وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ لِغَرَضِ التَّمَلُّكِ.
كِتابُ البَيْعِ
البَيْعُ (مُبادَلَةُ المالِ بالمالِ) تَمْلِيكًا، وتَمَلُّكًا.
واشْتِقاقُه: مِن الباعِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن المُتَبايِعَيْن يَمُدُّ باعَه لِلْأَخْذِ والإِعْطاءِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما كان يُبايعُ صاحِبَه، أي يُصَافِحُه عند البَيْعَ؛ ولذلك سُمِّىَ البَيْعُ صَفْقَةً.
والأصْلُ في جَوازِه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ، فقَوْلُه سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ 1. وقَوْلُه تعالى:
..................................
﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ 1. وقَوْلُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ 2. وقَوْلُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ 3. قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، كانت عُكاظٌ، ومَجَنَّةُ، وذو المَجازِ، أسْواقًا في الجاهِلِيَّةِ، فلمّا كان الإِسْلامُ تَأَثَّمُوا فيه، فأُنْزِلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
يَعْنِى: في مَواسِمِ الحَجِّ.
وعن ابنِ الزُّبَيرِ نَحْوُه 4. رَواه البُخارِىُّ 5.
..................................
وأمّا السُّنَّةُ، فقَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ورَوَى رِفاعَةُ، أنَّه خَرَجَ مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المُصَلَّى، فرَأى النَّاسَ يَتَبايَعُون، فقال: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ».
فاسْتَجابُوا لرسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وَرَفَعُوا أعْناقَهُم وأبْصارَهم إليه، فقال: «إنَّ التُّجَّارَ يُبعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إلَّا مَنْ بَرَّ وَصَدَقَ».
قال التِّرْمِذِىُّ 2: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَلَهُ صُورَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ؛ فَيَقُولُ الْبَائِعُ: بعْتُكَ.
أَوْ: مَلَّكْتُكَ.
وَنَحْوَهُمَا، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِى: ابْتَعْتُ.
صَحِيحٌ.
في أحادِيثَ كثيرَةٍ سِوَى هذه.
وأجْمَعَ المسلمون على جَوازِ البَيْعِ في الجُمْلَةِ، والحِكْمَة تَقْتَضِيه؛ لأنَّ حاجَةَ الإِنْسانِ تَتَعَلَّق بما في يَدِ صاحِبِه، ولا يَبْذُلُه صاحِبُه بغيرِ عِوَض، ففى تَجْوِيزِ البَيْعِ طَرِيقٌ إلى وُصُولِ كلِّ واحِدٍ منهما إلى غَرَضِه ودَفعِ حاجَتِه.
1548 -
مسألة: (وله صُورَتان؛ إحْداهما، الإِيجابُ والقَبُولُ)
فالإِيجابُ، أن (يَقولَ البائِعُ: بِعْتكَ.
أو: مَلَّكْتُكَ.
أو
أَوْ: قَبِلْتُ.
وَمَا في مَعْنَاهُمَا، فَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ الإِيجَابَ، جَازَ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
نَحْوَهما).
والقَبُولُ، أن (يَقُولَ المُشْتَرِى: ابْتَعْتُ.
أو: قَبِلْتُ.
أو ما في مَعْناهما.
فإن تَقَدَّمَ القَبُولُ الإِيجابَ، جاز في إحْدَى الرِّوايَتَيْن) إذا تَقَدَّمَ القَبُولُ الإِيجابَ بلَفْظِ الماضِى، كقَوْلِه: ابْتَعْتُ مِنكَ.
فقال: بِعْتُكَ.
صَحَّ، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّ لَفْظَ القَبُولِ والإِيجَابِ وُجِدَ منهما على وَجْهٍ تَحْصُلُ منه الدَّلالَةُ على ترَاضِيهِما، فيَصِحُّ، كما لو تَقَدَّمَ الإِيجابُ.
والثّانِيَةُ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلم يَصِحَّ مع تَقَدُّمِ القَبُولِ، كالنِّكاحِ، ولأنَّ القَبُولَ مَبْنِىٌّ على الإيجَابِ، فإذا لم يَتَقَدَّمِ الإِيجابَ فقد
..................................
أتَى بالقَبُولِ في غيرِ مَحَلِّه، فوُجُودُه كعَدَمِه.
فإن تَقَدَّمَ بلَفْظِ الطَّلَبِ، فقال: بِعْنِى ثَوْبَكَ بكذا.
فقال: بِعْتكَ.
ففيه رِوايَتان أيضًا؛ إحْداهما، يَصِحُّ؛ لِما ذَكرنا.
وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ.
والثانِيَةُ، لا يَصِحُّ.
وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لو تَأخَّرَ عن الإِيجابِ، لم يَصِحَّ به البَيْعُ، فلم يَصِحَّ إذا تَقَدَّمَ، كلَفْظِ الاسْتِفْهامِ، ولأنَّه عَقْدٌ عَرِىَ عن القَبُولِ، فلمْ يَنْعَقِدْ، كما لَوْ لم يَطْلُبْ.
فأمّا إن تَقَدَّمَ بلَفْظِ الاسْتِفْهامِ، مِثْلَ أن يَقُول: أتَبِيعُنِى ثَوْبَكَ بكذا؟ فيَقُولُ: بِعْتُك.
لَمْ يَصِحَّ بحالٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإِيجَابِ، صَحَّ مَا دَامَا في الْمَجلِسِ وَلَمْ
وبه يَقُولُ أبو حَنِيفَةَ، والشافعىُّ.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم؛ لأنَّ ذلك لَيْسَ بقَبُوَلٍ ولا اسْتِدْعاءٍ.
1549 -
مسألة: (وإن تَراخَى القَبُولُ عن الإِيجابِ، صَحَّ ما داما
يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالثّانِيَةُ، الْمُعَاطَاةُ، مِثْلَ أن يَقُولَ: أعْطِنِى بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا.
فَيُعْطِيَهُ مَا يُرْضِيهِ.
أو يَقُولَ الْبَائِعُ: خُذْ هَذَا بِدِرْهَم.
فَيَأْخُذَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِى: لَا يَصِحُّ هَذَا إِلَّا في الشَّئِ الْيَسِيرِ.
في المَجْلِسِ ولم يَتَشاغَلا بما يَقْطَعُه، وإلَّا فلا) لأنَّ حالَةَ المَجْلِس كحالَةِ العَقْدِ؛ بدَلِيلِ أنَّه يَكْتَفِى بالقَبْضِ فيه لِما يَشْتَرِطُ قَبْضَه.
فإن تَفَرَّقا عن المَجْلِسِ، أو تَشاغَلا بما يَقْطَعُه، لم يَصِحَّ؛ لأن العَقْدَ إنَّما يتمُّ بالقَبُولِ، فلم يَتِمَّ مع تَباعُدِه عنه، كالاسْتِثْناءِ، والشَّرْطِ، وخَبَرِ المُبْتَدَأ الَّذى لا يَتِمُّ الكَلَامُ إلَّا به.
1550 -
مسألة: (الثّانِيَةُ، المُعاطاةُ)
وهو (أن يَقُولَ: أعْطِنى بهذا الدِّينارِ خُبْزًا.
فيُعْطِيَه ما يُرْضِيهِ.
أو يَقُولَ البائِعُ: خُذْ هذا بدِرْهَمٍ.
فيَأْخُذَه.
وقال القاضِى: لا يَصِحُّ هذا إلَّا في الشَّئِ اليَسِيرِ) نَصَّ أحمدُ على صِحَّةِ هذا البَيْعِ، في مَن قال لخَبّازٍ: كيف تَبِيعُ الخُبْزَ؟ قال: كذا بدِرْهَمٍ.
قال: زِنْهُ، وتَصَدَّقْ به.
فإذا وَزَنَه، فهو عليه.
وقَوْلُ مالِكٍ نَحْوٌ مِن هذا، فإنَّه قال: يَقَعُ البَيْعُ بما يَعْتَقِدُه النّاسُ بَيْعًا.
وقال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يَصِح في خَسائِسِ الأشْياءِ.
وهو قَوْلُ القاضِى؛ لأنّ العُرْفَ
..................................
إنَّما جَرَى به في الشَّىْءِ اليَسِيرِ.
ومَذْهَبُ الشافعىِّ، أنَّ البَيْعَ لا يَصِحُّ إلَّا بإيجابٍ وقَبُولٍ.
وذَهَب بَعْضُ أصْحابِه إلى مِثْلِ قَوْلِنا.
ولَنا، أن اللَّهَ تعالى أحَلَّ البَيْعَ، ولمْ يُبَيِّن كَيْفِيَّته، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فيه إلى العُرْفِ، كما رُجِعَ إليه في القَبْضِ والإِحْرازِ والتَّفْرِيقِ، والمُسْلِمُون في أسْواقِهم وبِياعاتِهم على ذلك، ولأنّ البَيْعَ كان مَوجُودًا بينَهم مَعْلُومًا عندَهم، وإنَّما عَلَّقَ الشَّرْعُ عليه أحْكامًا، وأبْقاه على ما كان، فلا يَجُوزُ تَغْيِيرُه بالرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ، ولَمْ يُنْقَلْ عن النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا عن أصْحابِه -مع كثْرةِ وُقُوعِ البَيْعِ بينَهم- اسْتِعْمالُ الإِيجابِ والقَبُولِ، ولو اسْتَعْمَلُوا ذلك في بِياعاتِهم لنُقِلَ نَقْلًا شائِعًا، ولو كان ذلك شَرْطًا، لوَجَبَ نَقْلُه، ولَمْ يُتَصَوَّرْ منهم إهْمالُه والغَفْلَةُ عن نَقْلِه، ولأنَّ البَيْعَ مِمّا تَعُمُّ به البَلْوَى، فلو اشْتُرِطَ الإِيجابُ والقَبُولُ لبَيَّنَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَيانًا عامًّا، ولم يَخْفَ حُكْمُه؛ لأنَّه يُفْضِى إلى وُقُوعِ العُقُودِ الفاسِدَةِ كَثِيرًا، وأكْلِهمُ المالَ بالباطِلِ، ولم يُنْقَلْ ذلك عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أحدٍ مِن أصْحابِه، فيما عَلِمْناه، ولأنَّ النّاسَ يَتَبايَعُون بالمُعاطاةِ في كلِّ عَصْرٍ، ولم يُنْقَلْ إنْكارُه قبلَ مُخالِفِينا، فكان إجْماعًا،
..................................
ولأنَّ الإِيجابَ والقَبُولَ إنَّما يُرَادانِ للدَّلالَةِ [على التَّراضِى] 1، فإذا وُجِدَ ما يَدُلُّ عليه مِن المُساوَمَةِ والتَّعاطِى، قام مَقامَهما، وأجْزَأ عنهما؛ لعَدَمِ التَّعَبُّدِ فيه.
فصل: وكذلك الحُكْمُ في الإِيجابِ والقَبُولِ، في الهِبَةِ والهَدِيَّةِ والصَّدَقَةِ، فإنَّه لم يُنْقَلْ عنِ النبى -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أحَدٍ مِن أصْحابِه اسْتِعْمالُ ذلك فيه، وقد أُهْدِىَ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن الحَبَشَةِ وغيرِها، وكان
..................................
النّاسُ يَتَحَرَّوْن بهَداياهم يومَ عائِشَةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ورَوَى البُخارِىُّ 2 عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، إذا أُتِى بطَعامٍ سَأل عنه: «أهَدِيَّة أمْ صَدَقَةٌ؟».
فإن قِيلَ: صَدَقَةٌ.
قال لأصْحابِه: «كُلُوا».
ولم يَأْكُلْ، وإن قِيلَ: هَدِيَّةٌ.
ضَرَب بيَدِه، فأكَلَ معهم.
وفى حديثِ سَلْمانَ 3، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حينَ جاء إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بتَمْرٍ، فقال: هذا شَىْءٌ مِن الصَّدَقَةِ، رَأيتُك أنت وأصْحابَكَ أحَقَّ النّاسِ به.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لأصْحابِه: «كُلُوا».
ولم يَأْكُلْ، ثم أتاه ثانِيَةً بتَمْرٍ، فقال: رَأيْتُك لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وهذا شَىْءٌ أهْدَيْتُه لك.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «بِسْم اللَّهِ».
وأكَلَ.
ولم يُنْقَلْ قَبُولٌ، ولا أمْرٌ بإيجابٍ.
وإنَّما سَأل ليَعْلَمَ، هل
فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أَحَدُهَا، التَّرَاضِى بِهِ؛ وَهُوَ أنْ يَأْتِيَا بِهِ اخْتِيَارًا، فَإنْ كَانَ أحَدُهُمَا مُكْرَهًا، لَمْ يَصِحَّ،
هو صَدَقَةٌ أو هَدِيَّةٌ؟ ولو كان الإِيجابُ والقَبُولُ شَرْطًا في هذه العُقُودِ لشَقَّ ذلك، ولكانت أكْثَرُ العُقُودِ فاسِدَةً، وأكْثَرُ أمْوالِهم مُحَرَّمَةً.
وهذا ظاهِرٌ إن شاء اللَّهُ تعالى.
(
فصل
) قال، رَضِىَ اللَّهُ عنه: (ولا يَصِحُّ البَيْعُ إلَّا بشُرُوطٍ سَبْعَةٍ؛ أحَدُها، التَّراضِى به؛ وهو أن يَأْتِيا به اخْتِيارًا) لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
(فإنْ كان أحَدُهما مُكْرَهًا، لمْ
إلَّا أَنْ يُكْرَهَ بِحَقٍّ؛ كَالَّذِى يُكْرِهُهُ الْحَاكِمُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ.
يَصِحَّ) لعَدَمِ الشَّرْطِ (إلَّا أن يُكْرَهَ بحَقٍّ؛ كالذى يُكْرِهُه الحاكِمُ على بَيْعِ مالِه لوَفاءِ دَيْنِه) فيَصِحُّ؛ لأنَّه قَوْلٌ حُمِلَ عليه لحقٍّ، فصَحَّ، كإسْلامِ المُرْتَدِّ.
فَصْلٌ: الثَّانِى، أَنْ يَكُونَ العَاقِدُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ؛ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ، (
فصل
: الثّانِى، أن يَكُونَ العاقِدُ جائِزَ التَّصَرُّفِ؛ وهو المُكَلَّفُ الرَّشِيدُ) فلا يَصِحُّ مِن غيرِ عاقِلٍ؛ كالطِّفْلِ، والمَجْنُونِ، والمُبَرْسَمِ، والسَّكْرانِ، والنّائِمِ؛ لأنَّه قولٌ يُعْتَبَرُ له الرِّضا، فلم يَصِحَّ مِن غيرِ عاقِلٍ، كالإِقْرارِ.
وسَواءٌ
إِلَّا الصَّبِىَّ الْمُميِّزَ، وَالسَّفِيهَ؛ فَإنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا بِإذْنِ وَلِيِّهِمَا، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِلَّا في الشَّىْءِ الْيَسِيرِ.
أذِنَ له وَلِيُّه، أو لم يَأذَنْ.
فأمّا (الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، والسَّفِيهُ، فيَصِحُّ تَصَرُّفُهما بإذْنِ ولِيِّهما، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
ولا يَصِحُّ بغَيْرِ إذْنِهما، إلَّا في الشئِ اليَسِيرِ) يَصِحُّ تَصَرُّفُ الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ، بالبَيْعِ والشِّراءِ فيما أذِنَ له الوَلِىُّ فيه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وهو قولُ أبى حَنِيفة.
والأُخْرَى، لا يَصِحُّ حتى يَبْلُغَ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فأشْبَهَ غيرَ المُمَيِّزِ.
ولأنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الوُقُوفُ منه على الحَدِّ الذى يَصِحُّ به التَّصَرُّفُ؛ لخَفائِه وَتَزايُدِه تَزَايُدًا خَفِىَّ التَّدْرِيجِ، فجَعَلَ الشّارِعُ له ضابِطًا، وهو البُلُوغُ، فلا تَثْبُت له أحْكَامُ العُقَلاءِ قبلَ وجُودِ المَظِنَّةِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ 1. مَعْناهُ، اخْتَبِرُوهُم لتَعْلَمُوا رُشْدَهُمْ، وإنَّما يَتَحَقَّقُ ذلك بتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ إليهم مِن البَيْعِ والشِّراءِ؛ ليُعْلَمَ هل تَغَيَّرَ 2 أو لا، ولأنَّه عاقِلٌ مُمَيِّزٌ مَحْجُورٌ عليه، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُه بإذْنِ وَلِيِّه، كالعَبْدِ.
وفارَقَ غيرَ المُمَيِّزِ، فإنّه لا تَحْصُلُ له المَصْلَحَةُ بتَصَرُّفِه؛ لعَدَمِ تَمْيِيزِه ومَعْرِفَتِه، ولا حاجَةَ إلى اخْتِبارِه؛ لأنَّه قد عُلِمَ حالُه.
وقَوْلُهم: إنَّ العَقْلَ لا يُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليه.
..................................
قلنا: يُعْلَمُ ذلك بتَصَرُّفاتِه وجَرَيانِها على وَفْقِ المَصْلَحَةِ، كما يُعْلَمُ في حَقِّ البالِغِ، فإنَّ مَعْرِفَةَ رُشْدِه شَرْطٌ لدَفْعِ مالِه إليه وصِحَّةِ تَصَرُّفِه، كذا ههُنا.
فأمّا إنْ تَصَرَّفَ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه، إلَّا في الشئِ اليَسِيرِ.
وكذلك تَصَرُّفُ غيرِ المُمَيِّزِ؛ لِما رُوِى أنَّ أبا الدَّرْداءِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، اشْتَرَى مِن صَبِىٍّ عُصْفُورًا، فأرْسَلَه.
ذَكَرَه ابنُ أبى مُوسَى.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، ويَقِفَ على إجازَةِ الوَلِىِّ.
وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ.
وهو مَبْنِىٌّ على تَصَرُّفِ الفُضُولِىِّ، وسَنَذْكُرُه، إنْ شاء اللَّهُ تعالى.
وكذلك الحُكْمُ في تَصَرُّفِ السَّفِيهِ بإذْنِ وَلِيِّه، فيه رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فمَلَكَه بالإِذْنِ، كالنِّكاحِ، وقِياسًا على الصَّبِىِّ المُمَيِّزِ، يُحَقِّقُ هذا أنَّ الحَجْرَ على الصَّبِىِّ أعْلَى مِن الحَجْرِ عليه، فههُنا أوْلَى بالصِّحَّةِ، ولأنَّنا لو مَنَعْنا تَصَرُّفَه بالإِذْنِ، لم يَكُنْ لنا طَرِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ رُشْدِه واخْتِبارِه.
..................................
والثانِيَةُ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحَجْرَ عليه لتَبْذِيرِه وسُوءِ تَصَرُّفِه، فإذا أذِنَ له، فقد أذِنَ فيما لا مَصْلَحَةَ فيه، فلم يَصِحَّ، كما لو أذِنَ له في بَيْعِ ما يُساوِى عَشْرَةً بخَمْسَةٍ.
وللشافعىِّ وَجْهان كهاتين.
ويَصِحُّ تَصَرُّفه في الشئِ اليَسِيرِ، كالصَّبِىِّ.
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَالًا؛ وَهُوَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَيَجُوزُ بَيْعُ الْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، وَدُودِ الْقَزِّ وَبَزْرِهِ، وَالنَّحْلِ مُنْفرِدًا، وَفِى كُوَارَاتِهِ.
(
فصل
، الثّالِثُ، أن يَكونَ المَبِيعُ مَالًا؛ وهو ما فيه مَنْفَعَةٌ مُباحَةٌ لغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فيَجُوزُ بَيْعُ البَغْلِ، والحِمارِ، ودُودِ القَزِّ وبَزْرِه، والنَّحْلِ مُنْفَرِدًا، وفى كُواراتِه) 1 قَوْلُه: لغيرِ ضَرُورَةٍ.
احْتِرازٌ مِن المَيْتَةِ، والمُحَرَّماتِ التى تُباحُ في حالِ المَخْمَصَةِ، والخَمْرُ يُباحُ دَفْعُ اللُّقْمَةِ بها، فكُلُّ عَيْنٍ مَمْلُوكَةٍ يَجُوزُ اقْتِناؤْها والانْتِفَاعُ بها في غيرِ حالِ
..................................
الضَّرُورَةِ، يَجُوزُ بَيْعُها، إلَّا ما اسْتَثْناهُ الشَّرْعُ، كالكَلْبِ، وأُمِّ الوَلَدِ، والوقفِ؛ لأنَّ المِلْكَ سَبَبُ إطْلاقِ التَّصَرُّفِ.
والمَنْفَعَةُ المُبَاحَةُ يُباحُ له اسْتِيفاؤُها 1، فجاز له أخْذُ عِوَضِها، وأُبِيِحَ لغَيْرِه بَذْلُ مالِه فيها تَوَصُّلًا إليها، ودَفْعًا لحاجَتِه بها، كسائِرِ ما أُبِيحَ نفْعُه، وسَواءٌ في ذلك ما كان طاهِرًا؛ كالثِّيَابِ، والعَقارِ، وبَهِيمَةِ الأنْعامِ، والخَيْلِ، والصَّيُودِ 2، أو مُخْتَلَفًا في نَجاسَتِه؛ كالبَغْلِ، والحِمارِ.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
ويَجُوزُ بَيْعُ الجَحْشِ الصَّغِيرِ، والفَهْدِ الصَّغِيرِ، وفَرْخِ البازِى إذا قلْنَا بجَوازِ بَيْعِها؛ لأنَّه يُنْتَفَعُ به في المالِ، فأشْبَهَ طِفْلَ العَبِيدِ.
..................................
فصل: ويَجوزُ بَيْعُ دُودِ القَزِّ وبَزْرِه 1. وقال أبو حنيفةَ: إن كان مع دُودِ القَزِّ قَزٌّ، جاز بَيْعُه، وإلَّا فلا؛ لأنَّه لا يُنْتَفَعُ بعَيْنِه، فهو كالحَشَراتِ.
وقِيلَ: لا يَجُوزُ بَيْعُ بَزْرِه (1). ولَنا، أنّه حَيَوانٌ طاهِرٌ، يَجُوزُ اقْتِناؤُه لتملُّك ما يَخْرُجُ منه، أشْبَهَ البَهائِمَ، ولأنَّ الدُّودَ وبَزْرَه طاهِرٌ، مُنْتَفَعٌ به، فجاز بَيْعُه، كالثَّوْبِ.
وقولُه: لا يُنْتَفَعُ بعَيْيه.
يَبْطُلُ بالبَهائِمِ التى لا يَحْصُلُ منها نَفْعٌ سِوَى النِّتاجِ، ويُفارِقُ الحَشَراتِ التى لا نَفْعَ فيها أصْلًا، فإنَّ نَفْعَ هذه كَثِيرٌ؛ لأنَّ الحَرِيرَ الذى هو أشْرَفُ الملابِسِ إنَّما يَحْصُلُ منها.
..................................
فصل: ويَجُوزُ بَيْعُ النَّحْلِ إذا شاهَدَها مَحْبُوسَةً، بحيث لا يُمْكِنُها أن تَمْتَنِعَ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَجُوزُ بَيْعُها مُنْفَرِدَةً؛ لِما 1 ذَكَر في دُودِ القَزِّ.
ولَنا، أنَّه حَيَوانٌ طاهِرٌ، يَخْرُجُ مِن بَطنِه شَرابٌ فيه مَنافِعُ للنّاسِ، فجاز بَيْعُه، كبَهِيمَةِ الأنْعامِ.
واخْتَلَفَ أصْحابُنا في بَيْعِها في كُوَاراتِها، فقال القاضِى: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ مُشاهَدَتُها جَمِيعِها، ولأنَّها لا تَخْلُو مِن عَسَلٍ يكونُ مَبِيعًا معها، وهو مَجْهُولٌ.
وقال أبو الخَطّابِ: يَجُوزُ بَيْعُها في كُوَاراتِها، ومُنْفَرِدَةً عنها، فإنّه يُمْكِنُ مُشَاهَدَتُها في كُوَاراتِها إذا فُتِحَ رَأْسُها، ويُعْرَفُ كَثْرَتُه مِن قِلَّتِه، وخَفاءُ بَعْضِه لا يَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِه، كالصُّبْرَةِ، وكما لو كان في وِعاءٍ، فإنّ بَعْضَه يكونُ على بَعْضٍ، فلا يُشاهَدُ إلَّا ظاهِرُه، والعَسَلُ يَدْخُلُ في البَيْعِ تَبَعًا، فلا تَضُرُّ جَهالَتُهِ، كأَساساتِ
..................................
الحِيطانِ.
فإن لم يُمْكِنْ مُشاهَدَتُه؛ لكَوْنِه مَسْتُورًا بأقْراصِه، ولم يُعْرَفْ، لم يَجُزْ بَيْعُه لجَهالَتِه.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْهِرِّ، وَالْفِيل،
فصل: وفى بَيْعِ العَلَقِ (1) التى يُنْتَفَعُ بها، كالتِى تُعَلَّقُ على صاحِبِ الكَلَفِ (2)، فَتَمُصُّ الدَّمَ، والدِّيدانِ التى تُتْرَكُ في الشِّصِّ، فيُصادُ بها السَّمَكُ، وَجْهان؛ أصَحُّهما جَوازُ بَيْعِها؛ لحُصُولِ نَفْعِها، فهى كالسَّمَكِ.
والثّانِى، لا يَجُوزُ بَيْعُها؛ لأنَّها لا يُنتفَعُ بها إلَّا نادِرًا، فأشْبَهَت ما لا نَفْعَ فيه.
1551 -
مسألة: (ويَجُوزُ بَيْعُ الهِرِّ، والفِيلِ،
12
وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِى تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، إِلَّا الْكَلْبَ.
اخْتَارَهَا الْخِرَقِىُّ.
وَالأُخْرَى، لَا يَجُوزُ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وسِباعِ البَهائِمِ التى تَصْلُحُ للصَّيْدِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، إلَّا الكَلْبَ.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ.
والأُخْرَى، لا يَجُوزُ.
اخْتارَها أبو بَكْرٍ) يَجُوزُ بَيْعُ الهِرِّ.
وبه قال ابنُ عباسٍ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وعن أحمدَ، أنَّه كَرِه ثَمَنَها.
ورُوِىَ ذلك عن أبى هُرَيْرَةَ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وجابرِ ابنِ زيدٍ.
اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لِما روَى مُسْلِمٌ 1 عن جابِرٍ، أنَّه سُئِلَ عن ثَمَن السِّنَّوْرِ، فقال: زَجَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك.
وفى لَفْظٍ، أنَّ النبىَّ
..................................
- صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن ثَمَنِ السِّنَّوْرِ.
رَواه أبو داودَ 1. ولَنا، أنَّه حَيَوانٌ يُباحُ اقْتِنَاؤُه مِن غيرِ وعِيدٍ في حَبْسِه، فجازَ بَيْعُه، كالبَغْلٍ والحِمارِ، ويُمْكِنُ حَمْلُ الحَدِيثِ على غيرِ المَمْلُوكِ منها، وعلى ما لا نفعَ فيه منها، بدَلِيل ما ذَكَرنا.
فصل: ويَجُوزُ بَيْعُ الفِيلِ، وسِباعِ البَهائِمِ، والطَّيْرِ الذى يَصْلُحُ للصَّيْدِ؛ كالفَهْدِ والصَّقْرِ والبَازِى والعُقابِ، والطَّيْرِ المَقْصُودِ صَوْرتُه؛ كالهَزَارِ 2 والبُلْبُلِ والببغَةِ، وأَشْباهِ ذلك.
وبهذا قال الشافِعِىُّ.
وقال أبو بكرٍ عبدُ العزِيزِ، وابنُ أبى موسى: لا يَجُوزُ بَيْعُ الفَهْدِ والصَّقْرِ والفِيلِ ونحوِها؛ لأنَّها نَجِسَةٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كالكَلْبِ.
ولَنا، أنّه حَيَوانٌ يُباحُ
..................................
اقْتِناؤُه مِن غيرِ وعيدٍ في حَبْسِه، فأُبِيحَ بَيْعُه، كالبَغْلِ والحمارِ.
وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بالبَغْلِ والحمارِ، وحُكْمُهما حُكْمُ سِباعِ البَهائِمِ في الطَّهارَةِ والنَّجَاسَةِ وإباحَةِ الاقْتِناءِ والانْتِفاعِ.
وأَمَّا الكَلْبُ، فإنَّ الشَّرْعَ تَوَعَّدَ على اقْتِنائِه وحَرَّمَهُ، إلَّا في حالِ الحاجَةِ، فَصَارَتْ إبَاحَتُه ثابتَةً بطرَيقِ الضَّرُورَةِ، ولأنَّ الأصْلَ إباحَةُ البَيْعِ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ 1. خرجَ 2 منه ما اسْتَثْناهُ الشَّرْعُ لمعانٍ غيرِ مَوْجُودَةٍ في هذا،
..................................
فَيَبْقَى على أَصْلِ الإِبَاحَةِ.
فإن كان الفَهْدُ والصَّقْرُ ونحوُهما ليس بمُعَلَّمٍ، ولا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لعَدَمِ النَّفْعِ به.
وإن أمْكَنَ تَعْلِيمُه، جازَ بَيْعُه؛ لأنَّ مآله إلى الانْتِفاعِ، أشْبَهَ الجَحْشَ الصَّغِيرَ.
فأمّا ما يُصادُ عليه، كالبُومَةِ التى يَجْعَلُها 1 شُبَاشًا 2؛ لتَجْمَعَ الطَّيْرَ إليها، فَيَصِيدَه الصَّيّادُ، فيَحْتَمِلُ جوازُ بَيْعِها للنَّفْعِ الحاصِلِ منها، ويَحْتَمِلُ المَنْعُ؛ لأنَّ ذلك مَكْرُوهٌ لِما فيه مِن تَعْذِيبِ الحَيَوانِ.
وكذلك اللَّقْلَقُ 3 ونحوُه.
..................................
فصل: فأمَّا بَيْضُ ما لا يُؤْكَلُ لَحْمُه مِن الطَّيْرِ، فإنْ لم يَكُنْ فيه نَفعٌ، لم يَجُزْ بَيْعُه، طاهِرًا كان أو نَجِسًا.
وإن كان يُنْتَفَعُ به، بأن يَصِيرَ فَرْخًا، وكان طاهِرًا، جازَ بَيْعُه؛ لأَنَّه طاهِرٌ مُنْتَفعٌ به، أَشبَهَ أصْلَه، وإن كان نَجِسًا، كبَيْضِ البازِىِّ والصَّقْرِ ونَحوِه، فحُكْمُه حُكْمُ فَرْخِه.
وقال القاضِى: لا يَجُوزُ بَيْعُه؛ لنَجَاسَتِه، وكَوْنِه لا يُنْتَفَعُ به في الحالِ.
وما ذَكَرَ مُلْغًى بفَرْخِه، وبالجَحْش الصَّغِيرِ.
فصل: قال أحمدُ: أكْرَهُ بيعَ القِرْدِ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا مَحْمُولٌ على بَيْعِه للإِطافَةِ به واللَّعِبِ.
فأَمَّا بَيْعُه لمَنْ يَنْتَفِعُ به لحِفْظِ المَتَاعِ والدُّكَّانِ ونحوِه، فَيَجُوزُ، لأَنَّه كالصَّقْرِ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وقِياسُ قَوْلِ أبى بَكْر وابنِ أبى مُوسَى المَنْعُ مِن بَيْعِه مُطْلَقًا.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ وَالْمَرِيضِ.
وَفِى بَيْع الجَانِى والْقَاتلِ في الْمُحَارَبَةِ، وَلَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ وَجْهَانِ.
1552 - مسألة: (ويَجُوزُ بَيْعُ العَبْدِ المُرْتَدِّ والمَرِيضِ. وفى بَيْعِ الجانِى والقاتِلِ في المُحارَبَةِ، ولَبَنِ الآدَمِيّاتِ وَجْهانِ)
حُكْمُ بيْعِ المُرْتدِّ حُكْمُ القاتِل؛ في صِحَّةِ بَيْعِه، وسائِر أحْكَامِهِ.
وبَيْعُه جائِزٌ؛ لأنَّ قَتْلَه غيرُ مُتَحَتِّمٍ؛ لاحْتِمالِ رُجُوعِه إلى الإِسْلامِ، ولأَنَّه مَمْلُوكٌ مُنْتَفعٌ به، وخَشْيَةُ هَلاكِه لا تَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِه، كالمَرِيضِ، فإنّا لا نَعْلَمُ خِلافًا في صِحَّةِ بَيْعِ المَرِيضِ.
فصل: ويَصِحُّ بَيْعُ العَبْدِ الجانِى، في أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، سَواءٌ كانت
..................................
جِنَايَتُه عَمْدًا أو خَطَأً، على النَّفْسِ أو ما دُونَها، مُوجِبَةً للقِصَاصِ أو غيرَ مُوجِبَةٍ.
وبهذا قال أبو حَنِيفةَ، والشّافِعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ.
وقال في الآخرِ: لا يَصِحُّ بَيْعُه؛ لأنَّه تَعَلَّقَ برَقَبَتِه حَقُّ آدَمِىٍّ، فمَنَعَ صِحَّةَ بَيْعِه، كالرَّهْنِ، بل حَقُّ الجِنايَةِ آكَدُ؛ لأنَّها تُقَدَّمُ على حَقِّ المُرْتهِنِ.
ولَنا، أَنّه حَقٌّ غيرُ مُسْتَقِرٍّ في الجانِى، يَمْلِكُ أَداءَه مِن غيرِه، فلم يَمْنَعِ البَيْعَ، كالزَّكَاةِ، أو حَقٌّ ثَبَتَ بغيرِ رِضَا سَيِّدِه، فلم يَمْنَعْ بَيْعَه، كالدَّيْنِ في ذِمَّتِه، أو تَصرُّفٌ في الجَانِى، فجازَ، كالعِتْقِ.
وإنْ كان الحَقُّ قِصاصًا، فهو يُرْجَى سَلَامَتُه
..................................
ويُخْشَى تَلَفُه، وذلك لا يَمْنَعُ، كالمريضِ.
أَمّا الرَّهْنُ، فإنَّ الحَقَّ مُتَعَلِّقٌ فيه، لا يَمْلِكُ سَيِّدُه إبْدالَه، ثَبَتَ الحَقُّ فيه برِضَاهُ وَثِيقَةً للدَّيْنِ، فلو أَبْطَلَه بالبَيْعِ، سَقَطَ حَقُّ الوَثِيقَةِ الذى الْتَزَمَه برِضَاهُ واخْتِيارِه.
فصل: فأمَّا القَاتِلُ في المُحارَبَةِ، فإنْ تابَ قبلَ القُدْرَةِ عليه، فهو كالجانِى.
وإن لم يَتُب حتى قُدِرَ عليه، فقال أبو الخَطّابِ: هو كالقَاتِل في غيرِ مُحارَبَةٍ؛ لأَنَّه عَبْدٌ قِنٌّ يَصِحُّ إعْتاقُه، ويَمْلِكُ اسْتِخْدامَه، فصَحَّ بَيْعُه كغَيْرِ القاتِلِ، ولأنَّه يُمْكِنُه الانْتِفَاعُ به إلى حينِ قَتْلِه، ويَعْتِقُه فيجُرُّ به ولاءَ أوْلادِه، فجازَ بَيْعُه، كالمَرِيضِ المَأْيُوسِ مِن بُرْئِه.
وقال القاضِى: لا يَصِحُّ بَيْعُه؛ لأنَّه تَحَتَّمَ قَتْلُه وإتْلافُه وإذْهابُ مالِيَّتِه، وحَرُمَ إبْقاؤُه، فَصارَ بمَنْزِلَةِ ما لا يُنْتَفَعُ به مِن الحَشَرَاتِ والمَيْتاتِ، وهذه المَنْفَعَةُ
..................................
اليَسِيرَةُ مُفْضِيَةٌ به إلى قَتْلِه، لا يَتَمَهَّدُ بها مَحلًّا للبَيْعِ، كالمَنْفَعَةِ الحاصِلَةِ مِن المَيْتَةِ لسَدِّ رَمَقٍ، أو إطْعامِ كَلْبٍ.
والأوَّلُ أصَحُّ، فإنّه كان مَحلًّا للبَيْعِ، والأصْلُ بَقاءُ ذلك فيه، وانْحِتامُ إتْلافِه لا يَجْعَلُه تالِفًا؛ بدَلِيل أنَّ أَحْكامَ الحيَاةِ من التَّكْلِيفِ وغيرِه لا تَسْقُطُ عنه، ولا تَثْبُتُ أحْكامُ المَوْتَى له؛ مِن إِرثِ ما لِه، ونُفُوذِ وَصِيَّتِه، وغيرِها، ولأنَّ خُرُوجَه عن حُكْمِ الأصْلِ لا يَثْبُتُ إلَّا بدَلِيلٍ، ولا نَصَّ فيه ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الحَشَراتِ والمَيْتاتِ؛ لأنَّ تلك لم يكُنْ فيها مَنْفعَةٌ فيما مَضَى، ولا في الحالِ، وعلى أنّ هذا التَّحَتُّمَ 1 يُمْكِنُ زَوالُه؛ لزَوالِ ما يَثْبُتُ به؛ مِن الرُّجُوعِ عن الإِقْرارِ، والرُّجُوعِ مِن الشُّهودِ، ولو لم يُمْكِنْ
..................................
زَوالُه، فأَكْثَرُ ما فيه تَحَقُّقُ تَلَفِه، وهذا يَجْعَلُه كالمَرِيضِ المَأْيُوسِ مِن بُرْئِه، وبَيْعُه جائِزٌ.
فصل: فأمَّا بَيْعُ لَبَنِ الآدَمِيّاتِ، فَرُوِيَتِ الكراهَةُ فيه عن أحمدَ.
واخْتَلَفَ أصْحَابُنا في جَوازِه، [فظاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ جوازُه] 1. وهو قولُ ابنِ حامِدٍ، ومَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أصْحابِنَا إلى
وَفِى جَوَازِ بَيْعَ الْمُصْحَفِ وَكَرَاهَةِ شِرَائِهِ وَإِبْدَالِهِ، رِوَايَتَانِ.
تَحْرِيمِ بَيْعِه.
وهو مَذْهَبُ أبى حَنِيفَةَ، ومالِكٍ؛ لأنّه مائِعٌ خارِجٌ مِن آدَمِيَّةٍ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالعَرَقِ، ولأنَّهُ جُزْءٌ مِن آدَمِىٍّ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، أشبَهَ سائِرَ أجزائِه.
والأَوَّل أصَحُّ؛ لأنَّه طاهِرٌ مُنْتَفعٌ به، فجازَ بَيْعُه، كلَبَنِ الشّاةِ، ولأنَّه يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه في إجارَةِ الظِّئْرِ، فأَشْبَهَ المنافِعَ، ويُفارِقُ العَرَقَ، فإنَّه لا نَفْعَ فيه، ولذلك لا يُباعُ عَرَقُ الشَّاةِ، ويُبَاعُ لَبَنُها.
وسائِرُ أجْزاءِ الآدَمِىِّ يَجُوزُ بَيْعُها، فإنَّه يَجُوزُ بَيْعُ العَبْدِ والأمَةِ، وإِنّما حَرُمَ بَيْعُ الحُرِّ؛ لأنَّهُ غيرُ مَمْلُوكٍ، وحَرُمَ بَيْعُ العُضْوِ المَقْطُوعِ؛ لأَنَّه لا نَفْعَ فيه.
1553 -
مسألة: (وفى جَوازِ بَيْعِ المُصْحَفِ وكَراهَةِ شِرِائِه وإبْدالِه، رِوَايَتَانِ)
قال أحمدُ: لا أعْلَمُ في بَيْعِ المَصاحِفِ رُخْصَةً
..................................
ورَخَّصَ في شِرائِها، وقال: الشِّرَاءُ أهْوَنُ.
وممَّنْ كَرِهَ بَيْعَها ابنُ عمرَ، وابنُ عَبّاسٍ، وأبو مُوسَى، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وإسْحاقُ.
قال ابنُ عمرَ: ودَدْتُ أنَّ الأَيْدِىَ تُقْطَعُ في بَيْعِها 1. وقال أبو الخَطّابِ: يَجُوزُ بَيْعُ المُصْحَفِ، مع الكَرَاهَةِ.
وهى رِوَايَةٌ عن أحمدَ؛ لأنَّه مُنْتَفَعٌ به، فأَشْبَهَ سائِرَ كُتُبِ العِلْمِ.
وهل يُكْرَهُ شِراؤُه وإِبْدالُه؟ على رِوَايَتَيْنِ.
ورَخَّصَ
..................................
في بَيْعِها الحَسَنُ، والحَكَمُ، وعِكْرِمَةُ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لأنَّ البَيْعَ يَقَعُ على الوَرَقِ والجِلْدِ، وبَيْعُهُ مُبَاحٌ.
ولَنا، قَوْلُ الصَّحَابَةِ، ولم نَعْلَمْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم، ولأنَّه يَشْتَمِلُ على كَلامِ اللَّهِ تعالى، فَتَجِبُ صِيانَتُهُ عن البَيْعِ والإبتذالِ.
أمّا الشِّراءُ فهو أسْهَلُ؛ لأنَّه اسْتِنْقاذٌ للمُصْحَفِ، وبَذْلٌ لمالِه فيه، فجاز، كما جاز شراءُ رِباعِ مَكَّةَ واسْتِئْجارُ دُورها، ولم يُرَ بَيْعُها ولا أَخْذُ أُجْرَتِها.
وكذلك دَفْعُ الأجْرَةِ إلى الحجَّام لا يُكْرَهُ، مع كَراهِيَةِ كَسْبِه.
والرِّوَايَةُ الأُخْرَى، يُكْرَهُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ منه كلامُ اللَّهِ تَعالَى، فَيَجِبُ صِيانته عن الابتِذالِ، وفى جوازِ شرائِه التَّسَبُّبُ إلى ذلك والمعونةُ عليه.
ولا يَجُوزُ بَيْعُه لكافِرٍ، فإنِ اشْتَراهُ،
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ، وَالْمَيْتَةِ، وَلَا شَىْءٍ مِنْهُمَا، وَلَا سِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِى لَا تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ،
فالبَيْعُ باطِلٌ.
وبه قال الشَّافِعِىُّ.
وقال أصْحابُ الرَّأْى: يَجُوزُ، ويُجْبَرُ على بَيْعِه؛ لأَنَّه أهْل للشِّراء، والمُصْحَفُ مَحَلٌّ له.
ولنا، أَنَّه يُمْنَع مِن اسْتِدَامَةِ المِلْكِ عليه، فمُنِعَ مِن ابْتِدَائِه، كسائِرِ ما لا يَجُوزُ بَيْعُه، وقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن المُسافرَةِ بالقُرْآنِ إلى أرضِ العَدُوِّ، مَخَافَةَ أنْ تَنَالَه أيْدِيهم (1). فلا يَجُوزُ تَمْكِينُهم مِن التَّوَسُّلِ إلى نيلِ أَيْدِيهم إيّاهُ.
1554 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ الحَشَرَاتِ، ولا المَيْتَةِ، ولا شئٍ منها، ولا سباعِ البَهائِمِ التى لا تَصْلُحُ للصَّيْدِ)
لا يَجُوزُ بَيْعُ المَيْتَةِ، ولا الخِنْزِيرِ، ولا الدَّمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على القَوْلِ به.
وذلك لِما رَوَى جابِرٌ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو بمَكَّةَ، يقولُ: «إنَّ اللَّهَ ورَسُولَه حَرَّمَ بَيْعَ المَيْتَةِ والخَمْرِ والخِنْزِيرِ والأصْنَامِ».1
وَلَا الْكَلْبِ، مُتَّفَقٌ عليه (1). ولا يَجُوزُ بَيْعُ ما لا نَفْعَ فيه، كالْحَشَرَاتِ كُلِّها، وسِباعِ البَهائِمِ التى لا تَصْلُحُ للاصْطِيادِ؛ كالأَسَدِ، والذِّئْبِ، وما لا يُؤْكَلُ ولا يُصادُ به مِن الطَّيْرِ؛ كالرَّخَمِ (2)، والحِدَأَةِ، والغُرَابِ الأَبْقَعِ، وغُرَابِ البَيْنِ، وبَيْضِها؛ لأنَّه لا نَفْعَ فيه، فَأَخْذُ ثَمَنِه أَكْلُ للمَالِ بالباطِلِ، ولأَنَّه ليس فيها نفْعٌ مُباحٌ، أَشْبَهَتِ الخِنْزِيرَ.
1555 -
مسألة: (ولا)
يَجُوزُ بَيْعُ (الكَلْبِ) أىَّ كَلْبٍ كَان، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا في المَذْهَبِ.
وبه قال الحَسَنُ، ورَبِيعَةُ، وحَمّادٌ، والشّافِعىُّ، وداودُ.
ورَخَّصَ في ثمنِ كَلْبِ الصَّيْدِ خاصَّةً جابِرُ بنُ عبدِ اللَّه، وعَطَاءٌ، والنَّخَعىُّ.
وأَجازَ أبو حَنِيفَةَ بَيْعَ الكِلاب كُلِّها وأخْذَ ثَمَنِها.
وعنه، بَيْعُ الكَلْبِ العَقورِ.
واخْتَلَفَ أصْحابُ مالكٍ، فقال قَوْمٌ: لا يَجُوزُ.
وقال قومٌ: يَجُوزُ بَيْعُ الكَلْبِ المَأْذُونِ في إمْساكِه، ويُكْرَهُ؛ لِمَا رُوِى عن جابِر أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن ثمَنِ الكَلْبِ والسِّنَّوْرِ، إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ 3. ولأنَّهُ يُباحُ الانْتِفاعُ به، ويَصِحُّ نَقْلُ اليَدِ فيه، والوَصِيَّةُ به،12
..................................
فصَحَّ بَيْعُه، كالحِمارِ.
ولَنا، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن ثَمَنِ الكَلْبِ، ومَهْرِ البَغِىِّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ.
مُتفَقٌ عليه 1. وعن رافِعِ بنِ خَدِيجٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ».
رَواهُ مسلمٌ 2. وعن ابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ
..................................
- صلى اللَّه عليه وسلم- عن ثَمَن الكَلْبِ، فإنْ جاءَ يَطْلُبُه فامْلَئُوا كَفَّهُ تُرابًا.
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّهَ حَيَوانٌ نُهِىَ عن اقْتِنائِه في غيرِ حالِ الحاجَةِ، أشْبَهَ الخِنْزِيرَ.
وأمّا حَدِيثُهم، فقال التِّرْمِذِىُّ: لا يَصِحُّ إسْنادُ هذا الحَدِيثِ.
وقال الدَّارَقُطْنِىُّ: الصَّحِيحُ أنّه مَوْقُوِفٌ على جابِرٍ.
وقال أحمدُ: هذا مِن الحَسَنِ بنِ أبى جَعْفرٍ، وهو ضَعِيفٌ.
فصل: ولا يَحِلُّ قَتْلُّ الكَلْبِ المُعَلَّمِ؛ لأنَّه مَحَلٌّ مُنْتَفَعٌ به، مُباحٌ اقْتِنَاوه، فَحَرُمَ إتْلافُه، كالشَّاةِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
ولا غُرْمَ على قاتِلِه.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ.
وقال مالِكٌ، وعَطَاءٌ: عليه الغُرْمُ؛ لِما ذَكَرْنَا في تَحْرِيمِ قَتْلِه.
ولَنا، أنّه مَحَل يَحْرُمُ أَخْذُ عِوَضِه؛ لخُبْثِه، فلم يَجِبْ غُرْمُه بإتْلافِه، كالخِنْزِيرِ، وإنّما حَرُمَ إتْلافُه؛ لِما فيه مِن الإِضْرارِ، وهو مَنْهِىٌّ عنه.
فأمّا قَتْلُ ما لا يُباحُ إمْساكُه مِن الكِلابِ، فإنْ كان أَسْوَدَ بَهِيمًا، أُبِيحَ قَتْلُه؛ لأنَّه شَيْطَان.
كما جاءَ في حدِيثِ أبى ذَرٍّ 2. ولِما رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لَوْلَا أنَّ الكِلابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بقَتْلِها، فاقْتُلُوا منها كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ» 3. وكَذلك يُباحُ قَتْلُ الكَلْبِ العَقُورِ؛ لِما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ رَسُول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: