الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 195-238

كِتَابُ الزَّكَاةِ

صفحات 195-238

وَإنْ عَجَّلَهَا فَدَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَمَاتَ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ اسْتَغْنَى، أَجْزَأَتْ عَنْهُ.
عن زكاةِ حَوْلِه، لم يَجُزْ.
وذَكَر القاضى وَجْهًا في جَوازِه بِناءً على ما لو عَجَّلَ زكاةَ عامَيْن.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَعْجِيل للزكاةِ قبلَ وُجُودِ سَبَبِها، أشْبَهَ ما لو عَجَّل زكاةَ نِصابٍ لغيرِه ثم اشْتَراه، وذلك لأن سَبَبَ الزكاةِ مِلْكُ النِّصابِ، ومِلْكُ الوارِثِ حادِثٌ، ص ولا يَبْنِى الوارِثُ على حَوْلِ المَوْرُوثِ، ولأنَّه لم يُخْرِجِ الزكاةَ، وإنَّما أخْرَجَها غيرُه عن نَفْسِه، وإخْراجُ الغيرِ عنه مِن غيرِ وِلايَةٍ ولا نِيابَةٍ لا يُجْزِئُ ولو نَوَى، فكيف إذا لم يَنْوِ؟ وقد قال أصْحابُنا: لو أخْرَجَ زَكاتَه وقال: إن كان مَوْرُوثِى قد مات فهذه زكاةُ مالِه، فبان أنَّه قد مات، لم يَقَعِ المَوْقِعَ.
وهذا أبْلَغُ، ولا يُشبِهُ هذا تَعْجِيلَ الزكاةِ لعامَيْن؛ لأنَّه ثَمَّ عَجَّلَ بعدَ وُجُودِ السَّبَبَ، وأخْرَجَها بنَفْسِه بخِلافِ هذا.
فإن قِيلَ: فإنَّه لو مات المَوْرُوثُ قبلَ الحَوْلِ، كان للوارِثِ ارْتِجاعُها، فإذا لم يَرْتَجِعْها احْتَسَبَ بها كالدَّيْنِ.
قُلْنا: فلو أراد أن يَحْسِبَ الدَّيْنَ عن زَكاتِه لم يَصِحَّ، ولو كان له عندَ رجلٍ شاةٌ مِن غَصبٍ أو قَرْضٍ، فأراد أن يَحْسِبَها عن زَكاتِه لم تُجْزِئْه.

987 -

مسألة: (وإن عَجَّلها، فدَفَعَها إلى مُسْتَحِقِّها، فمات أو ارْتَدَّ أو استَغْنَى، أجْزَأتْ عنه)

إذا دَفَع الزكاةَ المُعَجَّلَةَ إلى مُسْتَحِقِّها، لم يَخْلُ مِن أرْبَعَةِ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن لا يَتَغَيَّرَ الحالُ، ففى هذا القِسْمِ يَقَعُ

وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى غَنِىٍّ، فَافتَقَرَ عِنْدَ الْوُجُوبِ، لَمْ تُجْزِئْهُ،  المَدْفُوعُ مَوْقِعَه، ويُجْزِئُ عن المُزَكِّى، ولا يَلْزَمُه بَدَلُه، ولا له اسْتِرْجاعُه، كما لو دَفَعَها بعدَ وُجُوبِها.
الثانى، أن يَتَغَيَّرَ حَالُ الآخِذِ، بأن يَمُوتَ قبلَ الحَوْلِ، أو يَسْتَغْنِىَ، أو يَرْتَدَّ.
فهذا في حُكْمِ القِسْمِ الذى قبلَه، وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ: لا يُجْزِئُ؛ لأنَّ ما كان شَرْطًا للزكاةِ إذا عدِم قبلَ الحَوْلِ لم يُجْزِئُ، كما لو تَلِف المالُ، أو مات رَبُّه.
ولَنا، أنَّه أدَّى الزكاةَ إلى مُستَحِقِّها، فلم يَمْنَع الإِجْزَاءَ تَغَيُّرُ حالِه، كما لو اسْتَغْنَى بها، ولأنَّه حَقٌّ أدّاه إلى مُسْتَحِقِّه، فبَرِئَ منه، كالدَّيْنِ يُعجِّلُه قبلَ أجَلِه، وما ذَكَرُوه مُنْتَقِضٌ بما إذا اسْتَغْنَى بها، والحُكْمُ في الأصْلِ مَمْنُوعٌ، ثم الفَرْقُ بينَهما ظاهِرٌ، فإنَّ المالَ إذا تَلف تَبَيَّنَ عَدمُ الوُجُوبِ؛ فأشْبَهَ ما لو أدَّى إلى غَرِيمِه دَراهِمَ يَظُنُّها عليه، فتَبَيَّنَ أنَّها ليست عليه، وكما لو أدَّى الضّامِنُ الدَّيْنَ، فبان أنَّ المَضْمُونَ عنه قَضاه، وفى مَسْألَتِنا الحَقُّ واجِبٌ، وقد أخَذَه مُسْتَحِقُّه.
القِسْمُ الثالِثُ، أن يَتَغَيَرّ حَالُ رَبِّ المَالِ، وسَيَأْتِى ذِكْرُ ذلك، إن شاء اللَّه تعالى.
القِسْمُ الرّابعُ، أن يَتَغَيَّرَ حَالُهما، فهو كالقِسْمِ الثّالِثِ.

988 -

مسألة: (وإن دَفَعَها إلى غَنِىٍّ، فافْتَقَرَ عندَ الوُجُوبِ، لم تُجْزِئْه)

لأنَّه لم يَدْفَعْها إلى مُسْتَحِقِّها، أشْبَهَ ما لو لم يَفْتَقِرْ.

وَإنْ عَجَّلَها ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ الْحَوْلِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمِسكِينِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ الدَّافِعُ السَّاعِىَ، أوْ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ، رَجَعَ عَلَيْهِ.

989 - مسألة: (وإن عَجَّلَها ثمْ هَلَك 1 المالُ، لم يَرْجِعْ على الآخِذِ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان الدّافِعُ السّاعِىَ، أو أعْلَمَه أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلةٌ رَجَع عليه) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن عَجَّلَ زكاةَ مالِه، فدَفَعَها إلى مُسْتَحِقِّها، ثم تَلِف المالُ أو بعضُه، فنَقَص النِّصابِ قبلَ الحَوْلِ، أو تَغَيَّرَ حالُ رَبِّ المالِ بمَوْتٍ أو رِدَّةٍ، أو باع النِّصابَ، فقال أبو بكرٍ: لا يَرْجِعُ بها على الفَقِيرِ، سَواءٌ أعْلَمَه أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةٌ أو لم يُعْلِمْه.

..................................  قال القاضى: وهو المَذْهَبُ عندى؛ لأنَّها وصَلَتْ إلى الفَقِيرِ فلم يكنْ له ارْتِجاعُها، كما لو لم يُعْلِمْه، ولأنَّها زكاة دُفِعَتْ إلى مُسْتَحِقِّها، فلم يَجُزِ ارْتِجاعُها، كما لو تَغَيَرّ حَالُ الآخِذِ وَحْدَه.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامِدٍ: إن كان الدّافِعُ لها السّاعِىَ، اسْتَرْجَعَها بكلِّ حالٍ، وإن كان رَبَّ المالِ، وأعْلَمَه أنَّها زكاةٌ مُعَجَّلَةٌ، رَجَع بها، وإن أطْلَقَ لم يَرْجِعْ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مالٌ دَفَعَه عن ما يَسْتَحِقُّه القابِضُ [في الثانى] 1، فإذا طَرَأ ما يَمْنَعُ الاسْتِحْقاقَ، وَجَب رَدُّه، كالأُجْرَةِ إذا انْهَدَمَتِ الدارُ قبلَ السُّكْنَى، أمّا إذا لم يُعْلِمْه فيَحْتَمِلُ أن يكونَ تَطَوُّعًا، ويَحْتَملُ أن يكونَ هِبَةً، فلم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرُّجُوعِ.
فعلى قولِ ابنِ حامِدٍ، إن كانتِ العَيْنُ لم تَتَغَيَّرْ أخَذَها، وإن زادَتْ زِيادَةً مُتَّصِلَةً أخَذَها 2 بزِيادَتِها؛ لأنَّها تَتْبَعُ في الفُسُوخِ، وإن كانت مُنْفَصِلَةً، أخَذَها دُونَ زِيادَتِها؛ لأنَّها حدَثَتْ

..................................  في مِلْكِ الفَقِيرِ.
وإن كانت ناقِصَةً، رَجَع على الفَقِيرِ بالنَّقْصِ؛ لأنَّ الفَقِيرَ قد مَلَكَها بالقَبْضِ، فكان نَقْصُها عليه، كالمَبِيعِ إذا نَقَص في يَدِ المُشْتَرِى، ثم عَلِم عَيْبَه.
وإن كانت تالِفَةً أخَذَ قِيمَتَها يَوْمَ القَبْضِ؛ لأنَّ ما زاد بعدَ ذلك أو نَقَص فإنَّما هو في مِلْكِ الفَقِيرِ، فلم يَضْمَنْه، كالصَّداقِ يَتْلَفُ في يَدِ المَرْأةِ، فإن تَغَيَّرَ حالُهما، فهو كما لو تَغَيَّرَ حالُ رَبِّ المالِ سَواءٌ.
فصل: إذا قال رَبُّ المالِ: قد أعْلَمْتُه أنَّها زَكاةٌ مُعَجَّلَةٌ، فَلِىَ الرُّجُوعُ.

..................................  وأَنْكَرَ الآخِذُ، فالقَوْلُ قَوْلُه؛ لأنَّه مُنْكِر، والأصْلُ عَدَمُ الإِعْلامِ، وعليه اليَمِينُ.
وإن مات الآخِذُ واخْتَلَفَ وارِثُه والمُخْرِجُ، فالقَوْلُ قَوْلُ الوارِثِ، ويَحْلِفُ أنَّه لا يَعْلَمُ أنَّ مَوْرُوثَه أعْلَمَ بذلك.

..................................  فصل: إذا تَسَلَّفَ الإِمامُ الزكاةَ، فهَلَكَتْ في يَدِه، فلا ضَمانَ عليه، وكانت مِن ضَمانِ الفُقَراءِ.
ولا فَرْقَ بينَ أن يَسْألَه ذلك رَبُّ المال أو الفُقَراءُ أو لم يَسْألْه أحَدٌ؛ لأنَّ يَدَه كيَدِ الفُقَراءِ.
وقال الشافعىُّ: إن تَسَلَّفَها مِن غيرِ سُؤالٍ ضَمِنَها؛ لأنَّ الفُقَراءَ رُشُدٌ، لا يُوَلَّى عليهم، فإذا قَبَض بغيرِ إذْنِهم ضَمِن، كالأبِ إذا قَبَض لابْنِه الكَبِيرِ.
وإن كان بسُؤالِهم كان مِن ضَمانِهم؛ لأنَّه وَكِيلُهم، وإن كان بسُؤالِ أرْبابِ الأمْوالِ، لم يُجْزِئْهم الدَّفْعُ، وكان مِن ضَمانِهم؛ لأنَّه وَكِيلُهم.
وإن كان بسُؤالِهما ففيه

..................................  وَجهان؛ أصَحُّهما، أنَّه في ضَمانِ الفُقَراءِ.
ولَنا، أنَّ للإِمامِ وِلايةً على الفُقَراءِ، بدَلِيلِ جَوازِ قَبْضِ الصَّدَقَةِ لهم بغيرِ إذْنِهم سَلَفًا وغيره، فإذا تَلِفَتْ في يَدِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ لم يَضْمَنْ، كوَلِىِّ اليَتِيمِ إذا قَبَض له.
وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالقَبْضِ بعدَ الوُجُوبِ، وفارَقَ الأبَ؛ فإنَّه لا يَجُوزُ له القَبْض لوَلَدِه الكَبِيرِ؛ لعَدَمِ وِلاِيته عليه، ولهذا يَضْمَنُ ما قَبَضَه له بعدَ وُجُوبِه.

بَابُ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ

وَهمْ ثَمَانِيَة أَصْنَافٍ؛  بابُ ذِكْر أهلِ الزَّكاةِ (وهم ثَمانِيَةُ أصْنافٍ) سَمّاهُم اللَّه تعالى فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ 1. ورُوِىَ أنَّ رَجُلًا قال: يا رسولَ اللَّهِ أعْطِنِى مِن هذه الصَّدَقاتِ، فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِىٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِى الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأهَا ثَمَانِيَةَ أجْزَاءٍ، فَإنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأجْزَاءِ أعْطَيْتُكَ حَقَّكَ» 2. ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ

الْفُقَرَاءُ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ.
وَالثَّانِى، الْمَسَاكِينُ، وَهُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَ مُعْظَمَ الْكِفَايَةِ.
العِلْمِ في أنَّه لا يَجُوزُ دَفْعُ هذه الزَّكاةِ إلى غيرِ هذه الأصْنافِ، إلَّا ما رُوِى عن أنَسٍ، والحسنِ، أنَّهُما قالا: ما أعْطَيْتَ في الجُسورِ والطُّرُقِ فهى صَدَقَةٌ قاضِيةٌ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾.
و «إنَّمَا» للحَصْرِ تُثْبِتُ المَذْكُورَ، وتَنْفِى ما عَداه؛ لأنَّها مُرَكَّبَةٌ من حرفَىْ نَفْى، وإثْباتٍ، وذلك كقَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (1). أى لا إله إلَّا اللَّهُ، وكقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- «إنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» (2).

990 -

مسألة: (الفُقَراءُ؛ وهم الذين لا يَجِدُون ما يَقَعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِهم. الثَّانِى، المَساكِينُ؛ وهم الذين يَجِدُون مُعْظَمَ الكِفايَةِ)

الفُقَراءُ والمَساكِينُ صِنْفان في الزَّكاةِ، وصِنْفٌ واحِدٌ في سائِرِ الأحْكامِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الاسْمَيْن يَنْطَلِقُ عليهما، فأمّا إذا جُمِعَ بينَ الاسمَيْن، ومُيِّزَ بينَ المُسَمَّيَيْن تَمَيَّزا، وكِلاهما يُشْعِرُ بالحاجَةِ والفاقَةِ وعَدَمِ الغِنَى،12

..................................  إلَّا أنَّ الفَقِيرَ أشَدُّ حاجَةً مِن المِسْكِينِ، لأنَّ اللَّهَ تعالى بَدَأ به، وإنَّما يَبْدأُ بالأهَمِّ فالأهَمِّ.
وبهذا قال الشافعىُّ، والأصْمَعِىُّ.
وذَهَب أبو حنيفةَ إلى أنَّ المِسْكِينَ أشدُّ حاجَةً.
وبه قال الفَرَّاءُ، وثعلبٌ، وابنُ قُتَيْبَةَ، لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ 1. وهو المَطْرُوحُ على التُّرابِ لشِدَّةِ حاجَتِه، وأنْشَدَ 2: أمّا الفَقِيرُ الذى كانتْ حَلُوبَتُه … وَفْقَ العِيالِ فلم يُتْرَكْ لَه سَبَدُ 3 فأخْبَرَ أنَّ الفَقِيرَ حَلُوبَتُه وَفْقَ عِيالِه.
ولَنا، أنَّ اللَّهَ تعالى بَدَأ بالفُقَراءِ، فيَدُلُّ على أنهم أهَمُّ، وقال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ 4. فأخْبَرَ أنَّ المَساكِينَ لهم سَفِينَةٌ يَعْمَلُون فيها.
ولأنَّ النبىَّ

..................................  - صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «اللهُمَّ أحْيِنِى مِسْكِينًا، وَأمِتْنِى مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِى فِى زُمْرَةِ المَسَاكِينِ» 1. وكان يَسْتَعِيذُ مِن الفَقْرِ، ولا يَجوزُ أن يَسْألَ شِدَّةَ الحاجَةِ، ويَسْتَعِيذَ مِن حالةٍ أصْلَحَ منها، ولأنَّ الفَقِيرَ 2 مُشْتَقٌّ مِن فِقَرِ الظَّهْرِ، فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُولٍ، أى مَفْقُورٌ، وهو الذى نُزِعَتْ فِقْرَةُ ظَهْرِه فانْقَطَعَ صُلْبُه.
قال الشاعِرُ 3: لَمّا رَأى لُبَدُ النُّسُورَ تَطايَرَتْ … رَفَعَ القَوادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ 4 أى لم يُطِقِ الطَّيَرانَ، كالذى انْقَطَعَ صُلْبُه.
والمِسْكِينُ مِفْعِيلٌ مِن السُّكونِ، وهو الذى أسْكَنَتْه الحاجَةُ، ومَن كُسِرَ صُلْبُه أشَدُّ حالًا مِن السّاكِنِ.
فأمّا الآيةُ فهى حُجَّةٌ لَنا؛ لأنَّ نَعْتَ اللَّهِ سبحانه المِسْكِينَ بكَوْنِه ذا مَتْرَبَةٍ، يدُلُّ على أنَّ هذا النَّعْتَ لا يَسْتَحِقُّه بإطْلاقِ اسمِ المَسْكَنَةِ،

..................................  كما يُقالُ: ثَوْبٌ ذو عَلَمٍ.
ويجوزُ التَّعْبِيرُ عن الفَقِيرِ بالمِسْكِينِ بقَرِينَةٍ وبغيرِ قَرِينَةٍ، والشِّعْرُ أيضًا حُجَّةٌ لَنا، فإنَّه أخْبَرَ أنَّ الذى كانت حَلُوبَتُه وَفْقَ العِيالِ لم يُتْرَكْ له سَبْدٌ، فصارَ فَقِيرًا لا شئَ له.
إذا تَقَرَّر ذلك، فالفَقِيرُ الذى لا يَقْدِرُ على كَسْبِ ما يَقَعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِه، ولا له مِن الأُجْرَةِ أو مِن المالِ الدّائِم ما يَقَعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِه، ولا له خَمْسُون دِرْهَمًا، ولا قِيمَتُها مِن الذَّهَبِ، مثلَ الزَّمْنَى والمَكافِيفِ وهم العُمْيانُ؛ لأنَّ هؤلاء في الغالِبِ لا يَقْدِرُون على اكْتِسابِ ما يقعُ مَوْقِعًا مِن كِفايَتِهم، ورُبَّما لا يَقدِرُون على شئٍ أصْلًا، قال اللَّهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ 1. فمعنى قولِه: يقعُ مَوْقِعًا عِن كِفايَتِه.
أنَّه يَحْصُلُ به مُعْظَمُ الكِفايَةِ أو نِصْفُها، مثلَ مَن يَكْفِيه عَشَرَةٌ،

..................................  فيَحْصُلُ له مِن مَسْكَنِه أو غيرِه خَمْسَةٌ فما زاد، والذى لا يجدُ إلَّا [ما لا يقعُ] 1 مَوْقِعًا مِن كِفايَتهِ، كالذى لا يُحصِّلُ إلَّا ثَلاثةً أو دُونَها، فهذا هو الفقيرُ، والأولُ هو المسكينُ.
فأمّا الذى يَسْألُ، فيُحَصِّلُ الكِفايةَ أو مُعْظمَها مِن مَسْألَتِه، فهو مِن المَساكِينِ، لكنَّه يُعْطى جَمِيعَ كِفايتِه، ليَغْتَنِىَ عن السُّؤالِ.
فإن قيل: فقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِى تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الذى لا يَسْألُ النَّاسَ، وَلَا يُفْطنُ لَهُ فَيُتَصَدَّق عَلَيْهِ» 2. قُلْنا: هذا تَجَوُّزٌ، وإنّما نَفَى

..................................  المسْكَنَةَ عنه مع وُجُودِها حَقِيقَةً.
فيه، مُبالَغَةً في إثْباتِها في الذى لا يَسْألُ النَّاسَ، كما قال عليه السلامُ: «لَيْس الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، وَإنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِى يَمْلِكُ 1 نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» 2. وأشْباهُ ذلك، كقَوْلِه: «مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟» قالوا: الذى لا يَعِيشُ له ولَدٌ قال: «لَا، وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِى لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِه شَيْئًا» 3.

وَمَنْ مَلَكَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ مَا لَا يَقُومُ بِكِفَايَتهِ، فَلَيْسَ بِغَنِىٍّ وَإنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ.

991 - مسألة: (ومَن مَلَك مِن غيرِ الأثْمانِ ما لا يَقُومُ بكِفايَتِه، فليسَ بغَنِىٍّ وإن كَثُرَتْ قِيمَتُه)

وجُمْلَةُ ذلك، أنه إذا مَلَك ما لا يَتِمُّ به كِفايَتُه مِن غيرِ الأثْمانِ، فإن كان ممّا لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، كالعَقارِ ونَحْوِه، لم يكنْ ذلك مانِعًا مِن أَخْذِها 1. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال، في رِوايَةِ محمدِ بنِ الحَكَمِ: إذا كان له عَقارٌ يَسْتَغِلُّه، أو ضَيْعَةٌ تُساوِى عَشَرَةَ آلافٍ أو أقَلَّ أو أكْثَرَ لا تُقِيمُه، يَأْخُذُ مِن الزَّكاةِ.
وهذا قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه فَقِيرٌ مُحْتاجٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ الآيةِ.
فأمّا إن مَلَك نِصابًا زَكَوِيًّا لا تَتِمُّ به الكِفايَةُ، كالمَواشِى والحُبُوبِ، فله الأخْذُ مِن الزَّكاةِ.
قال المَيْمُونِىُّ: ذاكَرْتُ أحمدَ، فقلتُ: قد يكونُ للرجلِ الإِبِلُ والغَنَمُ تَجِبُ فيها الزكاةُ وهو فَقِيرٌ، ويكونُ له أرْبَعُون شاةً، ويكونُ له الضَّيْعَةُ لا تَكْفِيه، يُعْطَى مِن الصَّدَقَةِ؟ قال: نعم.
وذَكَر قَوْلَ عُمَرَ: أعْطُوهم، وإن راحَتْ عليهم مِن الإِبِلِ كذا وكذا 2. قلتُ: فلهذا قَدْرٌ مِن العَدَدِ أو الوَقْتِ؟ قال:

..................................  لم أسْمَعْه.
وهذا قَوْلُ الشافعىِّ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: ليس له أن يَأْخُذَ منها؛ لأنَّه تَجبُ عليه الزكاةُ، فلم تَجِبْ له؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لمُعاذٍ: «أعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِم، فَتُرَدُّ فِى فُقَرَائِهِمْ» 1. فجعلَ الأغْنِياءَ مَن تَجِبُ عليهم الزكاةُ.
وإذا كان غَنِيًّا لم يكنْ له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ، للخَبَرِ.
ولَنا، أنَّه لا يَمْلِكُ ما يُغْنِيه، ولا يَقْدِرُ على كَسْبِ ما يَكْفِيه، فجازَ له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ، كما لو كان ما يَمْلِكُه لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، ولأنَّه فَقِيرٌ فجازَ له الأخْذُ؛ لأنَّ الفَقْرَ عِبارَةٌ عن الحاجَةِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ 2. [أى: مُحْتاجُونَ] 3 وقال الشاعِرُ: وإنِّى إلَى مَعْرُوفِها لفَقِيرُ 4 أى: مُحْتاجٌ.
وهذا مُحْتاج، فيكونُ فَقِيرًا غيرَ غَنِىٍّ، ولأنَّه لو كان ما يَمْلِكُه لا زَكاةَ فيه لكانَ فَقِيرًا، ولا فَرْقَ في دَفْع الحاجَةِ بينَ المالَين، فأمّا الخَبَرُ فيَجُوزُ أن يكونَ الغِنَى المُوجِبُ للزكاةِ غيرَ الغِنَى المانِع منها؛ لِما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى، فيكونُ المانِعُ منها وُجُودَ الكِفالَةِ، والمُوجِبُ لها

..................................  مِلْكَ النِّصابِ، جَمْعًا بينَ الأدِلَّةِ.
فصل: فإن مَلَك مِن 1 غيرِ الأثْمانِ ما يَقُومُ بكِفايَتِه، كمَن له مَكْسَبٌ يَكْفِيه، أو أُجْرَةُ عَقَارٍ أو غيرِه، فليس له الأخْذُ مِن الزَّكاةِ.
وهذا قَوْلُ الشافعىِّ وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُه: إن كان المالُ ممّا لا تَجِبُ فيه الزكاةُ، جاز الدَّفْعُ إليه.
إلَّا أنَّ أبا يُوسُفَ قال: إن دَفَع إليه الزَّكاةَ فهو قَبِيحٌ، وأرْجُو أن يُجْزِئَه، لأنَّه ليس بغَنِىٍّ؛ لِما ذَكَرْنا لهم في المَسْألَةِ قبلَها.
ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ 2، ثنا يحيى بنُ سَعِيدٍ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّه بِنِ عَدِىِّ بنِ الخِيارِ، عن رَجُلَيْن مِن أَصحابِ النبىِّ، -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهما أتَيا رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فسَأَلاه الصَّدَقَةَ، فصَعَّدَ فيهما النَّظَرَ، فَرَآهما جَلْدَيْن، فقال: «إنْ شِئْتُمَا أعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ».
قال أحمدُ: ما أجْوَدَه مِن حديثٍ.
وقال: هو أحْسَنُها إسْنادًا.
ولأنَّ له ما يُغْنِيه عن الزَّكاةِ، فلم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه، كمالِكِ النِّصابِ.

وَإنْ كَانَ مِنَ الأَثْمَانِ، فَكَذَلِكَ فِى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالأُخْرَى، إِذَا مَلَكَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتَهَا مِنَ الذَّهَبِ، فَهُوَ غَنِىٌّ.

992 - مسألة: (وإن كان مِن الأثْمانِ، فكذلك في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. والأُخْرَى، إن مَلَك خَمْسِين دِرْهَمًا أو قِيمَتَها مِن الذَّهَبِ، فهو غَنِىٌّ)

لا يجوزُ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إلى غَنِىٍّ لأجْلِ الفَقْرِ والمَسْكَنَةِ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَلَها للفُقَراءِ والمَساكِينِ، والغَنِىُّ غيرُ داخِلٍ فيهم، ولقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ».

..................................  واخْتَلفَ العلماءُ في الغِنَى المانِع مِن أخْذِ الزَّكاةِ، فنُقِلَ عن أحمدَ فيها رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّه مِلْكُ خَمْسِين دِرْهَمًا، أو قِيمتِها مِن الذَّهَبِ، أو وُجُودُ ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ على الدَّوامِ؛ مِن مَكْسَبٍ، أو تِجارَةٍ، أو أجْرٍ، أو عَقارٍ، أو نحوِ ذلك.
ولو مَلَك مِن الحُبُوبِ، أو العُرُوضِ، أو العَقارِ، أو السّائِمَةِ، ما لا تَحْصُلُ به الكِفايَةُ، لم يكنْ غَنِيًّا.
اخْتارَه الخِرَقِىُّ.
وهذا قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، أنَّهما قالا: لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لمَن له خَمْسُون دِرْهَمًا، أو قِيمَتُها، أو عِدْلُها مِن الذَّهَب 1. لِما روَى عبدُ اللَّهِ ابنُ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَتْ مَسْأَلَتهُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُمُوشًا، أوْ خُدُوشًا، أوْ كُدُوحًا 2 فِى وَجْهِهِ».

..................................  فقيل: يا رسولَ اللَّهِ، ما الغِنَى؟ قال: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرمذِىُّ 1، وقال: حديثٌ حسنٌ.
فإن قيل: هذا يَرْوِيه حَكِيمُ بنُ جُبَيْرٍ، وكان شُعْبَةُ لا يَرْوِى عنه، وليس بقَوِىٍّ في الحديثِ.
قُلْنا: قد قال عبدُ اللَّهِ بنُ عُثمانَ لسُفْيانَ: حِفْظِى أنَّ شُعْبَةَ لا يَرْوِى عن حَكِيمِ بنِ جُبَيْرٍ.
فقال سُفْيانُ: حَدَّثَناه زُبَيْدٌ عن محمدِ ابنِ عبدِ الرحمنِ.
وقد قال علىٌّ وعبدُ اللَّه مِثْلَ ذلك.
الثَّانيةُ، أنَّ الغِنَى ما تَحْصُلُ به الكِفايَةُ، فإذا لم يكنْ مُحْتاجًا حَرُمَتْ عليه الصَّدَقَةُ، وإن لم يَمْلِكْ شيئًا، وإن كان مُحْتاجًا حَلَّتْ له المَسْألَةُ، وإن مَلَك نِصابًا.

..................................  والأثْمانُ وغيرُها في هذا سَواءٌ.
وهذا اخْتِيارُ أبى الخَطّاب، وابنِ شِهابٍ العُكْبَرِىِّ، وقَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لقَبِيصَةَ بنِ المُخارِقِ: «لَا تَحِلُّ المَسْألَةُ إلَّا لِأحَدِ ثَلَاثَةٍ؛ رَجُل أصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الحِجَا مِنْ قَوْمِه: قَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ».
رَواه مسلمٌ 1. فمَدَّ إباحَةَ المَسْألَةُ إلى وُجُودِ إصَابَةِ القِوامِ أو السِّدادِ، ولأنَّ الحاجَةَ هى الفَقْرُ، والغِنَى ضِدُّها، فمَن كان مُحْتاجًا فهو فَقِير، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ، ومَن اسْتَغْنَى دَخَل في عمُومِ النُّصُوصِ والمُحَرِّمَةِ، والحديثُ الأوَّلُ فيه ضَعْفٌ، ثم يَجُوزُ أن تَحْرُمَ المَسْألَةُ ولا يَحْرُمَ أخْذُ الصَّدَقَةِ إذا جَاءَتْه مِن غيرِ مَسْألَةٍ، فإنَّ المَذْكُورَ فيه تَحْرِيمُ المَسْألَةُ، فنقْتَصِرُ عليه.
وقال

..................................  الحسنُ، وأبو عُبَيْدٍ: الغِنَى مِلْكُ أُوقِيَّةٍ، وهى أرْبَعُون دِرْهَمًا؛ لِما روَى أبو سَعِيدٍ الخُدْرِىُّ، قال: قالْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ سَأْلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ».
وكانتِ الأُوقِيَّةُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْبَعِين دِرْهَمًا.
رَواه أبو داودَ 1. وقال أصحابُ الرَّأْى: الغِنَى المانِعُ مِن أخْذِ الزَّكاةِ هو المُوجِبُ لها، وهو مِلْكُ نِصابٍ تَجِبُ فيه الزكاةُ، مِن الأثْمانِ، أو العُرُوضِ المُعَدَّةِ للتِّجارَةِ، أو السّائِمَةِ، أو غيرِها؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمُعاذٍ: «أَعْلِمْهُمْ أنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ» 2. فجَعَلَ الأغْنِياءَ مَن تَجِبُ عليهم الزكاةُ، فدَلَّ ذلك على أنَّ مَن تَجِبُ عليه غَنِىٌّ، ومَن لا تَجِبُ عليه ليس بغَنِىٍّ، فيكونُ فَقِيرًا، فتُدْفَعُ الزكاةُ إليه؛ لقَوْلِه: «فتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ».
ولأنَّ المُوجِبَ للزكاةِ غِنًى، والأصْلُ عدَمُ الاشْتِراكِ، ولأنَّ مَن لا نِصَابَ له لا تَجِبُ عليه الزكاةُ، فلا يُمْنَعُ منها، كمَن له دُونَ الخَمْسِين.
ووَجْهُ الرِّواية الأُولَى، أنَّه يجوزُ أن

..................................  يكونَ الغِنَى المانِعُ مِن أخْذِ الزَّكاةِ غيرَ المُوجِبِ لها، بدَلِيلِ حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ، وهو أخَصُّ مِن حَدِيثِهم، فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ولأنَّ فيما ذَكرْنا جَمْعًا بينَ الحَدِيثَيْن، وهو أوْلَى مِن التَّعارُضِ، ولأنَّ حديثَ مُعاذٍ إنَّما يَدُلُّ على أنَّ مَن تَجِبُ عليه الزكاةُ غَنِىٌّ، أمّا أنَّه يَدُلُّ على أنَّ مَن لا تَجِبُ؛ عليه الزكاةُ فَقِيرٌ، فلا.
وعلى هذا فلا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الغِنَى وُجودُ الفَقْرِ، فلا يَدُلُّ على جَوازِ الدَّفْعِ إلى غيرِ الغَنِىِّ إذا لم يَثْبُتْ فَقْرُه.
وقَوْلُهم: الأصْلُ عَدَمْ الاشْتِراكِ.
قُلْنا: قد قام دَلِيلُه بما ذَكَرْنا، فيَجِبُ الأَخْذُ به.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل: فمَن قال: إنَّ الغِنَى هو الكِفايَةُ.
سَوَّى بينَ الأثْمانِ وغيرِها، وجَوَّزَ الأخْذَ لكلِّ مَن لا كِفايَةَ له، وإن مَلَكَ نُصُبًا 1 مِن جَمِيع الأمْوالِ.
ومَن قال بالرِّوايَةِ الأُخْرَى، فَرَّقَ بينَ الأثْمانِ وغيرِها، لحديثِ بنِ مَسْعُودٍ، ولأنَّ الأثمانَ آلةُ الإِنْفاقِ المُعَدَّةُ له دُونَ غيرِها، فجَوَّزَ الأخْذَ لكلِّ مَن لا يَمْلِكُ خَمْسِين دِرْهَمًا، ولا قِيمَتَها مِن الذَّهَبِ، ولا ما تَحْصُلُ بها الكِفايَةُ، مِن مَكْسَب، أو أُجْرَةِ عَقارٍ، أو غيرِه.
فإن كان له مالٌ مُعَدٌّ للإِنْفاقِ مِن غيرِ الأثْمانِ، فيَنْبَغِى أن تُعْتَبَرَ الكِفايَةُ في حَوْلٍ كامِلٍ؛ لأنَّ الحَوْلَ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الزَّكاةِ بتَكَرُّرِه، فيَأْخُذُ منها كلَّ حَوْلٍ ما يَكْفِيه إلى مِثْلِه.
واللَّهُ أعلمُ.

الثَّالِثُ، الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَهُمُ الْجُبَاةُ لَهَا، وَالْحَافِظُونَ لَهَا.

993 - مسألة: (الثالثُ، العامِلُون عليها؛ وهم الجُباةُ لها، والحافِظُون لها)

العامِلُون على الزَّكاةِ هم الصِّنْفُ الثالثُ مِن أصْنافِ الزَّكاةِ، وهم السُّعاةُ الذين يَبْعَثُهم الإِمامُ لأخْذِها مِن أرْبابِها، وجَمْعِها وحِفْظِها ونَقْلِها، ومَن يُعِينُهُمْ ممَّن يَسُوقُها ويَرْعاها ويَحْمِلُها، وكذلك الحاسِبُ والكاتِبُ والكَيّالُ والوَزّانُ والعَدّادُ، وكلُّ مَن يُحْتاجُ إليه فيها يُعْطىَ أُجْرَتَه منها؛ لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَتِها، فهو كعَلْفِها، وقد كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَبْعَثُ على الصَّدَقَةِ سُعاةً، ويُعْطِيهم عِمالَتَهم، فَبَعَثَ عُمَرَ وأبا مُوسَى وابنَ اللُّتْبِيَّةِ 1 وغيرَهم، وليس فيه اخْتِلافٌ مع ما وَرَد مِن نَصِّ الكِتابِ ما يُغْنِى عن التَّطْوِيلِ.

وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ مُسْلِمًا أَمِينًا، مِنْ غَيْرِ ذَوِى الْقُرْبَى، وَلَا يُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ وَلَا فَقْرُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُ، وَلَا كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِى الْقُرْبَى.

994 - مسألة: (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ مُسْلِمًا أَمِينًا، مِنْ غَيْرِ ذَوِى الْقُرْبَى، وَلَا يُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ وَلَا فَقْرُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يُشْتَرَطُ إِسْلَامُهُ، وَلَا كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِى الْقُرْبَى)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مِن شَرْطِ العامِلِ أن يكونَ بالِغًا عاقِلًا أمِينًا؛ لأنَّ ذلك ضَرْبٌ مِن الوِلايَةِ، والوِلايةُ يُشْتَرطُ ذلك فيها، ولأنَّ الصَّبِىَّ والمَجْنُونَ لا قَبْضَ لهما، والخائِنَ يَذْهَبُ بمالِ الزَّكاةِ ويُضَيِّعُه.
ويُشْتَرَطُ إسْلامُه.
اخْتارَه شيخُنا 1، وأبو الخَطّابِ.
وذَكَر الخِرَقِىُّ، والقاضى، أنَّه لا يُشْتَرَطُ إسْلامُه؛ لأَنَّه إجارَةٌ على عَمَلٍ، فجازَ أن يَتَولَّاه الكافِرُ، كجِبايَةِ الخَراجِ.
وقِيلَ عن أحمدَ في ذلك رِوايتان.

..................................  ولَنا، أنَّه يُشْتَرَطُ له الأمانَةُ، فاشْتُرِطَ له الإِسْلامُ، كالشَّهادَة، ولأنَّه وِلايَةٌ على المُسْلِمِين، فاشْتُرِطَ لها الإسْلامُ، كسائِرِ الوِلاياتِ، ولأنَّ الكافِرَ ليس بأمِينٍ، ولهذا قال عُمَرُ: لا تَأْمَنُوهم وقد خَوَّنَهم اللَّهُ.
وأَنْكَرَ على أبى مُوسى تَوْلِيَةَ الكِتابَةِ نَصْرَانِيًّا 1. فالزكاةُ التى هى رُكْنُ الإِسْلامِ أوْلَى.
ويُشْتَرَطُ كَوْنُه مِن غيرِ ذَوِى القُرْبَى، إلَّا أن تُدْفَعَ إليه أُجْرَتُه مِن غيرِ الزَّكاةِ.
وقال أصحابُنا: لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّها إجْرَةٌ على عَمَلٍ تَجُوزُ للغَنِىِّ، فجازَتْ لذَوِى القُرْبَى، كأُجْرَةِ النَّقَّالِ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ.
ولَنا، أنَّ الفَضْلَ بنَ عباسٍ والمُطَّلِبَ بنَ رَبِيعَةَ بنِ الحارِثِ سَألا النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يَبْعَثَهما على الصَّدَقَةِ، فأبَى أن يَبْعَثَهما، وقال: «إنَّمَا هَذِهِ الصَّدَقَةُ أوْسَاخُ النَّاسِ، وَإنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لآلِ مُحَمَّدٍ» 2. وهذا ظاهِرٌ في تَحْرِيمِ أخْذِهم لها عِمالةً، فلا تَجوزُ مُخالَفَتُه.
ويُفارِقُ النَّقَّالَ والحَمَّالَ،

..................................  فإنَّه يَأْخُذُ أُجْرَةً لحَمْلِه لا لعِمالَتِه.
ولا تُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُه؛ لأنَّ العَبْدَ يَحْصُلُ منه المَقْصُودُ، فأشْبَهَ الحُرَّ.
ولا كَوْنُه فَقِيهًا إذا كُتِبَ له ما يَأْخُذُه، وحُدَّ له، كما كَتَب النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعُمّالِه فَرائِضَ الصَّدَقَةِ، وكذلك كَتَب أبو بكرٍ لعُمالِه، أو بَعَث معه مَن يُعَرِّفُه ذلك.
ولا يُشْتَرَطُ كَوْنُه فَقِيرًا؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى جَعَل العامِلَ صِنْفًا غيرَ الفُقراءِ والساكِينِ، فلا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَعْناهما فيه كما لا يُشْتَرَطُ مَعْناه قيهما، وقد رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِىٍّ، إلَّا لِخَمْسَةٍ؛ لغَازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أوْ لِغَارِمٍ، أوْ لِرَجُلٍ ابْتَاعَهَا بِمَالِه، أوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جارٌ 1 مِسْكِينٌ فتُصُدِّقَ عَلَى المِسْكِينِ، فَأهْدَى المِسْكِينُ إلَى الغَنِىِّ».
رَواه أبو داودَ 2. وذَكَر أصحابُ الشافعىِّ أنَّه تُشْتَرَطُ الحُرِّيَّةُ؛ لأنَّه وِلايةٌ، فنافاها الرِّقُّ، كالقَضاءِ، ويُشْتَرَطُ الفِقْهُ؛ ليَعْلَمَ قَدْرَ الواجبِ وصِفَتَه.
ولَنا، ما ذَكَرْنا، ولا نُسَلِّمُ مُنافاةَ الرِّقِّ للوِلاياتِ الدِّيِنيَّةِ، فإنَّه يَجُوزُ أَنْ يكونَ إمامًا في الصَّلاةِ، ومُفْتِيًا، وراوِيًا للحديثِ،

..................................  وشاهِدًا، وهذه مِن الوِلاياتِ الدِّينيَّةِ.
وأمّا الفِقْهُ فإنَّما يَحْتاجُ إليه في مَعْرِفَةِ ما يَأْخُذُه ويَتْرُكُه، ويَحْصُلُ ذلك بالكتابةِ له كما فَعَل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وصاحِبُه، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
فصل: ذَكَر أبو بكرٍ في «التَّنْبِيهِ» في قَدْرِ ما يُعْطىَ العامِلُ رِوايَتْين؛ إحداهما، يُعْطَى الثُّمْنَ ممّا يَجْبيه.
والثانيةُ، يُعْطَى بقَدْرِ عملِه.
فعلى هذه الرِّوايَةِ يُخَيَّرُ الإِمامُ بينَ أن يَسْتَأْجَرَ العامِلَ إجارَةً صَحِيحَةً، بأَجْرٍ معلومٍ، إمّا على عملٍ معلومٍ، أو مُدَّةٍ معلومةٍ، من وبينَ أن يَجْعَلَ له جُعْلًا معلومًا على عَمَلِه، فإذا فَعَلَه اسْتَحَقَّ الجُعْلَ، وإن شاء بَعَثَه مِن غيرِ تَسْمِيَةٍ: ثم أعْطاه؛ فإنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: بَعَثَنِى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على الصَّدَقَةِ،

..................................  فلمّا رَجَعْتُ عَمَّلَنِى 1، فقلتُ: أعْطِه مَن هو أحْوَجُ إليه مِنِّى.
وذكَر الحديثَ 2. فصل: ويُعْطِى منها أُجْرَةَ الحاسِبِ والكاتِبِ والحاشِرِ والخازِنِ والحافِظِ والرّاعِى ونحوِهم؛ لأنَّهم مِن العامِلِين، ويَدْفَعُ إليهم مِن حِصَّةِ العامِلِين، فأمّا الكَيَّالُ والوَزَّانُ ليَقْبِضَ العامِلُ الزَّكاةَ فعلى رَبِّ المالِ؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ دَفْعِ الزَّكاةِ.

وَإنْ تَلِفَتِ الزَّكَاةُ في يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، اُعْطِىَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.

995 - مسألة: (فإنْ تَلِفَتِ الصَّدَقَةُ في يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، أُعْطِىَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ)

إذا تَلِفَتِ الزكاةُ في يَدِ السّاعِى مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أمِينٌ، ويُعْطَى أُجْرَتَه مِن بَيْتِ المالِ؛ لأنَّه لمصالِحِ المسلمين، وهذا مِن مَصالِحِهم.
وإن لم تَتْلَفْ أُعْطِىَ أجْرَ عَمَلِه منها، وكان أكْثَرَ مِن ثُمْنِها؛ لأنَّ ذلك مِن مُؤْنَتِها، فجرَى مَجْرَى عَلْفِها ومُداواتِها.

..................................  وإن رَأَى الإِمامُ أعْطاه أجْرَه مِن بيتِ المَالِ.
أو يَجْعَلُ له رِزْقًا في بيتِ المالِ وَلَا يُعْطِيه منها شيئًا، فَعَل.
وإن تَوَلَّى الإِمامُ أو الوالِى مِن قِبَلِه أخْذَ الصَّدَقَةِ وقَسْمَها، لم يَسْتَحِقَّ منها شيئًا؛ لأنَّه يَأْخُذ رِزْقَه مِن بيتِ المالِ.
فصل: ويجوزُ للإمامِ أن يُوَلِّىَ السَّاعِىَ جِبايَتَها وتَفْرِيقَها، وأن يُوَلِّيَه أحَدَهما؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَلَّى ابنَ اللُّتْبِيَّةِ، فقَدِمَ بصَدَقَتِه على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: هذا لَكُم، وهذا أُهْدِىَ لِى 1. وقال لقَبِيصَةَ: «أقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» 2. وأمَرَ مُعاذًا أن يَأْخُذَ الصدقةَ مِن أغْنِيائِهم فيَرُدَّها في فُقَرائِهم 3. ويُروَى أنَّ زِيادًا وَلَّى عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ

الرَّابِعُ، الْمُؤلَّفَةُ قُلُوبُهُم؛ وَهُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ في عَشَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، أَوْ يُخْشى شَرُّهُ، أَوْ يُرْجى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ، أَو إِسْلَامُ نَظِيرِهِ، أو جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا، أَوِ الدَّفْعُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ.
وَعَنْهُ،  الصَّدَقَةَ، فلمّا جاءَ قِيلَ له: أين المالُ؟ قال: أوَ للمالِ بَعَثْتَنِى! أخَذْناها كما كنَّا نَأْخُذُها على عهدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ووَضَعْناها حيثُ كُنّا نَضَعُها على عهدِ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رَواه أبو داودَ 1. وعن أبى جُحَيْفَةَ، قال: أتانا مُصَدِّقُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخَذَ الصَّدَقَةَ مِن أغْنِيائِنا، فوَضَعَها في فُقَرائِنا، وكنتُ غُلامًا يَتيمًا فأعْطانِى منها قَلُوصًا 2. أخْرَجَه التِّرمِذِىُّ 3.

996 -

مسألة: (الرَّابِعُ، الْمُؤلَّفَةُ قُلُوبُهُم؛ وَهُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ في عَشَائِرِهِمْ مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ، أَوْ يُخْشى شَرُّهُ، أَوْ يُرْجى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إِيمَانِهِ، أَو إِسْلَامُ نَظِيرِهِ، أو جِبَايَةُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا، أَوِ الدَّفْعُ عَنِ

أَنَّ حُكْمَهُمُ انْقَطَعَ.
المسلمين.
وعنه، أنَّ حُكْمَهم انْقَطعَ) المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم قِسْمان؛ كُفّارٌ ومُسْلِمون، وهم جميعًا السّادَةُ المُطاعُون في عشائِرِهم كما ذَكَر.
فالكُفّارُ ضَرْبان، أَحَدُهما، مَن يُرْجَى إسْلامُه، فيُعْطى لتَقوَى نِيَّتُه في الإِسْلامِ، وتَمِيلَ نَفْسُه إليه، فيُسْلِمَ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ فَتْحِ مَكَّةَ أعْطى صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ الأمانَ، واسْتَصْبَرَهُ صَفْوانُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ ليَنْظُرَ في أمْرِه، وخَرَج معه إلى حُنَيْنٍ، فلمّا أعْطَىَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- العَطايا قال صفوانُ: مالِى؟ فأوْمأ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى وادٍ فيه إبِل مُحَمَّلَةٌ، فقال: «هَذَا لَكَ».
فقال صَفْوانُ: هذا عَطاءُ مَن لا يَخْشَى الفَقْرَ 1. والضَّرْبُ الثَّانِى، مَن يُخْشَى شَرُّه، فيرجَى بعَطِيَّتِه كَفُّ شَرِّه، وكَفُّ شَرِّ غيرِه معه.
فرَوَى ابنُ عباسٍ، أنَّ قَوْمًا كانوا يَأْتُونَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فإن أعْطاهم مَدَحُوا الإسْلامَ، وقالوا: هذا دِينٌ حَسَنٌ.
وإن مَنَعَهم ذمُّوا وعابُوا 2. وقال أبو حنيفةَ:

..................................  انْقطَعَ سَهْمُ هؤلاء.
وهو أحدُ أقْوالِ الشافعىِّ؛ لِما رُوِى أنَّ مُشركًا جاء يَلْتَمِسُ مِن عُمَرَ مالًا فلم يُعْطِه، وقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ 1. ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن عُثْمانَ ولا علىٍّ أنَّهم أعْطَوْهم شيئًا مِن ذلك، ولأنَّ اللَّهَ تعالى أظْهَرَ الإِسْلامَ وقَمَع المُشْرِكِين، فلا حاجَةَ بنا إلى التَّأْلِيفِ عليه.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ 2. وهذه الآيةُ في سورةِ بَراءة، وهى مِن آخِرِ ما نَزَل مِن القرآنِ، وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطى المُؤَلَّفَةَ مِن المُشْرِكِين والمسلمين 3. وأعْطى أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عَدِىَّ بنَ حاتمٍ، حينَ قَدِم عليه مِن الصَّدَقَةِ بثلاِثمائةِ جَمَلٍ، ثَلاثين بَعِيرًا 4. ومُخالَفَةُ كتابِ اللَّهِ تعالى، وسُنَّةِ رسولِه،

..................................  واطِّراحُهما بلا حُجَّةٍ لا يجوزُ، ولا يَثْبُتُ النَّسْخُ بتَرْكِ عُمَرَ وعثمانَ وعلىٍّ إعْطاءَهم، ولَعَلَّهم لم يَحْتاجُوا إليه 1 فتَرَكُوا ذلك لعَدَمِ الحاجَةِ إلى إعْطائِهم، لا لسُقُوطِ سَهْمِهم، ومثلُ هذا لا يَثْبُتُ به النَّسْخُ.
واللَّهُ أعلمُ.
وأمّا المسلمون فأرْبَعَةُ أضْرُبٍ؛ قومٌ بِن ساداتِ المسلمين لهم نُظرَاءُ مِن الكُفّارِ، أو مِن المسلمين الذين لهم نِيَّةٌ حَسَنَةٌ في الإِسْلامِ، فإذا أُعْطُوا رُجِىَ إسْلامُ نُظرَائِهم وحُسْنُ نِيّاتِهم، فيجوزُ إعْطاوهم؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أعْطَى عَدِىَّ بنَ حاتم، والزِّبْرِقانَ بنَ بَدْرٍ، مع حُسْنِ نِيَّاتِهما وإسْلَامِهما.
الضَّرْبُ الثَّانِى، ساداتٌ مُطاعُون في قَوْمِهم، يُرْجَى بعَطِيَّتِهم قُوَّةُ إيمانِهم، ومُناصَحَتُهم في الجِهادِ، فيُعْطَوْن؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَى عُيَيْنَةَ بنَ حِصْنٍ، والأقْرَعَ بنَ حابِسٍ، وعَلْقَمَةَ بنَ عُلَاثةَ، والطُّلقَاءَ مِن أهْلِ مَكةَ، وقال للأنْصارِ: «يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ عَلى مَا تَأْسَوْنَ؟ عَلَى لُعَاعَةٍ مِن الدُّنْيَا تَأْلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لَا إيمَانَ لَهُمْ، وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إيِمَانِكُمْ» 2. وروَى البخارىُّ 3، عن عَمْرو بنِ تَغْلِبَ، أنَّ النبىَّ

..................................  - صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَى ناسًا وتَرَكَ ناسًا، فبَلَغَه عن الذين تَرَك أنَّهم عَتَبُوا، فصَعِدَ المِنْبَرَ فحَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عليه، ثم قال: «إنِّى أُعْطِى نَاسًا لِمَا في قُلُوبِهِم مِن الجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وَأَكِلُ نَاسًا إلى ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى والْخَيْرِ؛ مِنْهُمْ عَمْرُو بنُ تَغْلِبَ 1». وعن أَنَسٍ، قال: حينَ أفاءَ اللَّهُ على رسولِه أمْوالَ هَوازِنَ، طَفِقَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُعْطِى رِجالًا مِن قُرَيْشًا مائةً مِن الإبِلِ، فقال ناسٌ مِن الأنْصارِ: يَغْفِرُ اللَّهُ لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يُعْطِى قُرَيْشًا ويَمْنَعُنَا، وسُيُوفُنا تَقْطُرُ مِن دِمائِهم.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنِّى أُعْطِى رِجَالًا حَدِيْثِى عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُم».
مُتَّفَقٌ عليه 2. الضَّرْبُ الثالثُ، قومٌ في طَرَفِ بلادِ الإِسْلامِ، إذا أُعْطُوا دَفَعُوا عمَّن يَلِيهم مِن المسلمين.
الضَّرْبُ الرابعُ، قَوْمٌ إذا اعْطُوا جَبَوُا الزَّكاةَ مِمّن لا يُعْطِيها إلَّا أن يَخافَ.
فكلُّ هؤلاء يجوزُ الدَّفْعُ إليهم مِن الزَّكاةِ، لأنَّهم مِن المُؤلَّفَةِ قُلُوبُهم، فيَدْخُلُون في عُمُومِ

الْخَامِسُ، الرِّقَابُ؛ وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ.
الآيَةِ.
وحَكَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّه قال: المُؤلَّفَةُ قد انْقَطَعَ حُكْمُهم اليومَ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
ولعلَّ معنَى قولِ أحمدَ: انْقَطَعَ حُكْمُهم.
أنَّه لا يُحْتاجُ إليهم في الغالِبِ، أو أنَّ الأئِمَّةَ لا يُعْطونَهم اليومَ شيئًا، لعَدَمِ الحاجَةِ إليهم، فإنَّهم إنَّما يجوزُ إعْطِاؤُهم عندَ الحاجَةِ إليهم.
واللَّهُ سبحانَه أعلمُ.

997 -

مسألة: (الخامسُ، الرِّقابُ؛ وهُم المُكاتَبُون)

لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العِلْمِ في ثُبُوتِ سَهْمِ الرِّقابِ، ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ في أنَّ المُكاتَبِين مِن الرِّقابِ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكاةِ إليهم.
وهو قولُ الجُمْهورِ.

..................................  وقال مالكٌ: إنَّما يُصْرَفُ سَهْمُ الرِّقابِ في إعْتاقِ العَبِيدِ، ولا يُعْجِبُنِى أن يُعانَ منها مُكاتَبٌ.
وقَوْلُه مُخالِفٌ لظاهِرِ الآيَةِ؛ لأنَّ المُكاتَبَ مِن الرِّقابِ؛ لأنَّه عَبْدٌ، واللَّفْظُ عامٌّ، فيَدْخُلُ في عُمُومِه.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه إنَّما يُدْفَعُ إليه إذا لم يَكُنْ معه ما يَقْضِى به كِتابَتَه، ولا يُدْفَعُ إلى مَن معه وَفاءُ كِتابَتِه شَئٌ؛ لأنَّه مُسْتَغْنٍ عنه في وَفاءِ الكِتابَةِ.
فإن كان معه بعضُ الكِتابَةِ تَمَّمَ له وَفاءَ كِتابَتِه؛ لأنَّ حاجَتَه لا تَنْدَفِعُ إلَّا بذلك، وإن لم يكنْ معه شئٌ،

..................................  أُعْطِىَ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إليه لوَفاءِ الكِتابَةِ؛ لما ذَكَرْنا.
ولا يُعْطىَ بحُكْمِ الفَقْرِ شيئًا؛ لأنَّه عبدٌ.
ويَجُوزُ إعْطاؤُه قبلَ حُلُولِ كِتابَتِه؛ لئَلَّا يَحِلَّ النَّجْمُ ولا شئَ معه، فَتُفْسَخَ الكِتابَةُ.
ولا يُدْفَعُ إلى مُكاتَب كافِرٍ شئٌ؛ لأنَّه ليسَ مِن مَصارِفِ الزَّكاةِ.

جارٍ التحميل