وَإنْ قَال المُدَّعِي: لِي بَيَنةٌ.
بَعدَ قَوْلِهِ: مَا لِي بَيَنةٌ.
لَمْ تُسْمَعْ.
ذَكَرَهُ الخِرَقِيّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُسْمَعَ.
4882 - مسألة: (وإن قال المُدَّعِي: لي بَينة. بعد قولِه: ما لي بينة. لم تُسْمَعْ. ذَكَرَه الخِرَقي)
لأنَّه أكْذَبَ بَيِّنتَه، لكونِه أقَرَّ أنَّه لا يَشْهَدُ له أحدٌ، فإن شَهِد له إنْسان، كان تَكْذِيبًا له (ويَحْتَمِلُ أن تُقْبَلَ) لأنَّه
.................................. يجوز أن يَنْسَى، أو 1 يكونَ الشاهِدان سَمِعا منه، وصاحِب الحقِّ لا يَعْلَمُه، فلا يثْبِتُ ذلك أنَّه كَذبَ نفسَه.
وَإنْ قَال: مَا أعْلَمُ لِي بَينةً.
ثُمَّ قَال: قَدْ عَلِمتُ لِي بَيَنةً.
سُمِعَتْ.
وإنْ قَال شَاهِدَانِ: نَحْنُ نَشْهَدُ لَكَ.
فَقَال: هَذَانِ بَيِّنتِي.
سُمِعَتْ.
وَإنْ قَال: مَا أرِيدُ أن تَشْهَدَا لِي.
لَمْ يُكَلَّفْ إِقَامَةَ البَينةِ.
4883 - مسألة: (وإن قال: لا أعْلَمُ لي بَينةً. ثم قال: قد عَلِمْتُ لي بَينةً. سُمِعَتْ)
لأنه يجوزُ أن تكونَ له بَينة لم يَعْلَمْها، ثم عَلِمَها.
4884 -
مسألة: (وإن قال شاهدان: نحن نَشْهَدُ لكَ. فقال: هذان بَينتِي. سُمِعَتْ)
قاله أبو الخَطَّابِ؛ لِما ذَكَرْنا.
4885 -
مسألة: (وإن قال: ما أرِيدُ أن تَشْهَدَا لي. لم يُكَلَّفْ إقامَةَ البَيِّنةِ)
لأنَّه أسْقَطَ حقَّه منها.
وَإنْ قَال: لِي بَيَنةٌ وَأرِيدُ يَمِينَهُ.
فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً، فَلَهُ إحْلَافُهُ.
وَإنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فَإن حَلَفَ المُنْكِرُ ثُمَّ أحْضَرَ المُدَّعِي بَيَنةً، حُكِمَ بِهَا، وَلَمْ تَكُنِ اليَمِينُ مُزيلَةً لِلْحَقِّ.
4886 - مسألة: (وإن قال: لي بَيِّنة وأرِيدُ يمينَه. فإن كانت غائِبَةً، فله إحلافُه، وإن كانت حاضِرَةً، فهل له ذلك؟ على وَجْهَين)
إذا قال المُدَّعِي: لي بَيِّنة غائبة.
قال له 1 الحاكمُ: لكَ يمينُه، فإن شِئْتَ فاسْتَحْلِفْه، وإن شِئْتَ أخَّرْتُه إلى أن تُحْضِرَ بَينتَكَ، وليس لكَ مُطالبَتُه بكفيل، ولا مُلازَمَتُه حتى تُحْضِرَ البَينةَ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ، لَيسَ لَكَ إلَّا ذَلِكَ» 2 (فإن أحْلَفَه، ثم [حَضَرَتْ بَيِّنتُه] 3، حَكَم بها، ولم تكنِ اليمينُ مُزِيلَةً للحَقِّ) لأنَّ اليمينَ إنَّما يُصارُ إليها عندَ عَدَمِ البَيِّنةِ،
..................................
فإذا وُجِدَتِ البَيِّنةُ بَطَلَتِ اليمينُ وتَبيَّنَ كَذِيها.
فإن قال: لي بَيِّنة حاضِرَة، وأرِيدُ يمينَه ثم أقِيمُ بَينتِي.
لم يَمْلِكْ ذلك، في أحَدِ الوَجْهَينٍ.
وفي الآخَرِ، له إحْلاقُ.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، كما لو كانتِ البَينةُ غائبة.
ولَنا، قوله، عليه الصلاةُ والسلامُ: «شَاهِدَاكَ أوْ يَمينُهُ، لَيسَ لَكَ إلَّا ذلِكَ».
[و «أو» للتَّخْيِيرِ] 1 بينَ شَيئَين، فلا يكونُ له 2 الجَمْعُ بينَهما، ولأنَّه أمْكَنَ فَصْلُ الخُصومَةِ بالبينةِ، فلم يُشْرَعْ غيرُها معها مع إرادةِ المُدَّعِي إقامَتَها وحُضُورَها، كما لو لم (2) يَطْلُبْ يمينَه، ولأنَّ اليمينَ بَدَل، فلم يَجِبِ الجَمْعُ بينَها وبينَ مُبْدَلِها، كسائِرِ الأبدالِ مع مُبْدَلاتِها.
وإن قال المُدَّعِي: لا أرِيدُ إقامَتَها، وإنَّما أرِيدُ يمينَه أكْتَفِي بها.
اسْتُحْلِفَ؛ لأنَّ البينةَ حَقُّه، فإذا رَضِيَ بإسْقاطِها، وتَرْكِ إقامَتِها، فله ذلك، كنفسِ الحق.
فإن حَلَف المُدَّعَى عليه، ثم أراد المُدَّعِي إقامَةَ بَينتِه، لم يَمْلِكْ ذلك، في أحدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه قد أسْقَطَ حقَّه مِن إقامَتِها، ولأنَّ تَجْويزَ إقامَتِها يَفْتَحُ بابَ الحِيلةِ؛ لأنَّه يقولُ: لا أرِيدُ إقامَتَها.
ليَحْلِفَ خَصْمُه، ثم يُقِيمَها.
..................................
والثاني، له ذلك، لأنَّ البينةَ لا تَبْطل بالاسْتِحْلافِ، كما لو كانت غائبةً.
فإن كان له شاهدٌ واحد في المالِ، عَرَّفَه الحاكمُ أنَّ له أن يَحْلِفَ مع شاهِدِه، ويَسْتَحِقَّ.
فإن قال: لا أحْلِفُ أنا، وأرْضَى بيمينه.
اسْتُحْلِفَ له 1، فإذا حَلَف، سَقَط الحقُّ عنه.
فإن عاد المُدَّعِي بعدَها وقال: أنا أحْلِفُ مع شاهِدِى.
[لم يُسْتَحْلَف] 2، ولم يسْمَعْ مِنه.
ذَكَره القاضِي.
وهو مَذْهَبُ الشَّافِعيِّ، لأنَّ اليَمِينَ فِعْلُه وهو قادرٌ عليها، فأمْكَنَه أن يُسْقِطَها، بخِلافِ البينةِ.
وإن عاد قبلَ أن يَحْلِفَ المُدَّعَى عليه، فبَذَلَ اليمينَ، لم يكنْ له ذلك في هذا المَجْلسِ.
وكلُّ موضعٍ قُلْنا: يُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عليه.
فإنَّ الحاكمَ يقولُ له: إن حَلَفْتَ، وإلَّا جَعَلْتُك ناكِلًا، وقَضَيت عَلَيكَ.
ثلاثًا، فإن حَلَف، وإلَّا حَكَم عليه بنُكُولِه إذا سألَه المُدَّعِي ذلك.
وَإنْ سَكَتَ المُدَّعَى عَلَيهِ فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، قَال لَهُ الْقَاضِي: إِنْ أَجَبْتَ، وَإلَّا جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، وَقَضَيتُ عَلَيكَ.
وَقِيلَ: يَحْبِسُه حَتَّى يُجِيبَ.
4887 - مسألة: (فإن سَكَت)
عن جَوابِ المُدَّعِي (فلم يُقِرَّ ولم يُنْكِرْ) حَبَسَه الحاكِمُ حتى يُجِيبَ، ولا يَجْعَلُه بذلك ناكِلًا.
ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ» 1. وقال أبو الخَطَّابِ: يقولُ له الحاكمُ: (إن أجَبْتَ، وإلَّا جَعَلْتُك ناكِلًا، وحَكَمْتُ عليك) ويُكَرِّرُ ذلك ثلاثًا، فإن
.................................. أجاب، وإلَّا جَعَلَه ناكِلًا، وحَكَم عليه؛ لأنَّه ناكِل عمّا تَوَجَّهَ عليه (1) الجوابُ فيه، فيُحْكَمُ عليه بالنُّكُولِ عنه، كاليمينِ (2).
4888 -
مسألة: (وإن حَلَف المُنْكِرُ، ثم أحْضَرَ المُدَّعِي بَينتَه، حُكِم بها، ولم تكنِ اليمينُ مُزِيلَةً للحَق)
وجملةُ ذلك، أنَّ المُدَّعِيَ إذا ذَكَر أنَّ بيِّنتَه 3 بعيدة، ولا يُمْكِنُه إحْضارُها، أو لا يُرِيدُ إقامَتَها، فطَلَبَ اليمينَ مِن المُدَّعَى عليه، أُحْلِفَ له، فإذا حلف، ثم أحْضَرَ المُدَّعِي بينتَه، حُكِم له.
وبهذا قال شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، ومالك، والثَّوْرِيُّ، واللَّيثُ، والشافعيّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسُف، وإسْحاقُ.
وحُكِيَ عن ابنِ أبي ليلَى، وداودَ، أنَّ بينتَه لا تُسْمَعُ؛ لأنَّ اليمينَ حُجَّةُ المُدَّعَى عليه، فلا تُسْمَعُ بعدَها حُجَّةُ المُدَّعِي، كما لا تُسْمَعُ يمينُ المُدَّعَى عليه بعدَ بينةِ المُدَّعِي.
ولَنا، قولُ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه: البينةُ الصادِقةُ12
..................................
أحَبُّ إلَيَّ مِن اليمينِ الفاجِرَةِ 1. وظاهِرُ هذه البينةِ الصِّدْقُ، ويَلْزَمُ مِن صِدْقِها فُجُورُ اليمينِ المُتَقَدِّمَةِ، فتكونُ أولَى، ولأنَّ كلَّ حالةٍ يَجِبُ عليه الحقُّ فيها بإقْرارِه، يَجِبُ عليه بالبينةِ، كما قَبْلَ اليمينِ.
وما ذَكَرَاه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ البينةَ الأصْلُ، واليمينَ بدَلٌ عنها، ولهذا لا تُشْرَعُ إلَّا عندَ تَعَذرها، والبَدَلُ يَبْطُلُ بالقُدْرَةِ على المُبْدَلِ، كبُطْلانِ التَّيَمُّمِ بالقُدْرةِ على الماءِ، ولا يَبْطُلُ الأصْلُ بالقُدْرةِ على البَدَلِ.
ويدُلّ على الفَرْقِ بينَهما، أنَّهما حال اجْتِماعِهما، وإمْكانِ سَماعِهما، تسْمَعُ البَيِّنَةُ، ويُحْكَمُ بها، ولا تُسْمَعُ اليمينُ، ولا يُسْألُ عنها.
فصل: فإن طَلَب المُدَّعِي حَبْسَ المُدَّعَى عليه، أو 2 إقامةَ كَفيلٍ به إلى إقامَةِ بينتِه البعيدَةِ، لم يُقْبَلْ منه، ولم تكنْ له ملازَمَة خَصمِه.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له قِبَلَه حَق يُحْبَسُ به، ولا يُقِيمُ به كَفِيلًا، ولأن الحَبْس عذاب، فلا يَلْزَمُ مَعْصُومًا لم يتَوَجَّهْ عليه حَق، ولو جازَ ذلك، لتَمَكَّنَ كلُّ ظالم مِن حَبْسِ مَن شاء مِن الناسِ بغيرِ حق.
وإنْ كانت بينتُه قريبةً، فلَه مُلازَمَتُه حتى يُحْضِرَها؛ لأنَّ ذلك مِن ضَرُورَةِ إقامَتِها، فإنَّه لو لم يَتَمَكَّنْ مِن مُلازَمَتِه، لذَهَبَ مِن مجْلِسِ الحكمِ 3، ولا تُمْكِنُ إقامَتُها إلَّا بحَضْرَتِه.
ولأنَّه لَمّا تَمَكَّنَ مِن إحْضارِه مَجْلِسَ الحكمِ
وَإنْ قَال: لِي مَخْرَجٌ مِمَّا ادَّعَاهُ.
لَمْ يَكُنْ مُجِيبًا.
وَإنْ قَال: لِي حِسَابٌ أرِيدُ أن أنْظُرَ فِيهِ.
لَمْ يَلْزَمِ المُدَّعِيَ إِنْظَارُهُ.
حتى يُقِيمَ عليه (1) البينةَ، تَمَكَّنَ مِن مُلازَمَتِه فيه حتى تَحْضُرَ البينةُ.
وتُفارِق البينةَ البعيدَةَ، ومَن لا يُمْكِنُ حُضُورُها، فإنَّ إلْزامَه الإِقامةَ إلى حينِ حُضورِها يَحْتاجُ إِلى حَبْس، أو ما يقومُ مَقامَه، ولا سَبِيلَ إليه.
فصل: ولو أقام المُدَّعِي شاهِدًا واحدًا، [ولم] (2) يَحْلِف معه، وطَلَب يمينَ المُدَّعَى عليه، أحْلِفَ له، ثم إن (3) أحْضَرَ شاهدًا آخَرَ بعدَ ذلك، كَمَلَتْ بَينتُه، وقُضِيَ بها؛ لِما ذَكَرْنا في التي قبلَها.
واللهُ أعلمُ.
4889 -
مسألة: (فإن قال: لي مَخْرَجٌ ممّا ادَّعاه. لم يكنْ مُجِيبًا)
لأنَّ الجوابَ أحدُ أمْرَين، إقْرارٍ أو إنْكارٍ، وليس هذا واحدًا منهما.
4890 -
مسألة: (وإن قال: لي حِسابٌ أرِيدُ أن أنْظُرَ فيه. لم يَلْزَمِ المُدَّعِيَ إنْظارُه)
لأنَّ حقَّ الجوابِ ثَبَت له حالًّا، فلم يَلْزَمْه إنْظارُه،123
وَإنْ قَال: قَدْ قَضَيتُهُ.
أوْ: أبْرَأَنِي، وَلِي بَيَنةٌ بِالقَضَاءِ.
أَو: الإبْرَاءِ.
وَسَألَ الإِنْظَارَ، أنْظِرَ ثَلَاثًا، وَلِلْمُدَّعِي مُلَازَمَتُه،
كما لو ثَبَت عليه الدَّينُ.
وذَكَر شيخُنا، في كتابِ «الكَافِي» (1) أنَّه يُنْظَرُ ثلاثًا، ولا يُمْهَلُ (2) أكْثَرَ منها؛ لأنَّه كثير.
وهو الصحيحُ، إن شاء الله تعالى؛ لأنه يَحْتاج إلى ذلك لمعرفةِ قَدْرِ دَينه، أو يَعْلَمُ هل عليه شيء أو لا، والثَّلاثُ مُدَّة يسيرةٌ.
4891 -
مسألة: (وإن قال: قَضيتُه. أو: أبرَأني، ولي بَينة بالقَضاءِ. أو: الإِبراءِ. وسأل الإِنْظارَ، أنْظِرَ ثَلاثًا)
لأنَّها قريبة (وللمُدَّعِي مُلازمَتُه) لئلَّا يَهْرُبَ أو يتَغَيَّبَ، ولا يُؤَخَّرُ الحق12
فَإِنْ عَجَزَ، حَلَفَ المُدَّعِي عَلَى نَفْي مَا ادَّعَاهُ، وَاسْتَحَقَّ.
عن المُدَّةِ التي أُنْظِرَ فيها (فإن عَجَز) عن إقامةِ البَينةِ (حَلَف المُدَّعِي على نَفْي ما ادَّعاه، واسْتَحَقَّ) لأنَّه يصيرُ مُنْكِرًا، واليمينُ على المُنْكِرِ.
فصل: فإنْ شَهِدَتِ البينة للمُدَّعِي، فقال المُدَّعَى عليه: أحْلِفُوه أنه يسْتَحِقُّ ما شَهِدَتْ به البَيَنةُ.
لم يُحْلَفْ؛ لأنَّ في ذلك طعْنًا على البَينةِ.
فَإِن ادَّعَى عَلَيهِ عَينًا فِي يَدِهِ، فَأقَرَّ بِهَا لِغَيرِهِ، جُعِلَ الخَصْمَ فِيهَا، وَهَلْ يَحْلِفُ المُدَّعَى عَلَيهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
فَإِنْ كَانَ المُقَرّ لَهُ وَأخَذَهَا، وَإنْ أقَرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي، سُلِّمَتْ إِلَيهِ، وَإنْ قَال: لَيسَتْ لِي، وَلَا أعْلَمُ لِمَنْ هِيَ.
سُلمَتْ إِلَى المُدَّعِي، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الآخَرِ، لَا تُسَلَّمُ إِلَيهِ إلا بِبَيِّنَةٍ، وَيَجْعَلُهَا الحَاكِمُ عِنْدَ أمين.
وَإنْ أقرَّ بِهَا لِغَائِبٍ، أو صَبِيٍّ، أوْ مَجْنُونٍ، سَقَطَتْ عَنْهُ الدَّعْوَى، ثُمَّ إِنْ كَإنَ لِلْمُدَّعِي بَيَنةٌ، سُلِّمتْ إِلَيهِ، وَهَلْ
4892 - مسألة: (فإنِ ادَّعَى عليه عَينًا في يَدِهِ، فأقَرَّ بها لغيرِه، خعِلَ الخَصْمَ فيها، وهل يَحْلِفُ المُدَّعَى عليه؟ على وَجْهَين.
فإن كان المُقَرّ له حاضِرًا مُكَلَّفًا، سُئِل، فإنِ ادَّعاها لنَفْسِه ولم تكنْ بَينة، حَلَف وأخَذَها، وإن أقَرَّ بها للمُدَّعِي، سلِّمَتْ إليه، وإن قال: ليست لي، ولا أعْلَمُ لِمَن هي.
سُلِّمَتْ إلى المُدَّعِي، فِي أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، لا تُسَلَّمُ إليه إلَّا ببينةٍ.
ويَجْعَلُها الحاكِمُ عندَ أمِين.
وإن أقَرَّ بها لغائِبٍ، أو صبيٍّ، أو مَجْنُونٍ، سَقَطَتْ عنه الدَّعْوَى.
ثم إن كان للمُدَّعِي بينة،
يَحْلِفُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيَنةٌ، حَلَفَ المُدَّعَى عَلَيهِ أنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إِلَيهِ، وَأُقِرَّتْ فِي يَدِهِ، إلا أنْ يُقِيمَ بَيِّنةً أنَّهَا لِمَنْ سَمَّى، فَلَا يَحْلِفُ.
سُلِّمَتْ إليه.
وهل يَحْلِف؟ على وَجْهَين.
وإن لم يكنْ له بينة، حَلَف المُدَّعَى عليه أنَّه لا يَلْزَمُه تَسْلِيمُها إليه، وأقِرَّتْ في يَدِه، إلَّا أن يُقِيمَ بَينةً أنَّها لمَنْ سَمَّى، فلا يَحْلِفُ) وجملةُ ذلك، أنَّ الإِنسانَ إذا ادَّعَى دارًا في يدِ غيرِه، فقال الذي هي في يَدِه: ليستْ لي، إنَّما هي لفُلانٍ.
وكان المُقَرُّ له بها حاضِرًا، سُئِل عن ذلك، فإن صَدَّقَه، صار الخَصْمَ فيها، وكان صاحِبَ اليَدِ؛ لأنَّ مَن هي في يَدِه اعْتَرَفَ أنَّ يدَه نائِبَةٌ 1 عن يَدِه، وإقْرارُ الإِنسانِ بما في يَدِه إقْرارٌ صحيحٌ، فيصيرُ خَصْمًا للمُدَّعِي، فإن كانت للمُدَّعِي بينةٌ، حُكِم له بها، وإن لم تكنْ له بينة، فالقولُ قولُ المُدَّعَى عليه مع يمينه.
وإن قال المُدَّعِي: أحْلِفُوا المُقِرَّ الذي كانتِ العَينُ في يَدِه، أنَّه لا يَعْلَمُ أنَّها لي.
فعليه اليمينُ؛ لأنَّه لو أقَرَّ له 2 بها، لَزِمَه الغُرْمُ، كما لو قال: هذه العَينُ لزيدٍ.
ثم قال: هي لعمرو.
فإنَّها تُدْفَعُ إلى زيدٍ،
..................................
ويَغْرَمُ قِيمتَها لعمرو.
ومَن لَزِمَه الغُرْمُ مع الإِقْرارِ، لَزِمَتْه اليمينُ مع الإنْكارِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ 1، أنَّه لا يَحْلِفُ؛ لأنه أقام المُقَرَّ له [مُقامَ نفْسِه] 2، فيقومُ مَقامَه في اليمينِ، وتُجْزِيء اليمينُ عنهما.
فإن رَدَّ المُقَرُّ له الإِقْرارَ، وقال: ليستْ لي، وإنَّما هي للمُدَّعِي.
حُكِم له بها.
وإنْ لم [يَقلْ: هي للمُدَّعِي.
ولكنْ قال: ليستْ لي، ولا أعْلَمُ لمَن هي.
فإن كان للمُدَّعِي بينة، حُكِم له بها، وإن لم] 3 تكنْ له بينة، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تُدْفَعُ إلى المُدَّعِي؛ لأنَّه يَدَّعِيها، ولا مُنازِعَ له فيها، ولأن مَن هي في يَدِه لو ادَّعاها ثم نَكَل، قَضَينا له بها، فمع عَدَمِ ادِّعائِه لها أوْلَى.
..................................
والثاني، لا تُدْفَعُ إليه؛ لأنه لم يَثْبُتْ لها مُسْتَحِق؛ لأنَّ المُدَّعِيَ لا يَدَ له، ولا بينةَ، وصاحِبَ اليَدِ مُعْتَرِف أنَّها ليست له، فيَأخُذُها الإمامُ فيَحْفَظُها لصاحِبِها.
وهذا الوَجْهُ الذي ذَكَرَه القاضي.
والأوَّلُ أوْلَى 1؛ لِما ذَكَرْنا مِن دَلِيله.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهذَين، ووَجْة ثالث، أنَّ المُدَّعِيَ يَحْلِفُ أنَّها له، وتُسَلَّمُ إليه.
ويتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُه، بِناءً على القولِ بردِّ اليمينِ إذا نَكَل المُدَّعَى عليه.
وإن قال المُقَر له: هي لثالثٍ.
انْتَقَلَتِ الخُصُومَةُ إليه، وصار بمنزلَةِ صاحِبِ اليَدِ؛ لأنَّه أقَرَّ له بها مَن اليدُ له حُكْمًا.
..................................
4893 - مسألة: وإنْ أقَرَّ بها لغائب، أو لغيرِ مكَلَّفٍ معَيَّن، كالصَّبِيِّ والمجْنونِ، صارتِ الدَّعْوَى عليه.
فإن لم تكنْ للمدَّعِي بينةٌ، لم يُقْضَ له بها؛ لأنَّ الحاضِرَ يَعْتَرِفُ أنَّها ليست له، ولايقضَى على الغائِبِ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، ويَقِفُ الأمْرُ حتى يَقْدَمَ الغائِبُ، ويصيرَ غيرُ المُكَلَّفِ مُكَلَّفًا
1، وتكونُ الخُصومَةُ معه.
فإن قال المُدَّعِي: أحْلِفُوا لي المُدَّعَى عليه.
أحْلَفْناه؛ لِما تَقَدَّمَ.
وإن أقَرَّ بها للمُدَّعِيِ، لم تُسَلَّمْ إليه؛ لأنَّه اعْتَرَفَ أنَّها لغيرِه، ويَلْزَمُه أن يَغْرَمَ له قِيمَتَها؛ لأنَّه فوَّتَها عليه بإقْرارِه
..................................
بها لغيرِه.
وإن كان مع المدَّعِي بينة، سَمِعَها الحاكمُ، وقَضَى بها، وكان الغائِبُ على خُصومَتِه، متى حَضَر 1، له أن يَقْدَحَ في بينةِ المُدَّعِي، وأن يُقِيمَ بينةً تَشْهَدُ بانْتِقالِ المِلْكِ إليه مِن المُدَّعِي.
وإن أقام بينةً أنَّها مِلْكُه، فهل يُقْضَى بها؟ على وَجْهَين، بِناءً على تَقْدِيمِ بينةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ؛ فإن قُلْنا: تُقدَّمُ بينةُ الخارِجِ.
فأقام الغائِبُ بَيَنةً تَشْهَدُ له بالملْكِ والنِّتاجِ، أو سببٍ مِن أسْبابِ المِلْكِ، فهل تُسْمَعُ بينتُه ويُقْضَى بها؟ على وَجْهَين.
فإن كان مع المُقِرِّ بينة تَشْهَدُ بها للغائِبِ، سَمِعها الحاكمُ، ولم يَقضِ بها؛ لأنَّ البينةَ للغَائِبِ، [والغائِبُ] 2 لم يَدَّعِها هو ولا وكيلُه، وإنَّما سَمِعَها الحاكمُ لِما فيها مِن الفائِدَةِ، وهو زَوالُ التُّهْمَةِ عن الحاضِرِ، وسُقُوطُ اليمينِ عنه، إذا ادَّعَى عليه أنَّك تَعْلَمُ أنَّها لي.
ويَتَخَرَّجُ أن يُقضَى بها، إذا قلنا بتَقْدِيمِ بينةِ الدَّاخِلِ، وإنَّ للمُودَعِ المُحاكَمَةَ في الودِيعةِ إذا غُصِبَتْ،
..................................
لأنَّها بينة مَسْمُوعَةٌ، فيُقْضَى بها، كبينةِ المُدَّعِي إذا لم تُعارِضْها بينةٌ أخْرَى.
فإنِ ادَّعَى مَن هي في يَدِه أنَّها معه بإجارَةٍ أو عارِيَّةٍ، وأقام بينةً بالمِلْكِ للغائِبِ، لم يُقْضَ بها؛ لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ ثُبُوتَ الإجارَةِ والعاريَّةِ يَتَرَتَّبُ على ثُبُوتِ المِلْكِ للمُؤْجِرِ، ولا يُمْكِنُ ثُبوتُ المِلْكِ للمُؤْجِرِ جهذه البينةِ، فلا تَثْبُتُ الإجارَةُ المُترتبةُ عليها.
والثاني، أنَّ بينةَ الخارِجِ مُتَرَتِّبَة على بينةِ الدَّاخِلِ.
ويَتَخَرَّجُ القضاءُ بها على رِوايةِ 1 تقديمِ بينةِ الدَّاخِلِ، وكونِ الحاضِرِ له فيها حَق.
ومتى عاد المُقِرُّ بها لغيرِه، وادَّعاها 2 لنفسِه، لم تُسْمَعْ دَعْواه؛ لأنَّه أقَرَّ بأنَّه لا يَمْلِكُها، فلا يُسْمَعُ منه الرُّجوعُ عن إقْرارِه.
والحكمُ في غيرِ المُكَلَّفِ، كالحكمِ في الغائِبِ، على ما ذَكَرْنا.
وَإنْ أقَرَّ بِهَا لمَجْهُولٍ، قِيلَ لَهُ: إِمَّا أنْ تُعَرِّفَهُ، أوْ نَجْعَلَكَ نَاكِلًا.
4894 - مسألة: (ؤإن أقَرَّ بها لمَجْهولٍ، قيل: إمَّا أن تُعَرفَه، وإمَّا أنْ نَجْعَلَك ناكِلًا)
[ويُقالُ له: هذا ليس بجواب، فإن أقْرَرْتَ بها لمَعْروفٍ، وإلَّا جَعَلْناك ناكِلًا] 1 وقضَينا عليك.
فإن أصَرَّ، قُضِيَ عليه بالنُّكُولِ؛ لأنَّه لا تُمْكِنُ الدَّعْوَى على مَجْهُولٍ، فيَضِيعُ الحقُّ بإقْرارِه هذا، فيَجِبُ أن لا يُقْبَلَ، كما لو سَكَتَ.
فَصْل: وَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إلا مُحَرَّرَةً تَحْرِيرًا يُعْلَمُ بِهِ المُدَّعَى، إلا فِي الوَصِيَّةِ وَالإِقْرَارِ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِالْمَجْهُولِ.
فصل: قال، رَحِمَه الله: (ولا تَصِحُّ الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً تَحْرِيرًا يُعْلَمُ به المُدَّعَى، إلَّا في الوصيةِ والإِقْرارِ، فإنَّها تجوزُ بالمجْهولِ) أمَّا في غيرِ ذلك فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحاكمَ يَسْألُ المُدَّعَى عليه عمّا ادَّعاه المُدَّعِي، فإنِ اعْتَرَفَ به، لَزِمَه، ولا يُمْكِنُه أن يُلْزِمَه مَجْهُولًا.
ويُفارِقُ الإقْرارَ، فإنَّ الحقَّ عليه، فلا يَسْقُطُ بتَرْكِه إثْباتَه.
وإنَّما صَحَّتِ الدَّعْوَى
..................................
في الوصيةِ مَجْهولةً؛ فلأنَّها تَصِحُّ مجهولةً، فإنَّه لو وَصَّى له بشيءٍ أو سَهْم صَحَّ، فلا يُمْكِنُه أن يَدَّعِيَها إلَّا مَجْهُولةً كما ثَبَتَ، وكذلك الإِقْرارُ، لَمّا صَحَّ أن يُقِرَّ بمَجْهولٍ، صَحَّ لخَصْمِه أن يَدَّعِي عليه أنَّه أقَرَّ له بمَجْهولٍ.
إذا ثَبَت هذا، فإن كان المُدَّعَى أثْمانًا، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ ثلاثةِ أشْياءَ؛ الجِنْس، والنَّوْعِ، والقَدْرِ، فيقالُ: عَشَرَةُ دَنانِيرَ مِصْرِيَّةٍ.
وإنِ اخْتَلَفَتْ بالصحاحِ والمُكَسَّرَةِ [قال: صِحاحٌ.
أو قال: مُكَسَّرَةٌ] 1.
فَإِنْ كَانَ المُدَّعَى عَينًا حَاضِرَةً، عَيَّنَهَا، وَإنْ كَانَتْ غَائِبَةً، ذَكَرَ صِفَاتِهَا، إِنْ كَانتْ تَنْضَبِطُ بهَا، وَالأوْلَى ذِكْرُ قِيمَتِهَا.
4895 - مسألة: (فإن كان المُدَّعَى عَينًا حاضِرَةً، عَيَّنها)
بالإشارةِ؛ لأنَّها تُعْلَمُ بذلك (وإن كانَتْ غائِبَة، ذَكَر صِفاتِها، إن كانت تَنْضَبِطُ بِهَا، وإلَّا ذَكَر قِيمَتَها) لأنَّها لا تَتَمَيَّزُ ولَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً إلَّا بذلك،
وَإنْ كَانَتْ تَالِفَةً مِنْ ذَوَاتِ الأمْثَالِ، ذَكَرَ قَدْرَهَا وَجِنْسَهَا وَصِفَتَهَا، وَإنْ ذَكَرَ قِيمَتَهَا كَانَ أوْلَى، وَإنْ لَمْ تَنْضَبِطْ بِالصِّفَاتِ، فَلابُدَّ مِنْ ذِكْرِ قِيمَتِهَا.
فإن تَعَذَّرَ ذلك، رَجَعْنا إلى القِيمَةِ، كما لو تَلِفَتِ العَينُ.
4896 -
مسألة: (وإن كانت تالِفةً مِن ذَواتِ الأمْثالِ، ذَكَر قَدْرَها وجنْسَها وصِفَتَها)
لأنَّ المِثْلَ واجِث في ذَواتِ الأمْثالِ، فوجَبَتْ فيه هذه الصِّفاتُ؛ لأنَّه لا يتَحَقَّقُ المثْلُ بدُونِها (وإن ذَكَرَ قِيمتَها كان أوْلَى) لأنَّه أحْصَرُ.
وإنْ كان ممّا لا مِثْلَ له، كالنباتِ 1 والحيوانِ، ذَكَر قِيمَتَه؛ لأنَّها تَجِبُ بتَلَفِه.
وكذلك إن كان جَوْهرًا، تَعَيَّنَ ذِكْرُ قِيمَتِه؛ لأنَّها 2 لا تَنْضَبِطُ إلَّا بذلك.
فإن كان المُدَّعَى دارًا، فلا بُدَّ مِن بَيانِ مَوْضِعِها وحُدُودِها، فيَدَّعِي أنَّ هذه الدارَ 3 بحُدودِها وحُقوقِها لي، وأنَّها في يَدِه ظُلْمًا، وأنا أطالِبُه بردِّها.
وإنِ ادَّعَى عليه أنَّ هذه الدارَ لي، وأنَّه يَمْنَعُنِي
..................................
منها، صحَّتِ الدَّعْوَى وإنْ لم يَقُلْ: إنَّها في يَدِه.
لأنَّه يجوزُ أن يُنازِعَه ويمنعَه وإن لم تكنْ في يَدِه.
وإنِ ادَّعَى جِراحَةً فيها أرُوش معْلُومَة، كالمُوضِحَةِ مِن الحُرِّ، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ أرْشِها؛ لأنَّه مَعْلُوم.
وإن كانت مِن عبدٍ، أو كانت مِن حُر لا مُقَدَّرَ فيها، فلابُدَّ مِن ذِكْرِ أرْشِها.
وإنِ ادَّعَى على أبيه 1 دَينًا، لم تُسْمَعِ الدَّعْوَى حتى يَدَّعِي أنَّ أباه مات، وتَرَك في يَدِه مالًا؛ لأنَّ الولَدَ لا يَلْزَمُه قضاءُ دينِ والدِه، ما لم يكنْ كذلك.
ويَحْتاجُ أن يَذْكُرَ تَرِكَةَ أبيه، ويُحَرِّرَها، ويذْكُرَ قَدْرَها، كما يَصْنَعُ في قَدْرِ الدَّينِ.
هكذا ذكرَه القاضي.
قال شيخُنا 2: والصحيحُ أنَّه يحْتاجُ إلى ذِكْرِ ثلاثةِ أشْياءَ؛ قَدْرِ دَينه، ومَوْتِ أبِيه، وأنَّه وَصَل إليه مِن تركةِ أبيه ما فيه وَفاء لدَينه.
وإن قال: ما فيه وَفاء لبعضِ دَينه.
احْتاجَ أن يَذْكُرَ ذلك القَدْرَ.
والقولُ قولُ المُدَّعَى عليه في نَفْي تركةِ الأبِ مع
وَإنِ ادَّعَى نِكَاحًا، فَلَابُدَّ مِنْ ذِكْرِ المَرأةِ بِعَينها إِنْ حَضَرَتْ، وَإلَّا ذَكَرَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا، وَذَكَرَ شُرُوطَ النِّكَاحِ، وَأنَهُ تَزَوَّجَهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَرِضَاهَا، فِي الصَّحِيحِ مِنَ المَذْهَبِ.
يمينيه.
وكذلك إن أنْكَرَ موتَ أبيه، ويَكْفِيه أنْ يَحْلِفَ على 1 نفي العِلْمِ؛ لأنَّه على نفْي فعلِ الغيرِ، وقد يموتُ ولا يَعْلَمُ به ابنُه، ويَكْفِيه أن يَحْلِفَ أنَّه ما وَصَل إليه مِن تركةِ أبيه شيء، ولا يَلْزَمُه أن يَحلِفَ أنَّ أباه لم يُخَلِّفْ شيئًا؛؟ لأنَّه قد يُخَلِّفُ تَرِكَةً لا تَصِلُ إليه، فلا يَلْزَمُه الإِيفاءُ منه.
4897 -
مسألة: (وإنِ ادَّعَى نِكاحًا، فلابُدَّ مِن ذِكْرِ المرأةِ بعينها إن حَضَرَتْ، وإلَّا ذَكَر اسْمَها ونَسَبَها، وذَكَر شُرُوطَ النِّكَاحِ، وأنَّه تَزَوَّجَها بولِيٍّ مُرْشِدٍ وشاهِدَيْ عَدْلٍ، ورِضاها، في الصحيحِ مِن المذْهَبِ)
إن كانت ممَّن يُعْتَبَرُ رِضاها.
وهذا مَنْصُوصُ
..................................
الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالك: لا يحْتاجُ إلى ذِكْرِ شَرَائِطِه؛ لأنَّه نَوْعُ مِلْكٍ، فأشْبَهَ مِلْكَ العَبْدِ، إلَّا أنَّه لا يحتاجُ أن يقولَ: وليستْ مُعْتدَّةً ولا مُرْتَدَّةً.
ولَنا، أنَّ الناسَ اخْتَلَفُوا في شَرائِطِ النِّكاحِ؛ فمنهم مَن يَشْتَرِطُ الوَلِيَّ والشُّهُودَ، ومنهم مَن لا يَشْتَرِطُ إذْنَ البِكْرِ البالِغِ لأبيها في تَزْويجِها، ومنهم مَن يَشْتَرِطُه، وقد يَدَّعِي نِكاحًا يَعْتَقِدُه صحيحًا، والحاكمُ لا يَرَى صحتَه، ولا يَنْبَغِي أن يَحكُمَ بصحتِه مع جَهْلِه بها، ولا يَعْلَمُها ما لم يَذْكُرِ الشُّرُوطَ، وتَقُمِ 1 البَينةُ بها.
ويُفارِقُ المال، فإنَّ أسْبابَه لا تَنْحَصِرُ، وقد يَخْفَى على المُدَّعِي سَبَبُ ثُبُوتِ حَقِّه، والعُقودُ تَكْثُرُ.
شُرُوطُها، ولذلك اشْتَرَطْنا لصحَّةِ البيعِ شُرُوطًا سبعةً، فرُبَّما لا يُحْسِنُ المُدَّعِي عَدَّها 2 ولا يَعْرفُها، والأمْوالُ ممَّا يُتساهَلُ فيها، ولذلك افْتَرَقا في اشْتِراطِ الوليِّ والشُّهُودِ في عُقودِه، فافْتَرَقا في الدَّعْوَى.
وأمَّا الرِّدَّةُ والعِدَّةُ، فالأصْلُ عَدَمُهما، ولا يَخْتَلِف الناسُ فيه، ولا تَخْتَلِف 3 به الأغْراضُ.
وَإنِ ادَّعَى بَيعًا، أو عَقْدًا سِوَاهُ، فَهَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ؟
فإن كانتِ المرْأةُ أمَةً والزوْجُ حُرا، فقياسُ ما ذَكَرْنا، أنَّه يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ (1) عَدَمِ الطَولِ، وخوْفِ العَنَتِ، لأنَّهما مِن شَرائِطِ صِحَّةِ نِكاحِها (2). فأمَّا إنِ ادَّعَى اسْتِدامَةَ الزَّوْجِيَّةِ، ولم يَدَّعِ العَقْدَ، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْر شُرُوطِه في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه يَثْبُتُ بالاسْتِفاضَةِ.
ولو اشْتُرطَ ذِكْرُ الشروطِ، [لاشْتُرِطَتِ الشَّهادَةُ به، ولا يَلْزَمُ ذلك في شَهادَةِ الاسْتِفاضَةِ.
وفي الثانِي، يحْتاجُ إلى ذِكْرِ الشرُوطِ] (3)، لأنَّه دَعْوَى نِكاح، أشْبَهَ دَعْوَى العَقْدِ.
4898 -
مسألة: (وإنِ ادَّعَى بيعًا، أو عَقْدًا سِواه، فهل يُشْتَرَطُ
123
يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.
ذِكْرُ شُرُوطِه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين) أمَّا سائِرُ العُقُودِ؛ مِن البَيعِ والإِجارَةِ والصُّلْحِ وغيرِها، فلا يفْتَقِرُ إلى الكَشْفِ [وذِكْر الشُّرُوطِ، في أصَحِّ الوَجْهَين؛ لأنَّه لا يُحْتَاطُ لها ولا يَفْتَقِرُ إلى الوليِّ والشَهُودِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى الكَشْفِ] 1، كدَعْوَى العَينِ.
وسَواء كان المبيعُ جارِيَةً أو غيرَها؛ لأنَّها مبِيعٌ، فأشْبَهَتِ العَبْدَ، وكذلك إذا كان المُدَّعَى عَينًا 2 أو دَينًا، لم يحْتَجْ إلى ذِكْرِ السَّبَبِ؛ لأنَّ أسْبابَ ذلك تَكْثُرُ ولا تَنْحَصِرُ، ورُبَّما خَفِيَ على المُسْتَحِقِّ سَبَبُ اسْتِحْقاقِه، فلا يُكَلَّفُ بَيانَه، ويَكْفِيه أن يقولَ: أسْتَحِقُّ هذه العَينَ التي في يَدِه -أو 3 - أسْتَحِقُّ كذا وكذا في ذِمَّتِه.
ويقولَ في البيعِ: إنِّي اشْتَرَيتُ هذه الجارِيَةَ بألفْ دِرْهَم -أو- بعْتُها منه بذلك.
ولا يَحْتاجُ أنْ يقولَ: وهي مِلْكُه -أو- وهي مِلْكِي ونحنُ جَائزا الأمرِ، وتَفَرَّقْنا عن تَراض.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ في العُقُودِ وَجْهًا آخرَ، أنَّه يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِها، قِياسًا على النِّكاحِ.
وذَكَر أصْحابُ
وَإنِ ادَّعَتِ امْرأة نِكَاحًا عَلَى رَجُل، وَادَّعَتْ مَعَهُ نَفَقَةً أو مَهْرًا، سُمِعَتْ دَعْوَاهَا، وَإنْ لَمْ تَدَّعِ سِوَى النِّكَاحِ، فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
الشافعيِّ هَذَين الوَجْهَين، ووَجْهًا ثَالِثًا، أتَّه (1) إن كان المبيعُ جارِيةً، اشْتُرِطَ ذِكْرُ شُرُوطِ البيعِ؛ لأنَّه عَقْدٌ يُسْتَبَاحُ به الوَطْءُ، أشْبَهَ النِّكاحَ، وإن كان المَبِيعُ غيرَها، لم يُشْتَرَطْ؛ لعدَمِ ذلك.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّها دَعْوَى فيما لا يُشْتَرَطُ فيه الوليُّ والشُّهُودُ، أشْبَهَ دَعْوَى العَينِ.
وما لَزِمَ ذِكْرُه في الدَّعْوَى، فلم يَذْكُرْه، سألَه الحاكمُ عنه، لتصيرَ الدَّعْوَى مَعْلُومَةً، فيُمْكِنَ الحاكمَ الحكمُ بها.
4899 -
مسألة: (وإنِ ادَّعَتِ المرأةُ نِكاحًا على رَجُل، وادَّعَتْ معه نَفَقَةً أو مَهْرًا، سُمِعَتْ دَعْواها، وإن لم تَدَّعِ سوى النِّكَاحِ، فهل تُسْمَعُ دَعْواها؟ على وَجْهَين)
[أمّا إذا] 2 ذَكَرَتِ المرأةُ 3 مع1
..................................
دَعْوَى الزّوْجِيّةِ حَقًّا مِن حُقوقِ النِّكاحِ، كالمهْرِ والنفقةِ ونحوها، فإنَّ دَعْواها تُسْمَعُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنّها تَدَّعِي حقًّا لها تُضِيفُه إلى سَبَبِه، فتُسْمَعُ دَعْواها، كما لو ادَّعَتْ إضافَتَه إلى الشِّراءِ.
وإن أفْرَدَتْ دَعْوَى النِّكاحِ، فقال القاضي: تُسْمَعُ دَعْواها أيضًا؛ لأنَّه سَبَحث لحُقوق لها، فتُسْمَعُ دَعْوَاها فيه 1، كالبيعِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه وَجْه آخَرُ، لا 2 تُسْمَعُ دَعْواها؛ لأنَّ النِّكَاحَ حَق للزَّوْجِ عليها، فلا تُسْمَعُ دَعواها حَقًّا لغيرِها.
وإن قُلْنا بالأوَّلِ، سُئِل الزَّوْجُ، فإن أنْكَرَ ولم تكنْ بينة، فالقولُ قولُه بغيرِ يمين؛ لأنَّه إذا لم تُسْتَحْلَفِ المرأةُ والحَقُّ عليها، فلَأن لا يُسْتَحْلَفَ مَن الحَقُّ له وهو يُنْكِرُه أوْلَى.
ويَحْتَمِلُ أن يُسْتَحْلَفَ؛ لأنَّ
..................................
دَعْواها إنما سُمِعَتْ لتَضَمُّنِها دَعْوَى حُقُوقٍ مَالِيَّةٍ تُشرَعُ فيها اليمينُ.
وإن أقامَتِ 1 البينةَ بالنِّكاحِ، ثَبَت لها ما تَضَمَّنَه النِّكاحُ مِن حُقُوقِها.
وأمَّا إباحَتُها، فتُبْنَى على باطِنِ الأمْرِ، فإن عَلِم أنَّها امْرأتُه، حَلَّتْ له؛ لأنَّ إنْكارَه النِّكاحَ ليس بطلاقٍ، ولا نَوَى به الطَّلاقَ، وإن عَلِم أنَّها ليستِ امْرَأتَه؛ إمَّا لعَدَمِ العَقْدِ، أو لبَينُونَتِها منه 2، لم تَحِلَّ له.
وهل يُمَكَّنُ منها في الطاهِرِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحَدُهما، يُمَكَّنُ منها؛ لأنَّ الحاكمَ قد حَكَم بالزَّوْجِيَّةِ.
والثاني، لا يُمكنُ منها؛ لإقرارِه على نفْسِه بتَحْرِيمِها عليه 3، فيُقْبَلُ قولُه في حَقِّ نفْسه، دُونَ ما عليه، كما لو تَزَوَّجَ امرأةً، ثم قال: هي أخْتِي مِن الرَّضاعَةِ.
فإذا ثَبَت هذا، فإنَّ دَعْواها النِّكاحَ كدَعْوَى الزَّوْجِ، فيما ذَكَرْنا مِن الكَشْفِ عن سَبَبِ النِّكاحِ، وشَرائِطِ العَقْدِ.
ومَذهَبُ الشافعيِّ قرِيبٌ ممَّا ذَكَرْنا في هذا الفَصْلِ.
وَإنِ ادَّعَى قَتْلَ مَوْرُوثِهِ، ذَكَرَ الْقَاتِلَ، وَأنَهُ انْفَرَدَ بِهِ، أوْ شَارَكَ غَيرَهُ، وَأنَهُ قَتَلَهُ عَمْدًا، أوْ خَطَأً، أوْ شِبْهَ عَمْدٍ، وَيَصِفُهُ.
وإنِ ادَّعَى الإرْثَ، ذَكَرَ سبَبَهُ.
4900 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى قتلَ مَوْرُوثِه، ذَكَر القاتِلَ، وأنَّه انْفَرَدَ به، أو شارَكَه)
فيه (غيرُه، وأنَّه قَتَلَه عَمْدًا أو خَطَأً، أو شِبْهَ عَمْدٍ، ويَصِفُه) ويَذْكُرُ صِفَةَ العَمْدِ؛ لأَنه قد يَعْتَقِدُ ما ليس بعمدٍ عَمْدًا، فلا يُؤْمَنُ أن يُقْتَصَّ ممَّن لا يجبُ له القِصاصُ عليه، وهو ممّا لا يُمْكِنُ تلافيه، فوَجَبَ الاحْتِياطُ فيه.
4901 -
مسألة: (وإنِ ادَّعَى الإرْثَ، ذَكَر سَبَبَه)
لأنَّ أسْبابَه تَخْتَلِفُ، ولابدَّ في الشَّهادَةِ مِن أن تكونَ على سَبَبٍ مُعَيَّن، فكذلك في
وَإنِ ادَّعَى شَيئًا مُحَلًّى، قَوَّمَهُ بِغَيرِ جِنْسِ حِلْيَتهِ، فَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا لِلْحَاجَةِ.
فَصْلٌ: وَتُعْتَبَرُ فِي البَينةِ العَدَالةُ ظَاهِرًا وبَاطِنًا، فِي اخْتِيَارِ أبي بَكْرِ وَالقَاضِي.
وَعَنْهُ، تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِم لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ.
الدَّعْوَى.
4902 -
مسألة: (وإنِ ادَّعَى شَيئًا مُحَلًّى)
بذَهَبٍ [أو فِضَّةٍ] 1 (قَوَّمَه بغيرِ جِنْسِ حِلْيَته، وإن كان مُحَلًّى بذَهَب وَفِضَّةٍ، قَوَّمَه بما شاء منهما للحاجَةِ).
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وتُعْتَبَرُ في البَينةِ العدالةُ ظاهِرًا وباطِنًا، في اخْتِيارِ أبي بكر والقاضي.
وعنه، تُقْبَلُ شهادَةُ كلِّ مسلم
اخْتارَهَا الخِرَقِيُّ.
وإنْ جَهِلَ إِسْلَامَهُ، رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ.
والْعَمَلُ عَلَى الأوَلِ.
لم تَظْهَرْ منه رِيبَةٌ.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ.
وإن جَهِل إسْلامَه، رَجَع إلى قوله) والمذهبُ الأوَّلُ.
وحملةُ ذلك، أنَّ الحاكمَ إذا شَهِد عندَه شاهِدان، فإن عَرَف عَدالتَهما، حَكَم بشَهادتِهما، وإن عَرَف فِسْقَهما، لم يَقْبَلْ قولَهما، وإن لم يَعْرِفْ حالهما، سأل عنهما؛ لأنَّ مَعْرِفَةَ العَدالةِ شَرْط في جميعِ الحُقوقِ.
وبهذا قال الشافعي، وأبو يُوسُفَ، ومحمد.
وعن أحمدَ، رِوايَة أخْرَى، يَحْكُمُ بشَهادَتِهما إذا عَرَف إسْلامَهما، بظاهِرِ الحالِ، إلَّا أن يقولَ الخَصْمُ: هما فاسقان.
وهذا قولُ الحسنِ.
والمالُ والحَدُّ في ذلك سَواء؛ لأنَّ الظّاهِرَ مِن المسلمين العَدالةُ،
..................................
ولهذا قال عمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: المسلمون عُدُول بَعْضُهم على بعض 1. ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا جاء إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فشَهِدَ برُؤيَةِ الهلالِ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ؟».
قال: نعم [قال: «أتَشْهَدُ أنِّي رسولُ الله؟».
فقال.: نعم] 2. فصام وأمَرَ الناسَ بالصِّيامِ.
ولأنَّ العَدالةَ أمْر خَفِي، سَبَبُها الخوْفُ مِن اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ودليلُ ذلك الإِسلامُ، فإذا وُجِدَ، فلْيَكْتَفِ به، ما لم يَقُمْ على خِلافِه دليل.
وقال أبو حنيفةَ في الحُدُودِ والقصاصِ كالرِّوايَةِ الأولَى، وفي سائرِ الحُقوقِ كالثانيةِ؛ لأنَّ الحُدودَ والقِصاصَ ممَّا يُحْتاطُ لها، وتُدْرَأ بالشُّبُهاتِ، بخلافِ غيرِها.
ولَنا، أنَّ العَدالةَ شَرْط، فوَجَبَ العِلْمُ بها، كالإِسلامِ، وكما لو طَعَن الخَصْمُ فيهما 3. فأمَّا الأعْرابِي المسلمُ، فإنَّه مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقد ثَبَتْ عَدالتُهم بثَناءِ اللهِ تعالى عليهم، فإنَّ مَن تَرَك
..................................
دِينَه في زَمَنِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إيثارًا لدينِ الإسلامِ، وصَحِب رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قد 1 ثَبَتَتْ عَدالته.
وأمَّا قولُ عُمَرَ، فالمُرادُ به الظاهرُ 2 العدالةِ، ولا يَمْنَعُ ذلك وُجوبَ البَحْثِ ومعرفَةِ حقيقةِ العدالةِ، فقد رُوِيَ عنه أنَّه أُتِيَ بشاهِدَين، فقال لهما (1): لَسْتُ أعْرِفُكما، ولا يَضُرُّ كما أن لم أعْرِفْكُما، جِيئا بمَن يَعْرِفُكما.
فأتيا برجل، فقال له عمرُ: تَعْرِفُهما؟ فقال: نعم.
فقال عُمَرُ: صَحِبْتَهما في السَّفَرِ الذي تَبِينُ فيه جَواهِرُ الناسِ؟ قال: لا.
قال: عامَلْتَهما في [الدنانيرِ والدراهمِ] 3 التي تُقْطَعُ فيها 4 الرَّحِمُ؟ قال: لا.
قال: كنتَ جارًا لهما تَعْرِفُ.
صباحَهما ومَساءَهما؟ قال: لا.
قال: يا ابنَ أخي، لستَ تَعْرِفُهما، جِيئَا بمَن يَعْرِفُكما 5. وهذا بَحْث يدُلُّ على أنَّه لا يكْتَفى بدُونِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الشَّاهِدَ يُعْتَبَرُ فيه أرْبَعَةُ شُرُوطٍ؛ الإِسلامُ، والبُلوغُ، والعقل،
.................................. والعَدالةُ، وليس فيها ما يَخْفَى ويَحْتاجُ إلى البَحْثِ إلَّا العَدالةُ، فيَحْتاجُ إلى البَحْثِ عنها؛ لقولِ الله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ 1. ولا يَعْلَمُ أنَّه مَرْضِيٌّ حتى يَعْرِفَه، أو يُخْبَرَ عنه، فيَأمُرُ الحاكمُ بكَتْبِ أسْمائِهم، وكُناهم ونَسَبِهم، ويَرْفَعُ فيها بما يَتَمَيَّزونَ به عن غيرِهم، ويَكْتُبُ صَنائِعَهم، ومَعايِشَهم، ومَوْضِعَ مَسَاكِنِهم، وصَلاتِهم؛ ليَسْألَ عنهم جيرانَهم، وأهلَ سُوقِهم، ومَسْجِدِهم، ومَحَلَّتِهم، ويَحْكِيهَم 2، فيَكْتُبُ: أسودُ أو أبيضُ، أو أنْزَعُ، أو أغَمُّ 3، أو أشْهَلُ 4 أو أكْحَلُ، أقْنَى الأنفِ أو أفْطَس 5، رَقِيقُ الشَّفَتَين أو غَلِيظُهما، طويلٌ أو قصير أو رَبْعَةٌ، ونحو هذا؛ ليَتَمَيَّزَ 6، ولا يقَعَ اسْمٌ على اسم، ويكْتُبُ اسْمَ المَشْهُودِ له 7، وقَدْرَ الحقِّ، ويَكْتُبُ ذلك كلَّه
..................................
لأصْحابِ مَسائلِه، لكلِّ واحدٍ رُقْعَةً.
وإنَّما ذَكَرْنا اسمَ 1 المَشْهُودِ له؛ لئلَّا يكونَ بينَه وبينَ الشاهدِ [قرابة تَمْنَعُ الشَّهادَةَ، أو شَرِكة، وذَكَرْنا اسمَ المَشْهُودِ عليه؛ ليُعْرَفَ، لِئلَّا يكونَ بينَه وبينَ الشَّاهِدِ] 2 عَدَواة، وذَكَرْنا قَدْرَ الحق؛ لأنَّه رُبَّما كان ممَّن يَرَوْنَ قَبُولَه في اليسيرِ دُونَ الكثيرِ، فتَطِيبُ نَفْسُ المُزَكِّى به إذا كان يسيرًا، ولا تَطِيبُ إذا كان كثيرًا.
ويَنْبَغِي للقاضي أن يُخْفِيَ عن كلِّ واحدٍ مِن أصْحابِ مَسائِلِه ما يُعْطِي الآخَرَ مِن الرِّقاعِ؛ لئلَّا يَتَواطَئُوا.
وإن شاء الحاكمُ عَيَّنَ لأصحابِ 3 مَسائِلِه مَن يَسْأله ممَّن يَعْرِفُه؛ مِن جِيرانِ الشّاهِدِ، وأهلِ الخِبْرَةِ به، وإن شاء أطْلَقَ، ولم يُعَيِّنِ المسئولَ.
ويكونُ السُّؤالُ سِرًّا؛ لئلَّا يكونَ فيه هَتْكُ المسئولِ عنه، ورُبَّما يَخافُ المسئولُ مِن الشاهِدِ، أو 4 المشهودِ له، أو (4) المشهودِ عليه، أن يُخْبِرَ بما عندَه، أو يَسْتَحِي.
ويَنْبَغِي أن يكونَ أصحابُ مَسائِلِه غيرَ مَعْرُوفِينَ؛ لئلَّا يُقْصَدوا بهديَّةٍ أو رِشْوةٍ، وأن يكونوا أصْحابَ عَفافٍ في الطُّعْمَةِ والأنْفُسِ، ذَوي عُقُولٍ وافِرَةٍ، أَبرياءَ
..................................
من الشَّحْناءِ والبِغْضَةِ؛ لئلَّا يَطْعَنوا في الشّهودِ، أو يَسْألوا عن الشاهدِ عَدُوَّه فيَطْعَنَ فيه، فيَضِيعَ حَقُّ المَشْهُودِ له، ولا يكونون مِن أهلِ الأهْواءِ والعصبيَّةِ، يميلون إلى مَن وافَقَهم على مَن خالفَهما، ويكونون 1 أمَناءَ ثِقاتٍ؛ لأنَّ هذا مَوْضِعُ أمانَةٍ.
وإذا رَجَع أصْحابُ مسائِلِه، فأخْبَرَ اثْنان بالعَدالةِ، قَبِل شَهادَتَه، وإنْ أخْبَرَا 2 بالجَرْحِ، رَدَّ شهادَتَه، وإن أخْبَرَ أحدُهما بالجَرْحِ، والآخَرُ بالتَّعْدِيلِ، بَعَث آخَرَين، فإن عادا فأخْبَرَا بالتَّعْدِيلِ، تَمَّتْ بَيِّنَةُ التَّعْديلِ، وسَقَط الجَرْحُ؛ لأنَّ بينتَه لم تَتِمَّ، وإن أخْبَرَا بالجَرْحِ، ثَبَت ورَدَّ الشَّهادَةَ، وإن أخْبَرَ أحَدُهما بالجَرْحِ والآخرُ بالتَّعْديلِ، لم تَتِمَّ البينتانِ، ويُقَدِّمُ الجَرْحَ، ولا يَقْبَلُ الجَرْحَ والتَّعْديلَ إلَّا مِن اثْنَين، ويَقْبَلُ قولَ أصحاب السائِلِ.
وقيل: لا يَقْبَلُ إلَّا 3 شَهادَةَ المسئولِينَ، ويُكَلِّفُ اثْنَين منهم أنَّ يَشْهَدُوا بالتَّزْكِيَةِ والجَرْحِ عندَه، على شَرْطِ الشَّهادَةِ في 4 اللَّفْظِ وغيرِه، ولا يَقْبَلُ مِن صاحِبِ المسألَةِ؛ لأن