الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 369-408

كِتَابُ الْحُدُودِ

صفحات 369-408

والثَّانِى، أَنْ لَا تَأْتِىَ بِوَلَدٍ يَجب نَفْيُهُ، أَوِ اسْتَفَاضَ زِنَاهَا في النَّاسِ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ ثِقَةٌ، وَرَأى رَجُلًا يُغرَفُ بِالْفُجُورِ يَدْخُلُ إِلَيْهَا، فَيُبَاحُ قَذْفُهَا، وَلَا يَجِبُ.
فلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِى شَئٍ، ولَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ، وأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ، وفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ».
رَواه أبو داودَ 1. وقولُه: «وهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْه».
يَعْنى يَرَاه منه، فكما حَرُمَ على المرأةِ أن تُدْخِلَ على قَوْمٍ مَن ليس منهم، فالرجُلُ مثلُها، وكذا لو أقَرَّت بالزِّنَى، ووَقَع في نَفْسِه صِدْقُها، فهو كما لو رَآها.
(الثانى أن لا تَأْتِىَ بولدٍ يَجِبُ نَفْيُه) مثلَ أن يَرَاها تَزْنِى، ولا تَأْتِىَ بولَدٍ يَلْحَقُه نَسَبُه، أو يكونَ ثَمَّ ولدٌ لكن لا يعلمُ أنَّه مِن الزِّنَى (أو اسْتَفاضَ زِنَاها في الناسِ، أو أخْبَرَه به ثِقَةٌ، ورَاى رجلًا يُعْرَفُ بالفُجُورِ يَدْخُلُ إليها، فيُبَاحُ قَذْفُها) لأنَّه يَغْلِبُ على ظَنِّه فُجورُها (ولا يجبُ) لأنَّه يُمْكِنُه

..................................  مُفارَقَتُها.
وقد روَى عَلْقمَةُ، [عن عبدِ اللَّه] 1 أنَّ رجُلًا أتَى النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال له: أرأيتَ رجُلًا وَجَد مع امرأتِه رجُلًا فتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوه، أو قَتَل قَتَلْتُمُوه، أو سَكَتَ سَكَتَ على غَيْظٍ 2. فذَكَرَ أنَّه يَتَكَلَّمُ أو يَسْكُتُ، فلم يُنْكِرْ عليه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والسكوتُ ههُنا أوْلَى إن شاء اللَّه تعالى، لأنَّه أسْتَرُ، ولأَنَّ قَذْفَها يَلْزَمُ منه أن يَحْلِفَ أحَدُهما كاذِبًا، أو يُقِرَّ فيَفْتَضِحَ 3. فصل: ولا يجوزُ قَذْفُها بخَبَرِ مَن لا يُوثَقُ بخَبَرِه، لأنَّه غيرُ مَأمُونٍ على الكذِبِ عليها، ولا برُؤيته رجلًا خارِجًا مِن عندِها، مِن غيرِ أن يَسْتَفِيضَ زِنَاها؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ دَخَل سارِقًا، أو هارِبًا، أو لحاجَةٍ،

وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ يُخَالف لَوْنُهُ لَوْنَهُمَا، لَمْ يُبَحْ نَفْيُهُ بِذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ إِبَاحَتُهُ.
أو لغَرَضٍ فاسدٍ، فلم تُمَكِّنْه، ولا لاسْتِفاضَةِ ذلك في الناسِ مِن غيرِ قَرِينةٍ تدُلُّ على صِدْقِهِم؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ أعْداؤُها أشاعُوا ذلك عنها.
وفيه وَجْهٌ، أنَّه يجوزُ؛ لأَنَّ الاسْتِفاضَةَ أقْوَى مِن خَبَرِ الثِّقَةِ.

4439 -

مسألة: (وإن أتَتْ بوَلَدٍ يُخَالِفُ لَوْنُه لوْنَهما، لم يُبَحْ نَفْيُه بذلك. وقال أبو الخَطَّابِ: ظاهِرُ كَلَامِه إباحَتُه)

إذا أتَتْ بولدٍ يُخالِفُ لوْنُه لوْنَهما، ويُشْبِهُ رجلًا غيرَ والدَيْه، لم يُبَحْ نَفْيُه بذلك؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: جاءَ رجلٌ [مِن بَنِى فَزارةَ] 1 إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: إنَّ امْرأتِى جاءت بوَلَدٍ أَسْوَدَ.
يُعَرِّضُ بنَفْيِه، فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قال: نعم.
قال: «فَمَا أَلْوَانُها؟» قال: حُمْرٌ.
قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أوْرَقَ؟».
قال: إنَّ فيهِا لوُرْقًا.
قال: «فَأنَّى أتَاهَا ذلِكَ؟» قال: عسى أن يكونَ نزَعَه عِرْقٌ.
قال: «وهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ».
قال: ولم يُرَخِّصْ له في الانْتِفاءِ منه.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولأَنَّ الناسَ كُلَّهم مِن آدَمَ وحَوَّاءَ، وألْوانُهم وخِلَقُهُم مُخْتَلِفَةٌ، ولَوْلَا مُخالَفَتُهُم شَبَهَ والِدَيْهِم، لَكانُوا على صِفَةٍ واحدةٍ، ولأَنَّ دَلَالَةَ الشَّبَهِ

..................................  ضَعِيفَةٌ، ودلالةَ وِلادَتِه على الفِرَاشِ قَويةٌ، فلا يجوزُ تَرْكُ القَوِىِّ لمُعارَضَةِ الضعيفِ، ولذلك لَمَّا تَنازَعَ سعدُ بنُ أبى وَقَّاص، وعَبْدُ بنُ زَمْعَةَ، في ابنِ 1 وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، ورَأَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- شَبَهًا بَينا بعُتْبَةَ، ألْحَقَ الولدَ بالفِرَاشِ وتَرَكَ الشَّبَهَ 2. وهذا اخْتِيارُ أبى عبدِ اللَّهِ ابنِ حامدٍ، وأحدُ الوَجْهَيْن لأصْحابِ الشافعىِّ.
وذَكَرَ القاضى، وأبو الخَطَّابِ، أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ جوازُ نَفْيِه.
وهو الوَجْهُ الثانى لأصْحابِ الشافعىِّ؛ لقوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديثِ اللِّعَانِ: «إنْ جَاءَتْ بِهِ أوْرَقَ جَعْدًا جُمَاليًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سابغ الألْيَتَيْن، فَهُو للَّذِى 3 رُمِيَتْ بِهِ».
فأتَتْ به على النَّعْتِ المَكْرُوهِ، فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْلَا الأيْمَانُ، لَكَانَ لِى وَلَهَا شَأْنٌ» 4. فجَعَلَ الشَّبَهَ دَلِيلًا على نَفْيِه عنه.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ.
وهذا الحديثُ إنَّما يَدُلُّ على نَفْيِه عنه، مع ما تَقَدَّمَ مِن لِعانِه ونَفْيِه إيّاهُ عن نَفْسِه، فجَعَلَ الشَّبَهَ مُرَجِّحًا 5 لقولِه ودليلًا على تَصْدِيقِه، وما تَقَدَّمَ مِن الأحادِيثِ يَدُلُّ على عَدَمِ اسْتِقْلالِ الشَّبَهِ 6 بالنَّفْى، ولأَنَّ هذا كان في موضِعِ زال الفِراشُ،

فَصْلٌ: وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ تَنْقَسِمُ إِلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ: يَا زَانى، يَا عَاهِرُ، زَنَى فَرْجُكَ.
وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمَا يُحِيلُهُ.
وَإِنْ قَالَ يَالُوطِىُّ، أَوْ: يَا مَعْفُوجُ.
وانْقَطَعَ نَسَبُ الولدِ عن صاحِبِه، فلا يَثْبُتُ مع بَقاءِ الفِرَاشِ المُقْتَضِى لُحُوقَ النَّسَبِ بصاحِبِه.
وإن كان يَعْزِلُ عن امرأتِه، لم يُبَحْ له نَفْيُه؛ لِما روَى أبو سعيدٍ أنَّه قال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نُصِيبُ النِّساءَ، ونُحِبُّ الأثْمانَ، أفَنَعْزِلُ عَنْهُنَّ؟ فقال: «إِنَّ اللَّهَ إذَا قَضَى خَلْقَ نَسمَةٍ خَلَقَهَا» (1). ولأنَّه قد يَسْبِقُ مِن الماءِ ما لا يُحِسُّ به فيَعْلَقُ.

فصل

: قال رَحِمَه اللَّهُ: (وألْفاظُ القَذْفِ تَنْقَسِمُ إلى صَرِيحٍ وكِنايةٍ، فالصَّرِيحُ قولُه: يا زانِى، يا عاهِرُ، زَنَى فَرْجُك.
ونحوُه ممَّا لا يَحْتَمِلُ غيرَ القَذْفِ، فلا يُقْبَلُ قولُه بما يُحِيلُه) لأنَّه صَرِيحٌ فيه، فأشْبَهَ التَّصْرِيحَ بالطَّلاقِ.
4440 -

مسألة: (وإن قال: يَا لُوطِىُّ. أو: يا مَعْفُوجُ

2. فهو1

فَهُوَ صَرِيحٌ.
صَرِيحٌ) في المَنْصُوصِ عن أحمدَ، وعليه الحَدُّ إذا قَذَفَه بعملِ قومِ بُوطٍ، إمَّا فاعِلًا أو مَفْعولًا به، فعليه حَدُّ القَذْفِ.
وبه قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ [بنُ الحسنِ] 1، وأبو ثَوْرٍ.
وقال عَطاءٌ، وقَتادَةُ، وأبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليه.
لأنَّه قَذَف بما لا يُوجِبُ الحَدَّ عندَه، وعندَنا هو مُوجِبٌ للحَدِّ، وقد بَيَّنَّاه فيما مَضَى.
وكذلك لو قَذَف امرأةً أنَّها وُطِئَتْ في دُبُرِها، أو قَذَف رجلًا بوَطْءِ امرأةٍ في دُبُرِها، فعليه الحَدُّ عندَنا، وعندَ أبى حنيفةَ، لا حَدَّ عليه، ومَبْنَى الخِلافِ ههنا على الخِلافِ في وُجوبِ حَدِّ الزِّنَى على فاعِلِ ذلك، وقد تَقَدَّمَ الكَلامُ فيه.
فإن قَذَف رجلًا بإتْيَانِ بَهِيمةٍ، انْبَنَى ذلك على وُجوبِ الحَدِّ على فاعِلِه، فمَن أوْجَبَ عليه الحَدَّ، أوْجَبَ حَدَّ القَذفِ على قاذِفِه 2، ومَن لا فلا.
وكلُّ ما لا يَجِبُ الحَدُّ بفِعْلِه، لا يجبُ الحَدُّ على القاذِفِ به، كما لو قَذَف إنْسانًا بالمُباشَرَةِ فيما دُونَ الفَرْجِ 3، أو بالوَطْءِ بالشُّبْهَةِ، أو قَذَف امرأةً بالمُساحَقَةِ، أو بالوَطْءِ مُسْتَكْرَهَةً، لم يَجِبِ

وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ.
فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
الحَدُّ على القاذِفِ؛ لأنَّه رَمَاه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَه باللَّمْسِ والنَّظَرِ.
وِكذلك لو قال: يا كافِرُ، يا فاسِقُ، يا سارِقُ، يا مُنافِقُ، يا فاجرُ، يا خبِيثُ، يا أعْوَرُ، يا أقْطَعُ، يا أعْمَى، يا مُقْعَدُ، يا ابنَ الزَّمِنِ الأَعْمَى الأعْرَجِ.
فلا حَدَّ عليه (1) في ذلك كلِّه؛ لأنَّه قَذَفَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فهو كما لو قال: يا كاذِبُ، يا نَمَّامُ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ، ولكنَّه يُعَزَّرُ لسَبِّ النَّاسِ وأذَاهُم، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَ مَن لا يُوجِبُ قَذْفُه الحَدَّ.

4441 -

مسألة: (فإن قال: أرَدْتُ)

بقَوْلِى: يا لُوطِىُّ (أنَّكَ مِن قَوْمِ لُوطٍ) فقال الخِرَقِىُّ: (لَا حَدَّ عليه.
وهو بَعِيدٌ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في ذلك، فروَى عنَه جَماعةٌ، أنَّه يَجِبُ عليه الحَدُّ1

وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ غَيْرَ إِتْيَانِ الرَّجُلِ.
احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
بقولِه: يا لُوطِىُّ.
ولا يُسْمَعُ تَفْسِيرُه بما يُحِيلُ القَذْفَ.
وهو اخْتِيارُ أبى بَكْرٍ.
ونحوَه قال الزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ.
والثانيةُ، لا حَدَّ عليه.
نَقَلَها المَرُّوذِىُّ.
ونحوَ هذا قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ.
قال الحسنُ: إذا قال: نَوَيْتُ أنَّ دِينَه دِينُ لُوطٍ.
فلا حَدَّ عليه.
وِإن قال: أردتُ أنَّه يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ.
فعليه الحَدُّ.
ووَجْهُ ذلك، أنَّه فَسَّرَ كَلامَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فلم يَجِبْ عليه حَدٌّ، كما لو فَسَّرَه به مُتَّصِلًا بكَلامِه.
وعن أحمدَ، رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّه إذا كان في غَضَبِه، قال: إنَّه لأهْلٌ أن يُقامَ عليه الحَدُّ؛ لأَنَّ قَرِينَةَ الغَضَبِ تَدُلُّ على إرادَةِ القَذْفِ، بخلافِ حالِ الرِّضا.
والصَّحِيحُ في المذهبِ الرِّوايةُ الأُولَى؛ لأَنَّ هذه الكَلِمَةَ لا يُفْهَمُ منها إلَّا القَذْفُ بعَمَلِ قومِ لُوطٍ، فكانتْ صريحةً فيه، كقولِه: يا زَانِى.
ولأَنَّ قومَ لُوطٍ لم يَبْقَ منهم أحَدٌ، فلا يَحْتَمِلُ أن يُنْسَبَ إليهم.

4442 -

مسألة: (فإن قال: أرَدْتُ أنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ غيرَ إتْيَانِ الرِّجَالِ. احْتَمَلَ وَجْهَيْن)

نحوَ أن يقولَ: أرَدْتُ أنَّك على دِينِ

..................................  لُوطٍ، أو أنَّك تُحِبُّ الصِّبْيانَ وتُقَبِّلُهم، أو تَنْظُرُ إليهم، أو أنَّكَ تَتَخَلَّقُ بأخْلاقِ قَوْمِ لُوطٍ في أنْدِيَتِهم، غيرَ إتْيانِ الفاحِشَةِ، أو أنَّكَ تَنْهَى عن الفاحِشَةِ كنَهْىِ لُوطٍ عنها.
أو نحوَ ذلك، خُرِّجَ في ذلك كلِّه وَجْهان؛ بناءً على الرِّوايَتَيْن المنْصُوصَتَيْن في المسألةِ المَذْكُورةِ؛ لأَنَّ هذا في مَعْناه.
فصل: وإن قال: يا مَعْفُوجُ.
فالمنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّ عليه الحَدَّ.
وكَلامُ الخِرَقِىِّ يَقْتضى أنَّه يُرْجَعُ إلى تَفْسِيرِه، فإن فَسَّرَه بغيرِ الفاحِشَةِ، مثلَ أن قال: أرَدْتُ يا مَفْلُوجُ، أو: مُصابًا دُونَ الفَرْجِ.
ونحوَ ذلك، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه فَسَّرَه بما لا حَدَّ فيه، وإن فسَّرَه بعَمَلِ قومِ لُوطٍ، فعليه الحَدُّ، كما لو صَرَّحَ به.
ووَجْهُ القَوْلَيْن ما تَقَدَّمَ في التى قبلَها.

وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِ فُلَانٍ.
فَقَدْ قَذَفَ أُمَّهُ.

4443 - مسألة: (وإن قال: لَسْتَ بوَلَدِ فُلانٍ. فقد قَذَف أُمَّه)

إذا نَفَى رجلًا عن أبِيه، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه قَذَفَ أُمَّه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
إلَّا أنَّه يُسْأَلُ عمَّا أرادَ، فإن فَسَّرَه بالقَذْفِ، فهو قاذِفٌ، وإن كان مَنْفِيًّا باللِّعانِ، ثم اسْتَلْحَقَه أبُوه، فهو قَذْفٌ أيضًا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن لم يَكُنِ اسْتَلْحَقَه، فلا حَدَّ؛ لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَفَى الولدَ المَنْفِىَّ باللِّعانِ عن أبيه، إلَّا أن يُفَسِّرَه بأنَّ أُمَّه زَنَت، فيكونُ قاذِفًا، وإن لم يكُنْ كذلك، فهو قَذْفٌ في الظَّاهِرِ للأُمِّ؛ لأنَّه لا يكونُ لغيرِ أبيه إلا بزنَى أُمِّه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يكونَ قَذْفًا؛ لأنَّه يجوزُ أن يُرِيدَ أنَّك لا تُشْبِهُه في كَرَمِه وأخْلاقِه.
وكذلك إنْ نَفاه عن قَبِيلَتِه.
وبهذا قال النَّخْعىُّ، وإسْحاقُ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وحَمَّاد، إذا نَفاه عن أَبيه 1 وكانت أُمُّه مُسْلِمَةً حُرَّةً، وإن كانت ذِمِّيَّةً أو رَقِيقَةً، فلا حَدَّ عليه؛ لأَنَّ القَذْفَ لها.
ووَجْهُ الأَوَّلِ ما روَى الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كان يقولُ: لَا أُوتَى

وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِى.
فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
برَجُلٍ يَقُولُ: إنَّ كِنَانَةَ لَيْسَتْ مِنْ قُرَيْشٍ.
إلَّا جَلَدْتُه (1). وعن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: لا جَلْدَ إلَّا في اثْنَتَيْن؛ رجلٌ قَذَف مُحْصَنَةً، أو نَفَى رجلًا عن أبِيه (2). وهذا لا يَقُولُه إلَّا تَوْقِيفًا.
فأمَّا إن نَفاه عن أُمِّه، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه لم يَقْذِفْ أحَدًا بالزِّنَى، وكذلك إن قال: إن لم تَفْعَلْ كذا، فلسْتَ بابنِ فُلانٍ.
لأَنَّ القَذْفَ لا يَتَعَلَّقُ بالشَّرْطِ.
قال شيخُنا (3): والقِياسُ يَقْتَضِى أن لا يَجِبَ الحَدُّ بنَفْىِ الرجلِ عن قَبِيلَتِه؛ لأَنَّ ذلك لا يَتَعَيَّنُ فيه الرَّمْىُ بالزِّنَى، فأشْبَهَ ما لو قال للأعْجَمِىِّ: إنَّك (4) عَرَبِىٌّ.

4444 -

مسألة: (وإن قال: لَسْتَ بوَلَدِى. فعلى وَجْهَيْن)

أحدُهما، أنَّه يكونُ قَذْفًا لها؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ ولَدَه، كان لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو قال لأجْنَبِىٍّ: لستَ بوَلدِ فُلانٍ.
فإنَّه يكونُ قَذْفًا لأُمِّه، كذا ههُنا.1234

وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ أَزْنَى النَّاسَ.
أَوْ: أَزْنَى مِنْ فُلَانَةَ.
والثانى، لا يكونُ قاذِفًا.
قاله القاضى؛ لأَنَّ للرجلِ أن يُغَلِّظَ لوَلدِه في القَوْلِ والفِعْلِ.

4445 -

مسألة: (وإن قال: أنتَ أَزْنَى النَّاسِ، أو أزْنَى مِن فُلانَةَ)

فهو قاذِفٌ له؛ لأنَّه أضَافَ إليه الزِّنَى بصِفَةِ المُبَالَغَةِ.
وهذا قولُ أبى بَكْرٍ.
وأمَّا الثانى، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يكونُ قاذِفًا له 1. اخْتارَه القاضى؛ لأنَّه أضافَ الزِّنَى إليهما، وجَعَل أحدَهما فيه أبْلَغَ مِن الآخَرِ، فإنَّ لَفْظَةَ أفعلِ التَّفْضِيلِ تَقْتَضِى اشْتِراكَ المَذْكُورَيْن في أصلِ الفِعْلِ، وتَفْضِيلَ أحَدِهما على الآخَرِ فيه، كقولِه: أجْوَدُ مِن حاتمٍ.
والثانى، يكونُ قاذفًا للمُخاطَبِ خاصَّةً؛ لأَنَّ لَفْظَةَ أفْعَلَ تُسْتَعْمَلُ للمُنْفَرِدِ بالفِعْلِ، كقولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ 2. وقال تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ 3. وقال لُوطٌ: ﴿بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ 4. أى مِن أدْبارِ

أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِيَةُ.
أَوْ لِامْرأةٍ: يَا زَانِى.
أَوْ قَالَ: زَنَتْ يَدَاكَ وَرِجْلَاكَ.
فَهُوَ صَرِيحٌ في الْقَذْفِ في قَوْلِ أبى بَكْرٍ.
وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ عِنْدَ ابْنِ حَامَدٍ.
الرجالِ، ولا طَهارَةَ فيهم.
وقال الشافعى، وأصحابُ الرَّأْى: ليس بقَذْفٍ للأوَّلِ ولا للثانى، إلَّا أن يُرِيدَ به القَذْفَ.
وهو قولُ ابنِ حامِدٍ.
ولَنا، أنَّ مَوْضوعَ اللَّفْظِ يَقْتَضِى ما ذَكَرْنا، فحُمِلَ عليه، كما لو قال: أنتَ زَانٍ.

4446 -

مسألة: (وإن قال لرجلٍ: يا زَانِيَةُ. أو لامرأةٍ: يا زانِى. أو قال: زَنَت يَدَاكَ ورِجْلَاكَ. فهو صَرِيحٌ في القَذْفِ، في قولِ أبى بكرٍ، وليس بصَرِيحٍ عندَ ابنِ حامِدٍ)

أمّا إذا قال لرجلٍ: يا زانِيَةُ.
أو لامرأةٍ: يا زانِى.
فاخْتارَ أبو بكرٍ، أنَّه صَرِيح في قَذْفِهما.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
واخْتارَ ابنُ حامدٍ أنَّه ليس بقَذْفٍ، إلَّا أن يُفَسِّرَه به.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُريدَ بقولِه: يا زانِيَةُ.
أى يا عَلَّامَةُ في الزِّنَى.
كما يُقالُ للعالمِ: عَلَّامَةٌ.
وللكَثِيرِ الرِّوايَةِ: رَاوِيَةٌ.

..................................  ولكثيرِ الحِفْظ: حُفَظَةٌ.
ولَنا، أنَّ ما كان قَذْفًا لأحَدِ الجِنْسَيْن، كان قَذْفًا للآخَرِ، كقولِه: زَنَيْت.
بفَتْحِ التَّاءِ وبكسرِها لهما جميعًا، ولأَنَّ هذا اللَّفْظَ خِطابٌ لهما 1، وإشارَة إليهما بلفظِ الزِّنى، وذلك يُغْنِى عن التَّمْييزِ بتاءِ التأنيثِ وحَذْفِها.
ولذلك 2 لو قال للمرأةِ: يا شخصًا زانِيًا.
وللرجلِ: يا نَسَمَةً زانِيَةً.
كان قاذِفًا.
وقولُهم: إنَّه يريدُ بذلك أنَّه عَلَّامَةٌ في الزِّنى.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ ما كان اسْمًا للفعلِ إذا دَخَلَتْه الهاءُ كانت للمُبالَغةِ، كقولِهم: حُفَظَة.
[في الحِفْظِ] 3، وراويَةٌ.
للمُبالَغَةِ في الرِّوايةِ.
كذلك هُمَزَةٌ ولُمَزَةٌ وصُرَعَةٌ.
ولأَنَّ كثيرًا مِن الناسِ يُذَكِّرُ المُؤَنَّثَ، ويُؤَنِّثُ المُذَكَّرَ، ولا يَخْرُجُ بذلك عن كوْنِ المُخاطَبِ به مُرادًا بما يُرادُ باللَّفْظِ الصَّحيحِ.
وإن قال: زَنَتْ يَداكَ.
أو: رِجلاكَ.
لم يَكُنْ قاذِفًا في ظاهرِ المذهبِ.
وهو قولُ ابنِ حامدٍ؛ لأَنَّ زِنَى هذه الأعْضاءِ

وَإِنْ قَالَ زَنَأْتَ في الْجَبَلِ.
مَهْمُوزًا، فَهُوَ صَرِيحٌ عِنْدَ أبى بَكْرٍ.
وَقَالَ ابَنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا.
وَإِنْ لَمْ  لا يُوجب الحَدَّ، بدَليلِ قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَاليَدَانِ تَزْنِيانِ وَزِنَاهُمَا البَطْشُ، والرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وزِنَاهُمَا المَشْىُ، ويُصَدِّقُ ذلِك (1) الفَرْجُ أو يُكَذِّبُه» (2). وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يكونُ قذفًا؛ لأنَّه أضافَ الزِّنَى إلى عُضْوٍ منه، فأشْبَهَ ما لو أضافَه إلى الفَرْجِ.
والأَوْلَى أن يُرْجَعَ إلى تَفسِيرِه.

4447 -

مسألة: (وإن قال: زَنَأْتَ فِى الجَبَلِ. مَهْمُوزًا، فهو صَرِيحٌ عندَ أبِى بكرٍ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ، فليس

12

يَقُلْ: في الْجَبَلِ.
فَهَلْ هُوَ صَرِيحٌ أوْ كَالَّتِى قَبْلَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
بِصَرِيحٍ) إذا قال: زَنَأْتَ في الجبلِ.
بالهَمْزِ، فهو صَرِيحٌ عندَ أبى بكرٍ، وأبى الخَطَّابِ؛ لأَنَّ عامَّةَ النَّاسِ لا يَفْهَمُون مِن ذلك إلَّا القَذْفَ، فكان قَذْفًا، كما لو قال: زَنَيْتَ.
وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان عامِّيًّا، فهو قَذْفٌ؛ لأنَّه لا يُريدُ به إلَّا القَذْفَ، وإن كان مِن أهلِ العربيَّةِ، لم يَكُنْ قَذْفًا؛ لأَنَّ مَعْناه في العربيَّةِ، طَلَعْتَ، كقولِ الشاعرِ 1: وَارْقَ إلى الخيْرَاتِ زَنْأً في الجبل فالظاهِرُ أنَّه يُرِيدُ مَوْضُوعَه.
ولأصحابِ الشافعىِّ في كَوْنِه قَذْفًا وَجْهان.
وإن قال: زَنَأْتَ.
ولم يَقُلْ: في الجبلِ.
فالحكمُ فيه كالتى قبلَها.
وقال الشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: ليسن بقَذْفٍ.
قال الشافعىُّ: ويُسْتَحْلَفُ على ذلك.
ولَنا، أنَّه إذا كان عامِّيًّا لا يَعْرِفُ مَوْضُوعَه في اللغةِ، تَعَيَّنَ مُرادُه في القَذْفِ، ولم يُفْهَمْ منه سِوَاه، فوَجَبَ أن يكونَ قَذْفًا، كما لو فسَّرَه بالقَذْفِ، أو لحَن لَحْنًا غيرَ هذا.

..................................  فصل: إذا قال لرجل: زَنَيْتَ بفلانةَ.
كان قاذِفًا 1 لهما.
وقد نُقِلَ عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّه سُئِلَ عن رجل قال لرجل: يا ناكِحَ أُمِّه.
ما عليه؟ قال: إن كانتْ أُمُّه حَيَّةً، فعليه للرجلِ حَدٌّ، ولأُمِّه حَدٌّ.
وقال مُهَنَّا: سألتُ أبا عبدِ اللَّه إذا قال الرجلُ للرجلِ: يا زَانِىَ ابنَ الزَّانِى؟ قال: عليه حَدَّان.
قلتُ: أبلَغَكَ في هذا شئٌ؟ قال: مَكْحُولٌ قال: فيه حَدَّان.
وإن أقَرَّ إنْسانٌ أنَّه زَنَى بامرأةٍ، فهو قاذِفٌ لها، سَواءٌ لَزِمَه حَدُّ الزِّنَى بإقْرارِه أو لم يَلْزَمْه.
وبهذا قال ابنُ المُنْذِرِ، وأبو ثَوْرٍ.
ويُشْبهُ مذْهبَ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَلْزَمُه حَدُّ القَذْفِ؛ لأنَّه 2 يُتَصَوَّرُ منه الزِّنَى بغيرِ زِنَاها، لاحْتِمالِ أن تكونَ مُكْرَهَةً، أو مَوْطوءَةً بشُبْهَةٍ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ رجلًا مِن بكرِ بنِ لَيْثٍ، أتَى النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فأقَرَّ أنَّه زَنى بامرأةٍ أرْبَعَ مَرَّاتٍ، فجلَدَه النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- مائةً، وكان بِكْرًا،

..................................  ثم سألَه البَيِّنَةَ على المرأةِ، فقالت 1: كَذَبَ واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ.
فجَلَدَه حَدَّ الفِرْيَةِ ثمانينَ 2. والاحْتِمالُ الذى ذَكَرَه لا يُنافِى الحَدَّ، بدليلِ ما لو قال: يا نايِكَ أُمِّه.
فإنَّه يَلْزَمُه الحَدُّ، مع احْتِمالِ أن يكونَ فَعَل ذلك بشُبْهَةٍ.
وقد رُوِى عن أبى هُرَيْرَةَ أنَّه جَلَد رجلًا قال لرجلٍ ذلك 3. ويَتَخرَّجُ لنا مثلُ 4 قولِ أبى حنيفةَ، بِناءً على ما إذا قال لامرأتِه: يا زانيةُ.
فقالتْ: بك زَنيتُ.
فإنَّ أصحابَنا قالوا: لا حَدَّ عليها في قولِها: بكَ زَنَيْتُ؛ لاحْتمالِ وُجودِ الزِّنَى منه 5 مع كَوْنِه واطِئًا بشُبْهَةٍ.
ولا يجبُ الحَدُّ عليه؛ لتَصْدِيقِها إيَّاه.
وقال الشافعىُّ: عليه الحَدُّ دُونَها، وليس هذا بإقْرارٍ صَحِيحٍ.
ولَنا، أنَّها صَدَّقَتْه، فلم يَلْزَمْه حَدٌّ، كما لو [قالَتْ: صَدَقْتَ.
ولو قال: يا زانيةُ.
قالَتْ] 6: أنت أزْنَى مِنِّى.
فقال أبو بكرٍ: هى كالتى قبلَها في سُقوطِ الحَدِّ، ويَلْزَمُها له ههُنا حَدُّ القَذْفِ، بخِلافِ التى قبلَها، فإنَّها أضافَتِ الزِّنَى إليه، وفى التى قبلَها أضافَتْه إلى نَفْسِها.

وَالْكِنَايَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ لِامْرأَتِهِ: قَدْ فَضَحْتِهِ، وَغَطَّيْتِ، أَوْ: نَكَسْتِ رَأْسَهُ، وَجَعَلْتِ لَهُ قُرُونًا، وَعَلَّقْتِ عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَفْسَدْتِ فِرَاشَهُ.
أَوْ يَقُولُ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: يَا حَلَالُ ابنَ الْحَلَالِ، مَا يَعْرِفُكَ النَّاسُ بِالزِّنَى وَالفُجورِ يَا عَفيفُ، أَوْ: يَا فَاجِرَةُ، يَا قَحْبَةُ، يَا خَبِيثَةُ.
أَوْ يَقَولُ لِعَرَبِىٍّ: يَا نَبَطِىُّ، يَا فَارِسِىُّ، يَا رُومِىُّ.
أو يَسْمَعُ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا فَيَقُولُ: صَدَقْتَ.
أَوْ: أَخْبَرَنِى فُلَان أنَّكَ زَنَيْتَ.
وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ، فَهَذَا كِنَايَةٌ، إِنْ فَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُ الْقَذْفِ، قُبِلَ قَوْلُهُ في أحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وفى الْآخَرِ، جَمِيعُهُ صَرِيحٌ.

4448 - مسألة: (والكنَايَاتُ نحوُ قولِه لامْرأتِه: قد فَضَحْتِه، وغَطَّيْتِ، أو: نَكَسْتِ رَأسَه، وجَعَلْتِ له قُرُونًا، وعَلَّقْتِ عَليه أوْلادًا مِن غيرِه، وأفْسَدْتِ فرَاشَه.
أو يَقُولُ لمَن يُخَاصِمُه: يا حَلَالُ ابنَ الحَلَالِ، ما يَعْرِفُكَ النَّاسُ بالزِّنى يا عفيفُ، أو: يَا فاجِرَةُ، يا قَحْبَةُ، يا خَبِيثَةُ.
أو يَقُولُ لعَرَبِىٍّ: يَا نَبَطِىُّ، يَا فَارِسِىُّ، يَا رُومِىُّ.
أو يَسْمَعُ رجلًا يَقْذِفُ رجلًا، فيَقُولُ: صَدَقْتَ، أو: أخْبَرَنِى فُلَانٌ أنَّكَ زَنَيْتَ.
وكَذَّبَه الآخَرُ.
فهذا كِنايَةٌ، إنْ فَسَّرَه بما يَحْتَمِلُه غيرُ القَذْفِ، قُبِلَ قَوْلُه في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وفى الآخَرِ، هذا كُلُّهُ صَرِيحٌ)

ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ،

..................................  أنَّ الحَدَّ لا يَجِبُ على القاذِفِ إلَّا باللَّفْظِ الصَّريحِ الذى لا يَحْتَمِلُ غيرَ القَذْفِ، وهو أن يقولَ: يا زَانى.
أو يَنْطِقَ باللَّفْظِ الحَقِيقِىِّ في الجِماعِ، فأمَّا ما عَداه مِن الألْفاظِ، فيُرْجَعُ فيه إلى تَفْسِيرِه، كما ذَكَرَه في قولِه: يا لُوطِىُّ، يا مَعْقُوجُ.
فلو قال لرجل: يا مُخَنَّثُ.
أو لامرأةٍ: يا قَحْبَةُ.
وفَسَّرَه بما ليس بقَذْفٍ، نحوَ أن يُرِيدَ بالمُخَنَّثِ أنَّ فيه طِباعَ التَّأْنيثِ والتَّشَبُّهَ بالنِّساءِ، وبالقَحْبَةِ أنَّها تَسْتَعِدُّ لذلك، فلا حَدَّ عليه، وكذلك إذا قال: يا فاجرَةُ، يا خَبِيثَةُ.
وحَكَى أبو الخَطَّابِ في هذا [رِوايةً أُخْرَى] 1، أنَّه كَلَّه صريحٌ، يجِبُ به الحَدُّ.
والصَّحِيحُ الأَوَّلُ.
قال أحمدُ في رِوايةِ حَنْبَلٍ: لا أرَى الحَدَّ إلَّا على مَن صَرَّحَ بالقَذْفِ والشَّتِيمَةِ 2. وقال ابنُ المُنْذِرِ 3: الحَدُّ على مَن نَصَب الحَدَّ 4 نَصْبًا.
ولأنَّه قولٌ يَحْتَمِلُ غيرَ الزِّنَى، فلم يَكُنْ صَرِيحًا في القَذْفِ، كقولِه: يا فاسِقُ.
وكذلك [إن فَسَّر ذلك بما ليس بقَذْفٍ، مثلَ أن يقولَ] 5 أرَدْتُ بالنَبّطَىِّ نَبَطِىَّ اللِّسانِ، أو فارِسِىَّ الطبعِ، أو رُومِىَّ الخِلْقَةِ، فإنَّه لا حَدَّ عليه.

..................................  وعنه في مَن قال: يا فارِسِىُّ.
أنَّه يُحَدُّ، لأنَّه جَعَلَه لغيرِ أبِيه.
والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما ذَكَرْناه، فلا يكونُ قَذْفًا.
وكذلك إن قال: أفْسَدْتِ عليه فِراشَه.
أى خرَقْتِ فِراشَه، أو أتْلَفْتِه.
وفى قولِه: عَلَّقْتِ عليه أوْلادًا مِن غيرِه.
أى الْتَقَطْتِ ولدًا، وذَكَرْتِ أنَّه وَلَدُه، فإن فَسَّرَ شيئًا مِن ذلك بالزِّنَى، فلا شَكَّ في كَوْنِه قَذْفًا.
ومِن صُوَرِ التَّعْرِيضِ أن يقولَ لزَوْجَةِ الآخرِ: قد فَضَحْتِه، وغَطَّيْتِ، أو: نَكَسْتِ رَأسَه، وجَعَلْتِ له قُرُونًا، وعَلَّقْتِ عليه أوْلادًا مِن غيرِه، وأفْسَدْتِ فِراشَه.
فذَكَرَ أبو الخَطَّابِ في جميعِ ذلك رِوايَتَيْن.
وذَكَر أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ، أنَّ أبا عبدِ اللَّهِ رَجَع عن القَوْلِ بوُجوب الحَدِّ في التَّعْريضِ.
فصل: واخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمه اللَّهُ، في التَّعْريضِ بالقَذْفِ، مثلَ أن يقولَ لمَن يُخاصِمُه: ما أنتَ بزَانٍ، ما يَعْرِفُكَ النَّاسُ بالزِّنَى، يا حَلالُ ابنَ الحلالِ.
أو يقولَ: ما أنا بزَانٍ، ولا أُمِّى بزَانِيَةٍ.
فرَوَى عنه حَنْبَلٌ، أنَّه لا حَدَّ عليه.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتيارُ أبى بكرٍ.
وبه قال عَطاءٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ، لِما رُوِى أنَّ [رجلًا مِن بنى فَزارَةَ أتَى] 1 النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال 2: إنَّ امرأتِى وَلَدَتْ غُلامًا

..................................  أسْودَ.
يُعَرِّضُ بنَفْيِه 1. فلم يَلْزَمْه بذلك حَدٌ ولا غيرُه.
وقد فَرَّقَ اللَّهُ تعالى بينَ التَّعْريضِ بالخِطْبَةِ والتَّصْريحِ بها، فأباحَ التَّعْريضَ، وحَرَّمَ التَّصريحَ، وكذلك في القَذفِ، ولأَنَّ كلَّ كلامٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَييْن لم يَكُنْ قَذْفًا، كقولِه: يا فاسِقُ.
وروَى الأَثْرَمُ وغيرُه، أنَّ عليه الحَدَّ.
رُوِى ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال إسْحاقُ، لأَنَّ عمرَ حينَ شاوَرَهم في الذى قال لصاحِبِه: ما أبى بزَانٍ، ولا أُمِّى بزَانِيَةٍ.
فقالوا: قد مَدَح أباه وأمَّه.
فقال عمرُ: قد عَرَّضَ بصاحِبِه؛ فجَلَدَه الحَدَّ 2. وروَى الأَثْرَمُ 3، أنَّ عثمانَ جَلَد رجلًا قال لآخَرَ: يا ابنَ شامَّةِ 4 الوَذْرِ.
يُعَرِّضُ له بزِنَى أمِّه.
والوَذْرُ: قِدْرُ اللَّحْمِ.
يُعَرِّضُ بكَمَرِ 5 الرِّجالِ.
ولأن الكِنايَةَ مع القَرِينَةِ الصَّارِفَةِ إلى أحَدِ مُحْتَمِلاِئها، كالصَّريحِ 6 الذى لا يَحْتَمِلُ إلَّا ذلك المَعْنَى، ولذلك وَقَع الطَّلاقُ بها، فأمّا إن لم يَكُنْ في حالِ

..................................  الخُصُومَةِ، ولا وُجِدَتْ قَرِينةٌ تَصْرِفُ إلى القَذْفِ، فلا شَكَّ في أنَّه لا يكونُ قَذْفًا.
فصل: [وإن] (1) قال لرجل: يا دَيُّوثُ، يا كَشْخَانُ (2). فقال أحمدُ: يُعَزَّرُ.
قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ: الدَّيُّوثُ الذى يُدْخِلُ الرِّجالَ على امرأتِه.
وقال ثعلبٌ: القَرْطَبَانُ الذى يَرْضَى أن يَدْخُلُ الرِّجالُ على نِسائِه.
وقال: القَرْنَانُ والكَشْخَانُ، لم أرَهُما في كلامِ العربِ، ومَعْناه عندَ العامَّةِ مثلُ مَعْنَى الدَّيُّوثِ أو قريبًا منه.
فعلى القاذِفِ به التَّعْزِيرُ، على قِياسِ قولِه في الدَّيُّوثِ، لأنَّه قَذَفَه بما لا حَدَّ فيه.
وقال خالدُ بنُ يزيدَ، عن أبِيه، في الرجلَ يقولُ للرجلِ: يا قَرْنَانُ: إذا كان له أخَواتٌ أو بناتٌ في الإِسلامِ، ضُرِبَ الحَدَّ.
يَعْنِى أنَّه قاذِفٌ لَهنَّ.
وقال خالدٌ، عن أبِيه: القَرْنَانُ عندَ العامَّةِ مَن له بناتٌ، والكَشْخَانُ مَن له أخَوات.
يَعنى -واللَّه، أعلمُ- إذا كان يُدْخِلُ الرِّجالَ عليهنَّ.
والقَوَّادُ عندَ العامَّةِ السِّمْسارُ في الزِّنَى.
والقَذْفُ بذلك كلِّه يُوجِبُ التَّعْزِيرَ؛ لأنَّه قَذْفٌ بما لا يُوجِبُ الحَدَّ.

4449 -

مسألة: (أو يَسْمَعُ رجلًا يَقْذِفُ رجلًا، فيَقولُ: صَدَقْتَ. أو: أخْبَرَنِى فُلَانٌ أنَّكَ زَنيْتَ. وكَذَّبَه الآخَرُ، فهو كِنَايَة،

12

..................................  إذا فَسَّرَه بما يَحْتَمِلُهُ غيرُ القَذْفِ، قُبِلَ قَوْلُه في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وفِى الآخَرِ، هو صَريحٌ) إذا سَمِع رجلًا يقْذِفُ رجلًا، فقال: صدَقْتَ.
فالمُصدِّقُ قاذِفٌ في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأَنَّ تَصْدِيقَه ينْصَرِفُ إلى ما قالَه، بدليلِ ما لو قال: لى عليك ألفٌ.
فقال: صَدَقْتَ.
كان إقْرارًا بها.
ولو قال: أعْطِنِى ثَوْبِى هذا.
قال صَدَقْتَ.
كان إقْرارًا.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا يكونُ قاذِفًا.
وهو قولُ زُفَرَ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ أرادَ تَصْدِيقَه في غيرِ القَذْفِ.
ولو قال: أخْبَرَنِى فلان أنَّكَ زَنَيْت.
لم يَكُنْ قاذِفًا، سَواءٌ صَدَّقَه المُخْبَرُ عنه أو كَذَّبَه.
وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يكونُ قاذِفًا إذا كَذَّبَه الآخرُ.
ذكَرَه أبو الخَطَّاب.
وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ.
ونحوُه عن الزُّهْرِىِّ؛ لأنَّه أخْبَرَ بزِنَاه.
ولَنا، أَنَّه إنَّما أخْبَرَ

..................................  أنَّه قُذِف 1، فلم يَكُنْ قَذْفًا، كما لو شَهِدَ على رجلٍ أنَّه قَذَف رجلًا.

وإنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلْدَةٍ أَوْ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْ جَمِيعِهِمْ، عُزِّرَ، وَلَمْ يُحَدَّ.

4450 - مسألة: (وإن قَذف أَهْلَ بَلَدٍ أو جَمَاعَةً لا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِن جَمِيعِهم، عُزِّرَ، ولم يُحَدَّ)

لأنَّه لا عارَ على المَقْذُوفِ بذلك، للقَطْعِ بكَذِبِ القاذِفِ، ويُعَزَّرُ على ما أتَى به مِن المَعْصِيَةِ والزُّورِ، فهو كما لو سَبَّهُم بغيرِ القَذْفِ.

وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ: اقْذِفْنِى.
فَقَذَفَهُ، فَهَلْ يُحَدَّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ لِامْرأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ.
قَالَتْ: بِكَ زَنَيْتُ.
لَمْ تَكُنْ قَاذِفَةً، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ بِتَصْدِيقِهَا.

4451 - مسألة: (وإن قال لرجلٍ: اقْذِفْنِى. فقذَفَه. فهل يُحَدُّ)

أو يُعَزَّرُ؟ (على وَجْهَيْن) وهذا مَبْنِىٌّ على الاخْتِلافِ في حَدِّ القَذْفِ، إن قُلْنا: هو حَقٌّ للَّه تعالى.
وَجَب عليه، ولم يَسقُطْ بالإِذْنِ فيه، كالزِّنَى، وإن قُلْنا: هو حَقٌّ لآدَمِىٍّ.
لم يجبْ عليه الحَدُّ، كما لو أذِنَ في إتْلافِ مالِه، ويُعَزَّرُ؛ لأنَّه فَعَل مُحَرَّمًا لا حَدَّ فيه.
4452 -

مسألة: (وإن قال لامرأتِه: يَا زانِيَةُ. قالَتْ: بكَ زَنَيْتُ. لم تَكُنْ قاذِفَةً)

1 لأنَّها صَدَّقَتْه فيما قال، فلم يَجِبْ عليه

وَإِذَا قُذِفَتِ الْمَرأةُ، لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ، إِذَا كَانَتِ الأُمُّ في الحياةِ، وَإِنْ قُذِفَتْ وَهىَ مَيِّتَةٌ؛ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً، حُدَّ الْقَاذِفُ إِذَا طَالَبَ الْابْنُ، وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِىُّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ مَيِّتَةٍ.
حَدٌّ 1، كما لو قالتْ: صَدَقْتَ.
ولا يَجِبُ عليها [حَدُّ القَذْفِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ الزِّنَى منها به مِن غيرِ أن يكونَ زَانِيًا، بأن يكونَ قد وَطِئَها بشُبْهَةٍ، ولا يَجِبُ عليها حَدُّ الزِّنَى] 2؛ لأنَّها لم تُقِرَّ أرْبَعَ مَرَّاتٍ.

4453 -

مسألة: (وإذا قُذِفَتِ المرأةُ، لم يَكُنْ لوَلَدِها المُطالَبَةُ، إذا كانتِ الأمُّ في الحَياةِ، وإن قُذِفَتْ وهى مَيتةٌ، مُسْلِمَةً كانَتْ أو كافِرَةً، حُرَّةً أو أمَةً، حُدَّ القاذِفُ إذا طالَبَ الابنُ، وكان حُرًّا مُسْلِمًا.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
وقال أبو بكرٍ: لا يَجِبُ الحَدُّ بقَذْفِ مَيِّتةٍ)

أمَّا إذا قُذِفَتْ

..................................  وهى في الحياةِ، فليس لوَلَدِها المُطالبةُ؛ لأَنَّ الحَقَّ لها، فلا يُطالِبُ به غيرُها، ولا يقومُ غيرُها مَقامَها، سَواءٌ كان مَحْجُورًا عليها أو غيرَ مَحْجُورٍ عليها؛ لأنَّه حَقٌّ ثَبَتَ للتَّشَفِّى, فلا يقومُ فيه غيرُ المُسْتَحِقِّ مَقامَه، كالقِصاصِ، وتُعْتَبَرُ حَصانتها 1؛ لأَنَّ الحَقَّ لها، فتُعْتَبَرُ حَصانَتُها (1)، كما لو لم يَكُنْ لها ولدٌ.
وأمَّا إن قُذِفَتْ وهى مَيتة، فإن لوَلَدِها المُطالَبَةَ؛ لأنَّه قَدْحٌ في نَسَبِه، لأنَّه بقَذْفِ أمِّه يَنْسِبُه إلى أنَّه مِن زِنًى، ولا يَسْتَحِقُّ ذلك بطريقِ الإِرْثِ، فلذلك تُعْتَبَرُ الحَصانةُ فيه 2، ولا تُعْتَبَرُ الحَصانَةُ في أُمِّه؛ لأَنَّ القَذْفَ له.
وقال أبو بكرٍ: لا يَجِبُ الحَدُّ بِقَذْفِ مَيِّتةٍ بحالٍ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّه قَذْفٌ لمَن لا تَصِحُّ منه المُطالَبَةُ، فأشْبَهَ قَذْفَ المجْنونِ.
وقال الشافعىُّ: إن كان المَيِّتُ مُحْصَنًا، فلوَلِيِّه المطالَبَةُ، ويَنْقَسِمُ انقِسامَ المِيراثِ، وإن لم يَكُنْ مُحْصَنًا، فلا حَدَّ على قاذِفِه؛ لأنَّه

..................................  ليس بمُحْصَنٍ، فلا يَجِبُ الحَدُّ بقَذْفِه، كما لو كان حَيًّا.
وأكثرُ أهلِ العلمِ لا يَرَوْنَ الحَدَّ [على مَن لم يَقْذِفْ مُحْصَنًا] 1 حَيًّا ولا مَيِّتًا؛ لأنَّه إذا لم يُحَدَّ بقَذْفِ غيرِ 2 المُحْصَن إذا كان حَيًّا، فلأنْ لا يُحَدَّ بقَذْفِه 3 بعدَ مَوْتِه أوْلَى.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في ابنِ المُلاعِنَةِ: «مَنْ رَمَى وَلَدَهَا، فَعَليْهِ الحَدُّ» 4. يعنى مَن رَماه بأنَّه ولدُ زِنًى، وإذا وَجَب بقَذْفِ ابنِ المُلاعِنَةِ بذلك، فبقَذْفِ غيرِه أوْلَى، ولأَنَّ أصحابَ الرَّأْى أوْجَبُوا الحَدَّ على مَن نَفَى رجلًا عن أبِيه، إذا كان أبَوَاهُ حُرَّيْن مُسْلِمَيْن وإن كانا مَيِّتيْنِ، والحَدُّ إنَّما وَجَب للوَلدِ؛ لأَنَّ الحَدَّ لا يُورَث عندَهم.
فأمَّا إن قُذِفتْ أمه بعدَ مَوْتِها وهو مُشْرِكٌ أو عبدٌ، فلا حَدَّ عليه في ظاهرِ كَلامِ الخِرَقِىِّ، سَواءٌ كانتِ الأمُّ حُرَّةً مُسْلِمَةً أو لم تَكُنْ.
وقال [أبو ثَوْرٍ، و] 5 وأصحابُ الرَّأْى: إذا قال لكافِرٍ أو عبدٍ: لستَ لأبِيكَ.
وأبواه حُرَّان مُسْلِمَان، فعليه الحَدُّ.
وإن قال لعبدٍ أمُّه حُرَّة وأبوه عبدٌ: لستَ لأبِيكَ.
فعليه الحَدُّ.
وإن كان العبدُ للقاذِفِ عندَ أبى ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يُسْتَقْبَحُ أن

..................................  يُحَدَّ المَوْلَى لعَبْدِه.
واحْتَجُّوا بأنَّ هذا قَذْفٌ لأُمِّه، فيُعْتَبَرُ إحْصَانُها دُونَ إحْصانِه؛ لأنَّها لو كانتْ حَيَّةً، كان القَذْفُ لها، فكذلك إذا كانتْ مَيِّتَةً، ولأَنَّ مَعْنَى هذا أنَّ أُمَّكَ زَنَتْ، فأتَتْ بِكَ مِن الزِّنَى، وإذا كان الزِّنَى مَنْسُوبًا إليها، كانتْ هى المَقْذُوفَةَ دون ولَدِها.
ولَنا، ما ذَكَرْناه، ولأنَّه لو كان القَذْفُ لها، لم يَجب الحَدُّ؛ لأَنَّ الكافِر لا يَرِثُ المسلمَ، والعبدَ لا يَرِثُ الحُرَّ، ولأنَّهم لا يُوجِبُونَ 1 الحَدَّ بقَذْفِ مَيِّتةٍ بحالٍ، فثَبَتَ أنَّ القَذْفَ يَجِبُ 2 له، فيُعْتَبَرُ إحْصانُه دونَ إحْصَانِها.
فصل: فإن [قُذِفَتْ جَدَّتُه] 3، فقِياسُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه كقَذْفِ أُمِّه، إن كانتْ حَيَّةً، فالحَقُّ لها، ويُعْتَبَرُ إحْصانُها، وليس لغيرِها المُطالَبَةُ عنها.
وإن كانتْ مَيِّتةً، فلَه المُطالَبَةُ إذا كان مُحْصَنًا؛ لأنَّ ذلك قَدْحٌ في نَسَبِه.
فأمَّا إن قَذَفَ أباه، أو جَدَّه، أو أحدًا مِن أقاربِه غيرَ

وَإِنْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ، سَقَطَ الْحَدُّ.
أُمَّهاتِه بعدَ مَوْتِه، لم يَجِبِ الحَدُّ (1) بقَذْفِه، في (2) ظاهِرِ كلام الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه إنَّما أوْجَبَ الحَدَّ بقَذْفِ أُمِّه حَقًّا له، لنَفْى نَسَبِه، لا حَقًّا للمَيِّتِ، ولهذا لم يُعْتَبَرْ إحْصانُ المَقْذُوفَةِ، واعْتُبِرَ إحْصانُ الوَلَدِ، وإذا كان المَقْذُوفُ مِن غيرِ أُمَّهاتِه، لم يَتَضَمَّنْ نَفْىَ نَسَبِه، فلم يَجِبِ الحَدُّ.
وهذا قولُ أبى بكرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
وقال الشافعىُّ: إن كان المَيِّتُ مُحْصَنًا، فلوَلِيِّه المُطالَبَةُ به، ويَنْقَسِمُ انْقِسامَ الميراثِ؛ لأنَّه قَذَف مُحْصَنًا، فيَجِبُ الحَدُّ على قاذِفِه، كالحَىِّ.
ولَنا، أنَّه قَذَفَ مَن لا يُتَصَوَّرُ منه المُطالَبَةُ، فلم يَجِبِ الحَدُّ بقَذْفِه، كالمجنونِ.
أو نقولُ: قَذَف مَن لا يَجِبُ الحَدُّ له، فلم يَجِبْ، كقَذْفِ غيرِ المُحْصَنِ.
وفارَقَ قَذْفَ الحَىِّ، فإنَّ الحَدَّ يجبُ له.

4454 -

مسألة: (وإن مات المَقذُوفُ سَقَط الحَدُّ)

عن القاذِفِ، إذا كان قبلَ المُطالَبَةِ بالحَدِّ، لم 3 يَجِبْ، وإن ماتَ بعدَ المُطالَبَةِ، قامَ وارِثُه 4 مَقامَه؛ لأنَّه حَقٌّ له، يَجِبُ بالمُطالَبَةِ، أشْبَهَ12

..................................  حَقَّ 1 رُجُوعِ الأبِ فيما وَهَب ولَدَه، وكالشُّفْعَةِ، تَسْقُطُ بمَوْتِ الشَّفيعِ قبلَ المُطالَبَةِ دُونَ ما بعدَها.

وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا.

4455 - مسألة: (ومَن قَذَف أُمَّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُتِلَ، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا)

يَعْنِى أنَّ حَدَّه القَتْلُ، ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وحَكَى أبو الخَطَّاب رِوايةً أُخْرَى، أنَّ تَوْبَتَه تُقْبَلُ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ، مُسْلِمًا كان أَو كافِرًا؛ لأَنَّ هذا منه رِدَّةٌ، والمُرْتَدُّ يُسْتَتابُ، وتَصِحُّ تَوْبَتُه.
ولَنا، أنَّ هذا حَدُّ قَذْفٍ، فلا يَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، كقَذْفِ غيرِ أُمِّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّه لو قُبِلَتْ تَوْبَتُه، وسَقَط حَدُّه، لَكانَ أخَفَّ حُكْمًا مِن قَذْفِ آحادِ النَّاسِ؛ لأَنَّ قَذْفَ غيرِه لا يَسْقُطُ بالتَّوْبَةِ، ولا بُدَّ مِن إقامَتِه.
واخْتَلَفتِ الرِّوايَةُ فيما إذا كان القاذِفُ كافِرًا فأسْلَمَ، فرُوِىَ أنَّه لا يَسْقُطُ بإسلامِه؛

..................................  لأنَّه حَدُّ قَذْفٍ، فلم يَسْقُطْ بالإِسْلامِ، كقَذْفِ غيرِها.
ورُوِىَ أنَّه يَسْقُطُ؛ لأنَّه لو سَبَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى في كُفْرِه، ثم أسْلَمَ، سَقَطَ عنه القَتْلُ، فسَبُّ نَبيِّه أوْلَى، ولأَنَّ الإِسْلامَ يَجُبُّ ما قبلَه.
والخِلافُ في سُقُوطِ القَتْلِ عنه، فأمًّا تَوْبَتُه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى فمَقبُولَةٌ، فإنَّ اللَّهَ تعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِن الذُّنُوب كلِّها.
والحُكْمُ في قَذْفِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كالحُكْمِ في قَذْفِ أُمِّه؛ لأَنَّ قَذْفَ أُمِّه إنَّما أوْجَبَ القتلَ؛ لكوْنِه قَذْفًا للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقَدْحًا في نَسَبِه.
فصل: وقَذْفُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقذفُ أُمِّه رِدَّةٌ عن الإِسْلامِ، وخروجٌ

وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدةٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ إِذَا طَالَبوا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.
وَعَنْهُ، إِنْ طَالَبوا مُتَفَرِّقِينَ، حُدَّ لكل وَاحِدٍ حدًّا.
عن المِلَّةِ، وكذلك سَبُّه بغيرِ القذفِ، إلَّا أنَّ سَبَّه بغيرِ القَذْفِ يَسْقُطُ بالإِسْلامِ، لأَنَّ سبَّ اللَّهِ سبحانه وتعالى يَسْقُطُ بالإِسْلامِ، فسَبُّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى، وقد جاءَ في الأثَرِ، أنَّ اللَّهَ تعالى يقول: «شَتَمَنِى ابنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِى، أمَّا شَتْمُهُ إيَّاىَ فَقَوْلُه: إِنِّى اتَّخَذْتُ وَلَدًا.
وَأَنَا الأحَدُ الصَّمَدُ، [لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ] (1)» (2). ولا خِلافَ في أنَّ إسلامَ النَّصْرَانِىِّ القائِلِ لهذا القولِ يَصِحُّ.

4456 -

مسألة: (وإن قَذَف الجَماعَةَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فحَدٌّ وَاحِدٌ إذا طالَبوا أو واحِدٌ منهم. وعنه، إن طالَبُوا مُتَفَرِّقِينَ، حُدَّ لكلِّ واحِدٍ حَدًّا)

أمَّا إذا قَذَف الجماعةَ بكلمةٍ واحدةٍ، فالمَشْهُورُ في المذهبِ أنَّه لا يَلْزَمُه إلَّا حَدٌّ واحدٌ، إذا طالَبُوا أو واحدٌ منهم.
وبهذا قال طاوُسٌ، والزُّهْرِىُّ، والشَّعْبِىُّ، [والنَّخَعِىُّ] (3)، وقَتادَةُ، [وحَمَّادٌ] 1، ومالكٌ،23

..................................  والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وصاحِباه، وابنُ أبى لَيْلَى، وإسْحاقُ.
وعنه رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّه يُحَدُّ لكلِّ واحدٍ حَدًّا كاملًا.
وبه قال الحسنُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وللشافعىِّ قولان كالرِّوايَتَيْن.
ووَجْهُ هذا أنَّه قَذَف كلَّ واحدٍ منهم، فلَزِمَه له حَدٌّ كاملٌ، كما لو قَذَفَهم بكَلِماتٍ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ 1. لم يُفَرِّقْ بينَ قَذْفِ واحدٍ أو جماعةٍ، ولأَنَّ الذين شَهِدُوا على المُغِيرَةِ قَذَفُوا امرأةً، فلم يَحُدَّهم عمرُ إلَّا حَدًّا واحدًا 2. ولأنَّه قَذْفٌ واحدٌ، فلم يَجِبْ إلَّا حَدٌّ واحدٌ، كما لو قَذَف واحِدًا، ولأَنَّ الحَدَّ إنَّما وَجَب بإدْخالِ المَعَرَّةِ على المَقْذُوفِ بقَذْفِه، وبحَدٍّ واحدٍ يَظْهَرُ كَذِبُ هذا القاذِفِ، وتَزُولُ المَعَرَّةُ، فوَجَبَ أن يُكْتَفَى به، بخِلافِ ما إذا قَذَف كلَّ واحدٍ قَذْفًا مُفْرَدًا، فإنَّ كَذِبَه في قَذْفٍ لا يَلْزَمُ منه كَذِبُه في الآخَرٍ، ولا تَزُولُ المَعَرَّةُ عن أحَدِ المَقْذُوفَيْن بحَدِّه للآخرِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنهم إن طَلبوا جُمْلَةً، حُدَّ لهم، وإن طَلَبَه واحِدٌ، أُقِيمَ الحَدُّ؛ لأَنَّ الحَقَّ ثابِتٌ لهم على سَبِيلِ البَدَلِ، فأيُّهم طالَبَ به اسْتَوْفَى وسَقَط، فلم يَكُنْ لغيرِه الطلبُ به، كحَقِّ المرأةِ على أوْلِيَائِها في تَزْويجِها، إذا قام به واحدٌ سَقَط عن الباقِينَ.
وإن أسْقَطَه أحَدُهم، فلغَيرِه المُطالَبَةُ به واسْتِيفاؤه؛ لأَنَّ

وإنْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ، حُدَّ لِكُلِّ واحِدٍ حدًّا،  المَعَرَّةَ لم تَزُلْ عنه بعَفْوِ صاحِبِه، وليس للعافِى الطَّلبُ به؛ لأنَّه قد أسْقَطَ حَقَّه منه.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّهم إن طَلبوه دَفْعَةً واحِدَةً، فحَدٌّ واحدٌ، وكذلك إن طَلبوه واحِدًا بعدَ واحدٍ، إلَّا أنَّه إن لم يُقَمْ حتى طَلَبَه الكلُّ، فحَدٌّ واحِدٌ، وإن طَلَبَه واحِدٌ (1)، فأُقِيمَ له، ثم طَلَبَه آخَرُ، أُقِيمَ له، وكذلك جميعُهم.
وهذا قولُ عُرْوَةَ؛ لأنَّهم إذا اجْتَمَعُوا على طَلَبِه، وَقَع اسْتِيفاؤه لجَمِيعِهم، فإذا طَلَبَه واحِدٌ منهم، كان اسْتِيفاؤه له وحدَه، فلم يَسْقُطْ حَقُّ الباقِين بغيرِ اسْتِيفائِهم ولا إسْقاطِهم.

4457 -

مسألة: (وإن قَذَفَهم بكَلِمَاتٍ، حُدَّ لكلِّ واحِدٍ حَدًّا)

وبهذا قال عَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادَةُ، وابنُ أبى لَيلى، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال حَمَّادٌ، ومالك: لا [يَجِبُ إلَّا حَدٌّ واحِدٌ] 2؛ لأنَّها جِنايَةٌ تُوجِبُ حَدًّا، فإذا تَكَرَّرَتْ كَفُى حَدٌّ واحِدٌ، كما1

..................................  لو سَرَق مِن جماعَةٍ، أو زَنَى بنساءٍ، أوِ شَرِب أنْواعًا مِن المُسْكِرِ.
ولَنا، أنَّها 1 حقُوقٌ لآدَمِيِّينَ، فلم تَتَداخَلْ، كالدُّيونِ والقِصاصِ.
وفارَقَ ما قاسُوا عليه، فإنَّه حَقٌّ للَّهِ تعالى.
فصل: إذا قال لرجلٍ: يا ابنَ الزَّانِيَيْن.
فهو قاذِفٌ لهما بكلِمةٍ واحِدَةٍ، فإن كانا مَيِّتيْن، ثَبَت الحَقُّ لولَدِهما، ولم يَجب إلَّا حَدٌّ واحدٌ، وَجْهًا واحِدًا.
وإن قال: يا زَانِى [ابنَ الزَّانِى] 2. فهو قَذْفٌ لهما بكَلِمَتَيْن، فإن كان أبُوه حَيًّا، فلكلِّ واحدٍ حَدٌّ، وإن كان مَيِّتًا، فالظاهِرُ في المذْهبِ أنَّه لا يَجِبُ الحَدُّ بقَذْفِه.
وإن قال يا زَانِى ابن الزَّانِيَةِ.
وكانت أُمُّه في الحياةِ، فلكلٍّ واحدٍ منهما حَدٌّ، وإن كانت مَيِّتَةً، فالقَذْفانِ جميعًا له، وإن قال: زَنَيْتَ بفُلانَةَ.
فهو قَذْفٌ لهما بكلمةٍ واحدةٍ.
وكذلك إذا قال: يا ناكِحَ أُمِّه.
ويُخَرَّجُ فيه الرِّواياتُ الثلاثُ.

وِإنْ حُدَّ لِلْقَذْفِ، فَأَعَادَهُ، لم يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ.

4458 - مسألة: (وإنْ حُدَّ للقَذْفِ، فأعَادَه، لم يُعَدْ عليه الحَدُّ)

أمَّا إذا قَذَف رجلًا مَرَّاتٍ ولم يُحَدَّ، فحدٌّ واحِدٌ، رِوايةً واحِدَةً، سَواء قَذَفَه بزنًى واحدٍ، أو بزَنَياتٍ.
وإن قَذَفَه فحُدَّ، ثم أعادَ قَذْفَه، وكان قَذْفُه بذلك الزِّنى الذى حُدَّ مِن أجْلِه، لم يُعَدْ عليه الحَدُّ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن ابنِ القاسمِ، أنَّه أوْجَبَ حَدًّا ثانيًا.
وهذا يُخالِفُ إجْماعَ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّ أبا بَكْرَةَ لمَّا حُدَّ بقَذْفِ المُغِيرَةِ، أعادَ قَذْفَه، فلم يَرَوْا 1 عليه حَدًّا ثانيًا، فرَوَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه، عن ظَبْيانَ بنِ عُمارَةَ، قال: شَهِدَ على المُغِيرَةِ [بنِ شُعْبَةَ] 2 ثلاثةُ نَفَرٍ أنَّه زانٍ، فبَلَغَ ذلك عمرَ، فكَبُرَ عليه، وقال: شاطَ ثلاثةُ أرْباعِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ.
وجاءَ زِيادٌ، فقالَ: ما عندَك؟ فلم يُثْبِتْ، فأمَرَ بهم فَجُلِدُوا،

جارٍ التحميل