الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 280-319

كِتَابُ الطَّهارة

صفحات 280-319

..................................  حينَ سُئِل عن الماءِ، وما يَنُوبُه مِن السِّباعِ فقال: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يَحمِلِ الْخَبَثَ» 1. ولأنَّ لَنا رِوايَةً أنَّ الماءَ لا يَنْجُسُ إلَّا بالتَّغَيُّرِ 2، فلذلك 3 لا يُنَجِّسُ الماءَ شُربُها منه، وقِياسُهم على الهِرِّ في مُعارَضة النَّصِّ لا يَصِحُّ، والفَرقُ بينَهما، أنَّ الكلبَ يَأكُلُ النَّجاساتِ عادَةً، بخِلافِ الهِرِّ.
واللهُ أعلم.
وإذا ثَبَتَتْ نَجاسَةُ الكلبِ، ثَبَتَتْ نَجاسَةُ الخِنْزِيرِ بطرِيقِ التنبِيهِ؛ لأنَّه شَرٌّ منه، وقد نَصَّ الشّارِعُ على تَحرِيمِه، فكان تَنْجِيسُه أوْلَى.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجِبُ غَسْلُها إذا كانت على غيرِ الأرض سَبْعًا إحداهُنَّ بالتُّرابِ، ومِمَّن قال: يُغْسَلُ سَبْعَ مَرّاتٍ.
أبو هُرَيرَةَ، وابنُ

..................................  عباسٍ، وعُروَةُ، وطاوُسٌ، وعَمرُو بنُ دِينارٍ 1، والأوْزاعِيُّ، والشافعيّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الزُّهْري: يُغْسَلُ ثلاثَ مَرّاتٍ.
وقال عَطاءٌ: كلٌّ قد سَمِعْتُ، ثَلاثًا، وخَمْسًا، وسَبْعًا.
وعن أحمدَ، أنه يَجِبُ غَسْلُها ثَمانِيًا، إحداهُنَّ بالتُّرابِ.
وهو رِوايَةٌ عن الحسنِ، لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإنَاءِ، فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتراب».
رَواه مسلمٌ 2. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، ما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي

..................................  إنَاءِ أحَدِكم فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا، أُولاهُنَّ بِالترابِ».
رَواه مسلم.
وهذه الرِّوايَةُ أصَحُّ.
ويُحمَلُ هذا الحَدِيثُ على أنه عَدَّ التُّرابَ ثامِنَةً؛ لكَوْنِه جِنْسًا آخَرَ، جَمعًا بينَ الخَبَرَين.
وقال أبو حَنِيفَةَ: لا يَجِبُ العَدَدُ في شيءٍ مِن النَّجاساتِ، إنَّما يُغْسَلُ حتى يَغْلِبَ على الظنِّ نَقاؤه من النَّجاسَة، لأنَّه رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال في الكلبِ يَلَغُ في الإِناءِ: «يُغْسَلُ ثَلَاثًا، أو خَمسًا، أو سَبْعًا» 1. فلم يُعَيِّنْ عَدَدًا، ولأنَّها نَجاسَة فلم يَجِبْ فيها العَدَدُ،؛ لو كانت على الأرضِ.
ولَنا، ما ذَكَرنا مِن الحَدِيثَين، وحَدِيثُهم يَرويه عبدُ الوَهّابِ بنُ الضَّحّاكِ 2، وهو ضَعِيفٌ، فلا يُعارِضُ حَدِيثَنا.
وقد روَى غيرُه مِن الثقاتِ: «فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا».
وعلى أنَّه يَحتَمِلُ الشَّكَّ مِن الرّاوي، فيَنْبغي أن يُتَوَقَّفَ فيه، والأرضُ سُومِحَ في غَسْلِها للمَشَقَّةِ، بخِلافِ غيرِها.

فَإِنْ جَعَلَ مَكَانَهُ أُشنَانًا أَوْ نحوَهُ، فَعَلَى وجهينِ.

195 - مسألة: (فإن جَعَل مَكانَه أُشْنانًا أو نَحوَه، فعلى وَجْهين)

يَعنِي إن جَعَل مكانَ التُّرابِ، في غَسْلِ نَجاسَةِ الكَلْبِ، غيره مِن الأشْنانِ والصّابُونِ والنُّخالةِ 1، ففيه وَجْهان، أحَدُهما، لا يُجْزِئُه، لأنَّه طهارةٌ أُمِر فيها بالتُّرابِ، فلم يَقُم غيرُه مَقامَه، كالتَّيَمُّمِ، ولأن الأمرَ به تَعَبُّدٌ، فلا يُقاسُ عليه، والثاني، يُجْزِئُه، لأنَّ هذه الأشْياءَ أبلَغُ مِن التُّرابِ في الإزالةِ، فنَصُّه على التُّرابِ تَنْبِيهٌ عليها، ولأنَّه جامِدٌ أُمِر به في إزالةِ النَّجاسَةِ، فألحِقَ به ما يُمَاثِلُه، كالحَجَرِ في الاستِجْمارِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: إنَّما يَجُوزُ العُدُولُ إلى غيرِ التُّرابِ عندَ عَدَمِه، أو فَسادِ المَحَلِّ المَغْسُولِ به، فأمّا

..................................  مع وُجُودِه، وعَدَمِ الضَّرَرِ فلا.
فإن جَعَل مَكانَه غَسْلَةً ثامِنَةً، فقال بَعْضُ أصحابِنا: فيه وَجْهان.
والصحيحُ أنها لا تَقومُ مُقامَ التُّرابِ، لأنَّه إن كان القَصدُ به تَقْويةَ الماءِ في الإِزالةِ، فذلك لا يَحصُلُ مِن الثّامِنَةِ، وإن وَجَب تَعَبُّدًا، امتَنَع إبْدالُه، والقِياسُ عليه.
والله أعلمُ.
وهذا اخْتِيارُ شيخِنا 1. فصل: ولا فَرقَ بينَ غَسْلِ النَّجاسةِ مِن وُلُوغِ الكَلْبِ، أو يَده أو رِجْلِه، أو شَعَرِه، أو غيرِ ذلك مِن أجْزائِه، قِياسًا على السُّؤرِ، ولأنَّ ذلك حُكْمُ غيرِه مِن الحيواناتِ، فكذلك الكلبُ.
وحُكْمُ الخِنْزِيرِ في سُورِه، وسائِرِ أجْزائِه، حُكْمُ الكلبِ، على ما فَصَّلْنا، لأنَّه شَرٌّ منه، وقد نَصَّ الشّارِعُ على تَحْرِيمهِ، وأجْمَعَ المُسْلِمون عليه، ولا يُباحُ اقْتِناؤه بحَالٍ، فثَبَتَ الحُكْمُ فيه بطرَيِقِ الأوْلَى.

..................................  فصل: وإذا وَلَغ في الإِناءِ كِلابٌ، أو أصاب المَحَلَّ نَجاساتٌ مُتَساويَةٌ في الحُكْمِ، فهي كنَجاسَةٍ واحِدَةٍ، وإن كان بَعضُها أغْلَظَ، كالوُلُوغِ مع غيرِه، فالحُكْمُ لأغْلَظِها، ويَدْخُلُ فيه ما دُونَه.
ولو غَسَل الإناءَ دُونَ السبع، ثم وُلِغَ فيه مَرَّةً أخْرَى، فغَسَلَه سَبْعًا أجْزأ؛ لأنَّه إذا أَجْزأ عَمّا يُماثِلُ، فعَمّا دُونَه أوْلَى.
فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يَجْعَلَ التُّرابَ في الغَسْلَةِ الأولَى؛ لمُوافَقَةِ لَفْظِ الخَبَرِ، وليَأتِيَ الماءُ بعدَه فيُنَظِّفَه، ومتي غَسَل به أجْزأه، لأنه رُوِيَ في حديثٍ: «إحدَاهُنَّ».
وفي حديثٍ: «أولاهُنَّ».
وفي حديثٍ: «في الثَّامِنَةِ».
فيَدُلُّ على أنَّ مَحَلَّ التُّرابِ مِن الغَسَلاتِ غيرُ مَقْصُودٍ.
فصل: وإذا غَسَل مَحَلَّ الوُلُوغِ، فأصابَ ماءُ بَعْضِ الغَسَلاتِ مَحَلًّا آخَرَ قبلَ إتْمامِ السَّبْعِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجبُ غَسْلُه سَبْعًا.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِي، واخْتِيارُ ابنِ حامد؛ لَأنَّها نَجاسَةٌ، فلا يُراعَى فيها حُكْمُ المَحَلِّ الذي انْفَصَلَتْ عنه، كنَجاسَةِ الأرضِ، ومَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ.
والثاني، يجبُ غَسْلُه مِن الأولَى سِتًّا، ومِن

وَفِي سَائِرِ النَّجَاسَاتِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إِحدَاهُنَّ،  الثانية خمسًا، كذلك إلى آخِرِه؛ لأنَّها (1) نَجاسَة تَطْهُرُ في مَحلها بدونِ السبعِ، فطَهُرتْ به في مِثْلِه قِياسًا عليه، وكالنَّجاسَةِ على الأرضِ.
وتُفارِق المُنْفَصِلَ عن الأرض ومَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ؛ لأنَّ العِلَّةَ في خِفَّتِها المَحَلُّ، وقد زالتْ عنه، فزال التَّخْفِيفُ، والعِلَّةُ في تَخْفِيفِها ههُنا قُصُورُ حُكْمِها بما مَرَّ عليها مِن الغَسْلِ، وهذا لازِمٌ لها حَيثُما كانت.
ثم إن كانت قد انْفَصَلَتْ عن مَحَل غُسِل (2) بالتُّرابِ، غُسِل مَحَلُّها بغيرِ تُرابٍ، وإن كانت الأولَى بغيرِ تُرابٍ، غُسِلَتْ هذه بالتُّرابِ.
وهذا اخْتِيارُ القاضي، وهو أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.

196 -

مسألة: (وفي سائِرِ النَّجاساتِ ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحداهُنَّ،

12

يَجبُ غَسْلُها سَبْعًا.
وهلْ يُشْتَرَطُ التُّرَابُ؟ عَلَى وَجْهينِ.
وَالثَّانِيَةُ، ثَلَاثًا.
والثَّالِثَةُ، تُكَاثر بِالْمَاءِ مِنْ غَيرِ عَدَدٍ، كَالنَّجَاسَاتِ كلها إِذَا كَانَتْ عَلَى الأرضِ.
يَجِبُ غَسْلُها سَبْعًا، وهل يُشْتَرَطُ التُّرابُ؟ على وَجْهين.
والثانيةُ، ثلاثًا.
والثالثةُ، تُكاثر بالماءِ مِن غيرِ عَدَدٍ، كالنجاساتِ كلِّها إذا كانت على الأرضِ) وجُملَةُ ذلك، أنَّ في سائِرِ النَّجاساتِ، غيرَ نَجاسَةِ الكلبِ والخِنْزِيرِ، إذا كانت على غيرِ الأزضِ ثلاثَ رِواياتٍ، إحداهُنَّ، يَجِبُ غَسْلها سَبْعًا، قِياسًا على نَجاسَةِ الكلبِ والخِنْزِيرِ، ولِما 1 رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ أنَّه قال: أُمِرْنا بغَسْلِ الأنْجاسِ سَبْعًا.
فيَنْصَرِفُ إلى أمرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -

..................................  فعلى هذا، هل يُشْتَرَطُ التُّرابُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يَجبُ قِياسًا على الوُلُوغِ.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
والثاني، لا يُشْتَرَطُ، لأَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالغَسْلِ للدَّمِ وغيرِه، ولم يَأمُر بالتُّرابِ، إلَّا في نَجاسَةِ الكلبِ، فوَجَبَ أن يُقْتَصَرَ عليه، ولأنَّ الأمرَ بالتُّرابِ إن كان تَعَبُّدًا وَجَب قَصرُه على مَحَلِّه، وإن كان لمَعْنًى في نَجاسَةِ الوُلُوغِ مِن اللزوجَةِ التي لا تَنْقَلِعُ إلَّا بالتُّرابِ، فذلك 1 لا يُوجَدُ في غيرِه.
وفي هذا الدَّلِيلِ نَظرٌ؛ لأنَّه غيرُ مَوْجُودٍ في نَجاسَةِ الكلبِ غيرُ الوُلُوغِ، وقد قالوا بُوجُوبِ التُّرابِ فيه.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، يَجِبُ غَسْلُها ثلاثًا؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا قامَ أحَدُكْمُ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمس يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَها ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدرِى أينَ بَاتَتْ يَدُه».

..................................  رَواه مسلمٌ 1. أمَرَ بغَسْلِها ثَلاثًا؛ ليَرتَفِعَ وَهْمُ النَّجاسَةِ، ولا يَرفَعُ وَهْمَ النَّجاسَةِ إلَّا ما يرفَعُ الحَقِيقَةَ.
والثالثةُ، تُكاثر بالماءِ مِن غيرِ عَدَدٍ، حتى تَزُولَ عَينُ النَّجاسَةِ.
وهذا مَذْهبُ الشافعي؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: كان [الغُسْلُ مِن الجَنابَةِ سَبْعَ مَرّاتٍ، و] 2 غَسْلُ الثَّوْبِ مِن البَوْلِ سَبْعٍ مَرّاتٍ، فلم يَزَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْألُ حتى جعِل [الغُسْلُ مِن الجَنابَةِ مَرَّة، و] (2) غَسْلُ الثَّوْبِ مِن البَوْلِ مَرَّةً.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 3. إلَّا أنَّ في رُواتِه أيوبَ بنَ جابرٍ، وهو ضَعِيف.
ولأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأسماءَ في الدَّمِ: «اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» 4. ولم يَذْكُر عَدَدًا، ولأنَّها نَجاسَةٌ، فلم

..................................  يَجِبْ فيها العَدَدُ، كنَجاسَةِ الأرضِ.
وقد رُوِيَ أنَّ النجاسَةَ في مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ تَطْهُرُ بثَلاثٍ، وفي غيرِه بسَبْعٍ، لأنَّ مَحَلَّ الاسْتِنْجاءِ تَتَكَرَّرُ النَّجاسَةُ فيه، فاقْتَضَى ذلك التَّخْفِيفَ، ولأنَّه قد اجْتُزِيَ فيها بثَلاثَةِ أحْجارٍ، فأوْلَى أن يُجْتَزَا فيها بثَلاثِ غَسَلاتٍ، لأنَّ الماءَ أبلَغُ مِن الأحْجارِ.
وفيه رِوايَة خامسةٌ، أنَّ العَدَدَ لا يَجِبُ في نَجاسَةِ البَدَنِ، ويَجِبُ في غيرِها، لأنَّ الأبدانَ تَعُمُّ البَلْوَى فيها بمُلاقاةِ النَّجاسَةِ، تارَةً مِنها، وتارةً مِن غيرِها، فخُفِّفَ أمرُها لأجْلِ المَشَقَّةِ.
ذَكَرَها ابنُ عَقِيلٍ.
وذَكَر القاضي رِوايَةً، أنَّ العَدَدَ لا يُعْتَبَرُ في غيرِ مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ مِن البَدَنِ، ويَجِبُ في مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بعَدَدِ الحْجارِ فيه، ولا 1 يَجِبُ في سائِرِ المَحالِّ.
وقال الخَلّالُ: هذه الروايَةُ وَهْمٌ.
ولمَ يُثْبِتْها.

..................................  فصل: وإذا أصابَتِ النَّجاسَةُ الأجْسامَ الصَّقِيلَةَ، كالمِرآةِ ونَحْوها، وَجَب غَسْلُه، ولم يَطْهُرُ بالمسحِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ لا تَتَكَرَّرُ 1 فيه النَّجاسَةُ، فلم يَجُزْ فيه المَسْحُ، كالأوانِي.
فصل: وغَسْلُ النَّجاسَةِ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ مَحَلِّها؛ فإِن كان جِسْمًا لا يَتَشرَّبُ النَّجاسَةَ كالآِيَةِ، فغَسْلُه بإمرارِ الماءِ عليه كلَّ مرَّةٍ غَسْلَةٌ، سَواءٌ كان بفِعلِ الآدَمِيِّ أوْ لا، مِثْلَ أن يَنْزِلَ عليه ماءُ المَطرَ، أو يَجْرِيَ عليه الماءُ، فكلُّ جِرية تَمُرُّ عليه غَسْلَةٌ؛ لأنَّ القَصدَ غيرُ مُعْتَبَرٍ، أشْبَه ما لو صَبَّه آدَمِيٌّ بغيرِ قَصدٍ، كان وَقَع في ماءٍ راكِدٍ قَلِيلٍ، نَجَّسَه ولم يَطْهُر، وإن كان كثِيرًا اعتُبرَ وَضْعُه فيه ومُرُورُ الماءِ على أجْزائِه غَسْلَةً، وإن حَرَّكَه في الماء بحيث تَمَرُّ عليه أجْزاءٌ غيرُ التي كانت مُلاقِيَةً له، احتُسِبَ بذلك غَسْلَةً ثانيةً، كما لو مَرَّتْ عليه جِرْياتٌ مِن الماءِ الجارِي.
وإن كان المَغْسُولُ إناءً، فطُرِحَ فيه الماءُ، لم يُحتَسَبْ به غَسْلَةً حتى يُفْرِغَه منه؛ لأنَّه العادَةُ في

..................................  غَسْلِه.
فإن كان الإِناءُ يَسَعُ قُلَّتَين فَصاعِدًا فمَلَأه، احتَمَلَ أنَّ إدارَةَ الماءِ فيه تُجْرَى مُجْرَى الغَسَلاتِ؛ لأنَّ أجْزاءَه تَمُرُّ عليها جِرْياتٌ مِن الماءِ غيرُ التي كانت مُلاقِيَةً لها، أشْبَه ما لو مَرَّتْ عليه جِزياتٌ مِن الماءِ الجارِي.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَكُونُ غَسْلَةً إلَّا بتَفْرِيغِه أيضًا.
وإن كان المَغْسُولُ جسْمًا تَدْخُلُ فيه أجْزاءُ النَّجاسَةِ، كالثَّوْبِ، لم يُحتَسَبْ برَفْعِه مِن الماءِ غَسْلَةٌ حتى يَعصِرَه، وعَصْرُ كلِّ شيءٍ بحَسَبه؛ فإن كان بِساطًا ثَقِيلًا، أو نَحوَه، فعَصرُه بتَقْلِيبِه ودَّقه حتى يَذْهبَ أكْثَرُ ما فيه مِن الماءِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: إذا أصاب ثوْبَ المرأةِ دَمُ حَيضِها، اسْتُحِبَّ أن تَحُتَّه بظُفْرِها؛ لتَذْهبَ خُشُونَتُه، ثم تَقْرُصَه برِيقها لَيلينَ للغَسْلِ، ثم تَغْسِلَه بالماءِ؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسْماء في دَمِ الحَيضِ: «حُتِّيهِ، ثُمَّ اقْرُصِيهِ، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» 1. وإن اقْتَصَرَتْ على الماء جاز، وإن لم يَزُلْ لَوْنُه، وكانت إزالته تَشُقُّ أو تُتْلِف الثَّوْبَ، أو تَضُرُّه؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَا يَضُرُّكِ أثرهُ».
رواه أبو داودَ 2. وإن اسْتَعمَلَتْ في إِزالتِه شيئًا يُزِيلُه، كالمِلْحِ وغيرِه، فحَسَنٌ؛ لِما روَى [الإِمامُ أحمدُ و] 3 أبو داودَ 4، عن امرأةً مِن غِفارٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أردَفَها على حَقِيبَةِ رَحلِه 5 فحاضَتْ، قالت:

..................................  فَنَزَلْتُ فإذا بها دَمٌ مِنِّي، فقال: «مَا لكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ»؟ قالت: نعم.
قال: «فَأصلِحِي مِنْ نَفْسِكِ، ثُمّ خُذِي إِنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنَ الدَّمِ».
قال الخَطّابيُّ 1: فيه مِن الفِقْهِ جَوازُ اسْتعمالِ المِلْحِ وهو مَطْعُوم في غَسْلِ الثَّوْبِ، وتنقِيَته مِن الدَّمِ، فعلى هذا يَجُوزُ غَسْلُ الثِّيابِ بالعَسَلِ إذا كان الصّابُونُ يُفْسِدُه، وبالخَل إذا أصابَه الحِبْرُ، والتَّدَلُّكُ بالنُّخالةِ، وغَسْلُ الأيدِي بها، وبالبِطِّيخِ ودَقِيقِ الباقِلّاءِ، وغيرِها مِن الأشْياءِ التي لها قُوَّةُ الجِلاءِ.

..................................  فصل: فإن كان في الإِناءِ خَمرٌ أو شِبْهُه مِن النَّجاساتِ التي يَتَشَرَّبُها الإِناءُ، ثم متى جُعِل فيها مائِعٌ سِواه، ظَهَر فيه طَعمُ النَّجاسَةِ أو لَوْنُها، لم يَطْهُرُ بالغَسْلِ، لأنَّ الغَسْلَ لا يَسْتأصِلُ أجْزاءَ النَّجاسَةِ مِن جِسْمِ الإِناءِ، فلم يُطَهِّره، كالسِّمسِمِ الذي ابْتَلَّ بالنَّجاسَةِ.
قال الشيخُ أبو الفَرَجِ المَقْدِسِيُّ في «المُبْهِجِ» 1: آنِيَةُ الخَمْرِ منها المُزَفَّتُ، فيَطْهُرُ بالغَسْلِ؛ لأنَّ الزِّفتَ يَمنَعُ وُصُولَ النَّجاسَةِ إلى جِسْمِ الإِناءِ، ومنها ما ليس بمُزَفَّتٍ فيَتَشَرَّبُ أجْزاءَ النَّجاسَةِ، فلا يَطْهُرُ بالتَّطْهِيرِ، فإنَّه متى تُرِك فيه مائِعٌ، ظَهر فيه طَعمُه أو لَوْنُه.

..................................  فصلٌ في تطهيرِ النَّجاسَةِ على الأرضِ: متى تَنَجَّسَتِ الأرضُ بنَجاسَةٍ مائِعَةٍ، أي نَجاسَةٍ كانت؛ كالبَوْلِ والخَمرِ ونَحوهما، فطُهُورُها أن يَغْمُرَها بالماءِ، بحيث يَذْهبُ لَوْنُ النَّجاسَةِ ورِيحُها، فإن لم يَذْهبا، لم تَطْهُرْ؛ لأنَّ بَقاءَهما دَلِيلُ بَقاءِ النَّجاسَةِ.
فإن كانت مِمّا لا يزولُ لَوْنُها أو رائِحَتُها إلَّا بمَشَقَّةٍ، سَقَط ذلك كما قُلْنا في الثَّوْبِ.
والدَّلِيلُ على أنَّ الأرضَ تَطْهُرُ بذلك، ما روَى أنسٌ قال: جاء أعرابِي فبال في طائِفةٍ مِن المسجدِ، فزَجَرَه النّاسُ، فنَهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا قَضَى بولَه، أمَر بذَنُوبٍ مِن ماءٍ فأهْرِقَ عليه.
متَّفَقٌ عليه 1. ولا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا.
فصل: إذا أصابَ الأرضَ ماءُ المَطرَ، أو السيولُ، فغَمَرَها وجَرَى عليها، فهو كما لو صُبَّ عليها؛ لأنَّ تَطْهِيرَ النَّجاسَةِ لا تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فيه، فاسْتَوَى ما صَبَّه الآدَمي وغيرُه.
قال أحمدُ، في البَوْلِ يكونُ في الأرض فتُمطِرُ عليه السَّماءُ: إذا أصابَه مِن المَطرَ بقَدرِ ما يكونُ ذَنُوبًا، كما أمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُصَبَّ على البَوْلِ، فقد طَهُرَ.
وقال المَرُّوذِيُّ: سُئِل أبو عبدِ اللهِ عن ماءِ المَطرَ يَخْتَلِطُ بالبَوْلِ، فقال: ماء المَطرَ عِنْدِي لا يُخالِطُ شيئًا إلَّا طَهَّرَه، إلَّا العَذِرَةَ فَإِنَّها تَنْقَطِعُ.
وسُئِلَ عن ماءِ المَطرَ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فلم يَرَ به بأسًا، إلَّا أن يكُونَ بِيلَ فيه بعدَ المَطرَ، وقال: كلُّ

..................................  ما يَنْزِلُ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ فهو نَظِيفٌ، داسَتْه الدَّوابُّ أو لم تَدُسْه.
وقال في المِيزابِ: إذا كان في المَوْضِعِ النَّظِيفِ، فلا بأسَ بما قَطرَ عليك مِن المَطرَ إذا لم تَعلم.
قِيل له: فأسْألُ عنه؟ قال: لا، وما دَعاك إلى السُّؤالِ؟ واحتَجَّ في طهارةِ طِينِ المَطرَ بحديثِ الأعرابِي، وبأنَّ أصحابَ النبي - صلى الله عليه وسلم - والتّابِعِين كانوا يَخُوضُون المَطرَ في الطرقاتِ، فلا يَغْسِلُون أرجُلَهم.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعليٍّ، رَضِي اللهُ عنهما.
قال ابنُ مسعودٍ: كُنّا لا نَتَوَضّأ مِن مَوْطئٍ.
ونَحوُه عن ابنِ عباس.
وهذا قَوْلُ عَوامِّ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ الأصلَ الطهارةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِ.
فصل: فإن كانتِ النَّجاسَةُ ذاتَ أجْزاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ، كالرَّمِيمِ، والدَّمِ إذا جَفَّ 1، والرَّوْثِ، فاخْتَلَطَتْ بأجْزاءِ الأرضين، لم تَطْهُر بالغَسْلِ؛

وَلَا تَطْهُرُ الأرضُ النَّجِسَةُ بِشَمس وَلَا رِيحٍ.
لأنَّ عَينَها لا تَنْقَلِبُ، ولا تَطْهُرُ إلَّا بإزالةِ أجْزاءِ المَكانِ، بحيثُ يُتَيَقَّنُ زَوالُ أجْزاءِ النَّجاسَةِ.
ولو بادَرَ البَوْلَ وهو رَطْبٌ، فقَلَعَ التُّرابَ الذي عليه أثره، فالباقي طاهِرٌ؛ لأنَّ النَّجِسَ كان رَطْبًا، وقد زال؛ وإن جَفَّ فأزال ما وَجَد عليه الأثَرَ، لم يَطْهُرْ؛ لأنَّ الأثَرَ إنَّما يَبِينُ على ظاهِرِ الأرضِ، لكنْ إن قَلَع ما تَيَقَّنَ به زَوال ما أصابَه البَوْلُ، فالباقي طاهِرٌ.

197 -

مسألة: (ولا تَطْهُرُ الأرضُ النَّجِسَةُ بشمس ولا رِيح)

1 ومِمَّن رُوِيَ عنه ذلك أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، والشافعي في أحدِ قَوْلَيه.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: تَطْهُرُ إذا ذَهب أثر النَّجاسَةِ.
وقال أبو قِلابَةَ 2: جَفاف الأرضِ طَهُورُها؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ روَى أنَّ الكِلابَ كانت تَبُولُ، وتُقْبِلُ وتُدبِرُ في المَسْجِدِ، فلم يَكُونُوا يَرُشُّون شيئًا مِن

..................................  ذلك.
رَواه أبو داودَ 1. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صُبّوا عَلَى بَوْلِ الأعرَابِيِّ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» 2. والأمرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، ولأنَّه مَحَلٌّ نَجِسٌ، فلم يَطْهُر بغيرِ الغَسْلِ، كالثِّيابِ.
فأمّا حديثُ ابنِ عُمَرَ، فرَواه البُخاري 3، وليس فيه ذِكْرُ البَوْلِ.
ويَحتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّها كانت تَبُولُ، ثم تُقْبِلُ وتدبِرُ في المَسْجِدِ، فيكونُ إقْبَالُها وإدبارُها فيه بعدَ بَوْلِها.

وَلَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ بِالاسْتِحَالةِ، إلا الْخمرَةَ إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِها،

198 - مسألة: (ولا يَطْهُرُ شَيءٌ مِن النَّجاساتِ بالاسْتِحالةِ، إلَّا الخمرَةَ إذا انْقَلَبَتْ بنَفْسِها)

فلو أُحْرِقَ السِّرجِينُ 1 فصار رَمادًا، أو وَقَع كلبٌ في مَلّاحَةٍ فصارَ مِلْحًا، لم يَطْهُرْ 2، كالدَّمِ إذا اسْتَحال قَيحًا أو صَدِيدًا.
ولأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن أكْلِ لَحمِ 3 الجَلّالةِ وألْبانِها؛ لأكْلِها النَّجاسَةَ، فلو كانتِ النجاسةُ تَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ، لم يُؤثِّر أكلُها النَّجاسَةَ، لأنَّها تَسْتَحِيلُ.
ويَتَخَرَّجُ أن تَطْهُرَ النَّجاساتُ كلّها بالاسْتِحالةِ قِياسًا على الخَمرَةِ إذا انْقَلَبَتْ، وجُلُودِ المَيتَةِ إذا دُبِغَتْ، والجَلّالةِ إذا حُبِست.

..................................  فصل: ودُخانُ النَّجاسَةِ وغُبارُها نَجِسٌ، فإنِ اجْتَمَعَ منه شيءٌ، أو لاقَى جِسْمًا صَقِيلًا، فصارَ ماءً، فهو نَجِسٌ، إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ النَّجاسَةَ تَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ.
وما أصابَ الإِنْسانَ مِن دُخانِ النَّجاسَةِ وغُبارِها فلم يَجْتَمِع منه شيءٌ، ولا ظَهرَتْ له صِفَةٌ، فهو طاهِرٌ؛ لعَدَمِ إمكانِ التَّحَرُّزِ منه.
فأمّا الخَمرَةُ إذا انْقَلَبَتْ بنَفْسِها خَلًّا فإنَّها تَطْهُرُ، لا نعلَمُ في ذلك خِلافًا؛ لأنَّ نَجاسَتَها لشِدَّتِها المُسكِرَةِ الحادِثَةِ لها، وقد زال ذلك مِن غير

فَإِنْ خُلِّلَتْ لَمْ تَطْهُر.
نَجاسَةٍ خَلَّفَتْها، فوَجَب أن تَطهرَ، كالماءِ الذي تَنَجَّسَ (1) بالتَّغْيِيرِ إذا زال تَغَيُّره (2) بنَفْسِه، ولا يَلْزَمُ عليه سائِرُ النَّجاساتِ؛ لكَوْنِها لا تَطْهُرُ بالاستِحالةِ، لأنَّ نَجاسَتَها لعَينها، والخمرُ نَجاسَتُها لأمرٍ زال بالانْقِلابِ.

199 -

مسألة: (فإن خُلِّلَتْ لم تَطْهُر)

في ظاهِرِ المذهبِ.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وهو قَوْلُ مالكٍ.
وقال الشافعي: إن أُلقِي فيها شيءٌ كالمِلْحِ فتَخَلَّلَتْ، لم تَطْهُرْ، وإن نُقِلَتْ مِن شمس إلى ظِلٍّ أو بالعَكْسِ فتَخَلَّلتْ، ففي إباحَتِها قوْلان.
ويُخَرَّجُ لنا أيضًا فيها احتِمالان؛ أحَدُهما، تَطهُرُ، كما لو نَقَلها لغيرِ قَصدِ التَّخْلِيلِ فتَخَلَّلتْ، فإنه لا فَرقَ بينَهما سوى النيةِ.
والثاني، لا تَطْهُرُ، كما لو وُضِعَ فيها شيء فتَخَلَّلتْ؛ لِما رُوِيَ أنَّ12

وَقِيلَ: تَطْهُرُ.
أبا طَلْحَةَ سأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام وَرِثُوا خَمرًا، فقال: «أهْرِقْها».
قال: أفلا أُخَلِّلُها؟ قال: «لَا».
مِن «المُسْنَدِ»، رَواه الترمِذِيُّ 1. ولو جاز التَّخْلِيلُ، لم يَنْهَ عنه، ولم تُبَحْ إراقَتُه.
(وقِيل: تَطْهُرُ) لأنَّ عِلَّةَ التحرِيمِ زالتْ، أشْبَه ما لو تَخَلَّلَتْ بنَفْسِها، ولأنَّ التَّطْهِيرَ لا فَرقَ

..................................  فيه بينَ ما حَصَل بفِعلِ اللهِ تعالى وفعلِ العَبْدِ، كتَطْهِيرِ الثَّوْبِ والأرضِ.
وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ.
ورُوي نَحوه عن عَطاء، وعَمرِو بن دينارٍ، والحارثِ العُكْلِيِّ 1.

وَلَا تَطْهُرُ الأدهانُ، النَّجِسَةُ.

200 - مسألة: (ولا تَطْهُرُ الأدهانُ النَّجِسَةُ)

بالغَسْلِ في ظاهِرِ المَذْهبِ، اخْتارَه القاضي وابنُ عَقِيل.
قال ابنُ عَقِيلٍ: إلَّا الزِّئبَقَ، فإنَّه

وَقَال أبو الْخَطَّابِ: يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مِنْها مَا يَتَأتَّي غَسْلُهُ.
لقُوَّتِه وتَمَاسُكِه يُجْرَى مُجْرَى الجامِدِ.
(وقال أبو الخَطّابِ: يَطْهُرُ بالغَسْلِ منها ما يَتَأتَّى غَسْلُه) كالزَّيتِ ونَحوه؛ لأنَّه يمكِنُ غَسْلُه بالماءِ، فطَهُرَ به كالجامِدِ.
وطَرِيقُ تَطْهِيرِه أن يُجْعَلَ في ماء كَثِيرٍ، ويُحَرَّكَ حتى يُصِيبَ الماءُ جَمِيع أجْزائِه، ثم يُتركَ حتى يَعلُوَ على الماءِ، فيُؤخَذَ، وإن تَرَكَه في جَرَّةٍ، وصَبَّ عليه ماءً وحَرَّكَه فيه، وجَعَل لها بُزَالًا 1 يَخْرُجُ منه الماءُ، جاز.
ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن السَّمْنِ إذا وَقَعَتْ فيه الفَأرَةُ؟ فقال: «إِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ».
رَواه أبو داودَ 2. ولو كان يُمكِنُ تَطْهِيره لم يأمُر بإراقَتِه.
ومَن نَصَر قَوْلَ أبي الخَطّابِ.
قال: الخَبَرُ وَرَد في السَّمنِ، ولَعَلَّه لا يمكِنُ تَطْهِيرُه؛ لأنَّه يَجْمُدُ، ويَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك الأمرَ بغَسْلِه، لمَشَقَّةِ ذلك، وقِلَّةِ وُقُوعِه.

..................................  فصل: وإذا وقَعَتِ النَّجاسَةُ في غيرِ الماءِ وكان مائِعًا، نَجُسَ.
وقد ذَكَرنا الخِلافَ فيه.
وإن كان جامِدًا كالسَّمنِ الجامِدِ، أُخِذَتِ النَّجاسَةُ فما حَوْلَها فأُلقِيَتْ، والباقي طاهِرٌ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الفَأرَةِ تَمُوتُ في السَّمنِ، فقال: «إنْ كَانَ جَامِدًا فألقُوها وَمَا حَوْلها، وَإنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ».
مِن «المُسْنَدِ» 1. وإسْنادُه على شَرطِ الصَّحِيحَين: وحَدُّ الجامِدِ؛ الذي لا تَسْرِي النَّجاسَةُ إلى جَمِيعِه، الذي يَكُونُ فيه قُوَّةٌ تمنَعُ انْتِقال أجْزاءِ النَّجاسَةِ مِن المَوْضِعِ الذي وَقَعتْ فيه النَّجاسَةُ إلى ما سِواه.
وقال ابنُ عَقِيل: الجامِدُ؛ الذي إذا فُتِح وعاؤه، لم تَسِلْ أجْزاؤه.
والظّاهِرُ خِلافُ هذا؛ لأنَّ سَمنَ الحِجازِ لا يَكادُ يَبْلُغُه، ولأنَّ المَقْصُودَ بالجُمُودِ أن لا تَسْرِي أجْزاءُ النَّجاسَةِ، وهذا حاصِلٌ بما ذَكَرناه، فنَقْتَصِرُ عليه.

..................................  فصل: فإن تَنَجَّسَ العَجِينُ ونَحْوُه، لم يَطْهُرْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ غَسْلُه، وكذلك إن نُقِعَ شيءٌ مِن الحُبُوبِ في الماءِ النَّجِسِ، حتى انْتفَخَ وابْتَلَّ.
نَصَّ عليه أحمدُ، أنَّه لا يَطْهُرُ، وإن غُسِل مِرارًا.
إذا ثَبَت ذلك، فقال أحمدُ في العَجِينِ: يُطْعَمُ النَّواضِحَ 1. وقال الشافعيُّ: يُطْعَمُ البَهائِمَ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ: يُطْعَمُ الدَّجاجَ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا يُطْعَمُ شيئًا؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن شُحُوم.
المَيتَةِ تُطْلَى بها السُّفُن، ويَسْتَصْبِحُ بها النّاسُ، قال: «لَا، هو حَرَامٌ» 2. وهذا في مَعْناه.
ولَنا، ما روَى أحمدُ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ قَوْمًا اخْتَبَزُوا مِن آبارِ الذين مُسِخُوا، فقال عليه السلامُ: «اعْلِفُوهُ النَّوَاضِحَ» 3. وقال في كَسْبِ الحَجّامِ: «اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ أو رَقِيقكَ» 4. احْتَجَّ به أحمدُ، وقال: ليس هذا بمَيتَةٍ، والنَّهْيُ إنَّما تَناوَلَ المَيتَةَ.
ولأنَّ اسْتِعْمال شُحُومِ المَيتَةِ فيما سُئِل عنه النبيُّ

وَإِذَا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ إزَالتَهَا.
- صلى الله عليه وسلم - يُفْضِي إلى تَعَدِّي نَجاسَتِها، وهذا لا يَتَعدَّى أكْلَه.
قال أحمدُ: ولا يُطْعَمُ لشئٍ يُؤْكَلُ في الحال،؟ ولا يُحْلَبُ لَبَنُهُ؛ لِئَلّا يَتَنَجَّسَ به، ويَصِيرَ كالجلّالةِ.

201 -

مسألة: (وإذا خَفِيَتِ النَّجاسَةُ، لَزِمَه غَسْلُ ما يَتَيَقَّنُ به إزالتَها)

متى خَفِيَتِ النَّجاسَةُ في بَدَنٍ، أو ثَوْبٍ، وأراد الصلاةَ فيه، لم يَجُزْ له حتى يَتَيَقَّنَ زَوالها، وإنَّما يَتَيَقَّنُ ذلك بغَسْلِ كلِّ مَحَلٍّ يَحْتَمِلُ أنَّ النَّجاسَةَ أصابَتْه، فإن لم يَعْلَمْ جِهَتَها مِن [الثَّوْبِ، غَسَلَه كُلَّه] 1، وإن = 5/ 277، 278. وابن ماجه، في: باب كسب الحجام، من كتاب التجارات.
سنن ابن ماجه 2/ 732. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الحجامة وأجرة الحجام، من كتاب الاستئذان.
الموطأ 2/ 974. والإمام أحمد، في المسند 3/ 307، 381، 4/ 141، 5/ 435، 436.

..................................  عَلِمَها في أحَدِ الكُمَّين غَسَلَهما، وإن رآها في بَدَنِه، أو ثَوْبِه الذي عليه، غَسَل كلَّ ما يُدْرِكُه بَصَرُه منه.
وبذلك قال النَّخَعيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ شُبْرُمَةَ 1: يَتَحَرَّى مكانَ النَّجاسَةِ فيَغْسِلُه.
وقال عَطاءٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ: إذا خَفِيَتِ النَّجاسَةُ في الثَّوْبِ نَضَحَه كلَّه؛ وذلك لحديثِ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في المَذْي، قال: قُلْت: يا رسولَ اللهِ، فكيف بما أصاب ثَوْبِي منه؟ قال: «يُجْزِئُكَ أنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ، فَتَنْضَحَ بِهِ حَيثُ تَرَى أنَّه أَصابَ مِنْهُ» 2. فأمَرَ بالتَّحَرِّي والنَّضْحِ.
ولَنا، أنَّه تَيَقَّنَ المانِعَ مِن الصلاةِ، فلم تُبَحْ له الصلاةُ إلا بيَقِينِ زَوالِه، كمَن تَيَقَّنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطهارةِ.
والنَّضْحُ لا يُزِيلُ النَّجاسَةَ، وحديثُ سَهْلٍ مَخْصُوصٌ بالمَذْي دُونَ غيرِه؛ لأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فلا يَتَعَدَّى حُكْمُه إلى غيرِه؛ لأنَّ أحْكامَ النَّجاساتِ تَخْتَلِفُ.
وقَوْلُه: «حَيثُ تَرَى أنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ».
مَحْمُولٌ على مَن ظَنَّ أنَّه أصاب ناحِيَةً مِن ثَوْبِه، مِن غيرِ يَقينٍ، فيُجْزِئُه نَضْحُ المكانِ، أو غَسْلُه.
فصل: فإن خَفِيَتِ النَّجاسَةُ [في فَضاءٍ] 3 واسِعٍ، صَلَّى حيثُ شاء،

وَيُجْزِئُ فِي بَوْلِ الْغلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ النَّضْحُ.
ولا يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِه؛ لأنَّ ذلك يَشُقُّ، فلو مُنِع مِن الصلاةِ، أفْضَى إلى أن لا يَجِدَ مَوْضِعًا يُصَلِّي فيه.
فإن كان المَوْضِعُ صغيرًا، كالبَيتِ ونَحْوه، غَسَلَه كلَّه، كالثَّوْبِ.

202 -

مسألة: (ويُجْزِئُ في بَوْلِ الغُلامِ الذي لم يَأكُلِ الطَّعامَ، النَّضْحُ)

معنى النَّضْحِ أن يَغْمُرَه بالماءِ، وإن لم يَنْزِلْ عنه، ولا يَحْتاجُ إلى مَرْسٍ 1 وعَصْرٍ.
فأمّا بَوْلُ الجارِيَةِ، فيُغْسَلُ وإن لم تَأْكُلْ.
وهذا قَوْلُ عليٍّ، رضي اللهُ عنه، وبه قال عَطاءٌ، والحسنُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
وحُكِي عن الحسنِ، أنَّ بَوْلَ الجارِيَةِ يُنْضَحُ ما لم تَطْعَمْ، كالصَّبِيِّ.
قال القاضي: رأيتُ لأبي إسحاقَ بنِ شَاقْلا كلامًا يَدُلُّ على طهارةِ بَوْلِ الغُلامِ؛ لأنَّه لو كان نَجِسًا لوَجَبَ غَسْلُه، كسائِرِ النَّجاساتِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ: يُغْسَلُ بَوْلُ الغُلامِ، كبَوْلِ الجارِيَةِ، بالقِياسِ عليه، ولأنَّه

..................................  حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالنَّجاسَةِ، فاسْتَوَى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، كسائِر أحْكامِها.
ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ قَيسٍ بنتُ مِحْصَنٍ، أنَّها أتَتْ بابنٍ لها صَغِيرٍ، لم يَأْكُلِ الطَّعامَ، إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأجْلَسَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في حِجْره، فَبال على ثَوْبِه، فدَعا بماءٍ، فنَضَحَه، ولم يَغْسِلْه.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعن لُبابَةَ بنتِ الحارِثِ، قالت: كان الحُسَينُ بنُ عليٍّ في حِجْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فبال عليه، فقلتُ: الْبَسْ ثَوْبًا آخَرَ، وأعْطِنِي إزارَكَ حتى أغْسِلَه.
قال: «إنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ».
رَواه أبو داودَ 2. وعن عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «بَوْلُ الْغُلَامِ يُنْضَحُ، وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ».
قال قَتادَةُ: هذا ما لم يَطْعَما الطَّعامَ، فإذا طَعِما غُسِل بَوْلُهما.
رَواه الإِمامُ أحمدُ 3. وهذه نُصُوصٌ صحيحةٌ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فاتِّباعُها أوْلَى مِن القِياسِ، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُقَدَّمٌ على مَن خالفَه.

وَإِذَا تَنَجَّسَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَو الْحِذَاءِ وَجَبَ غَسْلُهُ.
وَعَنْهُ، يُجْزِئُ دَلْكُهُ بِالْأَرْضِ.
وَعَنْهُ، يُغْسَلُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَيُدْلَكُ مِنْ غَيرِهِمَا.
فصل: قال أحمدُ: الصَّبِيُّ إذا طَعِم الطعامَ، وأرادَه واشْتَهاه، غُسِل بَوْلُه.
وليس إذا أُطْعِمَ (1)؛ لأنَّه قد يُلْعَقُ العَسَلَ ساعَةَ يُولَدُ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَنَّكَ بالتَّمْرِ (2). فعلى هذا، ما يُسْقاه الصَّبِيُّ أو يُلْعَقُه للتَّداوي، لا يُعَدُّ طَعامًا يُوْجِبُ الغَسْلَ، وما يَطْعَمُه لغذائِه، وهو يُرِيدُه ويَشْتَهِيه، يُوجِبُ الغَسْلَ.
واللهُ أعلمُ.

203 -

مسألة: (وإذا تَنَجَّسَ أسْفَلُ الخُفِّ أو الحِذاءِ، وَجَب غَسْلُه. وعنه: يُجْزِيءُ دَلْكُه بالأرضِ. وعنه: يُغْسَلُ مِن البَوْلِ والغائِطِ، ويُدْلَكُ مِن غيرِهما)

وجُمْلَتُه، أنَّه إذا تَنَجَّسَ أسْفَلُ الخُفِّ أو12 = أبواب الجمعة.
عارضة الأحوذي 3/ 88. وأبو داود، في: باب بول الصبي يصيب الثوب، من كتاب الطهارة.
سنن أبي داود 1/ 90.

..................................  الحِذاءِ 1، ففيه ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، يَجِبُ غَسْلُه؛ قِياسًا على الثَّوْبِ والرِّجْلِ وغَيرِهما 2. وهو قولُ الشافعيِّ ومحمدِ بنِ الحسنِ 3. والثانية، يُجْزىِءُ دَلْكُه بالأرضِ حتى تَزُولَ عَينُ النَّجاسَةِ، وتُباحُ الصلاةُ فيه.
وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا وَطِئَ 4 أحَدُكُمُ الْأَذى بخُفَّيهِ، فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ».
وفي لفظٍ: «إِذَا وَطِئَ أحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذى، فَإنَّ التُّرابَ لَهُ طَهُورٌ».
وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأى فِي نَعْلَيهِ قَذَرًا أوْ أذًى، فَلْيَمْسَحْهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا».
روَى هذه الأحادِيثَ أبو

..................................  داودَ 1. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه كانوا يُصَلُّون في نِعالِهم، والظّاهِرُ أنَّ النَّعْلَ لا تَخْلُو مِن نَجاسَةٍ تُصِيبُها، فلو لم يَجُزْ دَلْكُها، لم تَصِحَّ الصلاةُ فيها.
والثالثةُ، يُغْسَلُ مِن البَوْلِ والغائِطِ؛ لفُحْشِهما وتَغْلِيظِ نَجاسَتهما، ويُدْلَكُ مِن غيرِهما؛ لِما ذَكَرْنا.
وهو قَوْلُ إسحاقَ.
والأوْلَى أنَّه يُجْزِئُ فيه الدَّلْكُ مُطْلَقًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ.
فإن قِيل: فقَوْلُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في نَعْلَيهَ، وأنَّ 2 فيهما قَذَرًا 3. يَدُلُّ على أنَّه لا يُجْزِئُ دَلْكُهما، ولم يَزُلِ القَذَرُ منهما.
قُلْنا: لا دَلالةَ في هذا؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ أنَّه دَلَكَهما، والظّاهِرُ أنَّه لم يَدْلُكْهُما؛ لأنَّه لم يَعْلمْ بالقَذَرِ فيهما، حتى أخْبَرَه جِبرِيُل عليه السلامُ.

..................................  فصل: إذا ثَبَت أنَّه يُجْزِئُ الدَّلْكُ، فهل يُحْكَمُ بطَهارَتِهما، ويُحْكَمُ 1 بطهارةِ مَحَلِّ الاسْتِجْمارِ بعدَ الإِنْقاءِ واسْتِيفاءِ العَدَدِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُحْكَمُ بطَهارَتِه.
اخْتارَه ابنُ حامدٍ؛ لظاهِرِ الأخْبارِ التي ذَكَرْناها، وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال في المُسْتَجْمِرِ يَعْرَقُ في سَراويِله: لا بَأْسَ به؛ لأنَّ قَوْلَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الرَّوْثِ والرِّمَّةِ: «إنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ» 2. مَفْهُومُه أنَّ غيرَهما يُطَهِّرُ، ولأنَّه مَعْنًى يُزِيلُ حُكْمَ النَّجاسَةِ، فطَهَّرَها كالماءِ.
وقال أصحابُنا المُتَأخِّرُون: لا يَطْهُرُ المَحَلُّ.

..................................  فلو قَعَد المُسْتَجْمِرُ في ماءٍ يَسيرٍ نَجَّسَه، ولو عَرِق كان عَرَقُه نَجِسًا؛ لأنَّ المَسْحَ لا يُزِيلُ أجْزاءَ النَّجاسَةِ كلَّها، فالباقي منها نَجِسٌ، لأنَّه عَيْنُ النَّجاسَةِ، فأشْبَهَ ما لو وُجِد في المَحَلِّ وَحْدَه.
وقال القاضي في الخُفَّين: إنَّما يُجْزِئُ دَلْكُهما بعدَ جَفافِ نَجاسَتِهما؛ لأنَّه لا يَبْقَى لها أثَرٌ، ولا يُجْزِئُ قبلَ الجَفافِ.
وبه قال أبو حنيفةَ في الرَّوْثِ، والعَذِرَةِ، والدَّمِ، والمَنِيِّ.
وقال في البَوْلِ: لا يُجْزِئُه حتى يُغْسَلَ وإن يَبِس؛ لأنَّ رُطُوبَةَ النَّجاسَةِ باقِيَةٌ، فلَا يُعْفَى عنها.
وظاهِرُ الأخْبارِ لا فَرْقَ 1 بينَ رَطْبٍ ولا جافٍّ، ولأنَّه مَحَلٌّ اجْتُزِئَ فيه بالمَسْحِ؛ فجاز 2 مع رُطُوبَةِ الممسُوحِ، كمَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ، ولأنَّ رُطُوبَةَ المَحَلِّ مَعْفُوٌّ عَنها إذا جَفَّتْ قبلَ الدَّلْكِ، فعُفِيَ عنها إذا جَفَّتْ به، كالاسْتِجْمارِ.

وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ إلا الدَّمَ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ؛ مِنَ الْقَيحِ، وَالصَّدِيدِ، وَأَثَرَ الاسْتِنْجَاءِ.

204 - مسألة؛ قال: (ولا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن النَّجاساتِ، إلَّا الدَّمَ، وما تَوَلَّد منه مِن القَيحِ والصَّدِيدِ، وأثَرَ الاسْتِنْجاءِ)

أراد أثَرَ الاسْتِجْمارِ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في العَفْو عنه بعدَ الإِنْقاءِ واسْتِيفاءِ العَدَدِ، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في طَهارتِه.
فصل: فأمّا الدَّمُ والقَيحُ، فأكْثَرُ أهلِ العلمِ يَرَوْن العَفْوَ عن يَسِيرِه، ومِمَّن رُوِيَ عنه ذلك ابنُ عباسٍ، وأبو هُرَيرَةَ، وجابرٌ، وابنُ أبي أوْفَى، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وابنُ جُبَيرٍ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعُرْوَةُ، والنَّخَعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَنْصَرِفُ مِن قَلِيلِه وكَثِيرِه.
ونَحْوُه عن الحسنِ، وسُلَيمانَ التَّيمِيِّ 1؛ لأنَّه نَجِسٌ، أشْبَهَ البَوْلَ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن عائشةَ، قالت: قد يكُونُ

..................................  لإِحْدانا الدِّرْعُ، فيه تَحِيضُ، وفيه تُصِيبُها الجَنابَةُ، ثم تَرَى فيه قَطرةً مِن دَمٍ فتَقْصَعُه 1 برِيقِها.
وفي رِوايَةٍ: بَلَّتْه برِيقِها، ثم قَصَعَتْه بظُفْرِها.
رَواه أبو داودَ 2. وهذا يَدُلُّ على العَفْو عنه؛ لأنَّ الرِّيقَ لا يُطَهِّرُه، ويَتَنَجَّسُ به ظُفْرُها، وهو إخْبارٌ عن دَوامِ الفِعْلِ، ومِثْلُ هذا لا يَخْفَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَصْدُرُ إلَّا عن أمْرِه، ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابَةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ.
وما رُويَ عن ابنِ عُمَرَ فقد رُويَ عنه خِلافُه، فرَوَى عنه الأثْرَمُ بإسْنادِه، أنَّه كان يَسْجُدُ فيُخْرجُ يَدَيه، فيَضَعُهما بالأرضِ وهما يَقْطرُان دَمًا مِن شُقاقٍ 3 كان في يَدَيه، وعَصَر بَثْرَةً فخَرَجَ منها دَمٌ، فمَسَحَه بيَدِه، وصَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ.
وانْصِرافُه عنه في بَعْضِ الحالاتِ لا يُنافِي ما رَوَيناه عنه، فقد يَتَوَرَّعُ الإِنسانُ عن بعضِ ما يَرَى جَوازَه، ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه فعُفِيَ عنه، كأثَرِ الاسْتِجْمارِ.
وحَدُّ اليَسِيرِ المَعْفُوِّ عنه، هو الذي لا يَنْقُضُ الطهارةَ، وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه في نَواقِضِ الوُضُوءِ.
واللهُ أعلمُ.

..................................  فصل: والقَيحُ والصَّدِيدُ مِثْلُه، إلا أنَّ أحمدَ قال: هو أسْهَلُ مِن الدَّمِ؛ لأنَّه رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ والحسنِ أنَّهما لم يَرَياه كالدَّمِ.
قال أبو مِجْلَزٍ، في الصَّدِيدِ: إنَّما ذَكَر الله الدَّمَ المَسْفُوحَ.
وقال أُمَيُّ بنُ رَبيِعَةَ 1: رَأيتُ طاوُسًا كأنَّ إزارَه نِطْعٌ 2 مِن قُرُوحٍ كانت برِجْلَيه.
ونَحْوُه عن مُجاهِدٍ.
وقال إبراهيمُ، في الذي يَكُونُ به الحُبُونُ 3: يُصَلِّي، ولا يَغْسِلُه، فإذا بَرَأ غَسَلَه.
ونَحْوُه قَوْلُ عُرْوَةَ.
فعلى هذا يُعْفَى منه عن أكْثَرَ مِمّا يُعْفَى عن مِثْلِه مِن الدَّمِ؛ لأنَّ هذا لا نَصَّ فيه، وإنَّما ثَبَتَتْ نَجاسَتُه لاسْتِحالتِه مِن الدَّمَ.

جارٍ التحميل