..................................
لأنَّه عِوَضٌ مُشاهَدٌ، فلم يَحْتَجْ إلى مَعْرِفَةِ قَدْرِه، كبُيُوعِ الأعْيانِ.
وكلامُ أحمدَ إنَّما تَناوَلَ غيرَ المُعَيَّنِ، ولا خِلافَ في اعْتِبارِ أوْصافِه.
ودَلِيلُهم يَنْتَقِضُ بعَقْدِ الإِجارَةِ، فَإنَّه يَنْفَسِخُ بتَلَفِ العَينِ المُسْتَأْجَرَةِ، ولا يَحْتَاجُ مع التَّعْيِينِ إلى مَعْرِفَةِ الأوْصَافِ.
ولأنَّ رَدَّ مِثلِ الثَّمَنِ إنَّما يُسْتَحَقُّ عندَ فَسْخِ العَقْدِ، لا من جِهَةِ عَقْدِه، وجَهَالةُ ذلك لا تُؤَثِّرُ، كما لو باعَ المَكِيلَ والمَوْزُونَ.
ولأنَّ العَقْدَ قد تَمَّتْ شَرائِطُه، فلا يَبْطُلُ بأمْرٍ مُوهِمٍ 1. فعلى القَوْلِ الأوَّلِ، لا يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ رَأْسَ مالِ السَّلَمِ ما لا يُمْكِنُ ضَبْطُه بالصِّفَةِ، كالجَواهِرِ، وسائِرِ ما لا يَجُوزُ السَّلَمُ فيه، فإنْ فَعَلَا، بَطَلَ العَقْدُ، ويَرُدُّه إنْ كان مَوْجُودًا، وإلَّا يَرُدُّ قِيمَتَه، فإنِ اخْتَلَفَا في القِيمَةِ، فالقَوْلُ قَوْلُ المُسْلَمِ إليه؛ لأنَّه غارِمٌ.
وكذلك إنْ حَكَمْنا بصِحَّةِ العَقْدِ ثم انْفَسَخَ.
فإنِ اخْتَلَفَا في المُسْلَمِ فيه، فقال أحَدُهما: في كذا مُدْىٍ 2 حِنْطَةٍ.
وقال الآخَرُ: في كذا مُدْىٍ (2) شَعِيرٍ.
تَحالفَا، وتَفاسَخَا.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي، كما لو اخْتَلَفَا في ثَمَنِ المَبِيعِ.
فصل: وكُلُّ مالَيْنِ حَرُم النَّسَاءُ فيهما، لا يجوزُ أنْ يُسَلَّمَ أحَدُهما في
..................................
الآخَرِ؛ لأنَّ السَّلَمَ من شَرْطِه النَّسَاءُ والتَّأْجِيلُ.
والذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ في أنّه لا يَجُوزُ النَّساءُ في العُرُوضِ.
وهو إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
فعلى هذا، لا يَجُوزُ إسْلامُ بَعْضِها في بَعْضٍ.
وقال ابنُ أبي مُوسَى: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَأْسُ مالِ السَّلَمِ إلَّا عَينًا، أو وَرِقًا 1. قال القاضِي: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: قيلَ لأحْمَدَ: يُسْلِمُ ما يُوزُنُ فيما يُكالُ، وما يُكالُ فيما يُوزَنُ؟ فلم يُعْجِبْه.
فعلى هذا، لا يَجُوزُ أنْ يكونَ المُسْلَمُ فيه ثَمَنًا.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ؛ لأنَّها لا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ إلَّا ثَمَنًا، فلا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُثْمَنَةً.
وعلى الرِّوَايَةِ التي تَقُولُ: يَجُوزُ النَّسَاءُ في العُرُوضِ.
يَجُوزُ أنْ يكونَ رَأْسُ المالِ عَرْضًا، كالثَّمَنِ سَواءً، ويَجُوزُ إسْلامُها في الأَثْمانِ.
قال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: يَجُوزُ السَّلَمُ في الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ.
وهذا مَذْهَبُ مالِكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّها تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ صَدَاقًا، فَتَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا، كالعُرُوضِ.
ولأنّه لا رِبًا بَينَهُما من حيث التَّفَاضُلُ ولا النَّسَاءُ، فصَحَّ إسْلامُ أحَدِهما في الآخَرِ، كالعَرْضِ بالعَرْضِ 2. ولا يَصِحُّ ما قاله أبو حَنِيفةَ، فإنّه لو باعَ دَرَاهِمَ بدَنَانِيرَ، صَحَّ، ولا بُدَّ أنْ يكونَ أحَدُهما مُثْمَنًا.
فعلى هذا، إذا أسْلَمَ عَرْضًا في عَرْضٍ مَوْصُوفٍ بصِفَاتِه، فجاءَهُ عندَ الحُلُولِ بذلك العَرْضِ بعَينِه، لَزِمَهُ قَبُولُه على أحَدِ
وَإِنْ أَسْلَمَ ثَمَنًا وَاحِدًا فِي جِنْسَينِ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنَ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ.
الوَجْهَينِ؛ لأنَّه أتاهُ بالمُسْلَمِ فيه على صِفَتِه، فلَزِمَه قَبُولُه، كما لو كان غيرَه.
والثانِي، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه يُفْضِي إلى كَوْنِ الثَّمَنِ هو المُثْمَنَ.
ومن نَصَرَ الأوَّلَ، قال: هذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الثَّمَنَ إنّما هو في الذِّمَّةِ، وهذا عِوَضٌ عنه.
وهكذا لو أسْلَمَ جارِيَة صَغِيرَةً في كَبِيرَةٍ، فجاءَ المَحِلُّ، وهي على صِفَةِ المُسْلَمِ فيه، فأَحْضَرَها، خُرِّجَ فيها الوَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَجُوزُ؛ لأَنَّه يُفْضِي إلى أنْ يكونَ قد اسْتَمْتَعَ بها ورَدَّها خالِيَةً عن عُقْرٍ (1). والثاني، يَجُوزُ؛ لأنَّه أحْضَرَ المُسْلَمَ فيه على صِفَتِه.
ويَبْطُلُ الأوَّلُ بما إذا وَجَدَ بها عَيبًا، فرَدَّها.
[ولأصْحَابِ الشافعيِّ] (2) في هاتَينِ، المسألتَين وَجْهانِ كهذين.
فإنْ فَعَلَ ذلك حِيلَةً لِيَنْتَفِعَ بالعَينِ، أو لِيَطَأَ الجارِيَةَ ثمّ يَرُدَّها بغيرِ عِوَضٍ، لم يَجُزْ، وَجْهًا واحِدًا.
1742 -
مسألة: (وإنْ أسْلَمَ ثَمَنًا واحِدًا في جِنْسَينِ، لم يَجُزْ حتى يُبَيِّنَ ثمَنَ كُلِّ جِنْسٍ)
نحوَ 3 أنْ يُسْلِمَ دِينارًا في قَفِيزِ حِنْطَةٍ وقَفِيزٍ شَعِيرٍ،12
..................................
[ولا] 1 يُبَيِّنَ ثَمَنَ الحِنْطَةِ من [الدِّينارِ فلا] 2 يَصِحُّ ذلك.
وقال مالِكٌ: يَجُوزُ.
وللشافعيِّ قَوْلانِ، كالمَذْهَبَينِ؛ لأنَّ كُلَّ عَقْدٍ جازَ على جِنْسَينِ في عَقْدَينِ، جازَ عليهما في عَقْدٍ واحِدٍ، كبيُوعِ الأعْيَانِ.
ولَنا، أنّ ما يُقَابِلُ كُلَّ واحِدٍ من الجنْسَينِ مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَقَدَ عليه مُفْرَدًا بثَمَنٍ مَجْهُولٍ.
ولأنَّ فيه غَرَرًا؛ لأَنَّا لا نَأْمَنُ الفَسْخَ بتَعَذُّرِ أحَدِهما فلِم نَدْرِ بكم يَرْجِعُ؟ وهذا غَرَرٌ يُؤَثِّرُ مثلُه في السَّلَمِ.
وبمثلِ هذا عَلَّلْنَا مَعْرِفَةَ صِفَةِ الثَّمَنِ.
وقد ذَكَرْنا ثَمَّ وَجْهًا أنّه لا يُشْتَرَطُ.
فيُخَرَّجُ ها هنا مثلُه؛ لأنَّه في مَعْناهُ.
والجَوازُ ها هنا أوْلَى؛ لأَنَّ العَقْدَ ثَمَّ إذا انْفَسَخَ لا يَعْلَمُ مِقْدارَ ما يَرْجِعُ به، وههنا يَرْجِعُ بقِسْطِه من رأْسِ مالِ السَّلَمِ.
ولأنَّه لو باعَ عَبْدَه وعَبْدَ غَيرِه بثَمَنٍ واحِدٍ، جازَ، في أَظْهَرِ الوَجْهَينِ، وهذا مثلُه.
ولأنَّه لمَّا جازَ أنْ يُسْلِمَ في شيءٍ واحِدٍ إلى أجَلَينِ ولا يُبَيِّنُ ثمنَ كُلِّ واحِدٍ 3 منهما، يَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ ها هنا.
قال ابنُ أبي مُوسَى: ولا يَجُوزُ أنْ يُسْلِمَ خَمْسَةَ دَنانِيرَ وخَمْسِينَ دِرْهَمًا في كُرِّ حِنْطَةٍ، إلَّا أنْ يُبَيِّنَ حِصَّةً لكلِّ 4
فَصْلٌ: السَّابعُ، أَنْ يُسْلِمَ فِي الذِّمَّةِ.
فَإِنْ أَسْلَمَ فِي عَينٍ لَمْ يَصِحَّ.
واحِدٍ منهما [من المُثْمَنِ] 1. والأَوْلَى صِحَّةُ هذا؛ لأنَّه إذا تَعَذَّرَ بعضُ المُسْلَمِ 2 رَجَعَ بقِسْطِه منهما؛ إن 3 تَعَذَّرَ النِّصْفُ رَجَعَ بالنِّصْفِ، وإن تَعَذَّرَ الخُمْسُ رَجَعَ بدِينارٍ وعَشْرَةِ دَراهِمَ.
فصل: (السابعُ، أنْ يُسْلِمَ في الذِّمَّةِ.
فإنْ أَسْلَمَ في عَينٍ، لم يَصِحَّ) لأنَّه رُبَّما تَلِفَ قَبْلَ أوَانِ تَسْلِيمِه، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ مِكْيالًا بعَينِه، أو صَنْجَةً بعَينِها غيرَ مَعْلُومَةٍ.
ولأنَّ المُعَيَّنَ يمكِنُ بَيعُه في الحالِ، فلا حاجَةَ إلى السَّلَمِ فيه.
وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكَانِ الإِيفَاءِ، إلا أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ فِيهِ، كَالْبَرِّيَّةِ، فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ،
1743 - مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكانِ الإِيفاءِ)
ذَكَرَهُ القاضِي.
وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرٍ، عن أحمدَ، وإسْحاقَ، وطائِفَةٍ من أهْلِ الحَدِيثِ.
وبه قال أبو يُوسُف، ومحمّدٌ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ، أو وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» (1). ولم يَذْكُرْ مكانَ الإِيفاءِ، ولو كان شَرْطًا لذَكَرَه.
وفي الحَدِيثِ الذي فيه أنّ اليَهُودِيَّ أسْلَمَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أمّا مِن حَائِطِ بني فُلانٍ فَلَا، ولكن كَيلٌ مُسَمًّى، إلى أجَلٍ مُسَمًّى» (2). ولم يَذْكُرْ مكانَ الإِيفاءِ.
ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أَشْبَهَ بُيُوعَ الأَعْيَانِ.
وقال الثَّوْرِيُّ: يُشْتَرَطُ.
وهو القَوْلُ الثانِي للشافعيِّ.
وقال الأوْزَاعِيُّ: هو مَكْرُوهٌ؛ لأنَّ القَبْضَ يَجِبُ بحُلُولِه، ولا يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ حِينَئِذٍ.
وقال أبو حَنِيفَةَ، وبَعْضُ أصْحابِ الشافعيِّ: إنْ كان لحَمْلِه مُؤْنَةٌ، وجَبَ شَرْطُه، وإلَّا فلا، لأنَّه إذا كان لِحَمْلِه مُؤْنَةٌ، اخْتَلَفَ فيه الغَرَضُ، بخِلافِ ما لا مُؤْنَةَ فيه.
1744 -
مسألة: (إلَّا أنْ يكُونَ مَوْضِعُ العَقْدِ لا يُمْكِنُ الوَفاءُ فيه،
12
وَيَكُونَ الْوَفَاءُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ، كالبَرِّيَّةِ (1)، فيُشْتَرَطُ ذِكْرُه) لأنَّه متى كانَا في بَرِّيَّةٍ، لم يمكِنِ التَّسْلِيمُ في مكانِ العَقْدِ، فإذا تُرِكَ ذِكْرُه كان مَجْهُولًا.
1745 -
مسألة: (ويَكُونُ الوَفَاءُ في مَكَانِ العَقْدِ)
إذا كانا في مكانٍ يُمْكِنُ الوَفاءُ فيه، اقْتَضَى العَقْدُ التَّسْلِيمَ في مكانِه، فاكْتَفَى بذلك عن ذِكْرِه.1
فَإِنْ شَرَطَ الْوَفَاءَ فِيهِ، كَانَ تَأْكِيدًا، وَإِنْ شَرَطَهُ فِي غَيرِهِ، صَحَّ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ.
1746 - مسألة: (فإنْ شَرَطَ الوَفاءَ فيه، كان تَأْكِيدًا)
وهو حَسَنٌ؛ لأنَّه شَرَطَ ما يَقْتَضِيه العَقْدُ، أشْبَهَ ما لو شَرَطَ الحُلُولَ في ثَمَنِ المَبِيعِ.
1747 -
مسألة: (وإنْ شَرَطَه في غَيرِه، صَحَّ)
لأنَّه بَيعٌ، فَصَحَّ شَرْطُ الإِيفاءِ في غيرِ مكانِه، كبُيُوعِ الأعْيَانِ.
ولأنَّه شَرَطَ ذِكْرَ مكانِ الإِيفاءِ، فَصَحَّ، كما لو ذَكَرَه في مكانِ العَقْدِ (وعنه، لا يَصِحُّ) ذَكَرَهَا ابنُ أبي مُوسَى؛ لأنَّه شَرَطَ خِلافَ ما اقْتَضَاهُ العَقْدُ، لأنَّ العَقْدَ يَقْتَضِي الإِيفاءَ في مكانِه.
وقال القاضِي، وأبو الخَطّابِ: متى ذكَرَ مكانَ الإِيفاءِ، ففيه رِوايَتَانِ، سَوَاءٌ شَرَطَه في مكانِ العَقْدِ، أوَ في غيرِه؛ لأنَّه رُبَّما تَعَذَّرَ تَسْلِيمُه في ذلك المكانِ، فأَشْبَهَ تَعْيِينَ المِكْيالِ.
واخْتَارَهُ أبو بكْرٍ.
ولَنا،
وَلَا يَصِحُّ بَيعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَا هِبَتُهُ، وَلَا أَخْذُ غَيرِهِ مَكَانَهُ، وَلَا الْحَوَالةُ بِهِ (1).
أنَّ في تَعْيِينِ المَكانِ غَرَضًا ومَصْلَحَةً لهما، أشْبَهَ تَعْيِينَ الزَّمَانِ، وبهذا يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه.
ثم لا يَخْلُو؛ إمّا أنْ يكونَ مُقْتَضَى العَقْدِ التَّسْلِيمَ في مكانِه، فإذا شَرَطَه فقد شَرَطَ مُقْتَضَى العَقْدِ، أو لا يكونَ ذلك مُقْتَضَى العَقْدِ، فيَتَعَيَّنُ ذِكْرُ مكانِ الإِيفاءِ، نَفْيًا للجَهالةِ عنه، وقَطْعًا للتَّنازُعِ، فالغَرَرُ في تَرْكِه لا في ذِكْرِه.
وتَعْيِينُ المِكْيَالِ يُفارِقُ هذا، فإنّه لا حاجَةَ إليه، ويَفُوتُ به عِلْمُ المِقْدارِ المُشْتَرَطِ لصِحَّةِ العَقْدِ، ويُفْضِي إلى التَّنَازُعِ، وفي مسألتِنا لا يَفُوتُ به شَرْطٌ، ويَقْطَعُ التَّنازُعَ، فالمَعْنَى المانِعُ من التَّقدِيرِ بمِكْيالٍ بعَينِه مَجْهُولٍ هو المُقْتَضِي لذِكْرِ مكانِ الإِيفاءِ، فكيفَ يَصِحُّ قِياسُهم عليه؟.
1748 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ المُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه، ولا هِبَتُه، ولا أَخْذُ غَيرِه مكانَه، ولا الحَوالةُ به)
لا يَجُوزُ بَيعُ المُسْلَمِ فيه1
..................................
قبلَ قَبْضِه، بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبْضه، وعن رِبْحِ ما لم يَضْمَنْ 1. ولأنَّه مَبِيعٌ لم يَدْخُلْ في ضَمانِه، فلم يَجُزْ بَيعُه، كالطَّعام قبلَ قَبْضِه.
وكذلك التَّوْلِيَةُ والشَّرِكَةُ.
وبهذا قال أكثَرُ أهلِ العِلْمِ.
وحُكِيَ جَوازُ الشَّرِكَةِ والتَّوْلِيَةِ عنِ مالِكٍ؛ لما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه نَهَى عن بَيعِ الطَّعَامِ قبلَ قَبْضِه، وأرْخصَ في الشَّرِكَةِ والتَّوْلِيَةِ 2. وقِياسًا على الإِقالةِ.
ولَنا، أنَّها مُعَاوَضَةٌ في المُسْلَمِ فيه قبلَ القَبْضِ، فلم يَصِحَّ، كما لو كانت بلَفْظِ البَيعِ.
ولأنَّهُما نَوْعَا بَيعٍ، فلا يَجُوزُ في 3 السَّلِمِ قبلَ قَبْضِه، كالنَّوْعِ الآخَرِ.
والحَدِيثُ لا نعْرِفُه، وهو حُجَّةٌ لَنَا؛ لأَنَّه نَهَى عن بَيعِ الطَّعَامِ قبل قَبْضِه، والشَّرِكَةُ والتَّوْلِيَةُ بَيعٌ، فيَدْخُلانِ في النَّهْي.
ويُحْمَلُ قَوْلُه: وأَرْخَصَ في الشَّرِكَةِ والتَّوْلِيَةِ.
على أنّه أرْخَصَ فيهما في الجُمْلَةِ، لا في هذا المَوْضِعِ.
وأمّا
..................................
الإِقَالةُ فإنَّها فَسْخٌ، وليست بَيعًا.
[ولا يَجُوزُ هِبَتُه، قِياسًا على البَيعِ] 1. وأمّا أخْذُ غَيرِه مكانَه فهو أنْ يَأْخُذَ غيرَ المُسْلَمِ فيه عِوَضًا عن المُسْلَمِ فيه.
وذلك حَرامٌ، سواءٌ كان المُسْلَمُ فيه مَوْجُودًا أو مَعْدُومًا، وسواءٌ كان العِوَضُ مثلَ المُسْلَمِ فيه في القِيمَةِ، أو أقَلَّ، أو أكْثَرَ.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ، والشافعيُّ.
وذَكَرَ ابنُ أبي مُوسَى رِوايَةً في مَن أسْلَمَ في بُرٍّ، فعَدِمَه عند المَحِلِّ، فرَضِيَ أنْ يَأْخُذَ شَعِيرًا مثلَه، جازَ.
وذلك مَحْمُولٌ على أنّ البُرَّ والشَّعِيرَ جِنْسٌ.
والصَّحِيحُ في المَذْهَبِ خِلافه.
وقال مالِكٌ: يَجُوزُ أنْ يَأْخُذَ غيرَ المُسْلَمِ فيه مكانه، يَتَعَجَّلُه ولا يُؤَخِّرُه إلَّا الطَّعامَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وقد ثَبَتَ أنَّ ابنَ عَبّاسٍ قال: إذا أسْلَمْتَ في شيءٍ إلى أجَلٍ، فإن أخَذْتَ ما أَسْلَفْتَ فيه، وإلَّا فَخُذْ عِوَضًا أَنْقَصَ منه،
..................................
ولا تَرْبَحْ مَرَّتَينِ.
رَواهُ سَعِيدٌ في «سُنَنِه».
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَسْلَمَ في شَيْءٍ، فلا يَصْرِفْه إلى غَيرِه».
رَواهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ ماجَه 1. ولأنَّ أخْذَ العِوَضِ عن المُسْلَمِ فيه بَيعٌ له، فلم يَجُزْ، كبَيعِه لغَيرِه.
فصل: ولا تَجُوزُ الحَوَالةُ به؛ لأنَّها إنّما تَجُوزُ على دَينٍ مُسْتَقِرِّ، والسَّلَمُ بعَرَضِ الفَسْخِ، فليس بمُسْتَقِرٍّ.
ولأنَّه نَقْلٌ للمِلْكِ في المُسْلَمِ فيه على غيرِ وَجْهِ الفَسْخِ، فلم يَجُزْ، كالبَيعِ.
ومعنى الحَوالةِ به 2،
وَيَجُوزُ بَيعُ الدَّينِ الْمُسْتَقِرِّ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَقْبِضَ عِوَضَهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيرِهِ.
أنْ يكونَ لرَجُلٍ سَلَمٌ، وعليه مِثْلُه من قَرْضٍ، أو سَلَمٍ آخَرَ، أو بَيعٍ، فيُحِيلُ بما عليه من الطَّعَامِ على الذي عِنْدَه السَّلَمُ، فلا يَجُوزُ، وإنْ أحال المُسْلمُ إليه المُسْلِمَ بالطَّعامِ الذي عليه، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ بالمُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه، فلم يَجُزْ، كالبَيعِ.
1749 -
مسألة: (ويَجُوزُ بَيعُ الدَّينِ المُسْتَقِرِّ لمَنْ هو في ذِمَّتِه، بشَرْطِ أنْ يَقْبِضَ عِوَضَه في المَجْلِسِ، ولا يَجُوزُ لغَيرِه)
لحَدِيثِ ابنِ
..................................
عمرَ: كُنّا نَبِيعُ الأَبْعِرَةَ بالبَقِيعِ بالدَّنانِيرِ، ونَأْخُذُ عِوَضَها الدّرَاهِمَ، وبالدَّراهِمِ ونَأْخُذُ عِوَضَها الدَّنانِيرَ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لا بَأْسَ، إذا تَفَرَّقْتُما وليس بَينَكَما شيءٌ» 1. فقد دَلَّ الحَدِيثُ على جَوازِ بَيعِ ما في الذِّمَّةِ من أحَدِ النَّقْدَينِ بالآخَرِ، وغَيرُه مُقاسٌ عليه، ودَلَّ على اشْتِراطِ القَبْضِ في المَجْلِسِ قَوْلُه: «إذا تَفَرَّقْتُما وليس بَينَكُما شيءٌ».
وفي ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْناه في الصَّرْفِ.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَصِحُّ بَيعُه لمَنْ هو في ذِمَّتِه، كما لا يَصِحُّ في السَّلَمِ.
والأَوَّلُ أوْلَى.
فإنِ اشْتَرَاهُ منه بمَوْصُوفٍ في الذِّمَّةِ من غَيرِ جِنْسِه، جازَ، ولا يَتَفَرَّقَا قَبْلَ القَبْضِ؛ لأنَّه يكونُ 2 بيعَ دَينٍ بدَينٍ، وإنْ أَعْطَاهُ مُعَيَّنًا بما يُشْتَرَطُ فيه التَّقَابُضُ، مثلَ أنْ أعْطاه عِوَضَ الحِنْطَةِ شَعِيرًا، جازَ، ولم يَجُزِ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، وإنْ أَعْطَاهُ مُعَيَّنًا لا يُشْتَرَطُ فيه التَّقَابُضُ، جازَ التَّفَرُّقُ قبلَ
..................................
القَبْضِ، كما لو قال: بِعْتُكَ هذا الشَّعِيرَ بمائَةِ دِرْهَمٍ في ذِمَّتِك.
ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَجُوزَ؛ لأنَّ المَبِيعَ في الذِّمَّةِ، فلم يَجُزِ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، كالسَّلَمِ.
..................................
فصل: فإن باعَ الدَّينَ لغَيرِ مَنْ هو في ذِمَّتِه، لم يَصِحَّ.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ.
قال أحمدُ: إذا كان لَكَ على رَجُلٍ طَعامٌ قَرْضًا، فبِعْه مِن الذي هو عليه بنَقْدٍ، ولا تَبِعْهُ من غيرِه بنَقْدٍ ولا نسِيئَةٍ، وإذا أَقْرَضْتَ رَجُلًا دَراهِمَ أو دَنانِيرَ، فلا تَأْخُذْ من غَيرِه عِوَضًا بما لَكَ عليه.
وقال الشافعيُّ: إن كانَ الدَّينُ على مُعْسِرٍ أو مُماطِلٍ لم يَصِحَّ البَيعُ؛ لأنَّه مَعْجُوزٌ عن تَسْلِيمِه، وإنْ كان على مَلئٍ باذِلٍ له، ففيه قَوْلانِ؛ أحَدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه ابْتَاعَ بمالٍ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ، فصَحَّ، كما لو اشْتَرَى في ذِمَّتِه، ويُشْتَرَطُ أنْ يَشْتَرِيَ بعَينٍ، أو يَتَقَابَضَا في المَجْلِسِ؛ لئَلَّا يكونَ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ.
ولَنا، أنَّه غيرُ قادِرٍ على تَسْلِيمِه، فلم يَصِحَّ، كبَيعِ الآبِقِ، والطَّيرِ في الهَواءِ.
وَتَجُوزُ الْإِقَالةُ فِي السَّلَمِ، وَتَجُوزُ فِي بَعْضِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، إِذَا قَبَضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ أَوْ عِوَضَهُ فِي مَجْلِسِ الْإِقَالةِ.
1750 - مسألة: (وتَجُوزُ الإِقالةُ في السَّلَمِ، وتَجُوزُ في بَعْضِه في [إحْدَى الرِّوايَتَين] 1، إذَا قَبَضَ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ أو عِوَضَه في مَجْلِسِ الإِقَالةِ) الإِقَالةُ في السَّلَمِ جائِزَةٌ؛ لأَنَّها فَسْخٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه منِ أَهْلِ العِلْمِ على أنَّ الإِقالةَ في جَمِيعِ ما أسْلَمَ فيه جائِزَةٌ. ولأنَّ الإِقالةَ فسْخٌ للعَقْدِ، ورَفْعٌ من أصْلِه، وليست بَيعًا. قال القاضِي: ولو قال: لي عِنْدَكَ هذا الطَّعَامُ، صَالِحْنِي على ثَمَنِه. جازَ؛ لأنَّه أقاله. فأمّا الإِقَالةُ في بَعْضِ السَّلَمِ، فاختَلفتِ الرِّوَايَةُ فيها، فرُوِيَ
..................................
عنه أنَّها لا تَجُوزُ.
وقد رُويَتْ كَرَاهَتُها عن ابنِ عمرَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، ورَبِيعَةَ، وابنِ أبي لَيلَى، وإسحاقَ.
ورَوَى حَنْبَلٌ عن أحْمَدَ، أنَّه قال: لا بَأْسَ بها.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، وطَاوُسٍ، ومُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ، وحُمَيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، والحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، وأصحابِه، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ جازَ في الجميعِ، جازَ في البَعْضِ، كالإِبرَاءِ والإِنْظَارِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّ السَّلَفَ في الغالِبِ يُزادُ فيه في الثَّمَنِ من أجْلِ التَّأْجِيلِ، فإذا أقالهُ في البَعْضِ، بَقِيَ البَعْضُ بالباقِي من الثَّمَنِ،
..................................
وبِمَنْفَعَةِ 1 الجُزْءِ الذي حَصَلَتِ الإِقَالةُ فيه، فلم يَجُزْ، كما لو شَرَطَ ذلك في ابْتِداءِ العَقْدِ.
ويُخَرَّجُ عليه 2 الإِبْراءُ والإِنْظَارُ؛ فإنّه لا يَتَعَلَّقُ به شيءٌ من ذلك.
فصل: إذا أقاله، رَدَّ الثَّمَنَ إنْ كان باقِيًا، وإلَّا رَدَّ مِثْلَه إنْ كان مِثْلِيًّا، أو قِيمَتَه إنْ لم يَكُنْ مِثْلِيًّا، ويُشْتَرَطُ رَدُّه في المَجْلِسِ، كما يُشْتَرَطُ في السَّلَمِ.
وَإِنِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِإِقَالةٍ أَوْ غَيرِهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ عَنِ الثَّمَنِ عِوَضًا مِنْ غَيرِ جِنْسِهِ.
1751 - مسألة: (وإنِ انْفَسَخَ العَقْدُ بإقَالةٍ أو غيرِها، لم يَجُزْ أنْ يَأْخُذَ عن الثَّمَنِ عِوَضًا من غيرِ جِنْسِه)
متى أرادَ أنْ يُعْطِيَه عِوَضًا عن الثَّمَنِ، فقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: لا يَجُوزُ له صَرْفُ ذلك الثمَنِ في عَقْدٍ آخرَ حتى يَقْبِضَه.
وبه قال أبو حَنِيفَةَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أسْلَفَ في شيءٍ فلا يَصْرِفْه إلى غَيرِه» 1. ولأنَّ هذا مَضْمُونٌ على المُسْلَمِ إليه بعَقْدِ السَّلَمِ، فلم يَجُزِ التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، كما لو كان في يَدِ المُشْتَرِي.
ولأنَّ هذا مَضْمُونٌ على المُسْلَمِ إليه بعَقْدِ السَّلَمِ، فلم يَجُزْ أخْذُ عِوَضِه، كالمُسْلَمِ فيه وقال القاضِي أبو يَعْلَى: يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه.
وهو قَوْلُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عِوَضٌ مُسْتَقِرٌّ في الذِّمَّةِ، فجازَ أخْذُ العِوَضِ عنه، كما لو كان قَرْضًا.
ولأنَّهُ مالٌ عادَ إليه بفَسْخِ العَقْدِ، فجازَ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالثَّمَنِ في البَيعِ 2، والفَرْقُ بينَ المُسْلَمِ فيه والثَّمَنِ،
..................................
أنَّ المُسْلَمَ فيه مَضْمُونِّ بالعَقْدِ، والثَّمَنَ مَضْمُونٌ بعدَ فَسْخِه، والخَبَرُ أُرِيدَ به المُسْلَمُ فيه.
فإن قُلْنا بهذا، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو كان في قَرْضٍ، أو ثَمَنًا في بُيوعِ الأعْيانِ، لا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ سَلَمًا في شيءٍ آخرَ؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بدَينٍ، ويَجُوزُ فيه ما يَجُوزُ في القَرْضِ وأثْمانِ البِيَاعَاتِ إذا فُسِخَتْ، ويَأْخُذُ أحَدَ النَّقْدَينِ عن الآخَرِ، ويَقْبِضُه في مَجْلِسِ الإِقالةِ؛ لأنَّه صَرْفٌ.
وَإنْ كَانَ لِرَجُلٍ سَلَمٌ، وَعَلَيهِ سَلَمٌ مِنْ جِنْسِهِ، فَقَال لِغَرِيِمِهِ: اقْبِضْ سَلَمِي لِنَفْسِكَ.
فَفَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ، وَهَلْ يَقَعُ قَبْضُه لِلْآمِرِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
1752 - مسألة: (وإذا كانَ لرَجُلٍ سَلَمٌ، وعليه سَلَمٌ من جِنْسِه، فقال لغَرِيمِه: اقْبِضْ سَلَمِي لنَفْسِك. فَفَعَلَ 1، لم يَصِحَّ قَبْضُه لنَفْسِه) لأنَّ قَبْضَه لنَفْسِه حَوالةٌ به، والحَوالةُ بالسَّلَمِ لا تَجُوزُ (وهل يَقَعُ 2 قَبْضُه للآمِرِ؟ على رِوَايَتَينِ) إِحْداهُما، يَصِحُّ؛ لأنَّه أَذِنَ له في القَبْضِ، فأَشْبَهَ قَبْضَ وَكِيلِه، وكما لو نوَى المَأْمُورُ القَبْضَ للآمِرِ. والثانِيَة، لا يَصِحُّ؛ لأَنه لم يَجْعَلْه نائِبًا له (1) في القَبْضِ، فلم يَقَعْ له (1)، بخِلافِ الوكِيلِ، فصارَ كالقابضِ بغَيرِ إذْنٍ. فإذا قُلْنا: لا يَصِحُّ القَبْضُ. بَقِيَ على مِلْكِ المُسْلَمِ إليه. ولو قال الأوَّلُ للثانِي: احْضُرِ اكْتِيالِي منه؛
وَإِنْ قَال: اقْبِضْهُ لِي، ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ.
صَحَّ.
لأُقَبِّضَه لَكَ.
فَفَعَلَ، لم يَصِحَّ قَبْضُه لِلثانِي.
وهل يكونُ قابِضًا لنَفْسِه؟ على وَجْهَينِ؛ أَوْلاهُما، أنَّه يَكُونُ قابِضًا لنَفْسِه؛ لأنَّ قَبْضَ المُسْلَمِ فيه قد وُجِدَ من مُسْتَحِقِّه، فَصَحَّ (1)، كما لو نَوَى القَبْضَ لنَفْسِه.
فعلى هذا، إذا قَبَضَه للآخَرِ صَحَّ.
1753 -
مسألة: (وإن قال: اقْبِضْه لِي، ثمّ اقْبِضْهُ لنَفْسِكَ. صَحَّ)
لأنَّه اسْتَنَابَه في قَبْضِه له، فصَحَّ، كما لو لم يَقُلْ: ثم اقْبِضْهُ لنَفْسِك.
وإذا وَقَعَ القَبْضُ للآمِرِ، مَلَكَه وقَبَضَه نائِبُه 2، فجازَ أن يَقْبِضَه لنَفْسِه،1
وَإِنْ قَال: أَنَا أَقْبِضُهُ لِنَفْسِي، وَخُذْهُ بِالْكَيلِ الَّذِى تُشَاهِدُهُ.
فَهَلْ يَجُوزُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
كما لو كانَ في يَدِ غَيرِه.
وكذلك إن قال الآمِرُ: احْضُرْنا حتى أكتَاله لنَفْسِى، ثمّ تَكْتَاله أنْتَ.
وفَعَلا (1) صَحَّ.
1754 -
مسألة: (وإنْ قال: أنا أَقْبِضُه لنَفْسِي، وخُذْه 2 بالكَيلِ الذي تُشَاهِدُه) جازَ في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ؛ لأنَّه عَلِمَه وشَاهد كَيلَه. والثانِيَةُ: لا يَجُوزُ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الطّعامِ حتى يَجْرِيَ فيه الصّاعَانِ، صاعُ البائِعِ، وصاعُ المُشْتَرِي 3. ولم يُوجَدْ ذلك. ولأنَّه قَبَضَه بغَيرِ كَيلٍ، أشْبَهَ ما لو قَبَضَه جُزَافًا.1
وَإِنِ اكْتَالهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْمِكْيَالِ، وَسَلَّمَهُ إِلَى غَرِيمِهِ، فَقَبَضَهُ، صَحَّ الْقَبْضُ لَهُمَا.
1755 - مسألة: (وإنِ اكْتَاله، وتَرَكَهُ في المِكْيَالِ، وسَلَّمَه إلى غَرِيمِه، فقَبَضَه، صَحَّ القَبْضُ لهما)
لأَنَّ اسْتِدامَةَ الكَيلِ بمَنْزِلَةِ ابْتدائِه، فلا مَعْنَى لابْتِداءِ الكَيلِ ها هنا؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به زِيادَةُ عِلْمٍ.
[وقالتِ الشافعيَّةُ] 1: لا يَصِحُّ؛ للحَدِيثِ الذي ذَكَرْنَاه في المَسْأَلَةِ قَبْلَها.
وهذا يمكنُ القَوْلُ بمُوجَبِه؛ لأنَّ قَبْضَ المُشْتَرِي له [في المِكْيالِ] 2 جَرْيٌ لصاعِه فيه.
..................................
فصل: وإنْ دَفَعَ زَيدٌ إلى عَمْرٍو دَراهِمَ، فقال: اشْتَرِ لَكَ بها مِثْلَ الطَّعَامِ الذي لَكَ عَلَيَّ.
فَفَعَلَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ دَرَاهِمَ زَيدٍ لا تكونُ عِوَضًا لعَمْرٍو.
فإنِ اشْتَرَى الطَّعَامَ بعَينِها أو في ذِمَّتِه، فهو كتَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ.
وإنْ قال: اشْتَرِ لِي بها طَعامًا، ثم اقْبِضْهُ لنَفْسِكَ.
فَفَعَلَ، صَحَّ الشِّراءُ، ولم يَصِحَّ القَبْضُ لنَفْسِه، على ما تَقَدَّمَ في مثلِ هذه الصُّورَةِ.
وإنْ قال: اقبِضْهُ لي، ثم اقبضْهُ لنَفْسِكَ.
فَفَعَلَ، صَحَّ 1. نَصَّ عليه.
وقال أصْحابُ الشّافِعِيِّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أنْ يكونَ قابِضًا من نَفْسِه لنَفْسِه.
ولَنا، أنَّه يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِيَ لنَفْسِه (1) من مالِ وَلَدِه، ويَبِيعَه،
.................................. ويَقْبِضَ لنَفْسِه من نَفْسِه، ولوَلَدِه من نَفْسِه، وكذلك لو وَهَبَ وَلَدَه الصَّغِيرَ شَيئًا، جازَ أنْ يَقْبَلَ له من نَفْسِه، ويَقْبِضَ منها، فكذا ها هنا.
وَإِنْ قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ جُزَافًا، فَالْقَولُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِهِ.
1756 - مسألة: (وإنْ قَبَضَ المُسْلَمَ فيه جُزافًا، فالقَوْلُ قولُه في قَدْرِه)
لا يَقْبِضُ ما أَسْلَمَ فيه كَيلًا إلَّا بالكَيلِ، ولا وَزْنًا إلَّا بالوَزْنِ، ولا بغَيرِ ما قُدِّرَ به وقْتَ العَقْدِ؛ لأنَّ الكَيلَ والوَزْنَ يَخْتَلِفانِ، فإنْ قَبَضَه بذلك، فهو كقَبْضِه جُزَافًا، ومتى قَبَضَه جُزَافًا، فإنَّه يَأْخُذُ قَدْرَ حَقِّه، ويَرُدُّ الباقِيَ، ويُطَالِبُ بالنَّقْصِ إنْ نَقَصَ.
وهل له أنْ يَتَصَرَّفَ في قَدْرِ حَقِّه منه قبلَ أنْ يَعْتَبِرَه؟ على وَجْهَينِ، مَضَى ذِكْرُهُما في كتابِ البَيعِ.
وإن اخْتَلَفا في قَدْرِه، فالقَوْلُ قولُ القابِضِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه أعْلَمُ بكَيلِه، ولأنَّه مُنكِرٌ للزَّائِدِ، والقَوْلُ قولُ المُنْكِرِ.
وَإِنْ قَبَضَهُ كَيلًا، أَوْ وَزْنًا، ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينَ.
1757 - مسألة: (وإنْ قَبَضَه كَيلًا، أو وَزْنًا، ثمَّ ادَّعَى غَلَطًا، لم يُقْبَلْ قَوْلُه، في أحَدِ الوَجْهَينِ)
لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الغَلَطِ، والآخَرُ، يُقْبَلُ؛ لأنَّه أَعْلَمُ بكَيلِ ما قَبَضَ، يعني إذا كاله فوَجَدَه ناقِصًا.
وَهَلْ يَجُوزُ الرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
1758 - مسألة: (وهل يَجُوزُ الرَّهْنُ والكَفِيلُ بالمُسْلَمِ فيه؟ على رِوَايَتَينِ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في الرَّهْنِ والضَّمِينِ في السَّلَمِ، فرَوَى المَرُّوذِيُّ، وابنُ القاسِمِ، وأبو طَالِبٍ، مَنْعَ ذلك.
وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
واخْتارَهُ أبو بَكْرٍ.
ورُويَتْ كَرَاهَتُه عن عَلِيٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ، والأوْزَاعِيِّ.
ورَوَى حَنْبَلٌ جَوَازَه.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، والحَكَمِ، ومالِكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصْحَابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ، لقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ﴾ إلى قولِه ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 1. وقد رُوِيَ عن ابنِ عَبّاسٍ، وابنِ عمرَ، أنَّ المُرادَ به السَّلَمُ.
ولأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، فيَدْخُلُ فيه السَّلَمُ.
ولأنَّه أحَدُ نَوْعَيِ البَيعِ، فجازَ أخْذُ الرَّهْنِ بما في الذِّمَّةِ منه، كبُيُوعِ الأعْيَانِ.
وَوَجْهُ الأُولَى أنَّ الرَّهْنَ والضَّمِينَ إنْ أخذَ برَأْسِ مالِ السَّلَمِ، فقد أخَذَ بما ليس بوَاجِبٍ،
..................................
ولا 1 مآلُه إلى الوُجُوبِ؛ لأنَّ المُسْلَمَ إليه قد مَلَكَه، وإنْ أخَذَ بالمُسْلَمِ فيه، فالرَّهْنُ إنَّما يَجُوزُ بشيءٍ يمكنُ اسْتِيفاؤُه من ثَمَنِ الرَّهْنِ، والمُسْلَمُ فيه لا يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُه من ثمَنِ الرَّهْنِ، ولا من ذِمَّةِ الضّامِنِ، ولأنَّه لا يَأْمَنُ هَلاكَ الرَّهْنِ في يَدِه بعُدْوَانٍ، فيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لحَقِّه من غيرِ المُسْلَمِ فيه، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أسْلَفَ في شيءٍ فلا يَصْرِفْه إلى غَيرِه».
رَواهُ أبو دَاودَ 2. ولأنَّه يُقِيمُ ما في ذمَّةِ الضّامِنِ مُقَامَ ما في ذمَّةِ المَضْمُونِ عنه، فيَكُونُ في حُكْمِ أخْذِ العِوَضِ والبَدَلِ عنه، ولا يَجُوزُ ذلك.
فصل: فإن أخَذَ رَهْنًا أو ضَمِينًا بالمُسْلَمِ فيه، ثم تَقَايَلَا السَّلَمَ، أو فُسِخَ العَقْدُ لِتَعَذُّرِ المُسْلَمِ فيه، بَطَلَ الرَّهْنُ؛ لزَوَالِ الدَّينِ الذي به الرَّهْنُ، وبَرِئَ الضامِنُ، وعلى المُسْلَمِ إليه رَدُّ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ في الحالِ، ولا يُشْتَرَطُ قَبْضُه في المَجْلِسِ؛ لأنَّه ليس بعِوَضٍ.
ولو أقْرَضَه ألْفًا، وأخَذَ به رَهْنًا، ثم صالحَه من الأَلْفِ على طَعامٍ مَعْلُومٍ في ذِمَّتِه، صَحَّ، وزال الرَّهْنُ؛ لِزَوَالِ دَينِه من الذِّمَّةِ، وبَقِيَ الطَّعامُ في الذِّمَّةِ، ويُشْتَرَطُ قَبْضُه في المَجْلِسِ كَيلَا يكونَ بَيعَ دَينٍ بدَينٍ.
فإنْ تَفَرَّقَا قبلَ القَبْضِ،
..................................
بَطَلَ الصُّلْحُ، ورَجَعَ الألْفُ إلى ذِمَّتِه برَهْنِه؛ لأنَّه يَعُودُ إلى ما كان عليه، كالعَصِيرِ إذا تَخَمَّرَ ثم عادَ خَلًّا.
وكذا لو صَالحَه عن الدَّرَاهِمِ بدَنانِيرَ في ذِمَّتِه، فالحُكْمُ على ما بَيَّنَّا في هذه المَسْأَلَةِ.
فصل: وإذا حَكَمْنَا بصِحَّةِ ضَمانِ السَّلَمِ، فلِصاحِبِ الحَقِّ مُطَالبَةُ مَن شاءَ منهما، وأَيُّهما قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُما منه.
فإن سَلَّمَ المُسْلَمُ إليه المُسْلَمَ فيه إلى الضامِنِ لِيَدْفَعَه إلى المُسْلِمِ، جازَ، وكان وَكِيلًا.
وإن قال: خُذْه عن الذي ضَمِنْتَ عَنِّي.
لم يَصِحَّ، وكان قَبْضًا فاسِدًا مَضْمُونًا عليه؛ لأنَّه إنّما يَسْتَحِقُّ الأَخْذَ بعد الوَفاءِ، فإنْ أوْصَلَه إلى المُسْلِمِ بَرِئَ بذلك؛ لأنَّه سَلَّمَ إليه ما سَلَّطَه المُسْلَمُ إليه في التَّصَرُّفِ فيه.
وإن تَلِفَ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه قَبَضَه على ذلك.
وإنْ صالحَ المُسْلِمُ الضَّامِنَ عن المُسْلَمِ فيه بثَمَنِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إقالةٌ، فلا يَصِحُّ مِن غيرِ المُسْلَمِ إليه.
وإنْ صالحَه المُسْلَمُ إليه بثَمَنِه، صَحَّ، وبَرِئَتْ ذِمَّتُه وذِمَّةُ الضامِنِ؛ لأنَّ هذا إقالةٌ.
وإنْ صالحَه على غيرِ ثَمَنِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه بَيعٌ للمُسْلَمِ فيه قبلَ القَبْضِ.
..................................
فصل: والذي يَصِحُّ أخْذُ الرَّهْنِ به: كُلُّ دَينٍ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ يَصِحُّ اسْتِيفاؤُه من الرَّهْنِ؛ كأثْمانِ البِياعَاتِ، والأُجْرَةِ في الإِجَارَاتِ، والمَهْرِ، وعِوَضِ الخُلْعِ، والقَرْضِ، وأرْشِ الجِنايَاتِ، وقِيَمِ المُتْلَفَاتِ.
ولا يَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بما ليس بواجِبٍ، ولا 1 مآلُه إلى الوُجُوبِ؛ كالدِّيَةِ على العاقِلَةِ قبلَ الحَوْلِ؛ لأنَّها لم تَجِبْ بعدُ، ولا يُعْلَمُ إفْضَاؤُها إلى الوُجُوبِ، لأنَّها قد تَسْقُطُ بالجُنُونِ و 2 الفَقْرِ و (2) المَوْتِ، فلم يَصِحَّ أخْذُ الرَّهْنِ بها.
ويَحْتَمِلُ جَوازُ أخْذِ الرَّهْنِ بها قبلَ الحَوْلِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الحياةِ واليَسارِ والعَقْلِ.
فأمّا بعدَ الحَوْلِ فيَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بها؛ لأنَّها قد اسْتَقَرَّتْ.
ولا يَجُوزُ أخْذُ الرّهْنِ بالجُعْلِ في الجَعَالةِ قبلَ العَمَلِ؛ لأنَّه لم يَجِبْ، ولا يُعْلَمُ إفْضاؤُه إلى الوُجُوبِ.
ويَحْتَمِلُ جَوازُ أخْذِ 3 الرَّهْنِ به.
ذكَرَه القاضِي؛ لأنَّ مآله إلى الوُجُوبِ
..................................
واللُّزُومِ، فأَشْبَهَتْ أثْمانَ البِيَاعَاتِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ إفْضَاءَها [إلى الوُجُوبِ] 1 مُحْتَمِلٌ، فأَشْبَهَتِ الدِّيَةَ قبلَ الحَوْلِ.
ويَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ به بعدَ العَمَلِ؛ لأَنَّه قد وَجَبَ.
ولا يَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بمالِ الكِتَابَةِ؛ لأنَّه غيرُ لازِمٍ؛ فإنّ للعَبْدِ تَعْجِيزَ نَفْسِه.
ولا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ دَينِه من الرَّهْنِ؛ لأَنَّه لو عَجَزَ، صارَ الرَّهْنُ للسَّيِّدِ؛ لأنَّه من جُمْلَةِ مالِ المُكَاتَبِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يجُوزُ.
ولَنا، أنَّها وَثِيقَةٌ لا يمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الحَقِّ منها، فلم يَصِحَّ، كضَمَانِ الخَمْرِ.
ولا يَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بعِوَضِ المُسابَقَةِ؛ لأنَّها جَعَالةٌ، ولا يُعْلَمُ إفْضاؤُها إلى الوُجُوبِ؛ لأنَّ الوُجُوبَ إنَّما يَثْبُتُ بسَبْقِ غيرِ المُخْرجِ، وهو غيرُ مَعْلُومٍ ولا مَظْنُونٍ.
وقال بَعْضُ أصْحابِنَا: فيها وَجْهانِ، هل هي إجَارَةٌ أو جَعَالةٌ؟ فإن قُلْنا: هي إجارَةٌ، جاز أخْذُ الرَّهْنِ بعِوَضِها.
وقال القاضي: إن لم يكنْ فيها مُحَلِّلٌ، فهي جَعالةٌ، وإن كان فيها مُحَلِّلٌ، فعلى وَجْهَينِ.
وهذا كُلُّه بَعِيدٌ؛ لأنَّ الجُعْلَ ليس في مُقابَلَةِ العَمَلِ، بدَلِيلِ أنَّه لا يَسْتَحِقّه إذا كان مَسْبُوقًا وقد عَمِلَ العَمَلَ، وإنَّما هو عِوَضٌ عن السَّبْقِ، ولا تُعْلَمُ القُدْرَةُ عليه.
ولأنَّه لا فائِدَةَ للجَاعِلِ فيه، ولا هو مُرَادٌ له، وإذا لم يَكُنْ إجارَةً مع عَدَمِ المُحَلِّلِ، فمع وُجُودِه أَوْلَى؛ لأنَّ مُسْتَحِقَّ الجُعْلِ هو السَّابِقُ، وهو غيرُ مُعَيَّنٍ،
..................................
ولا يَجُوزُ اسْتِئْجارُ رَجُلٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، ثم لو كانت إجَارَةً، لكانَ عِوَضُها غيرَ واجِبٍ في الحالِ، ولا يُعْلَمُ إفْضَاؤُه 1 إلى الوُجُوبِ، ولا يُظنُّ، فلم يَجُزْ أخْذُ الرَّهْن به، كالجُعْلِ في رَدِّ الآبِقِ.
ولا يَجُوزُ أخذُ الرَّهْنِ بعِوَضٍ غيرِ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ؛ كالثَّمَنِ المُعَيَّنِ، والأُجْرَةِ المُعَيَّنَةِ في الإِجَارَةِ، والمَعْقُودِ عليه في الإِجَارَةِ إذا كان مَنافِعَ مُعَيَّنَةً؛ كإجارَةِ الدَّارِ، والعَبْدِ المُعَيَّنِ، والدَّابَّةِ المُعَيَّنَةَ مُدَّةً مَعْلُومَةً، أو لحَمْلِ شيءٍ مُعَيَّنٍ إلى مَكانٍ مَعْلُومٍ؛ لأنَّ هذا حَقٌّ تَعَلَّقَ بالعَينِ لا بالذِّمَّةِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُه من الرَّهْنِ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ العَينِ لا يمْكِنُ اسْتِيفَاؤُها من غَيرِها، وتَبْطُلُ الإِجارَةُ بتَلَفِ العَينِ.
فأمّا إنْ وَقَعَتِ الإِجَارَةُ على مَنْفَعَةٍ في الذِّمَّةِ، كخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وبناءِ دَارٍ، جازَ 2 أخْذُ الرَّهْنِ به؛ لأنَّه ثابِتٌ في الذِّمَّةِ، ويُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُه مِن الرَّهْنِ، بأَنْ يَسْتَأْجِرَ مِن ثمَنِه مَن يَعْمَلُ ذلك العَمَلَ، فجازَ أخْذُ الرَّهْنِ به؛ كالدَّينِ.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا كُلِّه كما قُلْنَا.
فصل: فأمَّا الأعْيَانُ المَضْمُونَةُ؛ كالمَغْصُوبِ، والعَوَارِي، والمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْم، ففيها وَجْهانِ؛ أحَدُهُما، لا يَصِحُّ الرَّهْنُ بها.
وهو مَذْهَبُ الشافعيّ؛ لَأنَّ الحَقَّ غيرُ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا،
..................................
ولأنَّه إنْ رَهَنَه على قِيمَتِها إذا تَلِفَتْ، فهو رَهْنٌ على ما ليس بوَاجِبٍ، ولا يُعْلَمُ إفْضَاؤُه إلى الوُجُوبِ، وإن كان الرَّهْنُ على عَينِها، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ عَينِها من الرَّهْنِ، فأشْبَهَ أثْمانَ البِياعَاتِ المُتَعَيِّنَةِ.
والثاني، يَصِحُّ أخْذُ الرَّهْنِ بها.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، وقال: كلُّ عَينٍ كانت مَضْمُونةً بنَفْسِها، جاز أَخْذُ الرَّهْنِ بها.
يُرِيدُ ما يُضْمَنُ بمِثْلِه أو قِيمَتِه، كالمَبِيعِ يَجُوزُ أخْذُ الرَّهْنِ به؛ لأنَّه مَضْمُونٌ بفَسادِ العَقْدِ، ولأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الوَثِيقَةُ بالحَقِّ، وهذا حاصِلٌ، فإنَّ الرَّهْنَ بهذه الأعْيانِ يَحْمِلُ الرّاهِنَ على أدائِها، وإن تَعَذَّرَ أداؤُها، اسْتَوْفَى بَدَلَها مِن ثَمَنِ الرَّهْنِ، فأشْبَهَتِ الدَّينَ في الذِّمَّةِ.
فصل: قال القاضِي: كُلُّ ما جاز أخْذُ الرَّهْنِ به، جاز أخْذُ الضَّمِينِ به، وما لم يَجُزِ الرَّهْنُ به، لم يَجُزْ أَخْذُ الضَّمِينِ به، إلَّا ثَلاثَةَ أشْياءَ؛ عُهْدَةُ المَبِيعِ يَصِحُّ ضَمانُها، ولا يَصِحُّ الرَّهْنُ بها.
والكِتابَةُ لا يَصِحُّ الرَّهْنُ بدَينِها، ويَصِحُّ ضَمانُها في إحْدَى الرِّوايَتَينِ.
وما لا يَجِبُ لا يَصِحُّ الرَّهْنُ به، ويَصِحُّ ضَمانُه.
والفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَينِ؛ أحَدُهما، أنَّ الرَّهْنَ بهذه الأشْياءِ يُبْطِلُ الإِرْفاقَ، فإنَّه إذا باع عَبْدَه بألْفٍ، ودَفَع رَهْنًا يُساوي ألْفًا، فكَأنَّه ما قَبَض الثَّمَنَ، ولا ارْتَفَقَ به، والمُكاتَبُ إذا دَفَع ما يُساوي كِتَابَتَه، فما ارْتَفَق بالأَجَلِ؛ لأَنَّه كان يُمْكِنُه بَيعُ الرَّهْنِ وإبْقاءُ الكِتابَةِ ويَسْتَرِيحُ، والضَّمانُ بخِلافِ هذا.
والثّانِي، أنَّ ضَرَرَ الرَّهْنِ يَعُمُّ؛ لأنَّه يَدُومُ بقاؤُه عندَ المُشْتَرِي، فيَمْنَعُ البائِعَ التَّصَرُّفَ فيه، والضَّمان بخِلافِهِ.
..................................
فصل: وإذا اخْتَلَفَ المُسْلِمُ والمُسْلَمُ إليه في حُلُولِ الأجَلِ، فالقولُ قولُ المُسْلَمِ إليه؛ لأنَّهُ مُنْكِرٌ.
وإنِ اخْتَلَفَا في أداءِ المُسْلَمِ فيه، فالقولُ قولُ المُسْلِمِ كذلك 1. وإنِ اخْتَلَفَا في قَبْضِ الثمَنِ، فالقولُ قولُ المُسْلَمِ إليه؛ لذلك 2. وإنِ اتَّفَقَا عليه، وقال أحَدُهما: كان في المَجْلِسِ قبلَ التَّفَرُّقِ.
وقال الآخَرُ: بعدَه.
فالقولُ قولُ مَن يَدَّعِي القَبْضَ في المَجْلِسِ؛ لأنَّ معه سَلامَةَ العَقْدِ.
وإن أقامَ كلُّ واحِدٍ بَيِّنَةً بما ادَّعاه، قُدِّمَتْ أيضًا بَيِّنَتُه؛ لأنَّها مُثْبِتَةٌ، بخِلافِ الأُخْرَى.
بَابُ القَرْضِ
بابُ القَرْضِ
وهو نَوْعٌ مِن السَّلَفِ، وهو جائِزٌ بالسُّنَّةِ والإِجْماعِ؛ أمّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو رافِعٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَسْلَفَ مِن رجلٍ بَكْرًا 1، فقَدِمَتْ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إبِلُ الصَّدَقَةِ، فأمَرَ أبا رافِعٍ أن يَقْضِيَ الرجلَ بَكْرَه، فرَجَعَ إليه أبو رافِعٍ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، لم أجِدْ فيها إلَّا خِيارًا رَباعِيًّا.
فقال: «أعْطِهِ، فَإنَّ خَيرَ النَّاسِ أحْسَنُهُمْ قَضَاءً».
رَواه مُسْلِمٌ 2. وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَينِ، إلَّا كَانَ كصَدَقَةٍ مَرَّةً».
وعن أنَسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم -: «رَأَيتُ لَيلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَة بِعَشْرِ أمْثَالِهَا، والقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ.
فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا بَالُ الْقَرْضِ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَال: لأنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، والْمُسْتَقْرِضَ لَا
وَهُوَ مِنَ الْمَرَافِقِ الْمَنْدُوبِ إِلَيهَا.
يَسْتَقْرِضُ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ».
رَواهما ابنُ ماجه (1). وأجْمَعَ المُسْلِمُون على جوازِ القَرْضِ.
1759 -
مسألة: (وهو مِن المَرافِقِ المَنْدُوبِ إليها)
في حَقِّ المُقْرضِ؛ لِما رَوَينا مِن الأحادِيثِ، ولِما رُوِيَ عن أبي الدَّرْداءِ، أنَّه قال: لَأنْ أُقْرِضَ دِينارَين، ثم يُرَدّانِ، ثم أُقْرِضَهما، أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أتَصَدَّقَ بِهما.
ولأنَّ فيه تَفرِيجًا عن أخِيهِ المُسْلِمِ، وقَضاءً لحاجَتِه، فكان مَندُوبًا إليه، كالصَّدَقَةِ.
وليس بواجِبٍ.
قال أحمدُ: لا إثْمَ على مَن سُئِلَ فلم يُقْرِضْ.
وذلك لأنَّه مِن المَعْرُوفِ، أشْبَهَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ.
وهو مُباحٌ للمُقْتَرِضِ، وليس مَكْرُوهًا.
قال أحمدُ: ليس القَرْضُ مِن المَسْألةِ.
يُرِيدُ أنَّه لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَسْتَقْرِضُ، وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ أبي رافعٍ، ولو كان مَكْرُوهًا، كان أَبْعَدَ النّاسِ منه.
قال ابنُ أبي موسى: لا أُحِبُّ أن يَتَحَمَّلَ بأمانَتِه ما ليس عِنْدَه.
يُرِيدُ ما لا يَقْدِرُ على وَفائِه.
ومَن أرادَ أن يَسْتَقْرِضَ، فلْيُعْلِمِ المُقْرِضَ بحالِه، ولا يَغُرُّه مِن نَفْسِه، إلَّا الشيءَ اليَسِيرَ الذي لا يَتَعَذَّرُ رَدُّ 2 مِثْلِه.
وقال أحمدُ: إذا اقْتَرَضَ لغَيرِه ولم يُعْلِمْه بحالِه، لم يُعْجِبْنِي.
وقال: ما أُحِبُّ أن يَقْتَرِضَ بجاهِه لإِخْوانِه.
قال القاضي: إذا كان مَن يَقْتَرِضُ له غَيرَ مَعْرُوفٍ بالوَفاءِ؛ لكَوْنِه تَغْرِيرًا بمالِ1
وَيَصِحُّ فِي كُلِّ عَينٍ يَجُوزُ بَيعُهَا، إلا بَنِي آدَمَ، وَالْجَوَاهِرَ وَنَحْوَهَا، مِمَّا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ فِيهِمَا.
المُقْرِضِ وإضْرارًا به، أمّا إن كان مَعْرُوفًا بالوَفاءِ، لم يُكْرَهْ؛ لكوْنِه إعانَةً له، وتَفْرِيجًا لكُرْبَتِه.
فصل: ولا يَصِحُّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ؛ [لأنَّه عَقْدٌ على المالِ، فلم يَصِحَّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ] (1)، كالبَيعِ.
وحُكْمُه في الإِيجابِ والقَبُولِ حُكْمُه (2)، على ما مَضَى.
ويَصِحُّ بلفظِ السَّلَفِ (3)، والقَرْضِ؛ لوُرُودِ الشَّرْعِ بهما، وبكلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْناهُما، نحوَ قَوْلِه: مَلَّكْتُكَ هذا، على أن تَرُدَّ عليَّ بَدَلَه.
أو تُوجَدُ قَرِينَةٌ دالَّةٌ على إرادَتِه.
وإن لم يَذْكُرِ البَدَلَ، ولم توجَدْ قَرِينَةٌ، فهو هِبَةٌ.
فإنِ اخْتَلَفا، فالقولُ قولُ المَوْهُوبِ له؛ لأنَّ الظّاهِرَ معه؛ لأنَّ التَّمْلِيكَ مِن غيرِ عِوَضٍ هِبَةٌ.
ولا يَثْبُتُ فيه خِيارٌ؛ لأنَّ المُقْرِضَ دَخَل على بَصِيرَةِ أنَّ الحَظَّ لغَيرِه، والمُقْتَرِضُ متى شاء رَدَّه، وذلك يُغْنِيه عن ثُبُوتِ الخِيارِ.
1760 -
مسألة: (ويَصِحُّ في كلِّ عَينٍ يَجُوزُ بَيعُها، إلَّا بَنِي آدَمَ، والجَواهِرَ ونحوَها، ممّا لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه، في أحَدِ الوَجْهَينِ فيهما)
123