الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 142-181

كِتابُ الصَّلَاةِ

صفحات 142-181

..................................  فصل: وآكَدُها رَكْعَتا الفَجْرِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: إنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَكُنْ على شيء مِن النَّوافِلِ أشَدَّ مُعاهدَةً منه على رَكْعَتَيْن قبلَ الصبحِ.
مُتَّفَق عليه 1. وقال: «رَكْعَتَا الْفجْرِ خَيْر مِنَ الدنيا وَمَا فِيهَا».
رَواه مسلم 2. وقال -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلُّوهُمَا وَلَوْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ».
رواه أبو داودَ 3. ويسْتَحَبُّ تَخْفِيفهما؛ فإنَّ عائشةَ قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يصَلى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ فيُخَففُ، حتَّى إنِّي لأقولُ: هل قرأ فيهما بأم الكتابِ؟.
مُتفَق عليه 4. ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأ فيهما، وفي رَكْعَتَي

..................................  المَغْرِبِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾؛ لِما روَى ابنُ مسعود، قال: ما أحْصِي ما سَمِعتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأ في الرَّكْعَتَيْن بعدَ المَغْرِبِ، وفي الرَّكْعَتَيْن قبلَ الفَجْرِ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ رَواه الترمِذِي، وابنُ ماجه 1. وعن أبي هُرَيرةَ، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قرأ في الركْعَتَيْن قبلَ الفَجْرِ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
قال الترمِذِي: هو حديثٌ = صلاة الليل.
الموطأ 1/ 127. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 165، 183، 186، 204، 235، 285.

..................................  حسنٌ 1. وعن ابنِ عباس، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرأ في رَكْعَتَى الفجْرِ ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية التى في البَقَرَةِ 2، وفي الآخِرَةِ منهما ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ 3. رَواه مسلم 4.

..................................  فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَضْطَجِعَ بعدَ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ على جَنْبِه الأيمَنِ، وكان أبو موسى، ورافِعُ بنُ خَدِيجٍ، وأنس يَفْعَلُونَه، وأنكَرَه ابنُ مسعودٍ، واخْتَلَف 1 فيه عن ابنِ عمَرَ.
ولَنا، ما رَوَتْ عائشة، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، اضْطَجَعَ على شِقه الأيمَن.
متفَق عليه 2. واللفْظُ للبُخارِي.
وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا صَلى أحدُكُمُ الركْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصبحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأيْمَنِ».
رَواه الإمامُ أَحْمد، وأبو داودَ، والتِّرمذيّ 3،

..................................  وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه ليس بسُنَّةٍ؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ أنكَرَه.
واتباعُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْلَى.
ويُسْتَحَب فِعْلُ الركْعَتَيْن قبلَ الفَجْرِ، والرَّكْعَتَيْن بعدَ المَغْرِبِ، وبعدَ العِشاءِ في بَيْته؛ لِما ذكرْنا مِن حديث ابنِ عُمَرَ.
قال أبو داودَ: ما رَأيتُ أحمدَ رَكَعَهما، يَعْنِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، في المَسْجِدِ قَطُّ، إنما كان يَخرُجُ فيَقْعدُ في المَسْجِدِ حتَّى تُقامَ الصلاةُ.
قال الأثْرَمُ: سمِعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُسْأل عن الرَّكْعَتَيْن بعد الظهْرِ، أين يُصَليان؟ قال: في المَسْجدِ، ثمَّ قال: أما الركْعَتان قبلَ الفَجْرِ ففي بيْته، وبعدَ المَغْرِبِ ففي بَيْته.
ثم قال: ليس هاهُنا شيء آكَدُ مِن الركْعَتَيْن بعدَ المَغْرِبِ، يَعْنِي فِعْلَهما في البَيْتِ.
قيل له: فإن كان مَنْزِلُ الرجلِ بَعِيدًا؟ قال: لا أدْرِي.
وذلك لِما روَى سعدُ بنُ إسحاقَ، عن أَبيه، عن جَده، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أتاهم في مَسْجِدِ بنى عبدِ الأشْهَلِ، فصَلَّى المَغْرِبَ، فَرَآهم يَتَطَوعُون بعدَها، فقال: «هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ».
رَواه أبو داودَ 1. وعن رافِع بنِ خَدِيج، قال: أتانا رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في بنِي عبدِ الأشْهَلِ، فَصَلى بنا المَغْرِبَ في مَسْجِدِنا، ثم قال: «ارْكَعُوا هَاتينِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ» رَواه ابنُ ماجه 2.

وَمَنْ فَاتهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ السننِ، سُنَّ لَهُ قَضَاؤهُ.
فصل: وكلُّ سُنَّةٍ قبلَ الصلاةِ، فوَقتُها مِن دُخُولِ وَقتِها إلى فِعْلِ الصلاة، وكلُّ سُنَّةٍ بعدَها، فوَقتُها مِن فِعْلِ الصلاةِ إلى خرُوجِ (1) وَقتِها.
والله أعلمُ.

499 -

مسألة: (ومَن فاتَه شيء مِن هذه السننِ، سُنَّ له قَضاؤُه)

1

..................................  وهذا اخْتِيارُ ابنِ حامِدٍ؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَضَى بَعْضَها، فرُوِي عنه، عليه السلامُ، أنَّه قَضَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ مع الفَجْرِ، حينَ نام عنها 1، وقَضَى الركْعَتَيْن اللَّتَيْن قبلَ الظهْرِ بعدَ العَصْرِ 2، وقِسْنا الباقِيَ عليه.
وروَى أبو سعيدٍ الخُدْرِي، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ نَامَ عَن الْوتْرِ أو نَسِيَهُ، فَلْيُصَلهِ إذا أصبَحَ أو ذَكَرَ».
رَواه أبو داودَ، والترمِذِي 3، مِن رِواية عبدِ الرحمنِ بنِ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ.
قال أحمدُ: أحِب أن يَكُونَ للرجل شيء مِن النوافِلِ يُحافِظُ عليه، إذا فات قَضاه.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا يُقضَى إلَّا رَكْعَتا الفَجْرِ، إلى وقْت الضحَى، ورَكْعَتا الظهْرِ؛ فإن أحمدَ قال: ما أعْرِفُ وترًا بعدَ الفَجْرِ، ورَكعَتا الفَجْرِ تُقْضَى إلى وَقْتِ الضُّحْى.
وقال مالك: تُقْضَى إلى وقْتِ الزوالِ، ولا تُقْضَى بعدَه.
وقال النَّخَعِيّ، وسعيد ابنُ جُبَير، والحسنُ: إذا طَلَعَتِ الشَّمْس فلا وِتر.
والصحِيحُ الأول؛ لما ذَكَرْنا مِن النص والمَعْنَى.

..................................  فصل: ويُسْتَحَبُّ المُحافَظَةُ على أرْبَع قبلَ الظُّهْرِ وأربَع بعدَها؛ لِما رَوَتْ أم حبِيبَة، قالت: سمعْت رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظهْرِ، وَأرْبَع بَعْدَهَا، حَرمَهُ الله عَلَى النَّارِ».
قال الترمِذِي 1: حديث صحيحٌ.
وروَى أبو أيوبَ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «أرْبع قَبْلَ الظهْر لَيْس فِيهِن تَسْلِيم تُفْتَحُ لَهُن أبوَابُ السُّمَاء».
رَواه أبو داودَ 2. وعلى أرْبع قبلَ العَصْرِ؛ لِما ذَكَرْنا.
وعن علي، رَضِيَ الله عنه، في صِفَةِ صلاةِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: وأرْبَعًا قبلَ الظهر إذا زالَتِ الشَّمس، وركْعَتَيْن بعدَها، وأرْبَعًا قبلَ العَصْرِ، يَفْصِل بينَ كلِّ رَكْعَتَيْن بالسَّلامِ على الملائِكَةِ المُقَربِين، والنبِيين، ومَن تَبعَهم مِن المسلمين.
رَواه ابنُ ماجه 3. وعلى سِت بعدَ الْمَغْرِبِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال

..................................  رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ صَلى بَعْدَ المغربِ سِتَّ رَكعَاتٍ، لَمْ يَتَكَلَّمْ بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ، عُدِلْنَ لَهُ بعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عشرَةَ سَنَة».
رَواه الترمذِي 1، وقال: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ عُمَرَ 2 بنِ أبي خَثْعَم.
وضَعفَه البُخارِي.
وعلى أربَع بعدَ العِشاء، قالت عائشةُ: مما صَلى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- العِشاءَ قَطُّ إلَّا صَلى أربَعَ رَكَعاتٍ، أو سِتَّ رَكَعاتٍ.
رَواه أبو داودَ 3. فصل: واخْتُلِفَ في أرْبَع رَكَعاتٍ؛ منها رَكْعَتان قبلَ المَغرِبِ بعدَ الأذانِ.
والظّاهِرُ عن أحمدَ، جَوازُهما وعَدَمُ اسْتِحْبابِهما.
قال الأثرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ الله، الركْعَتان قبلَ المَغْرِبِ؟ قال: ما فَعَلْتُه قَط إلَّا مرة 4، حينَ سَمِعْتُ الحَدِيثَ، وقال: فيهما أحادِيثُ جِياد.
أو قال: صِحاحٌ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصْحابِه والتّابِعِين.
إلَّا أنَّه قال: «لِمَنْ شَاءَ» 5. فَمَن شاء صَلَّى.
وقال: هذا شيء يُنْكِرُه النَّاسُ.
وضَحِك كالمُتَعَجِّبِ، وقال: هذا عندَهم عَظِيم.
ووجْهُ جَوازِهما ما روَى أنس، قال: كُنا نُصلِّي على عَهْدِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَكْعَتَيْن بعدَ غُرُوبِ الشمْس قبلَ صَلاةِ المَغرِبِ.
قال المُخْتارُ بنُ فُلْفُل: فقلتُ له: أكان رسولُ الله

..................................  - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّاهما؟ قال: كان يَرانا نصليهما، فلم يَأمُرْنا ولم يَنْهَنا.
مُتَّفَق عليه 1. وقال أنُس: كُنّا بالمدِينَةِ إذا أذنَ المُؤذنُ 2 لصلاةِ المَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السوارِيَ، فصَلَّوْا رَكْعَتَيْن، حتَّى إن الرجلَ الغرِيبَ ليَدْخُلُ المَسْجِدَ فيَحْسَبُ أن الصلاةَ قد صُلِّيَتْ، مِن كَثْرَةِ مَن يُصَلِّيها.
رَواه مسلمٌ 3. وعن عبد الله المُزَنِيِّ، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «صَلوا قَبْلَ الْمَغْرِب رَكْعَتَيْن».
ثم قال: «صلوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ» [ثم قال: «صلوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ] 4 لِمَنْ شَاءَ».
خَشْيَةَ أن يَتخِذَها النَّاسُ سُنَّة.
مُتفَق عليه 5. الثّانِي، الرَّكْعَتان بعدَ الوِتْرِ.
وظاهِرُ كلام أحمدَ أنَّه لا يَستحِبُّ فِعْلَهما مع الجَوازِ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبا عبدِ الله يُسْأل عن الركْعَتَيْن بعدَ الوِتْرِ، فقال: أرْجُو إن فَعَلَه إنْسان أن لا يُضَيق عليه، ولكن يَكُونُ وهو جالس، كما جاء الحَدِيثُ.
قلتُ: تَفْعَلُه أَنْتَ؟

..................................  قال: لا، ما أفْعَله.
وعَدهما أبو الحسنِ الآمدِي مِن السُّننِ الراتِبَةِ.
قال شيْخُيا 1: والصحِيحُ أنهما ليْسَتا بسُنةٍ؛ لأنَّ أكْثَرَ مَن وَصَف تَهجَدَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يذْكرْهما؛ منهم ابنُ عباسٍ، وزَيْدُ بن خالِدٍ، وعائشة، فيما رَواه عنها عُرْوة، وعبد اللهِ بنُ شَقِيقٍ، والقاسم، واخْتَلف فيه 2 عن أبي سَلَمَةَ، وأكْثر الصحابَةِ ومَن بعدَهم.
مِن أهلِ العلمِ على تَرْكهِما.
ووجْهُ قولِ مَن قال بالاسْتِحْباب، ما روَى سعدُ بنُ هشام، عن عائشةَ، رَضِي الله عنها، أنّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلى مِن الليْلِ تِسْعَ رَكَعاتٍ، ثم يُسَلِّمُ تسْلِيمًا يسْمِعُنا، ثمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْن بعدَ ما يُسَلمُ، وهو قاعِد، فتلك إحْدَى عشرة رَكْعَة.
وقال أبو سَلَمَةَ: سأَلتُ عائشةَ عن صلاةِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقالت: كان يُصَلِّي ثلاثَ عشرةَ رَكعَةً، يُصَلِّي ثَمانِيَ رَكَعاتٍ، ثم يُوتِرُ، ثم يُصَلى رَكْعتَيْن وهو جالِس، فإذا أراد أن يَرْكَعَ قام فرَكَعَ، ثم يُصَلى رَكْعَتَيْن بينَ النِّداء والإقامَةِ مِن صلاةِ الصبحِ.
رواهما مسلم 3. وروَى ذلك أبو أمامَةَ أَيضًا.

.................................. = 138، 189، 230، 249، 279.

..................................  فصل: في صَلَواتٍ مُعَينةٍ سِوى ما ذَكَرْنا؛ منها، صلاةُ التَّراويحِ، والضُّحَى، وسُجُودُ التلاوَةِ، والشُّكرِ.
وسَيأتِي ذِكْرُها، إن شاء اللهُ تعالى.
ومنها، تَحِيةُ المسْجِدِ، فيُسْتَحَب لمَن دَخَل المَسْجِدَ أن يُصَلىَ رَكْعَتَيْن قبلَ جُلُوسِه؛ لِما روَى أبو قتادَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-:

..................................  «إذَا دَخَلَ أحدُكُم الْمَسْجِدَ، فلَا يَجْلِسْ حَتَى يَرْكَعَ 1 رَكْعَتَيْنِ».
متَّفَق عليه 2. فإن جَلَس قبلَ الصلاةِ، سُنَّ له أن يَقومَ فيُصَلىَ؛ لِما روَى جابِر قال: جاء سُلَيْك الغَطَفانِي ورسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَخْطُبُ، فجَلَسَ، فقال: «يَا سُلَيْك، تُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجوَّزْ فِيهِمَا».
رواه 3 مسلمٌ 4. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَتَطَوعَ بمثلِ تَطَوُّعِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ فإن عَلِيّا، رَضِيَ الله عنه، قال: كان النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا صَلَّى الفَجْرَ يُمهِل حتَّى إذا كانتِ الشَّمس مِن هاهُنا، يَعْنِي مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، مِقْدارَها مِن صلاةِ العَصْرِ مِن هاهُنا، يَعْنِي مِن قِبَل المَغْرِبِ، قام فصَلَّى رَكْعَتَيْن، ثم تَمَهلَ حتَّى إذا

..................................  كانتِ الشمسُ مِن هاهُنا، يَعنِي مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، مِقْدارَها مِن صَلاةِ الظهْرِ، قام فَصَلى أربَعا، وأرْبَعًا قبلَ الظهْر إذا زالَتِ الشَّمس، ورَكْعتَيْن بعدَها، وأربَعًا قبلَ العَصْرِ، يَفْصِلُ بينَ كل رَكْعتَيْن بالسلام على الملَائِكَةِ المُقَربين والنَّبيِّين ومَن تَبِعَهم مِن المُسْلِمِين، فتلك سِث عَشْرَةَ رَكْعةً، تَطَوُّعُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بالنهارِ، وقَلَّ مَن يُداوِمُ عليها.
مِن «المُسْنَدِ» 1. فصل: ومنها صلاةُ الاسْتِخارَةِ، فرَوَى جابرُ بنُ عبدِ الله، قال: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُعَلِّمنا الاسْتِخارَةَ في الأمُورِ كلها، كما يُعَلمنُا السورَةَ مِن القُرْآنِ، يَقُولُ: «إذَا هَم أحَدُكُمْ بِالأمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعتَيْن مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُم لْيَقُلْ: اللهُمَّ إنِّي 2 أسْتَخِيرُك.
بِعلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأسْألكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعظيمِ، فَإنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أعْلَم، وَأنتَ عَلامُ الغيُوبِ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أن هذا الأمْرَ خَيْر لى فِي دِيني وَمَعَاشى وَعَاقبَةِ أمْرِي» أو قال: «فِي عَاجِلِ أمْرِي وَآجِلِهِ، فَيَسرهُ لي 3، ثُم بَارِكْ لى فِيهِ، وَإنْ كُنْتَ تعْلَمُ أن هَذَا الأمر شَر لِي فِي دِيني وَمَعِيشَتِي وَعَاقِبَةِ أمْرِي» أو قال: «في عَاجِلِ أمْرِي وآجلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنى، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لىَ الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، [ثُم أرضِنِي] 4 بِهِ،

..................................  وَيُسَمى حَاجَتَهُ».
أخْرَجَه البُخارِي 1، ورَواه الترمِذِيّ، وفيه: «ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ».
فصل: ومنها صلاةُ الحاجَةِ؛ عن عبدِ الله بنِ أبي أوْفَى، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ كَانتْ لَهُ إلَى الله حَاجَةٌ أوْ إلَى أحَدٍ مِنْ بني آدَمَ، فَلْيَتَوَضَّأ، وَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لْيُصَل رَكْعَتَيْنِ، ثم ليُثْن عَلَى الله تَعَالَى، وَلْيُصَل عَلَى النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ثُم لْيَقُلْ: لَا إلهَ إلَّا الله الحَلِيمُ الكَرِيمُ، لا إلهَ إلَّا الله العَلِي العَظِيمُ، سُبْحَانَ الله 2 رَب العَرْش العَظيمِ، الحَمْد لِلْه رَب العَالَمِينَ، أسْأَلك موجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُل بِرٍّ، وَالسلامَةَ مِنْ كُل إثم، لَا تَدَعْ لي ذَنبا إلَّا غفَرْتَهُ، وَلَا هَما إلَّا فَرجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رضي إلَّا قَضيْتَهَا يَا أرحَمَ الراحِمِينَ».
رَواه ابن ماجه، والترمِذِي 3، وقال: حديثٌ غريبٌ.
فصل: في صلاةِ التَّوْبَةِ؛ عن عَليٍّ، رَضِيَ الله عنه، قال: حَدثَنِي

..................................  أبو بكر، وصَدَق أبو بكر، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «مَا مِنْ رَجُل يُذْنِبُ ذَنبًا، ثُم يَقُومُ فَيَتَطَهرُ، ثُم يُصَلى ركْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ الله إلَّا غفَرَ لَهُ».
ثم قَرَأ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ 1. إلى آخِرِها، الآيةُ.
رَواه أبو داودَ، والترمِذِي 2، وقال: حديثٌ حسنٌ غريب.
وفي إسْنادِه مقال؛ لأنَّه مِن رِوايةِ أبي الوَرْقاءِ، وهو ضَعِيفٌ 3 في الحَدِيثِ.
فصل: فأما صلاةُ التَّسْبِيحِ، فإن أحمدَ قال: ما تُعْجِبُنِي.
قيلَ له: لِمَ؟ قال: ليس فيها شيء يَصِحُّ.
ونَفَض يَدَه كالمنْكرِ، ولم يَرَها مسْتَحَبةً.
قال شيخنا 4: وإن فَعَلَها إنْسان فلا بَأسَ؛ فإنَّ النوافِلَ والفَضائِلَ لا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الحَدِيثِ فيها 5. وقد رَأى غير واحِدٍ مِن أهلِ العِلمِ صلاة التَّسبِيحِ؛ منهم ابنُ المُبارَكِ.
وذَكَرُوا الفَضْلَ فيها.
ووَجْهُها ما روَى أبو678

..................................  داودَ، والترمِذِي، [وابنُ ماجه] 1، عن ابنِ عباس، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال للعباس بنِ عبدِ المُطلِبِ: «[يَا عَبَّاسُ] 2 يَا عَمَّاهُ، ألَا أعْطِيكَ، ألَا أمنحُكَ، [ألَا أحْبُوكَ] 3، ألَأْ أفْعَلُ بِكَ؟ عَشْرُ خِصَالٍ إذَا أَنْتَ فعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللهُ لَكَ ذَنبكَ، أولَهُ وَآخِرَهُ، وقدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، خَطَأه وَعَمْدَهُ، صَغِيرَهُ وَكبِيرَه، وسِرهُ وَعَلَانِيَتَهُ، [عَشرُ خِصَالٍ] (3)، أن تصَلىَ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، تَقْرَأ فِي كلِّ رَكْعَة فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وسُورَةٌ، فَإذَا فَرَغتَ مِنَ القِرَاءَةِ، [فِي أولَ رَكْعَةٍ، وأنتَ قَائم]، قُلْتَ: سُبْحَانَ الله، وَالحَمدُ لِله، وَلَا إلهَ إلّا الله، وَاللهُ أكبَرُ، خَمسَ عَشرةَ مَرَّةً، ثُم تَرْكعُ فتَقولهَا وَأنتَ رَاكع عَشْرًا، ثُم تَرْفَع رَأسكَ مِنَ الرُّكُوعِ فتَقولُها عَشرا، ثُم تَهْوِي سَاجدًا، فَتَقُولُها [وأنْتَ سَاجِدٌ] (1) عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأسَك مِنَ السُّجُودِ، فتقولُها عَشْرًا، ثُم تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشرًا، ثُمَّ ترفعُ رَأْسَكَ [مِنَ السُّجُودِ] (1) فتَقُولُها عَشْرا، فَذلِك خَمسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الأرْبَع رَكَعَاتٍ، إنِ اسْتَطَعْتَ أن تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْم مَرةً فَافْعَلْ، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كَلِّ جُمُعةٍ مَرة، فَإن لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُل شَهْرِ مَرةً، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سنةٍ مَرةً، فَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمْرِكَ

..................................  مَرَّةً».
رَواه ابنُ خُزَيْمَةَ في صَحِيحِه، والطبراني في مُعْجَمِه 1، وفي آخِرِه: «فَلَوْ كانَتْ ذُنُوبُكَ مِثْلَ زبَدِ الْبَحْرِ وَرَمْلِ عَالِجٍ 2 غَفرَ اللهُ لَكَ».
فصل 3: وقد وَصَفَ عبدُ اللهِ بنُ المُباركِ صلاةَ التَّسْبِيحِ، فذَكَرَ أنَّه يَقُولُ قبلَ القِراءَةِ، وبعدَ الاسْتِفْتاحِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرةً: سبحان الله، والحَمْدُ لله، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، والله أكبَرُ.
ثم يَقولُها بعدَ القِراءَةِ عَشْرًا، ويَقُولُها في الركُوعِ عَشرا، وفي الرفع منه عَشْرا، وفي السجُودِ عَشْرًا، وفي الرفع منه عَشرا، وفي السَّجْدَةِ الثانِيَةِ عَشرا، فتلك خَمْسٌ وسَبْعُونَ تَسْبِيحَة في كل رَكْعَةٍ.
قال أبو وَهْبٍ: وأخْبَرَنِي عبدُ العَزِيز، هو [ابنُ أبي رِزْمَةَ] 4، عن عبدِ اللهِ، قال: يَبدَأ في الركُوعِ بسبحانَ رَبي العَظِيمِ، وفي السُّجُودِ بسبحانَ رَبي الأعْلَى ثَلاثًا، ثم يُسَبحُ التسْبِيحاتِ.
وعن [ابنِ أبي رِزْمَةَ] 5، قال: قلتُ لعبدِ الله بنِ المُبارَكِ: إن سَها فيها، أيُسَبحُ في سَجْدَتَيِ السهْو عَشرا عَشرا؟ قال: لا إنَّما هي ثَلاثمائَةِ تَسْبِيحَةٍ.
رَواه الترمِذِي 6. فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن تَوَضأ أن يُصَلىَ رَكْعَتَيْن عَقِيبَ الوُضُوءِ، إذا

ثُمَّ التراوِيحُ، وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَة، يَقُومُ بِهَا في رَمَضَانَ في جَمَاعَةٍ، وَيُوتِرُ بَعْدَهَا في الْجَمَاعَةِ،  كان في غيرِ أوْقاتِ النهْيِ؛ لِما روَى أبو هُرَيرةَ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لبِلالٍ عندَ صلاةِ الفَجْرِ: «يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الْإسْلَامِ، فَإنى سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَى في الْجَنةِ».
فقال: ما عَمِلْتُ عَمَلًا أرْجَى عندِي، أني لم أتطَهرْ طُهُورًا في ساعَةٍ مِن لَيْلٍ أو نَهارٍ، إلَّا صَليْتُ بذلك الطهورِ ما كُتِبَ لي أن أصَلىَ.
مُتفَق عليه (1)، واللفْظُ للبُخارِي.
وعن بُريْدَةَ، قال: أصْبَحَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فَدَعا بِلالا فقال: «يَا بلَالُ، بِمَ سَبَقْتَنِي إلَى الْجَنّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الجَنةَ قَط إلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي، إنِّي دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ، فَسَمِعْت خَشْخشَتَكَ».
وذَكَر الحديث، وفيه قال: وقال لبِلالٍ: «بِمَ سَبَقْتنِي إلى الْجَنةِ؟».
قال: ما أحْدَثْتُ إلَّا تَوَضأتُ، وصَليْتُ رَكْعَتَيْن.
فقال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «بِهَذا» (2). ورَواه الإمامُ أحمدُ (3)، وهذا لَفْظُه، والترمِذِي (4)، وقال: حدث حسن صحيح غريب.

500 -

مسألة: (ثم التراوِيحُ، وهي عِشْرُونَ رَكْعَة، يَقُومُ بها في رمضانَ في جَماعَةٍ، ويُوتِرُ بعدَها في الجَماعَةِ)

التراوِيحُ سُنة مُؤكدَة،1234

..................................  سَنَّها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال أبو هُرَيرة: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يرغبُ في قِيامِ رمضانَ، مِن غيرِ أن يَأمُرَهم فيه بعَزِيمةٍ، فيقولُ: «مَنْ قامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وعن عائشةَ: صلَّى رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في المَسْجدِ ذاتَ لَيْلَةٍ، فصَلَّى بصَلاتِه ناسٌ، ثم صلَّى في القابِلَةِ، وكثُر النّاسُ، ثم اجْتَمَعُوا مِن الليْلَةِ الثالِثَةِ والرابِعةِ 1، فلم يَخْرُجْ إليهم رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فلَمّا أصْبَحَ، قال: «قَدْ رَأيْتُ الذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْني مِنَ الخُرُوجِ إلَيْكمْ إلَّا أني خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ عَليْكُمْ».
وذلك في رمضانَ.
رواهما مسلم 2. وعن أبي ذَر،

..................................  قال: صُمْنا مع رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رمضانَ، فلم يَقُمْ بنا شيئًا مِن الشهْرِ، حتَّى بَقِيَ سبْعٌ، فقامَ بنا حتَّى ذهَب ثلث الليْل، فلَمّا كانتِ السّادِسةُ لم يَقُمْ بنا، فلما كانتِ الخامِسَةُ قامِ بنا حتَّى ذَهَب شَطْرُ الليْلِ، فقلتُ: يَا رسولَ الله، لو نَفَلْتَنا قِيام هذه اللَّيْلَة؟ قال: فقال: «إن الرَّجُل إذا صَلى مَعَ الإمَامِ حَتَّى يَنْصَرِف، حسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ».
قال: فلَما كانتِ الرّابِعَةُ لم يَقُمْ، فلَما كانتِ الثّالِثَةُ جَمَع أهْلَه ونِساءَه والنّاسَ، فقامَ بنا حتَّى خَشِينا أن يَفُوتَنا الفَلاحُ.
قال: قلتُ: وما الفَلاحُ؟ قال: السَّحُورُ.
ثم لم يَقمْ بنا بَقيَّة الشهْرِ.
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، واللفْظُ له، وابن ماجه، والنَّسائِي، والترمِذِي 1، وقال: حديث حسن صحيح.
وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: خَرَج رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فإذا النَّاسُ [في رمضانَ] 2 يُصَلون في ناحِيَة المَسْجِدِ، فقال: «مَا هؤلَاءِ؟» فقيل: هؤلاءِ أناس ليس معهم قرْآن، وأبي بنُ كَعب يُصَلى بهم، [وهم] 3 يُصَلون بصَلاِته.
فقال = البُخَارِيّ 2/ 63. وأبو داود، في: باب في قيام شهر رمضان، من كتاب رمضان سنن أبي داود 1/ 316. والنَّسائي في: باب قيام شهر رمضان، من كتاب قيام الليل.
المجتبى 3/ 164. والإمام مالك، في: باب الترغيب والصلاة في رمضان، من كتاب رمضان.
الموطأ 1/ 113. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 169.

..................................  النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أصابُوا، وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا».
رَواه أبو داودَ 1، وقال: يروِيه مسلمُ بنُ خالِدٍ، وهو ضَعِيفٌ.
حتَّى كان زَمَنُ عُمَرَ، رَضىَ الله عنه، فجَمَعَ النَّاسَ على أبيّ بْن كَعْب.
فرَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ عبد القارِيُّ 2، قال: خَرَجْتُ مع عُمَرَ لَيْلَةً في رمضانَ، فإذا النَّاسُ أوْزاعٌ 3 مُتَفرقُون، يُصَلى الرجلُ لنَفْسِه، ويُصَلِّي الرجُلُ فيُصَلي بصَلاِته الرهْطُ، فقال عُمَرُ: إنِّي أرَى لو جَمَعْتُ هؤلاءِ على قارِئٍ واحِدٍ، لكان أمْثَلَ.
ثم عَزَم فجَمَعَهم على أبيِّ بنِ كَعْبٍ، قال: ثم خَرَجْتُ معه لَيْلَةً أخْرَى والنَّاسُ يُصَلون بصَلاةِ قارِئِهم، فقال: نِعْمَتِ 4 البِدْعَةُ هذه، والتي يَنامُون عنها أفْضَلُ مِن التي يَقُومُون.
يريدُ آخِرَ اللَّيْلِ.
وكان النَّاسُ يَقُومُون أولَه.
أخْرَجَه البُخارِيُّ 5. فصل: وعَدَدُها عِشْرُون رَكْعَةً.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو

..................................  حنيفةَ، والشافعي.
وقال مالكٌ: سِتٌّ وثَلاثون.
وزَعَم أنَّه الأمْرُ القَدِيم، وتَعَلق بفِعلِ أهلِ المَدِينَةِ؛ فإن صالِحًا مَوْلَى التَّوْأمَةِ، قال: أدْرَكْتُ النَّاسَ يَقومُون بإحْدَى وأرْبَعِين رَكْعَةً! يُوتِرُون منها بخَمسٍ.
ولَنا، أن عُمَر، رَضِيَ الله عنه، لَما جَمَع النَّاسَ على أبيِّ بنِ كعْبٍ، فكان يصَلِّي بهم عِشْرِين رَكْعَة.
وروَى السّائبُ بنُ يزِيدَ نحْوَه 1. وروَى مالك مثل ذلك 2، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، قال: كان النَّاسُ يَقُومُون في زَمَنِ عُمَرَ ابنِ الخطابِ في رمضانَ بثَلاثٍ وعِشْرِينَ رَكْعَةً.
وعن أبي عبدِ الرحمنِ السلَمِي، عن علي، رَضِيَ الله عنه، أنَّه أمَرَ رجلًا يُصَلّى بهم في رمضانَ عِشْرِين رَكْعَة 3. وهذا كالإجْماعِ.
وأمّا ما روَى صالِح، فإن صالِحًا ضَعِيفٌ، ثمَّ لا نَدْرِي مَن النّاسُ الذين أخْبَرَ عنهم؟ وليس ذلك بحُحةٍ.
ثم لو ثَبَت أن أهل المَدِينَةِ كلهم فَعَلُوه، لكان ما فَعَلَه عُمَرُ وعليٌّ، وأجْمَعَ عليه الصحابَةُ في عَصْرِهم، أوْلَى بالاتباعِ.
قال بعضُ أهلِ العلمِ: إنما فَعَل هذا أهلُ المَدِينَةِ؛ لأنهم أرادُوا مُساواةَ أهلِ مَكةَ، فإن أهلَ مَكَّةَ

..................................  يَطوفُون سَبْعًا بينَ كلِّ تَرْوِيحَتَيْن، فجَعَلَ أهلُ المَدِينَةِ مَكانَ [كلِّ سَبْعٍ] 1 أرْبَعَ رَكَعاتٍ، واتِّباعُ أصحابِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أحَقُّ وأوْلَى.
فصل: والأفْضَلُ فِعْلُها في الجَماعَةِ.
نصَّ عليه، في رِوايَة يُوسُفَ ابن موسى.
ويُوتِرُ بعدَها في الجَماعَةِ، لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ يَزِيدَ بنِ رُومانَ.
قال أحمدُ: كان جابرٌ، وعلي، وعبدُ الله يُصَلونَها في الجَماعَةِ.
وبهذا قال المُزَنِي، وابنُ عبدِ الحَكَمِ، وجَماعَة مِن الحَنَفِية.
وقال مالك، والشافعي: قيامُ رمضانَ لمَن قَوِيَ في البَيْتِ أَحَبُّ إلينا؛ لِما روى زيدُ بن ثابِتٍ، قال: احْتَجَرَ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حُجيرَة بخَصَفَةٍ أو حَصِيرٍ 2، فخَرَجَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي فيها.
قال: فتَتَبعَ إليه رِجال، وجاءوا يصَلون بصَلاِته، قال 3: ثم جاءوا لَيْلَةً فحضرُوا، وأبطَأ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عنهم، فلم يَخْرُجْ إليهم، فرَفَعوا أصْواتَهم، وحَصبُوا البابَ، فخَرَجَ إليهم رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مُغْضَبًا، فقال لهم 4: «مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُكْتَبُ عَلَيْكمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلاةِ في بُيُوتِكُمْ، فَإنَّ خَير صَلَاةِ الْمَرْءِ في بَيتهِ، إلَّا المَكتُوبَةَ».
رَواه

..................................  مسلمٌ 1. ولَنا، إجْماعُ الصحابَةِ على ذلك، وجَمْعُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أهلَه وأصحابَه في حَدِيثِ أبي ذرٍّ، وقولُه: «إن الرجُلَ إذا صلَّى معَ الإمَامِ حَتَّى يَنْصَرِف حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» 2. وهذا خاصٌّ في قِيامِ رمضانَ، فيُقَدَّمُ على عُمومِ ما احْتَجُّوا به، وقولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لهم ذلك مُعَلَّلٌ بخَشْيَةِ فَرْضِه عليهم، ولهذا تَرَك القِيامَ بهم مُعَلِّلًا بذلك، أو خَشْيَةَ أن يَتَّخِذها النَّاس فَرْضًا، وقد أُمِن هذا بعدَه.
فصل: قال أحمدُ: يَقْرَأُ بالقَوْمِ 3 في شَهْرِ رمضانَ ما يَخِفُّ عليهم، ولا يَشُقُّ، لا سِيَّما في اللَّيالِي القِصارِ.
وقال القاضي: لا يُسْتَحَب النقصانُ عن خَتْمَةٍ في الشَّهْرِ؛ ليَسْمَعَ النّاس جَمِيعَ القُرآنِ، ولا يزيدُ على خَتْمَةٍ؛

..................................  كَراهِيَة المَشَقةِ على مَن خَلْفَه.
قال الشيخُ 1، رَحِمَه اللهُ: والتَّقْدِيرُ بحالِ النَّاس أوْلَى؛ فإنَّه لو اتَّفَقَ جَماعَة يَرْضَوْن بالتطْوِيلِ ويَخْتارُونَه، كان أفْضَلَ، كما جاء في حَدِيثِ أبي ذَرٍّ، قال: فقُمْنا مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حتَّى خَشِينا أن يَفُوتَنا الفَلاحُ.
يعني السَّحُورَ.
وعن السائِبِ بنِ يَزيدَ، قال: كانوا يَقُومُون على عهدِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ، رَضىَ الله عنه، في شَهْرِ رمضانَ بعِشْرِين رَكْعة، وكانوا يقُومُون بالمائتيْن، وكانوا يَتَوَكئُون على عِصِيِّهم في عهدِ عُثْمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، مِن شدةِ القِيامِ.
رَواه البَيْهَقي 2. وعن أبي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قال: دعا عُمَرُ بنُ الخطَابِ بثَلَاثةِ قُراء فاسْتَقْرَأهم، فأمَرَ أسْرَعَهم قِراءةً أن يَقْرأ للنَّاس بثلاِثين آية، وأوْسَطهم أن يَقْرا خَمْسًا وعِشْرِين آية، وأمَرَ أبطَأَهم أن يَقْرأ عِشْرِينَ آيةً.
رَواه البَيْهَقِي 3. وكان السَّلَفُ يَستَعْجلُون خدَمَهم بالطعامِ؛ مخافَةَ طُلُوعِ الفَجْرِ.

فَإنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ، جَعَلَ الْوِتر بَعْدَهُ، فَإنْ أحَبَّ مُتَابَعَةَ الْإمَامِ، فَأوْتَرَ مَعَهُ، قَامَ إذا سَلَّمَ الْإمَامُ فَشَفَعَهَا بِأُخْرَى.
فصل: (فإن كان له تَهجُّدٌ، جَعَل الوِتر بعدَه) لقوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «وَاجْعَلُوا آخِرَ صَلَاِتكُمْ بِالليْلِ وِترًا» (1).

501 -

مسألة: (فإن أَحَبّ مُتابَعَةَ الإِمام، فأوْتَرَ معه، قام إذا سَلّمَ الإمامُ فشَفَعَها بأخْرَى)

قال أبو داودَ: سمِعتُ أحمدَ يقولُ: يُعْجِبُنِي أن يُصَلىَ مع الإِمامِ، ويوتِرَ معه؛ لقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- «إن الرجُل إذا قامَ مَعَ الْإمَامِ، حَتَّى يَنْصَرِفَ، كتِبَ لهُ بقِيةُ لَيْلَتِهِ» 2. قال: وكان أحمدُ يَقُومُ مع النَّاسِ، ويُوتِرُ معهم.
وأخْبَرَني الذي كان يَؤمه في شَهْرِ رمضانَ، أنَّه كان يُصَلى معهم التَّراوِيحَ كلها والوِتر.
قال: ويَنْتَظِرُنِي بعدَ ذلك حتَّى أقُومَ، ثم يَقُومُ، كأنه يذْهبُ إلى حَدِيثِ أبي ذَرٍّ.1

..................................  وإذا أوْتَرَ مع الإِمام، شَفعَها بأُخْرَى، إذا سَلَّمَ إمامُه؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «لَا وِترانِ في ليْلَةٍ» 1. ويُؤخِّرُ وِترَه إلى آخِرِ اللَّيْلِ؛ للحَدِيثِ المَذْكُورِ.
قال أبو داودَ: وسُئِل أحمدُ عن قَوْم صَلُّوْا في رمضان خَمس تَراوِيحَ، لم يَتَرَوحُوا بينَها؟ قال: لا بَأسَ.
وسُئِل عن مَن أدْرَكَ مِن تَراوِيحِه رَكْعَتَيْن، يُصَلِّى إليها رَكْعَتَيْن؟ فلم يَرَ 2 ذلك.
وقيل لأحمدَ: يُؤخِّرُ القيامَ، يعني في التَّراوِيحِ، إلى آخِرِ اللَّيْلِ؟ قال: لا، سُنَّةُ المسلمين أَحَبُّ إليَّ.

..................................  فصل: ويجْعَلُ خَتْمَ القُرْآنِ في التَّراوِيحِ.
نَصَّ عليه أَحْمد، في رِوايَة الفضْلِ بنِ زيادٍ، قال: حتَّى يَكُونَ لَنا دعاءً بينَ اثْنَيْن.
قلتُ: كيف أصنَعُ؟ قال: إذا فرَغْتَ مِن آخِرِ القرْآنِ، فارفَعْ يدَيْكَ قبلَ أن تَرْكعَ، وادْع بنا ونَحْنُ في الصلاةِ، وأطِلِ القِيامَ.
قلت: بِمَ أدْعُو؟ قال: بما شِئْتَ.
قال حَنبَل: وسمعتُ أحمدَ يَقولُ، في ختْمِ القُرْآنِ: إذا فَرَغْت مِن قراءَةِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
فارْفعْ يدَيْك في الدُّعاءِ قبلَ الرُّكُوعِ.
قلتُ: إلى أي شئٍ تَذْهَبُ في هذا؟ قال: رَأيتُ أهلَ مَكَّةَ وسُفْيان بنَ عُيَيْنَةَ يَفْعَلونَه.
قال العباسُ بنُ عبدِ العَظِيمِ 1: أدركْتُ النّاسَ بالبَصْرَةِ يَفْعَلُونَه وبمكَّةَ.
ويَرْوِي أهل المَدِينَةِ في هذا شيئًا، وذُكِر عن عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ.
فصل: واخْتَلَفَ أصْحابُنا في قيامِ لَيْلَةِ الثلاِثين مِن شَعْبانَ في الغَيْمِ، فحُكِيَ عن القاضي، قال: جَرَتْ هذه المَسْألةُ في وَقْتِ شَيْخِنا أبي عبدِ اللهِ ابن حامِدٍ، فصَلَّى، وصَلاها القاضي أبو يَعْلَى؛ لأنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال:

..................................  «إنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ 1 وسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ» 2. فجَعَلَ القِيامَ مع الصيامِ.
وذَهَب أبو حَفْصٍ العُكْبَرِي إلى تركِ القِيامِ، وقال: المعَوَّلُ في الصيامِ على حديثِ ابنِ عُمَرَ وفِعْلِ الصَّحابَةِ والتَّابِعِين، ولم ينقلْ عنهم قِيامُ تلك اللَّيْلَةِ.
واخْتارَه المَيْمُونِي؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ شَعْبانَ، وإنما صِرْنا إلى الصوْمِ احْتِياطًا للواجِبِ، والصلاةُ غيرُ واجِبَةٍ، فتَبْقَى على الأصْلِ.
فصل: وسُئِل أبو عبدِ اللهِ، إذا قرَأ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
يَقرَأ مِن البَقَرَةِ شيئًا؟ قال: لا.
ولم يَسْتَحِبَّ أن يَصِلَ خَتْمَتَه بقراءَةِ شيءٍ.
ولَعَلَّه لم يَثْبُتْ فيه عندَه أثر صحيح.
وسُئِل عن الإِمامِ، في شَهْر رمضانَ يَدَعُ الآياتِ مِن السورَةِ، تَرَى لمَن خَلْفَه أن يَقْرَأها؟ قال: نعم، قد كان بمكةَ يُوَكلُون رجلًا يَكْتُبُ ما تَرَك الإمامُ مِن الحُرُوفِ وغيرِها، فإذا كان لَيْلَةَ الخَتْمَةِ أعادَه.
وإنما استُحِب ذلك؛ لتَكْمُلَ الخَتْمَةُ، ويَعظُمَ الثَّوابُ.

وَيُكْرَهُ التطَوُّعُ بَيْنَ التراوِيح، وَفِي التَّعْقِيبِ رِوَايَتَانِ؛ وَهُوَ أنْ يَتَطَوعَ بَعْدَ التراوِيح وَالْوِتْرِ في جَمَاعَةٍ.

502 - مسألة: (ويُكْرَهُ التَّطَوعُ بينَ التَّراوِيحِ. وفي التَّعْقِيبِ رِوايَتان؛ وهو أن يَتَطَوَّعَ بعدَ التراويحِ والوتر في جَماعَةٍ)

يُكْرَهُ التطَوعُ بينَ التَّراوِيحِ.
نَص عليه أحمدُ، وقال: فيه عن ثَلَاثةٍ مِن أصْحابِ رَسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ عُبادَةُ، وأبو الدَّرْداءِ، وعُقْبَةُ بنُ عامِرٍ.
وذُكِر لأبي عبدِ الله رُخْصَة فيه عن بعض الصحابةِ، فقال: هذا باطِلٌ، إنما فيه عن الحسنِ، وسعيدِ ابن جُبَيْرٍ.
وقال أحمدُ: يَتَطَوعُ بعدَ المَكْتُوبَةِ، ولا يَتَطَوَّعُ بعدَ 1 التَّراوِيحِ.
وروَى الأثْرَمُ، عن أبي الدَّرْداءِ, أنَّه أبصَرَ قوْمًا يُصَلُّون بينَ التَّراوِيح، فقال: ما هذه الصلاةُ؟ أتُصَلِّي وإمامُك بينَ يَدَيْك؟ ليس مِنّا مَن رَغِب عَنَّا.
وقال: مِن قِلَّةِ فِقهِ الرجلِ أن يرى أنَّه في المَسْجِدِ وليس في صلاةٍ.

..................................  فصل: فأما التَّعقِيبُ، أو صلاةُ التَّراوِيحِ في جَماعَة أخرَى، فعنه الكَراهَةُ.
نَقَلَها عنه محمدُ بنُ الحَكَمِ، إلَّا أنَّه قول قدِيم.
قال أبو بكرٍ: إذا أخَّرَ الصلاةَ إلى نِصْفِ الليْلِ أو آخِره، لم يُكْرَهْ، رِوايَة واحِدَة، وإنَّما الخِلافُ فيما إذا رَجَعُوا قبل النوْم 1. وعنه، لا بَأس به.
نقَلَها عنه الجَماعَةُ.
وهو الصحِيحُ، لقَوْلِ أنس، رَضِيَ الله عنه: ما يَرْجِعُون إلَّا بخيْرٍ يَرْجُونَه، أو لَشرٍّ يَحْذَرُونَه 2. وكان لا يَرَى به بَأسًا.
ولأنَّه خَيرٌ وطاعَةٌ، فلم يُكْرَهْ، كما لو أخَّرَه إلى آخِرِ الليْلِ.
فصل: ويُسْتَحَب أن يَجْمَعَ أهلَه عندَ خَتْمِ القُرآنِ وغيرَهم؛ لحُضُورِ الدُّعاءِ.
وكان أنس إذا خَتَم القُرْآنَ جَمع أهْلَه ووَلَدَه 3. ورُوىَ ذلك عن ابن مسعودٍ وغيرِه.
ورَواه ابنُ شاهِين مَرْفُوعًا.
واسْتَحْسَنَ أبو عبدِ الله التَّكبِيرَ عندَ آخِرِ كلِّ سُورَةٍ من سُورَةِ

..................................  الضُّحَى إلى آخِرِ القُرْآنِ، لأنَّه رُوِيَ عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ أنّه قَرَأ على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فأمَرَه بذلك.
رَواه القاضي بإسنادِه في «الجامِع».
ولا بَأسَ بقِراءَةِ القُرْآنِ في الطَّريقِ، ولا وهو مُضْجعٌ.
قال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ: خَرَجْتُ مع أبي عبدِ اللهِ إلى الجامع فسَمعتُه يَقْرأ سُورَةَ الكَهْفِ.
وعن إبراهِيمَ التيمِي، قال: كنتُ أقْرَأ على أبي موسى وهو يَمْشى في الطَّرِيقِ، فإذا قَرَأتُ السجْدَةَ قلتُ له: أسْجُدُ في الطرِيقِ؟ قال: نعم.
وعن عائشةَ أنها قالت: إنِّي لَأقْرأ القُرْآنَ وأنا مُضْطَجعَةٌ على سرِيرِي.
رَواه الفِرْيابِيّ، في فَضائِلِ القُرآنِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ خَتَم القُرْآنِ في كلِّ سَبْعَةِ أيامٍ.
قال عبدُ الله بنُ أحمدَ: كان أبي يَخْتِمُ القُرْآنَ في النَّهارِ في كل سَبعٍ؛ يَقْرَأ في كُل يَوم سُبْعا، لا يَكادُ يَتْرُكه نَظرا.
وذلك لِما رُوِي أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لعبدِ الله بِنِ عمرٍو: «اقْرَأِ الْقُرْآنَ في كل سَبْع، وَلَا تَزِيدَن عَلَى ذَلِكَ».
رَواه أبو داودَ 1.

..................................  وعن أوْسِ بنِ حذَيْفَةَ، قال: قُلْنا لرسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: لقد أبْطَأْتَ عنّا اللَّيْلَةَ.
قال: «إنَّه طَرَأ عَلَيَّ حِزْبي مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ، أنْ أجئَ حَتَّى أتِمَّهُ» 1. قال أوْسٌ: سَألْتُ أصْحابَ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: كيف تُحَزبُون القُرْآنَ؟ قالُوا: ثَلاثٌ، وخَمْسٌ، وسبْعٌ، وتِسْعٌ، وإحدى عَشْرَةَ، وثلاثَ عَشرَة، وحِزْبٌ منَ 2 المُفصَّلِ وحْدَه.
رَواه أبو داودَ.
ورَواه الإمامُ أحمدُ 3، وفيه: وحِزْبُ 4 المُفَصَّلِ مِن ﴿ق﴾ حتَّى يَخْتِمَ.
ورَواه الطَّبْرَانِيّ 5. فسَألْنا أصْحابَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: كيف كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُحَزِّبُ القُرْآنَ؟ فقالُوا: كان يحُزبُه ثَلاثًا، وخَمسًا.
وذَكَرَه.
وإن قَرَأه في ثَلاث فحَسَنٌ؛ لأنَّه رُوِيَ عن عبدِ الله بِنِ عَمْرو، قال: قُلْت لرسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: إن لي قُوةً.
قال: «اقرَأهُ في ثَلَاثٍ».
رَواه أبو داودَ 6.

..................................  فإن قرَأه في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ، فعنه، يُكْرَهُ ذلك؛ لِما روَى عبدُ الله بنُ عَمْرٍو، قال: قالَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأهُ في أقَلَّ مِنْ ثلَاثٍ».
رواه أبو داودَ 1. وعنه، أن ذلك غيرُ مُقَدَّرٍ، بل هو على حسَب ما يَجدُ مِن النَّشاطِ والقُوَّةِ؛ لأنَّ عُثْمانَ كان يَخْتِمُه في لَيْلة، ورُوِيَ ذلك عن جَماعة مِن السَّلَفِ.
والأفْضَلُ التَّرْتِيلُ؛ لقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ 2. وعن عائشةَ، أنها قالت: لا أعْلمُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ القُرْآنَ كلَّه في لَيْلَةٍ.
رَواه مسلم 3. وعنها قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لا يَخْتِمُ القُرْآنَ في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ.
رَواه أبو عُبَيْدٍ في «فضائِلِ القُرْآن».
وقال ابنُ مسعودٍ، في مَن قَرَأ القُرْآنَ في أقَل مِن ثَلاثٍ:

..................................  فهَذٌّ 1 كَهَذِّ الشِّعْر، ونَثرٌ كَنَثْرِ الدَّقلِ 2. ويُكْرَهُ أن يُؤخرَ خَتْمَه أكثَرَ مِن أرْبعِين يَوْمًا! لأنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو، سألَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: في كَمْ يَخَتم القرْآنَ؟ قال: «في أرْبَعِينَ يَوْما».
ثم قال: «في شَهْر».
ثم قال: «في عِشْرينَ».
ثم قال: «في خَمس عَشْرَةَ».
ثم قال: ««في عَشْرٍ».
ثم قال: «في سَبعٍ».
لم يَنْزِلْ مِن سَبْعٍ.
أخْرَجه أبو داودَ 3. قال أحمدُ: أكْثَرُ ما سَمِعْتُ أن يُخْتَمَ القُرْآنُ في أرْبَعِين.
ولأنَّ تأخيرَه أكثَرَ مِن هذا يُفْضِي إلى نِسْيانِه والتَّهاوُنِ به، وهذا إذا لم يَكُنْ عُذْر، فأمَّا مع العُذْرِ فذلك واسعٌ.
فصل: قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: قال ابنُ المُبارَكِ: إذا كان الشتاءُ فاخْتِمِ القُرْآنَ في أولِ الليْلِ، وإذا كان الصيفُ فَاخْتِمْه في أوَّلِ النهارِ.
فكَأنه أعْجَبَه؛ لِما روَى طَلْحَةُ بنُ مُصَرّفٍ 4، قال: أدْرَكْتُ أهلَ الخَيْرِ مِن صَدْرِ هذه الأمَّةِ يَسْتَحِبُّون الخَتْمَ في أولِ اللَّيْل، وأوَّلِ 5 النهارِ، يَقُولُون: إذا خَتَم في أولِ النهارِ صَلَّتْ عليه المَلائِكَةُ حتَّى يُمْسِيَ، وإذا خَتَم في أوَّلِ الليْلِ صَلَّتْ عليه المَلائكةُ حتَّى يُصْبِحَ.
وقال بعضُ العُلَماءِ:

..................................  يُسْتَحَبُّ أن يَجْعَلَ خَتْمَةَ النهارِ في رَكْعَتَي الفَجْر أو بعدَهما، وخَتْمةَ اللَّيْلِ في رَكْعَتَيِ المَغْرِبِ أو بعدَهما.
فصل: وكَرِه أحمدُ قراءَةَ القُرْآنِ بالألْحانِ، وقال: هي بِدْعَةٌ، لِما رُوِيَ أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ذَكَر في أشْراطِ السّاعَةِ أن يُتَّخَذَ القُرآنُ مَزامِيرَ، يُقَدِّمُون أحَدَهم ليس بأقرَئِهم ولا أفْضَلِهم، إلَّا ليُغنيهم غِناءً 1. ولأنَّ مُعْجزَةَ القُرْآنِ في لَفْظِه ونَظْمِه، والألْحانُ تُغَيره.
قال شيخُنا 2: وكلامُ أَحمدَ في هذا مَحْمُولٌ على الإفْراطِ في ذلك, بحيث يَجْعَلُ الحَرَكاتِ حُرُوفًا، ويَمُدُّ في غير مَوْضِعِه.
وأمّا تحْسِينُ القُرآنِ والترجِيعُ فلا يُكْرَهُ، فإن عبدَ اللهِ بنَ المُغفلِ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ.
قال: فقَرَأ ابنُ مغَفل، ورَجَّعَ في قِراءَتِه.
وفي لَفْظٍ، قال: قَرَأ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عامَ الفَتْحِ في مَسِيرٍ له سُورَةَ الفَتْحِ على راحِلَتِه، فرَجَّعَ في قِراءَتِه.
قال مُعاوِيَةُ 3 بنُ قرَّةَ: لولا أنِّي أخافُ أن يَجْتَمعَ عليَّ النّاسُ لحَكَيْتُ لكم قراءَتَه.
رَواهما مسلم 4. وفي لفظٍ

..................................  فقال 1: «أأ أ».
وروَى أبو هُريَرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أذِنَ الله لِشَيْء كأذَنِه لِنَبِيٍّ يَتَغَنى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِه».
رَواه مسلمٌ 2. وقال -صلى الله عليه وسلم-: «زَيِّنوا الْقُرْآنَ بأصْوَاتِكمْ» 3. وقال: «لَيْس مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغنَّ بِالْقُرْآنِ».
رَواه البخارِي 4. قال أبو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ:

..................................  يَتَغَنَّى بالقرْآنِ يَسْتَغْنِي به.
وقالت طائفَةٌ: مَعْناه يُحْسِنُ قِراءَتَه، ويَتَرَنَّمُ به، ويَرْفَعُ صَوْتَه به.
كما قال أبو موسى للنبي -صلى الله عليه وسلم-: لو عَلِمْتُ أنَّك تسْمَعُ قِراءَتِي لحبَّرتُه لك تَحْبِيرًا.
وقال الشَّافعيّ: يَرْفَعُ صَوْتَه به.
وقال أبو [عبدِ اللهِ] 1: يَقْرَأ بحُزْنٍ مثلِ صَوْتِ أبي موسى.
وعلى كلِّ حالٍ فتَحْسِينُ الصوْتِ بالقُرْآنِ وتطريبُه مُسْتَحبٌّ، ما لم يَخْرُجْ بذلك إلى تَغْيِيرِ لَفْظِه، أو زيادَة حُرُوفٍ فيه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ.
ورُوِيَ عن عائشةَ، أنها قالَت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: كُنْتُ أسمع قراءَةَ رجل في المَسْجِدِ لم أسمعْ قِراءَةً أحسنَ مِن قِراءته.
فقام النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- فاسْتَمَعَ، ثم قال: «هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي جَعَلَ في أمتِي مِثْلَ هَذَا» 2.

جارٍ التحميل