الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 527-41

..................................  بها أحَدُهما مع الزِّيَادَة أو النَّقْص، فإذا أبْطَلْنَا شَرْطَهُ، فات رِضَاهُ، فتَبْطُلُ الإقالةُ، لعَدَمِ رِضاهُ بها.

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بَابُ الرِّبَا والصَّرْفِ

بابُ الرِّبَا والصَّرْفِ الرِّبَا في اللُّغةِ: الزِّيادَةُ.
قال الله تَعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ 1. وقال: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ 2. أي أكثرُ عَدَدًا.
وهو في الشَّرْعِ: الزِّيَادَةُ في أشْياءَ مَخصُوصَةٍ.
وهو مُحَرَّمٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ؛ أمّا الكِتَابُ، فقولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ 3. وما عَداها من الآياتِ.
وأمّا السُّنَّةُ، فقَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ».
قيل: يا رَسُولَ اللهِ، ما هي؟ قال: «الشِّرْكُ باللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ التي حَرَّمَ الله إلَّا بالحَقِّ، وأكْلُ الرّبَا، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، والتَّوَلِّي يومَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤمِناتِ الغَافِلَاتِ».
ورُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا،

وَهُوَ نَوْعَانِ؛ رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسِيئَةِ.
ومُوكِلَه، وشَاهِدَيه، وكاتِبَه.
مُتَّفَقٌ عليهما (1). وأجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الرِّبَا مُحَرَّمٌ.

1674 -

مسألة: (وهو نَوْعَانِ؛ رِبَا الفَضْلِ، ورِبَا النَّسِيئَةِ)

وأجْمَعَتِ الأمَّةُ على تَحْرِيمِهِما.
وقد كان في رِبَا الفَضْلِ اخْتِلَافٌ بينَ الصَّحَابَةِ، فحُكِىَ عن ابنِ عَبَّاس، وأُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، وزَيدِ بنِ أرْقَمَ، وابْنِ الزُّبَيرِ، أنَّهم قالُوا: إنَّما الرِّبَا في النَّسِيئَةِ؛ لقَوْلِه عليه السّلامُ: «لا رِبًا إلَّا في النَّسِيئَةِ».
رَواهُ البُخَارِيُّ 2. والمَشْهُورُ من ذلك قَوْلُ ابنِ1

..................................  عَبّاسٍ، ثمّ إنَّه رَجَعَ إلى قَوْلِ الجَماعَةِ.
رَوَى ذلك الأثْرَمُ، وقاله التِّرْمِذِيُّ 1، وابنُ المُنْذِرِ.
ورَوَى سَعِيدٌ بإسْنَادِه، عن أبي صَالِحٍ، قال: صَحِبْتُ ابنَ عَبَّاسٍ حتى ماتَ، فواللهِ ما رَجَعَ عن الصَّرْفِ 2. وعن سَعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: سَألتُ ابنَ عَبَّاس قبلَ مَوْتِه بعِشْرِينَ لَيلَةً عن الصَّرْفِ، فلم يَرَ به بَأسًا، وكان يَأمُرُ بِهِ 3. والصَّحِيحُ قولُ الجُمْهُورِ؛ لما رَوَى أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بمِثْل، ولا تُشِفُّوا 4 بَعْضَها على بَعْضٍ، ولا تَبِيعُوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بمِثْل، ولا تُشِفُّوا بَعْضَها على بَعْض، ولا تَبيعُوا منها غائِبًا بناجِزٍ».
وعن أبي سَعِيدٍ قال: جاءَ بِلالٌ إلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بتَمْرٍ بَرْنِيٍّ 5، فقال له النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «مِن أينَ هذا يا بِلالُ؟» قال: كان عِنْدَنا تَمْرٌ رَدِئٌ، فبِعْتُ صَاعَينِ بصَاعٍ؛ لِيَطْعَمَ = كما أخرجه مسلم، في: باب بيع الطعام مثلًا بمثل، من كتاب المساقاة.
صحيح مسلم 3/ 1217، 1218. والنسائي، في: باب بيع الفضة بالذهب وبيع الذهب بالفضة، من كتاب البيوع.
المجتبى 7/ 247. وابن ماجه، في: باب من قال لا ربا إلا في النسيئة، من كتاب التجارات.
سنن ابن ماجه 2/ 758، 759. والدارمي، في: باب لا ربا إلا في النسيئة، من كتاب البيوع.
سنن الدارمي 2/ 259 والإمام أحمد، في: المسند 5/ 200، 202، 204، 206، 208، 209.

فَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ، فَيَحْرُمُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِن كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ وَإنْ كَان يَسِيرًا كَتَمْرَةٍ بِتَمْرَتَينِ وَحَبَّةٍ بِحَبتين.
وَعَنْهُ، لَا يَحْرُمُ إلا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكُلِّ مَطْعُومٍ.
النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -. فقال له النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «أوَّه، عَينُ الرِّبَا، عَينُ الرِّبَا، لا تَفْعَل، وَلَكِنْ إنْ أردْتَ أنْ تَشْتَرِىَ، فَبعِ التَّمْرَ بِبَيعٍ آخرَ، ثمَّ اشْتَرِ بِه».
مُتَّفقٌ عليهما 1. قال التِّرْمِذِيُّ: على حَدِيثِ أبي سَعِيدٍ العَمَلُ عندَ أهْلِ العِلْمِ من أصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وغيرِهم، وقولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا رِبًا إلَّا في النّسِيئَةِ».
مَحْمُولٌ على الجِنْسَينِ.

1675 -

مسألة: (فأمَّا رِبَا الفَضْلِ، فيَحْرُمُ في الجِنْسِ الواحِدِ من كُلِّ مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ وإن كان يَسِيرًا كتَمْرَةٍ بتَمْرَتَينِ وحَبَّةٍ بحَبَتينِ.
وعنه، لا يَحْرُمُ إلَّا في الجِنْسِ الوَاحِدِ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ وكُلِّ مَطْعُومٍ.

وَعَنْهُ، لَا يَحْرُمُ إلا فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا.
وعنه، لا يَحْرُمُ إلَّا في ذلك إذا كانَ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا) رُوِيَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الرِّبَا أحَاديثُ كَثِيرَةٌ، مِن أتَمِّها حَدِيثُ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلًا بمِثْل، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مِثْلًا بمِثْل، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْل، والبُرُّ بالبُرِّ مِثْلًا بمِثْلٍ، والمِلْحُ بالمِلْحِ مِثْلًا بمِثْلٍ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ مِثْلًا بمِثْل، فمَنْ زادَ أو ازْدَادَ فقد أرْبَى، بِيعُوا الذَّهَبَ بالفضَّةِ كيفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وبِيعُوا الشَّعِيرَ بالتَّمْرِ كيفَ شِئتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وبِيعوا البُرَّ بالتَّمْرِ كيفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ».
رَواهُ مُسْلِمٌ 1. فهذه الأعْيَانُ السِّتَّةُ المَنْصُوصُ عليها يَثْبُتُ الرِّبَا فيها بالنَّصِّ والإِجْمَاعِ 2. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فيما سِوَاها.
فحُكِيَ عن طاوُس، وقَتَادَةَ، أنّهما قَصَرا الرِّبَا عليها.
وبه قال دَاودُ ونُفَاةُ القِيَاسِ، وقالُوا: ما عَدَاها على أصْلِ الإِباحَةِ؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ 3. واتَّفَقَ القائِلُونَ

..................................  بالقِياسِ على أنَّ الرِّبَا فيها بعِلَّةٍ، وأنَّه يَثْبُتُ في كُلِّ ما وُجِدَت فيه عِلَّتُها؛ لأنَّ القِياسَ دَلِيلٌ شَرْعِيّ، فيَجِبُ اسْتِخْرَاج عِلَّةِ هذا الحُكْمِ وإثْبَاتُه حَيثُ وُجِدَتْ عِلَّتُه.
ولأنَّ قولَ الله تِعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.
يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ زِيَادَةٍ، إذ الرِّبَا في اللُّغةِ الزِّيادةُ، إلَّا ما أجْمَعْنا على تَخْصِيصِه.
وهذا يُعارِضُ ما ذَكَرُوه.
ثم اتَّفَقَ أهلُ العلمِ على أنَّ رِبا الفَضْلِ لا يَجْرِى إلَّا في الجِنْسِ الوَاحِدِ، إلَّا سَعِيدَ بنَ جُبَير، فإنّه قال: كُلُّ شَيئَينِ يَتَقَارَبُ الانْتِفَاعُ بهما لا يَجُوزُ بَيعُ أحَدِهما بالآخَرِ مُتَفَاضِلًا، كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ والزَّبيبِ، والذُّرَةِ والدُّخْنِ؛ [لأنَّهما يَتَقَارَبُ نَفْعُهُما، فجَرَيا] 1 مَجْرَى نوْعَىِ الجِنْسِ.
وهذا مُخَالِفٌ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «بيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ كيفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ، وبيعُوا التَّمْرَ بالبُرِّ كيفَ شِئْتُم».
فلا يُعَوَّلُ عليه.
واتَّفَقَ المُعَلِّلُونَ على أنَّ عِلَّةَ الذَّهَب والفِضَّةِ واحِدَةٌ، وعِلَّةَ الأعْيَانِ الأرْبَعَةِ واحِدَةٌ، ثمَّ اخْتَلَفُوا في عِلَّةِ كُلِّ واحِدٍ منهما، فرُويَ عن أحمدَ في ذلك ثلاثُ رِوَايَاتٍ، أشْهَرُهُنَّ أنَّ عِلَّةَ الرِّبَا في الذَّهَبِ والفِضَّةِ كَوْنُه مَوْزُونَ جِنْس، وعِلَّةَ الأعْيَانِ الأرْبَعَةِ كَوْنُه مَكِيلَ جِنْسٍ.
نَقَلَها عن أحمدَ الجماعَةُ، وذَكَرَها الخِرَقِيُّ، وابنُ أبي مُوسَى، وأكثَرُ الأصْحَابِ.
وبه قال النَّخَعِيّ، والزُّهْرِيّ،

..................................  والثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأَصْحابُ الرَّأي.
فعلى هذه الرِّوَايَةِ، يَجْرِي الرِّبَا في كُلِّ مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ بجِنْسِه، مَطْعُومًا كان أو غيرَ مَطْعُومٍ، كالحُبُوبِ، والأُشْنَانِ، والنُّورَةِ، والقُطْنِ، والصُّوفِ، والكَتَّانِ، والحِنَّاءِ، والحَدِيدِ، والنُّحاسِ، ونحو ذلك.
ولا يَجْرِي في مَطْعُومٍ لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ، كالمَعْدُودَاتِ؛ لِما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: قال رسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بالدِّينَارَينِ، ولا الدِّرْهَمَ بالدِّرْهَمَينِ، ولا الصّاع بالصَّاعَينِ، فإنِّي أَخافُ عليكم الرَّمَاءَ».
وهو الرِّبَا.
فَقامَ إليه رَجُلٌ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ، أرأيتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ الفَرَسَ بالأَفْرَاس، والنَّجِيبَةَ بالإِبِلِ؟ فقال: «لا بَأسَ إذا كان يَدًا بِيَدٍ».
رَواهُ أحمدُ في المُسْنَدِ 1 عن [أبي جَنَابٍ] 2، عن أبِيه، عن ابنِ عمرَ.
وعن أنَسٍ، أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما وُزِنَ مِثْلًا بمِثْلٍ إذا كان نَوْعًا واحِدًا».
رَواه الدّارَقُطْنِيُّ 3. وعن عمّارٍ أنَّه قال: العَبْدُ خَيرٌ مِن العَبْدَينِ، والثَّوْبُ خَيرٌ من الثَّوْبَينِ، فما كان يَدًا بيَدٍ فلا بَأسَ به، إنَّما الرِّبَا في النَّساءِ، إلَّا ما كِيلَ أو وُزِن 4. ولأنَّ قَضِيَّةَ البَيعِ المُسَاوَاةُ، والمعْتَبَرُ في تَحْقِيقِها الكَيلُ والوَزْنُ والجِنْسُ، فإنَّ الوَزْنَ أو الكَيلَ يُسَوِّي بَينَهُما صُورَةً،

..................................  والجِنْسَ يُسَوَّى بينهما مَعْنًى، فكانا عِلَّةً، وَوَجَدْنَا الزِّيَادَةَ في الكَيلِ مُحَرَّمَةً دونَ الزِّيادَةِ في الطَّعْمِ؛ بدَلِيلِ بَيعِ الثَّقِيلَةِ بالخَفِيفَةِ، فإنَّه جائِزٌ إذا تَسَاوَيَا في الكَيلِ.
والرِّوَايَةُ الثانِيَةُ، أنَّ العِلَّةَ في الأثْمانِ الثَّمَنِيَّةُ، وفيما عَدَاها كونُه مَطْعُومَ جِنْسٍ، فيَخْتَصُّ بالمَطْعُومَاتِ، ويَخْرُجُ منه ما عَدَاها.
قال أبو بَكْرٍ: رَوَى ذلك عن أحمدَ جماعَةٌ.
ونحوُ ذلك قولُ الشّافِعِيِّ، فإنّه قال: العِلَّةُ الطَّعْمُ، والجِنْسُ شَرْطٌ.
والعِلَّةُ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ جَوْهَرِيَّةُ الثَّمَنِيَّةِ غالِبًا، فيَخْتَصُّ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لما رَوَى مَعْمَرُ بنُ عبدِ الله أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الطَّعامِ بالطَّعَامِ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ.
رَواهُ مُسلِمٌ 1. ولأنَّ الطَّعْمَ وَصْفُ شرَفٍ، إذْ به قِوامُ الأُبْدَانِ، والثَّمَنِيَّةُ وَصْفُ شَرَفٍ، إذْ بها قِوامُ الأموالِ، فيَقْتَضِي التَّعْلِيلَ بهما، ولأنَّه لو كانتِ العِلَّةُ في الأثمانِ الوَزْنَ، لم يَجُزْ إسْلامُهما في المَوْزُوناتِ؛ لأنَّ أحَدَ وَصْفَيْ عِلَّةِ الرِّبا يَكْفِي في تَحْرِيمِ النَّسَاءِ.
والرِّوَايَةُ الثالِثَةُ، العِلَّةُ فيما عَدا الذَّهَبَ والفِضَّةَ كَوْنُه مَطْعُومَ جِنْسٍ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، فلا يَجْرِي الرِّبَا في مَطْعُومٍ لا يُكَالُ ولا يُوزَنُ، كالتُّفَّاحِ، والرُّمّانِ، والبِطيخِ، والجَوْزِ، والبَيضِ، ولا فيما ليس بمَطْعُومٍ، كالزَّعْفَرَانِ، والأُشْنانِ، والحَدِيدِ.
ويُرْوَى ذلك عن

..................................  سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وهو قَدِيمُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ؛ لِما رُوِيَ عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «لا رِبًا إلَّا فيما كِيلَ أو وُزِنَ ممّا يُؤْكَلُ أو يُشْرَبُ» أخْرَجَه الدّارَقُطْنِيُّ 1، وقال: الصَّحِيحُ أنَّه من قَوْلِ سعيدٍ، ومَنْ رَفَعَه فقد وَهَمَ.
ولأنَّ لكلِّ واحدٍ مِن هذه الأوصافِ أثرًا، والحكمُ مقرونٌ بجميعِها في المنصوصِ عليه، فلا يَجُوزُ حذفُه.
ولأنَّ الكَيلَ والوَزْنَ والجِنْسَ لا يَقْتَضِي وجوبَ المُماثَلَةِ، وإنّما أثَرُه في تَحْقِيقِها، و 2 العِلَّةُ ما يَقْتَضِي ثُبُوتَ الحُكْمِ، لا ما تَحَقَّقَ شَرْطُه، والطَّعْمُ بمُجَرَّدِه لا تَتَحَقَّقُ المُماثَلَةُ به؛ لعَدَمِ المِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ فيه، وإنّما تَجِبُ المُماثَلَةُ في المِعْيارِ الشَّرْعِيِّ، وهو الكَيلُ والوَزْنُ، ولهذا وجَبَتِ المُسَاوَاةُ في المَكِيلِ كَيلًا، وفي المَوْزُونِ وَزْنًا، فَوَجَبَ أن يَكُونَ الطَّعْمُ مُعْتَبَرًا في المَكِيلِ والمَوْزُونِ دُونَ غَيرِهما.
والأحَادِيثُ الوَارِدَةُ في هذا البابِ يَجِبُ الجَمْعُ بينها، وتَقْيِيدُ كُلِّ واحِدٍ منها بالآخَرِ، فنَهْيُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ الطّعامِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، يَتَقَيَّدُ بما فيه مِعْيارٌ شَرْعِيٌّ من كَيلٍ أو وَزْنٍ، ونهْيُه عن بَيعِ الصّاعِ بالصّاعَينِ، يَتَقَيَّدُ بالمَطْعُومِ المَنْهِيِّ عن التَّفاضُلِ فيه.
وهذا اخْتِيَارُ شَيخِنا.
وقال مالِكٌ: العِلَّةُ القُوتُ، أو ما يَصْلُحُ به القُوتُ من جِنْسٍ واحِدٍ من المُدَّخَراتِ.
وقال رَبِيعَةُ: يَجْرِي

..................................  الرِّبَا فيما تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ دونَ غَيرِه.
وقال ابنُ سِيرِينَ: في الجِنْسِ الواحِدِ.
وهذا القَوْلُ لا يَصِحُّ؛ لقَوْلِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - في بَيعِ الفَرَسِ بالأفْرَاسِ، والنَّجِيبَةِ بالإِبِلِ: «لا بَأسَ إذا كان يَدًا بِيَدٍ» 1. ورُوِيَ أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ابْتَاعَ عَبْدًا بعَبْدَينِ.
رواه أبو داوُدَ والتّرْمِذِيُّ 2، وقال: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ 3 صَحِيحٌ.
وقولُ مالِكٍ يَنْتَقِضُ بالحَطَبِ والإِدَامِ يُسْتَصْلَحُ به القُوتُ ولا رِبًا فيه.
عنده، وتَعْلِيلُ رَبِيعَةَ يَنْعَكِسُ بالمِلْحِ، والعَكْسُ لازِمٌ عندَ اتِّحادِ العِلَّةِ.
فالحاصِلُ أنَّ ما اجْتَمَعَ فيه الكَيلُ والوَزْنُ والطَّعْمُ، من جنْسٍ واحِدٍ، ففيه الرِّبَا رِوايَةً واحِدَةً؛ كالأُرْزِ، والدُّخْنِ، والذُّرَةِ، والقُطْنِيَّاتِ، والدُّهْنِ، واللَّبنِ، ونحوه.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العِلْمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا قَوْلُ عُلَماءِ الأمْصَارِ في القَدِيمِ والحَدِيثِ.
وما يُعْدَمُ فيه الكَيلُ والوَزْنُ والطَّعْمُ واخْتَلَفَ جِنْسُه،

..................................  فلا رِبًا فيه، رِوايَةً واحِدةً.
وهو قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ، وذلك كالتِّينِ، والنَّوَى، والقَتِّ، والماءِ، والطِّينِ إلَّا 1 الأرمَنِيَّ، فإنَّه يُؤكَلُ دواءً، فيَكونُ مَوْزُونًا مَأكُولًا، فهو إذًا من القِسْمِ الأوَّلِ، وما عَداهُ إنّما يُؤكَلُ سَفَهًا، فجَرَىَ مَجْرَى الرَّمْلِ والحَصَى.
وما وُجِدَ فيه الطَّعْمُ وَحْدَه، أو الكَيلُ والوَزْنُ من جِنْس واحِدٍ، ففيه رِوَايَتَانِ، واخْتَلَفَ أهلُ العِلْمِ فيه.
والأولَى، إنْ شاءَ اللهُ، حِلُّه؛ إذْ ليس في تَحْرِيمِه دَلِيلٌ مَوْثُوقٌ به، ولا مَعْنًى يُقَوِّي التَّمَسُّكَ به، وهي مع ضَعْفِها.
يُعَارِضُ بَعْضُها بَعْضًا، فوَجَبَ اطِّراحُها، والجَمْعُ بَينَها، والرُّجُوعُ إلى أصْلِ الحِلِّ الذي يَقْتَضِيهِ الكِتَابُ والسُّنَّةُ والاعْتِبَارُ.
ولا فرقَ في المَطْعُوماتِ بينَ ما يُؤكَلُ قُوتًا، كالأُرْزِ والذُّرَةِ، أو أُدْمًا كالقُطنِيَّاتِ، واللَّحْمِ، واللَّبَنِ، أو تَفَكُّهًا، كالثِّمارِ، أو تَداويًا، كالإِهْلِيلَجِ، والسَّقَمُونْيا، فإنَّ الكُلَّ في بَابِ الرِّبا واحِدٌ.
فصل: وقَولُه: في كُلِّ مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ.
أي ما كانَ جِنْسُه مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، وإنْ لم يَتَأَتَّ فيه كَيلٌ ولا وَزْنٌ؛ إمّا لقِلَّتِه، كالحَبَّةِ

..................................  والحَبَّتَينِ، والحَفْنَةِ والحَفْنَتَينِ، وما دُونَ الأُرْزَةِ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ، أو لكَثْرَتِه، كالزُّبْرَةِ العَظِيمَةِ، فإنَّه لا يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ويَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فيه.
وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
ورَخَّصَ أبو حَنِيفَةَ في بَيعِ الحَفْنَةِ بالحَفْنَتَين، والحَبَّةِ بالحَبَتّينِ، وسائِرِ المَكِيلِ الذي لا يَتَأتى كيله، ووافَقَ في المَوْزُونِ، واحْتَجَّ بأنَّ العِلَّةَ الكَيلُ، ولم يُوجَدْ في اليَسِيرِ.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْل، والبُرُّ بالبُرِّ مِثْلًا بمِثْل، من زَادَ أو ازْدَادَ فقد أربَى» 1. ولأنَّ ما جَرَى الرِّبَا في كَثِيرِه جَرَى في قَلِيله، كالمَوْزُونِ.
ولا يَجُوزُ بَيعُ تَمْرَةٍ بتَمْرَةٍ، ولا حَفْنَةٍ بحَفْنَةٍ.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ؛ لأنَّ ما أصْلُه الكَيلُ لا تَجُوزُ 2 المُماثَلَةُ في غَيرِه.

..................................  فصل: فأمّا ما لا وَزْنَ للصِّناعةِ فيه، كمَعْمُولِ الحدِيدِ، والرَّصاصِ، والنُّحاسِ، والقُطْنِ، والكَتَّانِ، والصُّوفِ، والحَرِيرِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ في الثِّيابِ والأكْسِيَةِ أنّه لا يَجْرِى فيه الرِّبَا، فإنّه قال: لا بَأسَ بالثَّوْبِ بالثَّوْبَينِ، والكِسَاءِ بالكِسَاءَينِ.
وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
وقال: لا يُبَاعُ الفَلْسُ بالفَلْسَينِ، ولا السِّكِّينُ بالسِّكِّينَينِ، ولا الإِبرَةُ بالإِبرَتَينِ، أصْلُه الوَزْنُ.
ونَقَلَ القاضِي حُكْمَ إحْدَى المسألَتَين إلى الأُخرَى، فجَعَلَ في الجَمِيعِ رِوَايَتَينِ، إحداهُما، لا يَجْرِي في الجَمِيع.
وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وأبي حَنِيفَةَ، وأكثَرِ أهْلِ العِلمِ؛ لأنَّه ليس بمَوْزُونٍ ولا مَكِيلٍ.
وهذا هو الصَّحِيحُ؛ إذ لا مَعْنَى لثُبُوتِ الحُكْمِ مع انْتِفاءِ العِلَّةِ، وعَدَمِ النَّصِّ والإِجْماعِ فيه.
والثانِيَةُ، يَجْرِي الرِّبَا في

..................................  الجمِيعِ.
اخْتَارَها ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ أصْلَه الوَزْنُ، فلا يَخْرُجُ بالصِّنَاعَةِ عنه، كالخُبْزِ، وذَكَرَ أنَّ اخْتِيارَ القاضِي، أنَّ ما كانَ يُقْصَدُ وَزْنُه بعد عملِه كالأسْطالِ 1 ففيه الرِّبا، وإلَّا فَلَا.
فصل: ويَجْرِي الرِّبَا في لَحْمِ الطَّيرِ، وعن أبي يُوسُفَ: لا يَجْرِي فيه؛ لأنَّه يُباعُ بغيرِ وَزْنٍ.
ولَنا، أنَّه لَحْمٌ، فأشْبَهَ سائِرَ اللُّحْمَانِ.
وقَوْلُه: لا يُوزَنُ.
قلنا: هو مِن جِنْسِ ما يُوزَنُ، ويُقْصَدُ ثِقْلُهُ، وتَخْتَلِفُ قِيمَتُه بثِقْلِه وخِفَّتِه، أشْبَهَ ما يُباعُ من الخُبْزِ عَدَدًا 2.

..................................  فصل: والجَيِّدُ والرَّدِئُ، والتِّبرُ والمَضْرُوبُ، والصَّحِيحُ والمَكْسُورُ، سواءٌ في جَوازِ البَيعِ مع التَّماثُلِ.
وهذا قَوْلُ أكثَرِ العُلَماءِ، منهم، أبو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ جَوازُ بَيعِ المَضْرُوبِ بقِيمَتِه من جِنْسِه، وأنْكَرَ ذلك أصْحابُه.
وحَكَى بعضُ أصْحابِنَا عن أحمدَ رِوَايَةً، أنّه لا يَجُوزُ بَيعُ الصِّحاحِ بالمُكَسَّرَةِ؛ لأنَّ للصِّنَاعَةِ قِيمَةً بدَلِيلِ

..................................  حالةِ الإِتْلَافِ، فَيَصِيرُ كأنَّه ضَمَّ قِيمَةَ الصِّنَاعَةِ إلى الذَّهَبِ.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلًا بمِثْلٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مِثْلًا بمِثْلٍ».
وعن عُبادَةَ، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ تِبْرُهَا وعَينُها، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ تِبْرُهَا وعَينُها».
رواهُ أبو داوُدَ 1. ورَوَى مُسْلِم 2 عن أبي الأشْعَثِ أنَّ مُعَاويَةَ أمَرَ بِبَيعِ آنِيَةٍ من فِضَّةٍ في أُعْطِياتِ النّاسِ، فبَلَغَ عُبادَةَ، فقَدِمَ، فقال: إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَى عن بَيعِ الذَّهَبِ بالذَّهَبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، والبُرِّ بالبُرِّ،

..................................  والشَّعِيرِ بالشَّعِيرِ، والمِلْحِ بالمِلْحِ، إلَّا سواءً بسواءٍ، عينًا بعَينٍ، فمَن زادَ أو ازْدَادَ فقد أرْبَى.
ورَوَى الأثْرَمُ 1، عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ، أنَّ مُعَاويَةَ باعَ سِقَايَةً من ذَهَبٍ أو وَرِقٍ بأكْثَرَ من وَزْنِها، فقال أبو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَى عن مِثْلِ هذا، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ.
ولأنَّهُما تَسَاوَيَا في الوَزْنِ، فلا يُوثِّرُ اخْتِلافُهما في الِقيمَةِ، كالجَيِّدِ بالرَّدِئِ.
فأما إنْ قال لصائِغٍ: اصْنَعْ لي خَاتَمًا وَزْنُه دِرْهَمٌ، وأعْطِيكَ مثلَ زِنَتِه، وأُجْرَتَك دِرْهَمًا.
فليس ذلك بَيعَ دِرْهَمٍ بدِرْهَمَينِ.
وقال أصْحابُنا: للصائِغِ أخْذُ الدِّرْهَمَينِ؛ أحَدِهما في مُقابَلَةِ الخاتَمِ، والثَّاني 2 أُجْرَةً له.
فصل: وكُلُّ ما حُرِّمَ فيه رِبَا الفَضْلِ، حُرِّمَ فيه النَّساءُ، بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ.
ويَحْرُمُ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عَينًا بعَينٍ».

وَلَا يُبَاعُ مَا أصْلُهُ الكَيلُ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا، وَلَا مَا أَصْلُهُ الْوَزْنُ كَيلًا.
وقَوْلِه: «يَدًا بِيَدٍ».
ولأنَّ تَحْرِيمَ النَّسَاءِ آكَدُ، ولذلك جَرَى في الجِنْسَينِ المُخْتَلِفَينِ، فإذا حُرِّمَ التّفاضُلُ، فالنَّساءُ أولَى بالتَّحْرِيمِ.

1676 -

مسألة: (ولا يُبَاعُ ما أصلُه الكَيلُ بشَيءٍ من جِنْسِه وَزْنًا، ولا ما أصلُه الوَزْنُ كَيلًا)

لا خِلاف بينَ أهْلِ العِلْمِ في وجُوبِ المُماثَلَةِ

..................................  في بَيعِ الأمْوالِ التي يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فيها، وأنَّ المُسَاوَاةَ 1 المَرْعِيّةَ هي المُسَاوَاة في المَكِيلِ كَيلًا وفي المَوْزونِ وَزْنًا؟ ومتى تَحَقَّقَتْ هذه المُسَاوَاةُ، لم يَضُرَّ اخْتِلافُهما فيما سِواها.
وإنْ لم توجَدْ، لم يَصِحّ البَيعُ.
وهذا قولُ أبي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
وقال مالِكٌ: يَجوز بَيعُ بَعْضِ المَوْزونَاتِ بِبَعْضٍ جُزَافًا.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ وَزْنًا بوَزْنٍ، والبُرُّ بالبُرِّ كَيلًا بكَيل، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ كَيلًا بكَيل».
رَواهُ الأثْرَم 2 عن عُبادَةَ، ورَواه أبو دَاوُدَ 3. وَلفْظُه 4: «البُرُّ بالبُرِّ [مُدْىٌ بمُدْىٍ] 5، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ مُدْىٌ بمُدْىٍ، والمِلْحُ بالمِلْحِ مُدْىٌ بمُدْىٍ، فمَنْ زَادَ أو ازْدَادَ فَقَدْ أرْبَى».
فأمرَ بالمُسَاوَاةِ في المَوْزونَاتِ المَذْكورَةِ في الوَزْنِ، كما أمَرَ بالمُسَاوَاةِ في المَكِيلَاتِ بالكَيلِ، وما عدا الذّهَبَ والفِضَّةَ من المَوْزُونَاتِ مَقِيسٌ عَلَيهِما، ولأنَّه جِنْسٌ يَجْرِي فيه الرِّبَا، فلم يَجُزْ بَيعُ بَعْضِه بِبَعْض جُزافًا، كالمَكِيلِ، ولأنَّ حقيقةَ الفضلِ مُبْطِلَةٌ للبيعِ، ولا يُعْلَمُ عدَمُ ذلك إلَّا بالوزنِ، فوَجَبَ ذلك، كما في المَكِيلِ والأثمانِ.
إذا

..................................  ثَبَتَ هذا، فإنّه لا يَجُوزُ بَيعُ المَكِيلِ بالمَكِيلِ وَزْنًا، ولا بَيعُ المَوْزُونِ بالمَوْزُونِ كَيلًا؛ لأنَّ التَّمَاثُلَ في الكَيلِ مُشْتَرَطٌ في المَكِيلِ، وفي الوَزْنِ في المَوْزونِ، وقد عُدِمَتْ، ولأنَّه مَتَى باعَ رَطْلًا من المَكِيلِ برَطْلٍ، حَصَلَ في الرَّطْلِ من الخَفِيفِ أكثرُ ممّا يَحْصُلُ من الثَّقِيلِ، فيَخْتَلِفَانِ في الكَيلِ، وإنْ لم يَعْلَم الفَضْلَ، لكنْ يَجْهَلُ التَّسَاويَ، فلا يَصِحُّ، كما لو باعَ بَعْضَه ببَعْضٍ جُزَافًا.
وكذلك إذا باعَ المَوْزُونَ بالمَوْزُونِ بالكَيلِ، لا يَتَحَقَّقُ التَّمَاثُلُ في الوَزْنِ، فلم يَصِحَّ، كما ذَكَرْنا في المَكِيلِ.
فصل: ولو باعَ بَعْضَه بِبَعْضٍ جُزَافًا، أو كان جُزَافًا من أحَدِ الطَّرَفَينِ، لم يَجُزْ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ ذلك لا يَجُوزُ إذا كانَا من صِنْفٍ واحِدٍ؛ لِما رَوَى مُسْلِمٌ 1 عن جابِرٍ، قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ الصُّبْرَةِ من التَّمْرِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُها بالكَيل المُسَمَّى من التَّمْرِ.
وفي قولِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الذَّهَبُ بالذَّهَب وَزْنًا بوَزْنٍ».
إلى تَمامِ الحَدِيثِ، دَلِيلٌ على أنّه لا يَجُوزُ بَيعُه إلَّا كذلك، ولأنَّ التَّماثُلَ شَرْطٌ، والجَهْلُ به يُبْطِلُ البَيعَ بحَقِيقةِ 2 التَّفَاضُلِ.

فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، جَازَ بَيعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَيلًا، وَوَزْنًا، وَجُزَافًا.

1677 - مسألة؛ قال: (فإنِ اخْتَلَفَ الجنْسُ، جازَ بَيعُ بَعْضِه ببَعْضٍ كَيلًا، وَوَزْنًا، وجُزَافًا)

ما لا يُشْتَرَطُ فيه التَّماثُلُ، كالجِنْسَينِ، وما لا رِبًا فيه، يَجُوزُ بَيعُ بَعْضِه ببَعْضٍ كَيلًا وَوَزْنًا وجُزَافًا.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وهو قولُ أكْثَرِ العُلَمَاءِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ بَيعَ الصُّبْرَةِ من الطَّعَامِ بالصُّبْرَةِ، لا يُدْرَى كم كَيلُ هذه، ولا كم كَيلُ هذه، من صِنْفٍ واحِدٍ، غيرُ جائِزِ، ولا بَأسَ به من صِنْفَينِ؛ اسْتِدْلَالًا بقَوْلِه عليه السّلامُ: «فإذَا اخْتَلَفَ الجِنْسَانِ فَبِيعُوا كيفَ شِئْتُم» 1. وذَهَبَ بعضُ أصْحَابِنا إلى مَنْعِ بَيعِ المَكِيلِ بالمَكِيلِ والمَوْزُونِ بالمَوْزُونِ جُزافًا.
وقال أحمدُ، في رِوايةِ محمّدِ بنِ الحَكَمِ:

..................................  أكْرَهُ ذلك.
قال ابنُ أبي مُوسَى: لا خَيرَ فيما يُكَالُ بما يُكالُ جُزَافًا، ولا فيما يُوزَنُ بما يُوزَنُ جُزَافًا، اتَّفَقَتِ الأجْنَاسُ أو اخْتَلَفَتْ، ولا بَأسَ بِبَيع المَكِيلِ بالمَوْزُونِ جُزَافًا.
وقال ذلك القاضِي، والشَّرِيفُ أبو جَعْفرِ، قالوا: لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن بَيعِ الطَّعَام بالطَّعَامِ مُجَازَفَةً 1. وقِياسًا على الجِنْسِ الوَاحِدِ.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كيفَ شِئتُمْ يَدًا بِيَدٍ».
ولأنه يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فيه، فجازَ جُزَافًا، كالمَكِيلِ بالمَوْزُونِ، يُحَققُه أنّه إذا كان حَقِيقَةُ الفَضْلِ لا يَمْنَعُ، فاحْتِمالُه أوْلَى أنْ لا يَمْنَعَ، وحَدِيثُهم أراد به الجنْسَ الواحِدَ، ولهذا جاءَ في بَعْضِ ألفَاظِه: نَهَى أنْ تُباعَ الصُّبْرَةُ لا يُعْلَمُ مكِيلُها من التَّمْرِ بالصُّبْرَةِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُها من التَّمْرِ 2. ثم هو مَخْصُوصٌ بالمَكِيلِ بالمَوْزُونِ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزَاعِ.
والقِيَاسُ لا يَصِحُّ، لأَنَّ الجِنسَ الواحِدَ يَجِبُ التماثُلُ فيه، فمُنِعَ من بَيعِه مُجازَفَةً؛ لفَواتِ المُماثَلَةِ المُشْتَرَطَةِ، وفي الجِنْسَينِ لا يُشْتَرَطُ التّماثُلُ، ولا يُمْنَعُ حَقِيقَةُ التَّفاضُلِ، فاحْتِمالُه أوْلَى.

..................................  فصل: إذا قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بهذه الصُّبْرَةِ.
وهما من جِنْسٍ واحِدٍ، وقد عَلِمَا كَيلَهُما وتَسَاويَهُما، صَحَّ البَيعُ؛ لوُجُودِ التَّماثُل المُشْتَرَطِ.
وإنْ قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بهذه الصُّبْرَةِ مِثْلًا بمِثْلٍ.
فَكِيلَتَا، فكَانَتَا سواءً، صَحَّ البَيعُ، [وإلَّا فلا.
وإن باعَ صُبْرَةً بِصُبْرةٍ من غيرِ جِنسِها، صَحَّ عندَ من يُجَوِّزُ بَيعَ المَكِيلِ بالمَكِيلِ جُزَافًا.
فإن قيل: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بهذه، مِثْلًا بمِثْلٍ.
فَكِيلَتا فكانتا سَوَاءً، صَحَّ البَيعُ] 1. وإن زَادَت إحْدَاهُما، فرَضِيَ صاحِبُ النَّاقِصَةِ بها مع نَقْصها، أو رَضِيَ صاحِبُ الزَّائِدَةِ برَدِّ الفَضْلِ على صاحِبِه، جازَ، وإنِ امْتَنَعَا 2، فُسِخَ البَيعُ بَينَهُما.
ذَكَرَه القاضِي.
وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

وَالْجنْسُ: مَا لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا؛ كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، والْمِلْحِ.

1678 - مسألة: (وَالْجِنْسُ: مَا لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ يَشْمَلُ أنْواعًا، كالذَّهَبِ، والْفِضَّةِ، وَالبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، والتَّمْرِ، والْمِلْحِ)

الجِنْسُ: الشَّامِلُ لأشْياءَ مُختَلِفَةٍ بأنْواعِها.
والنَّوْعُ: الشَّامِلُ لأشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ بأشْخَاصِها.
وقد يكونُ النَّوْعُ جِنْسًا بالنِّسْبَةِ إلى ما تَحْتَه، والجِنْسُ نَوْعًا بالنِّسْبَةِ إلى ما فَوْقَه.
والمرادُ هاهنا الجِنْسُ الأَخَصُّ، والنَّوْعُ الأخَصُّ.
فكُلُّ نَوْعَينِ اجْتَمَعَا في اسمٍ خاصٍّ، فهما جِنْسٌ؛ كأنْواعِ التَّمْرِ، وأنواعِ الحِنْطَةِ، وأنْواعِ الشَّعِيرِ.
فالتُّمُورُ كُلُّها جِنْسٌ وإنْ كَثُرَتْ أنْواعُها؛ كالبَرْنِيِّ، والمَعْقِليِّ 1، وغيرِهما.
وكُلُّ شَيئَينِ اتَّفَقَا في الجِنْسِ، ثَبَتَ فيهما حُكْمُ الشَّرْعِ بتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ وإنِ اخْتَلَفَتِ الأنْواعُ، لِما ذَكَرْنا من قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ» 2. الحَدِيثُ بتَمامِه.
فاعتْبَرَ المُسَاوَاةَ في جنْسِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، والبُرِّ بالبُرِّ.
ثم قال: «فإذَا اخْتَلَفَتْ هذه الْأَصْنَافُ 3 فبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ».

..................................  فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في البُرِّ والشَّعِيرِ، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّهُما جِنْسَانِ.
وهو قوْلُ الثَّوْرِيِّ، والشّافِعِيِّ، [وإسحاقَ] 1، وأصحابِ الرأي.
وعنه، أنّهما جنْسٌ واحِدٌ.
يُرْوَى ذلك عن سَعْدِ بنِ أبي وَقّاص وعبدِ الرَّحْمَنِ بنِ الأسْوَدِ بنِ عبدِ يَغُوثَ 2، والحَكَمِ، وحَمّادٍ، ومالِكٍ، واللَّيثِ؛ لِما رُوِيَ عن مَعْمَرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنّه أرْسَلَ غُلامَه بصَاعِ قمْحٍ، فقال: بِعْهُ، ثم اشْتَرِ به شَعِيرًا.
فذَهَبَ الغُلامُ، فأخَذَ صَاعًا وزيَادَةَ بعْضِ صاعٍ، فلما جاءَ مَعْمَرًا أخْبَرَهُ، فقال له مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذلك؟ انْطَلِقْ فرُدَّه، ولا تَأخُذَنَّ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، فإنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعِ الطّعامِ بالطّعامِ، إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، وكان طعامُنا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ.
قيل: فإنَّه ليس بمِثْلِه.
قال: إنِّي أخافُ أنْ يُضارِعَ.
أخرَجَه مُسْلِمٌ 3، ولأنَّ أحَدَهما يُعْتَبَرُ بالآخَرِ، فكانا كنَوْعَي الجِنْسِ.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «بِيعُوا البُرَّ بالشَّعِيرِ كيفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ» 4. وفي لَفْظٍ: «لا بَأسَ بِبَيعِ البُرِّ بالشَّعِيرِ، والشَّعِيرُ أكثرُهما 5 يَدًا بِيَدٍ، وأمّا

وَفُرُوعُ الْأَجْنَاسِ أَجنَاسٌ، كَالْأَدِقَّةِ، وَالْأَخْبَازِ، وَالْأَدْهَانِ.
نَسِيئَةً فَلَا» (1) وفي لَفْظٍ: «فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ فَبِيعُوا كيف شِئْتُمْ» (2). وهذا صَرِيحٌ، لا يَجُوزُ تَرْكُه بغَيرِ مُعارِضٍ مِثْلِه.
وحَدِيثُ مَعْمَرٍ لابُدَّ فيه من إضْمارِ الجِنْسِ، بدَلِيلِ سائِرِ أجْناسِ الطَّعامِ، ويَحْتَمِلُ أنّه أرادَ الطَّعامَ المَعْهُودَ عِنْدَهم، وهو الشَّعِيرُ نَسِيئَةً، فإنّه قال في الخَبَرِ: وكان طعَامُنا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ.
ثم لو كانَ عامًّا لوَجَبَ تَقْدِيمُ الخاصِّ الصَّرِيحِ عليه، وفِعْلُ مَعْمَرٍ وقَوْلُه لا يُعارَضُ به فِعْلُ (3) النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ.

1679 -

مسألة: (وفُرُوعُ الأَجْنَاسِ أجْنَاسٌ، كالأدِقَّةِ، والأخْبَازِ، والأدْهَانِ)

إذا كان المُشْتَرِ كانِ في الاسْمِ الخاصِّ من جِنْسَينِ، فهما جِنْسَانِ، كالأَدِقةِ، والأخْبَازِ، والخُلُولِ، والأدْهَانِ، وعَصِيرُ الأَشْياءِ المُخْتَلِفَةِ كُلّها أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ باخْتِلافِ أُصُولِها.
وحُكِيَ عن123

..................................  أحمدَ، أنَّ خَلَّ التَّمْرِ وخَلَّ العِنَبِ جِنْسٌ.
وحُكِيَ أيضًا عن مالِكٍ، لأنَّ الاسْمَ الخاصَّ يَجْمَعُهما.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ، لأنَّهُما من جِنْسَينِ مُخْتَلِفَينِ، فكانا جِنْسَينِ؛ كدَقِيقِ الحِنْطَةِ، ودَقِيقِ الدُّخْنِ.
وما ذُكِرَ للرِّوايةِ الأخْرَى مَنْقُوضٌ بسائِرِ فرُوعِ الأصُولِ التي ذَكَرْناها.
فكُلُّ فَرْعٍ مَبْنِيٌّ على أصْلِه، فزَيتُ الزَّيتُونِ، وزَيتُ البُطْمِ 1، وزَيتُ الفُجْلِ، أجْنَاسٌ.
ودُهْنُ السَّمَكِ، والشَّيرَجُ، والجَوْزِ، واللَّوْزِ، والبزْرِ، أجْنَاسٌ.
وعَسَلُ النَّحْلِ، وعَسَلُ القَصَبِ، جِنْسان.
وتَمْرُ النَّخْلِ، وتَمْرُ الهِنْدِ، جِنْسَان.
وكُلُّ شَيئَينِ أصْلُهما واحِدٌ، فهما جِنْسٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ مَقاصِدُهما؛ فدُهْنُ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ، والزَّنْبَقُ 2 والياسَمِينِ، إذا كانت من دُهْنٍ واحِدٍ، فهي جِنْسٌ واحِدٌ.
وهذا الصَّحِيحُ من مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، وله قولٌ آخرُ: لا يَجْرِي الرِّبَا فيها؛ لأنَّها لا تُقْصَدُ للأَكْلِ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: هي أجْنَاسٌ؛ لاخْتِلافِ مَقاصِدِها.
ولَنا، أنّها كُلَّها شَيرَجٌ، وإنّما طُيِّبَتْ بهذه الرَّيَاحِينِ، فنُسِبَتْ إليها، فلم تَصِرْ أجْنَاسًا،

وَاللَّحْمُ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ.
وَعَنْهُ، جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَكَذَلِكَ اللَّبَنُ.
وَعَنْهُ، فِي اللَّحْمِ، أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ؛ لَحْمُ الْأَنْعَامِ، وَلَحْمُ الْوَحْشِ، وَلَحْمُ الطَّيرِ، وَلَحْمُ دَوَابِّ الْمَاءِ.
كما لو طُيِّبَ سائِرُ أنْواعِ الأَجْنَاسِ.
وقَولُهم: لا تُقْصَدُ للأَكْلِ.
قلنا: هي صالِحَةٌ للأكلِ، وإنّما تُعَدُّ لما هو أعْلَى منه، فلا تَخْرُجُ عن كَوْنِها مَأكُولَةً بصَلاحِها لغَيرِه.
وقَوْلُهم: إنّها أجْنَاسٌ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّها من أصْلٍ واحِدٍ، ويَشْمَلُها اسْمٌ واحِدٌ، فكانَتْ جِنْسًا، كأنوَاعِ التَّمْرِ، والحِنْطَةِ.
فصل: وقد يكونُ الجِنْسُ الواحِدُ مُشْتَمِلًا على جِنْسَينِ، كالتَّمْرِ يَشْتَمِلُ على النَّوَى وغَيرِه، وهما جِنْسَانِ، واللَّبَنِ يَشْتَمِلُ على المَخِيضِ والزُّبْدِ، وهما جِنْسَانِ، فما دَاما مُتَّصِلَينِ اتِّصال الخِلْقَةِ فهما جِنْسٌ واحِدٌ، فإذا مُيِّزَ أحَدُهما من الآخَرِ، صارا جِنْسَينِ، حُكْمُهُما حُكْمُ الجِنْسَينِ الأصْلِيَّينِ.

1680 -

مسألة: (واللَّحْمُ أجنَاسٌ باخْتِلافِ أُصُولِه.
وكذلك اللَّبَنُ.
وعنه، جِنْسٌ واحِدٌ.
وعنه، في اللَّحْمِ، أنَّه أرْبَعَةُ أجْنَاسٍ؛ لَحْمُ الأنْعَامِ، ولَحْمُ الوَحْشِ، ولَحْمُ الطَّيرِ، ولَحْمُ دَوابِّ الماءِ)

اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ الله، في اللَّحْمِ، فرُوىَ عنه أنّه جِنْسٌ واحِدٌ.

..................................  وهذا الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وهو قَوْلُ أبِي ثَوْرٍ، وأحَدُ قَوْلَي الشّافِعِيِّ.
وأنْكَرَ القاضِي أبو يَعْلَى كونَ هذه رِوايَةً عن أحمدَ، وقال: الأنْعَامُ والوَحْشُ والطَّيرُ ودَوابُّ الماءِ أجْنَاسٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فيها، رِوَايَةً واحِدةً، وإنَّما في اللَّحْمِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُما، أنّه أرْبَعَةُ أجْنَاسٍ، كما ذَكَرْنَا.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، إلَّا أنّه يَجْعَلُ 1 الأنْعَامَ والوَحْشَ جِنْسًا وَاحِدًا فيكونُ عندَه ثَلاثةُ أصْنَافٍ.
ورُوِيَ عنه، أنّه أجْنَاسٌ باخْتِلافِ أُصُولِه.
وهو قول أبي حَنِيفَةَ، وأحَدُ قَوْلَي الشافِعِيِّ.
وهي أصَحُّ؛ لأنها فُرُوعُ أُصُولٍ هي أجنَاسٌ، فكانت أجْنَاسًا، كالأدقَّةِ، والأخبَازِ.
وهذا اخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ.
وعنه في اللَّحْمِ، أنّه أرْبَعَةُ أجْنَاس على ما ذَكَرْنَا.
وهذا اخْتِيَارُ القَاضِي، واحْتَجَّ بأن لَحْمَ هذه الحَيَواناتِ تَخْتَلِفُ المَنْفَعَةُ بها، والقَصْدُ إلى أكْلِها، فكانت أجْنَاسًا.
قال شيخُنا 2: وهذا ضَعِيفٌ؛ لأنَّ كَوْنَها أجْنَاسًا لا يُوجِبُ حَصْرَها في أرْبَعَةِ أجْنَاس، ولا نَظيرَ لهذا فيُقاسُ عليه.
والصَّحِيحُ، أنّه أجْنَاسٌ باخْتِلافِ أُصُولِه.
ووَجْهُ

..................................  قَوْلِ الخِرَقِيِّ، أنَّه اشْتَرَكَ في الاسمِ الواحِدِ حال حُدُوثِ الرِّبَا فيه، فكان جِنْسًا واحِدًا، كالطَّلْعِ.
والصَّحِيحُ، ما ذَكَرْنا.
وما ذَكَرَه من الدَّلِيل مُنْتَقِضٌ بعَسَلِ النَّحْلِ وعَسَلِ القَصَبِ، وغيرِ ذلك.
فعَلى هذا، لَحْمُ الإِبِلِ كُلُّه صِنْفٌ، بَخَاتِيِّها وعِرابِها، والبَقَرُ عِرابُها وجَوامِيسُها صِنْفٌ، والغَنَمُ ضَأنها ومَعْزُها جِنْسٌ 1. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَا صِنْفَينِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى سَمَّاهَا في الأزْوَاجِ الثّمانِيَةِ، ققال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَينِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَينِ﴾ 2. فَفَرَّقَ بَينَهُما، كما فَرَّق بينَ الإِبِل والبَقَرِ، فقال: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَينِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَينِ﴾ 3. والوَحْشُ أصنَافٌ؛ بَقَرُها صِنْفٌ، وغَنَمُها صِنْفٌ، وظِباؤها صِنْفٌ، وكُلُّ ما لَه اسْمٌ يخُصُّه فهو صِنْفٌ.
والطَّيرُ أَصْنَافٌ، كُلُّ ما انْفَرَدَ باسْم وصِفةٍ فهو صِنْفٌ، فيَجُوزُ أنْ يُباعَ لَحْمُ صِنْفٍ بلَحْمِ صِنْفٍ آخَرَ، مُتَفَاضِلًا ومُتماثِلًا، ويُبَاعُ بصِفَةٍ 4 مُتَماثِلًا، ومَنْ جَعَلَها صِنْفًا واحِدًا، لم يُجِزْ بَيعَ لَحْمٍ بلَحْمٍ إلَّا 5 مُتَماثِلًا.

..................................  فصل: وفي اللَّبَن رِوَايَتَانِ؛ إحْداهُما، هو جِنْسٌ واحِدٌ؛ لما ذَكَرنا في اللَّحْمِ.
والثانِيَةُ، هو أجنَاسٌ باخْتِلَافِ أُصُولِه، كاللَّحْمِ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
وقال مالِكٌ: لَبَنُ الأَنْعَامِ كُلِّها جِنْسٌ واحِدٌ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لَبَنُ البَقَرِ الأهْلِيَّةِ والوَحْشِيَّةِ جِنْسٌ واحِدٌ على الرِّوَايَاتِ كُلِّها، لأنَّ اسْمَ البَقَرِ يَشْمَلُهُمَا 1. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ لَحْمَهما جِنْسانِ، فكان لَبَنُهما جِنْسَينِ، كالإِبِلِ والبَقَرِ.
ويَجُوزُ بَيعُ اللَّبَنِ بغَيرِ جِنْسِه مُتَفاضِلًا،

وَاللَّحْمُ والشَّحْمُ وَالْكَبِدُ أَجْنَاسٌ.
وكيف شاءَ، يَدًا بِيَدٍ، وبجِنْسِه مُتماثِلًا كَيلًا، ولا فرقَ بين أنْ يَكُونَا حَلِيبَينِ أو حامِضَينِ، أو أحَدُهما حَلِيبًا والآخَرُ حامِضًا؛ لأنَّ تَغَيُّرَ الضفَةِ لا يَمْنَعُ جوازَ البَيعِ، كالجَوْدَةِ والرَّداءَةِ.
وإنْ شِيبَ أحَدُهُما بماءٍ أو غيرِه، لم يَجُزْ بَيعُه بخَالِصٍ ولا بمَشُوبٍ من جِنْسِه، وسَنَذْكُرُ ذلك.

1681 -

مسألة: (واللَّحمَ والشَّحْمُ والكَبِدُ أجْنَاسٌ)

اللَّحْمُ والشَّحْمُ جِنْسَانِ، والكَبِدُ جِنْسٌ 1, والطِّحَالُ جِنْسٌ (1)، والقَلْبُ جِنْسٌ، والمُخُّ جِنْسٌ.
ويَجُوزُ بَيعُ جِنْسٍ بجِنْسٍ آخرَ مُتَفاضِلًا.

..................................  وقال القاضِي: لا يَجُوزُ بَيعُ اللَّحْمِ بالشَّحْمِ.
وكَرِهَ مالِكٌ ذلك، إلَّا أنْ يَتَمَاثَلَا.
وظاهِرُ المَذْهَبِ إباحَةُ البَيعِ فيهما مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا.
وهو قَوْلُ أبي حَنِيفةَ، والشّافِعِيِّ؛ لأنهُما جِنْسَانِ، فجازَ التَّفَاضُلُ فيهما، كالذَّهَبِ والفِضَّةِ.
فإن مُنِعَ منه لكَوْنِ اللَّحْمِ لا يَخْلُو من شَحْم، لم

..................................  يَصِحَّ؛ لأنَّ الشَّحْمَ لا يَظْهَرُ، وإنْ كان فيه شيءٌ فهو غيرُ مَقْصُودٍ، فلا يَمْنَعُ البَيعَ، ولو مَنَعَ لِذَلك، لم يَجُزْ بَيعُ لَحْمٍ بلَحْمٍ؛ لاشْتِمالِ كُلِّ واحِدٍ منهما على ما ليس من جِنْسِه.
ثم لا يَصِحُّ هذا عند القاضِي، لأنَّ السَّمِينَ الذي يكونُ مع اللَّحْمِ عنده لَحْمٌ، فلا يُتَصَوَّرُ اشْتِمَالُ اللَّحْمِ عَلَى الشَّحْمِ.
وذَكَرَ القَاضِي، أنَّ الأبيَضَ الذي 1 ظَاهِرَ اللَّحْمِ الأحْمَرِ، هو والأحْمَرُ جنْسٌ واحِدٌ، وأنَّ الأليَةَ والشَّحْمَ جِنْسَانِ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّ كُلَّ ما هو أبيَضُ في الحَيَوانِ، يَذُوبُ بالإِذَابَةِ، ويَصِيرُ دُهْنًا،

..................................  فهو جِنْسٌ واحِدٌ.
قال شَيخُنا 1: وهو الصَّحِيحُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى؛ لقَوْلِه سبحانه: (حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا) 2. فاسْتَثْنَى ما حَمَلَتِ الظُّهُورُ من الشَّحْمِ، ولأنَّه يُشْبِهُ الشَّحْمَ في لَوْنِه وذَوْبِه ومَقْصِدِه، فكان شَحْمًا، كالذي في البَطْنِ.

وَلَا يَجوزُ بَيعُ لَحْمٍ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ.
وَفِي بَيعِهِ بِغَيرِ جِنْسِهِ وَجْهَانِ.

1682 - مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيعُ لَحْم بحَيَوانٍ من جِنْسِه. وفي بَيعِه بغيرِ جِنْسِه وَجْهانِ)

لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنّه لا يَجُوزُ بَيعُ اللَّحْمِ بحَيَوانٍ من جِنْسِه.
وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وقَوْلُ الفُقَهاءِ السَّبْعَةِ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ، أنَّه لا يَجُوزُ بَيعُ اللَّحْم بحَيوانٍ مُعَدٍّ للَّحْمِ، ويَجُوزُ بغَيرِه.
وقال أبو حَنِيفة: يَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لأنه باعَ مال الرِّبَا بما لا

..................................  رِبًا فيهِ، أشْبَهَ بَيعَ الحَيَوانِ بالدَّراهِمِ، أو بِلَحْمٍ من غيرِ جِنْسِه.
ولَنا، ما رَوَى مالِكٌ 1، عن زَيدِ بنِ أسْلَمَ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيعَ اللَّحْمَ بالحَيَوانِ.
قال ابنُ عبدِ البَر: هذا أحْسَنُ أسانِيدِه.
ورُوِيَ 2 أنّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أنْ يُباعَ حَيٌّ بمَيِّتٍ.
ذَكَرَه الإِمامُ أحمدُ 3. ورَوَى ابنُ عَبّاسٍ أنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ، فجاءَ رَجُل بعَنَاقٍ، فقال: أعْطُونِي جُزْءًا بهذا العَناقِ.
قال أبو بَكْرٍ: لا يَصْلُحُ هذا 4. قال الشّافِعِيُّ: لا أعْلَمُ مُخالِفًا لأَبِي بَكْر في ذلك.
وقال أبو الزِّنادِ: كُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ يَنْهَى عن بَيعِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ.
ولأنَّ اللَّحْمَ نوْع فيه الرِّبَا بِيعَ بأَصْلِه الذي فيه منه، فلم يَجُزْ، كبَيعِ السِّمْسِمِ بالشَّيرَجِ، وبهذا فارَق ما قاسُوا عليه.
فأمّا بَيعُه بحَيَوانٍ من غيرِ جِنْسِه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ والخِرَقِيِّ أنّه لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرْنا من الأحَادِيثِ.
واخْتَارَ القاضِي جَوازَهُ.

جارٍ التحميل