الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 255-299

كتابُ القَضاءِ الأصلُ في القَضاءِ ومَشْرُوعِيَّته الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللهِ تعالى: [﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
وقَوْلُه تعالى] 1: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ 2. وقولُه: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ﴾ 3. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ﴾ 4. وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، رَضِيَ اللهُ عنهما، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إذا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأصابَ، فَلَهُ أجرَانِ، وَإذَا اجْتَهَدَ فَأخطَأ فَلَهُ أجر».
مُتَّفَقٌ عليه 5. في آيٍ

###: باب

أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، من كتاب الاعتصام.
صحيح البُخاريّ 9/ 133. ومسلم، في: باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، من كتاب الأقضية.
صحيح مسلم 3/ 1342. =

وَهُوَ فَرْضُ كِفَايةٍ.
قَال أحْمَدُ، رَحِمَهُ اللهُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِم، أتذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ!  وأخْبارٍ سِوَى ذلك كثيرةٍ.
وأجْمَعَ المسلمون على مَشْروعِيَّةِ نَصْبِ القَضاءِ (1)، والحكْمِ بينَ النَّاسِ.

4819 -

مسألة: (وهو فَرْضٌ كِفايَةٍ)

لأنَّ أمْرَ النَّاسِ لا يَسْتَقِيمُ بدُونِه، فكان واجِبًا عليهم، كالجِهادِ والإمامَةِ (قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: لا بُدَّ للنَّاسِ مِن حاكِم، أتَذْهَب حقوقُ النَّاسِ!) وفيه فَضْلٌ عظيمٌ لمَن قَوِيَ على القِيامِ به، وأداء الحقِّ فيه، ولذلك جعلَ الله فيه أجْرًا على الخَطَأ، وأسْقَطَ عنه حُكْمَه، ولأنَّ فيه أمْرًا بالمَعْروفِ، ونُصْرة للمَظْلُومِ، وأداءَ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، ورَدَّ الظَّالِمِ عن ظُلْمِه، وإصْلاحًا بينَ النَّاسِ، وتَخْلِيصًا لبعضِهم مِن بعض، وذلك مِن أبوابِ القُرَبِ؛1 = كما أخرجه أبو داود، في: باب في القاضي يخطئ، من كتاب الأقضية.
سنن أبي داود 2/ 268. وابن ماجه، في: باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق، من كتاب الأحكام.
سنن ابن ماجة 2/ 776. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 187، 4/ 198، 204.

..................................  ولذلك تَوَلَّاه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، والأنْبِياءُ قبلَه، فكانوا يَحْكُمُون لأمَمِهم، وبَعَث عليًّا إلى اليمنِ قاضِيًا 1، وبَعَث مُعاذًا قاضِيًا 2. وعن عُقْبَةَ بنِ عامر، قال: جاء خَصْمانِ يَخْتَصِمان إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لي 3: «اقْضِ بَينَهُما».
قلتُ: أنت أوْلَى بذلك.
قال 4: «وَإنْ كَانَ».
قلتُ: علامَ أقْضِي؟ قال: «اقْضِ، فَإنْ أصَبْتَ فَلَكَ عَشرَةُ أُجُور، وَإنْ أخْطَأتَ فَلَكَ أجْر وَاحِدٌ».
رَواه سعيد في «سُنَنِه» 5. ووَلَّى عمرُ شُرَيحًا قَضاءَ الكُوفَةِ، وكعبَ بنَ سُورٍ 6 قَضاءَ البَصْرَةِ.

..................................  فصل: وفيه خَطَر عظيمٌ ووزْرٌ كبيرٌ لمَن لم يُؤَدِّ الحَقَّ فيه، ولذلك كان السَّلَفُ، رَحِمَهم اللهُ، يَمْتَنِعُونَ منه أشَدَّ الامْتِناعِ، ويَخْشَوْن على أنْفُسِهم خَطَرَه.
قال خاقانُ بنُ عبدِ الله 1: أُرِيدَ أبو قِلابَةَ على قَضاءِ البَصْرَةِ، فهَرَبَ إلى اليَمامَةِ، فأُرِيدَ على قَضائِها، فهَرَبَ إلى الشَّام، فأُرِيدَ على قَضائِها، وقيل: ليس ههُنا غيرُك.
قال: فَأَنْزِلُوا 2 الأَمرَ على ما قُلْتُمْ، فإنَّما مَثَلِي مَثَلُ سابِحٍ وَقَع في البَحْرِ، فسَبَحَ يومَه، فانْطَلَقَ، ثم سَبَح اليومَ الثَّانِيَ، فمَضَى أيضًا، فلَمّا كان اليومُ الثالثُ فتَرَتْ يَداه 3. وكان يُقالُ: أعلَمُ الناسِ بالقَضاءِ أشَدُّهم له كَراهَةً.
ولعِظَمِ خَطرَه، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا، فَقَدْ ذُبِحَ بغيرِ سِكِّين».
قال التِّرْمِذِيُّ 4: هذا حديث حسنِ.
قيلَ في هذا الحديثِ: إنَّه لم يَخْرُجْ مَخْرَجَ الذَّمِّ للقَضاءِ، وإنَّما وَصَفه بالمَشقَّةِ، فكأنَّ مَن وَلِيَه قد حُمِل على

فَيَجِبُ عَلَى الْإمَامِ أنْ يُنَصِّبَ في كُلِّ إقْلِيم قَاضِيًا، وَيَخْتَارَ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يجِدُ وَأَوْرَعَهُمْ،  مَشَقَّةٍ، كمَشَقَّةِ الذَّبْح.

4820 -

مسألة: (فيَجِبُ عَلَى الإِمَامِ أنْ يُنَصبَ في كلِّ إِقْلِيمٍ قاضِيًا، ويَخْتارَ لذلك أفْضَلَ مَن يَجِدُ وأوْرَعَهم)

[إذا كان الإِمامُ في بَلَدٍ، فعليه أنَّ يَبْعَثَ القُضاةَ إلى الأمْصارِ غيرِ بَلَدِه] 1؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ عليًّا قاضِيًا إلى اليَمَنِ، وبَعَث مُعاذًا قاضِيًا أيضًا 2، وقال له 3: «بِمَ تَحْكُمُ؟».
قال: بكتابِ اللهِ.
قال: «فَإنْ لَمْ تَجِدْ؟».
قال: بسُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟».
قال: أجْتَهِدُ رَأْيي.
قال: «الْحَمْدُ للهِ الَّذي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ» 4. ووَلَّى عُمَرُ شُرَيحًا قَضاءَ الكُوفَةِ، وكَتَبَ إلى أبي عُبَيدَةَ ومُعاذٍ

وَيَأْمُرَهُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَإيثارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتهِ، وَتَحَرِّي الْعَدْلِ، والْاجْتِهَادِ في إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَأنْ يَسْتَخْلِفَ في كُلِّ صُقعٍ أصْلَحَ مَن يَقْدِرُ عَلَيهِ لَهُمْ.
يَأْمُرُهما بتَوْلِيَةِ القُضاةِ (1) في الشَّامِ.
ولأنَّ أهلَ كلِّ بَلَدٍ يَحْتاجُون إلى القاضِي، ولا يُمْكِنُهم المَصِيرُ إلى بَلَدِ الإِمامِ، ومَن أمْكَنَه ذلك شَقَّ عليه، فوَجَبَ إغْناؤُهم عنه.

4821 -

مسألة: (وَيَخْتارَ لذلك أفْضَلَ مَن يَجِدُ وَأوْرَعَهم، ويَأْمُرَه بتَقْوَى اللهِ، وإيثارِ طاعَتِه في سِرِّهِ وعَلانِيَته، وتَحَرِّي العَدْلِ، والاجْتِهادِ في إقامَةِ الحَقِّ)

إذا أراد الإِمامُ تَوْلِيَةَ قاضٍ، فإن كان له خِبْرَةٌ بالنَّاسِ، ويَعْرِفُ مَن يَصْلُحُ للقَضاءِ، وَلَّاه، وإنْ لم يَعْرِف ذلك، سأل أهلَ المَعْرِفةِ بالناسِ، واسْتَرْشَدَهم عمَّن يَصْلُحُ.
وإن ذُكِر له رجلٌ لا يَعْرِفُه، أحْضَرَه وسأله، فإن عَرَف عَدالتَه، وإلَّا بَحث عن عَدالتِه، فإذا عَرَفَها وَلَّاه.
قال عليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه: لا يَنْبَغِي للقاضي أنْ يكونَ قاضِيًا حتى يكونَ فيه خَمْسُ خِصالٍ؛ عَفيفٌ، حَلِيمٌ، عالمٌ بما كان قبلَه، يَسْتَشِيرُ ذَوي الرَّأْي 2. ويَكْتُبُ له 3 الإِمامُ عَهْدًا يَأْمُرُه فيه1

وَيَجبُ على مَنْ يَصْلُحُ لَهُ، إِذَا طُلِبَ وَلَمْ يُوجَدْ غَيرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ، الدُّخُولُ فِيهِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي بِالامْتِنَاعِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بهِ؛ قَال: لَا يَأْثَمُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ليسَ بِوَاجِبٍ.
بتَقْوَى اللهِ، والتَّثَبُّتِ في القَضاءِ، ومُشاوَرَةِ أهلِ العلمِ، وتَصَفُّحِ 1 حالِ الشُّهُودِ، وتَأمُّلِ الشَّهاداتِ، وتَعاهُدِ اليَتامَى، وحِفْظِ أمْوالِهم وأموالِ الوُقُوفِ، وغيرِ ذلك ممّا يَحْتاجُ إلى مُراعاتِه (وأنْ يَسْتَخْلِفَ في كلِّ صُقْعٍ 2 أصْلَحَ مَن يَقْدِرُ عليه) ليكونَ [قَيِّمًا بما] 3 يَتَولَّاه.

4822 -

مسألة: (ويَجِبُ على مَن يَصْلُحُ له، إذَا طُلِبَ ولم يُوجَدْ غَيرُه، الدُّخُولُ فيه.
وعنه، أنَّه سُئِلَ: هل يَأْثَمُ القاضي إذا لم يُوجَدْ غَيرُه ممَّن يُوثَقُ به؟ قال: لا يَأَثَمُ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه ليس بواجبٍ)

الناسُ في القَضاءِ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ منهم مَن لا يَجُوزُ له الدُّخُولُ فيه، وهو مَن لا يُحْسِنُه، ولم تَجْتَمِعْ فيه شُروطُه، فقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال:

..................................  «القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ».
ذَكَر منهم رجلا قَضَى بينَ الناسِ بجَهْل، فهو في النارِ 1. ولأنَّ [مَن لا] 2 يُحْسِنُه لا يَقْدِرُ على العَدْلِ فيه، فيَأْخُذُ الحَقَّ مِن مُسْتَحِقِّه ويَدْفَعُه إلى غيرِه.
ومنهم مَن يجوزُ له، ولا يَجِبُ عليه، وهو مَن كان مِن أهلِ العَدالةِ والاجْتِهادِ، ويُوجَدُ غيرُه مثلُه، فله أنْ يَلِيَ القَضاءَ بحُكمِ حالِه وصَلاحِيَته، ولا يَجِبُ عليه، لأنَّه لم يَتَعَيَّنْ له.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يُسْتَحَبُّ له الدُّخُولُ فيه، لِما فيه مِن الخَطَرِ والغَرَرِ، وفي تَرْكِه مِن السَّلامَةِ، ولِما وَرَد فيه مِن التَّشْدِيدِ والذَّمِّ، ولأنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الامْتِناعُ منه والتَّوقِّي، وقد أراد عمانُ تَولِيَةَ ابنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، القَضاءَ فأباه 3. وقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامدٍ: إن كان رجلًا خامِلًا، لا يُرْجَعُ إليه في الأحْكامِ، [ولا يُعْرَفُ] 4، فالأوْلَى له تَوَلِّيه، ليُرْجَعَ إليه في الأحْكامِ، ويَقُومَ به الحَقُّ، ويَنْتَفِعَ به المسلمون، وإن كان مَشْهورًا

..................................  في الناسِ بالعِلْمِ، يُرْجَعُ إليه في تَعْلِيمِ العِلْمِ والفَتْوَى 1، فالأَولَى الاشْتِغالُ بذلك؛ لِما فيه مِن النَّفْعِ مع الأمْنِ مِن الغَرَرِ.
[ونحوُ] 2 هذا قولُ أصْحابِ الشافعيِّ، وقالوا أيضًا: إذا كان ذا حاجةٍ، وله في القضاءِ رِزْقٌ، فالأوْلَى له.
الاشْتِغالُ به، فيكونُ أوْلَى مِن سائرِ المَكاسِبِ؛ لأنَّه قُرْبَةٌ وطاعَةٌ.
والثالثُ، مَن يَجِبُ عليه، وهو مَن يَصْلُحُ للقَضاءِ، ولا يُوجَدُ سواه، فهذا يَتَعَيَّنُ عليه؛ لأنَّه فَرْضُ كِفايَةٍ، لا يَقدِرُ على القيامِ به غيرُه، فيتَعَيَّنُ عليه، كغَسْلِ المَيِّتِ وتَكْفِينه.
وقد نُقِل عن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّه لا يَتَعَيَّنُ عليه، فإنَّه سُئِلَ: هل يَأْثَمُ القاضي بالامتناعِ 3 إذا

فَإِنْ وُجِدَ غَيرُهُ، كُرِهَ لَهُ طَلبهُ، بِغَيرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
لم يُوجَدْ غيرُه؟ قال: لا يَأْثَمُ.
فهذا يَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ على ظاهِرِه، في أنَّه لا يَجِبُ عليه؛ لِما فيه مِن الخَطَرِ، فلا يَلْزَمُه الإضْرارُ بنَفْسِه لنَفْعِ غيرِه، ولذلك امْتَنَعَ أبو قِلابَةَ منه، وقد قيلَ له: ليس ههُنا غيرُك.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ على مَن لم يُمْكِنْه القِيامُ بالواجِبِ، لظُلْمِ السُّلْطانِ أو غيرِه؛ فإنَّ أحمدَ قال: لا بُدَّ للناسِ مِن حاكم، أتَذْهَبُ حُقُوقُ الناسِ!

4823 -

مسألة: (فإن وُجِد غيرُه، كُرِه له طَلَبُه، بغَيرِ خِلافٍ في المَذْهَبِ)

لأنَّ أنَسًا روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ ابْتَغَى القَضَاءَ، وسَألَ فِيهِ شُفَعَاءَ، وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ، ومَنْ أكْرِهَ عَلَيهِ، أنْزَلَ اللهُ عليه 1 مَلَكًا يُسَدِّدُه».
قال التِّرْمِذِيُّ 2: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.

وَإِنْ طُلِبَ، فَالأفْضَلُ أنْ لَا يُجيبَ إِلَيهِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: الأَفْضَلُ الإجَابَةُ إلَيهِ إِذَا أَمِنَ نَفْسَهُ.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمن، لَا تَسْألِ الإِمَارَةَ؛ فَإنَّكَ إِنْ أعْطِيتَهَا عَنْ مَسْألَةٍ، وُكِلْتَ إلَيها، وإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيرِ مَسْألةٍ، أُعِنْتَ عَلَيهَا».
مُتَّفَق عليه (1).

4824 -

مسألة: (وإن طُلِبَ، فالأفْضَلُ أنَّ لا يُجِيبَ إليه، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ. وقال ابنُ حامِدٍ: الأفْضَلُ الإجابَةُ إليه إذا أَمِنَ نَفْسَه)

1

..................................  وقد ذَكَرْنا أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ الأفْضَلَ والأوْلَى له أنَّ لا يُجِيبَ إذا طُلِبَ ووُجِدَ غيرُه؛ لِما فيه مِن الخَطَرِ والغَرَرِ، وفي تَرْكِه مِن السلامَةِ، ولِما وَرَد فيه مِن التَّشْدِيدِ والذَّمِّ، ولأنَّ طَريقةَ السَّلَفِ الامْتِناعُ منه والتَّوقِّي لذلك، وقد أراد عُثْمانُ، رَضِيَ اللهُ عنه، تَوْلِيَةَ ابنِ عُمَرَ القَضاءَ فأباه.
وقد 1 [ذَكَرناه و] 2 ذَكَرْنا قولَ ابنِ حامدٍ قبل 3 مُفَصَّلًا 4. وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ.

وَلَا تَثْبُتُ ولَايةُ الْقَضَاءِ إلَّا بِتَوْلِيَةِ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.
وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّى كَوْنَ الْمُوَلَّى عَلَى صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ،

4825 - مسألة؛ (ولا تَثْبُتُ ولايةُ القَضاءِ إلَّا بتَوْلِيَةِ الإِمامِ أو نائِبِه)

لأنَّهَا مِن المصالِحِ العَامَّةِ، فلم تَجُزْ إلَّا مِن جِهَةِ الإِمامِ، كعَقْدِ الذِّمَّةِ.
4826 -

مسألة: (ومِن شَرْطِ صِحَّتِها مَعْرِفَةُ المُوَلِّي كونَ المُوَلَّى على صِفَةٍ تَصْلُحُ للقَضاءِ)

لأنَّ مَقْصُودَ القَضاءِ لا يَحْصُلُ إلَّا بذلك، فإن كان يَعْرِفُ صَلاحِيَتَه للقَضاءِ، وَلَّاه، وإن لم يَعْرِفْ ذلك، سألَ أهلَ المَعْرِفَةِ بالنَّاسِ، واسْتَرْشَدَهم، فإن عَرَف ذلك وَلَّاه.

وَتَعْيِينُ مَا يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فِيهِ مِنَ الْأعْمَالِ وَالبُلْدَانِ، وَمُشَافَهَتُهُ بِالْولَايةِ أَوْ مُكَاتَبَتُهُ بِهَا، وَإشْهَادُ شَاهِدَينِ على تَوْلِيَتهِ.
وَقَال الْقَاضِي: تَثْبُتُ بِالاسْتِفَاضَةِ، إِذَا كَانَ بَلَدُهُ قَرِيبًا تَسْتَفِيضُ فِيهِ أخْبَارُ بَلَدِ الْإِمَامِ.

4827 - مسألة: (وتَعْيينُ ما يُوَلِّيه الحُكْمَ فيه مِن الأعْمالِ والبُلدانِ، ومُشَافَهَتُه بالولايَةِ أو مُكَاتَبَتُه بها، وإشْهَادُ شاهِدَين على تَوْلِيَته.
وقال القاضي: تَثْبُتُ بالاسْتِفاضَةِ، إذا كان بَلَدُه قَرِيبًا يَسْتَفِيضُ فِيهِ أخْبارُ بَلَدِ الإِمام)

يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ ما يُوَلِّيه مِن الأعْمالِ والبُلْدانِ، ليَعْلَمَ مَحَلَّ ولائيه، فيَحْكُمَ فِيه، ولا يَحْكُمَ في غيرِه، وقد وَلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيًّا قَضاءَ اليَمَنِ، ووَلَّى عُمَرُ شُرَيحًا قَضاءَ الكُوفَةِ، وكَعْبَ بنَ سُورٍ قَضاءَ البَصْرَةِ، وبَعَث في كلِّ مِصْر قاضِيًا وَوالِيًا.
ويُشافِهُه الإِمامُ بالولايةِ إن كان حاضِرًا، أو يُكاتِبُه بها إن كان غائِبًا؛ لأنَّ التَّوْلِيَةَ تحْصُلُ بالمُشافَهَة

..................................  في الحَضْرَةِ، وبالمُكاتَبَةِ في الغَيبَةِ، كالتَّوْكِيلِ.
فإن كان البَلَدُ الذي [ولَّاه قَضاءَه] 1 فيه غيرَ بلدِ الإمامِ، كَتَب له العَهْدَ بما وَلَّاه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَتَب لعَمْرِو بنِ حَزْم، حينَ بَعَثه إلى اليَمَنِ 2. وكَتَب عُمَرُ إلى أهلِ الكُوفَةِ: أمَّا بعدُ، فإنِّي قد بَعَثْتُ عليكم عَمّارًا أمِيرًا، وعبدَ اللهِ قاضِيًا، فاسْمَعُوا لهما وأطِيعُوا 3. فإن كان البَلَدُ الذي وَلَّاه قَضاءَه 4 بعيدًا، لا يَسْتَفِيضُ إليه الخَبَرُ بما يكونُ في بَلَدِ الإِمامِ، أحْضَرَ شاهِدَين عَدْلَين وقَرَا عليهما العَهْدَ، [أو قَرَأه غيرُه بحَضْرَتِه] 5، وأشْهَدَهما على تَوْلِيَته؛ ليَمْضِيَا 6 معه إلى بَلدِ ولايَتِه، فيُقِيما له الشَّهادةَ، ويقولُ لهما: اشْهَدا على أنِّي قد وَلَّيتُه قَضاءَ البلدِ الفُلانِيِّ، وتَقَدَّمْتُ إليه بما يَشْتَمِلُ هذا العَهْدُ عليه.
وإنْ كان البلدُ قَرِيبًا مِن بلدِ الإمام، يَسْتَفِيضُ إليه ما يَجْرِي في بلدِ الإِمامِ، نحوَ أنْ يكونَ بينَهما خمسةُ أيّامٍ أَو ما دُونَها، جاز أنَّ يَكْتَفِيَ بالاسْتِفاضَةِ دُونَ الشَّهادَةِ؛ لأنَّ الولايةَ تَثْبُتُ بها.
وبهذا قال الشافعيُّ، إلَّا أنَّ عندَه في ثُبوتِ الولايةِ بالاسْتِفاضَةِ في البلدِ القريبِ

..................................  وَجْهَين.
وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: تَثْبُتُ بالاسْتِفاضَةِ.
ولم يُفَرِّقُوا بينَ البلدِ القريبِ والبعيدِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ولَّى عليًّا قَضاءَ اليَمَنِ، وهو بعيدٌ، مِن غيرِ شَهادةٍ، ووَلَّى الوُلاةَ في البُلْدانِ البعيدةِ، وفَوَّضَ إليهم الولايةَ والقَضاءَ، ولم يُشْهِدْ، وكذلك خُلَفاؤه، ولم يُنْقَلْ عنهم الإشْهادُ على تَوْلِيةِ القَضاءِ، مع بعدِ بُلدانِهم.
ولَنا، أنَّ القَضاءَ لا يَثْبُت إلَّا بأحَدِ أمْرَين، وقد تَعَذَّرَتْ 1 الاسْتِفاضَةُ في البَلَدِ البعيدِ؛ لعَدَمِ وُصُولِها إليه، فيَتَعَيَّنُ الإشْهادُ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُشْهِدْ على تَوْلِيَته، فإنَّ الظَّاهِرَ أنَّه لم يَبْعَثْ والِيًا إلَّا ومعه جماعةٌ الظاهرُ أنَّه أشْهَدَهم، وعَدَمُ نَقْلِه لا يَلْزَمُ منه عَدَمُ فِعْلِه، وقد قام دَلِيلُه، فيَتَعَيَّنُ وُجُوبُه.

وَهَلْ تُشْتَرَطُ عَدَالةُ الْمُوَلِّي؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

4828 - مسألة: (وهل تُشْتَرَطُ عَدالةُ المُوَلِّي؟ على رِوايَتَين)

إحْداهما، تُشْتَرَطُ، كما تُشْتَرَطُ في المُتَوَلِّي.
والثانيةُ، لا تُشْتَرَطُ؛ لأنَّ ولايَةَ الإِمامَةِ الكُبْرَى تَصِحُّ مِن كلِّ بَر وفاجِر، فصَحَّتْ ولايَتُه، كالعَدْلِ، ولأنَّنا لو اعْتَبَرْنا العدالةَ في المُوَلِّي، أفْضَى إلى تَعَذُّرِها بالكُلِّيَّةِ، فيما إذا كان الإمامُ غيرَ عَدْلٍ.

وَأَلفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةِ سَبْعَةٌ: وَلَّيتُكَ الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُكَ، وَاسْتَنَبْتُكَ، وَاسْتَخْلَفْتُكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيكَ، وَفَوَّضْتُ إِلَيكَ، وَجَعَلْتُ لَكَ الْحُكْمَ.
فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهَا وَالْقَبُولُ مِنَ الْمُوَلَّى، انْعَقَدَتِ الْولَايةُ.
وَالْكِنَايةُ نَحْوُ: اعْتَمَدْتُ عَلَيكَ، وَعَوَّلْتُ عَلَيكَ، وَوَكَّلْتُ إِلَيكَ، وَأسْنَدْتُ إِلَيكَ الْحُكْمَ.
فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا

4829 - مسألة: (وألفاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةِ سَبْعَة: وَليتُك الحُكْمَ، وقَلَّدْتُك، واسْتَنَبْتُك، واسْتَخْلَفْتُك، ورَدَدْتُ إليك، وفَوَّضْتُ إليك، [وجَعَلْتُ لك الحُكْمَ]

1. فإذا وُجِد لَفْظٌ منها والقَبُولُ مِن المُوَلَّى، انْعَقَدَتِ الولايةُ) لأنَّها لا تَحْتَمِلُ إلَّا ذلك، فمتى أتَى بواحِدَةٍ منها، واتَّصَلَ بها القَبُولُ، صَحَّتِ الولايةُ، كالبَيعِ والنِّكاحِ وغيرِ ذلك (والكِنايَةُ) أربعةٌ: (اعْتَمَدْتُ عليك، وعَوَّلْتُ عليك، ووَكَّلْتُ

حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ، نَحْوُ: فَاحْكُمْ، أو فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ عَلَيكَ فِيهِ.
وَمَا أَشْبَهَهُ.
إليك، وأسْنَدْتُ إليك الحُكْمَ.
فلا يَنْعَقِدُ حتى تَقْتَرِنَ بها قَرِينَة، نحوُ: فاحْكُمْ، أو: تَوَلَّ ما عَوَّلْتُ عليك فيه.
وما أشْبَهَه) نحو: وانْظُرْ فيما أسْنَدْتُ إليك؛ واحْكُمْ فيما وَكَّلْتُ إليك، لأنَّ هذه الألْفاظَ تَحْتَمِلُ التَّوْلِيَةَ وغيرَها، مِن كونِه يَأْخُذُ برأْيِه وغير ذلك، فلا تَنْصرِفُ إلى التَّوْلِيَةِ إلَّا بقَرينَةٍ تَنْفِي الاحْتِمال.

فصلٌ: وَإذَا ثَبَتَتِ الْولَايةُ وَكَانَتْ عَامَّةً، اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ في عَشَرَةِ أَشْيَاءَ؛ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ، وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيهِ وَدَفْعُهُ إلَى رَبِّهِ، والنَّظَرُ في أَمْوَالِ الْيَتَامَى والْمَجَانِينِ والسُّفَهَاءِ، وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ في عَمَلِهِ، بِإجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَتَنْفِيذُ الْوَصَايَا، وَتزْويجُ النِّسَاءِ اللَّاتي لَا وَلِيَّ لَهُنَّ، وَإقَامَةُ الْحُدُودِ، وَإقَامَةُ  فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (وإذا ثَبَتَتِ الولايةُ وكانت عامَّةً، اسْتفاد بها النَّظَرَ في عَشَرَةِ أشياءَ؛ فَصْلُ الخُصُوماتِ، واسْتِيفاءُ الحَقِّ ممَّن هو عليه ودَفْعُه إلى رَبِّه، والنَّظَرُ في أمْوالِ اليَتامَى والمَجانِين والسُّفهاءِ، والحَجْرُ على مَن يَرَى الحَجْرَ عليه لسَفَهٍ أو فَلَس، والنَّظَرُ في الوُقُوفِ في عملِه، بإجْرائِها على شَرْطِ الواقفِ، وتَنْفِيذُ الوَصايا، وتَزْويجُ النِّساءِ اللَّاتِي لا وَلِيَّ لَهُنَّ، وإقامةُ الحُدُودِ، وإقامَةُ الجُمُعَةِ، والنَّظَرُ في

الْجُمُعَةِ، والنَّظَرُ في مَصَالِحِ عَمَلِهِ، بِكَفِّ الأذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتهِمْ، وَتَصَفُّحُ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ، والْاسْتِبدَالُ بِمَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ مِنْهُمْ.
فَأَمَّا جِبَايةُ الْخَرَاجِ، وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
مصالحِ عملِه، بكَفِّ الأذَى عن طُرُقاتِ المسلِمِين وأفْنِيَتهم، وتَصفُّحُ حالِ شُهُودِه وأُمَنائِه، والاسْتِبْدالُ بمَن ثَبَت جَرْحُه منهم) وإنَّما تَثْبُتُ هذه الولاياتُ له؛ لأنَّ العادَةَ مِن القضاةِ تَوَلِّيها، فعندَ إطْلاقِ تَوْلِيَةِ القَضاءِ تَنْصَرِفُ إلى ولايَةِ ما جَرَتِ العادةُ بولايَتِه لها (فأمَّا جِبايَةُ الخَراجِ، وأخْذُ الصَّدَقةِ، فعلى وَجْهَين) أحَدُهما، يَدْخُلان فيه، قِياسًا على سائرِ الخِصالِ المَذْكُورَةِ.
وفي الآخرِ، لا يَدْخُلانِ فيه؛ لأنَّ العادةَ لم تَثْبُتْ بتَوْلِيَةِ القَضاءِ لهما، و 1 الأصْل عَدَمُ ذلك، فلا يَثْبُتُ.

وَلَهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ مَعَ الْحَاجَةِ.
فَأمَّا مَعَ عَدَمِهَا، فَعَلَى وَجْهَينِ.

4830

  • مسألة:

(وله طَلَبُ الرِّزْقِ لنَفْسِه وأُمَنائِه وخُلَفائِه مع الحاجَةِ.
فأمَّا مع عَدَمِها، فعلى وَجْهَين) يَجُوزُ للقاضي أخْذُ الرِّزْقِ.
ورَخَّصَ فيه شُرَيحٌ، وابنُ سِيرِينَ، والشافعيُّ، وأكْثَرُ أهلِ العلمِ.
ورُوِيَ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه اسْتَعْمَلَ زيدَ بنَ ثابتٍ على القَضاءِ، وفَرَض له رِزْقًا 1. ورَزَق شُرَيحًا في كلِّ شهر مائةَ دِرْهم 2. وبَعَث إلى الكوفَةِ عمّارًا وابنَ مسعودٍ وعُثْمانَ [بنَ حُنَيفٍ، ورَزَقَهم كلَّ يوم شاةً؛ نِصْفُها لعَمّارٍ، ونِصْفُها لابنِ مسعودٍ وعُثْمانَ] 3، وكان ابنُ

..................................  مسعودٍ قاضِيَهم ومُعَلِّمَهم.
وكَتَب إلى مُعاذِ بنِ جَبَلٍ وأبي عُبَيدَةَ، حينَ بَعَثَهما إلى الشامِ، أنِ انْظُرَا رجالًا مِن صَالِحي مَن قِبَلَكم، فاسْتَعْمِلُوهم على القَضاءِ، وأوْسِعُوا عليهم، وارْزُقُوهم، واكْفُوهم مِن مالِ اللهِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَجُوزُ له أخْذُ الرِّزْقِ مع الحاجةِ، فأمَّا مَع عَدَمِها فعلى وَجْهَين.
[وهو الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكِتابِ المَشْرُوحِ] 1. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: ما يُعْجِبُني أنَّ يَأْخُذَ على القَضاءِ أجْرًا، وإنْ كان فَبِقَدْرِ عَمَلِه، مثلَ مالِ 2 اليَتيمِ.
لي كان ابنُ مسعودٍ والحسنُ يَكْرَهانِ الأجْرَ على القضاءِ 3. وكان مَسْروق 4 وعبدُ الرحمنِ بنُ القاسِمِ بنِ عبدِ الرحمَنِ 5، لا يَأْخُذان عليه أجْرًا، وقالا: لا نَأْخُذُ أجْرًا على أنَّ نَعْدِلَ بينَ اثْنَين 6. وقال أصْحابُ الشافعيِّ: إن لم يكنْ مُتَعَيِّنًا جاز له أخْذُ

..................................  الرِّزْقِ، وإن تَعَيَّنَ لم يَجُزْ إلَّا مع الحاجَةِ.
والصَّحِيِحُ جوازُ الأخْذِ عليه مُطْلَقًا؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، لَمَّا وَلِيَ الخِلافةَ، فَرَضُوا له رِزْقًا، كلَّ يومٍ دِرْهَمَينِ 1. ولِما ذَكَرْنا مِن 2 أنَّ عُمَرَ رَزَق زيدًا وشُرَيحًا وابنَ مسعودٍ، وأمَرَ بفرْضِ الرِّزْقِ لمَن وَلِيَ 3 مِن القُضاةِ.
ولأنَّ بالنَّاسِ حاجَةً إليه، ولو لم يَجُزْ فَرْضُ الرِّزْقِ لَتَعَطَّلَ، وضاعَتِ الحُقُوقُ.
فأمَّا الاسْتِئْجارُ عليه، فلا يجوزُ.
قال عمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: لا يَنْبَغِي لقاضِي المسلِمِين أنَّ يَأْخُذَ علي القَضاء أجْرًا 4. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، ولا نعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه قُرْبَةٌ يَخْتَصُّ فاعِلُه أنَّ يكونَ مِن أهلِ القُرْبَةِ، فأشْبَهَ الصلاةَ، ولأنَّه لا يَعْمَلُه 5 الإنسانُ عن غيرِه، وإنَّما يَقَعُ عن نَفْسِه، فأشْبَهَ الصلاةَ، ولأنَّه عمل غيرُ مَعْلُومٍ.
فإن لم يكنْ للقاضي رِزْق، فقال للخَصْمَين: لا أقْضِي بينَكما حتى تَجْعَلا لي جُعْلًا عليه.
جاز.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَجُوزَ.

فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ في عُمُومِ الْعَمَلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ خَاصًّا في أَحَدِهمَا أو فِيهِمَا، فيُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ في بَلَدٍ أَوْ مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ، فَيَنْفُذَ قَضَاؤهُ في أَهْلِهِ وَمَنْ طَرأَ إِلَيهِ، أَوْ يَجْعَلَ إليهِ الْحُكْمَ في الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةً، أَوْ فِي قَدْرٍ مِنَ الْمَالِ لَا يَتَجَاوَزُهُ، أَوْ يُفَوِّضَ إِلَيهِ عُقُودَ الأَنْكِحَةِ دُونَ غَيرِهَا.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (ويجوز أنَّ يُوَلِّيَه عُمُومَ النَّظَرِ في عُمُومِ العملِ، ويجوزُ أنَّ يُوَلِّيَه خاصًّا في أحَدِهما أو فيهما، ويُوَلِّيَه عُمُومَ النَّظَرِ في بلدٍ أو مَخَلَّةٍ خاصَّةٍ، فيَنْفُذَ قضاؤه في أهلِه ومَن طَرَأ إليه، أو يَجْعَلَ إليه الحُكْمَ في المُدايَناتِ خاصَّةً، أو في قَدْرٍ مِن المالِ لا يَتجاوزُه، أو يُفَوِّضَ إليه عُقُودَ الأنْكِحَةِ دُونَ غيرِها) لأن ذلك جميعَه إلى الإِمامِ، وله الاسْتِنابَةُ في الكلِّ، فتكونُ له الاسْتِنابَةُ في البعضِ، فإنَّ مَن مَلَك في الكلِّ مَلَك في 1 البعضِ، وقد صَح أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَسْتَنِيبُ أصحابَه

وَيَجُوزُ أنْ يَوَلِّيَ قَاضِيَينِ أَوْ أَكْثَرَ في بَلَدٍ وَاحِدٍ؛ يَجْعَلُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ عَمَلًا، فَيَجْعَلُ إلَى أحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَينَ النَّاسِ، لَيالى الْآخَرِ عُقُودَ الْأنْكِحَةِ دُونَ غَيرِهَا.
كلًّا في شيءٍ؛ فوَلَّى عُمَرَ القَضاءَ (1)، وبَعَثَ عليًّا قاضِيًا على اليَمنِ (2)، وكان يُرْسِلُ أصحابَه في جَمْعِ الزكاةِ وغيرِها، وكذلك الخُلَفاءُ بعدَه، ولأنَّه نِيابَةٌ، فكان على حَسَبِ الاسْتِنابَةِ.

4831 -

مسألة

فَإِنْ جَعَلَ إِلَيهِمَا عَمَلًا وَاحِدًا، جَازَ.
وَعِنْدَ أَبِي الْخطَّابِ لَا يَجُوزُ.

4832 - مسألة: (فإن جَعَل إليهما عَمَلًا واحِدًا، جاز. وعندَ أبي الخَطَّابِ لا يجوزُ)

[إذا وَلَّى قاضِيَين أو أكْثَرَ في بَلَدٍ واحدٍ وجَعَل إليهما عَمَلًا واحدًا، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ.
اخْتارَه أبو الخَطَّابِ] 1. وهو أحدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى إيقافِ 2 الأحْكامِ والخُصُوماتِ، لأنَّهما يَخْتَلِفان في الاجْتِهادِ، ويَرَى أحَدُهما ما لا يَرَى الآخرُ.
والثَّاني، يجوزُ.
وهو قولُ أصْحابِ أبي حنيفةَ.

..................................  وهو أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّه يجوزُ أنَّ يَسْتَخْلِفَ في البلدِ الذي هو فيه، فيكونَ فيه قاضِيان، فجاز أنَّ يكونَ فيها قاضِيان أصْلِيّان؛ لأنَّ الغَرَضَ فَصْلُ الخُصُوماتِ، وإيصالُ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، وهذا يَحْصُلُ، فأشْبَهَ القاضِيَ وخُلَفاءَه.
ولأَنه يجوزُ للقاضي أن يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَتَين في موضعٍ واحدٍ، فالإمامُ أوْلَى؛ لأنَّ تَوْلِيَتَه أقْوَى.
وقولُهم: يُفْضِي إلى إيقافِ 1 الأحْكامِ.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ كلَّ حاكم يَحْكُمُ باجْتِهادِه بينَ المُتَحاكِمَين إليه، وليس للآخَرِ الاعْتِراضُ عليه، ولا نَقْضُ حُكْمِه فيما خالفَ اجْتِهادَه.
فصل: ولا يَجُوزُ أن يُقَلِّدَ القَضاءَ لواحدٍ على أنَّ يَحْكُمَ بمذهبٍ بعَينه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: (فَاحْكُم بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) 2. والحقُّ لا يَتَعَيَّنُ في مَذْهَبٍ، وقد

..................................  يَظْهَرُ له الحقُّ في غيرِ ذلك المَذْهَبِ.
فإن قَلَّدَه على هذا الشَّرْطِ، بَطَل الشَّرْطُ.
وفي فَسادِ التَّوْلِيَةِ وَجْهان، بِناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ.
فصل: إذا فَوَّضَ 1 الإمامُ إلى إنْسانٍ تَوْلِيَةَ القاضي، جاز؛ لأنَّه يجوزُ أنَّ يَتَوَلَّى ذلك، فجاز له التَّوْكِيلُ فيه، كالبَيعِ.
فإن فَوَّضَ إليه اخْتِيارَ قاض، جاز، ولا يجوزُ له اخْتِيارُ نفسِه، ولا والدِه، ولا ولَدِه، كما لو

وَإِنْ مَاتَ الْمُوَلِّي، أَوْ عُزِلَ الْمُوَلَّى مَعَ صَلَاحِيَتهِ، لَمْ تَبْطُلْ ولَايتُهُ في أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَبْطُلُ في الْآخَرِ.
وَكَّلَه في الصَّدقةِ بمالٍ، لم يَجُزْ له أخْذُه، ولا دَفْعُه إلى هَذَين.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يجوزَ له اخْتِيارُهما، إذا كانا صالحَين للولايةِ؛ لأنَّهما يَدْخُلان في عُمُومِ مَن أذِنَ له في الاخْتِيارِ منه، مع أهْلِيَّتهما، أشْبَها الأجانِبَ.

4833 -

مسألة: (إذا مات المُوَلِّي، أو عُزِل المُوَلَّى مع صَلاحِيته، لم تَبْطُلْ ولايتُه في أحَدِ الوَجْهَين، وتَبْطُلُ في الآخَرِ)

إذا وَلَّى الإمامُ قاضِيًا، ثم مات، لم يَنْعَزِلِ القاضِي؛ لأنَّ الخُلَفاءَ، رَضِيَ الله عنهم، [وَلَّوْا حُكّامًا] 1 في زَمَنِهم، فلم يَنْعَزِلُوا بمَوْتِهم، ولأنَّ في عَزْلِه بمَوْتِ الإمام ضَرَرًا على المسلِمِين، فإنَّ البَلَدَ يَتَعَطَّلُ 2 مِن الحُكّامِ، وتَقِفُ أحْكَامُ النَّاسِ إلى أنَّ يُوَلِّيَ الإِمامُ الثَّاني حَاكِمًا، وفيه

..................................  ضَرَرٌ 1 عَظِيمٌ.
وكذلك لا يَنْعَزِلُ القاضِي إذا عُزِل الإمامُ؛ لِما ذَكَرْنا.
فأمَّا إن عَزَلَه الإمامُ الذي وَلَّاه أو غيرُه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَنْعَزِلُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ لمَصْلَحَةِ المسلمين، فلم يَمْلِكْ عَزْلَه مع سَدادِ حالِه، كما لو عَقَدَ النِّكاحَ على مُوَلِّيَته، لم يكنْ له فَسْخُه.
والثاني، [له عَزْلُه] 2، لِما رُوِيَ عن 3 عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لأعْزِلَنَّ أبا مَرْيَمَ 4، وأُوَلِّيَنَّ رجُلًا إذا رآهُ الفاجرُ فَرِقَه 5. فعَزَلَه عن قَضاء البَصْرَةِ، ووَلَّى كَعْبَ بنَ سُورٍ مَكانَه.
ووَلَّى عليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أَبا الأسْوَدِ، ثم عَزَلَه، فقال له: لِمَ عَزَلْتَنِي، وما خُنْتُ 6. قال: إنِّي رَأيتُك يَعْلُو كلامُك على الخَصْمَين.
ولأنَّه يَمْلِكُ عَزْلَ أُمَرائِه ووُلاتِه على البُلْدانِ، فكذلك قُضاتُه.
وقد كان عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عنه، يُوَلِّى ويَعْزِلُ، فعَزَلَ شرَحْبِيلَ بنَ حَسَنَةَ

..................................  عن ولايَته في الشامِ، ووَلَّى مُعاويَةَ، فقال له شُرَحْبِيلٌ: أمِن جُبْنٍ عَزَلْتَنِي، أو مِن 1 خِيانَةٍ؟ قال: من كلٍّ لا، ولكنْ أرَدْتُ رجلًا أقْوَى مِن رجلٍ.
وعزلَ خالدَ بنَ الوليدِ، ووَلَّى أبا عُبَيدَةَ.
وقد كان يُوَلِّي بعضَ الوُلاةِ الحُكْمَ مع الإمارَةِ، فوَلَّى أبا موسى البَصْرَةَ قضاءَها وإمْرَتَها 2. ثم كان يَعْزِلُهم هو 3، ومَن لم يَعْزلْه، عَزَلَه عُثْمانُ بعدَه إلَّا القليلَ منهِم، فعَزْلُ القاضي أوْلَى.
ويُفارِقُ عَزْلَه بمَوْتِ مَن وَلَّاه أو عَزْلِه؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا، وههُنا لا ضَرَرَ فيه؛ لأنَّه لا يَعْزِلُ قاضيًا حتى يُوَلِّيَ آخَرَ مكانَه،

..................................  ولهذا لا يَنْعَزِلُ الوالي 1 بمَوْتِ الإمامِ، ويَنْعَزِلُ بعَزْلِه.
وقد ذَكَر شيخُنا في عَزْلِه بالموتِ، في الكتابِ المَشْرُوحِ وَجْهَين، وحَكاهما أبو الخَطَّابِ.
والأوْلَى، إن شاءَ اللهُ، ما ذَكَرْنا.
فأمَّا إن تَغَيَّرَتْ حالُ القاضي، بفِسْقٍ، أو زَوالِ عَقْل، أو مَرَضٍ يَمنعُه من القضاءِ، أو اخْتَلَّ فيه بعضُ شُرُوطِه، فإنَّه يَنْعَزِلُ بذلك، ويَتَعَيَّنُ على الإِمامِ عَزْلُه، وَجْهًا واحدًا.
وأمَّا إذا اسْتَخْلَفَ القاضي خَلِيفَةً، فإنَّه يَنْعَزِلُ بمَوْتِه وعَزْلِه؛ لأنَّه نائِبُه، أشْبَهَ الوَكِيلَ.

وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ؟ عَلَى وَجْهَينِ، بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ.

4834 - مسألة: (وهل يَنْعَزِلُ قبلَ العلمِ بالعَزْلِ؟ على رِوايَتَين،

..................................  بِناءً على الوَكِيلِ) وقد مَضَى ذلك في كِتابِ الوَكالةِ 1. فصل: وللإمامِ تَوْلِيَةُ القَضاء في بلدِه وغيرِه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَّى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ القَضاءَ 2، وولَّى عليًّا 3 ومُعاذًا 4. وقال عثمانُ [بنُ عَفّانَ] 5 لابنِ عُمَرَ: إنَّ أباكَ كان يَقْضِي وهو خيرٌ منك.
فقال: إنَّ أبي قد كان يَقْضِي، فإن أشْكَلَ عليه شيء، سأل رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وذَكَر الحديثَ 6. رَواه [عُمَرُ بنُ شَبةَ] 7، في «قُضاةِ البَصْرَةِ».
ورَوَى سعيدٌ، في «سُنَنِه» عن عمرِو بنِ العاصِ، قال: جاء خَصْمان إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لي: «يَا عَمْرُو، اقْضِ بَينَهُمَا».
قال: قلتُ: أنت أوْلَى بذلك مِنِّي يا رسولَ اللهِ.
قال: «إنْ أصَبْتَ القَضَاءَ بَينَهُمَا، فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وإنْ أخْطَأْتَ، فَلَكَ حَسَنَةٌ» 8. وعن عُقْبَةَ بنِ عامِر مثلُه 9. ولأن الامامَ يَشْتَغِلُ بأشْياءَ كثيرةٍ مِن مَصالِح

..................................  المسلِمِين، فلا يَتَفَرَّغُ للقَضاءِ بينَهم.
فإذا وَلَّى قاضيًا، اسْتُحِبَّ أنَّ يَجْعَلَ له أنَّ يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّه قد يَحْتاجُ إلى ذلك، فإذا أذِنَ له في الاسْتِخْلافِ، جازَ له بلا خِلافٍ نَعْلَمُه، وإن نَهاهُ، لم يكنْ له أنَّ يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّ ولايتَه بإذْنِه، فلم يَكنْ له ما [نهاه عنه] 1، كالوكيلِ.
وإن أطْلَقَ، فله الاسْتِخْلافُ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يكونَ له ذلك؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ بالاذْنِ، فلم يكنْ له ما لم يَأْذَنْ فيه، كالوَكيلِ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ في هذا وَجْهان.

وَإذَا قَال الْمُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ في الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَهُوَ خَلِيفَتِي، أَوْ: قَدْ وَلَّيتُهُ.
لَمْ تَنْعَقِدِ الْولَايةُ لِمَنْ يَنْظُرُ.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ الغَرَضَ مِن القَضاءِ الفَصْلُ بينَ المُتَخاصِمَين، فإذا فَعَلَه بنفسِه [أو بغيرِه، جاز، كما لو أذِنَ له، ويفارِقُ التَّوكِيل؛ لأنَّ الإِمام يُوَلِّي القَضاءَ للمسلمين] (1)، بخلافِ الوَكيلِ.
فإنِ اسْتَخْلَفَ في مَوْضِع ليس له الاسْتِخْلافُ، فحُكْمُه حكمُ مَن لم يُوَلَّ.

4835 -

مسألة: (وإذا قال المُوَلِّي: مَن نَظَر في الحُكْمِ في البَلَدِ الفُلانِيِّ مِن فُلانٍ وفُلانٍ، فهو خَلِيفَتِي، أو: قد وَلَّيتُه. لم تَنْعَقِدِ الولايةُ لمَن يَنْظُرُ)

لأنَّه عَلَّقَها على شَرْطٍ، ولم يُعَيِّنْ بالولايةِ أحدًا منهم.
ويَحْتَمِلُ أنَّ تَنْعَقِدَ لمَنِ نَظَر؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أميرُكُمْ 2 زَيدٌ، فَإنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَميرُكُمْ عَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ» 3. فعَلَّقَ ولايةَ1

وَإِنْ قَال: وَلَّيتُ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَمَنَ نَظرَ مِنْهُمَا، فَهُوَ خَلِيفَتِي.
انْعَقَدَتِ الْولَايةُ.
فَصْلٌ: وَيُشْتَرَط في الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ؛ أنْ يَكُونَ  الإِمارةِ بعدَ زيدٍ على شَرْطٍ، فكذلك ولايةُ الحُكْمِ.

4836 -

مسألة: (وإن قال: وَلَّيتُ فُلانًا وفُلانًا، فمَن نَظَر منهما، فهو خَلِيفَتِي. انْعَقَدَتِ الولايةُ)

لمَن يَنْظُرُ منهما؛ لأنَّه عَقَد الولايةَ لهما جميعًا.
فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ويُشْتَرَطُ في القاضي عَشْرُ صِفاتٍ؛

بَالِغًا، عَاقِلًا، ذَكَرًا، حُرًّا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، مُتَكَلِّمًا، مُجْتَهِدًا.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
أنَّ يكونَ بالِغًا، عاقِلًا، حُرًّا، ذَكَرًا، مُسْلِمًا، عَدْلًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا، مُتَكَلِّمًا، مُجْتَهِدًا.
وهل يُشْتَرَطُ كونُه كاتِبًا؟ على وَجْهَين) وجملةُ ذلك، أنَّه يُشْتَرَطُ للقاضي أنَّ يكونَ بالِغًا عاقِلا مسلمًا؛ لأنَّ هذه شُرُوطُ العَدالةِ، فأَولَى أنَّ تُشْتَرَطَ للقَضاءِ.
الرابعُ، الذُّكُورِيَّةُ، فلا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ المرأةِ.
وحُكِيَ عنٍ 1 ابنِ جَرِير أنَّ الذُّكُوريَّةَ لا تُشْتَرَطُ؛ لأنَّ المرأةَ يَجُوزُ أنَّ تكونَ مُفْتِيَة، فيجوزُ أنَّ تكونَ قاضية.
وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ أنَّ تكونَ قاضيةً في غيرِ الحُدُودِ؛ لأنَّه يجوزُ أنَّ تكونَ شاهِدَةً فيه (1). ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أفْلَحَ قَوْم وَلَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأةً» 2. ولأنَّ القاضيَ يَحْضُرُه

..................................  محافِلُ الخُصُومِ والرِّجالِ، ويحْتاجُ فيه إلى كَمالِ الرَّأْي وتمامِ العَقْلِ والفِطْنَةِ، والمرأةُ ناقِصَةُ العقلِ، ضَعِيفَةُ الرَّأْي، ليستْ [أهلًا للحُضُورِ] 1 في محافلِ الرِّجالِ، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُها ولو كان معها ألفُ امرأةٍ مثلِها، ما لم يكنْ مَعَهُنَّ رجلٍ، وقد نَثهَ اللهُ تعالى على ضَلالِهنَّ ونِسْيانِهِنَّ بقولِه سبحانه: (أَنْ تَضِل إِحْدَهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الأُخْرَى) 2. ولا تَصْلُحُ للامامَةِ العُظْمَى، ولا لتَوْلِيَةِ البُلْدانِ، ولهذا لم يُوَلِّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا أحدٌ مِن خُلَفائِه، ولا مَن بعدَهم، امرأةً قَضاءً ولا ولايةَ بَلَدٍ، فيما بَلَغَنا، ولو جاز ذلك لم يَخْلُ منه جميعُ الزَّمانِ غالِبًا.
الخامسُ، الحُرِّيَّةُ، فلا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ العَبْدِ؛ لأنَّه مَنْقُوصٌ برِقِّه، مَشْغُولٌ بحُقوقِ سَيِّدِه، لا تُقْبَلُ شَهادَتُه في جميعِ الأشْياءِ، فلم يكنْ أهْلًا للقضاءِ، كالمرأةِ.
السادسُ، أنْ يكونَ سَمِيعًا.
السَّابعُ، أنَّ يكونَ بَصِيرًا.
الثامِنُ، أنَّ يكونَ مُتَكَلِّمًا؛ لأنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ قولَ الخَصْمَين، والأعْمَى لا يَعْرِفُ المُدَّعِيَ مِن المُدَّعَى عليه، والمُقِرَّ مِن المُقَرِّ له، والأخْرَسُ لا يُمْكِنُه النُّطْقُ بالحُكْمِ، ولا يَفْهَمُ [جَمِيعُ الناسِ] 3 إشارَتَه.
وقال بعضُ

جارٍ التحميل