فَصْلٌ: وَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا، أَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ، فَهُمَا
الدُّخولِ.
فأمَّا إن دَخَلَ بها، فهل يجبُ مَهْرُ المِثْلِ؟ يُخَرَّجُ على رِوَايَتَين في المسلمِ إذا وَطِئَ امرأةً مِن مَحارِمِه.
بشُبْهَةٍ.
فصل: إذا تزوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً، على أن لا صَداقَ لها، أو سَكَتَ عن 1 ذكرِه، فلها المطالبةُ بفَرْضِه إن كان قبلَ الدُّخولِ، وإن كان بعدَه فلها مَهْرُ المِثْلِ، كما في نِكاحِ المسلمينَ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن تَزَوَّجَها على أن لا مَهْرَ لها، فلا شيءَ لها.
وإن سَكَتَ عن ذِكْرِه، فعنه 2 رِوَايتان؛ إحداهما، لا مَهْرَ لها.
والأُخْرَى، مَهْرُ المِثْلِ.
واحْتَجَّ بأنَّ المَهْرَ يجبُ لحَقِّ اللهِ تعالى وحَقِّها، [وقد أسْقَطَتْ حَقَّها] 3، [والذِّمِّيُّ لا يُطالبُ بحَقِّ] 4 اللهِ تَعالى.
ولَنا، أنَّ هذا نِكاحٌ خَلا عن تَسْمِيَةٍ، فيجبُ للمرْأةِ فيه مَهْرُ المِثْلِ، كالمُسْلمةِ، وإنَّما وَجَبَ المهْرُ في حَقِّ المُسْلمةِ لئلَّا تَصِيرَ كالمَوْهُوبةِ والمُباحةِ، وهذا يُوجَدُ في حَقِّ الذِّمِّيِّ.
فصل: قال الشيخُ، - رَضِيَ اللهُ عنه -: (وإذا أسْلَمَ الزَّوْجانِ معًا، أو
عَلَى نِكَاحِهِمَا،
أسْلَمَ زَوْجُ الكتابِيَّةِ، فهما على نِكاحِهما) سواءٌ كان قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه، وليس بينَ أهلِ العلمِ في هذا اختلافٌ بحَمْدِ اللهِ، وذَكَر [ابنُ عبْدِ البَرِّ] 1 أنَّه إجْماعٌ مِن أهلِ العلمِ؛ وذلك لأنَّه لم يُوجَدْ منهم اختلافُ دِينٍ 2. وقد رَوَى أبو داودَ 3، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رَجُلًا جاء مُسْلِمًا على عهدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ جاءتِ امْرأتُه مسْلِمةً 4 بعدَه، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّها كانت أسْلَمَتْ معي.
فرَدَّها عليه.
ويُعْتَبَرُ تَلَفُّظُهما بالإِسْلامِ دَفْعةً واحدةً؛ لئَلَّا يَسْبِقَ أحَدُهُما صاحِبَه، فيَفْسُدَ النِّكاحُ.
ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ على المَجْلِسِ، كالقَبْضِ ونحوه، فإنَّ حُكْمَ المَجْلِسِ كلِّه حُكْمُ حالةِ العَقْدِ، ولأنَّه يَبْعُدُ 5 اتِّفاقُهما على النُّطْقِ بكَلِمَةِ الإِسلامِ دَفْعةً
وَإِنْ أَسْلَمَتِ الْكِتَابِيَّةُ أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَينِ غَيرُ الْكِتَابِيَّينِ قَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ، فَلَا مَهْرَ لَهَا،
واحدةً، فلو اعْتُبِرَ ذلك، لوَقَعَتِ الفُرْقةُ بينَ كلِّ مُسْلِمَين قبلَ الدُّخولِ إلَّا في النَّادِرِ، فيَبْطُلُ الإِجْماعُ.
وإذا أسْلَمَ زَوْجُ الكِتابِيَّةِ قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه، أو أسْلَما معًا، فالنِّكاحُ باقٍ بحالِه، سواءٌ كان زَوْجُها كِتابِيًّا أو غيرَ كِتابِيٍّ؛ لأنَّ للمُسْلِمِ ابْتِدَاءَ نِكاحِ الكِتابِيَّةِ، فاسْتِدَامَتُه أوْلَى، ولا خِلافَ في هذا بينَ القائلين بجوازِ نِكاحِ الكتابِيَّةِ للمسلمِ.
3216 -
مسألة: (فإن أسْلَمَتِ الكتابِيَّةُ)
قبلَه و (قبلَ الدُّخولِ) تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ، سواءٌ كان زَوْجُها كتابِيًّا أو غيرَ كتابِيٍّ، إِذ لا يجوزُ لكافرٍ نِكاحُ المسلِمةِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن نَحفظُ عنه مِن أهلِ العلمِ.
3217 -
مسألة: (فإنْ كانَتْ هي المُسْلِمَةَ، فلا مَهْرَ لها،
وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ.
وَعَنْهُ، لَا مَهْرَ لَهَا.
وإن كان هو المُسْلِمَ قَبْلَها، فلها نِصْفُ المَهْرِ.
وعنه، لا مَهْرَ لها) وجملةُ ذلك، أنَّ الفُرْقَةَ إذا حصَلَت 1 قبلَ الدُّخُولِ بإسلامِ المرأَةِ، فلا شيءَ لها؛ لأنَّ الفُرْقَةَ من جِهَتِها.
وبهذا قال الحسنُ، ومالكٌ، والزُّهْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والشافعيُّ.
وعن أحمدَ رِوَايةٌ أُخْرَى، أَنَّ لها نِصْفَ المَهْرِ، إذا كانَتْ هي المسلمِةَ.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
وبه قال قَتَادَةُ، والثَّوْرِيُّ.
ويَقْتَضِيه قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الفُرْقَةَ حصَلَتْ مِن قِبَلِه بامْتِنَاعِه مِن الإِسلامِ، وهي فَعَلَتْ ما فَرَضَ اللهُ عليها، فكان لها نِصْفُ ما فَرَضَ اللهُ لها، كما لو عَلَّقَ طلاقَها على الصلاةِ فصَلَّتْ.
ونُقِلَ عن أحمدَ في مجُوسِيٍّ أسْلَمَ قبلَ أن يدْخُلَ بامرأَتِه، فلا شيءَ لها مِن الصَّدَاقِ؛ لِما ذَكَرْنا.
ووَجْهُ الأُولَى، أنَّ الفُرْقَةَ حصَلَتْ باخْتِلافِ الدِّينِ، وقد حصَل بإسلامِها،
..................................
فكانَتِ الفُرْقَةُ حاصِلَةً بفِعْلِها، فلمْ يَجِبْ لها شيءٌ، كما لو ارْتَدَّتْ، ويُفَارِقُ تعليقَ الطَّلاقِ، فإنَّه مِن جِهَةِ الزَّوْجِ، ولهذا لو عَلَّقَه على دُخُولِ الدَّارِ فدَخَلَتْ، وقَعَتِ الفُرْقَةُ، ولها نِصْفُ المَهْرِ.
فأمَّا إن حصَلتِ الفُرْقَةُ بإسلامِ الزَّوْجِ، فللمرأةِ نِصْفُ المُسَمَّى، إن كانَتِ التَّسْمِيَةُ صحيحةً، أو نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ، إن كانت فاسدةً، مِثلَ أن يُصْدِقَها خَمْرًا أو خِنْزِيرًا؛ لأنَّ الفُرْقَةَ حصَلَتْ بفعلِه.
وعنه، لا مَهْرَ لها؛ لأنَّ الفُرْقَةَ جاءتْ مِن قِبَلِها؛ لكَوْنِها امْتَنعَتْ مِن الدُّخولِ في الإِسْلامِ.
فصل: إذا انْفَسَخَ النِّكاحُ [بإسْلامِ أَحَدِ] 1 الزَّوْجَين قبلَ الدُّخولِ، مثلَ أن يُسْلِمَ أحدُ الزَّوْجَين الوَثَنِيَّينِ أو المَجوسِيَّين، تُعُجِّلَتِ 2 الفُرْقَةُ، على ما ذَكَرْنا، ويكونُ ذلك فسْخًا لا طَلاقًا.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ، بل إن كان في دارِ الإِسلامِ، عُرِضَ الإِسلامُ 3 على الآخَرِ، فإن أبَى، وقَعَتِ الفُرْقَةُ حِينَئِذٍ، وإن كان في دارِ الحربِ، وقَفَ ذلك على انْقِضاءِ عِدَّتِها، فإن لم يُسْلِمِ الآخَرُ، وقَعَتِ
..................................
الفُرْقَةُ، فإن كان الإِبَاءُ مِن الزَّوْجِ كان طلاقًا؛ لأنَّ الفُرْقَةَ حصَلَتْ مِن قِبَلِه، فكان طلاقًا، كما لو لَفَظَ به، وإن كان مِن المرأةِ كان فسخًا؛ لأنَّ المرأةَ لا تَمْلِكُ الطَّلاقَ.
وقال مالكٌ: إن كانت هي المسلِمةَ، عُرِضَ عليه الإِسلامُ، فإن أسْلَمَ، وإلَّا وَقَعَتِ الفُرْقَةُ، وإن كان هو المُسْلِمَ، تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ؛ لقولِه سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ 1. ولَنا، أنَّه اخْتِلافُ دِينٍ يمنعُ الإِقْرارَ على النِّكاحِ، فإذا وُجِدَ قبلَ الدُّخولِ، تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ، كالرِّدَّةِ.
وعلى مالكٍ، كإسلامِ الزَّوْجِ، أو كما لو أبَى 2 الآخَرُ [الإِسلامَ، ولأنَّه] 3 إن كان هو المُسْلِمَ، فليس له إمْساكُ كافِرةٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
وإن كانت هي المسلمةَ، فلا يجوزُ إبْقاؤُها في نِكاحِ مشركٍ.
ولَنا، على أنَّها فُرْقَةُ فسخٍ، أنَّها فُرْقَةٌ باختلافِ الدِّينِ، فكانت فَسْخًا، كما لو أسْلَمَ الزَّوْجُ وأبَتِ المرأةُ، ولأنَّها فُرْقَةٌ بغيرِ لَفْظٍ، فكانت فسخًا، كفُرْقَةِ الرَّضَاعِ.
وَإِنْ قَالتْ: أَسْلَمْتَ قَبْلِي.
وَأَنْكَرَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا،
3218
- مسألة: (وإنْ قَال تْ: أسْلَمْتَ قَبْلِي.
وأنْكَرَهَا، فالقولُ قَوْلُها) لأنَّ المَهْرَ وَجَبَ بالعَقْدِ، والزَّوْجُ يدَّعِي ما يُسْقِطُه، والأصْلُ بَقاؤُه، ولم يعارِضْه ظَاهِرٌ، فبَقِيَ.
وإنِ اتَّفَقا على أنَّ أحدَهما أسلَم 1 قَبْلَ الآخَرِ، ولا يَعْلَمانِ عينَه، فلها نِصْفُ الصَّدَاقِ.
ذَكَرَه أبو الخطابِ؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال القاضي: إن لم تكنْ قَبَضَتْ، فلا شيءَ لها؛ لأنَّها تَشُكُّ في اسْتِحْقاقِها، فلا تَسْتَحِقُّ بالشَّكِّ، وإن كان بعدَ القَبْضِ، لم يَرْجِعْ عليها؛ لأنَّه يَشُكُّ 2 في اسْتِحْقَاقِ الرُّجوعِ، فلا يَرْجِعُ مع الشَّكِّ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ اليَقِينَ لا يُزالُ بالشَّكِّ، ولذلك 3 إذا تَيَقَّنَ الطَّهارَةَ وشَكَّ في الحدثِ، أو تَيَقَّنَ الحدثَ وشَكَّ في الطهارَةِ، بنى على اليَقِينِ، وهذه كان صَداقُها واجِبًا، وشَكَّا في سُقُوطِه، فيَبْقَى على الوُجُوبِ.
وَإِنْ قَال: أَسْلَمْنَا مَعًا، فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ.
فَأَنْكَرَتْهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
3219 - مسألة: (وإن قال)
الزَّوْجُ: (أسْلَمْنا معًا، فنحنُ على النِّكاحِ.
فأنْكَرَتْه، فعلى وَجْهَين) وقال القاضي: القولُ قولُها 1؛ لأنَّ الظاهرَ معها، إذْ يَبْعُدُ اتِّفاقُ الإِسْلامِ منهما دَفْعةً واحدةً، والقولُ قولُ مَن الظَّاهِرُ معه، ولذلك 2 كان القولُ قولَ صاحبِ اليَدِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، ذَكَرَه أبو الخطابِ، أنَّ القولَ قولُ الزَّوْجِ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ، والفَسْخُ طارِئٌ عليه، فكان القولُ قولَ مَن يُوَافِقُ قولُه الأصْلَ، كالمُنْكِرِ.
وللشافعيِّ قَوْلان كهذَينِ الوَجْهَينِ.
فصل: فإنِ اخْتَلَفا بعدَ الدُّخولِ، فقال الزَّوْجُ: أسْلَمْنا معًا.
أو: أَسْلَمَ الثَّاني مِنَّا في العِدَّةِ، فنحن على النِّكاحِ.
وتقولُ هي: بَلْ أسْلَمَ الثَّاني
وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الثَّانِي قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِلَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ حِينَ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ.
بعدَ العِدَّةِ، فانْفَسَخَ النِّكاحُ.
ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، القولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ.
والثَّاني، القولُ قولُها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ إسْلامِ الثَّاني.
3220 -
مسألة: (وإن أسْلَمَ أحَدُهما بعدَ الدُّخُولِ، وَقَفَ الأمْرُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ، فإن أسْلَمَ الثَّاني قَبْلَ انْقِضَائِها، فهما على نِكاحِهما، وإلَّا تَبَيَّنّا أَنَّ الفُرْقَةَ وقَعتْ)
مِن (حينَ أسْلَمَ الأوَّلُ) رُوِيَ عن أحمدَ،
..................................
رَحِمَه اللهُ، في هذه المسألةِ روايتان؛ إحداهما، أنَّ الأمْرَ يَقِفُ على انقضاءِ العِدَّةِ، على ما ذَكَرْنا.
وهذه الرِّوايةُ هِي 1 التي ذَكَرَها الخِرَقِيُّ.
فعلى هذا، إذا لم يُسْلِمِ الثَّانِي في العِدَّةِ، لا يحتاجُ إلى اسْتِئْنافِ العِدَّةِ.
وهذا قولُ الزُّهْرِيِّ، واللَّيثِ، والحسنِ بنِ صالحٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
ونحوُه عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، ومُجاهدٍ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
والثانيةُ، تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ، كما قَبْلَ الدُّخولِ.
وهو اخْتِيارُ الخلَّالِ وصاحِبِه، وقولُ الحسنِ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمةَ، وقَتَادةَ، والحكَمِ.
ورُوِيَ ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
ونَصَرَه ابنُ المُنْذِرِ.
وقولُ أبي حنيفةَ ههُنا كقولِه فيما قبلَ الدُّخُولِ، إلَّا أنَّ المرْأةَ إذا كانت في دارِ الحربِ، فانْقَضتْ عِدَّتُها
..................................
وحَصَلَتِ الفُرْقَةُ، لَزِمَها اسْتِئْنافُ العِدَّةِ.
وقال مالكٌ: إن أسلَم الرَّجلُ قبلَ امرأتِه، عرَض عليها الإِسلامَ، فإن أسْلَمَتْ، وإلَّا وَقَعَتِ الفُرْقَةُ، وإن كانتْ غائبةً تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ، وإن أسلمتِ المرأةُ قبلَه، وقَفَ الأَمْرُ 1 على انْقِضاءِ العِدَّةِ.
واحْتَجَّ [مَن قال] 2 بِتَعْجِيلِ الفُرْقَةِ بقَوْلِه سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
ولأنَّ ما يُوجِبُ فَسْخَ النِّكاحِ لا يَخْتَلِفُ بما قبلَ الدُّخولِ وبعدَه، كالرَّضاعِ.
ولَنا، ما رَوَى مالكٌ في «مُوَطَّئِه» 3، عن ابنِ شِهابٍ قال 4: كان بينَ إسْلامِ صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ وامرأتِه بنتِ الوليدِ بنِ المُغِيرةِ نحوٌ مِن شَهْرٍ، أسْلَمَتْ يومَ الفَتْحِ، وبَقِيَ صَفْوانُ حتى شَهِدَ حُنَينًا والطائِفَ وهو كافرٌ، ثم أسْلَمَ، فلمْ يُفرِّقِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَهما، واسْتَقَرَّتْ عندَه امرأتُه بذلك النِّكاحِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 5: وشُهْرَةُ هذا الحديثِ أقْوَى مِن إسْنادِه.
وقال ابنُ شِهابٍ: أسْلَمَتْ أُمُّ حكيمٍ يومَ الفَتْحِ، وهَرَبَ زَوْجُها عِكْرِمةُ حتى أَتَى اليَمَنَ،
..................................
فارْتَحَلَتْ حتى قَدِمَتْ عليه اليمنَ، فدَعَتْه إلى الإِسلامِ، فأسْلَمَ، وقَدِمَ فبايعَ [النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -] 1، فثَبَتَا على نِكاحِهما 2. وقال ابنُ شُبْرُمةَ: كان الناسُ على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُسْلِمُ الرجلُ قبلَ المرأةِ، والمرأةُ قبلَ الرجلِ، فأيُّهُما أسْلَمَ قبلَ انْقِضاءِ عِدَّةِ المرأةِ، فهي امرأتُه، فإن أسلمَ بعدَ العِدَّةِ، فلا نِكاحَ بينَهما 3. ولأنَّ أبا سُفْيانَ خرَج فأسْلَمَ يومَ 4 الفَتْحِ قبلَ دُخولِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، ولم تُسْلِمْ هِنْدُ امرأتُه حتى فَتَحَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، فثَبَتا على النِّكاحِ 5. وأسْلَمَ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ قبلَ امْرَأتِه.
وخرَج أبو سفيانَ بنُ الحارثِ، وعبدُ الله بنُ أبي أُمَيَّةَ عامَ الفَتْحِ، فلَقِيا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالأبْوَاءِ 6، فأسْلَما قبلَ نِسائِهما.
ولم يُعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَّقَ بينَ أحدٍ ممَّن أسلمَ وبينَ امرأتِه، ويَبْعُدُ أن يَتَّفِقَ إسلامُهما معًا، ويفارِقُ ما قبلَ الدُّخولِ، فإنَّه لا عِدَّةَ لها فتُتَعَجَّل البَينُونةُ، كالمُطَلَّقةِ واحدةً، وههُنا لها عِدَّةٌ، فإذا انقضتْ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الفُرْقَةِ مِن حينَ أسْلَمَ
فَعَلَى هَذَا، لَوْ وَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا وَلَمْ يُسْلِمِ الثَّانِي، فَعَلَيهِ الْمَهْرُ، فَإِنْ أَسْلَمَ، فَلَا شَيْءَ لَهَا.
الأَوَّلُ، فلا يُحْتاجُ إلى عِدَّةٍ ثانيةٍ؛ لأنَّ اخْتلافَ الدِّينِ سَبَبُ الفُرْقَةِ، فَتُحْتسَبُ الفُرْقَةُ منه كالطَّلاقِ.
(فعلى هذه) الرِّوايةِ (لو وَطِئَها) الزَّوجُ (في عِدَّتِها ولم يُسْلِمِ الثَّاني) فيها، فلها (عليه المَهْرُ) ويُؤدَّبُ، لأنّا تَبَيَّنَّا أنَّه وَطِئَها بعد البَينُونَةِ وانْفِساخِ النِّكاحِ، فيكونُ وَاطِئًا في غيرِ مِلْكٍ 1 (وإن أسْلَمَ، فلا شيءَ لها) لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّ النِّكاحَ لم يَنْفسِخْ، وأنَّه وَطِئَها في نِكاحِه، فلم يكنْ عليه شيءٌ.
فصل: فإن أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَين وتَخَلَّفَ الآخَرُ حتى انْقَضَتْ عِدَّةُ المرأةِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ، في قولِ عامَّةِ العلماءِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 2: لم يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في هذا، إلَّا شيءٌ رُوِيَ عن النَّخَعِيِّ، شَذَّ فيه عن جماعةِ العلماءِ، فلم يَتْبَعْهُ عليه أحدٌ، زعَم أنَّها تُرَدُّ إلى زَوْجِها وإن طالتِ المدةُ؛ لِما رَوَى ابنُ عباس أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ زَينَبَ على زَوْجِها أبي العاصِ بنِكاحِها الأوَّلِ.
رَواه أبو داودَ 3. واحْتَجَّ به أحمدُ.
قيل له: أليس
..................................
يُرْوَى أنَّه 1 رَدَّها بنِكاحٍ مُسْتَأْنَفٍ؟ قال: ليس لذلك أصْلٌ.
قيل: كان بينَ إسْلامِها ورَدِّها إليه ثمانِ سِنِينَ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ 2. وقولُه سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
والإِجْماعُ المُنْعَقِدُ على تحريمِ فُرُوجِ المسلماتِ على الكُفَّارِ.
وأَمَّا قِصَّةُ أبي العاصِ مع امرأَتِه، فقال ابنُ عبدِ البَرِّ 3: لا يَخْلُو إمَّا أن تكونَ قبلَ نُزُولِ تَحْريمِ المسلماتِ على الكفارِ، فَتكونَ مَنْسُوخةً بما جاءَ بعدَها، أو تكونَ حامِلًا اسْتَمَرَّ حَمْلُها حتى أسْلَمَ زَوْجُها، أو مَريضةً لم تحِضْ ثلاثَ حَيضاتٍ حتَّى أسْلَمَ، أو تكونَ رُدَّتْ إليه بنِكاحٍ جديدٍ.
فقد روَى ابنُ أبي شَيبَةَ 4، في «سُنَنِه» عن عمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّها على أبي العاصَ بنِكاحٍ جديدٍ.
رَواه التِّرْمِذِيُّ 5، وقال: سمِعتُ عَبْدَ بنَ حُمَيدٍ يَقولُ: سمِعتُ يَزيدَ بنَ هارُونَ يَقولُ: حديثُ ابنِ عباسٍ أجْوَدُ إسْنادًا، والعملُ على = الترمذي، في: باب ما جاء في الزوجين المشركين....، من أبواب النكاح.
عارضة الأحوذي 5/ 82. وابن ماجه، في: باب الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 647. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 217، 261. وصححه في الإرواء 6/ 339 - 341.
وَإِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، حديثِ عمرِو بنِ شُعَيب.
3221 -
مسألة: (فإن أسْلَمَتْ قَبْلَه، فَلَها نَفَقَةُ العِدَّةِ)
لأنَّه يَتَمَكَّنُ مِن الاسْتِمْتاعِ وإبْقاءِ نِكاحِها بإسْلامِه معها، فكانت لها النَّفقةُ كالرَّجْعِيَّةِ، وسواءٌ أسْلَمَ في عِدَّتِها أو لم يُسْلِمْ.
فإن قيل: إذا لم يُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أنَّها بَائِنٌ باخْتِلافِ الدِّينِ، فكيف تَجِبُ النفقةُ للبائنِ؟ قُلْنا: لأنَّه كان يُمْكِنُ الزَّوْجَ تَلافِيَ نِكاحِها 1، بلِ يجِبُ عليه، فكانت في مَعْنَى الرَّجْعِيَّةِ.
[وإن كان هو المُسْلِمَ، فلا نفَقَةَ لها) لأنَّه لا سَبِيلَ إلى تَلافِي نِكاحِها واسْتِبْقائِها، فأَشْبَهَتِ البائِنَ، وسواءٌ أسلمَتْ معهُ أم لا] 2. = والإمام أحمد، في: المسند 2/ 208. وضعفه الإمام أحمد، وقال في الإرواء: منكر.
الإرواء 6/ 341، 342. وسنن ابن أبي شيبة ليست بين أيدينا.
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، فَالْقَوْل قَوْلُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَينَ.
3222 - مسألة: (فإنِ اخْتَلَفَا في السَّابِقِ مِنْهما)
فقال الزَّوْجُ: أسْلَمْتُ قَبْلَكِ، فلا نَفَقَةَ لكِ.
وقالتِ المرأةُ: بل أنا المسلمةُ أوَّلًا، فلي النَّفَقَةُ (فالقولُ قولُها في أحدِ الوَجْهَين) لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ، وهو يَدَّعِي سُقُوطَها.
والثاني، أنَّ القولَ قولُه؛ لأنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَجِبُ بالتَّمْكِينِ مِن الاسْتِمْتاعِ، والأصْلُ عَدَمُه.
فإن قال: أسْلَمْتِ بعدَ شَهْرينِ مِن إسْلامِي، فلا نَفَقَةَ لكِ فيها.
وقالت: بعدَ شَهْرٍ.
فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ عدمُ إسْلامِها في الشَّهْرِ الثَّانِي.
فأمَّا إنِ ادَّعَى هو ما 1 يَفْسَخُ النِّكاحَ وأنْكَرَتْه، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفسِه بزَوالِ نِكاحِه وسُقُوطِ حَقِّه، فأشْبَهَ ما لو ادَّعَى أنَّها أُخْتُه مِن الرَّضاعِ فكَذَّبَتْه.
وَعَنْهُ، أنَّ الْفُرْقَةَ تُتَعَجَّلُ بِإِسْلَامِ أحَدِهِمَا، كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَأمَّا الصَّدَاقُ فَوَاجِبٌ بِكُلِّ حَالٍ.
3223 - مسألة: (وعنه، أنَّ الفُرْقَةَ تُتَعَجَّلُ بإسْلامِ أحدِهما، كما قبلَ الدُّخولِ)
وقد ذَكَرْناه.
3224 -
مسألة: (فأمَّا الصَّدَاقُ، فواجبٌ بِكُلِّ حالٍ)
يعني إذا وَقَعتِ الفُرْقَةُ بإسْلامِ أحَدِهما بعدَ الدُّخولِ، فإنَّه يَجِبُ لها المَهْرُ كاملًا؛ لأنَّه اسْتَقَرَّ بالدُّخُولِ، فلم يَسْقُطْ بشيءٍ، فإن كان مُسَمًّى صَحِيحًا، فهو لها؛ لأنَّ أَنْكِحَةَ الكُفَّارِ صحيحةٌ، تَثْبُتُ لها أحكامُ الصِّحَّةِ، وإن كان مُحَرَّمًا قَبَضَتْهُ، فليس لها غيرُه؛ لأنَّا لا نَتَعَرَّضُ إلى ما مَضَى مِن أحكامِهِم، وإنْ لم تكُنْ قَبَضَتْه، فلها مَهْرُ مِثْلِها 1؛ لأنَّ الخمرَ والخِنْزِيرَ لا يكونُ صَدَاقًا لِمُسْلمةٍ، ولا في نكاحِ مسلمٍ، وقد صارتْ أحكامُهم أحْكامَ المسلمين.
فصل: وسواءٌ فيما 2 ذَكَرْنا اتَّفَقَتِ 3 الدارانِ أو اخْتَلَفَتا.
وبه قال
..................................
مالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن أسْلَم أحَدُهما وهما في دارِ الحربِ، ودخَل 1 دَارَ الإِسلامِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ، ولو تَزَوَّجَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً، ثم دَخَل 2 دارَ الإِسلام، وعَقَدَ الذِّمَّةَ 3، انفَسَخَ نِكاحُهُ؛ لاخْتِلافِ الدَّارَين.
ويَقْتَضِي مَذْهَبُه أنَّ أحدَ الزَّوْجَين الذِّمِّيَّينِ إذا دَخَلَ دارَ الحربِ ناقِضًا للعَهْدِ، انْفَسَخَ نِكاحُه؛ لأنَّ الدارَ اخْتَلَفَتْ 4 بهما فِعْلًا وحُكْمًا، فوجَب أن تقَعَ الفُرْقةُ بَينَهما، كما لو أسْلَمتْ في دارِ الإِسْلامِ قبلَ الدُّخولِ.
ولَنا، أنَّ أبا سُفْيانَ أسْلَمَ بمَرِّ الظَّهْرانِ وامرأتُه بمكَّةَ لم تُسْلِمْ، وهي دارُ حَرْبٍ، وأُمُّ حَكِيمٍ أَسْلَمتْ بمكةَ، وهرَب زَوْجُها عِكْرِمَةُ إلى اليَمنِ 5، وامرأةُ صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ أسْلَمتْ يومَ الفَتْحِ، وهرَب زَوْجُها، ثم أسْلَمُوا، وأُقِرُّوا على أنْكِحَتِهم مع اختلافِ الدِّينِ والدارِ بهم، ولأنَّه عَقْدُ معاوَضةٍ، فلم ينْفَسِخْ باخْتِلافِ الدارِ، كالبَيعِ، ويُفارِقُ ما قبلَ الدُّخولِ، فإنَّ القاطِعَ للنِّكاحِ اخْتلافُ الدِّينِ، المانعُ مِن الإِقرارِ على النِّكاحِ، دُونَ ما ذكَرُوه.
فعلى هذا، لو تَزوَّجَ مُسْلِمٌ مُقِيمٌ بدارِ الإِسْلامِ حَرْبِيَّةً مِن أهلِ الكتابِ،
فَصْلٌ: وَإنِ ارْتَدَّ أحَدُ الزَّوْجَينِ قَبْلَ الِدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَا مَهْرَ لَهَا إِنْ كَانَتِ الْمُرْتَدَّةَ، وَإنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ،
صَحَّ نكاحُه، وعندَهم لا يَصِحُّ.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ 1. ولأنَّها امرأةٌ يُباحُ نِكاحُها إذا كانت في دارِ الإِسلامِ، فأُبِيحَ نِكاحُها في دارِ الحَرْبِ، كالمسْلِمَةِ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإنِ ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجَين قبلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ، ولا مَهْرَ لها إن كانتِ المُرتَدَّةَ، وإن كان هو المُرتَدَّ، فلها نِصْفُ المَهْرِ) إذا ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجَينِ قبلَ الدُّخولِ، انْفَسَخَ النِّكاحُ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّه حُكِيَ عن داودَ، أنَّه لا ينْفَسِخُ بالرِّدَّةِ؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ النِّكاحِ.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ 2. ولأنَّه اخْتِلافُ دِينٍ يَمنعُ الإِصابةَ،
وَإِنْ كَانَتِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَهَلْ تُتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ أَوْ تَقِفُ عَلى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
فوَجَبَ فَسْخُ النِّكاحِ، كما لو أسْلَمَتْ تحتَ كافرٍ.
ثم يُنْظرُ؛ فإن كانت المرأةُ هي المُرْتَدَّةَ، فَلا مَهْرَ لها؛ لأنَّ الفَسْخَ مِن قِبَلِها، وإن كان الرجلُ هو المُرْتَدَّ، فعليه نِصفُ المَهْرِ؛ لأنَّ الفَسْخَ مِن جِهَتِه، فأشْبَهَ ما لو طَلَّقَ، وإن كانتِ التَّسْمِيةُ فاسدةً، فعليه نِصْف مَهْرِ المِثْلِ.
3225 -
مسألة: (وإن كانتِ الرِّدَّةُ بعدَ الدُّخُولِ، فهل تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ أو تَقِفُ على انْقِضاءِ العدَّةِ؟ على رِوايَتَين)
اخْتَلفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فيما إذا ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجين بعدَ الدُّخولِ، حَسَبَ اخْتِلافِهما فيما إذا أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَين الكافِرَينِ، ففي إحْداهما تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ.
ورُوِيَ ذلك عن الحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ،
..................................
والثَّوْرِيِّ، وزُفَرَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ ما أوْجَبَ فَسْخَ النِّكاحِ اسْتَوَى فيه ما قبلَ الدُّخُولِ وبعدَه، كالرَّضاعِ.
والثانيةُ، يَقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ، فإن أسْلَمَ المرْتَدُّ قبلَ انْقِضائِها، فهما على النِّكاحِ، وإن لم يُسْلِمْ حتى انْقَضَتْ، بانَتْ منذُ اخْتِلافِ الدِّينَينِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ [لأنَّه لَفْظٌ] 1 تَقَعُ به الفُرْقَةُ، فإذا وُجِدَ بعدَ 2 الدُّخولِ، جاز أن يَقِفَ على انْقِضاءِ العِدَّةِ، كالطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ، أو نقولُ: اخْتِلافُ دِينٍ بعدَ الإِصابةِ، فلا يُوجِبُ فَسْخَه في الحالِ، كإسْلامِ الحَرْبِيَّةِ تحتَ الحَرْبِيِّ، وقياسُه على إسْلام أحدِ الزَّوْجَين أقربُ مِن قياسِه على الرَّضاعِ، ولأنَّ الرَّضاعَ تَحْرُمُ به المرأةُ على التَّأْبِيدِ، فلا فائِدَةَ في تَأْخِيرِ الفَسْخِ إلى بعدِ انْقِضاءِ العِدَّةِ.
وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ، فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا.
3226 - مسألة: (فإن كان هو المرْتَدَّ، فعليه نَفَقَةُ العِدَّةِ)
لأنَّه بسَبِيلٍ مِن 1 الاسْتِمْتاعِ بها بأن يُسْلِمَ، ويُمْكِنُه تلافِي نِكاحِها، فكانتِ النَّفَقةُ [واجِبَةً عليه] 2، كزَوْجِ الرَّجْعِيَّةِ (وإن كانت هي المرْتَدَّةَ، فلا نَفَقَةَ لها) لأنَّه لا سَبِيلَ للزَّوْجِ إلى رَجْعَتِها وتَلافِي نِكاحِها، فلم يكنْ لها نَفَقَةٌ، كما بعدَ العِدَّةِ.
فصل: فإنِ ارْتَدَّ الزَّوْجانِ معًا، فحُكْمُهما حكمُ ما لو ارْتَدَّ أحدُهما؛ إن كان قبلَ الدُّخُولِ، تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ، وإن كان بعدَه، فهل تُتَعَجَّلُ أو تَقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ؟ على رِوايتَين.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
قال أحمدُ في رِوَايةِ ابنِ منصورٍ: إذا ارْتَدَّا معًا، أو أحَدُهما، ثم تابا، أو تابَ المرْتَدُّ منهما، فهو أحَقُّ بها، ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّه لم يَخْتَلِفْ بهما الدِّينُ، فأشْبَهَ ما لو أسْلَما.
ولَنا، أنَّها رِدَّةٌ طارئةٌ على النِّكاحِ، فوجَب أن يتَعَلَّقَ بها فَسْخُه، كما لو ارْتَدَّ أحَدُهما، ولأنَّ كلَّ ما زال عنه مِلْكُ المُرْتَدِّ إذا ارْتَدَّ
..................................
وحدَه، زال إذا ارْتَدَّ غيرُه معه، كمالِه، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا انْتَقَلَ المسلمُ واليهوديَّةُ إلى دِينِ النَّصْرانيَّةِ، فإنَّ نِكاحَهُما ينْفسِخُ، وقد انْتَقَلا إلى دِينٍ واحدٍ، وأمَّا إذا أسْلَما، فقد انْتَقَلا إلى دِينِ الحَقِّ، ويُقَرَّانِ عليه، بخِلافِ الرِّدَّةِ.
فصل: وإذا ارْتَدَّ أحدُ الزَّوْجَين، أو ارْتَدَّا معًا، مُنِعَ وَطْأها 1 في عِدَّتِها، فإن وَطِئَها في عِدَّتِها، وقُلْنا: إنَّ الفُرْقَةَ تُعُجِّلَت.
[فلها عليه مَهْرُ مِثْلِها لِهذا الوَطْءِ، مع الذي ثَبَتَ عليه بالنِّكاحِ؛ لأنَّه وطئَ أَجْنَبِيَّةً] 2، فيكونُ عليه مَهْرُ مِثْلِها.
وإن قُلْنا: إنَّ الفُرْقَةَ تقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ.
فأسْلَمَ المُرْتَدُّ منهما، أو أسْلَما جميعًا في عِدَّتِها وكانتِ الرِّدَّةُ منهما 3، فلا مَهْرَ لها عليه بهذا الوَطْءِ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّ النِّكاحَ لم يَزُلْ، وأنَّه وَطِئَها وهي زَوْجَتُه.
وإن ثَبَتا، أو ثَبَتَ [المُرْتَدُّ منهما] 4 على الرِّدَّةِ حتى انْقَضَتِ العِدَّةُ، فلها عليه مَهْرُ المِثْلِ لهذا الوَطْءِ؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ نِكاحٍ بشُبْهةِ النِّكاحِ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ منذُ اخْتلفَ الدِّينان 5. وقد
..................................
ذَكَرْنا مثلَ ذلك، فيما إذا أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَينِ بعدَ 1 الدُّخُولِ، فوَطِئَها في العِدَّةِ؛ لأنَّه مِثْلُه.
فصل: إذا أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَينِ ثم ارتدَّ، نَظرتَ، فإن [لَمْ يُسْلِمِ] 2 الآخَرُ، تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ مِن حِينَ اخْتَلَفَ الدِّينانِ، وعِدَّتُها مِن حينَ أسْلَمَ المسلمُ منهما.
وإن أسْلَمَ الآخَرُ منهما في العِدَّةِ قَبْلَ ارْتِدَادِ الأوَّلِ، اعْتُبِرَ ابْتداءُ العِدَّةِ مِن حينَ ارْتَدَّ؛ لأنَّ حُكْمَ اخْتِلافِ الدِّينِ بإسلامِ 3 الأَوَّلِ زال بإسْلامِ الثاني في العِدَّةِ.
ولو أسْلَمَ وتَحتَه أكثرُ مِن أرْبَعِ نِسْوةٍ، فأسْلَمْنَ معه، ثم ارْتَدَّ، لم يكنْ له أن يختارَ منهنَّ، لأنَّه لا يجوزُ أن يَبْتَدِئَ العَقْدَ عليهنَّ في هذه الحالِ.
وكذلك لو ارْتَدَدْنَ دُونَه أو معه، لم يكُنْ له أن يختارَ مِنهنَّ؛ لذلك 4.
فصل: إذا تزوَّجَ الكافِرُ بمَن لا يُقَرُّ على نِكاحِها في الإِسْلامِ، مثلَ أن جَمَعَ بينَ الأخْتَين، أو بينَ عَشْرِ نِسْوةٍ، أو نَكَحَ مُعْتَدَّةً أو مُرْتَدَّةً، ثم طَلَّقها ثلاثًا، ثم أسْلَما، لم يكنْ له أن يَنْكِحَها؛ لأنَّنا أجْرَينا أحْكامَهم على الصِّحَّةِ فيما يَعْتَقِدُونه في النِّكاحِ، فكذلك في الطَّلاقِ، ولهذا جاز له إمْسَاكُ الثَّانيةِ مِن الأُخْتَينِ، والخامسةِ المَعْقُودِ عليها آخِرًا.
وَإنِ انْتَقَلَ أَحَدُ الْكِتَابِيَّينِ إِلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ عَلَيهِ، فَهُوَ كَرِدَّتِهِ.
3227 - مسألة: (وإنِ انْتَقَلَ أحدُ الكتابِيَّيْنِ إلى دِينٍ لَا يُقَرُّ عليه، فهو كَرِدَّتِهِ)
إذا انْتَقَلَ الكتابِيُّ إلى غيرِ دينِ أهلِ الكِتابِ 1 مِنَ الكُفْرِ، لم يُقَرَّ عليه.
لا نَعْلَمُ في هذا خلافًا؛ لأنَّه إنِ 2 انْتقلَ إلى دِينٍ لا يُقَرُّ أهلُه بالجِزْيَةِ، كعبادةِ الأوْثانِ وغيرِها مما يسْتَحْسِنُه، فالأصْلِيُّ 3 مِنْهم لا يُقَرُّ على دينِه، فالْمُنْتَقِلُ إليه أوْلَى، وإنِ انْتقَلَ إلى المَجوسِيَّةِ، لم يُقَرَّ أيضًا؛ لأنَّه انْتقَل إلى دينٍ أنْقَصَ مِن دينِه، فلمْ يُقَرَّ عليه، كالمسْلمِ إذا ارْتَدَّ.
فأمَّا إنِ انْتَقَلَ إلى دينٍ آخرَ مِن دينِ أهلِ الكتابِ، كاليهودِيِّ يَتَنَصَّرُ، ففيه رِوايتان؛ إحدَاهما، لا يُقَرُّ أيضًا؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى دينٍ باطلٍ، قد أَقَرَّ بِبُطْلَانِه، فلم يُقَرَّ عليه، كالمُرْتَدِّ.
والثانيةُ، يُقَرُّ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو ظاهرُ كلام الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ 4 الخلالِ وصاحبِه، وقولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه لا يَخرُجُ عن دينِ أهلِ الكتابِ، فأشْبَهَ غيرَ المُنْتَقِلِ.
..................................
وللشافعيِّ قَوْلان كالرِّوايتَين.
فأمَّا المَجوسِيُّ إذا انْتَقَل إلى دينٍ لا يُقَرُّ أهْلُه عليه، لم يُقَرَّ، كأهْلِ ذلك الدِّينِ، وإنِ انْتَقَلَ إلى دينِ أهلِ الكتابِ، خُرِّج فيه الرِّوايتان.
وسواءٌ فيما ذكَرْنا الرجلُ والمرأةُ؛ لعُمومِ قولِه عليه الصلاة والسلامُ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» 1. ولعُمُومِ المعْنَى الذي ذكَرْناه فيهما جميعًا.
فصل: وإنِ انْتَقَلَ إلى غيرِ دينِ أهلِ الكتابِ، لم يُقْبَلْ منه إلَّا الإِسلامُ، في إحدى الرِّواياتِ عن أحمدَ.
اخْتارَه الحلالُ [وصاحِبُه] 2. وهو أحدُ أقوالِ الشافعيِّ؛ لأنَّ غيرَ الإِسلامِ أدْيانٌ 3 باطلةٌ، قد أَقَرَّ ببُطْلانِها، فلم يُقَرَّ عليها، كالمُرْتَدِّ.
وعنه رِوَايةٌ ثانيةٌ، لا يُقْبَلُ منه إلَّا الإِسلامُ أو الدِّينُ (3) الذي كان عليه؛ لأنَّ دِينَه الأوَّلَ قد أقْرَرْناه عليه مرَّةً، ولم يَنْتَقِلْ
..................................
إلى خَيرٍ منه، فنُقِرُّه عليه إن رجَع إليه 1، ولأنَّه مُنْتَقِلٌ مِن دينٍ يُقَرُّ أهلُه عليه، [فيُقْبَلُ منه الرُّجوعُ إليه، كالمرْتَدِّ إذا رَجَعَ إلى الإِسلامِ.
وعن أحمدَ روايةٌ ثالثةٌ، أنَّه يُقْبَلُ منه أحدُ ثلاثةِ أشياءَ، الإِسلامُ، أو الرجوعُ إلى دينِه الأوَّلِ، أو إلى دينٍ يُقَرُّ أهلُه عليه؛ لعُمومِ] 2 قولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 3. وظاهرُ هذه الرِّوايةِ، أنَّ الكتابِيَّ إذا انْتَقَلَ إلى المَجُوسِيَّةِ، أُقِرَّ، وقد ذُكرَ في أعْلَى هذه الصَّفْحةِ أنَّه لا يُقَرُّ، ولعلَّه أرادَ بقولِه: إلى دينٍ يُقَرُّ عليه.
إذا كان دينَ أهلِ الكتابِ؛ ليكونَ مُوافِقًا لِما ذَكَرَه 4 أوَّلًا.
وإنِ انْتَقَلَ إلى دينِ أهلِ الكتابِ، وقُلْنا: لا يُقَرُّ.
ففيه رِوايتانِ؛ إحداهما، لا يُقْبَلُ منه 5 إلَّا الإِسلامُ.
والأُخْرى، لا يُقْبَلُ منه (5) إلَّا الإِسلامُ أو الدِّينُ (5) الذي كان عليه.
فصل: وإن قُلْنا: لا يُقَرُّ.
ففي صِفَةِ إجْبارِه رِوايتَان؛ إحْداهما، أنَّه يُقْتَلُ إن لم يَرْجِعْ، رَجُلًا كان أو امرأةً؛ لعُمُومِ الحديثِ، ولأنَّه ذِمِّيٌّ
..................................
نقَض العَهْدَ، فأشْبَهَ ما لو نَقَضَه بتَرْكِ أداءِ الجزْيَةِ، ويُسْتَتابُ في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّه يُسْتَرْجَعُ عن دينٍ باطلٍ، أَشْبَهَ المرْتَدَّ.
والثاني، لا يُسْتَتابُ؛ لأنَّه كافرٌ أصليٌّ أُبِيحَ قَتْلُه، فأشْبَهَ الحربِيَّ.
فعلى هذا، إن بادَر فأسْلَمَ، أو رجَع إلى ما يُقَرُّ عليه، عُصِم دَمُه، وإلَّا قُتِلَ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، قال أحمدُ: إذا دَخَلَ اليهودِيُّ في النَّصْرانِيَّةِ، ردَدْتُه إلى اليَهودِيَّةِ، ولم أدَعْه فيما انْتَقَلَ إليه.
فقِيلَ له: أَتقْتُلُه؟ قال: لا، ولكنْ يُضْرَبُ ويُحْبَسُ، قال: وإذا كان نصرانيًّا أو يهوديًّا؟ قال: وإن كان يهودِيًّا أو نصرانِيًّا فدَخَل في المجوسِيَّةِ، كان أغْلَظَ؛ لأنَّه 1 لا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُه، ولا تُنْكَحُ له امرأةٌ، ولا يُتْركُ 2 حتى يُرَدَّ إليها.
فقِيلَ له: تَقْتُلُه إذا لم يَرْجِعْ؟ قال: إنَّه لأهْلُ ذلكَ.
وهذا نَصٌّ في أنَّ الكتابِيَّ المُنْتَقِلَ إلى دينٍ آخَرَ مِن دينِ أهلِ الكتابِ لا يُقْتَلُ، بل يُكْرَهُ بالضَّرْبِ والحَبْسِ.
فصل: فإن تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ ذِميَّةً، فانْتَقَلَتْ إلى غيرِ دينِ أهلِ الكتابِ، فهي كالمُرْتَدَّةِ؛ لأنَّ غيرَ أهلِ الكتابِ لا يَحِلُّ نِكاحُ نِسائِهم، فإن كان قَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ نِكاحُها [في الحالِ] 3، ولا مَهْرَ لها، وإن كان
فَصْلٌ: وَإنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ،
بعْدَه، فهل يَقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ أو يَنْفَسِخُ في الحالِ؟ على رِوايتَين.
وكذلك إذا انْتَقَلَتْ إلى دينٍ [لا تُقَرُّ عليه، لأنَّها انْتَقَلَتْ إلى دينٍ] 1 باطلٍ، و 2 إلى دينٍ كانتْ تُقِرُّ بِبُطْلَانِه، فأشْبَهَتِ المُسْلِمَةَ إذا تَهَوَّدَتْ أو تَنَصَّرَتْ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (وإنْ أَسْلَمَ كافِرٌ وتحتَه أَكْثَرُ مِن أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، اخْتارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وفارَقَ سَائِرَهُنَّ) وجملةُ ذلك، أنَّ الكافرَ إذا أسْلَمَ ومعه أكثرُ مِن أَرْبَعِ نِسْوةٍ، فأَسْلَمْنَ في عِدَّتِهِنَّ، أو كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ، لم يكنْ له إمْساكُهُنَّ كُلِّهِنَّ، بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه، ولا يَمْلِكُ إمْساكَ أكثرَ مِن أربعٍ، فإذا أحَبَّ ذلك، اخْتارَ أرْبَعًا مِنهنَّ، وفارَقَ سائِرَهُنَّ، سواءٌ تَزَوَّجَهُنَّ في عَقْدٍ واحدٍ أو عُقُودٍ، وسواءٌ اخْتَارَ الأوائِلَ أو الأواخِرَ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الحسنُ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ،
..................................
والشافعيُّ، وإسحاقُ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: إنْ كان تَزَوَّجَهُنَّ في عَقْدٍ، انْفَسَخَ نِكاحُ جمِيعِهِنَّ، وإن كان في عُقُودٍ، فنِكاحُ الأوائِلِ صحيحٌ، ونِكاحُ ما زادَ على أرْبَعٍ باطلٌ؛ لأنَّ العَقْدَ إذا تناوَلَ أكثرَ مِن أرْبَعٍ، فتَحْرِيمُه مِن طَريقِ الجَمْعِ، فلا يكونُ مُخَيَّرًا فيه بعدَ الإِسلامِ، كما لو تَزَوَّجَتِ المرأةُ زَوْجَينِ في حالِ الكُفْرِ، ثم أَسْلَمُوا.
ولَنا، ما رَوَى قَيسُ بنُ الحارثِ، قال: أسْلَمْتُ وتَحْتِي ثَمانِ نِسْوةٍ، فأتَيتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكرتُ له ذلك، فقال: «اخْتَرْ مِنْهُنَّ أرْبَعًا».
روَاه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 1. ورَوَى محمدُ بنُ سُوَيدٍ 2 الثَّقَفِيُّ، أنَّ غَيلانَ بنَ سَلَمَةَ أسْلَمَ وتحتَه عَشْرُ نِسْوةٍ، فأسْلَمْنَ معه، فأمَرَه النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يتَخَيَّرَ منهنَّ أرْبَعًا 3. روَاه التِّرْمِذِيُّ.
وروَاه
..................................
مالكٌ في «مُوَطَّئِه»، عن الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا، وروَاه الشافعيُّ في «مُسْنَدِه»، عن ابنِ عُلَيَّةَ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سالم، عن أبيه، إلَّا أنَّه غيرُ مَحْفُوظٍ، غَلِطَ فيه مَعْمَرٌ، وخالف فيه أصحابَ الزُّهْرِيِّ، كذلك قال الإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وغيرُهما.
ولأنَّ كُلَّ عددٍ جازَ له ابْتِداءُ العَقْدِ عليه، جاز له إمْساكُه بنِكاحٍ مُطْلَقٍ في حالِ الشِّرْكِ، كما لو تَزَوَّجَهُنَّ بغيرِ شُهُودٍ.
وأمَّا إذا تَزَوَّجَتْ زَوْجَين، فنِكاحُ الثاني باطِلٌ؛ لأنَّها ملَّكَتْهُ مِلْكَ غيرِها.
وإن جَمَعَتْ بينَهما، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها لم تُمَلِّكْه جميعَ بُضعِها، ولأنَّ ذلك ليس بشائِعٍ عندَ أحدٍ مِن أهلِ الأدْيانِ، ولأنَّ المرأةَ ليس لها اخْتِيارُ النِّكاحِ وفَسْخُه، بخِلافِ الرَّجُلِ.
فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ، أُجْبِرَ عَلَيهِ،
فصل: ويجِبُ عليه أن يختارَ أربعًا ويُفارِقَ سائِرَهُنَّ، أو يُفارِقَ الجميعَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَ قَيسًا وغَيلانَ بالاختيارِ، وأمْرُه يقْتَضِي الوُجُوبَ، ولأنَّ المُسْلِمَ لا يجُوزُ إقْرارُه على أكثرَ مِن أرْبعٍ، فإن أبَى، أُجْبِرَ 1 بالحَبْسِ والتَّعْزِيرِ إلى أن يَخْتارَ؛ لأنَّ هذا حَقٌّ عليه، يُمْكِنُه إيفاؤُه، وهو مُمْتَنِعٌ منه، فأُجْبِرَ عليه، كإيفاءِ الدَّينِ.
وليس للحاكمِ أن يخْتارَ عنه، كما يُطَلِّقُ على المُولِي 2 إذا امْتَنَعَ مِن الطَّلاقِ؛ لأنَّ الحقَّ ههُنا لغيرِ مُعَيَّنٍ، وإنَّما تَتَعَيَّنُ الزَّوْجاتُ 3 باخْتِيارِه وشَهْوَتِه، وذلك لا
وَعَلَيهِ نَفَقَتُهُنَّ إِلَى أَنْ يَخْتَارَ.
يَعْرِفُه الحاكمُ فيَنُوب عنه، [بخلافِ المُولِي، فإنَّ الحَقَّ المُعَيَّنَ يُمْكِنُ الحاكمَ إيفاؤُه، والنِّيابةُ فيه عن المُسْتَحِقِّ] (1) فيه.
فإن جُنَّ خُلِّيَ حتى يعودَ عَقْلُه، ثم يُجْبَرُ على الاخْتِيارِ.
3228 -
مسألة: (وعليه نَفَقَتُهُنَّ إلى أن يَخْتارَ)
لأنَّهُنَّ مَحْبُوساتٌ عليه، ولأنَّهُنَّ في حُكْمِ الزَّوْجاتِ، أيَّتُهُنَّ اختارَ جازَ.
فصل: ولو زَوَّجَ الكافرُ ابْنَه الصَّغيرَ أكثرَ مِن أرْبعٍ، ثم أسْلَمُوا جميعًا، لم يَكُنْ له الاخْتِيارُ قَبْلَ بُلُوغِه، فإنَّه لا حُكْمَ لقَوْلِه، وليس لأبِيه الاخْتِيارُ؛ لأنَّ ذلك حَقٌّ يتَعَلَّقُ بالشَّهْوَةِ، فلا يَقُومُ غيرُه مَقَامَه فيه، فإذا بَلَغَ الصَّبِيُّ،1
..................................
كان له أن يَخْتارَ حِينَئِذٍ، وعليه النَّفَقَةُ إلى أن يَخْتارَ، فإن ماتَ الزَّوْجُ، لم يَقُمْ وارِثُه مَقَامَه؛ لِما ذكرْنا في الحاكِمِ.
فصل: وصِفَةُ الاخْتِيارِ أن يقولَ: اخْتَرْتُ [نِكاحَ هؤلاءِ.
أو: اخْتَرْتُ] 1 هؤلاءِ، أو: أمْسَكْتُهُنَّ.
أو: اخْترتُ حَبْسَهُنَّ -أو- إمْساكَهُنَّ -أو- نِكاحَهُنَّ -أو: أمْسَكْتُ 2 نِكاحَهُنَّ.
أو: أثْبَتُّ نِكاحَهُنَّ.
وإن قال لِمَا زاد على الأرْبَعِ: فَسَخْتُ نِكاحَهُنَّ.
كان اخْتِيارًا للأرْبَعِ.
فَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ، أَوْ وَطِئَهَا، كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا،
3229 - مسألة: (وإن طَلَّقَ إحْداهُنَّ، كان اختيارًا لها)
لأنَّ الطَّلاقَ لا يكونُ إلَّا في زَوْجَةٍ.
وإن قال: فارَقْتُ هؤلاءِ.
أو: اخْتَرْتُ فِرَاقَ هؤلاءِ.
فإن لم يَنْو به الطَّلاقَ كان اختيارًا لغيرِهِنَّ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لغَيلانَ: «اخْتَرْ مِنْهُنَّ أرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ».
وهذا يقْتَضِي أن يكونَ لَفْظُ الفِراقِ صَرِيحًا فيه (1)، وكذا في حديثِ فَيرُوزَ الدَّيلَمِيِّ (2) قال: فعَمَدْتُ إلى أقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً فَفَارَقْتُها.
وهذا الموضعُ أخَصُّ بهذه اللفْظَةِ، فيجبُ أن يتخصَّصَ فيه بالفَسْخِ.
فإن نوَى به الطَّلاقَ، كان اختيارًا لهُنَّ دُونَ غيرِهِنَّ.
وذكَر القاضي فيه عِنْدَ الإِطْلَاقِ (3) وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أن يكونَ اخْتِيارًا للمفارَقاتِ؛ لأنَّ لَفْظَ الفِرَاقِ صريحٌ في الطَّلاقِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
3230 -
مسألة (وَإن وَطِئَ)
إحْداهُنَّ، كان اخْتِيارًا لها فِي قِياسِ المَذْهَبِ؛ لأنَّه لا يجوزُ إلَّا في مِلْكٍ، فيدُلُّ على الاخْتِيارِ، كوَطْءِ الجاريةِ123
.................................. المَبِيعةِ بشَرْطِ الخِيارِ.
وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا، أُقْرِعَ بَينَهُنَّ، فَأُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ أرْبَعٌ مِنْهُنَّ، وَلَهُ نِكَاحُ الْبَوَاقِي.
3231 - مسألة: (وإن طَلَّقَ الجميعَ، أُقْرِعَ بينَهنَّ، فأُخْرِجَ أرْبَعٌ مِنْهُنَّ بالقُرْعَةِ)
فكُنَّ المُخْتاراتِ، ووَقَعَ طلاقُه بِهِنَّ، وانْفَسَخ نِكاحُ البَوَاقِي (وله نِكاحُ البَواقي) فإن كان الطَّلاقُ ثَلاثًا، فمتى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، فله أن يَنْكِحَ مِن الباقياتِ؛ لأنَّهُنَّ لم يَطْلُقْنَ منه، ولا تَحِلُّ له المُطَلَّقَاتُ إلَّا بعدَ زَوْجٍ وإصابةٍ.
ولو أسْلَمَ ثم طَلّقَ الجميعَ قبلَ إسْلامِهِنَّ، ثم أسْلَمْنَ في العِدّةِ، أُمِرَ أن يَخْتارَ أرْبَعًا مِنْهُنَّ، فإذا اخْتارَهُنَّ، تَبَيَّنَّا أنّ طَلاقَه وَقَع بِهِنَّ؛ لأنَّهُنَّ زَوْجاتٌ، ويعْتَدِدْنَ مِن حِينِ طَلاقِه، وبانَ
وَإِنْ ظَاهَرَ أَوْ آلى مِنْ إِحْدَاهُنَّ، فَهَلْ يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
البَواقِي باخْتِيارِه لغيرِهِنَّ، ولا يَقَعُ بِهِنَّ طَلاقُه، وله نِكاحُ أرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذا انْقَضَتْ عِدَّةُ المُطَلَّقاتِ؛ لأنَّ هؤلاءِ غيرُ مُطَلَّقاتٍ، والفَرْق بينَها (1) وبينَ التي قَبْلَها، أنَّ طَلاقَهُنَّ قبلَ إسْلامِهِنَّ في زَمنٍ ليس له الاختيارُ فيه، فإذا أسْلَمْنَ تَجَدَّدَ له الاختيارُ حِينَئِذٍ، وفي التي قَبْلَها طَلَّقَهُنَّ وله الاخْتِيارُ، والطَّلاقُ يَصْلُحُ اختيارًا، وقد أوْقَعَهُ في الجميعِ، وليس بَعْضُهُنَّ أوْلَى مِن بعضٍ، فصِرْنَا (2) إلى القُرْعَةِ؛ لتَساوي الحُقُوقِ.
3232 -
مسألة: (وإن ظاهَر أو آلى مِن إحداهُنَّ، فهل يكونُ اختيارًا لها؟ على وَجْهَين)
أحدُهما، لا يكونُ اختيارًا؛ لأنَّه يَصِحُّ في غيرِ زَوْجَةٍ.
والثاني، يكونُ اختيارًا؛ لأنَّ حُكْمَه لا يَثبُتُ في غيرِ زَوْجَةٍ.
وإن قَذَفَها لم يكنِ اخْتِيارًا لها؛ لأنَّه يَقَعُ في غيرِ زَوْجَةٍ.12
..................................
فصل: وإذا اخْتارَ مِنهُنَّ أرْبَعًا وفارَقَ البَواقِيَ، فعِدَّتُهُنَّ مِن حِينَ اخْتارَ؛ لأنَّهُنَّ بِنَّ 1 منه بالاخْتِيارِ.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ عِدَّتُهُنَّ مِن حينَ أسْلَمَ؛ لأنَّهُنَّ يَبِنَّ بإسْلامِه، وإنَّما يَبِينُ ذلك باخْتِيارِه، فيَثْبُتُ حُكْمُه مِن حينِ الإِسلامِ، كما إذا أسْلَمَ أحدُ الزَّوجَين فلم يُسْلِمِ الآخَرُ حتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها 2. وفُرْقَتُهُنَّ فَسْخٌ؛ لأنَّها تَثْبُتُ بإسْلامِه مِن غيرِ لَفْظٍ فِيهِنَّ، وعِدَّتُهُنَّ كعِدَّةِ المُطلَّقاتِ؛ لأنَّ 3 عِدَّةَ مَنِ انْفَسَخَ نِكاحُها كذلك 4. وإن ماتَتْ إحْدَى المُخْتاراتِ، أو 5 بانتْ منه وانْقَضَتْ عِدَّتُها، فله أن يَنْكِحَ واحدةً مِن المُفارَقاتِ، وتكونُ عِنْدَه على طَلاقِ ثَلاثٍ؛ لأنَّه لم يُطَلِّقْها قَبْلَ ذلك.
وإنِ اخْتارَ أقَلَّ مِن أرْبَعٍ، أو اختارَ تَرْكَ الجميعَ، أُمِرَ بِطَلاقِ أرْبَعٍ أو تَمامَ أرْبَعٍ 6؛ لأنَّ الأرْبَعَ زَوْجاتٍ، لا يَبِنَّ منه إلَّا بِطَلاقٍ، أو ما يقومُ مَقامَه، فإذا طَلَّقَ أرْبَعًا مِنْهُنَّ،
وَإِنْ مَاتَ فَعَلَى الْجَمِيعِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَهُنَّ أَطْوَلُ الْأَمْرَينَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ.
وَقَع طَلاقُه بهِنَّ (1)، وانْفَسَخَ نِكاحُ الباقياتِ؛ لاخْتِيارِه لَهُنَّ، وتكونُ عِدَّةُ المُطَلَّقاتِ مِن حينَ طَلَّق، وعِدَّةُ الباقِياتِ على الوَجْهَين.
3233 -
مسألة: (وإن ماتَ فَعَلَى الجميعِ عِدَّةُ الوَفاةِ)
هكذا ذكَرَه في الكتابِ المشْروحِ.
والأوْلَى أنَّ، مَن كانت مِنهُنَّ حامِلًا، فعِدَّتُها بوَضْعِه؛ لأنَّ ذلك تنْقَضِي به العِدَّةُ في كُلِّ حالٍ، ومَن كانت آيِسَةً أو صَغِيرَةً، فعِدَّتُها عِدَّةُ الوَفاةِ؛ لأنَّها أطْوَلُ العِدَّتَين في حَقِّها، ومَن كانت مِن ذَواتِ القُرُوءِ، اعْتَدَّتْ أطْوَلَ الأجَلَين؛ مِن ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ أو 2 أرْبَعَةِ1