..................................
داودَ 1. ولأن النّاسَ يَنتظِرُون الجُمُعَةَ في هذا الوَقْتِ، وليس عليهم قطْعُ النَّوافِلِ.
وأباحَه عَطاء في الشتاءِ دُونَ الصيفِ؛ لأن ذلك الوَقْتَ حينَ تُسْجَرُ جَهنَّمُ.
ولَنا، عُموم أحادِيثِ، النهْي، وهي عامَّةٌ في يومِ الجُمُعَةِ وغيرِه، وفي الصيفِ والشتاءِ، ولأنه وَقْتُ نَهْي، فاستوى فيه يومُ الجُمعَةِ وغيرُه، كسائِرِ الأوْقاتِ، وحَدِيثهم في إسناده لَيث 2، وهو ضَعِيفٌ، وهو مُرسَل أيضًا.
وقَوْلُهم: إنهم يَنْتَظِرُون الجُمُعَة.
قُلْنا: إذا عَلِم وَقْتَ النهْي فليس له أن يُصَلي، وإن شَكَّ فله أن يصَليَ حتى يَعلَمَ، لأن الأصلَ الإباحَةُ، فلا تَزُولُ بالشكِّ.
ونَحوُ هذا قال مالِكٌ.
والله أعلمُ.
بَابُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ
هِيَ وَاجِبَةٌ لِلصَلَوَاتِ الخمسِ عَلَى الرجَالِ، لَا شرط.
بابُ صلاةِ الجماعةِ
524 -
مسألة: (وهي واجبة للصَلَواتِ الخَمس على الرجالِ، لا شرط)
الجماعَةُ واجِبَة على الرجالِ المُكلفِين لكلّ صَلاة مَكْتوبَةٍ.
رُوِيَ نحوُ ذلك عن ابنِ مسعود، وأبي موسى.
وبه قال عَطاءٌ، والأوزاعِي، وأبو ثورٍ.
وقال مالك، والثّورِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعي: لا تَجِبُ؛
..................................
لقَوْلِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «تَفْضُل صلَاة الجماعة عَلَى صَلَاةِ الفَذ بِخمس وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
مُتفَق عليه 1. ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُنْكِر على اللّذَين قالا: صَلينا 2 في رِحالِنا 3. ولو كانت واجِبَة لأنكرَ عليهما، ولأنَّها لو
..................................
كانت واجِبَة، لكانت شَرطًا لها كالجُمُعَةِ.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ 1. الآية.
ولو لم تَكُنْ واجِبَةً لرَخصَ فيها حالةَ الخَوْفِ، ولم يُجزِ الإخْلال بواجِباتِ الصلاةِ مِن أجْلِها.
وروَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَقد هممت أنْ آمُرَ [بِحَطَب لِيُحطَبَ] 2، ثُم آمُرَ بِالصلَاةِ فيؤذنَ لَها، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَوم النَّاسَ، ثُمَّ أخَالِفَ إلَى رِجَالٍ لَا يشهدُونَ الصلَاةَ، فَأحرقَ عَلَيهِم
..................................
بُيُوتَهم».
مُتفَق عليه 1. وفيه ما يَدُل على أنَّه أراد الجَماعَةَ؛ لأنه لو أراد الجُمُعَةَ لَما همَّ بالتَخلفِ عنها.
وعن أبي هُرَيرةَ، قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ أعمَى، فقال: يا رسولَ الله، ليس لي قائد يَقُودُني إلى المَسْجِدِ.
فسَأله أن يُرَخِّصَ له أن يُصَليَ في بَيته، فرَخَّصَ له، فلمَا وَلَّى دَعاه، فقال: «أتَسمع النِّدَاءَ بِالصلَاةِ؟».
قال: نعم.
قال: «فأجبْ».
رَواه مسلمٌ 2. وإذا لم يُرَخَّض للأعمَى الذي لا قائِدَ له، فغيره أولَى.
قال ابنُ المُنْذِر: ورَوَينا أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابنِ أمِّ مَكْتُوم: «لَا أجِدُ لَكَ رُخْصَة» 3. يَعنِي في التخلُّفِ عن الجَماعَةِ.
وعن أبي
..................................
الدّرداءِ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه 1 قال: «مَا مِن ثَلَاثةٍ فِي قريَةٍ، أو بَلَدٍ، لَا تُقَامُ فِيهِمُ 2 الصَلَاةُ إلّا اسْتَحوَذ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ، فَعَلَيكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإن الذِّئْبَ يَأكُلُ الْقَاصِيَةَ» 3. وفي حديثِ مالكِ بنِ الحُوَيرِثِ: «إذَا حَضَرَتِ الصَلَاةُ فلْيُؤذنْ أحَدُكُمَا، وَلْيَؤمَّكُمَا أكْبَرُكُمَا» 4. ولمسلم: «إذَا كَانُوا ثَلَاثةً فَلْيَؤمَّهم أحَدُهُم» 5. وهذا 6 أمرٌ، وظاهِرُ الأمرِ الوجُوبُ.
فصل: وليست شرطًا لصِحَّةِ الصلاةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال ابنُ
..................................
عَقِيلٍ: تُشْتَرَطُ في أحَدِ الوَجْهين.
قال: وهو الصحيح عندِي؛ لِما ذَكَرنا مِن الأدلَّةِ.
قال شيخُنا 1: وهذا ليس بصَحِيح؛ للحَدِيثَين اللذَين ذَكَرناهما في حُجَّةِ الخصمِ.
ولا نَعلَمُ أحَدًا قال بوُجُوبِ الإعادَةِ على مَن صَلى وحدَه، إلَّا أنه قد رُوِيَ عن جَماعَةٍ مِن الصحابَةِ، منهم ابنُ مسعودٍ، أنهم قالوا: مَن سَمِع النِّداءَ [وتَخَلَّفَ] 2 مِن غيرِ عُذْرٍ، فلا صلاةَ له.
..................................
فصل: وتَنْعقِدُ باثْنَين فصاعِدًا، بغيرِ خِلاف عَلِمناه؛ لِما روَى أبو موسى، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الاثْنَانِ فمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ».
رَواه ابنُ ماجه 1. ولحَدِيثِ مالكِ بنِ الحُوَيرِثِ.
وقد أم النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنَ عباس مَرة، وحذيفَةَ مَرَّة 2. ولو أم الرجلُ عَبْده أو زَوْجَتَه أدرَكَ فَضِيلَةَ الجَماعَةِ.
وإن أَمَّ صبيًّا جاز في التَّطَوُّعِ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أم ابنَ عباس وهو صَبِيٌّ.
وإن أمه في الفَرض، فقال أحمدُ 3: لا تنْعَقِدُ به الجَماعَة، لأنه لا يَصلُحُ أن يَكونَ إمامًا فيها.
وعنه، يَصِح.
ذَكَرَها الآمِدي كما لو أمَّ بالِغًا مُتَنَفِّلًا.
وَلَهُ فعلُها فِي بَيتهِ فِي أصح الروَايَتَين.
525 - مسألة: (وله فِعلُها في بَيته في أصَح الروايَتَين)
ويجُوزُ فِعلُ الجَماعَةِ في البَيتِ والصحراءِ، في الصحِيحِ مِن المذْهبَ.
وعنه، أن حُضُورَ المَسْجِدِ واجِبٌ على القَرِيبِ منه، لأنه رُوِيَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمسْجدِ إلا فِي المَسْجِدِ» 1. ولَنا، قَوْلُ النبي
..................................
- صلى الله عليه وسلم -: «جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مسْجدًا وَطَهُورًا، فأيمَا رَجُل أدرَكَتْه الصلَاة فَلْيُصَل».
مُتفق عليه 1. والحديثُ الذي ذَكَرُوه لا نَعرِفُه إلَّا مِن قَوْلِ على نَفْسِه، كذلك رَواه سعيدٌ.
والطاهِرُ أنَّه إنما أرادَ الجَماعَةَ، فعَبر بالمَسْجدِ عنها؛ لأنه مَحَلها، ويَجُوزُ أن يَكُون أرادَ الكمال والفَضِيلَةَ، فإن الأخْبارَ الصحِيحَةَ دالةٌ على صِحةِ الصلاةِ في غيرِ المسجد.
والله أعلمُ.
وَيُسْتَحَبُّ لأهْلِ الثغْرِ الاجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَالْأفْضَلُ لِغَيرِهِمُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ إلا بِحُضُورِهِ،
526 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ لأهْلِ الثغْرِ الاجْتِماعُ في مَسْجِدٍ واحِدٍ)
لأنه أعلَى للكَلِمَةِ، وأوْقَعُ للهيبَةِ، فإذا جاءهم خَبَر عن عَدُوهم سَمِعَه جَمِيعُهم، وكذلك إذا أرادُوا التشاوُرَ في أمر، وإن جاء عَين للكُفارِ أخْبَرَ بكثْرَتِهم.
قال الأوْزاعِي: لو كان الأمرُ إليَّ لَسَمَّرتُ أبواب المَساجِدِ التي [في الثغُورِ] (1)؛ ليَجْتَمِعَ الناسُ في مَسْجِدٍ واحِدٍ.
527 -
مسألة: (والأفْضَلُ لغيرِهم الصلاةُ في المَسْجِدِ الذي لا تُقامُ فيه الجَماعَةُ إلى بحُضُورِه)
2 لأنَّه يعمُرُه بإقامَةِ الجَماعَةِ فيه، ويُحَصِّلُها لمَن يُصَلِّي فيه، فيَحصُلُ له ثَوابُ عِمارَةِ المسجِدِ، [وتَحصِيلُها لمَن يُصَلِّي فيه] 3، وذلك معدُومٌ في غيرِه.
وكذلك إن كَانت تُقامُ فيه مع غَيبتِه، إلَّا أن في قَصده غيرَه كَسر قَلْبِ إمامِه أو جَماعتِه، فجَبْرُ قُلُوبِهم أوْلَى.1
ثُمَّ مَا كَانَ أكْثَرَ جَمَاعَةً، ثُمَّ فِي الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ.
528 - مسألة: (ثم ما كان أكثرَ جَماعَة، ثم في المَسْجدِ العتيق)
فإن عُدِم ما ذَكَرنا في المَسْألَةِ التي قَبْلَها، ففِعلها فيما كان أكثرَ جَماعَة أفْضلُ؛ لقَوْلَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرجُلِ أزْكَى 1 مِنْ صلَاتهِ وَحدهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرجُلَين أزكَى مِنْ صلَاتهِ مَعَ الرجُل؛ وَمَا كَانَ أكثَرَ، فَهُوَ أحَبُّ إلَى الله تَعَالى».
رَواه الإمامُ أحمدُ في «المُسندِ» 2. فإن
وهلِ الأوْلَى قَصدُ الْأبْعد أو الْأقْرَبِ؟ عَلى رِوَايتينِ.
تَساوَيا في الجماعَةِ، فالمَسْجدُ العتِيقُ أفْضَل؛ [لأن الطَّاعَةَ فيه أسبقُ، والعِبادَةَ فيه أكثَرُ.
وذَكر أَبو الخَطابِ أن فعلَها في المَسْجدِ العتِيقِ أفْضَلُ] (1)، وإن قَل الجَمع فيه؛ لذلك.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكرنا مِن الحَدِيثِ.
529 -
مسألة: (وهل الأوْلَى قصدُ الأبعدِ أو الأقْربِ؟ على رِوايَتَين)
إحْداهما، قصدُ الأبعَدِ أفْضَلُ؛ لتَكْثُرَ خُطاه في طَلَبِ الثوْابِ،1
..................................
فتَكثُر حَسَناتُه، ولِما روَى أبو مُوسى، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أعظَمُ الناسِ أجْرًا [في الصَّلَاةِ] 1 أبعَدُهُم فَأبعَدُهم ممشًى».
رَواه البُخارِيُّ 2. والثانِيَةُ، قصد الأقْرَبِ؛ لأنَّ له جِوارًا، فكان أحق بصَلاته، كما أنَّ الجارَ أحَق بهدية جارِه ومعرُوفهِ، ولقَوْلِه - عليه السلام -: «لَا صَلَاة لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلا في المَسْجِدِ» 3.
وَلَا يَؤُمُّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إمَامِهِ الراتِبِ إلَّا بإذْنِهِ،
530 - مسألة: (ولا يَؤمُّ في مَسْجِدٍ قبلَ إمامِه الرّاتِبِ إلَّا بإذْنِه)
لأن الامامَ الرَّاتِبَ بمَنْزِلَةِ صاحِبِ البَيتِ، وهو أحَقُّ؛ لقَوْلِه - عليه السلام -: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرجلَ فِي بَيته إلَّا بإذْنِهِ» 1. وقد رُوِيَ عن ابن عُمرَ أنَّه أتى أرضًا وعندَها، مَسْجِدٌ يُصَلِّي فيه مَوْلى لابنِ عُمَرَ، فصَلى
إلَّا أنْ يَتَأخَّرَ لِعُذْرٍ، فَإن لَمْ يُعلَم عُذْرُه انْتُظِرَ وَرُوسِلَ، مَا لَمْ يُخْشَ خُرُوجُ الْوَقتِ،
معهم، فسَألوه أن يُصَلّي بهم، فأبَى، وقال: صاحِبُ المَسْجِدِ أحَقُّ (1). (إلَّا أن يَتَأخَّرَ لعُذْرٍ) فيُصَلِّي غيرُه؛ لأن أبا بكرٍ صَلى حينَ غاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (2)، وفَعَل ذلك عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحسَنْتم».
رَواه مسلم (3).
531 -
مسألة: (فإن لم يُعلَم عُذْرُه انتُظِرَ ورُوسِلَ، [ما لم يُخْشَ] 4 خُروجُ الوَقتِ) فيُقَدمُ غيرُه؛ لئَلا يَفُوتَ الوَقْتُ.123
فَإنْ صَلَّى، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، اسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَتُهَا إلَّا الْمَغْرِبَ.
وَعَنْهُ، يُعِيدُهَا، وَيَشْفَعُهَا بِرَابِعَةٍ.
532 - مسألة: (فإن صَلَّى، ثم أُقِيمتَ الصلاةُ وهو في المَسْجِدِ، اسْتُحِبَّ له إعادَتُها إلَّا المَغْرِبَ. وعنه 1، يُعِيدُها، ويَشْفَعُها برابِعةٍ)
..................................
مَن صَلَّى فَرِيضَةً، ثم أدْرَكَ تلك الصلاةَ في جَماعَةٍ اسْتُحِبَّ له إعادَتُها، أيَّ صلاةٍ كانت، إذا كان في المَسْجِدِ، أو دَخَل المَسْجدَ وهم يُصَلُّون.
وهذا قول الحسنِ، والشافعيِّ.
سواءٌ كان صَلّاها مُنْفَرِدًا أو في جَماعَةٍ, وسواءٌ كان مع إمامِ الحَيِّ أو لا.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، فيما حَكاه عنه الأثْرَمُ والخِرَقِيُّ.
وقال القاضي: إن كان مع إمامِ الحَيَّ، اسْتُحِبَّ له، وإن كان مع غيرِ إمامِ الحَيَّ اسْتُحِبَّ له إعادَةُ ما سِوَى الفَجْرِ والعَصْرِ.
وقال أبو الخَطّابِ: يُسْتَحَبُّ له الإعادَةُ مع 1 إمامِ الحَيِّ.
وقال مالكٌ: إن كان صَلَّى وحدَه أعاد المَغْرِبَ، والَّا فلا؛ لأنَّ الحَدِيثَ الدّالَّ على الإعادَةِ قال فيه: صَلَّينا في رِحالِنا 2. وقال أبو حنيفةَ: لا تُعادُ الفَجْرُ، ولا العَصْرُ، ولا المَغْرِبُ؛ لعُمُومِ أحادِيثِ النَّهْي، ولأنَّ التَّطَوعَ لا يكونُ بوتْرٍ.
وعن ابنِ عُمَرَ، والنَّخعِيَّ، تُعادُ الصَّلَواتُ كلُّها، إلا الصبُّحَ والمَغْرِبَ 3. وقال أبو موسى، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ: تُعادُ كلُها إلَّا المَغْرِبَ؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال الحَكَمُ: إلَّا الصُبْحَ وَحْدَها.
ولَنا، حَدِيثُ يَزِيدَ بنِ الأسْوَدِ الذي ذَكَرْناه 4، وحَدِيثُ أبي ذَر 5، وهي تَدُلَّ على
..................................
مَحَلّ النَّزاعِ.
وحَدِيثُ يَزِيدَ بنِ الأسْوَدِ صَرِيحٌ في صَلاةِ الفَجْرِ، والعَصْرُ في مَعْناها.
ويَدُلُّ أيضًا على الإعادَةِ، سواءٌ كان مع إمام الحيَّ أو غيرِه، وعلى جَمِيعِ الصَّلَواتِ.
وقد روَى أنسٌ، قال: صَلَّى بنا أبو موسى الغَداةَ في المِرْبَدِ، فانْتهَينا إلى المَسْجِدِ الجامِع، فأُقِيمَتِ الصلاة، فصَلَّينا مع المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ.
وعن حُذيفةَ، أنَّه أعاد الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْربَ، وكان قد صَلّاهُنَّ في جَماعَةٍ.
رَواهما الأثْرَمُ.
فصل: فأمّا المَغْرِبُ ففي اسْتحْبابِ إعادَتِها رِوايَتان؛ إحْداهما، تُسْتَحَبُّ.
قِياسًا على سائِر الصَّلَواتِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن عُمُومِ الأحادِيثِ.
والثّانِيَةُ، لا تُسْتَحَبُّ.
حَكاها أبو الخطَّابِ؛ لأنَّ التَّطَوُّعَ لا يكونُ بوتْرٍ.
فإن قُلْنا: تُسْتَحَبُّ إعادَتُها.
شَفَعَها برابِعَةٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الأسْوَدُ بنُ يَزِيدَ، والزُّهْرِيُّ، والشّافعيُّ، وإسْحاق؛ لِما ذَكَرْنا.
وروَى صِلَةُ، عن حُذيفةَ، أنَّه قال، لَمّا أعادَ المَغْرِبَ، قال: ذَهَبْتُ أقُومُ في الثّالِثَةِ 1, فأجْلَسَنِي.
وهذا يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ أمَرهَ بالاقْتِصارِ على رَكْعَتَين، ويَحْتَمِلُ أنَّه أمَرَه بالصَّلاةِ مِثْلَ صَلاةِ الإمامِ.
ووَجْهُ الأوَّلَ،
..................................
أنَّ النّافِلَةَ لا تُشرَعُ بوتْرٍ، والزَّيادَةُ أَولَى مِن النُّقْصانِ؛ [لِئَلّا يُفارِقَ إمامَه قبلَ إتْمام صَلاتَهِ] 1.
فصل: فإن أُقِيمَتِ الصلاةُ وهو خارِجُ المَسْجِدِ، فإن كان في وَقْتِ نَهْي لم يُسْتَحَبَّ له الدُّخُولُ؛ لِما روَى مُجاهِدٌ، قال: خَرَجْتُ مع ابنِ عُمَرَ مِن دارِ عبدِ اللهِ بنِ خالدِ بنِ أسِيدٍ، حتى إذا نَظَر إلى بابِ المَسْجِدِ، إذا النّاسُ في الصلاةِ، فلم يَزَلْ واقِفًا حتى صَلَّى النّاسُ، وقال: إنِّي قد صَلَّيتُ في البَيتِ.
فإن دَخَل وصَلَّى فلا بَأْسَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن خَبَرِ أبي موسى.
وإن كان في غير وَقْتِ النَّهْي، اسْتُحِبَّ له الدُّخُولُ والصلاةُ معهم؛ لعُمُومِ الأحادِيثِ الدّالَّةِ على إعادَةِ الجَماعَةِ.
فصل: وإذا أعادَ الصلاةَ فالأُولَى فَرْضُه.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وهو قولُ الثَّوريّ، وأبي حنيفةَ، وإسحاقَ، والشافعيَّ في
..................................
الجَدِيدِ.
وعن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وعَطاء، والشَّعْبيَّ، التي صَلَّى معهم المَكْتُوبَةُ؛ لأنّه رُوِيَ في حَدِيثِ يَزِيدَ بنِ الأسْوَدِ: «إذَا جِئْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَوَجَدْتَ النَّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ، وَإنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيتَ تَكُنْ لَكَ نَافِلَةً، وَهَذِهِ مَكتُوبَةً» 1. ولَنا، أنَّ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «تَكُنْ لَكُمَا نَافِلَةً» 2 وقَوْلُه في حَدِيثِ أبي ذَرٍّ: «فَإنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» 3. ولأنَّها قد وقَعَتْ فَريضَة، وأسْقَطَتِ الفَرْضَ، بدَلِيلِ أنَّها لا تَجِبُ ثانِيًا، وإذا بَرِئَتِ الذِّمَّةُ بالأوْلَى، اسْتَحال كَوْنُ الثّانِيةِ فَرِيضَةُ.
قال إبراهيمُ: إذا نَوَى الرجلُ صلاةً، وكَتَبَتْها المَلائِكَةُ، فمَن يَسْتَطيعُ أن يُحَوِّلَها! فما صَلَّى بعدَه فهو تَطَوُعٌ.
وحَدِيثُهم لا تَصْرِيحَ فيه، فيَنْبَغِي أن يُحْمَلَ مَعْناه على ما في الأحادِيثِ الباقَيَةِ.
فعلى هذا لا يَنْوي الثانِيَةَ فَرْضًا، بل يَنْويها ظُهْرًا مُعادَة، وإن نواها نَفْلًا صَحَّ.
فصل: ولا تَجِبُ الإعادَةُ، رِوايةً واحِدَةً، قاله القاضي، قال: وقد ذَكَر بعضُ أصْحابنا فيه رِوايةً، أَنَّها تَجِبُ مع إمامِ الحَيِّ؛ لظاهِرِ الأمْر.
وَلَا تُكْرَهُ إِعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي غَيرِ الْمَسَاجِدِ الثَلَاثَةِ.
ولَنا، أنَّها نافِلَةٌ، والنّافِلَةُ (1) لا تَجِبُ.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُصَلِّ صَلَاةً فِي يَوْم مَرَّتَينِ».
رَواه أبو داودَ (2). ومَعْناه، واللهُ أعلمُ، واجِبَتان، ويُحْمَلُ الأمْرُ على الاسْتِحْبابِ.
فعلى هذا إذا قَصَد الإعادَةَ، فلم يُدْرِكْ إلَّا رَكْعَتَين، فقال الآمِدِيُّ: يَجُوزُ أن يُسَلّمَ معهم، وأن يُتِمَّها أرْبَعًا؛ لأنَّها نافِلَةٌ.
والمَنْصُوصُ أنَّه يُتِمُّها أرْبعًا؛ لقَوْله عليه السَّلامُ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِموا» (3).
533 -
مسألة: (ولا تُكْرَه إعادَةُ الجَماعَةِ في غيرِ المَساجِدِ الثَّلاثَةِ)
معنى إعادَةِ الجَماعَةِ، أنَّه إذا صلَّى إمامُ الحَيِّ، وحَضَر جَماعَةٌ123
..................................
أُخْرَى، اسْتُحِبَّ لهم أن يُصَلُّوا جَماعَةً.
وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، وإسحاقَ.
وقال مالكّ، والثَّوْرِي، واللَّيثُ، وأبو حنيفةَ, والشافعيُّ: لا تُعادُ الجَماعَةُ في مَسْجِدٍ له إمامٌ راتِبٌ، في غيرِ مَمَرِّ النّاسِ، ومَن فاتَتْه الجَماعَةُ صَلَّى مُنْفَردًا؛ لئلَّا يُفْضِيَ إلى اخْتِلافِ القُلُوبِ، والعَداوَةِ، والتَّهاوُنِ في الصلاةِ مع الإمامِ، ولأنَّه مَسْجِدٌ له إمامٌ راتِبٌ، فكُرِهَ فيه إعادَةُ الجَماعَةِ، كالمَسْجِدِ الحَرامِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه 1 عليه السَّلامُ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» 2. وروَى أبو سعيدٍ، قال: جاء رجلٌ، وقد صَلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أيُّكُمْ يَتَّجِرُ عَلَى هَذَا؟».
فقامَ رجلٌ، فصَلَّى معه 3. قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
ورَواه الأثْرَمُ، وفيه،
..................................
فقال: «ألَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ».
وروَى بإسْنادِه، عن أبي أمامَةَ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مِثْلَه، وزاد: فلَمّا صَلَّيا، قال: «وَهَذانِ جَمَاعَةٌ».
ولأنَّه قادِرٌ على الجَماعَةِ، فاسْتُحِبَّ له، كالمَسْجِدِ الذي في مَمَرِّ النّاسِ، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
فصل: فأمّا إعادَتُها في المَسْجدِ الحَرامِ، ومَسْجِدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ والمَسْجِدِ الأقْصَى، فقد رُوِيَ عن أَحمدَ كَراهَتُه.
وذَكَرَه أصْحابُنا؛ لَئلّا يَتَوانَى النّاسُ في حُضُورِ الجَماعَةِ مع الإمامِ الرّاتِبِ فيها إذا أمْكنَهُم الصلاةُ مع الجَماعَةِ مع غيرِه.
وطاهِرُ خَبَرِ أبي سعيدٍ وأبي أمامَةَ، أنَّه لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ذلك كان في مَسْجِدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّ المَعْنَى يَقْتَضِيه؛ لأنَّ حُصُولَ فَضِيلَةِ الجَماعَةِ فيها، كحُصُولها في غيرِها.
واللهُ أعلمُ.
وَإذَا أقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إلّا الْمَكتُوبَةُ.
534 - مسألة: (وإذا أقِيمَتِ الصلاةُ فلا صلاةَ إلَّا المَكتُوبَةُ)
متى أقِيمَتِ الصلاةُ المَكتُوبَةُ، لم يَشْتَغِلْ عنها بغيرها؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا المَكْتُوبَةُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ورُوِيَ ذلك عن
وَإنْ أُقِيمَت وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ أتَمَّهَا، إلَّا أَنْ يَخْشىَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ،
أبي هُرَيرةَ.
وكان عُمَرُ يَضْرِبُ على صَلاةٍ بعدَ الإقامَةِ.
وكَرِهَه سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وابنُ سِيرِينَ، وعُرْوَةُ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ.
وأباح قَوْمٌ رَكعَتَيِ الفَجْرِ والإمامُ يُصَلِّي، رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ (1). ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ، أنَّه دَخَل المَسْجِدَ والنّاسُ في الصلاةِ، فدَخَلَ بَيتَ حَفْصَةَ، فصَلَّى رَكْعَتَين، ثم خَرَج إلى المَسْجِدِ، فصَلَّى (2). وهذا قولُ مَسْرُوقٍ، والحسنِ.
وقال مالكٌ: إن لم يَخَفْ أن تَفُوتَه الرَّكْعَةُ، فلْيَرْكَعْ.
وقال الأوْراعِيُّ: ارْكَعْهما ما تَيَقَّنْتَ أَنَّك تُدْرِكُ الرَّكْعَةَ الأخِيرَةَ.
ونحْوُه قولُ أبي حنيفةَ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا.
535 -
مسألة: (وإن أقِيمَتْ وهو في نافِلَةٍ أتمَّها)
خَفِيفَةً؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ﴾ 3 (إلَّا أن يَخافَ فَواتَ الجَماعَةِ12
فَيَقْطَعَهَا.
وَعَنْهُ، يُتِمُّهَا.
فيَقْطَعَها) لأنَّ الفَرِيضَةَ أهَمُّ مِن النَّافِلَةِ (وعنه، يُتِمُّها) للآيَةِ التي ذَكرناها 1.
وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإمَامِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ.
536 - مسألة: (ومَن كَبَّرَ قبلَ سَلامِ الإمامِ، فقد أدْرَكَ الجَماعَةَ)
يعني أنَّه يَبْنِي عليها ولا يُجَدِّدُ إحْرامًا؛ لأنَّه أدْرَكَ جُزْءًا مِن صَلاةِ الإِمامِ، أشْبَهَ ما لو أدْرَكَ رَكْعَةً، ولأنَّه إذا أدْرَكَ جُزْءًا مِن صَلاةِ الإمامِ فأحْرَمَ معه، لَزِمَه أن يَنْويَ الصِّفَةَ التي هو عليها، وهو كَوْنُه مَأَمُومًا، فَيَنْبَغِي أن يُدْرِكَ فَضْلَ الجَماعَةِ.
وَمَنْ أدْرَك الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ،
537 - مسألة؛ قال: (ومَن أدْرَكَ الرُّكُوعَ فقد أدْرَكَ الرَّكْعَةَ)
لقَوْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أدْرَكَ الرَّكْعَةَ».
رَواه.
أبو داودَ 1. ولأنَّه لم يَفُتْه مِن الأرْكانِ إلَّا القِيامُ، وهو يَأْتِي به مع تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ، ثم يُدْرِكُ مع الإمامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ.
وإنَّما تَحْصُلُ له الرُّكْعَةُ إذا اجْتَمَعَ مع الإِمامِ في الرّكُوعِ بحيث يَنْتَهِي إلى قَدْرِ الإِجْزاءِ مِن الرُّكُوعِ، قبلَ أن يَزُولَ الإِمامُ عن قَدْرِ الإِجْزاءِ منه، فإن أدْرَكَ الرُّكُوعَ ولم يُدْرِكِ الطُّمَأنِينَةَ، فعلى وَجْهَين.
ذَكَرَهما ابنُ عَقِيلٍ.
وعليه أن يَأْتِيَ بالتَّكْبِيرِ في حالِ قِيامِه.
فأمّا إن أتى به أو ببَعْضِه بعدَ أنِ انْتَهَى في الانْحِناءِ إلى قَدْرِ الرُّكُوعِ، يُجْزِئْه؛ لأنُّه أتَى بها في غيرِ مَحَلِّها، ولأنَّه يَفُوتُه القِيامُ، وهو مِن أرْكانِ الصلاةِ، إلَّا في النَّافِلَةِ، لأنَّه لا يُشْتَرَطُ لها القِيامُ.
وَأجزَأتهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالأفْضَلُ اثْنَتَانِ.
538 - مسألة: (وأجْزأتْه تَكْبيرَةٌ واحِدَةٌ، والأفْضَل اثْنَتان)
وجملَةُ ذلك، أنَّ مَن أدْرَكَ الإمامَ في الرُّكُوع أجْزأته تَكْبيرَة واحِدَةٌ، وهي تكْبِيرَةُ الإحْرامِ، التي ذَكَرْناها، وهي رُكنٌ، لا تَسْقَطُ بحالٍ، وتسْقُطُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ ههُنا.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبيِ داودَ، وصالحٍ.
رُوِيَ ذلك عن زيدِ بن ثابتٍ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والحسنِ،
..................................
والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وعنِ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزيزِ: عليه تَكْبِيرَتان.
وهو قولُ حَمّادِ بنِ أبي سُليمانَ.
قال شيخُنا 1: والظّاهِرُ أنَّهما أرادا، الأوْلَى له تَكْبِيرَتان، فيَكُونُ مُوافقًا لقَوْلِ الجَماعَةِ، فإنَّ عُمَرَ بنَ عبدِ العزيزِ قد نُقِلَ عنه، أنَّه كان مِمَّن لا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ.
ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ، أنَّ هذا قد رُويَ عن زيدِ بنِ ثابِت، وابنِ عُمَرَ، ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ مِن الصحابَةِ، فيَكُونُ إجَماعًا، ولأنَّه اجْتَمَع واجِبان مِن جِنْسٍ واحِدٍ في مَحلٍّ واحِدٍ، أحَدُهما رُكْنٌ، فسَقطَ به الآخَرُ، كما لو طاف الحاجُّ 2 طَوافَ الزَّيارَةِ عندَ خُرُوجِه مِن مَكَّةَ، فإنَّه يُجْزِئُه عن طَوافِ الوَداعِ.
وقال القاضي: إن نَوَى بها تَكْبِيرَةَ الإحْرامِ وحدَها أجْزأه، وإن نَواهما لم يُجْزِئْه، في الظّاهِرِ مِن قَوْلِ أحمدَ؛ لأنَّه شَرَّكَ بينَ الواجِبِ وغيرِه في النِّيَّة، أشْبَهَ ما لو عَطَس عندَ رَفْعِ رَأْسِه مِن الرُّكُوعِ، فقال: رَبَّنا ولك الحَمْدُ.
يَنْويهما، فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ في هذا أنَّه لا يُجْزِئُه.
وهذا القَوْلُ يُخالِفُ مَنْصُوصَ أحمدَ، فإنَّه قد قال، في رِوايَةِ ابنِه صالحٍ، في مَن جاء والإمامُ راكِعٌ: كَبَّرَ تَكْبِيرَةً واحِدَةً.
قِيلَ له: يَنوي بها الافْتِتاحَ؟
..................................
[قال: نَوَى أَو لم يَنْو، أليس قد جاء وهو يُرِيدُ الصلاة؟ ولأنَّ نِيَّةَ الرُّكُوعِ لا تُنافِي نِيَّةَ الافْتِتاحِ] 1، ولهذا حَكَمْنا بدُخولِه في الصلاةِ بهذه.
النِّيَّةِ، ولم تُؤثِّرْ نِيَّةُ الرُّكُوعِ في فَسادِها، ولا يَجُوزُ ترْكُ نَص الإمام لقِياس نَصَّه في مَوْضِع آخَرَ، كما يُتْرك نَصُّ اللهِ تعالى وسُنَّةُ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - بالقِياس، وهذا لا يُشْبِهُ ما قاس عليه القاضي؛ فإنّ التَّكبِيرَتَين مِن جُمْلَةِ العِبادَةِ، بخِلافِ حَمْدِ اللهِ في العُطاس، فإنَّه ليس مِن جمْلَةِ الصلاةِ، فقِياسُه على الطَّوافَين أَولَى؛ لكَوْنِهما مِن أجْزاءِ العِبادَةِ، والأفْضَلُ تَكْبِيرَتان.
نَصَّ عليه.
قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: يُكَبِّرُ مَرَّتَينِ أحَبُّ إليك؟ قال: إن كَبَّر تكْبِيرَتَين، ليس فيه اخْتِلافٌ.
وإن نَوَى تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ خاصَّةً، لم يُجْزِئْه؛ لأن تَكْبِيرَةَ الإحْرامِ رُكْنٌ، ولم يَأُتِ بها.
..................................
فصل: وإن أدْرَكَ الإمامَ في رُكْنٍ غيرِ الرُّكُوعِ، لم يُكَبِّر إلَّا تَكْبِيرَةَ الافْتِتاحِ، ويَنْحَطُّ بغيرِ تَكْبِيرٍ؛ لأنَّه لا يُعْتَدُّ له به، وقد فاتَه مَحَلُّ التَّكْبِيرِ.
وإن أدْرَكَه في السُّجُودِ، أو في التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، كَبَّرَ في حالِ قِيامِه مع الإمامِ إلى الثَّالِثَةِ؛ لأنَّه مَأْمُومٌ له، فيُتابِعُه في التَّكْبِيرِ، كمَن 1 أدْرَكَ الرَّكْعَةَ معه 2 مِن أوَّلِها.
وإن سَلَّمَ الإمامُ قام المأمُومُ إلى القَضاءِ بتَكْبِيرٍ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ.
وقال الشافعيُّ: يقُومُ بغيرِ تَكْبِيرٍ؛ لأنَّه قد كَبَّرَ في ابْتِداءِ الرَّكْعَةِ، ولا إمامَ له يُتابِعُه [في التَّكْبِيرِ] 3. ولَنا، أنَّه قام في الصلاةِ إلى رُكْنٍ مُعْتدٍّ له 4 به، فيُكَبِّرُ، كالقائِمِ مِن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ، وكما لو قام مع الإمامِ، ولا يُسَلَّمُ أنَّه كَبَّرَ في ابْتِداءِ الرَّكْعَةِ، فإنَّ ما كَبر فيه لم يكنْ مِن الرَّكْعَةِ، إذ ليس في أوَّلِ الرَّكْعَةِ سُجُودٌ ولا تَشَهّدٌ، وإنَّما ابْتِداءُ الرَّكْعَةِ قِيامُه، فيَنْبَغِي أن يُكَبِّر فيه.
وَمَا أدْرَكَ مَعَ الإمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ أوَّلُهَا، يَسْتَفْتِحُ لَهُ وَيَتَعَوَّذُ، وَيَقْرَأ السُّورَةَ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن أدْرَكَ الإمامَ في حالٍ مُتابَعَتُه فيه، وإن لم يُعْتَدَّ له به؛ لمِا روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا جْئتُمْ إلى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسجُدُوا، وَلا تَعُدُّوهَا شَيئًا، وَمَنْ أدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أدْرَكَ الرَّكْعَةَ» رَواه أبو داودَ (1). وروَى الترمِذِي (2)، عن مُعاذٍ، قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جَاءَ أحَدُكُمْ وَالإمَامُ عَلَى حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإمَامُ».
قال التِّرمِذِيُّ: والعَمَلُ على هذا عندَ أهْلِ العِلْمِ، قالُوا: إذا جاء الرجلُ والإمامُ ساجِدٌ فلْيَسْجُدْ، ولا تُجْزِئُه تلك الرَّكْعَةُ.
قال بَعْضُهم: لعلَّه أن لا يَرْفَعَ رَأْسَه مِن السَّجْدَةِ حتى يُغْفَرَ له.
539 -
مسألة: (وما أدْرَكَ مع الإمامِ فهو آخِرُ صَلاته، وما يَقْضِيه أوَّلُها 3، يَسْتَفْتِحُ له ويَتَعَوَّذُ، ويَقْرَأُ السُّورَةَ) هذا المَشْهُورُ في المذْهَبِ. ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ، وابنِ سِيرِينَ، ومالكٍ،12
..................................
والثوْريِّ.
وحُكِيَ عن الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وأبي يُوسُفَ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا».
مُتَّفَق عليه 1. والمَقضْيُّ هو الفائِتُ، فيَنبغِي أن يَكُونَ على صِفَتِه.
فعلى هذا يَسْتَفْتحُ له، ويَستعِيذُ، ويَقْرأ السُّورَةَ.
وعنه، أنَّ الذي يُدْرِكه أولُ صَلاته، والمَقْضِيُّ آخِرها.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيز، وإسحاق.
وهو
..................................
قولُ الشافعيِّ، ورِوايَةٌ عن مالكٍ.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
فعلى هذه الرِّوايَةِ لا يَسْتَفْتِحُ.
وأمّا الاسْتِعاذَةُ، فإن قُلْنا: تُسَنُّ في كلِّ رَكْعَةٍ.
اسْتَعاذَ، وإلَّا فلا.
وأمّا [السُّورَةُ بعدَ الفاتِحَةِ فيَقْرأها على كلِّ حالٍ.
قال شيخُنا 1: لا أَعْلَمُ خِلافًا بينَ] 2 الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ في قِراءَةِ الفاتحَةِ وسُورَةٍ.
وهذا ممّا يُقَوِّي
..................................
الرِّوايَةَ الأُولَى.
فإن لم يُدْرِكْ إلَّا رَكْعَةً مِن المَغْرِبِ أو الرُّباعِيَّةِ، ففي مَوْضِعِ تَشَهُّدِه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَسْتَفْتِحُ ويأْتِي برَكْعَتَين مُتَوالِيَتَين، ثم يَتَشَهَّدُ.
فَعَل ذلك جُنْدُبٌ؛ لأنَّ المَقْضِيَّ أوَّلُ صَلاته، وهذه صِفَةُ أوَّلِها، ولأنَّهما رَكْعَتان يَقْرأُ فيها السُّورَةَ، فكانا مُتَوالِيَتَين، كغيرِ المَسْبُوقِ 1. والثّانِيَةُ، يأْتِي برَكْعَةٍ يَقْرَأُ فيها بالحَمْدِ وسُورَةٍ، ثم يَجْلِسُ، ثم يَقُومُ فيَأتِي بأْخْرَى، يَقْرأُ فيها بالحَمْد لله 2 وَحْدَها.
نَقلَها
..................................
صالِحٌ، وأبو داودَ، والأثْرَمُ.
فَعَل ذلك مَسْرُوقٌ.
وبه قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وأيَّما فَعَل مِن ذلك جاز، إن شاء اللهُ؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ مَسْرُوقًا وجُنْدُبًا، ذَكَرا ذلك 1 عندَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، فصَوَّبَ فِعْلَ مَسْرُوقٍ، ولم يُنْكِرْ فِعْلَ جُنْدُبٍ، ولا أمَرَه بإعادَةِ الصلاةِ.
واللهُ أعلمُ.
وَلَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ.
540 - مسألة: (ولا تَجِبُ القِراءَةُ على المَأْمُومِ)
هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
ومِمَّن كان لا يَرَى القِراءَةَ خلفَ الإِمامِ عليٍّ، وابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وأبو سعيدٍ، وزيدُ بنُ ثابِتٍ، وعُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، وجابِرٌ، وابن عُمَرَ، وحُذَيفَةُ بنُ اليَمانِ.
وبه يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وابنُ عُيَينَةَ، وأصحابُ الرَّأْي، ومالكٌ، والزُّهْرِيُّ، والأسْوَدُ، وإبراهيمُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ.
قال ابن سِيرِينَ: لا أعْلَمُ مِن السُّنَّةِ القِراءَةَ خلفَ الإِمامِ.
..................................
وقال الشافعيُّ، وداودُ: تَجِبُ القِراءَةُ؛ لقَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَاب».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعنِ عُبادَةَ، قال: كنّا خلفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقَرَأ، فثَقُلَتْ عليه القِراءَةُ، فلَمّا فَرَغ قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُون خَلْفَ إِمَامِكُمْ».
قُلْنا: نعم يا رسولَ اللهِ.
قال: «لَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا».
رَواه أبو داودَ 2. وعن أبي هُرَيرَةَ، رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ 3، فَهِيَ خِدَاجٌ، غَيرُ تَمَامٍ».
قال الرّاوي: فقلتُ: يا أبا هُرَيرَةَ، إنِّي أكُونُ أحْيانًا وراءَ الإمامِ؟ قال: فغَمَزَنِي في ذِراعِي وقال: اقْرَأْ بها في نَفْسِك يا فارِسِيُّ.