..................................
بالصِّفَةِ إن كانت تَنْضَبِطُ بها، قِياسًا على البَيعِ.
وفيه وَجْه آخَر، أنَّه لا يُشْتَرَطُ، ويَثْبُتُ للمُسْتَأجِر خِيارُ الرُّويةِ.
وهو قولُ أصْحابِ الرأي.
والخِلافُ ههُنا مَبْنِيٌّ على الخِلافِ في البَيعِ.
وقد ذَكَرْناه، والمَشْهُورُ الأوَّلُ.
فعلى هذا، إذا كانت ممّا لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، كالدورِ، والحَمّامِ، فلا بُدَّ مِن رُؤيتها، كالبَيعِ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بصِغَرِها، وكِبَرِها، ومَرافِقِها، ومُشاهَدَةِ قَدْرِ الحَمّامِ؛ ليَعْلَمَ كِبَرَها مِن صِغَرِها، ومَعْرِفةِ مائِهِ، ومُشاهَدَةِ الإيوانِ 1، ومُطَّرَحِ الرَّمادِ، ومَوْضِح الزِّبْلِ، ومَصْرِفِ ماءِ الحَمّامِ.
فمتى أخَلَّ بهذا أو بعضِه، لم يَصِحَّ؛ للجَهالةِ بما يَخْتَلِفُ به الغَرَضُ.
وقد كَرِه أحمدُ، رَحِمَهُ الله، كَرْىَ الحَمّامِ؛ لأنَّه يَدْخُلُه مَن يَكْشِفُ عَوْرَتَه فيه.
قال ابنُ حامدٍ: هذا على طَرِيقِ كَراهَةِ التنزِيهِ دُونَ التَّحْرِيمِ، فأمّا العَقْدُ فصَحِيح في قولِ أكثر أهْلِ العِلْمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، أنَّ كِراءَ الحَمّامِ جائِر، إذا حَدَّدَه، وذَكَر جميعَ آلتِه شُهُورًا مُسَمّاةً.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرأي؛ لأنَّ المُكْتَرِي إنَّما يَأخُذُ الأجْرَ عِوَضًا عن دُخُولِ الحَمّامِ والاغْتِسالِ بمائِهِ، وأحْوالُ المُسْلِمِين مَحْمُولَةٌ على السَّلامَةِ، وإن وَقَعَ مِن بعضِهم فِعْلُ ما لا يَجُوزُ،
الثَّالث، الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلا تَصحُّ إِجَارَةُ الآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَلَا الْمَغْصُوبِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أخْذِهِ.
وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْمُشَاعِ مُفْرَدًا لِغَيرِ شَرِيكِهِ.
وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازه.
لم يُحَرَّمِ الأجْرُ المَأخُوذُ منه، كما لو اكْتَرَى دارًا ليَسْكُنَها، فشربَ فيها خَمْرًا.
2171 -
مسألة: (الثالثُ، القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ، فلا يَصِحُّ إجازَةُ الآبِقِ والشّارِدِ، ولا المَغْصُوبِ)
مِن غيرِ غاصِبِه، إذا لم يَقْدِرْ على أخْذِه منه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عليه، فلم تَصِحَّ إجارَتُه، كبَيعِه.
2172 -
مسألة: (ولا تَجُوزُ إجارَةُ المُشَاعِ مُفْرَدًا لغيرِ شَرِيكِه. وعنه ما يَدُلُّ على الجَوازِ)
قال أصحابُنا: لا تَجُوزُ إجارَةُ المُشاعِ لغيرِ الشَّرِيكِ، إلَّا أن يُؤْجِرَ الشرِيكان معًا.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، وزُفَرَ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، فلم تَصِحَّ إجارَتُه، كالمَغْصُوبِ، يُحَقِّقُ ذلك أنَّه لا يَقدِرُ على تَسْلِيمه إلَّا بتَسْليمِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ، ولا ولايةَ له على
..................................
مالِ شَرِيكِه.
واخْتارَ أبو حَفْص العُكْبَرِي جَوازَه.
وقد أوْمأ إليه أحمدُ.
وهو قولُ مالك، والشافعيِّ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ؛ لأنه مَعْلُوم يَجُوزُ بَيعُه، فجازَتْ إجارَتُه، كالمُفْرَدِ.
ولأنَّه عَقْد في مِلْكِه يَجُوزُ مع شَرِيكِه، فجاز مع غيرِه، كالبَيعِ.
ومَن نَصَر الأولَ، فَرّقَ بينَ مَحَلِّ النِّزاعِ وبينَ ما إذا أجَرَه الشرِيكان، أو أجَرَه لشَرِيكِه، فإنَّه يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ إلى المُسْتَأجِرِ، فأشْبَهَ إجارَةَ المَغْصُوبِ مِن غاصِبِه دُونَ غيرِه.
وإن كانت لواحدٍ فأجَرَ نِصْفَها، صَح؛ لأنه يُمْكِنُه تَسْلِيمُه، ثم إن أجَرَ نِصْفَها الآخَرَ للمُسْتَأجِرِ الأولِ، صَحَّ؛ لإمْكانِ تَسْلِيمِه إليه.
وإن أجَرَه لغيرِه، فَفِيه وَجْهان، كالمسألة التي قبلَها؛ لأنه لا يُمْكِنُه تَسْلِيمُ ما أجَرَه إليه.
وإن أجَرَ الدّارَ لاثْنَين، لكُلِّ واحدٍ منهما نصفها، وكذلك؛ لأنه لا يُمْكِنُه تَسْلِيمُ نَصيبِ كُلِّ واحدٍ إليه.
..................................
فصل: ولا تَجُوزُ إجارَةُ المُسْلِمِ للذِّمِّيِّ لخِدْمَتِه.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، فقال: إن أجَرَ نَفْسَه مِن الذِّمِّيِّ في خِدْمَتِه لم يَجُزْ، وإن كان في عَمَل شيءٍ جاز.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وقال في الآخَرِ: تَجُوزُ، لأَنه يَجُوزُ له إجارَةُ نَفْسِه في غيرِ الخِدْمَةِ، فجاز فيها، كإجارَته مِن المُسْلِمِ.
ولَنا، أَنه عَقْد يَتَضَمَّنُ حَبْسَ المُسْلِمِ عندَ الكافِرِ وإذْلاله له واسْتِخْدامَه، أشبَهَ البَيعَ، يُحَقِّقُه أنَّ عَقْدَ الإجارَةِ للخِدْمَةِ يَتَعَيَّنُ فيه حَبْسُه مُدَّةَ الإجارَةِ واسْتِخدامُه، والبَيعُ لا يَتَعَيَّنُ فيه ذلك، فإذا مُنِعَ منه، فالمَنْعُ مِن الإجارَةِ أوْلَى.
فأمّا إن أجَرَ نفْسَه منه في عَمَل مُعَيَّن في الذِّمَّةِ، كخِياطَةِ ثَوْبٍ، جاز بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ الله عنه، أجَرَ نَفْسَه مِن يَهُودِيٍّ يَسْتَقِي له كلَّ دَلْوٍ بتَمْرةٍ، وأخْبَرَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فلم يُنْكِرْه، وكذلك الأنْصاري 1. ولأنه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ لا يَتَضَمَّنُ إذْلال المُسْلِمِ ولا استِخْدامَه، فأشْبَهَ مُبايَعَتَه.
وإن أجَرَ نَفْسَه منه [لعمل غيرِ] 2 الخِدْمةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، جاز أيضًا، في ظاهِرِ
الرَّابعُ، اشْتِمَالُ الْعَينِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ، فَلَا تَجُوزُ إِجَارَةُ بَهِيمَةٍ زَمِنَةٍ لِلْحَمْلِ، وَلَا أرْض لَا تُنْبِتُ لِلزَّرْعِ.
كلامِ أحمدَ؛ لقولِه: وإن كان في عَمَلِ شيءٍ جاز.
ونَقَلَ عنه أحمدُ بنُ سعيدٍ: لا بَأسَ أن يُؤَاجِرَ نَفْسَه مِن الذِّمِّيِّ.
وهذا مُطْلَق في نَوْعيِ الإجارَةِ.
وذَكَرَ بعضُ أصحابِنا أنَّ ظاهِرَ كَلامِ أحمدَ مَنْعُ ذلك وأشار إلى ما رَواه الأثْرَمُ، واحْتَجَّ بأنه عَقْد يَتَضَمَّنُ حَبْسَ المُسْلِمِ، أشْبَهَ البَيعَ.
والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنا، فإنَّ كلامَ أحمدَ يَدُلُّ على خِلافِ ما قاله، فإنَّه خَصَّ المَنْعَ بالإجارَةِ للخِدْمةِ، وأجازَ إجارَتَه للعَمَلِ، وهذا إجارَة للعَمَلِ، ويُفارِق البَيعَ؛ فإنَّ فيه إثْباتَ المِلْكِ على المُسْلِمِ، ويُفارِق إجارَتَه للخِدْمَةِ؛ لتَضَمُّنِها الإذْلال.
فصل: نَقَل إبراهيمُ الحَرْبي، أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدِّيكَ ليُوقِظَه لوَقْتِ الصَّلاةِ، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ ذلك يَقِفُ على فِعْلِ الدِّيكِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِخْراجُ ذلك منه بضَرْبٍ ولا غيرِه، وقد يَصِيحُ وقد لا يَصِيحُ.
ورُبَّما صاحَ بعدَ الوَقْتِ.
2173 -
مسألة: (الرابعُ، اشْتِمالُ العَينِ على المَنْفَعَةِ. فلا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ بَهِيمَةٍ زَمِنَةٍ للحَمْلِ، ولا أرْضٍ لا تُنْبِتُ للزَّرْعِ)
لأنَّ الإِجارَةَ
الْخَامِسُ، كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مَمْلُوكَةً لِلْمُؤجِرِ، أو مَأذُونًا لَهُ فِيهَا، فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأجرِ إجَارَةُ الْعَينِ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.
عَقْدٌ على المَنْفَعةِ، ولا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ هذه المَنْفَعَةِ مِن هذه العَينِ، فلا تَجُوزُ إجارَتُها، كالعَبْدِ الآبِقِ.
2174 -
مسألة: (الخامسُ، كَوْنُ المَنْفَعَةِ مَمْلُوكةً للمُؤْجِرِ، أو مَأذُونًا له فيها)
لأنَّه تَصَرُّفٌ فيما لا يَمْلِكُه ولا أذِنَ فيه مالِكُه، فلم يَجُزْ، كَبَيعِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ ويَقِفَ على إجازَةِ المالِكِ، بِنَاءً على بَيع العَينِ بغيرِ إذْنِ مالِكِها.
[وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك في كتابِ البيعِ] (1).
2175 -
مسألة: (يَجُوزُ للمُسْتَأجِرِ إجارَةُ العَينِ لمَن يَقُومُ مَقامَه)
مِن المُؤْجِرِ وغيرِه.
يَجُوزُ للمُسْتَأجِرِ [أن يُؤجِرَ] 2 العَينَ المُسْتَأجَرَةَ إذا قَبَضَها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ،1
..................................
وابنِ سِيرِينَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبيِّ، والثَّوْريِّ، والشافعيِّ، وأصحاب الرأي.
وذَكَر القاضي فيه رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن رِبْح ما لم يُضْمَنْ 1. والمَنافِعُ لم تَدْخُلْ في ضَمانِه، ولأنَّه عَقَدَ على ما لم يَدْخُلْ في ضَمانِه، فلم يَجُزْ، كبَيعِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ قبل قَبْضِه.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ قَبْضَ العَينِ قامَ مَقامَ قَبْضِ المَنافِعِ، بدَلِيلِ أنّه يجوزُ التَّصَرُّفُ فيها، فجاز العَقْدُ عليها، كبَيعِ الثَّمَرَةِ على الشّجَرةِ، وبهذا الأصْلِ يَبْطُلُ قياسُ الرِّوايةِ الأخْرَى.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا تَجُوزُ إجارَتُه إلَّا لمَن يَقُومُ مَقامَه، أو دُونَه في الضَّرَرِ؛ لأن هذه المَنْفَعَةَ صارَتْ مَمْلُوكَةً له، فله أن يَستوْفِيَها بنَفْسِه وبنائِبهِ.
والمُسْتأجَرَةُ لا تَجُوزُ إجارَتُها لمَن هو أكثرُ ضَرَرًا منه، ولا لمَن يُخالِفُ ضَرَرُه ضَرَرَه؛ لِما نَذْكُرُه.
..................................
فصل: فأمّا إجارَتُها قبلَ قَبْضِها، فتَجُوزُ مِن غيرِ المُؤْجِرِ في أحَدِ الوَجْهَين.
وهو قولُ بعضِ الشافعيةِ؛ لأنَّ قَبْضَ العَينِ لا يَنْتَقِلُ به الضَّمانُ إليه، فلم يَقِفْ جَوازُ التَّصَرُّفِ عليه.
والثاني، لا يَجُوزُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والمَشْهُورُ مِن قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّ المَنافِعَ مَمْلُوكَة بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فاعْتُبِرَ في جَوازِ العَقْدِ عليها القَبْضُ، كالأعْيانِ.
وأمّا إجارَتُها للمُؤْجِرِ قبلَ القَبْضِ، فإذا قُلْنا: لا يَجوزُ مِن غيرِ المُؤْجِرِ.
ففيها ههُنا وَجْهان؛ أحدهما، لا يَجوز كغيرِه.
والثاني، يَجُوزُ؛ لأنَّ القَبْضَ لا يَتَعَذَّرُ عليه، بخِلافِ الأجْنَبِيِّ، وأصْلُهما بَيعُ الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه، هل يَصِحُّ مِن بائِعِه؛ على رِوايَتَين.
وتَجوزُ إجارَتُها مِن المُؤْجِرِ بعدَ قَبْضِها.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى تَناقُضِ الأحكامِ؛ لأنَّ التسْلِيمَ مُسْتحَقٌّ على 1 المُكْرِى، فإذا اكْتَراها صار
وَتَجُوزُ لِلْمُؤجِرِ وَغَيرِهِ بِمِثْلِ الأجْرَةِ وَزِيَادَةٍ.
وَعَنْهُ، لَا تَجُوزُ بِزِيَادَةٍ.
وَعَنْهُ، إِنْ جَدَّدَ فِيهَا عِمَارَةً، جَازَتِ الزِّيَادةُ، وَإلَّا فَلَا.
مُسْتَحِقًّا له، فيَصِيرُ مُسْتَحِقًّا لِما يُسْتَحَقُّ عليه، وهو تَناقُضٌ.
ولَنا، أنَّ كلَّ عَقْدٍ جاز مع الأجْنَبِيِّ، جاز مع العاقِدِ، كالبَيعِ.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّسْلِيمَ قد حَصَل، وهذا المُسْتحَقُّ له تَسْلِيمٌ آخَرُ، ثم يَبْطُلُ بالبَيعِ، فإنَّه يُسْتَحَقُّ عليه تَسْلِيمُ العَينِ، فإذا اشْتَراها اسْتَحَقَّ تَسْلِيمَها.
فإن قِيلَ: التُّسْلِيمُ ههُنا مُسْتَحَق في جَميعِ المُدَّةِ.
قلنا: المُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُ العَينِ، وقد حَصَل.
وليس عليه تَسْلِيمٌ آخَرُ، غيرَ أنَّ العَينَ مِن ضَمانِ المُؤْجِرِ، فإذا تَعَذَّرَتِ المَنافِعُ بتَلَفِ الدّارِ، أو غَصْبِها، رَجَعَ عليه؛ لأنها تَعَذَّرَت بسَبَبٍ كان في ضَمانِه.
2176 -
مسألة: (وتَجُوزُ)
إجارَتُها (بمِثْلِ الأجْرَةِ وزِيادَةٍ.
وعنه، لا تَجُوزُ بزِيادَةٍ.
وعنه، إن جَدُّدَ فيها عِمارَةً، جازَتِ الزِّيادَةُ، وإلَّا فلا) إذا قلنا بجَوازِ إجارَةِ العَينِ المُسْتَأجَرَةِ، جازَتْ بمِثْلِ الأجْرَةِ وزِيادَةٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، ورُوِيَ عن عطاءٍ، والحَسَنِ، والزُّهْرِيِّ.
..................................
وبه قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ: لا تَجُوزُ بزِيادَةٍ، تُرْوَى كراهَةُ ذلك عن ابن المُسَيَّبِ، وأبي سَلَمَةَ، وابنِ سِيرِينَ، ومُجاهدٍ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ.
وعنه، إن جَدَّدَ فيها عمارةً جازَتِ الزيادَةُ، وإلَّا فلا، فإن فَعَل تَصَدَّقَ بالزِّيادَة.
رُوِيَ ذلك عن الشَّعْبِي.
وبه قال الثَّوْرِي، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه يَرْبَحُ بذلَك فيما لم يَضْمَنْ، وقد نهَى النبي - صلى الله عليه وسلم - عَنْ رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ.
ولأَنه يَرْبَحُ فيما لم يَضْمَنْ، فلم يَجُزْ، كما لو رَبِحَ في الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه، ويُخالِفُ ما إذا عَمِلَ فيها، فإنَّ الرِّبْحَ في مُقابلَةِ العَمَلِ.
وعن أحمدَ رِوايَة أخْرَى، إن أذِنَ له المالِكُ في الزِّيادَةِ، جاز، وإلَّا لم يَجُزْ.
ولَنا، أنَّه عَقْد يَجُوزُ برَأسِ المالِ، فجاز بزِيادَةٍ، كبَيعِ المَبِيعِ بعدَ قَبْضِه، وكما لو أحْدَثَ فيها عِمارَةً لا يُقابِلُها جُزْءٌ مِن الأجْرِ 1. وأمّا الخَبَرُ، فإنَّ المَنافِعَ قد دَخَلَتْ في ضَمانِه مِن وَجْهٍ، بدَلِيلِ أنَّها لو فاتَتْ مِن غيرِ اسْتِيفائِه، كانت مِن ضَمانِه.
والقِياسُ على بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه لا يَصِحُّ، فإنَّه لا يَجُوزُ وإن لم يَرْبَحْ فيه.
وتَعْلِيلُهم بأنَّ الرِّبْحَ في مُقابَلةِ عَمَلِه مُلْغًى بما إذا كَنَس الدّارَ ونَظَّفَها، فإنَّ ذلك يَزِيدُ في أجْرِها عادةً.
واللهُ أعلَمُ.
فصل: وسُئِلَ أحمدُ عن الرَّجُلِ يَقْبَلُ العَمَلَ مِن الأعْمالِ، فيُقَبلُه بأقَلَّ مِن ذلك، أيجُوزُ له الفَضْلُ؟ قال: ما أدْرِي، هي مسألة فيها بعضُ الشيءِ.
قلتُ: ألَيسَ كان الخَيّاطُ أسْهَلَ عِنْدَك إذا قَطَع الثَّوْبَ أو غيرَه،
وَلِلْمُسْتَعِيرِ إجَارَتُهَا إِذَا أذِنَ لَهُ الْمُعِيرُ مُدَّةً بِعَينهَا.
إذا عَمِلَ في العَمَلِ شيئًا؟ قال: إذا عَمِلَ فهو أسْهَلُ.
قال النَّخَعِيُّ: لا بَأسَ أن يَقْبَلَ الخَيّاطُ الثِّيابَ بأجْر مَعْلُوم، ثم يُقَبِّلُها بعدَ ذلك بعدَ أن يُعِينَ فيها، أو يَقْطَعَ، أو يُعْطِيَه سُلُوكًا أو إبَرًا، [أو يَخِيطَ فيها شيئًا] (1). فإن لم يُعِنْ فيها بشيءٍ، فلا يَأخُذَنَّ فَضْلًا.
وهذا يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ النَّخَعِي قاله بِناءً على مَذْهَبِه، في أنَّ مَن اسْتَأجَرَ شيئًا لا يُؤْجرُه بزِيادَةٍ.
وقِياسُ المَذْهَبِ جَوازُ ذلك، سواء أعَانَ فيها بشيءٍ أو لم يُعِنْ؛ لأنَّه إذا جاز أن يُقَبِّلَهُ بمثلِ الأجْرِ الأولِ، جاز بزِيادَةٍ عليه، كالبَيعِ، وكإجارَةِ العَينِ.
2177 -
مسألة: (وللمُسْتَعِيرِ إجارَتُها إذا أذِنَ له المُعِيرُ مُدَّةً بعَينها)
لأنَّه لو أذِنَ له في بَيعِها، جازَ، فكذلك إذا أذِنَ له في إجارَتِها، ولأنَّ الحَقَّ له، فجازَ بإذْنِه.
ولا بُدَّ مِن تَعْيِينِ المُدَّةِ في الإذْنِ؛ لأنَّ الإجارَةَ عَقْد لازِم، لا تَجُوزُ إلَّا مُدَّةً مُعَيَّنَةً.1
وَتَجُوزُ إجَارَةُ الْوَقْفِ.
2178 - مسألة: (وتَجُوزُ إجارَةُ الوَقْفِ)
لأنَّ مَنافِعَه مَمْلُوكَةٌ للمَوْقُوفِ عليه، فجازَ له إجارَتُها، كالمُسْتَأجِرِ.
فَإنْ مَاتَ الْمُؤجِرُ، فَانْتَقَلَ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ، لَمْ تَنْفَسِخِ الإجَارَةُ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَلِلثَّانِي حِصَّتُهُ مِنَ الأجْرَةِ.
2179 - مسألة: (فإن ماتَ المُؤْجِرُ، فانْتَقَلَ إلى مَن بَعدَه، لم تَنْفَسِخِ الإجارَةُ، في أحَدِ الوَجْهَين، وللثاني حِصَّتُه مِن الأجْرةِ)
لأنَّه أجَرَ مِلْكَه في زَمَنِ ولايته، فلم تَبْطُلْ بمَوْتِه، كما لو أجَرَ مِلْكَه المُطْلَقَ 1. والثاني، تَنْفَسِخُ الإِجارَةُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّه أجَرَ مِلْكَه ومِلْكَ غيرِه، فَصَحَّ في مِلْكِه دُونَ مِلْكِ غيرِه، كما لو أجَرَ دارَين، إحداهما له والأخْرَى لغيرِه، بخِلافِ المطْلَقِ (1)، فإنَّ المالِكَ يَمْلِك مِن
وإنْ أجَرَ الْوَلِيُّ الْيَتيمَ أو السَّيِّدُ الْعَبْدَ، ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِي، وَعَتَقَ الْعَبْدُ، لَمْ تَنْفَسِخِ الإجَارَةُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ تَنْفسِخَ.
جِهَةِ المَوْرُوثِ، فلا يَمْلِكُ إلَّا ما خَلَّفَه، وما تَصَرَّفَ فيه في حَياتِه لا يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، والمَنافِعُ التي أجَرَها قد خَرَجَتْ عن مِلْكِه بالاجارَةِ فلا تَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، والبَطْنُ الثاني في الوَقْفِ يَمْلِكُونَ مِن جِهَةِ الواقِفِ، فما حَدَث فيها بعدَ البطْنِ الأولِ كان مِلْكًا لهم، فصادَفَ (1) تَصَرُّفَ المُؤْجِرِ في مِلْكِهم مِن غيرِ إذْنِهم، ولا ولايةٍ له عليهم.
ويَتَخَرَّجُ أن تَبْطُلَ الاجارَةُ كُلُّها، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وهذا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ الشافعيِّ.
فعَلَى هذا، إن كان المُؤْجِرُ قَبَض الأجْرَ كُلَّه، وقلنا: تَنْفَسِخُ الإجارَةُ.
فلمَن انْتَقَلَ إليه الوَ قْفُ أخْذُه، ويَرْجِعُ المُسْتَأجِرُ على وَرَثَةِ المُؤْجِرِ بحِصَّةِ الباقِي مِن الأجْرِ.
وإن قلنا: لا تَنْفسِخُ.
رَجَع مَن انْتَقَل إليه الوَقْفُ على التَّرِكَةِ بحِصَّتِه.
2180 -
مسألة: (وإن أجَرَ الوَلِيُّ اليَتيمَ)
أو ماله مُدَّةً، فبَلَغَ في أثْنائِها، فليس له فَسْخُ الإِجارَةِ.
ذَكَرَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّه عَقْد لازِمٌ عَقَدَه1
..................................
بحَقِّ الولايةِ، فلم يَبْطُلْ بالبُلُوغِ، كما لو باعَ دارَه أو زَوَّجَه.
ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ الإجارَةُ فيما بعدَ البُلُوغِ؛ لِزَوالِ الولايةِ، لِما ذَكَرْنا في إجارَةِ الوَقْفِ.
ويَحْتَمِلُ أَنه إذا أجَرَه مُدَّةً يتَحَقَّقُ فيها بُلُوغُه، وهو أن يُؤجِرَ ابنَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَتَينِ، فيَبْطُلُ في السّادِسَ عَشَرَ؛ لأنَّنا نَتَيَقَّنُ أنَّه أجَرَه فيها بعدَ بُلُوغِه.
وهل يَصِحُّ في الخامِسَ عَشَرَ؛ على وَجْهَينِ، بِناءً على تَفرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وإن لم يتَحَقَّقْ فيها بُلُوغُه كالذي أجَرَه الخامِسَ عَشَرَ وَحْدَه، فبَلَغ في أثْنائِه، فيكونُ فيه ما ذَكَرْنا في صَدْرِ الفَصْلِ؛ لأنّا لو قُلْنا: يُلْزَمُ الصَّبِي بعَقْدِ الوَلِيِّ مُدَّةً يتَحَقَّقُ فيها بُلُوغُه، أفْضَى إلى أن يَعْقِدَ على مَنافِعِه طولَ عُمُرِه، وإلى أن يتَصرَّفَ فيه في غيرِ زَمَنِ ولايته عليه.
ولا يُشْبِهُ النِّكاحَ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ مُدَّتِه، فإنَّه إنَّما يُعْقَدُ للأبدِ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا بَلَغ الصَّبِي، فله الخِيارُ؛ لأنَّه عَقَد على مَنافِعِه في حال لا يَمْلِكُ التَّصرُّفَ في نَفْسِه، فإذا مَلَك، ثَبَتَ له الخيارُ، كالأمَةِ إذا عَتَقَتْ تحتَ زَوْج.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، عُقِد عليه قبلَ أن
..................................
يَمْلِكَ التَّصَرُّفَ، فإذا مَلَكَه لم يَثْبُتْ له الخِيارُ، كالأبِ إذا زَوَّجَ وَلَدَه.
والأمَةُ إنما ثَبَتَ لها الخِيارُ إذا عَتَقَتْ تحت عَبْدٍ؛ لأجْلِ العَيبِ، لا لما ذَكره، بدِليلِ أنَّها لو عَتَقَتْ تحت حُر، لم يَثْبُتْ لها الخِيارُ.
وإن ماتَ الوَلِيُّ المُؤْجرُ للصَّبِيِّ أو مالِه، أو عُزِلَ وانْتَقَلَتِ الولايةُ إلى غيرِه، لم يَبْطُلْ عَقْدُه؛ لأَنه تَصَرَّفَ وهو من أهْلِ التَّصَرُّفِ في مَحَلِّ ولايته، فلم يَبْطُلْ تَصرُّفُه بمَوْتِه أو عَزْلَه، كما لو ماتَ ناظِرُ الوَقْفِ أو عُزِلَ، أو ماتَ الحاكِمُ بعد تَصَرُّفِه فيما له النَّظَرُ فيه.
ويُفارِق ما لو أجَرَ المَوْقوف عليه الوَقْفَ مُدَّةً ثم ماتَ في أثنائِها؛ لأنَّه أجَرَ مِلْكَ غيرِه بغيرِ إذْنِه في مُدَّةٍ لا ولايةَ له فيها، وههُنا إنَّما يَثْبُتُ للوَلِيِّ 1 الثاني التَّصَرُّفُ فيما لم يتَصَرَّفْ فيه الأوَّلُ، وهذا العَقْدُ قد تَصرَّفَ فيه الأوَّلُ، فلم تَثْبُتْ للثاني ولاية على ما تَناوَلَه 2.
..................................
2181 - مسألة: فإن أجَرَ السيِّدُ عَبْدَه مُدَّةً ثم أعْتَقَه في أثْنائِها، صَحَّ العِتْقُ، ولم يَبْطُلْ عَقْدُ الإجارَةِ، في قِياسِ المَذْهَبِ.
ولا يَرْجِع العَبْدُ على مَوْلاهُ بشيء.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيٍّ.
وقال في القَدِيمِ: يَرْجِعُ على مَوْلاهُ بأجْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ المنافِعَ تُسْتَوْفى منه بِسَبَبٍ كان مِن جِهَةِ السَّيدِ، فرَجَعَ به
1 عليه،؛ لو أكْرَهَهُ بعد عِتْقِه على ذلك العَمَلِ.
ولَنا، أنَّها مَنْفَعَةٌ اسْتُحِقَّتْ بالعَقْدِ قبلَ العِتْقِ، فلم يَرْجِعْ ببَدَلِها، كما لو زَوَّجَ أمَتَه ثم أعْتَقَها بعد دُخُولِ الزَّوْج بها، فإنَّ ما يَسْتَوْفِيه السَّيدُ لا يَرْجِعُ به عليه.
ويُخالِفُ المُكْرَهَ، فإنَّه تعَدَّى بذلك.
وقال أبو حنيفةَ: للعَبْدِ الخِيارُ في الفَسْخِ أو الإمْضاءِ، كالصَّبِيِّ إذا بَلَغ؛ للمَعْنَى الذي ذَكَرَه ثَمَّ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِم على ما يَمْلِكُ، فلا يَنْفَسِخُ بالعِتْقِ، ولا يَزُولُ مِلْكُه عنه،؛ لو زَوَّجَ أمَتَه ثم باعَها.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ نَفَقَةَ العَبْدِ إن لم تَكُنْ مَشرُوطةً على المُسْتَأجِرِ، فهي على مُعْتِقِه؛ لأنَّه كالبَاقِي في ملكِه، لكَوْنِه يَمْلِكُ عِوَضَ نَفْعِه، ولأنَّ العَبْدَ عاجِر عن نَفَقَتِه؛ لأَنه مَشْغُول بالإجارَةِ، ولم تَجِبْ على المُسْتَأجِرِ؛ لأَنه اسْتَحَقَّ مَنْفَعَتَه بعِوَض غيرِ نَفَقَتِه، لم يَبْقَ إلَّا أنها على المَوْلَى.
ويتَخَرَّجُ أن تَنْفَسِخَ الإجارَة، كالصَّبِيِّ، والله أعلمُ.
فصْلٌ: وَإجَارَةُ الْعَينِ تَنْقَسِمُ قِسْمَينِ أحَدُهُمَا، أنْ تَكُونَ عَلَى مُدَّةٍ، كَإجَارَةِ الدَّارٍ شَهْرًا، والْأرْضِ عَامًا، وَالْعَبْدِ لِلْخِدْمَةِ أوْ لِلرَّعْي مُدَّةً مَعْلُومَة، يُسَمَّى الْأجِيرُ فِيهَا الْأجِيرَ الْخَاصَّ.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإجارَةُ العَينِ تَنْقَسِمُ قِسْمَينِ؛ أحدُهما، أن تكونَ على مُدَّةٍ، كإجارَةٍ الدَّارِ شَهْرًا، والأرْضِ عامًا، والعَبْدِ للخِدْمةِ أو للرَّعْي مُدَّةً مَعْلُومَة، ويُسَمَّى الأجِيرُ فيها الأجِيرَ الخاصَّ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ إجارةَ العَينِ مُدَةً مَعْلُومةً 1 تكون في الآدَمِيِّ
وَيُشْتَرَطُ أنْ تَكُونَ المُدَّةُ مَعْلُومَةً، يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ الْعَين فِيهَا، وَإنْ طَالتْ.
وغيرِه؛ فأمّا غيرُ الآدَمِيِّ، فمثلُ إجارَةِ الدارِ شَهْرًا، والأرْضِ عامًا.
وأمّا إجارَةُ الآدَمِيِّ، فمثلُ أن يَسْتَاجِرَ رَجُلًا يَبْنِي معه يومًا، أو يَخِيطَ له شهرًا، فهذا يُسَمَّى الأجِيرَ الخاصّ؛ لأنَّ المُسْتَأجِرَ يَخْتَص بمَنْفَعتِه في مُدَّةِ الإجارَةِ، لا يُشارِكُه فيها غيرُه.
2182 -
مسألة: (ويُشْتَرَطُ أن تكونَ المُدَّةُ مَعْلومةً، يَغْلِبُ على الظَّنِّ بَقَاءُ العَينِ فيها، وإن طالتْ)
[كالشهْر والسَّنَةِ ونحو ذلك، وأقلَّ وأكثرَ، إذا كان مَضْبُوطًا] 1. فأمّا ضَبْطُها بالشَّهْرِ والسَّنَةِ، فلا نَعْلَمُ فيه خلافًا، وإنَّما اشْتُرِطَ العِلْمُ بالمُدَّةِ؛ لأنَّها هي الضّابِطَةُ، فاشتُرِطَ
..................................
مَعْرِفَتُها، كعَدَدِ المَكِيلاتِ فيما بِيعَ بالكَيلِ.
فإن قدَّرَ المُدةَ بسَنَةٍ مُطْلَقةٍ، حُمِلَ على السنةِ الهِلالِيةِ؛ لأنَّها المَعْهودَةُ، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ 1. فوَجَبَ أن يُحْمَلَ العَقْدُ عليه.
فإن قال: هِلَالِيةً.
كان تَوْكِيدًا، وإن قال: عَدَدِيَّةً.
أو: سَنَةً بالأيامِ.
فهي ثَلاثُ مائةٍ وسِتُّونَ يَوْمًا؛ لأن الشَّهْرَ العَدَدِيَّ ثَلاُثونَ يَوْمًا.
وإنِ اسْتَأجَرَ سَنَةً هِلاليَّةً في أوَّلِها، عَدَّ اثْنَي عَشَرَ شَهْرًا بالأهِلَّةِ، سواء كان الشَّهْرُ تامًّا أو ناقِصًا؛ لأنَّ الشَّهْرَ الهِلالِيَّ ما بينَ الهِلالينِ، يَنْقُصُ مَرَّةً ويَزِيدُ أُخْرَى.
وكذلك إن كان العَقْدُ على أشْهُر دُونَ السَّنَةِ.
وإن جَعَلَا المُدَّةَ سَنةً رُومِيَّةً أو شَمْسِيَّةً أو فارِسِيَّةً أو قِبْطِيَّةً، وهما يَعْلَمانِها، جازَ، وهي ثَلاثُ مِائةٍ وخَمْسَة وسِتُّونَ يَوْمًا ورُبْع يَوْمٍ؛ [فإنَّ الشهُورَ الرُّومِيَّةَ منها سَبْعَة أحَد وثَلاثونَ يومًا، وأرْبَعَة ثَلاثونَ يومًا، وشَهْر واحدٌ ثمانِية وعِشْرُونَ يومًا، وشُهُورُ القِبْطِ كلها ثَلاثونَ ثَلاثون، وزادُوها خَمْسَةَ أيام لِتُساويَ سَنَتُهم السَّنَةَ الرُّومِيَّةَ] 2. وإن جَهِلَا ذلك أو أحَدُهما، لم يَصِحَّ.
..................................
فصل: وإن أجَرَه إلى العِيدِ، انْصَرَفَ إلى الذي يلِيه، وتَعَلَّقَ بأوَّلِ جُزْءٍ منه؛ لأنّه جَعَلَه غايةً، فتَنْتَهِي مُدَّةُ الإِجارَةِ بأوَّلِه.
وقال القاضِي 1: لا بُدَّ مِن تَعْيِينِ العِيدِ فِطْرًا أو أضْحَى، مِن هذه السَّنَةِ أو مِن سَنةِ كذا.
وكذلك الحُكْمُ إن عَلَّقَه بشَهْر يَقَعُ اسْمُه على شَهْرَين، كجُمادَى ورَبِيعٍ، يَجِبُ على قَوْلِه أن يَذْكُرَ الأوّلَ أو الثاني من سَنَةِ كذا.
وإن عَلَّقه بشَهْر مُفْرَدٍ؛ كرَجَبٍ (1) فلا بُدَّ أن يبينه مِن أيِّ سَنَةٍ، وإن عَلَّقَه بِيَوْم، بَيَّنَه مِن أيِّ أسْبوع، وإن عَلَّقَهُ بعِيدٍ مِن أعيادِ الكُفَّارِ وهما يَعْلَمانِه، صَحَّ، وإلَّا لم يَصِحَّ.
فصل: ولا تتَقَدَّرُ أكثرُ مُدَّةِ الإجارَةِ، بل يجوزُ إجارةُ 2 العَينِ مُدّةً يَغْلِبُ على الظن بَقَاءُ العَينِ فيها، وإن طالتْ.
وهذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، غيرَ أنَّ أصحابَ الشافعيِّ اخْتَلَفُوا في مَذْهَبِه، فمِنْهم مَن قال: له قَوْلان؛ أحْدُهما، كما ذَكَرْنا، وهو الصَّحِيحُ.
والثاني، لا يجوزُ أكْثَرَ مِن سَنةٍ؛ لأنَّ الحاجَةَ لا تَدْعُو إلى أكْثَرَ منها.
ومنهم من قال: له قَوْل ثالِث: أنَّها لا تجوزُ أكثَرَ مِن [ثلاثينَ سَنَةً] 3. وحَكَى القاضِي في كِتابِ الخِلافِ عن ابنِ حامِدٍ، أنَّ أصحابَنا اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ الإجارَةِ، فمِنْهُم مَن قال: لا
..................................
تجوزُ أكثر مِن سَنَةٍ.
واختارَه.
ومنهم مَن قال: إلى ثَلاثينَ سنةً، [لأنَّ الغالِبَ أنَّ الأعْيانَ لا تَبْقَى أكثر منها وتَتَغَيّرُ الأسْعارُ والأجْرُ] 1. ولَنا، قولُه تعالى إخْبارًا عن شُعَيب، - عليه السلام -، أنَّه قال: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 2. وشَرعُ مَن قَبْلَنا شَرْع لَنا ما لم يَقُمْ على نَسْخِه دَلِيل.
ولأن ما جاز العَقْدُ عليه سَنَة، جازَ أكثر منها، كالبَيعِ، والنِّكاحِ، والمُساقاةِ، والتَّقْدِيرُ بسَنةٍ وثَلاثينَ تَحَكُّمٌ لا دَليلَ عليه، وليس هو بأوْلَى مِن التَّقْدِيرِ بزِيادَةٍ عليه أو نُقْصانٍ منه.
فصل: وإذا اسْتَأجَره سِنِينَ، لم يَحْتَج إلى تَقْسِيطِ الأجْرِ على كلِّ سَنَةٍ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، كما لو اسْتَأجَرَ سَنَة لم يَحْتَجْ إلى تَقْسِيطِ أجْرِ كلِّ شَهْر بالاتِّفاقِ، وكذلك لا يَفْتَقِرُ إلى تَقْسِيطِ أجْرِ كل يوم إذا اسْتَأجَرَ شَهْرًا، ولأن المَنْفَعَةَ كالأعْيانِ في البَيعِ، ولو اشْتَمَلَتِ الصَّفْقَةُ على أعْيانٍ، لم يَلْزَمْه تَقْدِيرُ ثَمَنِ كلِّ عَين، كذلك ها هنا.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: يَفْتَقِرُ إلى تَقْسِيطِ أجْرِ كلِّ سَنَةٍ؛ لأنَّ المنافِعَ تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ السِّنينَ، فلا يَأمَنُ أن يَنْفَسِخَ العَقْدُ فلا يَعْلَمُ بم يَرْجِعُ، وهذا يبطُلُ بالشهُورِ، فإنه لا يَفْتَقِرُ إلى تَقْسِيطِ الأجْرِ على كل شَهْر مع الاحْتِمالِ الذي ذَكَرُوه.
وَلَا يُشْتَرَطُ أنْ تَلِيَ الْعَقْدَ، فَلَوْ أجَرَهُ سَنَةَ خَمْسٍ فِي سَنَةِ أرْبَعٍ، صَحَّ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْعَينُ مَشْغُولَةً وَقْتَ الْعَقْدِ أوْ لَمْ تَكُنْ.
2183 - مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ أن تَلِيَ العَقْدَ، فلو أجَرَه سَنَةَ خَمْسٍ في سَنَةِ أرْبَعٍ، صَحَّ، سواء كانتِ العَينُ مَشْغُولَةً وَقْتَ العَقْدِ أو لم تَكُنْ)
وكذلك إن أجَرَه شهْرَ رَجَبٍ في المُحَرَّمِ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعي: لا يَصِحُّ إلَّا أن يَسْتَأجِرَها مَن هي في إجارَتِه، ففيه قَوْلانِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على ما لا 1 يُمْكِنُ تَسْلِيمُه في الحالِ، فأشْبَهَ إجارَةَ العَينِ المَغْصُوبةِ.
قال: ولا يجوزُ أن يَكْتَرِيَ بَعِيرًا بِعَينه إلا عندَ خُرُوجِه؛ لذلك.
ولَنا، أنَّها مُدَّة يجوزُ العَقْدُ عليها مع غيرِها، فجازَ العَقْدُ عليها مُفْرَدَةً مع عُمُومِ الناسِ، كالتي تَلِي العَقْدَ، وإنَّما تُشْتَرَطُ القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ عندَ وُجُوبِه، كالسَّلَمِ، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ وُجُودُ القُدْرةِ عليه حال 2 العَقْدِ، ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِها مَشْغُولةً أو غيرَ مَشْغُولةٍ؛ لِما ذَكَرْناه، وما
..................................
ذَكَرهُ يَبْطُلُ بما إذا أجَرَها مِن المُكْتَرِي، فإنه يَصِح مع ما ذَكَرُوه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الأجارَةَ إن كانتْ على مُدةٍ تَلِي العَقْدَ، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ ابْتدائِها مِن حينِ العَقْدِ، وإن كانتْ لا تَلِيه فلا بُدَّ مِن ذِكْرِه؛ لأنها أحَدُ طَرَفي العَقْدِ، فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِه، كالانْتِهاءِ.
وإن أطْلَقَ، فقال: أجَرْتُكَ سَنَةً أو شَهْرًا.
صَحَّ، وكان ابْتِداؤها مِن حينِ العَقْدِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ.
وقال الشافعيُّ، وبعضُ أصحابِنا: لا يَصِحُّ حتى يُسَمِّىَ الشَّهْرَ، ويَذْكُرَ في 1 أيِّ سَنَةٍ هي.
قال أحمدُ في رِوايةِ إسماعيلَ بنِ سعيدٍ: إذا اسْتَأجَرَ أجِيرًا شَهْرًا، فلا يجوزُ حتى يُسَمِّي الشَّهْرَ؛ [لأنه مُطْلَق مُفْتَقِرٌ إلى التَّعْيِينِ، كما لو قَرَّرَ صَوْمَ شَهْر] 2. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى حِكايةً عن شُعَيبٍ، - عليه السلام -: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾.
لم يَذْكُرِ ابْتِداءَها.
ولأنه تَقْدِير بمُدَّةٍ ليس فيها قُرْبة، فإذا أطْلَقَها وَجَب أن تَلِيَ السَّبَبَ، كَمُدَّةِ السَّلَمِ والإيلاءِ، وتُفارِقُ النَّذْرَ، فإنه قُرْبَة.
..................................
فصل: إذا تَمَّتِ الإجارَةُ وكانت على مُدَّةٍ، مَلَك المُسْتَأجِرُ المَنافِعَ المَعْقُودَ عليها إلى المُدَّةِ وتَحْدُثُ على مِلْكِه.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَحْدُثُ على مِلْكِ المُؤْجِرِ، ولا يَمْلِكُها المُسْتأجرُ بالعَقْدِ؛ لأنها مَعْدُومة.
فلا تكونُ مَمْلوكةً، كالوَلَدِ والثَّمَرَةِ.
ولَنا، أنَّ المِلْكَ عِبارَة عن حُكْم يَحْصُلُ به تَصَرُّف مَخْصُوص، وقد ثَبَت أن المَنْفَعَةَ المُسْتَقْبَلَةَ كان مالِكُ العَينِ يتَصَرَّفُ فيها كتَصَرُّفِه في العَينِ، فلَمّا أجَرَها كان المُسْتَأجِرُ مالِكًا للتَّصرُّفِ فيها؛ كان يَمْلِكُه المُؤْجِرُ، فثَبَتَ أنها كانت مَمْلوكةً لمالِكِ العَينِ.
ثم انْتَقَلَتْ إلى المُسْتَأجِرِ، بخِلافِ الوَلَدِ والثَّمَرَةِ فإنَّ المُسْتَأجرَ لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيها.
قولُهم: إن المَنافِعَ 1 مَعْدُومة.
قلنا: هي مُقَدَّرةُ الوُجُودِ؛ لأنَّها جُعِلَتْ مَورِدًا [للعَقْدِ، والعَقْدُ] 2 لا يَرِدُ إلا على مَوْجُودٍ.
وَإذَا أجرَهُ فِي أثْنَاءِ شَهْرٍ سَنَةً، اسْتَوْفَى شَهْرًا بِالعَددِ، وَسَائِرَهَا
2184 - مسألة: (وإذا أجَرَه في أثْناءِ شَهْر سَنَةً، اسْتَوْفَى شَهْرًا بالعَدَدِ، وسائِرَها بالأهلَّةِ)
لأنَّه تَعَذَّرَ إتْمامُه بالهِلالِ، فتَمَّمْناه بالعَدَدِ،
بِالْأهِلَّةِ.
وَعَنْهُ، يَسْتَوْفِي الْجَمِيعَ بِالْعَدَدِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْأشْهُرُ؛ كَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَشَهْرَي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ.
وأمْكَنَ اسْتِيفاءُ ما عداه بالهلالِ، فوَجب ذلك؛ لأنَّه الأصلُ (وعنه، يَسْتَوفِي الجميعَ بالعددِ) لأنَّها مدة يُستَوْفَى بَعضها بالعدد، فوَجَب استيفاءُ جَمِيعِها به، كما لو كانتِ المُدَّةُ شَهْرًا واحِدًا، ولأنَّ الشَّهْرَ الأوَّلَ يَنْبَغِي أن 1 يَكْمُلَ مِن الشَّهْرِ الذي يلِيه، فيَحْصُلُ ابتداءُ الشَّهْرِ الثانِي في أثْنائِه، وكذلك كلُّ شَهْر يَأتِي بعدَه.
ولأبي حنيفةَ والشافعيِّ كالرِّوايَتَين (وكذلك الحُكْمُ في كلِّ ما يُعْتَبَرُ فيه الأشْهُر؛ كَعِدَّةِ.
الوَفاةِ، وشَهْرَي صِيامِ الكَفّارَةِ).
فصل: ومَن اكْتَرَى دابَّةً إلى العشاءِ، فآخِرُ المُدَّةِ غُرُوبُ الشَّمْسِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَور: آخِرُها زَوالُ الشَّمْسِ؛ لأنَّ العِشاءَ آخِرُ النَّهارِ، وآخِرُه النِّصْفُ الآخرُ مِن الزَّوالِ، وكذلك جاء في حَدِيثِ ذي اليَدَينِ، عن أبي هرَيرَة، قال: صَلَّى بِنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
..................................
إحْدَى صَلَاتَيِ 1 العَشِيِّ.
يَعْنِي الظُّهْرَ أو العَصْرَ.
هكذا تَفْسِيرُه 2. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ 3. يَعْنِي العَتَمَةَ.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا ان أشُقَّ عَلَى أمَّتِي لأخَّرْتُ العِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيلِ» 4. وإنما تَعَلَّقَ الحُكْمُ بغُرُوب الشَّمسِ؛ لأنَّ هذه الصَّلاةَ تُسَمَّى العِشَاءَ الآخِرَةَ، فيَدُلُّ على أنَّ الأوَلَى المَغْرِبُ، وهو في العُرْفِ كذلك، فوَجَبَ أن يَتَعَلَّقَ الحُكْمُ به؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جُعِلَتْ إلى وَقْتٍ، تَعَلَّقَتْ بأوَّلِه، كما لو جَعَلَها إلى اللَّيلِ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ لَفْظَ العَشِيِّ غيرُ لَفْظِ العِشاءِ، فلا يجوزُ الاحْتِجاجُ بأحَدِهما على الآخَرِ حتى يَقُومَ دَلِيل على أنَّ مَعْنَى اللَّفْظَينِ واحِدٌ.
ثم لو ثَبَت أنَّ مَعْناهُما واحدٌ، غيرَ أنَّ أهْلَ العُرْفِ لا يَعْرِفُونَ غيرَ ما ذَكَرْنا.
فإنِ اكْتَراها إلى اللَّيل، فهو إلى أوَّلِه، وكذلك إنِ اكْتَراها إلى النَّهارِ، فهو إلى أوَّلِه.
ويَتَخرَّجُ أن يَدْخُلَ اللَّيلُ في المُدَّةِ الأولَى، والنَّهارُ في الثانيةِ؛ لِما ذَكَرْنا في مُدَّةِ الخِيارِ.
وإنِ اكْتَراها نَهارًا، فهو إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وإنِ اكْترَاها
الْقِسْمُ الثَّانِي، إجَارَتُهَا لِعَمَل مَعْلُوم؛ كإجَارَةِ الدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ إِلَى مَوْضِع مُعَيَّن، أوْ بَقَرة حَرْثِ مكَانٍ أوْ دِيَاسِ زَرْع، أو
لَيلَة، فهي إلى طلُوعِ الفَجْرِ، في قولِ الجميعِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال في لَيلَةِ القَدْرِ: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ 1. وقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ 2.
فصل: وإنِ اكْتَرَى فُسْطاطًا إلى مَكَّةَ، ولم يَقُلْ متى أخْرُجُ، فالكِراءُ فاسِد.
وبه قال أبو ثَوْرٍ.
وهو قِياس قولِ الشافعيِّ.
وقال أصحابُ الرَّأي: يَجُوزُ اسْتِحْسانًا، بخِلافِ القِيَاس.
ولَنا، أنَّها مُدَّة غيرُ مَعْلُومةِ الابتداءِ، فلم يَجُزْ، كما لو قال: أجرْتُكَ دارِي مِن حينِ يَخْرُجُ الحاجُّ إلى رَأس السَّنَةِ.
وقد اعْتَرَفُوا بمُخَالفتِه الدَّلِيلَ، وما ادَّعَوْه دَلِيلًا نمْنَعُ كَوْنَه دَلِيلًا.
(القِسمُ الثاني، إجارَتُها لِعَمَل مَعْلُوم؛ كإجارَةِ الدَّابَّةِ للرُّكُوبِ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّن، أو بَقَر لِحَرْثِ مكانٍ أو دِياس زَرْع، واسْتِئْجارِ عَبْدٍ
اسْتِئْجَار عَبْدٍ لِيَدُلَّه عَلَى طَرِيقٍ، أوْ رَحًى لِطَحْنِ قفْزَانٍ مَعْلومَةٍ، فَيُشْتَرَط مَعْرِفَة الْعَمَلِ، وَضَبْطهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ.
ليَدُلَّه على طَرِيقٍ، أو رَحًى لِطَحْنِ قُفْزانٍ مَعْلُومَةٍ، فيُشْترَط مَعْرِفَةُ العَمَلِ، وضَبْطُه بما لا يَخْتَلِفُ) لأنَّ الإِجارَةَ عَقْد مُعاوَضةٍ، فوَجَبَ أن يكونَ العِوَضُ فيها مَعْلُومًا، لِئَلَّا يُفْضِي إلى الاخْتلافِ والتَّنازعِ، كقَوْلِنا في البَيعِ.
والعِلْمُ بمِقْدارِ المَنْفَعة؛ إمّا أن يَحْصلَ بتَقْدِيرِ المدَّةِ، كما ذَكَرْنا في إجارَةِ الدَّارِ وخِدْمةِ العَبْدِ مدَّةً مَعْلُومةً، وإمّا [أن يكونَ] 1 بتَقْدِيرِ العَمَلِ، ووَصْفِ ما يَعْمَلُه وضَبْطِه بما لا يُخْتَلَفُ فيه، كالمَبِيعاتِ.
فصل: يجوز أن يَكْتَرِيَ بَقَرًا لِحَرْثِ مَكانٍ؛ لأنَّ البَقَرَ خُلِقَتْ لِلْحَرْثِ، ولذلك 2 قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بَينَمَا رَجُل يَسوقُ بَقَرَةً، أرَادَ أنْ يَرْكَبَهَا، فَقَالتْ: إِنِّي لَمْ اخْلَقْ لِهَذَا، إنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ».
مُتَّفَق عليه 3. ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الأرْضِ وتَقْدِيرِ العَمَلِ، فأمّا الأرْض فلا تُعْرَفُ إلَّا بالمُشاهَدَةِ؛ فإنَّها تَخْتَلِفُ، فتكونُ صُلْبَةً تُتْعِب البَقَرَ والحَرّاثَ
..................................
وتكونُ فيها حِجارَة تتَعَلَّقُ فيها السِّكَّةُ 1، وتكونُ رَخْوة يَسْهُلُ حَرْثُها، ولا تَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، فتَحتاجُ إلى الرُّؤيةِ.
وأمّا تَقْدِيرُ العَمَلِ، فيجوزُ بأحَدِ شَيئَينِ؛ إمّا بالمُدَّةِ، كيَوْم، وإمّا بمَعْرِفةِ الأرْضِ، كهذه القِطْعةِ، أو مِن ههُنا إلى ههُنا، أو بالمِساحَةِ، كجَرِيب أو جَرِيبَينِ، أو كذا ذِراعًا في كذا، كلُّ ذلك جائِزٌ؛ لحُصُولِ العِلْمِ به.
فإن قَدَّرَهُ بالمُدَّةِ، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفةِ البَقَرِ التي يَعْمَلُ عليها؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِها، في القُوَّةِ والضعْفِ.
ويجوزُ أن يَسْتَأجِرَ البَقَرَ مُفْرَدَةً؛ ليَتَولَّى رَبُّ الأرْضِ الحَرْثَ بِها، ويَجُوزُ أن يَسْتَأجِرَها مع صاحِبِها، ويجوزُ اسْتِئْجارُها بآلتِها، وبدُونِها وتكونُ الآلةُ مِن عندِ صاحِبِ الأرْضِ، ويجوزُ اسْتِئْجارُ البَقَرِ وغيرِها لدِراسِ 2 الزَّرْعِ؛ لأنها مَنْفَعة مُباحة مَقْصُودَة، أشْبَهَتِ الحَرْثَ.
ويجوزُ على مُدَّةٍ أو زَرْع مُعَين، أو مَوْصُوفٍ، كما ذَكَرْنا في الحَرْثِ.
ومتى كان على مُدَّةٍ، احْتِيجَ إِلى مَعْرِفةِ الحَيوانِ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ به، فمنه ما رَوْثُه طاهِر ومنه نجس، ولا يَحْتاجُ إلى مَعْرِفةِ عَينِ الحَيوانِ.
ويجوزُ أن يَسْتَأجِرَ الحَيَوانَ بآلتِه وغيرِ ها، مع صاحِبِه ومُنْفَرِدًا، كما ذَكَرْنا في الحَرْثِ.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ غَنَمٍ لتَدُوسَ له طِينًا أو زَرْعًا.
ولأصْحابِ الشافعيِّ فيه وَجْه، أنه لا يجوزُ؛ لأنَّها مَنْفعَةٌ غيرُ مَقْصُودةٍ مِن هذا الحَيَوانِ.
..................................
ولنا، أنَّها مَنْفعة مُبَاحة يُمْكِنُ اسْتِيفاؤها، أشْبَهَتْ سائِرَ المَنافعِ المُباحةِ، وكالتي قبلَها.
فصل: فإنِ اكْتَرَى حَيَوانًا لِعَمَلٍ لم يُخْلَقْ له، كمَنِ اسْتَأجَرَ البَقَر للرُّكُوب أو الحَمْلِ، أو الإبلَ والحُمُرَ 1 للحَرْثِ، جازَ؛ لأنَّها مَنْفَعة مَقْصُودَةَ أمْكَنَ اسْتِيفاؤها مِن الحَيوانِ لم يَرِدِ الشَّرعُ بتَحْرِيمِها، فجازَ، كالتي خُلِقَتْ له، ولأنَّ مُقْتَضَى المِلْكِ جَوازُ التَّصرُّفِ بكلِّ ما تَصْلُحُ له العَينُ المَمْلوكَةُ ويُمْكِنُ تَحْصِيلُها منها، ولا يَمْتَنعُ ذلك إلا بمُعارِض راجِحٍ، أو ما وَرَد بتَحْرِيمِه نَص أو قِياسٌ صَحِيح، أو رُجْحانُ مَضَرَّةٍ على مَنْفعةٍ، ولم يُوجَدْ واحد منها، وكَثِير مِن الناسِ يَحْمِلُونَ على البَقَرِ ويَرْكَبُونَها، وفي بعضِ البِلادِ يُحْرَثُ على الإبِلِ والبغالِ والحَمِيرِ، فيكونُ مَعْنَى خَلْقِها لِلْحَرْثِ، إن شاء الله تعالى، أنَّه مُعْظَمُ نَفْعِها، ولا يمنعُ ذلك الانْتِفاع بها في شيءٍ آخَرَ،؛ أنَّ الخَيلَ خُلِقَتْ للرُّكوبِ والزِّينَةِ، ويباحُ أكْلُها، واللؤْلُؤُ خُلِقَ للْحِلْيَةِ، ويجوزُ اسْتِعمالُه في الأدْويةِ وغيرِها.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ بَهِيمَةٍ لإدارةِ الرَّحَى، ويَفْتَقِرُ إلى شَيئَين 2؛ مَعْرِفَةُ الحَجَرِ بالمُشاهَدَةِ أو الصِّفَةِ؛ لأنَّ عَمَلَ البَهِيمةِ يَخْتَلِفُ فيه بثِقَلِه وخِفَّتِه، فيَحْتاجُ صاحِبُها إلى مَعْرِفَتِه.
الشاق، تَقْدِيرُ العَمَلِ بالزّمانِ، كيَوْم أو يَوْمَين، أو بالطَّعامِ، فيقولُ: قَفِيزًا -أو-
..................................
قَفِيزَينِ.
وذِكْرُ جِنْسِ المَطْحُونِ إن كان يَخْتَلِفُ؛ لأنَّ منه ما يَسْهُلُ طَحْنُه، ومنه ما يَشُقُّ.
وإنِ اكْتَراها لادارَةِ دُولابٍ، فلا بُدَّ مِن مُشاهَدَتِه ومشاهَدةِ دِلائِه، لاخْتِلافِها، وتَقْدِيرِ ذلك بالزَّمانِ أو مِلْءِ هذا الحَوْضِ.
وكذلك إنِ اكْتَراها للسَّقْي بالغَرْبِ 1، فلا بُدَّ مِن معرِفَتِه؛ لأنه يَخْتَلِفُ بكِبَرِه وصِغَرِه.
ويُقَدَّرُ بالزَّمانِ، أو بعَدَدِ الغُرُوبِ، أو بِمِلْءِ بِرْكةٍ، [ولا] 2 يجوزُ تَقْدِيرُ ذلك بِسَقْيِ أرْض؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ، فقد تكونُ الأرْضُ شَدِيدَةَ العَطَش لا يَرْويها القَلِيلُ، وتكونُ قَريبةَ العَهْدِ بالماءِ فيَكْفِيها 3 اليَسِيرُ.
وإن قَدَّرَه بِسَقْي ماشِيَةٍ، احْتَمَلَ أن لا يجوزَ؛ لذلك.
ويَحْتَمِلُ الجوازُ؛ لأنَّ شُرْبَها يَتَقارَبُ في الغالِبِ.
ويجوزُ اسْتِئْجارُ دابَّةٍ ليَسْتَقِيَ عليها ماءً، ولا بُدَّ مِن مَعْرِفةِ الآلةِ التي يَسْتَقِي فيها؛ مِن رَاويةٍ أو قِرَبٍ أو جِرار، إمّا بالرُّؤيةِ، وإمّا بالصِّفَةِ.
ويُقَدِّرُ العَمَلَ بالزَّمانِ، أو بالعَدَدِ، أو بِمِلْءِ شيءٍ مُعين، فإن قَدَّرَه بعَدَدِ المرّاتِ، احْتاجَ إلى مَعْرِفةِ المَكانِ الذي يَسْتَقِي منه، والذي يَذْهَبُ إليه؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ بالقُرْبِ والبُعْدِ، والسُّهُولةِ والحُزُونةِ، وإن قَدَّرَه على 4 شيءٍ مُعَيَّن، احْتاجَ إلى مَعْرِفَتِه، ومَعْرِفةِ ما يَسْتَقِي منه.
ويجوزُ أن يَكْتَرِيَ البَهِيمةَ بآلتِها وبدُونِها، مع صاحِبِها ووَحْدَها.
فإن اكْتَراها لِبَلِّ تُرابٍ مَعْرُوفٍ، جازَ؛ لأنَّه يُعْلَمُ
..................................
بالعُرْفِ.
وكلُّ مَوْضِع وَقَع العَقْدُ على مُدةٍ، فلا بُدَّ مِن مَعْرِفةِ الظَّهْرِ الذي يَعْمَلُ عليه؛ لأن الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِها في القُوَّةِ والضعْفِ.
وإن وَقَع على عَمَل مُعَيَّن، لم يَحْتَجْ إلى ذلك؛ لأنه لا يَخْتَلِفُ.
ويَحْتَمِلُ أن يَحْتاجَ إلى ذلك في اسْتِقاءِ الماءِ عليه؛ لأن منه ما رَوْثُه وجِسْمُه طاهِر، كالخَيلِ والبَقَرِ، ومنه ما رَوْثُه نَجِس وفي جِسْمِه اخْتِلاف، كالبِغَالِ، فرُبما نَجَّسَ يَدَ المُسْشَقِي أو دَلْوَه، فيَتَنَجَّس الماءُ به، فيَخْتَلِفُ الغرَضُ بذلك، فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِه.
2185 -
مسألة: يجوزُ (اسْتِئْجارُ رَجُل ليَدُلَّهُ على طَرِيقٍ)
لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر اسْتَأجَرَا عَبْدَ اللهِ بنَ الأرَيقِطِ هادِيًا خِرِّيتًا (1). وهو الماهِرُ بالهِدايةِ، ليَدُلَّهُما على الطرِيقِ إلى المَدِينةِ.
2186 -
مسألة: (و)
يَصِحُّ اسْتِئْجارُ (رَحًى لِطَحْنِ قُفْزانٍ مَعْلُومةٍ) ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفةِ جِنْسِ المَطْحُونِ؛ بُرًّا، أو شَعِيرًا، أو ذُرَةً، أو غيرَه؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ، فمنه ما يَسْهُلُ طَحْنُه، ومنه ما يَعْسُرُ، فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِه، لتَزُولَ الجَهالةُ.
فصل: يجوزُ اسْتِئْجارُ كَيّالٍ، ووَزَّانٍ لِعَمَل مَعْلُوم، أو في مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ.
وبه قال مالك، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، وقد رُوِيَ في حَدِيثِ سُوَيدِ بنِ قَيس: أتانا رسولُ اللهِ1
..................................
- صلى الله عليه وسلم - فاشْتَرَى مِنّا رجلٌ سَراويلَ، وثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بأجْرٍ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «زِنْ وأرْجِحْ».
رَواه أبو داوُدَ 1.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ رَجُل لِيُلازِمَ غَرِيمًا تُسْتَحَقُّ مُلازَمَتُه.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه كَرِهَ ذلك، وقال: غيرُ هذا أعْجَبُ إليَّ.
وإنَّما كَرِهَه؛ لأنَّه يَئُولُ إلى الخُصُومَةِ، وفيه تَضْيِيقٌ على المُسْلِمِ، ولا يَأمَنُ أن يكونَ ظالِمًا فيُساعِدَه على ظُلْمِه.
ورُوِيَ عنه أنَّه قال: لا بأس به؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه مُحِقٌّ 2، فإنَّ الحاكِمَ في الظاهِرِ لا يَحْكُمُ إلَّا بحَق، ولهذا أجَزْنا للمُوَكلِ فِعْلَه.
فصل: ويجوزُ الاسْتِئْجارُ لِحَفْرِ الآبارِ والأنْهارِ والقُنِيِّ؛ لأنها مَنْفَعة مَعْلُومة، يجوزُ أن يَتَطوَّعَ بها، [الرجلُ على غيرِه] 3، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالخِدْمَةِ.
ولابدَّ مِن تَقْدِيرِ العَمَلِ بمُدَّةٍ أو عَمَل مُعَيَّن، فإن قَدَّرَهُ بمُدَّةٍ، نحوَ أن يَسْتَأجِرَه شَهْرًا لِيَحْفِرَ له بِئْرًا أو نَهْرًا؛ لم يَحْتَجْ إلى مَعْرِفةِ القَدْرِ، وعليه الحَفْرُ في ذلك الشَّهْرِ، قَلِيلًا حَفَر أو كثيرًا.
قال شيخُنا 4: ويَفْتَقِرُ إلى مَعْرِفةِ الأرْضِ التي يَحْفِرُ فيها.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَحْتاجُ إلى ذلك؛ لأنَّ الغَرَضَ لا يَخْتَلِفُ بذلك.
والأوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّ الأرْضَ الصلْبَةَ يَشُقُّ حَفْرُها، واللَّيِّنَةَ يَسْهُلُ.
..................................
وإن قَدَّرَه بالعَمَلِ، فلابُدَّ مِن مَعْرِفةِ المَوْضِعِ بالمُشاهَدةِ؛ لكَوْنِها تَخْتَلِفُ بالسُّهُولةِ والصَّلَابَةِ، ولذلك 1 لا يَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، ويَعْرِفُ دَوْرَ البِئرِ، وعُمْقَها، وطُولَ النَّهْرِ، وعَرْضَه، وعُمْقَه؛ لأنَّ العَمَلَ يَخْتَلِفُ بذلك.
وإذا حَفَر بئرًا فعليه شَيلُ التُّرابِ؛ لأَنه لا يُمْكِنُه الحَفْرُ إلَّا بذلك، فقد تَضَمَّنَه العَقْدُ.
فإن تَهَوَّرَ تُرابٌ مِن جانِبَيها أو سَقَطَتْ فيه بَهِيمةٌ أو نحو ذلك، لم يَلْزَمْه شَيلُه، وكان على صاحِبِ البِئْرِ؛ لأنَّه سَقَط فيها مِن مِلْكِه، ولا يتَضَمَّنُ عَقْدُ الإجارَةِ رَفْعَه.
وإن وَصَل إلى صَخْرةٍ أو جَمادٍ يَمْنَعُ الحَفْرَ، لم يَلْزَمْه حَفْرُه؛ لأنَّ ذلك مُخالِف لِما شاهَدَه مِنَ الأرضِ، وإنَّما اعْتُبِرَتْ مُشاهَدَةُ الأرْضِ؛ لأنَّها تَخْتَلِفُ، فإذا ظَهَر فيها ما يُخالِفُ المُشاهَدَةَ، كان له الخِيارُ في الفَسْخِ، فإن فَسَخ، كان له مِنَ 2 الأجْرِ بحِصَّةِ ما عَمِلَ، فيُسقَطُ الأجْرُ على ما بَقِيَ وما عَمِلَ، فيقال: كم أجْرُ ما عَمِلَ، وكم أجْرُ ما بَقِيَ؟ فيُقَسَّطُ الأجْرُ المُسَمَّى عليهما.
ولا يجوزُ تَقْسِيطُه على عَدَدِ الأذْرُعٍ؛ لأنَّ أعْلَى البِئرِ يَسْهُلُ نَقْلُ التُّراب منه، وأسْفَلَه يَشُقُّ ذلك فيه.
وإن نبَع منه ما مَنَعَه مِنَ الحَفْرِ، فهو كالصَّخْرةِ، على ما ذَكَرْنا.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ ناسِخٍ لِيَنْسَخَ له كُتُبًا مِنَ الفِقْهِ والحَدِيثِ والشِّعْرِ المُباحِ، أو سِجِلاتٍ، نص عليه في روايةِ مُثَنَّى بنِ جامِع،
..................................
وسَأله عن كِتابَةِ الحَدِيثِ بالأجْرِ، فلم يَرَ به بَأسًا.
ولابدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ بالمُدَّةِ أو العَمَلِ، فإن قَدَّرَه بالعَمَلِ، ذَكَر عَدَدَ الوَرَقِ، وقَدرَه، وعَدَدَ السُّطُورِ في كلِّ ورَقةٍ، وقَدْرَ الحَواشِي، ودِقةَ القَلَمِ وغِلَظَه.
فإن عَرَفَ الخَطَّ بالمُشاهَدَةِ، جازَ، وإن أمْكَنَه 1 بالصِّفَةِ ضَبَطَه، وإلَّا فلابُدَّ مِنَ المُشاهَدةِ؛ لأنَّ الأجْرَ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِه.
ويجوزُ تَقْدِيرُ الأجْرِ بأجْزاءِ الفَرْعِ، وبأجْزاءِ الأصْلِ.
وإن قاطَعَه على نَسْخِ الأصْلِ بأجْر واحدٍ، جازَ.
وإن أخْطَأ بالشَّيءِ اليَسِيرِ، عُفِيَ عنه؛ لأَنه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
وإن كان كثيرًا بحيث يَخْرُجُ عنِ العادَةِ، فهو عَيب يُرَدُّ به.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: ليس له مُحادَثَةُ غيرِه حال النَّسْخِ.
ولا التَّشاغُلُ بِما يَشْغَلُ سِرَّه ويُوجِبُ غَلَطَه، ولا لغيرِه تَحْدِيثُه وشَغْلُه.
وكذلك الأعْمالُ التي تَخْتلُّ بِشَغْلٍ السِّرِّ والقَلْبِ، كالقِصارَةِ والنِّساجَةِ ونحوهما.
ويجوزُ أن يَسْتَأجِرَ على نسْخِ مُصْحَفٍ، في قولِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم جابرُ بنُ زَيدٍ، ومالِكُ بنُ دينار، وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ سِيرينَ: لا بَأسَ أن يَسْتَأجرَ الرجلَ شَهْرًا، ويَسْتَكْتِبَه مُصْحَفًا.
وكَرِهَ عَلْقَمةُ كِتابَةَ المُصْحَفِ بالأَجْرِ، ولَعَلَّه يَرَى ذلك مما يَخْتَصُّ كَوْنَ فاعِله مِن أهْلِ القُرْبَةِ، فكَرِهَ الأجْرَ عليه، كالصَّلاةِ.
ولَنا، أَنه فِعْل مُباح يجوزُ أن يَنُوبَ فيه الغيرُ عن الغيرِ، فجازَ أخْذُ الأجْرِ عليه،
..................................
كَكِتابَةِ الحَدِيثِ، وقد جاء في الخَبَرِ: «أَحَقُّ مَا أخَذْتُمْ عَلَيهِ أجْرًا كِتَابُ اللهِ» 1.
فصل: يَجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ لحَصادِ زَرْعِه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكان إبراهيمُ بنُ أدْهَمَ يُؤْجِرُ نَفْسَه لحَصادِ الزَّرْعِ.
ويجوزُ تَقْدِيرُه بمُدَّةٍ وبِعَمَلٍ، مثلَ أن يُقاطِعَه على حَصادِ زَرْعٍ مُعَيَّنٍ.
ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ رجلًا لِسَقْي زَرْعِه وتَنْقِيَتِه ودياستِه 2 ونَقْلِه إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ.
ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ رَجُلًا يَحْتَطِبُ له؛ لأنَّه عَمَلٌ مُباحٌ، تَدْخُلُه النِّيابةُ، أشْبَهَ حَصادَ الزَّرْعِ.
قال أحمدُ في رجلٍ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا على أن يَحْتَطِبَ له على حِمارَينِ كلَّ يَوْمٍ، فكان الرجلُ يَنْقُلُ عليهما وعلى حَمِيرٍ لرجلٍ آخَرَ، ويَأْخُذُ منه الأُجْرَةَ، فإن كان يَدْخُلُ عليه ضَرَرٌ، يَرْجِعُ عليه بالقِيمَةِ.
وظاهِرُ هذا أن المُسْتأْجِرَ يَرْجِعُ على الأجِيرِ بقِيمَةِ ما اسْتَضَرَّ باشْتِغالِه عن عَمَلِه؛ لقولِه: إن كان يَدْخُلُ عليه ضَرَرٌ، يَرْجِعُ 3 بالقِيمَةِ.
فاعْتَبَرَ الضَّرَرَ.
وظاهِرُ هذا أنَّه إذا لم يَسْتَضِرَّ، لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه اكْتَراه لعَمَلٍ فَوفّاه على التَّمامِ، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو اسْتَأْجَرَه لِعَمَلٍ، فكان يَقْرَأُ القُرآنَ في حال عَمَلِه، فإن ضَرَّ المُسْتَأْجِرَ، رَجَع عليه بقِيمَةِ ما فَوَّتَ عليه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّه يَرْجِعُ عليه بقِيمَةِ ما عَمِلَه لغيرِه؛ لأنَّه صَرَف مَنافِعَه المَعْقُودَ عليها إلى عَمَلِ غيرِ المُسْتَأْجِرِ، فكان عليه
..................................
قِيمَتُها، كما لو عَمِلَ لِنَفْسِه.
وقال القاضي: معناه أنَّه يَرْجِعُ عليه بالأجْرِ الذي أخَذَه مِنَ الآخَرِ؛ لأنَّ مَنافِعَه في هذه المُدَّةِ مَمْلُوكَةٌ لغيرِه، فما حَصَل في مُقابَلَتِها يكونُ للذي اسْتَأْجَرَه.
فصل: يجوزُ الاستِئجارُ لِاسْتِيفاءِ القِصاصِ، في النَّفْسِ وما دُونَها.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ في النَّفْسِ؛ لأنَّ عَدَدَ الضَّرَباتِ يَخْتَلِفُ، ومَوْضِعُ الضَّرَباتِ غيرُ مُتَعَيَّنٍ، إذْ يُمْكِنُ أن يَضْرِبَ ممَّا يَلِي الرَّأْسَ، وممّا يَلي الكَتِفَ، فكان مَجْهُولًا.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ يجوزُ التَّوْكِيلُ في اسْتِيفائِهِ، لا يَخْتَصُّ فاعِلُه بكَوْنِه 1 مِن أهْلِ القُرْبَةِ، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليه، كالقِصاصِ في الطَّرفِ.
وقولُه: إنَّ عَدَدَ الضَّرَباتِ يَخْتَلِفُ وهو مَجْهُولٌ.
يَبْطُلُ بخِياطَةِ الثَّوْبِ، فإنَّ عَدَدَ الغَرَزاتِ مَجْهُولٌ.
وقولُه: إن مَحَلَّه غيرُ مُتَعَيَّنٍ.
قلنا: هو مُتَقارِبٌ، فلا يَمْنَعُ ذلك صِحَّتَه، كمَوْضِعِ الخِياطةِ مِن حاشِيَةِ الثَّوْبِ.
فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ سِمْسارًا يَشْتَرِي له ثِيابًا.
ورَخَّصَ فيه ابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِيُّ.
وكَرِهَه الثَّوْرِيُّ، وحَمّادٌ.
ولَنا، أنَّها مَنْفَعَةٌ مُباحةٌ تجوزُ النِّيابةُ فيها، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالبِناءِ.
وتجوزُ على مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ، مثلَ أن يَسْتَأْجِرَه عَشَرَةَ أيامٍ يَشْتَرِي له فيها؛ لأنَّ المُدَّةَ مَعْلُومةٌ، والعَمَلَ مَعْلُومٌ، فأشْبَهَ الخَيّاطَ والقَصّارَ.
وإن عَيَّنَ العَمَلَ دُونَ الزَّمانِ، فجَعَلَ له مِن كلِّ ألْفِ دِرْهَمٍ شَيئًا مَعْلُومًا، صَحَّ أيضًا.
وإن
..................................
قال: كُلَّما اشْتَرَيتَ ثَوْبًا فلَكَ دِرْهَمٌ أجْرًا.
وكانتِ الثِّيابُ مَعْلُومةً بِصِفَةٍ، أو مُقَدَّرَةً بثَمَنٍ، جازَ، وإن لم تَكُنْ كذلك، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّ الثِّيابَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أثْمانِها، والأَجْرُ يَخْتَلفُ باخْتِلافِها.
فإن اشْتَرَى فله أجْرُ مِثْلِه.
وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه عَمِلَ عَمَلًا بِعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فكان له أجْرُ المِثْلِ، كسائِرِ الإِجاراتِ الفاسِدَةِ.
فصل: وإنِ اسْتَأْجَرَه لِيَبِيعَ له ثِيابًا بِعَينِها، صَحَّ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك يتَعَذَّرُ عليه، فأشْبَهَ ضِرابَ الفَحْلِ، وحَمْلَ الحَجَرِ الكَبِيرِ.
ولَنا، أنَّه عَمَلٌ مُباحٌ مَعْلُومٌ، تجوزُ النِّيابةُ فيه، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليه، كَشِراءِ الثِّيابِ؛ ولأنَّه يجوزُ الاسْتِئْجارُ عليه مُقَدَّرًا بزَمَنٍ، فجاز مُقَدَّرًا بالعَمَلِ، كالخِياطَةِ.
وقولُهم: إنه يتَعَذَّرُ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الثِّيابَ لا تَنْفَكُّ عن راغبٍ فيها، ولذلك صَحَّتِ المُضارَبةُ، ولا تكونُ إلَّا بالبَيعِ والشِّراءِ، بخِلافِ ما قاسُوا عليه، فإنَّه يتَعَذَّرُ.
وإنِ اسْتَأْجَرَه على شِراءِ ثِيابٍ مُعَيَّنةٍ من رَجُلٍ مُعَيَّنٍ، [أو على بيعِها مِن رجلٍ مُعَيَّنٍ] 1، احْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه قد يتَعذَّرُ، لامْتِناعِ صاحِبِها مِنَ البَيعِ، فيَتَعَذَّرُ تَحْصِيلُ العَمَلِ بحُكْمِ الظاهِرِ، بخِلافِ البَيعِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأَنه مُمْكِنٌ في الجُملةِ، فإن حَصَل مِن ذلك شيءٌ، اسْتَحَقَّ الأجْرَ، وإلَّا بَطَلَتِ الإِجارَةُ، كما لو لَمْ يُعَيِّنِ البائِعَ ولا المُشْتَرِيَ.