وَذَكَرَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ سَجْدَةً فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ، وَيَأْتِي بثَلَاثِ رَكَعَاتٍ.
وَعَنْهُ، تَبْطُلُ صلَاُتهُ.
وذَكَر وهو في التَّشَهُّدِ، سَجَد سَجْدَةً، فصَحُّت له رَكْعَةٌ، ويَأْتِي بثَلاثِ رَكَعاتٍ 1. وعنه، تَبْطُلُ صَلاتُه) هذه المَسْأَلةُ مَبْنِيِّةٌ على المَسْأَلَةِ التى قَبْلَها، وهو أنَّه متى تَرَك رُكْنًا مِن رَكْعَةٍ، فلم يذْكُرْه حتَّى شَرَع في قِراءَةِ التى بَعْدَها، بَطَلَت.
فهاهنا لمّا شَرَع في قِراءَةِ الثانِيَةِ بَطَلَتِ الأُولَى، فلمّا شَرَع في قِراءَةِ الثّالِثَةِ قبلَ إتْمام الثّانِيَةِ، بَطَلَتِ الثانيةُ.
وكذلك الثالثةُ تَبْطُلُ بشُرُوعِه في الرّابِعَة، فبَقِيَتِ الرابعةُ، ولم يَسْجُدْ فيها إلَّا سَجْدَةً واحِدَةً، فيَسْجُدُ الثانيةَ حينَ يذْكُرُ، وتَتِمُّ له رَكْعَةٌ، ويَأْتِي بثَلاثِ رَكَعاتٍ.
..................................
وبهذا قال مالكٌ، واللَّيْثُ.
وفيه رِوايَةٌ، أنَّ صَلَاته تَبْطُلُ؛ لأنَّ هذا يُؤَدِّي إلى التَّلاعُبِ بالصلاةِ، ويُلْغِي عَمَلًا كثيرًا في الصلاةِ، وهو ما بينَ التَّحْرِيمَةِ والرَّكْعَةِ الرّابِعَةِ.
وهذا قَوْلُ إسحاقَ.
وقال الشافعيُّ: تَصِحُّ له رَكْعَتان.
على ما ذَكَرْنا في المَسْأَلةِ التى قَبْلَها، وهو أنَّه إذا قام إلى الثّانِيَةِ سَهْوًا، قبل تَمامِ الأُولَى، كان عَمَلُه فيها لَغْوًا، فلمّا سَجَد فيها انْضَمَّت سَجْدَتُها إلى سَجْدَةِ الأُولَى، فكَمُلَت له رَكْعَةٌ، وهكِذا الحُكْمُ في الثالثةِ والرابعةِ.
وحَكَى الإمامُ أحمدُ هذا القولَ عن الشافعيِّ، ثم قال: هو أشْبَهُ 1 مِن قَولِ أصْحابِ الرَّأْيِ.
قال الأَثْرَمُ: فقلتُ له، فإنَّه إذا فَعَل لا يَسْتَقِيمُ؛ لأنَّه إنَّما نَوَى بهذه السَّجْدَةِ عن الثانيةِ.
قال: فكذلك 2 أقولُ، إنَّه يَحْتاجُ أن يَسْجُدَ لكل رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْن.
قال شيخُنا 3: ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ القَوْلُ المَحْكِيُّ عن الشافعيِّ هو الصَّحِيحَ، وأن يكُونَ قَوْلًا لأحمدَ؛ لأنَّه قد حَسَّنَه، واعْتَذَرَ عن المَصِيرِ إليه، بكَوْنِه إنَّما نَوَى بالسَّجْدَةِ الثانيةِ عن الثانِيَةِ، وهذا لا يَمْنَعُ جَعْلَها عن الأُولَى، [كما لو سَجَد في الرَّكْعَةِ الأُولَى يَحْسَبُ أنَّه في الثّانِيَةِ، أو في الثّانِيَةِ يَظُنُّ أنَّه في الأُولَى] 4. وقال الثَّوْرِيُّ،
..................................
وأصْحابُ الرَّأْيِ: يَسْجُدُ في الحالِ أرْبَعَ سَجَداتٍ.
وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ تَرْتِيبَ الصلاةِ شَرْطٌ لا يَسْقطُ بالسَّهْوِ، كما لو نَسِيَ فقَدَّمَ السُّجُودَ على الرُّكُوعِ.
فإن لم يَذْكُرْ حتَّى سَلَّمَ، ابْتَدَأ الصلاةَ؛ لأنَّ الرَّكْعَةَ الأخِيرَةَ بَطَلَتْ بسَلامِه، في مَنْصُوصِ أحمدَ، فحِينَئِذٍ يَسْتَأْنِفُ الصَّلاةَ.
فصل: إذا تَرَك رُكْنًا، [ثم ذَكَرَه] 1، ولم يَعْلَمْ مَوْضِعَه، بَنَى الأمْرَ فيه على أسْوَإِ الأحْوالِ؛ مِثْلَ أن يَتْرُكَ سَجْدَةً لا يَعْلَمُ أمِن الرابعةِ هي أم مِن غيرِها، يَجْعَلُها ممّا قبلَها؛ لأَنَّه يَلْزَمُه رَكْعَةٌ كامِلَةٌ، ولو جَعَلَها مِن الرَّابعةِ، أجْزَأه سَجْدَةٌ.
فإن تَرَك سَجْدَتَيْن لا يَعْلَمُ أمِن رَكْعَتَيْن أم مِن رَكْعَةٍ، جَعَلَهما مِن رَكْعَتَيْن؛ ليَلْزَمَه رَكْعَتان.
وإن تَرَك رُكْنًا مِن رَكْعَةٍ، وعَلِم وهو فيها، ولم يَعْلَمْ أرْكُوعٌ هو أم سُجُودٌ، جَعَلَه رُكُوعًا.
وعلى قِياسِ هذا، يَأْتِي بما يَتَيَقَّنُ به إتْمامَ صَلاتِه؛ لئَلَا يَخْرُجَ فها وهو شاكٌّ فيها، فيَكُونَ مُغَرِّرًا 2 بها.
وقد قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمٍ».
رَواه أبو داودَ 3. وقال الأثْرَمُ: سَألْتُ أَبا عبدِ اللهِ عن تَفْسِيرِ هذا الحدِيثِ.
فقال: أمّا أنا فأرَى أن لا يَخْرُج منها إلَّا على يَقِينِ أنَّها قد تَمَّتْ.
وَإنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَنَهَضَ، لِزَمَهُ الرُّجُوعُ، مَا لَمْ يَنْتَصِبْ قَائِمًا، فَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا، لَمْ يَرْجِعْ، وَإنْ رَجَعَ، جَازَ.
وإنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ.
وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِذَلِكَ كُلَّهِ.
478 - مسألة: (وإن نَسِيَ التَّشَهُّدَ الأوَّلَ ونَهَض، لَزِمَه الرُّجُوعُ، ما لم يَنْتَصِبْ قائِمًا، فإنِ اسْتَتَمَّ قائِمًا، لم يَرْجِعْ، وإن رَجَع، جاز.
وإن شَرَع في القِراءَةِ، لم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، وعليه السُّجُودُ لذلك كلِّه)
إذا تَرَك التَّشَهُّدَ الأوَّلَ ناسِيًا وقام، لم يَخْلُ مِن ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَذكرَه قبلَ أن يَعْتَدِلَ قائِمًا، فيَلْزَمُه الرُّجُوعُ للتَّشَهُّدِ.
وممَّن قال: يَجْلِسُ.
..................................
عَلْقَمَةَ، والضَّحّاك 1، وقَتادَةُ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالكٌ: إن فارَقَتْ ألْيَتاهُ 2 الأرْضَ، لم يَرْجِعْ.
وقال حَسّانُ بنُ عَطِيَّةَ 3: إذا تَجافَتْ رُكْبَتاه عن الأرْضِ مَضَى.
ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ بن شُعْبَةَ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا قَامَ أحَدُكُمْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَلَمْ يَسْتَتمَّ قَائِمًا، فلْيَجْلِسْ، فإذا اسْتَتَمَّ 4 قَائِمًا، فَلَا يجْلِسْ، ويَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه 5. الثّانِي، ذِكْره بعدَ اعْتِدالِه قائِمًا، وقبلَ شُرُوعِه في القِراءَةِ، فالأوْلَى أن لا يَرْجِعَ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ،
..................................
وإن رَجَع، جاز.
نَصَّ عليه 1. كما لو 2 ذَكَرَه قبلَ الاعْتِدالِ.
وقال النَّخَعِيُّ: يَلْزَمُه الرُّجُوعُ ما لم يَسْتَفْتِحِ القِراءَةَ.
قال شيخنا 3: ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ له الرُّجُوعُ ها هنا؛ لحديثِ المُغِيرَةِ، ولأنَّه شَرَع في رُكْنٍ، فلم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، كما لو شَرَع في القِراءَةِ.
الأمْرُ الثّالثُ، ذِكْرُه بعدَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ، فلا يَجُوزُ له الرُّجُوعُ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
ومِمَّن رُوِي عنه أنَّه لا يَرْجِعُ؛ عُمَرُ، وسعدٌ 4، وابنُ مسعودٍ، والمُغِيرَةُ، بنُ شُعْبَةَ، والنُّعْماد بنُ بَشِيرٍ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وغيرُهم.
وقال الحسنُ: يَرْجِعُ ما لم يَرْكَعْ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ، ولأنَّه شَرَع في رُكْنٍ مَقْصُودٍ، فلم يَجُزْ له الرُّجُوعُ، كما لو شَرَع في الرُّكُوعَ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يَسْجُدُ للسَّهْوِ في جَمِيعِ هذه المَسائِلِ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ، ولِما روَى عبدُ اللهِ بنُ مالكِ بنِ بُحَيْنَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى بهم الظُّهْرَ، فقام في الرَّكْعَتَيْن الأُولَيَيْن، ولم يَجْلِسْ، فقام النّاسُ معه، فلمّا قَضَى الصلاةَ وانْتَظَرَ 5 النّاسُ تَسْلِيمَه، كَبَّرَ وهو جالِسٌ، فسَجَدَ سَجْدَتَيْن قبلَ أن يُسَلِّمَ، [ثم سَلَّمَ] 6. مُتَّفَقٌ عليه 7.
..................................
فصل: فإن عَلِم المَأْمُومُون بتَرْكِه التَّشَهُّدَ الأوَّلَ، قبلَ قِيامِهم، وبعدَ قِيام الإِمام، تابَعُوه في القِيامِ، ولم يَجْلِسُوا.
حَكاه الآجُرِّيّ عن أحمدَ.
وهوَ قولُ مَالكٍ، والشافعيِّ، وأهلِ العِراقِ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لَمّا قام حينَ سَها عن التَّشَهُّدِ، قام النّاسُ معه.
وفَعَلَه جَماعَةٌ مِن الصَّحابَةِ، فرَوَى الإمامُ أحمدُ، بإسْنادِه، عن زِيادِ 1 بن عِلاقَةَ 2، قال: صَلَّى بنا المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، فلَمّا صَلَّى رَكْعَتَيْن، قام ولم يَجْلِسْ، فسَبَّحَ به مَن خَلْفَه، فأشارَ إليهم أنْ 3 قُومُوا، فلَمّا فَرَغ مِن صَلاتِه سَلَّمَ، وسَجَد سَجْدَتَيْن، ثم سَلَّمَ، ثم قال: هكذا صَنَع رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- 4. رَواه الآجُرِّيُّ، عن عُقَبَةَ بن عامِرٍ 5، وقال: إنِّي سَمِعْتُكم تَقُولُون: سبحانَ اللهِ، لكَيْما أجْلِسَ، وليست تلك السُّنَّةَ، إنَّما السُّنَّةُ التى صَنَعْتُ 6. فأمّا إن
..................................
[سَبَّحُوا به] 1 قبلَ قِيامِهِ ولم يَرْجِعْ، تَشَهَّدُوا لأنْفُسِهِم، ولم يُتابِعُوه؛ لأنَّه تَرَك واجِبًا عليه، فلم يَكُنْ لهم مُتابَعَتُه في تَرْكِه.
ولو رَجَع إلى التَّشَهُّدِ بعدَ شُرُوعِه في القِرَاءَةِ، لم يُتابِعُوه أَيضًا؛ لأنَّه أخْطَأَ.
فأمّا الإِمامُ، فإن فَعَل ذلك عالِمًا بتَحْرِيمِه، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّه زاد في الصلاةِ مِن جِنْسِها عَمْدًا، أو تَرَك واجِبًا عَمْدًا.
وإن فَعَلَه ناسِيًا أو جاهِلًا بالتَّحْرِيمِ، لم تَبْطُلْ، لأنَّه زادَه سَهْوًا.
ومتى عَلِم بتَحْرِيم ذلك وهو في التَّشَهُّدِ، نَهَض ولم يُتِمَّ الجُلُوسَ.
فصل: فإن ذَكَر الإمامُ التَّشَهُّدَ قبلَ انْتِصابِه، وبعدَ 2 قِيامِ المَأْمُومين، وشُرُوعِهم في القِراءَة، فرَجَعَ، لَزِمَهم الرُّجُوعُ؛ لأنَّه رجع إلى واجِبٍ، فلَزِمَهم مُتابَعَتُه، ولا اعْتِبارَ بقِيامِهم قَبْلَه.
..................................
فصل: وإن نَسِيَ التَّشَهُّدَ دُونَ الجُلُوسِ، فالحُكْمُ فيه كما لو نَسِيَهما؛ لأنَّ التَّشَهُّدَ هو المَقْصُودُ.
فأمّا إن نَسِيَ شيئًا مِن الأذْكارِ 1 الواجِبَةِ غيرَ التَّشَهُّدِ؛ كَتسْبِيحِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وقولِ: رَبِّ اغفِرْ لِي، بينَ السَّجْدَتَيْن، وقَوْلَ: رَبَّنا ولك الحَمْدُ.
فإنَّه لا يَرْجِعُ إليه بعدَ الخُرُوجِ مِن مَحَلِّه؛ لأنَّ مَحَلَّ الذِّكْرِ رُكْنٌ قد وَقَع مُجْزِئًا صحِيحًا.
فلو رَجَع إليه لكان زِيادَةً في الصلاةِ، وتَكْرارًا لرُكْنٍ، ثم يَأْتِي بالذِّكْرِ في رُكْنٍ غيرِ مَشْرُوعٍ، بخِلافِ التَّشَهُّدِ، لكنْ يَمْضِي ويَسْجُدُ للسَّهْوِ، كتَرْكِ التَّشَهُّدِ.
فصل: فإن قام مِن السَّجْدَةِ الأُولَى، ولم يَجْلِسْ جَلْسَةَ الفَصْلِ، فهذا قد تَرَك جَلْسَةَ الفَصْلِ، والسَّجْدَةَ الثانيةَ.
ومتى ذَكَر قبلَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ، لَزِمَه الرُّجُوعُ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فإذا رَجَع جَلَس جَلْسَةَ
..................................
الفَصْلِ، ثم سَجَد الثانيةَ.
وقال بعضُ [أصحابِ الشافعيِّ] 1: لا يَحْتاجُ إلى الجُلُوسِ 2؛ لأن الفَصْلَ قد حَصَل بالقِيامِ.
ولا يصِحُّ؛ لأنَّ الجلْسَةَ واجِبَةٌ، فلم يَنُبْ عنها القِيامُ كما لو قَصَد ذلك.
فأمّا إن كان قام بعدَ أن جَلَس للفَصْلِ، فإنَّه يَسْجُدُ، ولا يَلْزَمُه جُلُوسٌ.
وقيل: يَلْزَمُه؛ ليَكُونَ سُجُودُه عن جُلُوسٍ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد أتَى بالجَلْسَةِ، فلم تَبْطُلْ بالسَّهْوِ بعدَها، كالسَّجْدَةِ الأُولَى.
فإن كان يَظُنُّ أنَّه سَجَد سَجْدَتَيْن، وجَلَس للاسْتِراحَةِ، لم يُجْزِئْه عن جَلْسَةِ الفَصْلِ؛ لأنَّها سُنَّةٌ، فلا تَنُوبُ عن الواجِب، كما لو تَرَك سَجْدَةً مِن رَكْعَةٍ، ثم سَجَد للتِّلاوة، فإنَّها لا تُجْزِئُ عن سَجْدَةِ الصلاةِ.
واللهُ أعلمُ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا الشَّكُّ؛ فَمَتَى شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، بَنَى عَلَى اليَقِينِ.
وَعَنْهُ، يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ، وَالْإمَامُ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ،
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وأمّا الشَّكُّ؛ فمتى شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، بَنَى على اليَقِينِ.
وعنه، يَبْنِي على غالِبِ ظَنِّه.
وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُنْفَرِدَ يَبْنِي على اليَقِينِ، والإمامُ يَبْنِي 1 على غالِبِ ظَنِّه) متى شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعاتِ، ففيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداها، أنَّه يَبْنِي على اليَقِينِ، إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عَمْرٍو.
وهو قولُ رَبِيعَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ، فَلَمْ يَدْرِكَمْ صَلَّى، ثَلَاثًا أمْ أرْبَعًا؛ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ، فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتهُ، وَإنْ كَانَ صَلَّى
..................................
تَمَامَ الْأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ».
رَواه مسلمٌ 1. وعن عبدِ الرحمنِ ابنِ.
عَوْفٍ، أنَّ رسولَ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ، فَلَمْ يَدْرِ أزَادَ أوْ نَقَصَ، فَإنْ كَانَ شَكَّ فِي الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ، فَلْيَجْعَلْهَا وَاحِدَةً، فَإنْ لَمْ يَدْرِ اثْنَتَيْنِ صَلَّى أوْ ثَلَاثًا، فَلْيَجْعَلْهُمَا اثْنَتَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا صَلَّى أوْ أرْبَعًا، فَلْيَجْعَلْهَا ثَلَاثًا، حَتَّى يَكُونَ الشَّكُ فِي الزِّيَادَةِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْل أنْ يُسَلِّمَ» 2. رَواه ابنُ ماجه،
..................................
والتِّرْمِذِيُّ 1، وقال: حديثٌ صحيحٌ.
ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ما شَكَّ فيه، فيَبْنِي على عَدَمِه، كما لو شَكَّ في رُكُوعٍ أو سُجُودٍ.
والثانيةُ، أنَّه يَبْنِي كل غالِب ظَنِّه، إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا.
نَقَلَها عنه الأثْرَمُ.
رُوِيَ ذلك عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وابنِ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهما، وهو قولُ النَّخَعِيِّ.
وبه قال أصْحابُ الرَّأْيِ، إذا تَكَرَّرَ ذلك منه.
وإن كان أوَّلَ ما أصابَه أعاد الصلاةَ 2؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا
..................................
تَسْلِيمٍ» 1. ووَجْهُ هذه الرِّوايَةِ ما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا شَكَّ أحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وللبُخارِيِّ: «بَعْدَ التَّسْلِيمِ».
وفي لفظٍ لمسلمٍ 3: «فَلْيَتَحَرَّ أقْرَبَ ذَلِكَ إلَى الصَّوَاب».
ولأبى داودَ 4: «إذَا كُنْتَ فِي صَلَاةٍ، فَشَكَكْتَ فِي ثَلَاثٍ أو أرْبَعٍ، وَأكْثَرُ ظَنِّكَ عَلَى أرْبَعٍ، تَشَهَّدْتَ، ثُمَّ سَجَدْتَ سَجْدَتَيْنِ وَأنْتَ جَالِسٌ».
..................................
[والروايةُ الثّالِثَةُ، أنَّ المُنْفرِدَ يَبْنِي على اليَقِينِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن والمَعْنَى] 1، والإمامُ يَبْنِي على غالِبِ ظَنِّه؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ، جَمْعًا بينَ الأحاديثِ.
وهذه المَشْهُورَةُ، عن أحمدَ، اخْتارَها الخِرَقِيُّ.
وإنَّما خَصَصْنا الإمامَ بالبِناءِ على غالِبِ ظَنَّه؛ لأنَّ له مَن يُنَبِّهُه ويُذَكِّرُه إذا أخْطَأ، فيَتَأكَّدُ عندَه صَوابُ نَفْسِه، ولأنَّه إن أصاب أقَرَّه
فَإنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.
المَأمُومون، وإن أخْطَأ سَبَّحُوا به فرَجَعَ إليهمِ، فيَحْصُلُ له الصوابُ في الحالَيْن، بخِلافِ المُنْفَردِ، إذ ليس له مَن يُذكرُه، فَيَبْنِيَ على اليَقِينِ؛ ليَحْصُل له إتمامُ صَلاتِه.
وما قالَه أصحابُ الرأيِ فيُخالِفُ السنةَ الثَّابِتَةَ عن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وقد روَى أبو هُرَيرةَ، أن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إنَّ أحَدَكمْ إذَا قامَ يُصَلى، جَاءَهُ الشيطَان فَلَبَس عَلَيْهِ (1)، حَتى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلى؟ فَإذَا وَجَدَ ذَلِك أحَدُكُمْ، فليَسْجُدْ سَجْدَتيْن وَهُوَ جَالِس».
مُتفَق عليه (2). وقولُه عليه السلامُ: «لَا غرَارَ فِي صَلَاة» (3). يَعْنِي لا ينْقصُ مِن صلَاته.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ أنَّه لا يَخرجُ منها وهو شاكٌّ في إتمامِها، ومَن بنى على اليَقين لم يَخْرُجْ وهو شاكٌّ، وكذلك الإمامُ إذا بَنَى على غالِب ظنه فوافَقَه المأمُومون، أو رُدَّ عليه، فرَجَعَ إليهم.
479 -
مسألة (فإنِ استوَى الأمْرانِ عندَه، بَنَى على اليَقِين)
إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا، وأتُى بما بَقِيَ عليه مِن صلَاته، وسَجَد للسَّهْوِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، ولأن الأصْلَ البِناءُ على اليَقين، وإنما جاز تركُه في حَق الإمامِ، لمُعارَضةِ الظن الغالِبِ، فيَبْقَى فيما عَداه على الأصْلِ.123
وَمَنْ شَكَّ في تَرْكَ رُكْنٍ، فَهُوَ تَرْكِهِ: وإنْ شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ السُّجُود؟ عَلَى وَجْهيْنِ.
480 - مسألة: (ومَن شَكَّ في تَرْكِ رُكْن فهو كترْكِه)
إذا شكَّ في تركِ رُكْن مِن أرْكانِ الصلاةِ وهو فيها، فحُكْمُه حُكمُ تركِه، إمامًا كان أو مُنْفَرِدًا؛ لأن الأَصْل عَدَمُه.
(وإن شَك في تركِ واجِبٍ) يُوجِبُ تركه السُّجُودَ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا سُجُودَ عليه.
قاله ابنُ حامِدٍ؛ لأنه شَكَّ في سَبَبِه، فلم يَجِبِ السُّجودُ له، كما لو شَكَّ في الزيادَةِ.
والثاني،
وإنْ شَك فِي زِيَادَةٍ لَمْ يَسْجُدْ.
يسْجُدُ له.
قالَه القاضي؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه.
والصَّحِيحُ وُجُوبُ السُّجُودِ، إلَّا على الرِّوايةِ التى تَقُولُ: إن هذه سُنَن.
فلا يَجِبُ.
والله أعلمُ.
(وإن شَك في زِيادَةٍ (تُوجِبُ السجودَ، فلا سُجُودَ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها، فلا يَجِبُ السجُودُ بالشك فيها.
ولو شَك في عَدَدِ الركَعاتِ، أو في رُكْن، ثم ذَكَرَه في الصلاةِ لم يَسْجُدْ؛ لأنَّ السُّجُودَ لزِيادَةٍ أو نقص أو احْتِمالِ ذلك، ولم يُوجَدْ، وإنما يُؤثِّر الشك في الصلاةِ إذا وُجِد فيها.
فإن شك بعدَ سَلامِها، لم يلْتَفِتْ إليه، لأن الظاهِرَ أنَّه أتى بها على الوَجْهِ المَشْرُوعِ، ولأن ذلك يَكْثُرُ فيَشُق الرُجُوعُ إليه، وهكذا الشك في سائِرِ العِباداتِ.
وَلَيْسَ عَلَى الْمَأمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ، إلَّا أنْ يَسْهوَ إمَامُهُ، فَيَسْجُدَ،
481 - مسألة: (وليس على المَأمُومِ سُجُودُ سَهْو، إلَّا أن يَسْهُوَ إمامُه، فيَسْجُدَ)
وجُمْلته أن المَأمُومَ إذا سَها دُونَ إمامِه، لم يَلْزَمْه سُجودٌ،
..................................
في قوْلِ عامةِ أهْلِ العِلْم.
وحُكِيَ عن مَكْحُولٍ أنَّه قام عن قعُودِ إمامه فسَجَدَ.
ولَنا، أن مُعاوِيَةَ بنَ الحَكَم تَكَلَّمَ خلفَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فلم يَأمُرْه بسُجُودٍ 1. وعن ابنِ عُمَرَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَيْس عَلَى مَنْ خلفَ الإمَامِ سَهْوٌ، فَإنْ سَهَا إمَامهُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَن خَلْفَهُ».
رَواه الدَّارَقُطنِي 2. فأمَّا إذا سَها الإمامُ، فعلى المَأمومِ مُتابَعَتُه في السُّجُودِ، سَواء سَها معه، أو انْفرَدَ الإمامُ بالسهو، إجْماعًا، كذلك حَكاه إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وسواء كان السجُودُ قبلَ السلامِ أو بعدَه، لحديثِ ابن عُمَرَ، ولقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيؤتَمَّ بِهِ، فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» 3.
فصل: وإذا كان المَأمُومُ مَسْبوقًا، فسَها الإمامُ فيما لم يدْرِكْه فيه، فعليه مُتابَعَتُه في السجودِ، سَواء كان قبلَ السلام أو بعدَه.
رُوي هذا عن عطاءٍ، والحسين، والنخَعِي، وأصْحابِ الرأي.
وقال ابنُ سِيرِينَ: يَقْضى ثم يَسْجُدُ.
وقال مالك، والليْثُ، والأوزاعِي، والشافعي، في السجودِ قبلَ السَّلامِ، كقَوْلِنا، وكقوْلِ ابن سيرِينَ فيما بعدَه.
ورُوِي ذلك عن أحمدَ؛ لأنه فِعل خارج في الصلاةِ، فلم يَتْبَع الإمامَ فيه، كصلاةٍ أخْرَى.
وعن أحمدَ رِوايَة أخْرَى، أنَّه مخَير بينَ مُتابَعَةِ إمامه وتَأخِيرِ السجودِ إلى آخِر صَلاتِه.
حَكاها ابنُ أبي مُوسى.
ولَنا، قولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا».
وقوْلُه في حديثِ ابنِ عُمَر: «فإن سَهَا إمَامُهُ
فَإنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإمَام، فَهَلْ يَسْجدُ الْمأمُومُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ».
ولأن السُّجُودَ مِن تَمامِ الصلاة، فيُتابِعُه فيه، كالذى قبلَ السلامِ، وكغيرِ المسْبُوقِ، وفارَقَ صلاةً أخْرَى، فإنَّه غيرُ مُوتَم به فيها.
إذا ثَبَت أنَّه يُتابع إمامَه، فإذا قَضَى ففي إعادَةِ السجُودِ رِوايتان؛ إحْداهما، يُعيدُه؛ لأَنه قد لَزِمَه حُكْمُ السهْوِ؛ وما فَعَلَه مِن السجُودِ مع الإمامِ كان مُتابَعةً له، فلا يَسْقُطُ به ما لَزِمَه، كالتشَهدِ الأخِيرِ.
والثانِيَةُ، لا يَلْزَمُه السجُودُ؛ لأن سُجُودَ إمامِه قد كَمُلَتْ به الصلاةُ في حَقِّهما، وحَصَل به الجُبْرانُ، فلم يَحْتَجْ إلى سُجُودٍ ثانٍ، كالمَأمُومِ إذا سَها وَحْدَه.
وللشافعى قوْلان كالروايَتَيْن.
فإن نَسىَ الإمامُ (1) السجُودَ، سَجَد المسْبُوقُ في آخر صَلَاِته، رِوايَة واحِدَة؛ لأنه لم يُوجَدْ مِن الإمامِ ما يُكْمِلُ به صلاةَ المَأمُومِ، وكذلك إن لم يَسْجُدْ مع الإمام.
وإذا سَها المَأمُومُ بعدَ مُفارَقَةِ إمامِه في القَضاء، سَجَد، رِوايَة واحِدَةً؛ لأنه قد صار مُنْفَرِدًا، فلم يَتَحَملْ عنه الإمامُ السُّجُودَ.
وكذلك لو سها، فسلمَ مع إمامه، قام فأتم وسجد بعدَ السَّلامِ، كالمنْفَردِ.
482 -
مسألة: (فإن لم يَسْجُدِ الإمامُ، فهل يَسْجُدُ المَأمُومُ؟ على رِوايَتَيْن)
يُريدُ غيرَ المسْبُوقِ، إذا سَها إمامه فلم يَسْجُدْ، [فهل يَسْجُدُ 2 المَأمُومُ؛ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَسْجُدُ.
اخْتارَها ابنُ1
..................................
عَقِيلٍ، وقال: هي أَصَحُّ؛ لأنَّ صلاةَ المَأمُومِ نَقَصَتْ بسَهْوِ إمامِه، ولم تَنْجبِرْ بسُجودِه، فيلْزَم المَأمومَ جَبْرها.
وهذا مَذْهب ابنِ سيرِينَ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعي.
والثانيةُ، لا يَسْجُدُ.
رُوىَ ذلك عن عطاءٍ، والحسن، والقاسِمِ، وحمادِ بنِ أبي سُلَيْمانَ، والثوْرِي، وأصْحابِ الرأيِ؛ لأن المَأمُومَ إنَّما يَسْجُد تَبَعًا، فإذا لم يَسْجدِ الإمامُ لم يوجَدِ المُقْتَضِي لسجودِ المَأمُومِ.
هذا إذا تَرَكَه الإمامُ لعُذْرٍ، فإن تَرَكَه قبلَ السلام عَمْدًا، وكان مِمن لا يَرَى وُجُوبه، فهو كتركِه سَهْوًا، وإن كان يَعْتقِد وجُوبَه، بَطَلَتْ صَلاتُه؛ لأنَّه تَرَك الواجِبَ عَمْدًا.
وهل تَبْطُلُ صلاةُ المَأمومِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَبْطُلُ؛ لبُطْلانِ صلاةِ الإمَام، كما لو تَرَك التَّشهدَ الأوَّلَ.
والثَّانِي، لا تَبْطلُ؛ لأنَّه لم يَبْقَ مِن الصلاةِ إلَّا السلامُ.
..................................
فصل: وإذا قام المَأمُوم لقضاءِ ما فَاتَه، فسَجَدَ إمامُه بعدَ السَّلامِ، وقلْنا: تَجِبُ عليه مُتابَعَةُ إمامه.
فحُكْمُه حُكْم القائمِ عن التَّشهدِ الأولِ؛ إن 1 لم يسْتَتِمَّ قائِمًا لَزِمَه الرُّجُوعُ، وإنِ اسْتَتَمَّ قائِمًا لم يَرْجِعْ، وإن رَجَع جاز، وإن شَرَع في القِراءَة لم يَجُزْ له الرُّجُوعُ.
نَصّ عليه أحمدُ، في روايةِ الأثرَم، لأَنه قام عن واجِب إلى رُكْن، أشْبَهَ القِيامَ عن التَّشَهُّدِ الأوَّلِ.
وذَكَرَ ابنُ عَقِيل فيه ثلاثَ رِوايات؛ إحْداها، يَرْجِعُ؛ لأنَّ إمامَه بَعُدَ 2 في الأداءِ، ولأنه سجُود في الصلاةِ، أشبهَ سُجُودَ صُلْبها.
والثّانِيَةُ، لا يَعُودُ؛ لأنه نَهَض إلى رُكْن.
والثّالِثَةُ، هو مُخير؛ لأنَّ سُجُودَ السَّهوِ أخَذَ شَبَهًا مِن سُجُودِ صُلْبِ الصلاةِ، مِن حيث إنه سُجُود، وشَبَها مِن التشهدِ الأولِ؛ لكَوْنِه يَسْقطُ بالسهْوِ، فلذلك جُبِر.
وما ذَكَرْناه أوْلَى.
..................................
فصل: وليس على المَسْبُوقِ ببعض الصلاةِ سُجُود لذلك، في قوْلِ أكثَرِ أهلِ العِلْمَ.
ويروَى عن ابنِ عُمَر، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبي سعيدٍ، ومُجاهِدٍ، وإسحاقَ، في مَن أدرَكَ وَترا مِن صلاةِ إمامِه، سَجَد للسَّهْوِ؛ لأنه يَجْلِسُ للتَّشَهُّدِ في غيرِ مَوْضِع التَّشهدِ.
ولَنا، قولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «وَما فَاتَكُمْ فَأتمُّوا» 1. ولم يَأمُرْ بسُجُودٍ.
وقد فات النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بَعْضُ الصلاةِ مع عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ فقَضَى، ولم يَكُنْ لذلك سُجُود.
.................................. والحديث مُتفق عليه 1. وقد جَلس في غيرِ مَوْضِعِ تَشَهُّدِه، ولأن السجُودَ إنما يشْرع للسهْوِ، ولا سَهْوَ ها هنا، ولأنَّ مُتابَعَةَ الإمام واجِبَة، فلم يَسْجدْ لفِعْلِها، كسائِرِ الواجِباتِ.
فَصْلٌ: وَسُجُودُ السهو لِمَاُ يبطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَاجِب،
فصل: قال، رَحِمَه الله: (وسُجُودُ السَّهْوِ لِما يبطلُ عَمْده الصلاةَ واجب) في ظاهِر المَذْهَب.
وعن أحمدَ، أنَّه غيرُ واجِب.
قال شيخُنا 1: ولَعَل مَبْنَى هذه الروايةِ على أنَّ الواجبَاتِ التى شُرِع السُّجُودُ لجَبْرِها غيرُ واجِبَةٍ، فيَكُونُ جَبْرُها غيرَ واجِبٍ.
وهذا قَوْلُ الشَّافعيّ، وأصْحابِ الرأيِ، لقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «كَانَتِ الركْعَة وَالسجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ» 2. ولَنا، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَ به في حديثِ ابنِ مسعود 3 وأبي سعيد 4، وفَعَلَه.
وقَوْله: «نَافِلَةً»: يَعْنِي أن له ثَوابًا فيه، كما سُميَتِ الرَّكْعَةُ أَيضًا نافِلَةً، وهي واجِبَة على الشَّاك بغيرِ خِلافٍ.
فأمَا المَشْروعُ لِما لا يُبْطِلُ عَمْدُه الصلاةَ فغيرُ واجِبٍ.
قال أحمدُ: إنَّما يَجِبُ السجُودُ فيما روِي عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
يَعْنِي وما كان في مَعْناه، فنَقِيسُ على زِيادَةِ خامِسَةٍ
وَمَحَلُّهُ قَبْل السَّلَامِ، إلَّا فِي السلَامِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاِتهِ، وَفِيمَا إذَا بَنَى الْإمَامُ عَلَى غالِبِ ظَنه.
وَعَنْهُ، أَن الْجَمِيِعَ قَبْلَ السَّلَامِ.
وَعَنْهُ، مَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَا كَان مِنْ نقص كَانَ قَبْلَهُ.
سائِرَ 1 زِياداتِ الأفْعالِ مِن جِنْس الصلاةِ، وعلى تركِ التشَهُّدِ الأوَّلِ تَرْكَ غيرِه مِن [الواجِباتِ، وعلى] 2 التَّسْلِيمِ مِن نُقْصان زِياداتِ الأقْوالِ المُبْطِلَةِ عَمْدًا.
483 -
مسألة: (ومَحَله قبل السَّلام، إلَّا في السَّلامِ قبلَ إتْمامِ صَلاتِه، وفيما إذا بَنَى الإمامُ على غالب ظنه.
وعنه، أنَّ الجَمِيعَ قبلَ السَّلامِ.
وعنه، ما كان مِن زِيادَةٍ فهو بعدَ السلامِ، وما كان مِن نَقص كان قبلَه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ سجُودَ السَّهْوِ كله قبلَ السَّلامِ في ظاهِرِ قوْلِ
..................................
أحمدَ، إلَّا في المَوْضِعَيْن المَذْكُورَيْن، وهما إذا سَلَّمَ عن نقْصٍ في صلَاته؛ لحديثِ ذى اليَدَيْن 1 وعِمْرانَ بنِ حصَين 2. والثاني، إذا بَنَى الإمامُ على غالِبِ ظنه، لحديثِ ابْنِ مسعود.
نَص على ذلك في روايةِ الأثرَمِ، فقالَ: أنا أقولُ: كُل سَهْو جاء عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه سَجَد فيه بعدَ السلام، فإنَّه يَسْجُدُ فيه بعدَ السلامِ، وسائِرُ السهْوِ يَسْجُدُ فيه قبلَ السلامِ.
وهو أَصَحُّ في المَعْنَى، لأنه مِن شأنِ الصلاةِ، فيَقْضِيه قبلَ التَّسْلِيمِ، كسُجُودِ صُلْبِها.
وهذا قولُ سُلَيْمانَ بن داودَ 3، وابنِ المُنْذِر.
قال القاضي: لا يَختَلِفُ قولُ أحمدَ في هذين المَوْضِعَين، أنَّه يَسْجُدُ لهما بعدَ السلَامِ.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقى.
والروايَتان الأخْرَيان ذَكَرَهما أبو الخَطابِ؛ إحْداهما، أن جَمِيعَ السُّجُودِ قبلَ السلامِ.
رُوِيَ ذلك عن أبي هُرَيرةَ، والزهْرِي، والليْثِ، والأوْزاعِي.
وهو مَذْهَبُ الشَّافعيّ؛ لحديثِ ابن بُحَيْنَة 4، وأبي سعيدٍ.
قال الزُّهْرِي: كان آخِرُ الأمْرَيْن السُّجُودَ قبلَ السلامِ.
ولأنه تَمام للصلاةِ، فكان قبلَ سَلامِها، كسائِرِ أفعالِها.
..................................
والثَّانِيَةُ، ما كان مِن زِيادَةٍ كان بعدَ السَّلامِ؛ لحديثِ ذى اليَدَيْن، وحديثِ ابنِ مسعودٍ، حينَ صَلى النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خمسًا.
وما كان مِن نَقْص كان قَبْلَه؛ لحديثِ ابن بُحَيْنَةَ.
وهذا مَذْهَبُ مالك، وأبي ثَوْر، والمُزَنِي 1. وقال أصحابُ الرأيِ: جَمِيعُ سُجُودِ السهْو بعدَ السلامِ، وله فِعلُهما 2 قبلَ السلامِ.
رُوِي نحوُ ذلك عن على، وسعد، وابنِ مسعودٍ، وعَمار، وابنِ عباس، وابنِ الزُّبير، وأنس، والحسنِ، لحديثِ ذى اليَدَيْن، وابن مسعود.
وروَى ثَوْبانُ، قال: قال رسولُ - الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لِكل سَهْو سجدتان بَعْدَ التسْلِيمِ».
رَواه سعيد.
وعن عبدِ الله بن جَعْفَر، قال:
..................................
قال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاِتهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدتيْنِ بَعدَمَا يُسَلِّمُ».
رَواهما أبو داودَ 1. ولَنا، أنَّه قد ثَبَت عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- السجُودُ قبلَ السلامِ وبعدَه في أحاديثَ صَحِيحَةٍ، وفيما ذَكَرْناه عَمَل 2 بالأحاديثِ كلِّها، وجمع 3 بينَها، وذلك واجِب مَهْما أمْكَنَ؛ فإنَّ خَبَرَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حُجَّة يَجِبُ المَصِيرُ إليه، والعَمَلُ به، ولا يُتركُ إلَّا لمُعارِض مِثْلِه، أو أقْوَى منه، وليس في سُجُودِه في مَوْضِع ما يَنْفِي سُجُودَه في مَوْضِع آخَرَ، ودَعْوَى نسْخِ حديثِ ذى اليَدَيْن لا وَجْهَ له؛ لأنَّ راوِيَيْه 4 أبو هُرَيرةَ وعِمْرانُ بنُ حُصَيْن، وهِجْرَتُهما مُتَأخرَةَ.
وقولُ الزُّهْرِيّ مُرْسَل، ثم لا يَقْتَضى نسخًا، فإنَّه يَجُوزُ أن يَكُونَ آخِرُ الأمْرَيْن سُجُودَه قبلَ السلامِ؛ لوُقُوعِ السَّهْوِ آخِرًا فيما يَسْجُدُ له قبلَ السلامِ.
وإن نَسِيَهُ قَبْل السَّلام، قَضَاه، مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصلُ، أو يَخْرُجْ من المسْجِدِ.
وَعَنهُ، أنهُ يَسْجُدُ وإنْ بَعُدَ.
وحديث ثَوْبانَ يَروِيه إسْماعِيلُ بن عَيّاش عن (1) زهيرِ بين سالِمٍ، وفي رِوايَتِه عن أهْلِ الحِجازِ ضَعْف.
وحديث ابنِ جَعفر مِن رِوايةِ مُصْعَبِ ابنِ شَيْبَةَ.
قال أَحْمد: يَروِي المناكيرَ.
وقال النَّسائِيُّ: مُنْكرُ الحديث.
وفيه ابنُ أبي لَيْلَى، وهو ضَعِيف.
قال الأثْرَمُ: لا يَثبُتُ واحِد منهما.
واللهُ أعْلَمُ.
484 -
مسألة: (وإن نَسِيه قبلَ السلامِ قضاه، ما لم يَطُلِ الفَصْلُ، أو يخْرُجْ مِن المَسجِدِ. وعنه، أنَّه يَسجُدُ وإن بَعد)
متى نَسي سُجُودَ السهوِ قبل السَّلام قضاه بعدَ السلامِ، ما لم يَطُلِ الفصلُ، ما دام في المَسجِدِ وإن تَكَلم.
وبه قال مالك، والأوْزاعِيُّ، والشافعي، وأبو ثَوْرٍ.1
..................................
وقال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ: إذا صرف وَجْهَه عن القِبْلَةِ، لم يَبْنِ، ولم يَسْجُدْ.
وقال أبو حنيفةَ: إن تَكَلَّمَ بعدَ الصلاةِ، سَقَط عنه سُجُودُ السَّهْوِ، لأنه أتَى بما يُنافِيها، أشبهَ ما لو أحْدَثَ.
ولَنا، ما روَى ابنُ مسعودٍ، 1 أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد بعدَ السلامِ والكَلام.
رَواه مسلم 2. وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ أَيضًا] (1)، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلى خَمْسًا، فلما انْفَتَلَ تَوَشْوَش القَوْمُ فيما بينَهم، ثم سَجَد بعدَ انْصِرافِه عن القِبْلَةِ 3. ولأنه إذا جاز إتْمامُ الركْعَتَيْن مِن الصلاةِ بعدَ الكَلام والانْصِرافِ، كما جاء في حَدِيثِ ذِي اليَدَيْن، وعِمْرانَ بنِ حُصَيْن، فالسجُودُ أوْلَى.
..................................
فصل: فأما إن طال الفَصْلُ، أو خَرَج 1 مِن المسْجِدِ لم يَسْجُدْ.
والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقصَرِه إلى العادَةِ.
وذَكَر القاضي، أنَّه يَسْجُدُ ما لم يَطُلِ الفَصْلُ، [وإن خَرَج] 2؛ لأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَجَع إلى المسْجِدِ بعدَ خُرُوجه منه في حديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَيْن 3؛ لإتْمامِ الصلاةِ، فالسُّجُودُ أَوْلَى.
وهذا قول للشافعي.
وقال الخِرَقِي: يَسْجُدُ ما كان في المسْجدِ، فإن خَرَج لم يَسْجُدْ.
وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ شبْرُمَةَ.
وعنه، أنَّه يَسْجُدُ وإن بَعُد 4. وقد حَكاها ابنُ أبي مُوسي، عن أحمدَ.
..................................
وهو أحدُ قَوْلَي الشَّافعيّ؛ لأنه جُبْران فأتَى به بعد طُول الفَصلِ والخرُوجِ، كجُبْراناتِ الحج.
وهذا قول مالك، إذ كان لزيادَةٍ، وإن كان لنَقْصٍ أتي به ما لم يَطلِ الفَصْل؛ لأَنَّه لتَكْمِيلِ الصلاةِ.
ووَجْهُ الأولى، أنَّه لتَكْمِيلِ الصلاةِ، فلا يَأتِي به بعدَ طُولِ الفَصْلِ، كَرُكن من أرْكانِها، وإنما ضَبَطْناه بالمسْجِدِ؛ لأنه محَل الصلاةِ، فاعْتُبِرَتْ فيه المُدةُ، كخِيارِ المَجْلِس.
فصل: فإن نَسِيَه حتَّى شَرَع في صلاة أخْرَى، سجَد بعدَ فَراغِه منها، في ظاهِرِ 1 كلام الخِرَقِي، ما كان في المَسْجِدِ.
وعلى قولِ غيره، إن طال الفصْلُ لم يَسجُدْ، وإلا سجَد.
وَيَكفِيهِ لجَمِيعِ السهْوِ سَجْدَتَانِ، إلَّا أنْ يَخْتَلِفَ مَحَلهُمَا، فَفيهِ وَجْهَانِ؛ أحَدُهُمَا، تُجْزِئُهُ سَجْدَتَانِ.
485 - مسألة: (ويَكفِي لجَميعِ السَّهْوِ سَجْدَتان، إلَّا أن يَخْتَلِفَ مَحَلُّهما، ففيه وَجْهان)
إذا سَها سَهْوَيْن أو أكثرَ مِن جِنْس، كَفاه سَجْدَتان، بغيرِ خِلاف عَلِمْناه.
وإن كان السَّهْوُ مِن جِنْسَيْن، فكذلك.
حَكاه ابن المُنْذِرِ، عن أَحْمد.
وهو قولُ أكْثَرِ أهل العلمِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، ومالك، والشافعي، وأصحابُ الرأيِ.
وذَكَر أبو بكرٍ فيه وَجْهَيْن؛
وَالْآخَرُ، يَسْجُدُ لِكُل سَهْو سَجْدَتيْنِ.
أحَدُهما، ما ذَكَرْناه.
والثاني، يَسْجُدُ سُجُودَيْن.
وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، وابن أبي حازِم 1، وعبدِ العزيز بن أبي سَلَحَةَ 2، إذا كان أحَدُهما قبلَ السلامِ، والآخَرُ بعدَه؛ لقوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لِكُل سَهْو سَجْدَتَانِ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه 3. وهذان سَهْوان.
ولأنَّ كل سَهْو يَقْتضِي سُجُودًا، وإنما يَتَداخَلان في الجِنْس الواحِدِ.
ولَنا، قولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَهَا أحَدُكُمْ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» 4. وهذا يَتَناولُ السهْوَ في مَوْضِعين، ولأن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سها فسَلمَ 5، وتَكَلَّمَ بعدَ سَلَامِه، فسَجَدَ لهما سُجُودًا واحِدا، ولأنه شُرِع للجَبْرِ، فكَفَى فيه سُجُودٌ واحد، ما لو كان مِن جِنْس واحِد.
وحَدِيثهم في إسْنادِه مَقالٌ.
ثم إنَّ المُرادَ به، لكل سَهْو في صَلاة.
والسَّهْوُ وإن كَثُر داخِلٌ في لَفْظِ السَّهْوِ؛ لأنه اسْمُ جنْس، فيَكونُ التَّقْدِيرُ، لكل صلاة فيها سَهْو سَجْدَتان.
يدُلُّ على ذلك أنَّه قال: «لكُل سَهْوٍ سَجْدَتانِ بَعْدَ السلام» 6. كذا رِوايَةُ
..................................
أبي داودَ.
ولا يَلْزَمُه بعدَ السلامِ سُجُودان.
فصل: ومعنى اخْتِلافِ مَحَلِّهما أن يكونَ أحَدُهما قبلَ السَّلامِ، والآخَرُ بعدَه؛ لاخْتِلافِ سَبَبِهما وأحْكامِهما.
وقال بعضُ أصحابِنا: هو أن يكون أحَدُهما مِن نَقْص، والآخَرُ مِن زِيادَةٍ.
قال شيخُنا 1: والأوَّلُ أوْلى، إن شاء الله تعالى.
فإذا قلْنا: يَسْجُدُ لهما سُجُودًا واحِدًا.
سجده قبل السَّلامِ؛ لأنه أسْبَقُ وآكدُ؛ ولأن الذى قبلَ السَّلامِ قد وُجد سبَبُه، ولم يُوجَدْ قبْلَه ما يَمنَعُ 2 وُجُوبَه، ولا يَقُومُ مَقامَه، فلَزِمَه الإتْيانُ به، وإذا سجَد له، سَقَط الثّانِي؛ لإغْناء الأوَّلِ عنه.
..................................
فصل: ولو أحْرَمَ مُنْفَرِدا، فصَلى ركْعَة، ثم نَوى مُتابَعَةَ الإمام، وقُلْنا بجَواز ذلك، فسها فيما انْفَرَدَ فيه، وسَها إمامه فيما تابَعَه فيه، فإن صَلَاته تَنْتَهِي قبلَ صلاةِ إمامِه.
فعلى قَوْلِنا، هما مِن جِنْس واحِدٍ إن 1 كان مَحَلهما واحِدًا، وعلى قولِ مَن فَسَّرَ الجِنْسَيْن بالزيادَةِ والنَّقْص، يَحْتَملُ كوْنُهما ين جِنْسَيْن.
وهكذا لو صَلى مِن الرباعِيةِ رَكْعَةً، ودَخَل مع مُسافِر، فنَوَى مُتابَعَتَه، فلمّا سَلمَ إمامُه، قام ليُتمَّ ما عليه، فقد حَصَل مَأمُومًا في وَسَطِ صَلاتِه، مُنْفرِدا في طَرَفَيْها.
فإذا سَها في الوَسطِ والطَّرَفين جميعًا، فعلى قَوْلنا، إن كان مَحَل سُجُودِهما واحِدًا، فهي جِنْسٌ واحِدٌ.
وإنِ اخْتَلَفَ مَحَل السُّجُودِ، فهي جِنْسان.
وقال بعضُ أصْحابنا: هي جِنْسان.
ولأصْحابِ الشافعية فيها وَجْهان كهَذَيْن، ووَجْه ثالِث، أنَّه يَسْجُدُ سِت سَجَداتٍ، لكلَّ سَهْو سَجْدَتان.
وَمَتَى سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، جَلَسَ فَتَشَهَّدَ، ثُم سَلَّمَ.
486 - مسألة: (ومتى سَجَد بعدَ السَّلامِ، جَلس فتَشَهَّدَ، ثم سَلَّمَ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه متى سجَد للسهْوِ، كَبر للسجودِ والرَّفْع منه، سَواءٌ كان قبلَ السلامِ أو بعدَه.
فإن كان قبلَ السلامِ سَلمَ عَقِيبَه.
وإن كان بعدَه، تَشَهد وسَلمَ، سَواء كان مَحَله بعدَ السلامِ، أو كان قبلَه فنَسِيَه إلى ما بعدَه.
وبهذا قال ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعِي، وقتادَةُ،
..................................
والحَكمُ، والثوْرى، والأوْزاعِي، والشافعي، وأصْحابُ الرأيِ، في التشَهُّدِ والتَّسْلِيمِ.
وقال أنس، والحسنُ، وعَطاء: ليس فيهما تَشَهُّد ولا تَسْلِيم.
وقال ابنُ سِيرينَ، وابنُ المُنْذِرِ: فيهما تَسْلِيم بغير تَشَهُّد.
وعن عَطاءٍ: إن شاء تَشَهدَ، وإن شاء تَرَك.
ولَنا، على التكْبيرِ، قولُ ابنِ بُحَيْنَةَ: فلَما قَضَى الصلاةَ سَجَد سَجْدَتيْن، كَبر في كل سَجْدَةٍ وهو جالِس قبل أن يُسَلِّمَ 1. وقولُ أبي هُرَيْرَةَ: ثم كَبر وسَجَد مِثْلَ سُجُودِه أو أطْوَلَ، ثم رَفَع رَأسَه فكَبر 2. وأما التسلِيمُ، فقد ذَكَرَه عِمرانُ بنُ حُصيَن، في حديثه الذى رَواه مسلم 3، قال فيه: سَجَد سَجْدَتَيِ السهْوِ، ثم سَلمَ.
وفي حديثِ ابن مسعودٍ 4: ثم سَجَد سَجْدَتَيْن، ثم سلمَ.
وأمّا التَّشَهُّدُ، فرَوى عِمرانُ بنُ حُصَيْن، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلى بهم فسَها، فسَجَدَ سَجْدَتين، ثم تشَهدَ، ثم سلمَ.
رَواه أبو داودَ، والترمِذِي 5، وقال: حديث حسن.
ولأنه سُجُود له تَسْلِيم، فكان له تَشَهُّدٌ، كسُجُودِ صُلْب الصلاةِ.
ويحتَمِلُ أن لا يَجبَ التشَهدُ؛ لأنَّ ظاهِرَ الحَدِيثيْن الأوليَن أنَّه سَلمَ مِن غيرِ تَشَهد، وهما أصحُّ مِن هذه الروايةِ، ولأنه سُجُود مُفرَد، أشْبَهَ سُجُودَ التلاوَةِ.