الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 210-249

..................................  مُتَساويةً في الاسْتِعمالِ، وَجَبَ بَيانُه بما يَتَمَيَّزُ به مِن 1 غيرِه مِن النُّقودِ.
وإن كان مِن غيرِ الأثْمانِ، وَجَبَ وَصْفُه بما يُوصَف به في السَّلَم.
فأمَّا ما لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه (1)، فلا يجوزُ أن يكونَ عِوَضًا في الكِتابةِ؛ لأَنَّه عَقْدُ مُعَاوضةٍ يَثْبُتُ عِوَضُه في الذِّمَّةِ، فلم يَجُزْ بعِوَض مَجْهُولٍ، كالسَّلَمِ.
(وقال القاضي: تَصِحُّ على عبدٍ مُطْلَقٍ، وله الوَسَطُ) إذا كاتَبَه على عبدٍ مُطْلَقٍ، لم يَصِحَّ.
ذَكَرَه أبو بكرٍ.
وهو قولُ الشافعيِّ، [وقال القاضي] 2: يجوزُ في أحَدِ الوَجْهَين.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ؛ لأنَّ العِتْقَ لا يَلْحَقُه الفَسْخُ، فجازَ أن يكونَ الحيَوانُ المُطْلَقُ عِوَضًا فيه، كالعَقْلِ.
ولَنا، أنَّ ما لا يجوزُ أن يكونَ عِوَضًا في البَيعِ والإِجارةِ لا يجوزُ

وَتَصِحُّ عَلَى مَالٍ وَخِدْمَةٍ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَتِ الْخِدْمَةُ أَوْ تَأْخَّرَتْ.
أن يكونَ عِوَضًا في الكِتابةِ، كالثَّوْبِ المُطْلَقِ، ويُفَارِقُ العَقْلَ؛ لأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ مْقَدَّرٌ في الشَّرْعِ، وههُنا عِوَضٌ في عَقْدٍ، أشْبَه البَيعَ.
ولأنَّ الحيوانَ الواجبَ في العَقْلِ ليسَ بحيوانٍ مُطْلَقٍ، بل هو مُقَيَّدٌ بجِنْسِه وسِنِّه، فلم يَصِحَّ الإِلْحاقُ به، ولأنَّ الحيوانَ المُطْلَقَ لا تجوزُ الكِتابةُ عليه بغيرِ خِلافٍ عَلمْناه، وإنَّما الخِلاف في العبدِ المُطْلَقِ، ولم يَرِدِ الشَّرْعُ به بَدَلًا في مَوْضِع عَلِمْناه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ مَن صَحَّح (1) الكِتابةَ به أوْجَبَ له عَبْدًا وسطًا، وهو السِّنْدِيُّ، ويكونُ وَسَطًا مِن السِّنْديِّين في قِيمَتِه، كقَوْلِنا في الصَّدَاقِ.
ولا تصِحُّ الكِتابةُ على حيوانٍ مُطْلَقٍ غيرِ العبدِ، فيما عَلِمْنا، ولا على ثَوْبٍ، ولا دارٍ.
ولذلك لا تجوز على ثَوْبٍ مِن ثِيابِه، ولا عِمامةٍ مِن عَمائِمه، ولا غيرِ ذلك مِن المَجْهُولاتِ.
وممَّن اخْتارَ الكِتابَةَ على العبدِ، الحسَنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وابن سيرينَ.
ورُوِيَ عن أبي بَرْزَةَ، وحَفْصَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهما.

2984 -

مسألة: (وتَصِحُّ على مالٍ وخِدْمةٍ، سواءٌ تَقَدَّمَتِ الخِدْمَةُ أو تَأَخَّرَتْ)

تجوز الكِتابةُ على المنافِعِ المُباحَةِ؛ لأنَّها1

..................................  أحَدُ العِوَضَين في الإِجَارَةِ، فجاز أن تكونَ عِوَضًا في الكتابةِ، كالأثْمانِ.
ويُشْتَرَط العِلْمُ بها كما يُشْتَرَطُ في الإِجَارَةِ؛ فإن كاتَبَه على خِدْمة.
شَهْرٍ ودِينارٍ، صَحَّ، ولا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الشهرِ وكَونِه عَقِيبَ العَقْدِ؛ لأنَّ الإِجارَةَ تَقْتَضِيه.
فإن عَيَّنَ الشَّهْرَ بوقتٍ لا يَتَّصِل بالعَقْدِ، مثلَ أن يُكاتِبَه في المُحَرَّمِ على خِدْمَتِه في رَجَبٍ ودِينارٍ، صَحَّ أيضًا، كما يجوزُ أن يُؤْجِرَه دارَه شَهرَ رَجَبٍ في المُحَرَّمِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يجوزُ على شَهْرٍ لا يَتَّصِلُ بالعَقْدِ.
ويَشْتَرِطونَ ذِكْرَ ذلك، ولا يُجَوِّزُونَ إطْلاقَه، بناءً على قَوْلِهم في الإِجَارَةِ.
وقد سَبَقَ الكلامُ فيه، والخِلافُ في باب الإِجَارَةِ 1. ويُشْتَرَطُ كونُ الدِّينارِ المذْكُورِ مُؤَجَّلًا؛ لأنَّ الأجَلَ شَرْطٌ في عَقْدِ الكتابةِ.
فإن جعَل مَحِلِّ الدِّينارِ بعدَ الشَّهْرِ بيومٍ أو أَكْثَرَ، صَحَّ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
وإن جَعَلَ محِلَّه في الشَّهْرِ أو بعدَ انْقِضائِه، صَحَّ أيضًا.
وهذا قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال القاضي: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يكونُ نَجمًا واحدًا.
وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الخِدْمَةَ كُلَّها لا تكونُ في وَقْتِ مَحِلِّ الدِّينارِ، وإنَّما يُوجَدُ جُزْءٌ منها يَسِير مُقارِبًا له، وسائِرُها فيما سِواه، ولأنَّ الخِدْمَةَ بمَنْزِلَةِ العِوَضِ الحاصِلِ في ابْتِداءِ مُدَّتِها، ولهذا يَسْتَحِقُّ عِوَضَها

..................................  جميعَه، ويكونُ مَحِلُّها غير مَحِلِّ الدِّينارِ، وإنَّما جازَتْ 1 حالَّةً؛ لأنَّ المَنْعَ مِن الحُلولِ في غيرِها؛ لأجْلِ العَجْزِ عنه في الحالِ، وهذا غيرُ مَوْجُودٍ في الخِدْمَةِ، فجازَتْ حالَّةً.
وإن جَعَلَ مَحلَّ الدِّينارِ قبلَ الخِدْمَةِ، وكانتِ الخِدْمَةُ غيرَ مُتَّصِلةٍ بالعَقْدِ، بحيثُ يكونُ الدِّينارُ مُؤَجَّلًا والخِدْمَةُ بعدَه، جازَ.
وإن كانتِ الخِدْمَةُ مُتّصِلةً بالعَقْدِ، لم يُتَصَوَّرْ كونُ الدِّينارِ قبلَه، ولم يَجُزْ في أوَّلِه؛ لأنَّه يكونُ حالًا.
ومن شَرْطِه 2 التّأجِيلُ.
فصل: إذا كاتَبَ السيدُ عبدَه على خِدْمَةٍ مُفْرَدَةٍ في مُدَّةٍ واحدِةٍ، مثلَ أن يُكاتِبَه على خِدْمَةِ شَهْرٍ بعَينِه، أو سَنَةٍ مُعَيَّنَةَ، فحُكْمُه حُكْمُ الكِتابةِ على نَجْمٍ واحدٍ، على ما مَضَى مِن القولِ فيه 3. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ كالكِتابةِ على أنْجُمٍ؛ لأنَّ الخِدْمَةَ تُسْتَوْفَى في أوقاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ 4، بخِلافِ المالِ.
وإن جَعَلَه على شَهْرٍ بعدَ شَهْرٍ، كأن كاتَبَه في أوَّلِ المُحرَّمِ على خِدْمَتِه فيه وفي رَجَبٍ، صَحَّ؛ لأنَّه على نجْمَين.
وإن كاتَبَه على مَنْفَعَةٍ في الذِّمَّةِ مَعْلُومَةٍ، كخِياطَةِ ثَوْبٍ عَيَّنَه، أو بناءِ حائِطٍ وَصَفَه، صَحَّ أيضًا، إذا كانت على نَجْمَينِ.
وإن قال: كاتَبْتُكَ على أن تَخْدُمَنِي هذا الشَّهْرَ، وخِيَاطَةِ كذا 5 عَقِيبَ الشَّهْرِ.
صَحَّ في قولِ الجَميعِ.
وإن قال: على

..................................  أن تَخْدِمَنِي شَهْرًا مِن وَقْتِي هذا، وشهرًا عَقِيبَ هذا الشهرِ.
صَحَّ أيضًا.
وعندَ الشافعيِّ، لا يَصِحُّ.
ولَنا.
أنَّه كاتَبَه على نَجْمَين، فصَحَّ، كالتي قبلَها.
فصل: وإذا كاتَبَ العبدَ وله مالٌ، فمالُه لسَيدِه؛ إلَّا أن يَشْتَرِطَه المُكاتَبُ.
[فإن كان] 1 له سُرِّيَّةٌ أو وَلَدٌ، فهو لسيدِه.
وبهذا قال الثوْرِيُّ، والحسنُ بنُ صالِحٍ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، والشافعيُّ.
وقال الحسنُ، وعطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، وسُليمانُ بنُ موسى، وعمرُو بنُ دينارٍ، ومالكٌ، وابنُ أبي لَيلَى، في المكاتَبُ: مالُه له.
ووافَقَنا 2 عَطاءٌ، وسليمانُ بنُ موسى، والنَّخَعِيُّ، وعمرُو بنُ دينارٍ، ومالكٌ، في الوَلَدِ، واحْتُجّ لهم بما روَى ابنُ عمرَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَن أعْتَقَ عَبْدًا ولَهُ مالٌ، فالمالُ للِعَبْدِ» 3. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وله مالٌ، فَمَالهُ للبَائِعِ، إلَّا أن يَشْتَرِطَه المُبْتَاعُ» مُتَّفَقٌ عليه 4، والكِتابةُ بَيعٌ.
ولأنَّه باعة نفْسَه، فلم يَدْخُلْ معه غيرُه، كوَلَدِه و 5 أقارِبِه، ولأنَّه هو ومالُه كانا لسيدِه، فإذا وَقعَ العَقْدُ على أحَدِهما بَقِيَ

وَإذَا أدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيهِ، أَوْ أُبْرِئ مِنْهُ، عَتَقَ،  الآخَرُ على ما كان عليه، كما لو باعه لأجْنَبِيٍّ.
وحديثُهم ضَعِيفٌ، قد ذَكَرنا ضَعْفه.

2985 -

مسألة: (وإذا أدَّى ما كُوتِبَ عليه، أو أُبْرِئ منه، عَتَقَ)

لأنَّه لم يَبْقَ لسيدِه عليه شيءٌ، ولا يَعْتِقُ قبلَ أداءِ جَمِيعِ الكِتابةِ.
هذا ظاهِرُ كلام الخِرَقِيِّ؛ لمَا روَى عمرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبِيه عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المُكاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ».
رَواه أبو داودَ 1. دَلَّ بمَنْطُوقِه على أنَّه لا يَعْتِقُ حَتَّى يَؤدِّيَ جَمِيع كِتابتِه، وبمفهُومِه على أنَّه إذا أدَّى كتابَتَه لا يَبْقَى عَبْدًا.
قال أحمدُ في عبدٍ بينَ 2 رَجُلَينَ كاتَباه على ألفٍ فأدَّى تِسْعَماثةٍ، ثم أعْتَقَ أحَدُهما نَصِيبَه، قال: يَعْتِقُ إلَّا نِصْفَ المائةِ.
وقد رُوِيَ عن عمرَ، وابنِه، وزَيدِ بنِ ثابتٍ،

وَمَا فَضَلَ في يَدِهِ فَهُوَ لَهُ.
وَعَنْهُ، أنَّه إِذَا مَلَكَ مَا يُؤدِّي صَارَ حُرًّا، وَيُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ.
وعائشةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والزُّهْرِيِّ، أنَّهم قالوا: المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ.
رَواه عنهم الأثرَمُ (1). وبه قال القاسمُ، [وسالم] (2)، وسليمانُ بنُ يَسارٍ، وعطاءٌ، وقَتادةُ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، ومالكٌ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْيِ.
ورُوِيَ ذلك عن أُمِّ سَلَمَةَ.
وروَى سَعيدٌ بإسْنادِه، عن أبي قِلابَةَ، قال: كُنَّ (3) أزواجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لا يَحْتَجِبْنَ مِن مُكاتَب ما بَقِيَ عليه دينارٌ (4). وبإسْنادِه عن عَطاءٍ، أن ابنَ عمرَ كاتَبَ غُلامًا على ألفِ دينارٍ، فأدى إليه تِسْعَمائةِ دينارٍ، وعَجَزَ عن مائةِ دِينارٍ، فرَدَّهُ ابنُ عمرَ في الرِّقِّ (5).

2986 -

مسألة: (وما فَضَلَ في يَدِه فهو له)

لأنَّه كان له قبلَ العِتْقِ، فَبَقِيَ على ما كان (وعنه، أنَّه إذا مَلَكَ ما يُؤَدِّي صار حرًّا) لما12345

..................................  رَوَتْ أُمُّ سَلمَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إِذا كان لإحْداكُنَّ مُكَاتَبٌ، فكانَ عندَه ما يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 1. وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فأمَرَهُنَّ بالحِجابِ بمُجَرَّدِ مِلْكِه لما يُؤَدِّيه.
ولأنَّه مالِكٌ لمالِ الكِتابةِ، أشْبَهَ ما لو أدَّاه.
فعلى هذا، متى امْتَنَعَ مِن الأداءِ، أجْبَرَه الحاكِمُ عليه، كسائِرِ الدُّيونِ الحالَّةِ على القَادِرِ عليها.
فإن هَلَكَ ما في يَدَيه قبلَ الأداءِ صار دَينًا في ذِمَّتِه، وقد صار حُرًّا.
والصَّحِيحُ أنَّه لا يَعْتِقُ حتَّى يُؤَدِّيَ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حدِيثِ عمرِو بنِ شُعَيبٍ.
ورَوَى سَعيدٌ 2 بإسْنادِه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «أَيُّما عَبْدٍ كانَتْ عليه مائةُ أوقِيَّةٍ فأدَّاهَا إلَّا عَشْرَةَ أوَاقٍ، فهو عَبْدُ، [وأيُّما عَبْدٍ كاتَبَ على مائةِ دِينارٍ، فأدّاها إلَّا عَشَرَةَ دنانيرَ، فهو عبدٌ] 3». وفي رِوايةٍ «مَن كاتَبَ عَبْدَه على مائةِ أوقِيَّةٍ، فأدَّاها إلَّا عَشْرَ أواقٍ -أو قال- إلَّا عَشَرَةَ دَراهِمَ، ثم عَجَزَ، فهو رَقِيقٌ».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 4. وقال: هذا حديثٌ غريبٌ.
ولأنَّه عِتْق عُلِّقَ

..................................  بعِوَضٍ، فلم يَعْتِقْ قبلَ أدائِه، كما لو قال: إذا أدَّيتَ إليَّ ألفًا فأنتَ حُرٌّ.
فعلى هذه الرِّوايةِ، إذا أدَّى عَتَقَ، وإن لم يُؤَدِّ لم يَعْتِقْ.
فإنِ امْتَنَعَ مِن الأداءِ، فقال أبو بكرٍ: يُؤَدِّيهِ الإمامُ عنه، ولا يكونُ ذلك عَجْزًا، ولا يَمْلِكُ السيدُ الفَسْخَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا لم يُؤَدِّ عَجَّزَهُ السيدُ إن أحَبَّ، وعاد عَبْدًا غيرَ مُكاتَبٍ.
ونحوَه قال الشافعيُّ، فإنَّه قال: إن شاء عَجَّزَ نَفْسَه وامْتَنَعَ مِن الأداءِ.
ووَجْهُ ذلك، أنَّ العَبْدَ لا يُجْبَرُ على اكْتِسَابِ ما يُؤَدِّيه في الكِتابَةِ، فلا يُجْبَرُ على الأداءِ، كسائِرِ العُقُودِ الجائِزَةِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه قد ثَبَتَ للكبدِ اسْتِحْقاقُ الحُرِّيةِ بمِلْكِ ما يُؤَدِّي، فلم يَمْلِكْ إبْطالها، كما لو أدَّى.
فإن تَلِفَ المالُ قبلَ أدائِه جازَ تَعْجِيزُه واسْتِرْقَاقُه، وَجْهًا واحدًا.
فصل: إذا أَبْرأهُ السيدُ مِن مالِ الكِتابةِ، بَرِئَ وعَتَقَ؛ لأنَّ ذِمتَّهَ خَلَتْ مِن مالِ الكِتابةِ، فأشْبَهَ ما لو أدَّاه.
وإن أبْرأه مِن بعضِه، بَرِئَ منه، وهو على الكِتابةِ فيما بَقِيَ؛ لأنَّ الإِبراءَ كالأداءِ.
فإن كاتَبَه على دنانِيرَ فأبْرأه مِن دَراهِمَ، أو بالعَكْسِ، لم تَصِحَّ البراءَةُ؛ لأنَّه أَبْرأهُ ممَّا لا يَجبُ عليه، إلَّا أن يُرِيدَ بقَدْرِ ذلك مما لِيَ عليك.
فإنِ اخْتَلَفا، فقال المُكَاتَبُ: إنَّما أرَدْتَ مِن قِيمَةِ ذلك.
وقال السيدُ: بل ظَنَنْتُ أنَّ لِي عليك النَّقْدَ الَّذي برأتُكَ منه، فلم تَقَعِ البراءَةُ مَوضِعَها.
فالقولُ قولُ السيدِ مع يَمينه؛ لأنَّه أعْرَفُ بِنيَّته.
فإن مات السيدُ واخْتَلَفَ المُكاتَبُ والوَرَثَةُ، فالقولُ قولُهم مع أيْمانِهم ويَحْلِفونَ على نَفْي العِلْمِ.
وإن مات المُكاتَبُ واخْتَلَفَ وَرَثته وسَيدُه، فالقولُ قولُ السيدِ؛ لِما ذَكَرْنا.

فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الأَدَاءِ كَانَ مَا في يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، في الصَّحِيحِ عَنْهُ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُخْرى، لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ.

2987 - مسألة: (فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الأَدَاءِ كَانَ مَا في يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، في الصَّحِيحِ عَنْهُ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُخْرى، لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ، وَالْبَاقِي لوَرَثتِه)

هذه المسألةُ تُشْبِهُ أن تكونَ مَبْنِيَّةٌ على المسألةِ التي قبلَها، إن قُلْنا: إنَّه [لا يَعْتِقُ] 1 بمِلْكِ ما يُؤَدِّي.
فقد ماتَ رَقِيقًا وانْفَسخَتِ الكِتابةُ 2 بمَوتِه، وكان ما في يَدِه لسيدِه.
وإن قُلْنا: إنَّه عَتَقَ بملكِ ما يُؤَدِّي.
فقد مات حرا، وعليه لسيدِه بَقِيَّةُ كِتابته؛ لأنَّه دَينٌ له عليه، والباقِي لوَرَثَتِه.
قال القاضي: الأصَحُّ أنَّ الكِتابةَ تَنْفَسِخ بموتِه، ويموتُ عَبدًا، وما في يَدِه لسيدِه.
رَواه الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن عمرَ، وزيدٍ، والزُّهْرِيِّ 3. وبه قال: إبراهيمُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وقَتادةُ، والشافعيُّ؛ لِما ذَكَرْناه في التي قَبلَها.
ولأنَّه مات قبلَ أداءِ مال الكتابةِ، فوَجَبَ أن تَنْفَسِخَ، كما لو لم يكُنْ له مالٌ، وكما لو عَلَّقَ عِتْقَه بأدَاءِ ألفٍ فماتَ قبلَ أدائِها.
وعنه، أنَّه يَعْتِقُ ويمُوتُ حُرًّا، فيكونُ لسيدِه بَقيَّةُ كتابتِه، والباقِي لوَرَثَتِه.
رُوِيَ

..................................  ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، ومعاويةَ 1. وبه قال عطاءٌ، والحسنُ، وطاوُسٌ، وشرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والحسنُ بنُ صالحٍ، وماللث، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: يكون حُرًّا في آخِرِ جُزْءٍ مِن حَياتِه.
وهذا قولُ القاضيِ.
ووَجْهُ هذهِ الرِّوايةِ، ما تَقَدَّمَ في التي قبلَها.
و 2 لأنَّها مُعاوَضَةٌ لا تَنْفسِخُ بموتِ أحَدِ المُتَعاقِدَين، فلا تَنْفَسِخُ بمَوتِ الآخَرِ، كالبَيعِ، ولأنَّ العَبْدَ أحدُ مَن تَمَّتْ به الكِتابةُ، فلم تنْفسِخْ بموتِه، كالسيدِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
وتُفَارِق الكِتابةُ البَيعَ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ مِن المُتَعاقِدَين غيرُ مَعْقُودٍ عليه، ولا يَتَعَلَّقُ العَقْدُ بعَينِه، فلم يَنْفَسِخْ بتَلَفِه، والمُكاتَبُ هو المعقودُ عليه، والعَقدُ مُتَعَلِّق بعَينِه، فإذا تَلِفَ قبلَ تَمامِ الأداءِ انْفَسَخَ العَقْدُ، كما لو تَلِفَ المَبِيعُ قبلَ قَبضِه، ولأنَّه مات قبلَ وُجُودِ شَرْطِ حُرِّيتِه، ويَتَعَذَّرُ وُجُودُها بعدَ موتِه.
فأمَّا إن مات ولم يُخَلِّف وفاءً، فلا خِلافَ في المذهبِ أنَّ الكتابةَ تَنْفسخُ بمَوتِه، ويَمُوتُ عَبْدًا.
وما في يَدِه لسيدِه.
وهو قولُ أهلِ الفَتاوى مِن

..................................  أئِمةِ الأمْصارِ، إلَّا أن يَمُوتَ بعدَ أداءِ ثَلاثَةِ أرْباعِ الكِتابةِ عندَ أبي بكرٍ، والقاضي، ومَن وافَقَهُما، فإنَّه يَمُوتُ حُرًّا في مقْتضَى قولِهم، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء الله تعالى.
وقال مالكٌ: إن كان له وَلَدٌ حرٌّ انْفَسَخَتِ الكِتابةُ، وإن كان مَمْلوكًا في كتابَتِه أُجْبِرَ على دَفْعِ المالِ إن كان لَه مالٌ، وإن لم يَكُنْ له أُجْبِرَ على الاكْتِسَابِ والأداءِ.
فصل: ولا تَنْفَسِخُ الكِتابةُ بالجُنونِ؛ لأنَّها عَقْدٌ [لازمٌ، فلم] 1 تَنْفَسِخْ بالجُنُونِ، كالرَّهْنِ.
وفارَقَ الموتَ؛ لأنَّ العَقْدَ على العَينِ، والموتُ يُفَوِّتُ العَينَ، بخِلافِ الجُنُونِ، ولأنَّ القَصْدَ مِن الكِتابةِ العِتْقُ، والموتُ يُنافِيه، ولهذا لا يَصِحُّ عِتْقُ المَيِّتِ والجُنونُ لا يُنافِيه، بدليلِ صِحَّةِ عِتْقِ المجْنُونِ.
فعلى هذا، إْن أدَّى إليه المال عَتَقَ؛ لأنَّ السيدَ إذا قَبَضَ منه فقدِ اسْتَوْفَى حَقَّه الَّذي كان عليه، وله أخْذُ المالِ مِن يَدِه، فيَتَضَمَّنُ ذلك بَراءَتَه مِن المالِ، فيَعْتِقُ بحكمِ العَقْدِ، وإن لم يُؤَدِّ إليه، كان للسيدِ أن يُحْضِرَه عندَ الحكمِ.
وتَثْبُتُ الكِتابَةُ بالبَيِّنَةِ، فيَبْحَثُ الحاكمُ عن مالِه، فإن وَجَدَ له مالًا سَلَّمَه في الكِتابَةِ وعتَقَ، وإن لم يَجِدْ له مالًا جعَلَ له أن

..................................  يُعَجِّزَه، ويُلْزِمَه الإنْفاقَ عليه؛ لأنَّه عاد قِنًّا، ثم إن وَجَدَ له الحاكمُ بعدَ ذلك مالًا يَفِي بمالِ الكِتابةِ، أَبْطَلَ فَسْخَ السيدِ؛ لأنَّ [الباطنَ بان] 1 بخِلافِ ما حَكَمَ به، فبَطَلَ حُكْمُه، كما إذا أخَطأ النَّصَّ وحَكَم بالاجْتِهادِ، إلَّا أنَّه يَرُدُّ على السيدِ ما أنْفَقَه مِن حينِ الفَسْخِ؛ لأنَّه لم يكُنْ مُسْتَحَقًّا عليه في الباطِنِ.
وإن أفاقَ، فأقامَ البَيِّنَةَ أنَّه كان 2 قد دَفَعَ إليه مال الكِتابةِ، بَطَلَ أيضًا، ولا يَرُدُّ عليه ما أنْفَقَه؛ لأنَّه أنْفَقَ عليه مع عِلْمِه بحُرِّيتِه، فكان مُتَطَوِّعًا بذلك، فلم يَرْجِعْ به: ويَنْبَغِي أن يَسْتَحْلِفَ الحاكمُ السيدَ أنَّه ما اسْتَوْفَى مال الكِتابةِ.
وهذا قولُ أصحابِ الشافعيِّ.
ولم يذكُرْه أصحابُنا، وهو حسنٌ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه اسْتَوْفاه، والمجْنُونُ لا يُعَبِّرُ عن نَفْسِه فيَدَّعِيه، فيقومُ الحاكِمُ مَقامَه في اسْتِحْلافِه عليه.
فصل: وقَتْلُ المُكاتَبِ كمَوْتِه في انْفِساخِ الكِتابةِ، على ما أسْلَفْنا مِن الخِلافِ، سواء كان القَاتِلُ السيدَ، أو الأجْنَبِيَّ؛ ولا قِصاصَ على قاتِلِه الحُرِّ، لأنَّ المُكاتَبَ عبدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ، للحدِيثِ 3. فإن كان القَاتِلُ سيدَه، ولم يُخَلِّفْ وَفَاءً، انْفَسَخَتِ الكِتابةُ.، وعادَ ما في يَدِه إلى سَيدِه، ولم يَجِبْ عليه شيءٌ؛ لأَنه لو وَجَبَ لوَجَبَ له.
فإن قِيلَ: فالقاتِلُ

وَإذَا عُجِّلَتِ الْكِتَابَةُ قَبْلَ مَحِلِّهَا، لَزِمَ السَّيِّدَ الْأَخْذُ، وَعَتَقَ.
لا يَسْتَحِقُّ بالقَتلِ شيئًا مِن تَرِكَةِ المقْتُولِ.
قُلْنا: ههُنا لا يَرْجِعُ إليه مال المُكاتَبِ مِيراثًا، بل بحُكْمِ مِلْكِه عليه لزوالِ الكِتابةِ، وإنَّما يُمْنَعُ القَاتِلُ الميراثَ خاصَّةً، ألا تَرَى أنَّ مَن له دَينٌ مُؤَجَّل، إذا قَتَلَ مَن عليه الحَقُّ حلَّ الدَّينُ، في رِوايَةٍ، وأُمَّ الوَلَدِ إذا قَتَلَتْ سيدَها عَتَقَتْ.
وإن كان المُكاتَبُ قد خَلَّفَ وفاءً، وقُلْنا: إن الكِتابَةَ تَنْفَسِخُ بمَوتِه.
فالحُكْمُ كذلك.
وإن قُلْنا: لا تَنْفسِخُ.
فله القِيمَةُ على سيدِه، تُصْرَفُ إلى وَرَثَتِه، كما لو كانتِ الجِنايَةُ على بَعضِ أطْرافِه في حَياتِه.
وإن كان الوَفاءُ يَحْصُلُ بإيِجابِ القِيمَةِ، ولا يَحْصُلُ بدُونِها، وَجَب، كما لو خَلَّفَ وَفاءً؛ لأنَّ دِيَةَ المَقْتُولِ كتَرِكَتِه في قَضاءِ دُيُونِه منها، وانْصِرافِها إلى وُرَّاثِه بَينَهم على فَرائِضِ اللهِ تعالى.
ولا فَرْقَ فيما ذكَرْنا بين أن يُخَلِّفَ وارِثًا أو لا يُخَلِّفَ وارِثًا.
وذكر القاضي أنَّه إذا لم يُخَلِّف وارِثًا سِوى سيدِه، لم تَجِبِ القِيمَةُ عليه بحالٍ.
ولَنا، أنَّه مَن لا وارِثَ له يُصْرَفُ مالُه إلى المسلمين، ولا حَقَّ لسيدِه فيه؛ لأنَّ صَرْفَه إلى سيدِه بطريقِ الإِرْثِ، والقاتِلُ لا مِيرَاثَ له.
وإن كان القاتِلُ أجْنَبِيًّا وجَبَتِ القِيمَةُ للسيدِ، إلَّا في الموضِعِ الَّذي لا تَنْفَسخُ الكِتابةُ، تَجِبُ لوَرَثَتِه.

2988 -

مسألة: (وَإذَا عُجِّلَتِ الْكِتَابَةُ قَبْلَ مَحِلِّهَا، لَزِمَ السَّيِّدَ

وَيَحْتَمِلُ ألَّا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ، إذَا كَانَ في قَبْضِهِ ضَرَرٌ.
الأخْذُ وعَتَقَ) هذا المنصوصُ عن أحمدَ 1 (ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه ذلك إذا كان في قَبْضِه ضَرَرٌ) وذكر أبو بكرٍ فيه رِوايةً أُخْرَى، أنَّه لا يَلْزَمُه قَبُولُ المالِ إلَّا عندَ نُجُومِه؛ لأنَّ بَقَاءَ المُكاتَبِ في هذه المُدَّةِ في مِلْكِه حَقٌّ له، ولم يَرْضَ بزَوالِه، فلم يَزُلْ، كما لو عَلَّقَ عِتْقَه على شَرْطٍ، لم يَعْتِقْ قبلَه 2. والصَّحيحُ في المذهَبِ الأوَّلُ.
وهو مذهَبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّ القاضيَ قال: أطْلَقَ أحمدُ والخِرَقِي هذا القَوْلَ، وهو مُقَيَّد بما لا ضَرَرَ في قَبْضِه قبلَ مَحِلِّه، كالذي لا يَفْسُدُ ولا يَخْتَلِفُ قَدِيمُه وحَدِيثُه، ولا يَحْتاجُ إلى مُؤْنَةٍ في حِفْظِه، ولا يَدْفَعُه في حالِ خَوْفٍ يَخافُ ذَهابَه، فإنِ اخْتَلَّ أحدُ هذه الأمورِ، لم يَلْزَمْه قَبْضُه، مثلَ أن يكونَ ممَّا يَفْسُدُ 3؛ كالعِنَبِ، والرُّطَبِ، والبِطِّيخِ، أو يَخافُ تَلَفَه، كالحيوانِ، فإنَّه ربَّما تَلِفَ قبلَ المَحِلِّ، ففاتَه مَقْصُودُه.
وإن كان ممَّا يكونُ حَدِيثُه خَيرًا مِن قَدِيمِه لم يَلْزَمه أيضًا أخْذُه؛ لأنَّه 4 يَنْقضُ إلى حينِ الحُلُولِ.
وإن كَان ممَّا يَحْتاجُ إلى مَخْزَنٍ، كالطعامِ والقُطْنِ، لم يَلْزَمْه أيضًا؛ لأنَّه يحتاجُ في إبْقائِه إلى وَقْتِ المَحِلِّ إلى مُؤْنةٍ، فيَتَضَرَّرُ بها.
ولو كان غيرَ هذا إلَّا أنَّ البلدَ مَخُوفٌ، لم يَلْزَمْه أخْده؛ لأنَّ في أخْذِه ضَرَرًا لم يَرْضَ بالْتِزَامِه،

..................................  وكذلك لو سَلَّمَه إليه في طَرِيقٍ مَخُوفٍ، أو في مَوْضِعٍ يَتَضَرَّرُ بقَبْضِه فيه، لم يَلْزَمْه قَبْضُه، ولم يَعْتِقِ المُكاتَبُ.
قال القاضي: والمذهبُ عِندِي أنَّ فيه تَفْصِيلًا، على حَسَبِ ما ذَكَرْناه في السَّلَمِ.
ولأنَّه لا يَلْزَمُ الإِنْسانَ الْتِزَامُ ضَرَرٍ لم يَقْتَضِه العَقْدُ ولا رَضِيَ بالتِزامِه، وأمَّا ما لا ضَرَرَ في قَبْضِه، فإذا عَجَّلَه لَزِمَ السيدَ أخْذُه.
وذَكَرَ أبو بكرٍ، أنَّه يَلْزَمُه قَبولُه مِن غيرِ تَفْصِيل، اعْتِمادًا على إطْلاقِ أحمدَ القولَ في ذلك.
وهو ظاهِرُ إطْلاقِ الخِرَقِيِّ، لما روَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن أبي بكرِ ابنِ حَزْم، أنَّ رجلًا أتَى عمَرَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنِّي كاتَبْت على كذا كذا، وإنِّي أيسَرْت بالمالِ وأتَيتُه به، فزَعَمَ أنَّه لا يَأْخُذُها إلَّا نُجُومًا.
فقال عمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: [يا يَرْفَأُ، خُذْ] 1 هذا المال فاجْعَلْه في بيتِ المالِ، وأدِّ إليه نُجُومًا في كُلِّ عام، وقد عَتَقَ هذا.
فلما رَأى ذلك سيدُه أخَذَ المال 2. وعن عثمانَ، رَضِيَ الله عنه، نحوُ هذا 3. ورَواه سعيدُ بنُ مَنْصورٍ، في «سُنَنِه» عن عمرَ وعثمانَ جميعًا، [قال: ثَنا] 4 هُشَيمٌ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، أنّ عثمانَ قَضَى بذلك.
ولأنّ الأجَلَ حَق لمَن عليه الدَّينُ، فإذا قَدَّمَه فقد رَضِيَ 5 بإسْقاطِ حَقِّه، فسَقَطَ، كسائِرِ

..................................  الحُقُوقِ.
فإن قيل: إذا عَلَّقَ عِتْقَ عبدِه على فعل في وقتٍ ففَعَلَه في غيرِه، لم يَعْتِقْ.
قُلْنا: ظك صِفَة مُجَرَّدَةٌ لا يَعْتِقُ إلَّا بوجودِها.
والكتابةُ مُعاوَضَةٌ يَبْرأُ 1 فيها بأداءِ العِوَضِ، فافْتَرقا، ولذلك لو أَبْرَأه مِن العِوَضِ في الكِتابةِ عَتَقَ، ولو أبرأه مِن المالِ في الصِّفَةِ المُجَرَّدَةِ لم يعْتِقْ.
قال شيخُنا 2: والأوْلَى، إن شاء اللهُ، ما قاله القاضي، في أنَّ ما كان في قبْضِه ضَرَر لم يَلْزَمْه قَبْضُه، ولم يَعْتِقْ ببَذْلِه؛ لِما ذَكَرَه مِن الضَّرَرِ الَّذي لم يَقْتضِه العَقْدُ.
وخَبَرُ عمرَ لا دَلالة فيه على وُجُوبِ قَبْضِ ما فيه ضَرَر.
ولأنَّ أصحابَنا قالوا: لو لَقِيَه في بلدٍ آخَرَ فدَفَعَ إليه نُجُومَ الكِتابةِ أو بَعضَها، فامْتَنَعَ مِن أخْذِها لضَرَرٍ فيه؛ مِن خَوْفٍ أو مُؤْنَةِ حَمْل، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لما عليه مِن الضَّرَرِ فيه، وإن لم يكُنْ فيه ضَرَرٌ لَزِمَه قَبْضُه.
كذا ههُنا.
وكلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على [ما إذا] 3 لم يكنْ في قَبْضِه ضَرَرٌ.
وكذلك قولُ الخِرَقِيِّ وأبي بكرٍ.
فصل: إذا أحْضَرَ المُكاتَبُ مال الكِتابةِ أو بَعْضَه ليُسَلِّمَه، فقال السيدُ: هذا حَرَامٌ، أو غَصْبٌ، لا أقْبَلُه منك.
سُئِلَ العَبدُ عن ذلك، فإن أقَرَّ به لم يَلْزَمِ السيدَ قَبُولُه؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه أخْذُ المُحَرَّمِ، ولا يَجُوزُ

..................................  له.
وإن أنْكَرَ، وكانت للسيدِ بَيِّنَةٌ بدَعْواه، لم يَلْزَمْه قَبُولُه وتُسْمَعُ بَيِّنَتُه؛ لأنَّ له حَقًّا في أن لا يَقْتَضِيَ دَينَه مِن حرامٍ، ولا يَأْمَنُ أن يَرْجِعَ صاحِبُه عليه به.
وإن لم تكُنْ له بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُ العَبْدِ مع يَمِينِه، فإن نَكَلَ عن اليَمِينِ لم يَلْزَمِ السيدَ قَبولُه أيضًا.
وإن حَلَفَ، قيل للسيدِ: إمَّا أن تَقْبِضَه، وإما أن تُبْرِئَه ليَعْتِقَ.
فإن قَبَضَه وكان تَمامَ كتابتِه عَتَقَ، ثم يُنْظَرُ؛ فإنِ ادَّعَى أنَّه حرامٌ مُطْلَقًا، لم يُمْنَعْ منه؛ لأنَّه لم يُقِرَّ به لأحدٍ، وإنَّما تَحْرِيمُه فيما بَينَه وبينَ اللهِ تعالى.
وإنِ ادَّعَى أنَّه غَصبَه مِن فُلانٍ، لَزِمَه دَفْعُه إليه؛ لأنَّ قولَه وإن لم يُقْبَلْ في حَقِّ المُكاتَبِ، فإنَّه يُقْبَلُ في حَقِّ نَفْسِه، كما لو قال رَجُلٌ لعبدٍ في يَدِ غيرِه: هذا حُر.
وأنْكَرَ ذلك مَن العبدُ في يَدِه، لم يُقْبَلْ قولُه عليه، فإنِ انْتَقَلَ إليه بسَبَبٍ مِن الأسبابِ، لَزِمَتْه حُرِّيَّتُه.
فإن أَبرَأه مِن مالِ الكِتابةِ، لم يَلْزَمْه قَبْضُه؛ لأنَّه لم يَبْقَ له عليه حَقٌّ.
وإن لم يُبْرِئْه ولم يَقْبِضْه، كان له دَفْعُ ذلك إلى الحاكِمِ، ويُطالِبُه بقَبْضِه، فينُوبُ الحاكِمُ في قَبْضِه عنه، ويَعْتِقُ العبدُ كما رَوَيناه عن عمرَ، وعثمانَ، رَضِيَ الله عنهما، في قَبْضِهِما مال الكتابةِ، حينَ امْتَنَعَ المُكاتِبُ مِن قَبْضِه.

وَلَا بَأَسَ أن يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ، وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ.
فصل: إذا كاتَبَه على جِنْسٍ لم يَلْزَمْه قَبْضُ غيرِه، فلو كاتَبَه على دَنانِيرَ لم يَلْزَمْه قَبْضُ دَراهِمَ ولا عَرْض.
وإن كاتَبَ (1) على عَرْضٍ مَوْصُوفٍ لم يَلْزَمْه قَبْضُ غيرِه.
وإن كاتبه (1) على نَقْدٍ، فأعْطاه مِن جِنْسِه خَيرًا منه، وكان يُنْفَقُ فيما يُنْفَقُ فيه الَّذي كاتَبَه عليه، لَزِمَه أخْذُه؛ لأنَّه زاده خيرًا، وإن كان لا يُنْفَقُ في بَعْضِ البُلْدانِ التي يُنْفَقُ فيها ما كاتَبَه عليه لم يَلْزَمْه قَبُولُه، لأنَّ عليه في ضَرَرًا.

2989 -

مسألة: (ولا بَأْسَ أن يُعَجِّلَ المُكاتَبُ لسيدِه، ويَضَعَ عنه بَعْضَ كتابَتِه)

مثلَ أن يُكاتِبَه على ألفٍ في نَجْمَين إلى سنةٍ، ثم قال: عَجِّلْ لي خَمْسَمائةٍ حتَّى أضَعَ عنك الباقِي.
أو: حتَّى أُبْرِئَك مِن الباقِي.
أو قال: صَالِحْنِي منه على خَمْسِمائَةٍ مُعَجَّلَةٍ.
جاز ذلك.
يقول طاوسٌ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وأبو حنيفةَ.
وكَرِهَهُ الحسنُ، وابنُ1

..................................  سِيرِينَ، والشَّعْبِيُّ.
وقال الشافعيُّ: لا يجوزُ؛ لأنَّ هذا بَيعُ ألفٍ بخَمْسِمائَةٍ، وهو رِبا الجاهليةِ؛ وهو أن يَزِيدَ في الدَّينِ لأجْلِ الأجَلِ، وهذا أيضًا هِبَةٌ.
و 1 لأنَّ هذا لا يجوزُ بينَ الأجَانِبِ، والرِّبَا يَجْرِي بينَ المُكاتَبِ وسيدِه، فلم يَجُزْ هذا بينَهما، كالأجانِبِ.
ولَنا، أنَّ مال الكِتابةِ غيرُ مُسْتَقِرٍ، ولا هو [دَين صَحِيحٌ] 2، بدليلِ أنَّه لا يُجْبَرُ على أدائه، وله أن يَمْتَنِعَ مِن أدَائِه، ولا تَصِحُّ الكَفالةُ به، وما 3 يُؤَدِّيه إلى سيدِه كسْبُ عبدِه، وإنَّما جَعَل الشَّرْعُ هذا العَقْدَ وَسِيلَةً إلى العِتْقِ، وأوْجَبَ فيه التَّأْجِيلَ مُبالغةً في تَحْصِيلِ العِتْقِ، وتَخْفِيفًا على المُكاتَبِ.
فإذا أمْكَنَه التَّعْجيلُ على وَجْهٍ يُسْقِطُ عنه بعضَ ما عليه، كان أبلَغَ في حُصُولِ العِتْقِ، وأخَفَّ على العَبْدِ، ويَحْصُلُ مِن السيدِ إسْقَاطُ بعضِ مالِه على عبدِه، ومِن اللهِ تعالى إسْقاطُ بعضِ 4 ما أوْجَبَه عليه مِن الأجَلِ لمصْلَحَتِه.
ويُفارِقُ سائرَ الدُّيُونِ بما ذَكَرنا، ويُفارِقُ الأجَانِبَ، مِن حيث إنَّ هذا عبدُه، فهو أشْبَهُ بعَبدِه القِنِّ.
وأمَّا قولُهم: إنَّ الرِّبا يَجْرِي بينَهما.

..................................  فيَمْنَعُه 1 ما ذَكَرَه ابنُ أبي موسى 2، وإن سَلَّمْنا، فإنَّ هذا مُفارِقٌ لسائِرِ 3 الرِّبا بما ذَكَرْناه، وهو يُخالِفُ رِبا الجاهِلِيَّةِ؛ فإنَّه إسْقاطٌ لبعضِ.
الدَّينِ، ورِبَا الجاهِليَّةِ زِيادَة في الدَّينِ تُفْضِي إلى نَفادِ مالِ المَدِينِ وتَحَمُّلِه ما يَعْجِزُ عن أدائِه 4 مِن الدَّينِ، فيُحْبَسُ مِن أجْلِه، وهذا يُفْضِي إلى تَعْجِيلِ عِتْقِ المُكاتَبِ وخَلاصِه مِن الرِّقِّ والتَّخْفِيفِ عنه، فافْتَرَقا.
فصل: فإنِ اتَّفَقا على الزِّيادَةِ في الأجَلِ والدَّينِ، مثلَ أن يُكاتِبَه على ألْفٍ في نَجْمَين إلى سنَةٍ يُؤَدِّي خَمسَمائةٍ في نِصْفِها والباقِيَ في 5 آخِرِها، فيَجْعَلانِها إلى سَنَتَين بألْفٍ ومائَتَين، في كلِّ سَنَةٍ سِتُّمائةٍ، أو مثلَ أن يَحِلَّ عليه نَجمٌ، فيقولَ: أخِّرْنِي إلى كذا وأزِيدُك كذا.
فلا يجوزُ؛ لأنَّ الدَّينَ (5) المُؤَجَّلَ إلى وَقْتٍ لا يَتَأْخرُ أجَلُه عن وَقْتِه باتفاقِهما عليه، ولا يَتَغَيَّرُ أجَلُه بتَغْييرِه، وإذا لم يَتأخَّرْ عن وَقْتِه لم تَصِحَّ الزِّيادَةُ التي في

..................................  مُقابَلَتِه، ولأنَّ هذا يُشْبِهُ رِبَا الجاهِليَّةِ المُحَرَّمَ، وهو الزِّيادَةُ في الدَّين للزِّيادَةِ في الأجَلِ.
ويُفارِقُ المسألَةَ الأُولَى مِن هذين الوَجْهَين.
فإن قِيلَ: فكما أنَّ الأجَلَ لا يَتَأخَّرُ، فكذلك لا يَتَعَجَّلُ، ولا يَصِيرُ المُؤَجَّلُ حالًا، فلِمَ جاز في المسألَةِ الأُولَى؟ قُلْنا: إنَّما جاز في المسألةِ الأُولَى بالتَّعْجِيلِ فِعْلًا، فإنَّه إذا دَفَعَ إليه الدَّينَ المُؤَجَّلَ قبلَ مَحِلِّه جازَ، وجاز للسيدِ إسقاطُ باقِي حَقِّه عليه، وفي هذه المسألةِ يأْخُذُ أكْثَرَ ممَّا وَقَعَ عليه العَقْدُ، فهو ضِدُّ المسألةِ الأُولَى.
وهو مُمْتَنِعٌ مِن وَجْهٍ آخَرَ، لأنَّ في ضِمْنِ الكتابةِ إنَّكَ متى أدَّيتَ إلَيَّ كذا فأنتَ حُرٌّ.
فإذا أدَّى إليه ذلك فيَنْبَغِي أن يَعْتِقَ.
فإن قِيلَ 1: فإذا غُيِّرَ الأجَلُ والعِوَضُ، فكأنَّهما فَسَخا الكِتابَةَ الأُولَى وجَعَلا كتابةً ثانِيةً.
قُلْنا: لم يَجْرِ 2 بينَهما فَسْخٌ؛ وإنَّما قَصَدا تَغْيِيرَ العِوَضِ والأجَلِ على وَجْهٍ لا يَصِحُّ، فبَطَلَ التَّغْيِيرُ وبَقِيَ العَقْدُ بحالِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ ذلك، كما في المسألَةِ الأُولَى.
فعلى هذا، لو اتَّفَقَا على ذلك ثم رَجَعَ أحَدُهما قبلَ التَّعْجِيلِ، فله الرُّجُوعُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ الدَّينَ المُؤَجَّلَ 3 لا يَتَأخَّرُ عن أجَلِه، ولا يَتَقَدَّمُ، وإنَّما له أن يُؤَدِّيَه قبلَ مَحِلِّه.
ولمَن له الدَّينُ تَرْكُ قَبْضِه في مَحِلِّه، وذلك إلى اخْتِيارِه.
فإذا وَعَد به ثم رَجَع قبلَ الفِعلِ فله ذلك.

وَإذَا أَدَّى وَعَتَقَ، فَوَجَدَ السَّيِّدُ بِالْعِوَضِ عَيبًا، فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَلَا يَرْتَفِعُ الْعِتْقُ.
فصل: وإن صالحَ المُكاتَبُ سيدَه عمَّا (1) في ذِمَّتِه بغيرِ جِنْسِه، مثْلَ أن يُصالِحَ عن النُّقودِ بحِنْطَةٍ أو شَعيرٍ، جاز، إلَّا أنَّه لا يَجُوزُ أن يُصالِحَه على شيءٍ مؤَجَّلٍ، لأنَّه يكونُ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ.
وإن صالحَه عن الدَّراهِمِ بدنانِيرَ، أو عن الحِنْطَةِ بشَعيرٍ، لم يَجُزِ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، لأنَّ هذا بَيعٌ في الحقيقَةِ فيُشْتَرَطُ له القبضُ في المجلِسِ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أنْ لا تَصِحَّ هذه المُصالحةُ مُطْلَقًا، لأنَّ هذا دَينٌ (2) مِن شَرْطِه التَّأجِيلُ، فلم تَجُزِ المُصالحَةُ عليه بغيرِه، ولأنَّه دَينٌ غيرُ مُسْتَقِرٍّ، فهو كدَينِ السَّلَمِ.
وقال ابنُ أبي موسى: لا يجري الرِّبَا بينَ المُكاتَبِ وسيدِه.
فعلى قولِه: تجوزُ المُصالحَةُ كيفَما كانت كما تَجُوز بينَ العبدِ القِنِّ وسيدِه.
والأَوْلَى ما ذَكَرْناه.
ويُفارِقُ دَينُ الكِتابةِ دَينَ السَّلَمِ، فإنَّه يُفارِقُ سائِرَ الدُّيُونِ بما ذَكَرْنا في هذه المسألةِ، فمُفارَقَتُه لدَينِ السَّلَمِ أعْظَمُ.

2990 -

مسألة: (وإذا أدَّى وعَتَقَ، فوجَدَ السيدُ بالعِوَضِ عيبًا، فله أَرْشُه أو قِيمَتُه، ولا يَرْتَفِعُ العِتْقُ)

وجملةُ ذلك، أنَّ المُكاتَبَ إذا دَفَعَ12

..................................  العِوَضَ في الكتابةِ فبانَ مُسْتَحَقًّا، تَبَيَّنَ أنَّه لم يَعْتِقْ، وكان وُجُودُ هذا الدَّفع كعدَمِه، لأنَّه لم يُؤَدِّ الواجِبَ عليه، وقيلَ له: إن أدَّيتَ الآنَ، وإلَّا فُسِخت كِتابتُك.
وإن كان قد مات بعدَ الأداءِ، فقد مات عَبْدًا، فإن بانَ مَعِيبًا، مثلَ أن كاتَبَه على عُرُوضٍ مَوْصُوفَةٍ، فقَبَضَها، فأصابَ بها عَيبًا بعدَ قَبْضِها، نَظَرْتَ؛ فإن رَضِيَ بذلك وأمْسَكَها اسْتَقَرَّ العِتْقُ.
فإن قيل: كيف 1 يَسْتَقِرُّ العِتْقُ ولم يُعْطِه جَمِيعَ ما وَقَعَ عليه العَقْدُ؛ فإنَّ ما يُقابِلُ العَيبَ لم يَقْبِضْه، فأشْبَهَ ما لو كاتَبَه على عَشرَةٍ، فأعْطاه تِسْعَةً.
قُلْنا: إمساكُه العَيبَ راضِيًا به رضًا منه بإسقاطِ حَقِّه، فجرَى مَجرَى إبْرائِه مِن بَقِيَّةِ كِتابَتِه.
وإنِ اخْتارَ إمساكَه وأخْذَ أَرْشِ العَيبِ.، أو رَدَّه، فله ذلك.
قال أبو بكرٍ: وقياسُ قولِ أحمدَ أنَّه لا يَبْطُلُ العِتْقُ، وليس له الرَّدُّ وله الأرْشُ، لأنَّ العِتْقَ إتْلافٌ واسْتِهلاك، فإذا حُكِمَ بوُقوعِه لم يَبْطُلْ، كعَقْدِ الخُلْعِ، ولأنَّه ليس المَقْصُودُ منه المال، فأشْبَهَ الخُلْعَ.
وقال القاضي:

..................................  يتَوَجَّهُ أنَّ له الرَّدَّ، ويُحْكَمُ بارتفاعِ العِتْقِ الواقِعِ؛ لأنَّ العِتْقَ إنَّما يَسْتَقِرُّ باسْتِقْرارِ الأَدَاءِ، وقد ارْتَفَعَ الأداءُ، فارْتَفَعَ العِتْقُ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الكِتابَةَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ يلْحَقُه الفَسْخُ بالتَّراضِي، فوَجَبَ أن يُفْسَخَ بوُجودِ العَيبِ، كالبَيعِ.
وإنِ اخْتارَ إمساكَه وأخْذَ الأَرشِ فله ذلك، وتَبَيَّنَ أنَّ العِتقَ لم يَقَعْ؛ لأنَّنا تَبَيَّنًا أنَّ ذِمَّتَه لم تَبْرَأْ مِن مالِ الكِتابةِ، ولا يَعْتِقُ [قبلَ ذلك، وظَنُّ] 1 وُقُوعِ العِتْقِ لا يُوقِعُه إذا بأن الأمْرُ بخِلافِه؛ كما لو بأن العِوَضُ مُسْتَحَقًّا.
وإن تَلِفَتِ العَينُ عندَ السيدِ، أو حَدَثَ بها عندَه عَيبٌ، اسْتَقَرَّ أَرشُ العَيبِ، والحُكْمُ في ارتِفَاعِ العِتْقِ على ما ذَكَرنا فيما مَضَى.
ولو قال السيدُ لعبدِه: إن أعْطَيتَنِي عبدًا فأنتَ حُرٌّ.
فأعْطاه عبدًا، فبان حرًّا أو مُسْتَحَقًّا، لم يَعْتِقْ بذلك؛ لأنَّ معناه: إن أعْطَيتَنِيه مِلْكًا، ولم يُعْطِه إيَّاه مِلْكًا، ولم يُمَلِّكْه إيَّاه.

فَصْلٌ: وَيَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ أَكْسَابَهُ، وَمَنَافِعَهُ، وَالشِّرَاءَ، وَالْبَيعَ، وَالإِجَارَةَ، وَالاسْتِئْجَارَ، وَالسَّفَرَ، وَأَخْذَ الصَّدَقَةِ، وَالإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَرَقِيقِهِ، وَكُلَّ مَا فِيهِ صَلَاحُ المَالِ.
فصل: وإذا دَفَعَ إليه مال الكتابةِ ظاهِرًا، فقال له السيدُ: أنتَ حُرٌّ.
أو قال: هذا حُرٌّ.
ثم بان العِوَضُ مُسْتَحَقًّا، لم يَعْتِقْ بذلك، لأنَّ ظاهِرَه الإِخْبارُ عمَّا حَصَلَ له بالأداءِ، فلو ادَّعَى المُكاتَبُ أنَّ السيدَ قَصَدَ بذلك عِتْقَه، وأنْكَرَ السيدُ، فالقولُ قولُ السيِّدِ مع يَمينه؛ لأنَّ الظاهِرَ معه، وهو أَخبَرُ بما نوى.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (وَيَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ أَكْسَابَهُ، وَمَنَافِعَهُ، وَالشِّرَاءَ، وَالْبَيعَ، وَالإِجَارَةَ، وَالاسْتِئْجَارَ، وَالسَّفَرَ، وَأَخْذَ الصَّدَقَةِ، وَالإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَرَقِيقِهِ، وَكُلَّ مَا فِيهِ صَلَاحُ المَالِ)

..................................  يَمْلِكُ المُكاتَبُ أَكْسابَه ومنافِعَه، والشراءَ والبَيعَ، بإِجْماعِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ عَقْدَ الكِتابةِ لتَحْصِيلِ العِتْقِ، ولا يَحْصُلُ إلَّا بأداءِ عِوَضِه، ولا يُمْكِنُه الأداءُ إلَّا بالاكْتِسابِ، والبَيعُ والشِّراءُ مِن أقْوَى جِهَاتِ الاكتِسابِ، فإنَّه قد جاء في بعضِ الآثارِ أنَّ تِسْعَةَ أعشار الرِّزْقِ في التجارَةِ 1، ويَمْلِكُ الإِجارَةَ والاسْتِئْجارَ قِياسًا على البَيعِ والشِّراءِ، ويَمْلِكُ السَّفَرَ قَرِيبًا كان أو بَعيدًا.
وهذا قولُ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والحسنِ بنِ صالح، وأبي حنيفةَ.
وقد أطْلَقَ أصْحابُنا القولَ في ذلك، ولم يُفَرِّقُوا بينَ السَّفَرِ الطويل وغيرِه.
وقياسُ المذهبِ، أنَّ له مَنْعَه مِن سَفرٍ تَحِلُّ نُجُومُ كتابتِه قبلَه؛ لأنَّه يَتَعَذَّرُ معه اسْتِيفاءُ النُّجُومِ في وَقْتِها والرُّجُوعُ في رِقِّه عندَ عَجْزِه، فمُنِعَ منه، كالغَرِيمِ الَّذي يَحِلُّ الدَّينُ عليه قبلَ مُدَّةِ سَفرِه.
واخْتَلَفَ [قولُ الشافعيِّ] 2، فقال في موضع: له السَّفَرُ.
وقال في موضعٍ: ليس

فَإِنْ شَرَطَ عَلَيهِ أَلَّا يُسَافِرَ، وَلَا يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ، فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
له السَّفَرُ، [فيكونُ فيها قولان، قاله بعضُ أصحابِه.
وقال بعضُهم: ليست على قولين، إنما هي على اختلافِ حالين؛ فالوضِعُ الَّذي قال: له السفرُ] (1). إذا كان قصيرًا؛ لأنَّه في حُكْمِ الحَاضِرِ، والموْضِعُ الَّذي مَنَعَ منه، إذا كان بعيدًا يَتَعَذَّرُ معه اسْتِيفاءُ نُجُومِه والرُّجُوعُ في رِقِّه عندَ عَجْزِه.
ولَنا، أنَّ المُكاتَبَ في يَدِ نَفْسِه، وإنَّما للسيدِ عليه دَينٌ، فأشْبَهَ الحُرَّ المَدِينَ، وما ذَكَروه لا أصْلَ له، ويَبْطُلُ بالحُرِّ الغَرِيمِ.
وله أخْذُ الصَّدَقَةِ الواجِبَةِ والمُسْتَحَبَّةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى جَعَل للمُكاتَبِينَ الأخْذَ مِن الواجِبَةِ.
وإذا جاز الأخْذُ مِن الواجِبَةِ فالمُسْتَحَبَّةُ أوْلَى.

2991 -

مسألة: (وَإِنْ شَرَطَ عَلَيهِ أَلَّا يُسَافِرَ، وَلَا يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ، فَهَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ؟ عَلَى وَجْهَينَ)

إذا شَرَطَ السيدُ على مُكاتَبِه أن لا يسافِرَ، فقال القاضي: الشَّرْطُ باطِلٌ.
وهو قولُ الحسنِ، وسعيدِ بن جُبَيرٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّه يُنافِي مُقْتَضَى العقْدِ، فلم يَصِحَّ شَرْطُه، كشَرْطِ تَرْكِ الاكتسابِ، ولأنَّه غرِيمٌ، فلم يَصِحَّ1

..................................  شَرْطُ 1 تَرْكِ السَّفَرِ عليه، كما لو أقْرَضَ لرجلٍ قَرْضًا بشَرْطِ أن لا يسافِرَ.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَصِحُّ الشَّرْطُ، وله مَنْعُه مِن السَّفَرِ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 2. ولأنَّه شَرْطٌ له فيه فائِدَةٌ، فلَزِمَ، كما لو شَرَطَ نَقْدًا مَعْلومًا.
وبيانُ فائِدَتِه، أنَّه لا يأْمَنُ إباقَه وأنَّه لا يَرْجِعُ إلى سيدِه، فيَفُوتُ العَبْدُ والمالُ الذي عليه.
ويُفارِقُ القَرْضَ، فإنَّه عَقْدٌ جائِزٌ مِن جانِبِ المُقْرِضِ، متى شاء طالبَ بأخذِه ومَنَعِ الغَرِيمَ السَّفَرَ قبلَ إيفائِه 3، فكان المَنْعُ مِن السَّفَرِ حاصِلًا بدُونِ شرْطِه، بخِلافِ الكِتابَةِ، فإنَّه لا يُمْكِنُ السيدَ مَنْعُه مِن السَّفَرِ إلَّا بشَرْطِه، وفِيه حِفْظُ عبدِه ومالِه، فلا يُمْنَعُ مِن تَحْصِيلِه.
وهذا أصَحُّ، إن شاء اللهُ تعالى.
فعلى هذا الوَجْهِ، لسيدِه مَنْعُه مِن السَّفَرِ فإن سافر بغيرِ إذْنِه فله رَدُّه إن أمْكَنَه، وإن لم يُمْكِنْه رَدُّه، احْتَمَلَ أنَّ له تَعْجِيزَه ورَدَّه إلى الرِّقِّ؛ لأنَّه لم يَفِ بما شُرِط عليه، أشْبَه ما لو لم يَفِ بأداءِ الكِتابَةِ، واحْتَمَلَ أن لا يَمْلِكَ ذلك، لأنَّه مُكاتَبٌ كِتابةً، صَحِيحةً لم يَظْهَرْ عَجْزُه، فلم يَمْلِكْ تَعْجِيزَه، كما لو لم يَشْرُطْ عليه.

..................................  فصل: وإن شَرَطَ عليه أن لا يسألَ الناسَ، فقال أحمدُ: قال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ: هم على شُرُوطِهِم.
إن رأيتَه يسألُ تنهاهُ، فإن قال: لا أعُودُ.
لم يَرُدَّه عن كِتابتِه في مَرَّةٍ.
فظاهِرُ هذا، أنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ لازِم، وأنَّه إن خالفَ مَرَّةً لم يُعَجِّزْه، وإن خالفَ مَرَّتَين أو أكثرِ فله تَعْجِيزُه.
قال أبو بكرٍ: إذا رآه يسألُ مَرَّةً في مَرَّةٍ عَجَّزَه، كما إذا حَلَّ نجْمٌ في نَجْمٍ عَجَّزَه.
فاعْتَبَرَ المُخالفَةَ في مَرَّتَين كحُلولِ نَجْمَين، وإنَّما صَحَّ الشَّرْطُ، لقولِه،

..................................  عليه الصلاة والسلامُ: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهم».
ولأنَّ له في هذا فَائِدَةً وغَرَضًا صَحِيحًا، وهو أن لا يكونَ كَلًّا على الناسِ، ولا يُطْعِمَه مِن صَدَقَتِهم وأوْساخِهِم.
وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ، أنَّه لا يَصِحُّ الشَّرْطُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ للمُكاتَبِ سَهْمًا مِن الصَّدَقَةِ، بقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (1). وهم المُكاتَبون، فلا يَصِحُّ اشْتِراطُ تَرْكِ طَلَب ما جَعَلَه اللهُ له.

2992 -

مسألة: وله الإِنْفاقُ على نَفْسِه وولَدِه ورَقِيقِه، وكلِّ ما فيه صَلاحُ المالِ؛

لأنَّ له التَّصَرُّفَ في المالِ بما يَعودُ بمصْلَحَتِه ومَصْلَحةِ مالِه، والإِنْفاق على نَفْسِه ووَلَدِه ورَقِيقِه مِن أهمِّ المصالِحِ، فيُنْفِقُ عليهم ما يحتاجون إليه؛ من مأكَلِهم ومَشربِهم وكِسْوَتِهم بالمَعْرُوفِ، ممَّا لا غِنَى لهم عنه، والحيوانِ الذي له.
وله تأدِيبُ عَبيدِه وتعزِيرُهم، إذا فَعَلوا ما يَسْتَحِقُّون ذلك؛ لأنَّه مِن مَصْلَحَةِ مِلْكِه، فمَلَكَه، كالنَّفَقَةِ عليهم، ولا يَمْلِكُ إقامَةَ الحدِّ عليهم؛ لأنَّه مَوْضِعُ ولايَةٍ، وما هو مِن أهْلِها.
وله أن يَخْتِنَهم؛ لأنَّه مِن مَصْلَحَتِهم.
وله المُطَالبَةُ بالشُّفْعَةِ، والأخْذُ بها؛ لأنَّه نَوْعُ شِراءٍ، فإن كان المُشْتَرِي للشِّقْصِ سيدَه فله أخذُه منه؛ لأنَّ له أن يشتريَ منه.
وإنِ اشْتَرَى المُكاتَبُ شِقْصًا لسيدِه فيه شَرِكَةٌ، فله أخْذُه مِن المُكاتَبِ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّه مع سيدِه في بابِ البَيعِ والشِّراءِ كالأجْنَبِيِّ.1

وَلَيسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَلَا يَتَسَرَّى، وَلَا يَتَبَرَّعَ، وَلَا يُقْرِضَ، وَلَا يُحَابِيَ، وَلَا يَقْتَصَّ مِنْ عَبْدِهِ الْجَانِي عَلَى بَعْضِ رَقِيقِهِ، وَلَا يُعْتِقَ وَلَا يُكَاتِبَ إلا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَوَلَاءُ مَنْ يُعْتِقُهُ وَيُكَاتِبُهُ لِسَيِّدِه.
وإن وَجَبَتْ للسيدِ على مُكاتَبه شُفْعَةٌ، فأدَّعَى المُكاتَبُ أنَّ سيدَه عَفا عنها، سُمِعَتْ دَعْواه.
وإن أنْكَرَه السيدُ، كان عليه اليَمِينُ.
وإن أذِنَ السيدُ لمُكاتَبِه في البَيعِ بالمحاباةِ، صَحَّ منه، وكان لسيدِه الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ بَيعَه بالمحاباةِ مع إذنِ 1 سيدِه فيه صَحِيحٌ.
ويَصِحُّ إقرارُ المُكاتَبِ بالبَيعِ والشِّراءِ والعَيبِ والدَّينِ؛ لأنَّه يَصِحُّ تصَرُّفُه فيه بذلك، ومَن مَلَكَ شيئًا مَلَكَ الإِقْرارَ به.

2993 -

مسألة: (وليس له أن يَتَزَوَّجَ، ولا يَتَسَرَّى، ولا يَتَبرعَ، وَلَا يُقْرِضَ، ولا يحابِيَ، ولا يَقْتَصَّ عبدِه الجانِي على بَعْضِ رَقِيقِه، وَلَا يُعْتِقَ ولا يُكاتِبَ إلَّا بإذْنِ سَيدِه، وولاءُ من يُعْتِقُه ويُكاتِبُه لسيدِه)

وجملةُ ذلك، أنَّ المُكاتَبَ ليس له أن يَتَزَوَّجَ إلَّا بإذْنِ سيدِه.

..................................  وهو قولُ الحسنِ، ومالكٍ، واللَّيثِ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأبي يوسفَ.
وقال الحسنُ بنُ صالحٍ: له ذلك؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيعَ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بغَيرِ إذْنِ مَوَالِيهِ 1 فَهُوَ عَاهِرٌ» 2. ولأنَّ على السيدِ فيه 3 ضَرَرًا، لأنَّه إن عَجَزَ رَجَعَ إليه ناقِصَ القِيمَةِ، ويَحْتاجُ أن يُؤَدِّيَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ مِن كَسْبِه، فيَعْجِزُ عن أداءِ نُجُومِه، فيُمْنَعُ مِن ذلك، كالتَّبَرُّعِ به.
فعلى هذا، إذا تَزَوَّجَ لم يَصِحَّ.
وقال الثَّوْرِيُّ: نِكاحُه مَوْقُوفٌ، إن أدَّى تَبَيَّنّا أنَّه كان صَحِيحًا، وإن عَجَزَ فنِكاحُه باطِلٌ.
ولَنا، الخبرُ، ولأنَّه تَصَرُّفٌ مُنِعَ منه للضَّرَرِ، فلم يَصِحَّ، كالهِبَةِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُفَرَّقُ بينَهما، ولا مَهْرَ لها إن كان قبلَ الدُّخُولِ، وإن كان بعدَه فعليه مَهْرُ المِثْلِ، يُؤَدَّى مِن كَسْبِه، كجِنايَتِه.
فإن أتَتْ بولدٍ، لَحِقَه نَسبُه؛ لأنَّه مِن وَطْءٍ في نِكاحٍ فاسِدٍ.
فإن كانتِ المرأةُ حُرَّةً فهو حُرٌّ.
وإن كانت أمةً فهو رَقيقٌ لسيدِها.
فإن أذِنَ له سيدُه

..................................  في النِّكاحِ صَحَّ، في قولِ الجميعِ؛ فإنَّ الخَبَرَ يَدُلّ بمَفْهُومِه على أنَّه يَصِحُّ إذا أذِنَ له؛ لأنَّ المَنْعَ مِن نِكاحِه لِحَقِّ السيدِ، فإذا أذِنَ فيه زال المَانِعُ.
وقياسًا على ما إذا أذِنَ لعبدِه القِنِّ.
فصل: وليس له التَّسَرِّي بغيرِ إذْنِ سيدِه؛ لأنَّ مِلْكَه نَاقِصٌ.
وقال الزُّهْرِيُّ: لا يَنْبَغِي لأهلِه أن يَمْنَعُوه مِن التَّسَرِّي.
ولَنا، أنَّ على السيدِ فيه ضررًا، فمُنِعَ منه، كالتَّزْويجِ.
وبيانُ الضَّرَرِ، أنَّه ربَّما أحْبَلَها، والحَمْلُ عَيبٌ في بَناتِ آدمَ، وربَّما تَلِفَتْ، ورُبَّما وَلَدت فصارَت أُمَّ وَلَدٍ، يَمْتَنِعُ عليه بَيعُها في أداءِ كِتابَتِه، فإن عَجَزَ 1 رَجَعَتْ إلى سيدِه 2 ناقِصَةً.
وإذا مُنِعَ مِن التِّزويجِ لضَرَرِه، فهذا أوْلَى.
فإن أذِنَ له سيدُه جاز.
وقال الشافعيُّ: لا يَجُوزُ.
في أحدِ القَوْلين، لأنَّه أمرٌ يَضُرُّ به، ورُبَّما أفْضَى إلى مَنْعِه مِن العِتْقِ، فلم يَجُزْ بإذْنِ السيدِ.
ولَنا، أنَّه [ناقِصُ المِلْكِ، فلم يَجُزْ له التَّسَرِّي، كوَطْءِ الجاريةِ المشترَكَةِ.
ولَنا على الشافعيِّ، أنَّه] 3 لو أذِنَ لعَبدِه القِنِّ في التَّسَرِّي جاز، فالمُكاتَبُ 4 أوْلَى.
ولأنَّ المَنْعَ كان

..................................  [لضَرَرِ السيدِ] 1، فجاز بإذْنِه كالتَّزْويجِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن تَسَرَّى بإذنِ سيدِه أو بغيرِ إذْنِه، فلا حَدَّ عليه؛ لشُبْهَةِ المِلْكِ، ولا مَهْرَ عليه؛ لأنَّه لو وَجَبَ لوَجَبَ له، ولا يَجِبُ على الإِنسانِ شيءٌ لنَفْسِه.
فإن وَلَدَتْ فالنَّسَبُ لاحِقٌ به؛ لأنَّ الحَدَّ إذا سَقَطَ للشُّبْهَةِ لَحِقَه النَّسَبُ، ويكونُ الوَلَدُ مَمْلُوكًا له؛ لأنَّه ابنُ أمَتِه، ولا يَعْتِقُ عليه، لأنَّ مِلْكَه غيرُ تامٍّ، وليس له بَيعُه؛ لأنَّه وَلَدُه، ويكونُ مَوْقُوفًا على كِتابَتِه.
فإن أدَّى عَتَقَ وعَتَقَ الوَلَدُ؛ لأنَّه مِلْكٌ لأبِيه الحُرِّ، وإن عَجَزَ وعاد إلى الرِّقِّ، فولَدُه رَقِيقٌ أيضًا، ويكونان مَمْلُوكَين للسيدِ.
فصل: وليس له 2 أن يُزَوِّجَ عَبِيدَه وإماءَه بغيرِ إذْنِ سيدِه.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وذُكِرَ عنِ مالكٍ، أنَّ له ذلك، إذا كان على وَجْهِ النَّظَرِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على منْفعَةٍ، فمَلَكَه، كالإِجارَةِ.
وحُكِيَ عن القاضِي أنَّه قال في «الخِصالِ»: له تَزْويجُ الأمَةِ دُونَ العَبْدِ؛ لأنَّه يأخُذ عِوَضًا عن تَزْويجِها، بخِلافِ العَبْدِ، ولأنه عَقْدٌ على منافِعِها، أشْبَهَ إجارَتَها.
ولَنا، أنَّ على السيدِ فيه [ضَرَرًا؛ لأنَّه] 3 إِن

..................................  زَوَّجَ العَبْدَ لَزِمَتْه نَفَقَةُ امرَأتِه ومَهْرُها، وشَغَلَه بحقوقِ النِّكاحِ، ونَقَصَ قِيمَتَه، وإن زَوَّجَ الأمَةَ مَلَكَ الزَّوْجُ بُضْعَها، ونَقَصَتْ قِيمَتُها؛ وقَلَّتِ الرَّغَباتُ 1 فيها.
وربَّما امْتَنَعَ بَيعُها بالكُليَّةِ، وليس ذلك مِن جِهاتِ المَكاسِبٍ، فربَّما أعْجَزَه ذلك عن أداءِ نُجُومِه، وإن عَجَزَ عاد رَقيقًا للسيدِ مع ما تَعَلَّقَ بهم مِن الحقوقِ ولَحِقَهم مِن النَّقْصِ.
وفارَقَ الإِجارَةَ، فإنَّها مِن جهاتِ المَكاسِبِ عادةً.
فعلى هذا، إن وَجَبَ تَزْويجُهم لطَلَبِهم ذلك 2 وحاجَتِهم إليه، باعَهُم، فإن العبدَ متى طَلَبَ التَّزْويجَ خُيِّرَ سيدُه بينَ بَيعِه وتَزْويجِه، وإن أذِنَ السيدُ في ذلك جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ له، والمَنْعَ منه.
فصل: وليس له اسْتِهْلاك مالِه ولا هِبَتُه.
وبهذا 3 قال الحسنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه مخالفًا 4، لأنَّ حَقَّ سيدِه لم يَنْقَطِعْ عنه، لأنَّه قد يَعْجِر فيَعُودُ إليه، ولأنَّ

..................................  القَصْدَ مِن الكتابَةِ تَحْصيلُ العِتْقِ بالأداءِ، وهِبَةُ مالِه تُفَوِّتُ ذلك، وتَجُوزُ بإذْنِ سيدِه.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَجُوزُ؛ لأنَّه يَفُوتُ المقصودُ بالكِتابَةِ.
وعن الشافعيِّ، كالمذهبين.
ولَنا، أنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما، فجاز باتِّفاقِهما، كالراهِنِ والمُرْتَهِنِ.
ولا تَصِحُّ الهِبَةُ بالثَّوابِ.
وقال الشافعيُّ في أحَدِ قوْلَيه: تَصِحُّ؛ لأنَّ فيها مُعاوَضَة.
ولَنا، أنَّ الاخْتِلافَ في تَقْديرِ الثَّوابِ يُوجِبُ الغَرَرَ، ولأنَّ عِوَضَها يتأخَّرُ، فهو كالبَيعِ نَسِيئةً.
وإن أذِنَ [السيدُ فيها] 1 جازَت، ولذلك إن وَهَبَ لسيدِه أو لابنِ سيدِه الصَّغيِرِ جاز؛ لأنَّ قَبُولَه للهِبَةِ إذْنٌ فيها.
وليس له أن يُحابِىَ في البيعِ، ولا يَزِيدَ في الثَّمنِ الذي اشْتَرَى به؛ لأنَّه إتْلافٌ للمالِ على سيدِه، فأشبَهَ الهِبَةَ.
ولا يجوزُ له أن يُعِيرَ دابَّتَه، ولا يُهْدِيَ هَدِيَّةً.
وأجاز ذلك أصحابُ الرَّأْي.
ويَحْتَمِلُ جوازُ إعارَةِ دابَّتِه وهَدِيَّةِ المأكولِ، ودُعائِه إليه، كالمأذُونِ له؛ لأنَّ المُكاتَبَ لا يَنْحَطُّ عن دَرَجَتِه.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه تَبَرُّعٌ

..................................  بمالِه، فلم يَجُزْ، كالهِبَةِ.
وليس له أن يُوصِيَ بمالِه، ولا يَحُطَّ عن المُشْتَرِي شيئًا، ولا يُقْرِضَ، لأنَّه يُعَرِّضُه للإتلافِ، ولا يَضْمَنَ، ولا يتَكَفَّلَ بأخْذٍ.
وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ ذلك تَبَرُّعٌ بمالِه، فهو كالهِبَةِ، ولا يَقْتَصُّ 1 مِن عبدِه الجاني على بعضِ رَقِيقِه.
ذَكَره أبو بَكْرٍ [وأبو الخَطَّاب] 2؛ لأنَّ فيه إتْلافَ المالِ على سيدِه.
وقال القاضي: له أن يَقْتَصَّ (1) مِن الجُناةِ عليه وعلى رَقِيقِه، ويأْخُذَ الأرْشَ؛ لأنَّ فيه مَصْلَحَتَه.
فصل: ولا يُعْتِقُ رَقِيقَه إلَّا بإذْنِ سيدِه.
وبه قال الحسنُ، والأوْزَاعِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا على سيدِه بتَفْويتِ مالِه فيما لا يَحْصلُ له به مالٌ، أشْبَهَ الهِبَةَ.
فإن أعْتَقَ لم يَصِحَّ إعْتاقُه.
ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ ويَقِفَ على إذْنِ سيدِه.
وقال أبو بكرٍ: هو مَوْقُوفٌ على آخِرِ أمرِ المُكاتَبِ، فإن أدَّى عَتَقَ مُعْتَقُه، وإن لم يُؤَدِّ رَقَّ.

..................................  قال القاضي: هذا قياسُ المذهبِ، كقَوْلِنا في ذَوي الأرْحامِ أنَّهم مَوْقُوفُونَ.
ولَنا، أنَّه تَبَرُّعٌ بمالِه بغَيرِ إذْنِ سيدِه، فكان باطِلًا، كالهِبَةِ.
ولأنَّه تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا مُنِعَ منه لِحَقِّ سيدِه، فكان باطِلًا، كسائِرِ ما مُنِعَ منه.
ولا يَصِحُّ قياسُه على ذَوي أرْحامِه؛ لأنَّ عِتْقَهم ليس بتَصَرُّفٍ منه، وإنَّما يُعْتِقُهم الشَّرْعُ على مالِكِهم بمِلْكِهم، والمُكاتَبُ مِلْكُه نَاقِصٌ، فلم يَعْتِقُوا به، فإذا عَتَقَ كَمَلَ مِلْكُه، فعَتَقُوا حِينَئِذٍ.
والمُعْتَقُ إنَّما يَعْتِقُ بالإعْتاقِ الذي كان باطِلًا، فلا تَتَبَيَّنُ صِحَّتُه إذا كَمَلَ المِلْكُ، لأنَّ كمال المِلْكِ في الثاني لا يُوجِبُ كونَه كامِلًا حينَ الإعْتاقِ، ولذلك لا يَصِحُّ سائِرُ تَبَرُّعاتِه بأدائِه، فإن أذن فيه سيدُه صَحَّ.
وقال الشافعيُّ، في أحدِ قولَيه: لا يصحُّ، لأنَّ تَبَرُّعَه بمالِه يُفَوِّتُ المَقْصُودَ مِن كِتابَتِه، وهو العِتْقُ

..................................  الذي هو حَقٌّ لله تعالى أو فيه حَقٌّ له، فلا يجوزُ تَفْويتُه، ولأنَّ العِتْقَ لا يَنْفَكُّ مِن الولاءِ، وليس مِن أهلِه، ولأنَّ مِلْكَ المكاتَبِ نَاقِصٌ، والسيدُ لا يَمْلِكُ إعْتاقَ ما في يَدِه ولا هِبَتَه، فلم يَصِحَّ إذْنُه فيه.
ولَنا، أنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما، فإذا اتَّفَقَا على التَّبَرُّعِ به جازَ، كالرَّاهِنِ والمُرْتَهِنِ.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالنِّكاحِ؛ فإنَّه لا يَمْلِكُه ولا يَمْلِكُه السيدُ عليه، وإذا أذِنَ فيه جازَ.
وأما الولاءُ فإنَّه يكونُ مَوْقُوفًا؛ فإن عَتَقَ 1 المُكَاتَبُ كان 2 له، وإلَّا فهو لسيدِه، كما يَرِقُّ ممالِيكُه مِن ذَوي أرْحامِه.
هذا قولُ القاضي.
وقال أبو بكرٍ: يكونُ لسيدِه؛ لأنَّ 3 إعْتاقَه إنَّما صَحَّ 4 بإذْنِ سيدِه، فكان كنائِبهِ.

جارٍ التحميل