجُ في كلِّ وارِثٍ، لولا الحجْبُ، إذا كان مَن يَحْجُبُه مُعْسِرًا، وجْهان؛ أحَدُهما، لا نَفَقةَ عليه؛ لأنَّه غيرُ وارثٍ، أشْبَهَ الأجْنَبِىَّ.
والثانى، عليه النَّفقَةُ؛ لوُجُودِ القَرابَةِ المُقْتَضِيَةِ للإِرْثِ والإِنْفاقِ، والمانِعُ مِن الإِرْثِ لا يَمْنَعُ مِن الإِنْفاقِ؛ لأنَّه مُعْسِرٌ لا يُمْكِنُه الإِنْفاقُ، فوُجُودُه بالنِّسبةِ إلى الإِنْفاقِ كعَدَمِه.
4002 -

مسألة: (ومَن له أُمٌّ فَقِيرَةٌ وَجَدَّةٌ مُوسِرَةٌ، فالنَّفَقَةُ عليها)

1

..................................  يَعْنِى على الجَدَّةِ.
وجملةُ ذلك، أنَّ الوارِثَ القَريبَ إذا كان مُعْسِرًا، وكان البَعِيدُ المُوسِرُ مِن عَمُودَىِ النَّسَبِ كهذِه المسألةِ، وجَبَتْ نَفَقَتُه على المُوسِرِ.
ذكَرَ القاضى، في أبٍ مُعْسِرٍ وجَدٍّ مُوسِرٍ، أنَّ النَّفقَةَ على الجَدِّ.
وقال في أُمٍّ مُعْسِرَةٍ وجَدَّةٍ مُوسِرَةٍ: النَّفَقةُ على الجَدَّةِ.
وقد قال أحمدُ: لا يَدْفَعُ الزَّكاةَ إلى وَلَدِ ابْنَتِه؛ لِقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للحَسَنِ: «إنَّ ابْنِى هذا سَيِّدٌ» 1. فَسمَّاه ابْنَه، وهو ابْنُ بنْتِه، وإذا مُنِعَ مِن دَفْعِ الزَّكاةِ إليهم لقَرابَتِهم، يَجِبُ أن تَلْزَمَه نفَقَتُهم مع حاجَتِهِم.
وهذا مذهبُ الشَّافعىِّ.
فصل: فإن كان له قَرابتانِ مُوسِران، وأحَدُهما مَحْجُوبٌ عن مِيراثِه بفَقِيرٍ، فقد ذكَرْنا أنَّ المَحْجُوبَ إذا كان مِن عَمُودَىِ النَّسَبِ، فالظَّاهِرُ أنَّ الحَجْبَ لا يُسْقِطُ النَّفقَةَ عنه، في المسألةِ قبلَ هذا الفصلِ.
وإن كان مِن غيرِهما، فلا نَفَقةَ عليه في الظاهرِ.
فعلى هذا، إذا كان له أبوان وجَدٌّ، والأبُ مُعْسِرٌ، فالأبُ كالمعْدومِ، فيكونُ على الأُمِّ ثُلُثُ النَّفقةِ، والباقِى على الجَدِّ.
وإن كان معهم زَوْجَةٌ فكذلك.
وإن قُلْنا: لا نَفَقةَ على المَحْجُوبِ.
فليس على الأُمِّ ههُنا إلَّا رُبْعُ النَّفقَةِ، ولا شئَ على الجَدِّ.

وَمَنْ كَانَ صَحِيحًا مُكَلَّفًا لَا حِرْفَةَ لَهُ سِوَى الْوَالِدَيْنِ، فَهَلْ تَجِبُ  وإن كان أبوان وأخوان وجَدٌّ، والأبُ مُعْسِرٌ، فلا شئَ على الأخَوَيْن؛ لأنَّهما مَحْجُوبان وليسا مِن عَمُودَىِ النَّسَبِ، ويكون على الأُمِّ الثُّلُثُ، والباقى على الجَدِّ، كما لو لم يكُنْ أحَدٌ غيرَهما.
ويَحْتَمِلُ أن لا يجبَ على الأُمِّ إلَّا السُّدْسُ؛ لأنَّه لو كان الأبُ مَعْدُومًا، لم تَرِثْ إلَّا السُّدْسَ.
وإن قُلْنا: إنَّ كلَّ مَحْجُوبٍ لا نَفَقةَ عليه.
فعلى الأمِّ السُّدْسُ حَسْبُ، ولا شئَ على غيرِها.
وإن لم يكُنْ في المسألةِ جَدٌّ، فالنَّفَقةُ كلُّها على الأمِّ، على القَوْلِ الأَوَّلِ.
وعلى الثانى، ليس عليها إلَّا السُّدْسُ.
وإن قُلْنا: إنَّ على المَحْجُوبِ بالمُعْسِرِ (1) النَّفَقةَ، وإن كان مِن غيرِ عَمُودَىِ النَّسَبِ.
فعلى الأُمِّ السُّدْسُ، والباقى على الجَدِّ والأخوَيْن أثْلاثًا، كما يَرِثُونَ إذا كان الأبُ مَعْدُومًا.
فإن كان [بعْضُ مَنْ] (2) عليه النَّفَقةُ غائِبًا، وله مالٌ حاضِرٌ، أنْفقَ الحاكمُ منه حِصَّتَه، وإن لم يُوجَدْ له مالٌ حاضِرٌ، فأمْكَنَ الحاكمَ الاقْتِراضُ عليه، اقتَرَضَ، فإذا قَدِمَ، فعليه وَفاؤُه.

4003 -

مسألة: (ومَنْ كان صَحِيحًا مُكَلَّفًا لا حِرْفَةَ له سوى

12

نَفَقَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
الوالِدَيْنِ، فهل تَجِبُ نَفَقَتُه؟ على روايَتَيْن) إحداهما، تجبُ إذا كان فَقِيرًا عاجِزًا عن الكَسْبِ؛ لعُمومِ قَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لهِنْدٍ: «خُذِى ما يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» 1. ولم يَسْتَثْنِ منهم بالِغًا ولا صَحِيحًا، ولأنَّه وَلَا فَقِيرٌ، فاسْتَحَقَّ النَّفَقةَ على والدِه الغَنِىِّ، كالزَّمِنِ.
والثانيةُ، لا تَجبُ.

جارٍ التحميل