الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 129-170

كِتَابُ الطَّلَاقِ

صفحات 129-170

وَهُوَ حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ،  كتابُ الطَّلاقِ (وهو حَلُّ قَيْدِ النِّكاحِ) وهو مشروعٌ، والأصلُ في مَشْرُوعِيَّتِه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ فقولُ اللَّه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 1. وقال سبحانَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 2. وأمَّا السُّنَّةُ، فروَى ابنُ عمرَ أنَّه طَلَّقَ امْرأَته وهى حائضٌ، فسألَ عمرُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِى أمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. في آىٍ وأخْبارٍ سِوَى هذيْنِ كثيرٍ.
وأجْمَعَ النَّاسُ على جوازِ الطَّلاقِ، والعِبْرَةُ

وَيُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِليْهِ، وَيُكرَهُ مِنْ غيْرِ حَاجَةٍ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَيُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ضَرَرًا.
دالَّةٌ على جوازِه، فإنَّه رُبَّما فَسَدَتِ الحالُ بينَ الزَّوْجَيْن، فيَصيرُ بقاءُ النِّكاحِ مَفْسَدةً مَحْضَنةً، وضَرَرًا مُجَرَّدًا، بإلْزامِ الزَّوْجِ النَّفَقَةَ والسُّكْنَى، وحَبْسِ المرأةِ مع سوءِ العِشْرَةِ، والخُصُومةِ الدائمةِ مِن غيرِ فائدةٍ، فاقْتَضَى ذلك شَرْعَ ما يُزيلُ النِّكاحَ، لِتَزولَ المَفْسدةُ الحاصِلةُ منه.

3419 -

مسألة: (ويُبَاحُ عِنْدَ الحاجَةِ إليه، ويُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. وعنه، أنَّه يَحْرُمُ، ويُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ضَرَرًا)

الطَّلاقُ على خمسةِ أضْرُبٍ؛ واجبٌ، وهو طلاقُ المُولِى بعدَ التَّرَبُّص إذا أبَى الفَيْئَةَ 1، وطلاقُ الحَكَمَيْن في الشِّقاقِ إذا رأيا ذلك.
والثانى، مَكْرُوهٌ، وهو الطَّلاقُ مِن غيرِ حاجةٍ إليه؛ لأنَّه مُزيلٌ للنِّكاحِ المُشْتَمِلِ على المَصَالِحِ المَنْدوبِ 2 إليها، فيكونُ مكروهًا.
وقال القاضى: فيه رِوَايتان؛ إحداهما، أنَّه مُحَرَّمٌ؛ لأنَّه ضَرَرٌ بنَفْسِه وزَوْجَتِه، وإعْدامٌ للمَصْلَحةِ الحاصلةِ لهما مِن غيرِ حاجةٍ إليه، فكان حرامًا،

..................................  كإتْلافِ المالِ، ولقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» 1. والثانيةُ، أنَّه مُباحٌ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أبْغَضُ الحَلَالِ إلَى اللَّه الطَّلاقُ».
وفى لفظٍ: «مَا أحَل اللَّهُ شَيْئًا أبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ».
رواه أبو داودَ 2. والثالثُ، مُباحٌ، وهو عندَ الحاجةِ إليه لسُوءِ خُلُقِ المرأةِ، وسُوءِ عِشْرَتِها، والتَّضَرُّرِ 3 منها مِن غيرِ حُصولِ الغَرَضِ بها.
والرابعُ، مندوبٌ إليه، وهو عندَ تَفْريطِ المرأةِ في حُقوقِ اللَّهِ الواجبةِ عليها، مثلَ الصَّلاةِ ونحوها، ولا يُمْكِنُه إجْبارُها عليها، أو يكونُ له امرأةٌ غيرُ عَفِيفةٍ.
قال أحمدُ: لا يَنْبَغِى له إمْساكُها.
وذلك لأَنَّ فيه نَقْصًا لدينِه 4، ولا يأْمَنُ إفْسادَها فِراشَه، وإلْحاقَها به وَلَدًا مِن غيرِه، ولا بأْسَ بعَضْلِها في هذه الحالِ، و 5 التَّضْيِيقِ عليها لتَفْتَدِىَ منه، قال اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ 6. ويَحْتَمِلُ أنَّ الطَّلاقَ في هذَيْن الموْضِعَيْن واجبٌ.
ومِن

..................................  المَنْدوبِ إليه الطَّلاقُ في حالِ الشِّقاقِ، وفى الحالِ التى تُخْرِجُ المرأةَ إلى المُخالَعَةِ لِتُزيلَ عنها الضَّرَرَ.
والخامسُ، المَحْظُورُ، وهو طَلاقُ الحائِضِ، أو في طُهْرٍ أصَابَها فيه، وقد أجْمَعَ العُلَماءُ في جميعِ الأمْصارِ على تَحْريمِه، ويُسَمَّى طَلاقَ البِدْعَةِ؛ لأَنَّ المُطَلِّقَ خالفَ السُّنَّةَ، وتَرَكَ أمرَ اللَّهِ ورسولِه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فتلك العدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».
وفى لفظٍ رَواه الدَّارَقُطْنِى 1 بإسْنادِه عن ابنِ عمرَ، أنَّه طَلَّقَ امْرأتَه تَطْلِيقةً وهى حائِضٌ، ثم أرادَ أَنْ يُتْبِعَها بتَطْلِيقَتَيْن آخِرَتَيْنِ عندَ

..................................  القُرْأيْنِ، فبلغَ ذلك رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: فقال: «يَا ابْنَ عُمَرَ، مَا هَكَذَا أَمرَكَ اللَّهُ، إِنَّكَ أَخْطَأْتَ السُّنَّةَ، والسُّنَّةُ ان تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ، فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قَرْءٍ».
ولأنَّه إذا طَلَّقَ في الحيْضِ طَوَّلَ العِدَّةَ عليها؛ فإِنَّ الحَيْضَةَ التى طَلَّقَ فيها لا تُحْسَبُ مِن عِدَّتِها، ولا الطُّهْرَ الذى بعدَها عندَ مَنْ يَجْعَلُ الأقْراءَ الحِيَضَ، وإذَا طَلَّقَ في طُهْرٍ أصَابَها فيه، لم يأْمَنْ 1 أن تكونَ حاملًا فيَنْدَمَ، وتكون مُرتابةً [لا تَدْرِى] 2 أتَعْتَدُّ بالحَمْلِ أو الأقْراءِ؟

وَيَصِحُّ مِنَ الزَّوْجِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ الْمُخْتَارِ، ومِنَ الصَّبِىِّ الْعَاقِلِ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَبْلُغَ.

3420 - مسألة: (ويَصِحُّ مِن الزَّوْجِ العاقِلِ البالِغِ المُخْتارِ، ومِن الصَّبِىِّ العَاقِلِ. وعنه، لَا يَصِحُّ حَتى يَبْلُغَ)

أمَّا صِحَّةُ الطَّلاقِ مِن الزَّوْجِ العاقِلِ المُختارِ، فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فصَحَّ منه، كالبَيْعِ.
وأمَّا الصَّبِىُّ؛ فإنْ لم يَعْقِلْ، فلا طَلاقَ له بغيرِ خِلافٍ.
وأمَّا الذى يَعْقِلُ الطَّلاقَ، ويَعْلَمُ أنَّ زَوْجَتَه تَبِينُ منه، وتَحْرُمُ عليه، فأكْثَرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ، أنَّ طَلاقَه يَقَعُ.
وذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
واخْتارَه أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ.
ورُوِىَ نحوُ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والحسنِ، والشَّعْبِىِّ، وإسْحاقَ.
ورَوَى أبو طالبٍ، عن أحمدَ: لا يَجوزُ طلاقُه حتى يَحْتَلِمَ.
وهو قولُ النّخَعىِّ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، وحَمَّادٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ.
وذَكَرَ أبو عُبَيْدٍ أنَّه قولُ أهلِ العراقِ وأهلِ الحجازِ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-:

..................................  «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» 1. ولأنَّه غير مُكَلَّفٍ، فلم يَقَعْ طَلاقُه، كالمجنونِ.
ووَجْهُ الأُولَى قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّمَا الطَّلاقُ لِمَنْ أخَذَ بِالسَّاقَ» 2. وقولُه: «كُلُّ الطَّلاقَ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ المَعْتُوهِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ» 3. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: اكْتُمُوا الصِّبْيانَ النِّكَاحَ 4. فيُفْهَمُ أنَّ فائِدَتَه أن لا يُطَلِّقُوا.
ولأنَّه طلاقٌ مِن عاقلٍ صادفَ مَحَلَّ الطَّلاقِ، فأشْبَهَ طلاقَ البالغِ.

..................................  فصل: وأكْثرُ الرِّواياتِ عن أبى عبدِ اللَّهِ، تحديدُ مَن يَقَعُ طلاقُه مِنَ الصِّبيانِ بِكونِه يَعْقِلُ.
وهو اخْتِيارُ القاضى.
ورَوَى أبو الحارِثِ عن أحمدَ: إذا عَقَلَ الطَّلاقَ، جازَ طَلاقُه، ما بينَ عَشْرٍ إلى اثْنَتىْ عَشْرَةَ.
وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يَقَعُ لدونِ العَشْرِ.
وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لأَنَّ العَشْرَ حدُّ الضَّرْبِ على الصَّلاةِ والصِّيامِ، وصِحَّةِ الوصِيَّةِ، فكذلك هذا.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ: إذا أحْصَى الصلاةَ وصامَ رمضانَ، جازَ طلاقُه 1. وقال عطاءٌ: إذا بَلَغَ أن يُصِيبَ النِّساءَ 2. وعن الحسنِ: إذا عَقَلَ وحَفِظَ الصلاةَ وصامَ رمضانَ.
وقال إسْحاقُ: إذا جَازَ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ.

..................................  فصل: ومَن أجازَ طَلاقَه، اقْتَضَى مذْهَبُه أن يَجوزَ تَوْكِيلُه فيه 1 وتَوَكُّلُه لغيرِه.
وقد أَوْمَأَ إليه 2، فقال -في رجلٍ قال لصَبِىٍّ: طَلِّقِ- امرأتِى 3. فقال: قد طَلَّقْتُكِ ثلاثًا: لا يَجوزُ عليها حتى يَعْقِلَ الطَّلاقَ.
قيل له: فإنْ كانت له زَوْجَة صَبِيَّة فقالت له: صَيِّرْ أمْرِى إلىَّ.
فقال لها: أمْرُكِ بيدِك.
فقالت: قد اخْتَرْتُ نَفْسِى.
[فقال أحمدُ] 4: ليس بشئ حتى يكونَ مثلُها يَعْقِلُ الطَّلاقَ.
وقال أبو بكرٍ: لا يَصِحُّ أن يُوَكِّلَ حتى يَبْلُغَ.
وحَكاه عن أحمدَ.
ولَنا، أنَّ مَن صَحَّ تصَرُّفُه في شئٍ ممَّا تَجوزُ الوَكالَةُ فيه بنَفْسِه، صَحَّ تَوْكِيلُه ووَكالتُه فيه، كالبالغِ، وما رُوِىَ عن أحمدَ مِنْ مَنْعِ ذلك، فهو على الرِّوايةِ التى لا 5 تُجِيزُ طَلاقَه، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
فصل: فأمَّا السَّفِيهُ، فيَقَعُ طلاقُه (5) في قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم القاسِمُ بنُ محمدٍ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه.
ومَنَعَ منه عَطاءٌ.
والأَوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ مَالِكٌ لمَحَلِّ الطَّلاقِ، فوَقَعَ طَلاقُه، كالرَّشيدِ، والحَجْرُ عليه في مالِه لا يَمْنَعُ مِن التَّصَرُّفِ في

وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ؟ كَالْمَجْنُونِ، والنَّائِمِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمُبَرْسَمِ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ.
غيرِ ما هو مَحْجُورٌ عليه فيه، كالمُفْلِسِ.

3421 -

مسألة: (ومَن زال عَقْلُه بسَبَبٍ يُعْذَرُ فيه؛ كالمَجْنُونِ، والنَّائِمِ، والمُغْمَى عَليه، والمُبَرْسَمِ، لم يَقَعْ طَلاقُهُ)

أجْمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الزَّائِلَ العقلِ بغيرِ سُكْرٍ، أو ما في مَعْناه، لا يَقَعُ طَلاقُه.
كذلك قال عُثمانُ، وعلىٌّ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادةُ، وأبو قِلابَةَ، والزُّهْرىُّ، ويحيى الأنْصارِىُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وأجْمَعُوا على أنَّ الرَّجُلَ [إذا طَلَّقَ] 1 في حالِ [نومِه، أنَّه] 2 لا طَلاقَ له.
وقد ثَبَتَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:

فَإِنْ زَالَ بِسَبَبٍ لَا يُعْذَرُ فِيهٍ كَالسَّكْرَانِ، وَمَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ  «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (1). ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «كُلُّ الطَّلاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ المَغْلُوبِ (2) عَلَى عَقْلِهِ».
رَواه النَّجّادُ (3). وقال التِّرْمِذِىُّ: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ عَطاءِ (4) بنِ عَجْلانَ، وهو ذاهِبُ الحديثِ.
ورَوَى (5) بإسْنَادِهِ عَنْ عَلِىٍّ مثلَ ذلك.
ولأنَّه قولٌ يُزِيلُ المِلْكَ، فاعْتُبِرَ له العَقْلُ، كالبيعِ.
وسواءٌ زالَ بجُنونٍ، أو إغْماءٍ، أو شُرْبِ دواءٍ، أو إكْراهٍ على شُربِ الخمرِ، أو شُرْبِ ما يُزِيلُ عقلَه، أو لم يَعْلَمْ أنَّه مُزِيلٌ للعقلِ، فكل هذا يَمْنَعُ وُقوعَ الطَّلاقِ، رِوايةً واحدةً، ولا نَعلمُ فيه خلافًا.

3422 -

مسألة: (وإنْ كان بِسَبَبٍ لا يُعْذَرُ فيهِ، كَالسَّكْرَانِ،

12345

لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَفِى صِحَّةِ طَلَاقِهِ رِوَايَتَانِ.
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِى قَتْلِهِ، وَقَذْفِهِ، وَسَرِقَتِهِ، وَزِنَاهُ، وَظِهَارِهِ وَإِيلَائِهِ.
ومَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَه لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَفِى صِحَّةِ طَلَاقِهِ رِوايَتَان.
وكَذَلِكَ يُخَرَّجُ في قَتْلِه، وقَذْفِه، وسَرِقَتِه، وَزِنَاهُ، وظِهَارِهِ، وَإِيلَائِهِ) اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في طَلاقِ السَّكْرانِ؛ فرُوِىَ عنه أنَّه يَقَعُ.
اخْتارَها أبو بكرٍ الخَلَّالُ، والقاضى.
وهو 1 مذهبُ سعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والحَكَمِ، ومَالكٍ، والأوْزَاعِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وأبى حنيفةَ، وصاحِبَيْه، وسليمانَ بنِ حربٍ، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ، إِلَّا طُلَاقَ المَعْتُوهِ».
ومثلُ هذا عن علىٍّ،

..................................  [ومعاوية] 1، وابنِ عباسٍ.
قال ابنُ عباسٍ: طَلاقُ السَّكْرانِ جائِزٌ، أن رَكِبَ مَعْصِيةً مِن مَعاصِى اللَّهِ نَفَعَهُ ذلك 2! ولأَنَّ الصحابةَ جَعَلُوه كالصّاحِى في الحَدِّ بالقَذْفِ؛ بدليلِ ما رَوَى [ابنُ وَبرَةَ] 3 الكَلْبِىُّ، قال: أرْسَلَنِى خالدٌ إلى عمرَ، فأتَيْتُه في المسجدِ، وعندَه عثمانُ، وعلىٌّ، وعبدُ الرحمنِ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، فقلتُ: إنَّ خالدًا يقولُ: إنَّ النَّاسَ انْهَمَكُوا في الخمرِ، وتَحاقَرُوا العُقُوبَةَ.
قال عمرُ 4: هؤلاءِ عندَك فَسَلْهم.
فقال علىٌّ: نَراه إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى، وعلى المُفْتَرِى ثمانون.
فقال عمرُ: أبْلِغْ صاحِبَك ما قال 5. فجَعلُوه كالصَّاحِى.
ولأنَّه إيقاعُ طَلاق مِن مُكَلَّفٍ غيرِ مُكْرَهٍ صَادفَ مِلْكَه، فوَجبَ أَنْ يَقَعَ، كطَلاقِ الصَّاحِى، ويدُلُّ على تَكْلِيفِه أنَّه يُقْتَلُ بالقَتْلِ، ويُقْطَعُ بالسَّرِقَةِ، وبهذا فَارَقَ المجْنونَ.
والثانيةُ، لا يَقَعُ 6 طَلاقُه.

..................................  اخْتارَها أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ.
وهو قولُ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ومذهبُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والقاسمِ، وطاوُسٍ، ورَبِيعَةَ، ويحيى الأنْصارِىِّ، واللَّيْثِ، والعَنْبَرِىِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، والمُزَنِىِّ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا ثابِتٌ عن عثمانَ، ولا نعلمُ أحدًا مِن الصحابَةِ خالَفَه.
وقال أحمدُ: حديثُ عثمانَ أرْفَعُ شئٍ فيه 1، وهو أصَحُّ -يعنى من حديثِ علىٍّ- وحديثُ الأعْمَشِ، [مَنْصُورٌ لا يَرْفَعُه إلى علىٍّ] 2. ولأنَّه زَائلُ العقْلِ، أشْبَهَ المَجْنونَ والنَّائِمَ، ولأنَّه مفقودُ الإِرادةِ، أشْبَهَ المُكْرَهَ، ولأَنَّ العَقْلَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ؛ إذ هو عبارةٌ عن الخِطابِ بأمْرٍ أو نَهْىٍ، ولا يَتوجَّهُ ذلك إلى مَنْ لا يَفْهَمُه، ولا فرقَ بينَ زوالِ الشَّرْطِ بمَعْصِيَةٍ أو غيرِها، بدليلِ أنَّ مَن كَسَرَ ساقَه جازَ له أن يُصَلِّى قاعِدًا، ولو ضرَبتِ المرأةُ بطْنَها فنَفِسَتْ سَقَطَتْ عنها الصلاةُ، ولو ضَرَبَ 3 رأْسَه فجُنَّ سَقَطَ التَّكْلِيفُ.
وحديثُ أبى هُرَيْرَةَ لا يَثْبُتُ.
وأمَّا قَتْلُه [وقَذْفُه] 4 وسَرِقَتُه، فهو كَمسألتِنا.

..................................  فصل: والحُكْمُ في عِتْقِه، ونَذْرِه، وبَيْعِه، وشِرَائِه، ورِدَّتِه، وإقْرارِه، وقَتْلِه، وقَذْفِه، وسَرِقَتِه، كالحُكْمِ في طَلاقِه؛ لأَنَّ المَعْنَى في الجميعِ واحدٌ.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ في بيعِه وشرائِه الرِّوايتان.
وسألَه ابنُ مَنْصورٍ: إذا طَلَّقَ السَّكْرانُ، أو سَرَقَ، أو زَنَى أو افْتَرَى، أو اشْتَرَى، أو باعَ؟ فقال: أَجْبُنُ 1 عنه، لا يَصِحُّ مِن أمرِ السَّكْرانِ شئٌ.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ ابنُ حامدٍ: حُكْمُ السَّكْرانِ حُكْمُ الصَّاحِى فيما له وفيما عليه؛ أمَّا في ماله وعليه، كالبَيْعِ والنِّكاحِ والمُعَاوَضَاتِ، فهو كالمجنونِ، لا يَصِحُّ له شئٌ.
وقد أَوْمَأَ إليه أحمدُ.
والأَوْلَى أنَّ ما لَه أيضًا

..................................  لا يَصِحُّ منه؛ لأَنَّ تَصْحِيحَ تَصرُّفاتِه فيما 1 عليه مُؤاخَذَةٌ له، وليس مِنَ المُؤاخَذَةِ تصْحِيحُ التَّصَرُّفِ 2 له.
وكذلك الحُكْمُ في مَن شَرِبَ أو أكَلَ ما يُزِيلُ عقْلَه لغيرِ حاجةٍ وهو يعلمُ، قِياسًا على السَّكْرانِ [في وقوعِ طَلاقِه] 3. وبهذا قال أصحابُ الشافعىِّ.
وقال أصحابُ أبى حنيفةَ: لا يَقَعُ طَلاقُه؛ لأنَّه لا يَلْتذُّ بشُرْبِها.
ولَنا، أنَّه زالَ عقلُه بمَعْصِيَةٍ (2)، فأشْبَهَ السَّكْرانَ.
فصل: وحَدُّ السُّكْرِ الذى يَقَعُ الخِلافُ في صاحِبِه، هو الذى يَجْعَلُه يَخْلِطُ في كلامِه، ولا يَعْرِفُ ردَاءَه مِن ردَاءِ غيرِه، [ونَعْلَه مِن] 4. غيرِه، ونحو ذلك؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ 5. فجَعَلَ علامةَ

..................................  زَوَالِ السُّكْرِ عِلْمَه ما يَقولُ.
ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: اسْتَقْرِئوه القُرآنَ، أو ألْقُوا رِداءَه في الأرْدِيَةِ، فإنْ قَرأَ أُمَّ القُرْآنِ، أو عَرَفَ رِداءَه، وإلَّا فأَقِمْ عليه الحَدَّ 1. ولا يُعْتَبَرُ أن لا يَعْرِفَ السَّماءَ مِنَ الأرْضِ، ولا الذَّكرَ مِنَ الأُنْثَى؛ لأَنَّ ذلك لا يَخْفَى على المجنونِ، فعليه 2 أوْلَى.

..................................  فصل: قالَ أحمدُ، في المُغْمَى عليه إذا طلَّق، فلمَّا أفاقَ وعَلِمَ أنَّه كان مُغْمًى عليه، وهو ذاكِرٌ لذلك، فقال: إذا كان ذاكِرًا لذلك، فليس هو مُغْمًى عليه، يَجوزُ طَلاقُه.
وقال في روايةِ أبى طالبٍ، في المجنونِ يُطَلِّقُ، فقيلَ له لمَّا أفاقَ: إنَّك طَلَّقْتَ امْرأتَك.
فقال: أنا 1 أذْكُرُ إنِّى طَلَّقْتُ، ولم يَكُنْ عقْلِى معى.
فقال: إذا كان يذْكُرُ أنَّه طَلَّقَ، فقد طَلُقَتْ.
فلم

..................................  يَجْعَلْه مجنونًا إذا كان يذْكُرُ الطَّلاقَ ويعلمُ به.
قال شيخُنا 1: وهذا، واللَّهُ أعلمُ، في مَن جُنونُه بذَهابِ معْرفتِه بالكُلِّيَّةِ، وبُطْلانِ حَواسِّه، فأمَّا مَن كان جُنونُه لنشافٍ أو كان مُبَرْسَمًا، فإنَّ ذلك يُسْقِطُ حُكْمَ تَصَرُّفِه، مع أنَّ معْرِفَتَه غيرُ ذاهبةٍ بالكُلِّيَّةِ، فلا يَضُرُّه ذِكْرُه للطَّلاقِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.

وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلاقِ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ،

3423 - مسألة: (ومَن أُكْرِهَ على الطَّلاقِ بغيرِ حَقٍّ، لم يَقَعْ طَلاقُه)

لا تخْتلِفُ الرِّوايةُ عن أحمدَ، أنَّ طلاقَ المُكْرَهِ لا يَقَعُ.
رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وجابرِ ابنِ سَمُرَةَ.
وبه قال عبدُ اللَّهِ بنُ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والحسَنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، وشُرَيْحٌ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ،

..................................  وابنُ عَوْنٍ 1، وأيُّوبُ السَّخْتِيانِىُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ.
وأجازَه أبو قِلابَةَ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ وصاحِبَاه؛ لأنَّه طلاقٌ مِن مُكَلَّفٍ في مَحَلٍّ يَمْلِكُه، فنَفَذَ، كطَلاقِ غيرِ المُكْرَهِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِى الخَطَأَ والنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ».
روَاه ابنُ ماجَه 2. وعن عائشةَ، قالتْ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «لَا طَلَاقَ في إغْلَاقٍ».
روَاه أبو داودَ 3. قال أبو عُبَيْدٍ، والقُتَبِىُّ 4: معناه في إكْراهٍ.
وقال أبو بكرٍ: سألتُ ابنَ دُرَيدٍ 5 وأبا طاهرٍ 6 النَّحْوِيَّيْنِ، فقالا: يُريدُ الإِكْراهَ؛ [لأنَّه إذا أُكْرِهَ] 7 انْغَلَقَ عليه رأْيُه.

وَإِنْ هَدَّدَهُ بِالْقَتْلِ أَوْ أَخْذِ الْمَالِ وَنَحْوِهِ، قَادِرٌ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ وُقُوعُ مَا هَدَّدَهُ بِهِ، فَهُوَ إِكْرَاهٌ.
وَعَنْهُ، لَا يَكُونُ مُكْرَهًا، حَتَّى يُنَالَ بِشَىْءٍ مِنَ الْعَذَابِ؛ كَالضَّرْبِ، وَالْخَنْقِ، وَعَصْرِ  ويدخلُ في هذا المعنى المُبَرْسَمُ والمجنونُ.
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنَا مِن الصَّحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم في عصْرِهم، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّه قولٌ حُمِلَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَثْبُتْ له حُكمٌ، ككلمةِ الكُفْرِ إذا أُكْرِهَ عليها.
فصل: وإنْ كان الإِكْراهُ بحَقٍّ، نحوَ إكْراهِ الحاكمِ المُولِيَ على الطَّلاقِ بعدَ التَّرَبُّصِ إذا لم يَفِئْ، أو إكراهِه الرَّجُلَيْن اللَّذَيْن زَوَّجَهُما الوَلِيَّانِ -ولم يُعْلَمِ 1 السَّابِقُ منهما- على الطَّلاقِ، فإنَّه يَقَعُ عليه 2؛ لأنَّه قولٌ حُمِلَ عليه بِحَقٍّ، فصَحَّ، كإسْلامِ المُرْتَدِّ إذا أُكْرِهَ عليه، ولأنَّه إنَّما جازَ إكْراهُه على الطَّلاقِ ليَقَعَ طَلاقُه، فلو لم يَقَعْ لم يَحْصُلِ المقْصودُ.

3424 -

مسألة: (وإن هَدَّدَه بِالقَتْلِ وأخْذِ المالِ ونحوِه، قَادِرٌ يَغْلِبُ على ظَنِّه وُقُوعُ ما هَدَّدَهُ بِهِ، فهو إكْرَاهٌ.
وعنه، لا يَكونُ مُكْرَهًا حتى يُنَالَ بشَئٍ مِن العَذَابِ؛ كالضَّرْبِ، والخَنْقِ، وعَصْرِ السَّاقِ.

السَّاقِ.
اخْتَارَهُ الْخِرَقِىُّ.
واخْتارَه الخِرَقِىُّ) أمَّا إذا نِيلَ بشئٍ مِن العذابِ؛ كالضَّربِ، والخَنْقِ، والعَصْرِ، والحبْسِ، والغَطِّ في الماءِ مع الوعيدِ، فإنَّه يكونُ إكْراهًا بلا إشْكالٍ، لِما رُوِىَ أنَّ المُشرِكينَ أخَذُوا عمَّارًا، فأرادُوه على الشِّرْكِ، فأعْطاهم، فانْتَهَى 1 إليه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يَبْكِى، فجَعَلَ يَمْسَح الدُّموعَ عن عَيْنَيْه، ويقولُ: «أَخَذَكَ المُشْرِكُونَ فَغَطَّوْكَ فِى الْمَاءِ، وَأَمَرُوكَ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، فَفَعَلْتَهُ، فَإنْ أخَذُوكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَافْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ».
رَواه أبو حفصٍ بإسْنادِه 2. وقال عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: ليس الرَّجُلُ أمِينًا على نَفْسِه إذا أَجَعْتَهُ 3، أو ضَرَبْتَه، أو أوْثَقْتَه 4. وهذا يَقْتَضِى وُجودَ فعلٍ يكونُ به إكْراهًا.
فأمَّا الوَعِيدُ بمُفْرَدِه، فعن أحمدَ فيه رِوَايتانِ؛

..................................  إحداهما، ليس بإكْراهٍ؛ لأَنَّ الذى وَرَدَ الشَّرْعُ بالرُّخْصَةِ معه هو ما وردَ في حديثِ عمَّارٍ، وفيه: «إنَّهُمْ أخَذُوكَ فَغَطُّوْكَ فِى الْمَاءِ».
فلا يَثْبُتُ الحُكمُ إلَّا فيما كان مثلَه.
والثانيةُ، أنَّ الوَعيدَ بمُفْرَدِه إكْراهٌ.
قال في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ: حَدُّ الإِكْراهِ إذا خافَ القَتْلَ أو ضَرْبًا شديدًا.
وهذا قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ.
وبه يقولُ أبو حنيفةَ، والشافعىُّ؛ لأَنَّ الإِكْراهَ لا يكونُ إلَّا بالوَعيدِ، فإنَّ الماضِىَ مِن العُقُوبَةِ لا يَنْدَفِعُ بفِعْلِ ما أُكْرِهَ عليه، ولا يَخْشَى مِن وُقُوعِه، وإنَّما أُبِيحَ له فِعْلُ المُكْرَهِ عليه دَفْعًا لِما يُتَوعَّدُ به مِنَ العُقُوبةِ فيما بعدُ، وهو في الموْضِعَيْن واحدٌ، ولأنَّه متى تُوُعِّدَ بالقَتْلِ وعَلِمَ أنَّه يَقْتُلُه، فلم يُبَحْ له الفِعْلُ 1، أفْضَى إلى قَتْلِه، وإفضائِه بيَدِه إلى التَّهلُكَةِ، ولا يُفيدُ ثُبُوتُ الرُّخْصَةِ بالإِكْراهِ شيئًا؛ لأنَّه إذا طَلَّقَ في هذه الحالِ، وقعَ طَلاقُه، فيَصِلُ المُكْرِهُ إلى مُرادِه، ويَقعُ الضَّرَرُ بالمُكْرَهِ، وثُبُوتُ الإِكْراهِ في حَقِّ مَن نِيلَ بشئٍ مَن العَذابِ لا يَنْفِى ثُبوتَه في حَقِّ

..................................  غيرِه، وقد رُوِى عن عمرَ في الذى تَدَلَّى يَشْتارُ عَسَلًا 1، فَوقَفتِ امْرأتُه على الحَبْلِ 2 وقالت: طلِّقْنِى ثلاثًا وإلَّا قَطَعْتُه.
فذَكَّرَها اللَّهَ والإِسْلامَ، فقالت: لتَفْعَلَنَّ أو لأفْعَلَنَّ.
فطَلَّقَها ثلاثًا، [فرَدَّه إليها] 3. روَاه سعيدٌ بإسْنادِه 4. وهذا كان وَعِيدًا.
فصل: ومِن شَرْطِ الإِكْراهِ ثَلاثةُ أمورٍ؛ أحدُها، أن يكونَ قادِرًا بسُلْطانٍ أو تَغَلُّبٍ، كاللِّصِّ ونحوِه.
وحُكِىَ عن الشَّعْبِىِّ: إن أكْرَهَه اللِّصُّ، لم يَقَعْ طَلاقُه، وإن أكْرَهَه السُّلْطانُ، وقَعَ.
وقال ابن عُيَيْنَةَ؛ لأَنَّ اللِّصَّ يَقْتُلُه 5. وعمومُ ما ذَكَرْناه في دليلِ الإِكْراهِ يَتناوَلُ الجميعَ، والذين أكْرَهُوا عمَّارًا لم يَكونُوا لُصُوصًا، وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمَّارٍ: «إِنْ عادُوا فَعُدْ» 6. ولأنَّه إكْراهٌ، فمَنَعَ وُقوعَ الطَّلاقِ، كإكْراهِ اللِّصِّ.
الثانى، أن يَغْلِبَ على ظَنِّه نُزولُ الوَعيدِ به إنْ لم يُجِبْه إلى ما طَلَبَه.

..................................  الثالثُ، أَنْ يكونَ مِمَّا 1 يسْتَضِرُّ به ضَرَرًا كثيرًا؛ كالقَتْلِ، والضَّرْبِ الشَّديدِ، والحَبْسِ والقَيْدِ الطَّوِيلَيْن، فأمَّا السَّبُّ والشَّتْمُ، فليس بإكْراهٍ، روايةً واحدةً، وكذلك أخْذُ المالِ اليَسِيرِ.
فأمَّا الضَّرْبُ اليَسِيرُ، فإنْ كان في حَقِّ مَن لا يُبالِى به، فليس بإكْراهٍ، وإن كان في حَقِّ 2 ذوِى المُروءاتِ، على وَجْهٍ يكونُ إخْراقًا 3 بصاحبِه، وغَضًّا له، وشُهْرَةً في حَقِّه، فهو كالضَّرْبِ الكثيرِ في حَقِّ غيرِه.
وإن تُوُعِّدَ بتَعْذِيب وَلَدِه، فقد قِيلَ: ليس بإكْراهٍ؛ لأَنَّ الضَّرَرَ لاحِقٌ بغيرِه.
والأَوْلَى أَن يكونَ إكْراهًا؛ لأَنَّ ذلك أعظمُ عندَه مِن أخْذِ مالِه، والوعيدُ بذلك إكْراهٌ، فكذلك هذا.

..................................  فصل: فإنْ أُكْرِهَ على طَلاقِ امْرأةٍ فطَلَّقَ غيرَها، وَقَعَ؛ لأنَّه غيرُ مُكْرَهٍ عليه.
وإن أُكْرِهَ على طَلْقةٍ فطَلَّقَ ثلاثًا، وَقَعَ أيضًا؛ لأنَّه لم يُكْرَهْ على الثَّلاثِ.
وإن طَلَّقَ مَن أُكْرِهَ على طَلاقِها وغيرَها، وقَعَ طَلاقُ غيرِها دُونَها.
وإن خَلَصَتْ نِيَّتُه في الطَّلاقِ دُونَ دَفْعِ الإِكْراهِ، وَقَعَ؛ لأنَّه قَصَدَه واخْتارَه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَقَعَ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ مَرْفوعٌ عنه، فلا يَبْقَى إلَّا مُجَرَّدُ

..................................  النِّيَّةِ، فلا يقَعُ بها طَلاقٌ.
وإن طلَّقَ ونَوَى بِقَلْبه غيرَ امرأتِه، أو 1 تأَوَّلَ في يَمينِه، فله تَأْويلُه، ويُقْبَلُ قولُه في نِيَّتِه؛ لأَنَّ الإِكْراهَ دليلٌ له 2 على تأْوِيلِه.
وإن لم يَتأَوَّلْ وقَصَدها بالطَّلاقِ، لم يَقَعْ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ.
وذكرَ أصحابُ الشافعىِّ وَجْهًا أنَّه يَقَعُ؛ لأنَّه لا [مُكْرِهَ له] 3 على نِيَّتِه.
ولَنا، أنَّه مُكْرَهٌ عليه، [فلم يَقَعْ] 4؛ لعُمومِ ما ذكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، ولأنَّه قد لا يَحْضُرُه التَّأْويلُ في تلك الحال، فتفُوتُ الرُّخْصَةُ.

وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِى النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، كِالنِّكَاحِ بِلَا وَلِىٍّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
وَاختَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لا يَقعُ حَتَّى يَعْتَقِدَ صِحَّتَهُ.

3425 - مسألة: (وَيَقَعُ الطَّلاقُ في النِّكَاحِ المُخْتَلَفِ فيه، كَالنِّكَاحِ بلا وَلِىٍّ عِنْدَ أصحَابِنَا. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه لا يقَعُ حتى يَعْتَقِدَ صِحَّتَه)

[ولَنا، أنَّه] 1 إزالةُ مِلْكٍ بُنِىَ على التَّغْلِيبِ والسِّرايةِ، فجازَ أن

..................................  يَنْفُذَ في العَقْدِ الفاسِدِ إذا لم يكُنْ في نُفُوذِه إسْقاطُ حَقِّ الغيرِ، [كالعِتْقِ يَنْفُذُ في الكتابةِ الفَاسِدَةِ بالأَدَاءِ، كما يَنْفُذُ في الصَّحيحةِ، وفيه احْتِرَازٌ مِن العتقِ في البَيْعِ الفاسِدِ، لِكونِه لا يَنْفُذُ؛ لأَنَّ فيه إسْقَاطَ حَقِّ الغَيْرِ] 1، ولأنَّه عَقْدٌ يُسْقِطُ الحَدَّ، ويُثْبتُ النَّسَبَ والعِدَّةَ والمهْرَ، أشْبَهَ الصَّحيحَ.
ووَجْهُ قولِ أبى الخَطَّابِ، أَنَّه ليس بعَقْدٍ صَحِيحٍ، ولم يَثْبُتْ به النِّكاحُ، فلم يَقَعْ فيه الطَّلاقُ، كالمُتَّفَقِ على بُطْلانِه.
فإنِ 2 اعْتَقَدَ صِحَّتَه، وقَعَ 3 فيه الطَّلاقُ، كالمُتَّفَقِ على صِحَّتِه.

وَإِذَا وَكَّلَ فِى الطَّلاقِ مَنْ يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ، صَحَّ طَلَاقُهُ،

3426 - مسألة: (وإذَا وَكَّل في الطَّلَاقِ مَنْ يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ، صَحَّ طَلَاقُهُ)

لأنَّه إزالَةُ مِلْكٍ، فصَحَّ التوكيلُ فيه، كالعِتْقِ، ولا يَصِحُّ [تَوْكِيلُ إلَّا البالِغِ] 1 العاقِلِ، فأمَّا الطِّفْلُ والمجْنونُ، فلا يَصِحُّ تَوْكيلُهما، فإنْ فَعَلَ، فطَلَّقَ واحدٌ منهم، لم يَقَعْ طلاقُه.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يَقَعُ.
ولَنا، أنَّهما ليسا مِن أهلِ التَّصرُّفِ، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُهم، كما لو وَكَّلَهم في العِتْقِ.
وإن وَكَّلَ كافرًا أو عبدًا، صَحَّ؛ لأنَّهما ممَّن يَصِحُّ طَلاقُه لنَفْسِه، فصَحَّ تَوْكيلُهما فيه.
وإن وَكَّل امرأةً، صَحَّ؛ لأنَّه يَصِحُّ توكيلُها في العِتْقِ، فصَحَّ في الطَّلاقِ، كالرَّجُلِ.
فإن جَعَلَه في يَدِ صَبِىٍّ يَعْقِلُ الطَّلاقَ، انْبَنَى ذلك على صِحَّةِ طَلاقِه لزَوْجَتِه، وقد مَضَى ذلك، وقد نصَّ أحمدُ ههُنا على اعْتِبارِ وَكالتِه بطَلاقِه، فقال -إذا قال لِصَبِىٍّ: طَلِّقِ امْرأتِى ثلاثًا.
فطَلَّقَها ثلاثًا: لا يَجوزُ عليها حتى يَعْقِلَ الطَّلاقَ، أرأيتَ لو كان لهذا الصَّبِىِّ امرأةٌ فطلَّقَها، أكانَ يَجوزُ طَلاقُه؟ فاعْتَبَرَ طَلاقَه بالوَكالةِ بطلاقِه 2 لنَفْسِه.
وهكذا لو جَعَلَ أمْرَ الصَّغيرةِ

وَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ مَتَى شَاءَ، إِلَّا أَنْ يَحُدَّ لَهُ حَدًّا،  والمجْنونةِ بيَدِها، لم تَمْلِكْ ذلك.
نصَّ عليه أحمدُ في امرأةٍ صغيرةٍ قال لها: أمْرُكِ بيَدِكِ.
فقالت: اخْتَرْتُ نفْسِى: ليس بشئٍ حتى يَكونَ مثلُها يَعْقِلُ (1)؛ لأنَّه (2) تصرُّفٌ بحُكْمِ التَّوْكِيلِ، وليست مِن أهلِ التَّصرُّفِ.
فظاهِرُ كلامِ أحمدَ هذا، أنَّها إذا عَقَلَتِ الطَّلاقَ، وقعَ طلاقُها وإن لم تَبْلُغْ، كما قَرَّرْناه في الصَّبِىٍّ.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ الصَّبِىِّ لا يَصِحُّ طَلاقُه حتى يَبْلُغَ.
فكذلك يُخَرَّجُ في هذه؛ لأنَّها مثلُه في المَعْنَى.

3427 -

مسألة: (وله أن يُطَلِّقَ متى شاءَ، إلَّا أَنْ يَحُدَّ لَهُ حَدًّا)

لأَنَّ لفظَ التوكيلِ يَقْتَضِى ذلك؛ لكَوْنِه توكيلًا مُطْلَقًا، فأشْبَهَ التوكيلَ في البَيْعِ، إلَّا أَنْ يَحُدَّ له حدًّا، فيَكونُ على ما أذِنَ له؛ لأَنَّ الأمْرَ إلى المُوكِّلِ في ذلك، لكَوْنِ الحقِّ له، والوَكيلُ نائِبُه، فتُنْسَبُ له الوَكالةُ على ما يَقْتَضيه لَفْظُ الموكِّلِ؛ إن كان لَفْظُه عامًّا اقْتَضَى العُمومَ، وإن كان خاصًّا اقْتَضى ذلك.12

وَلَا يُطَلِّقُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهِ.
وَإِنْ وَكَّلَ اثْنَيْنِ فِيهِ، فَلَيْسَ لأحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِهِ، إِلَّا بِإِذْنٍ،

3428 - مسألة: (وَلَا يُطَلِّقُ أكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ)

ذلكَ (إلَيْه) لأَنَّ الأمْرَ المُطْلقَ (1) يتَناولُ أقلَّ (2) ما يَقَعُ عليه الاسْمُ، إلَّا أن يَجْعَلَ أكثرَ مِن واحدةٍ بلَفْظِه أو نِيَّتِه.
نصَّ عليه؛ لأنَّه نَوَى بكلامِه ما يَحْتَمِلُه.
والقولُ قولُه في نِيَّتِه؛ لأنَّه أعْلَمُ بها.
3429 -

مسألة: (فَإنْ وَكَّلَ اثْنَيْن)

صَحَّ (ولَيْسَ لأحَدِهِما)12

وَإِنْ وَكَّلَهُمَا فِى ثَلَاثٍ، فَطَلَّقَ أحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنَ الْآخَرِ، وَقَعَ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ.
أَنْ يُطَلِّقَ على الانْفِرَادِ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذلكَ إلَيْهِ؛ لأنَّه إنَّما رَضِىَ بتَصرُّفِهما جميعًا.
وبهذا قال الحسنُ، ومالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
فإنْ أذِنَ لأحَدِهما في الانْفِرادِ، صَحَّ؛ لأَنَّ الحَقَّ له.

3430 -

مسألة: (فإنْ وكَّلَهما في ثلاثٍ، فطَلَّقَ أحَدُهما أكثرَ مِن الآخَرِ)

مثلَ أن يُطَلِّقَ أحَدُهما واحدةً والآخَرُ ثلاثًا، فتَقَعُ واحدةٌ.
وبهذا قال إسْحاقُ.
وقال الثَّوْرِىُّ: لا يَقَعُ شىْءٌ.
ولَنا، أنَّهما طلَّقَا جميعًا واحدةً مأْذُونًا فيها، فصَحَّ، كما لو جَعَل إليهما واحدةً.
وإن طلَّقَ أحَدُهما اثْنَتَيْن والآخرُ ثلاثًا، وَقَعَتِ اثْنتانِ؛ لأنَّهما اجْتَمَعَا عليهما،

وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِى نَفْسَكِ.
فَلَهَا ذَلِكَ، كَالْوَكِيلِ،

3431 - مسألة: (وإن قال لامْرَأتِه: طَلِّقِى نَفْسَكِ. فلها ذَلِكَ، كالوَكِيلِ)

فإنْ نَوَى عَدَدًا، فهو على ما نَوَى.
وإنْ أطْلَقَ 1 مِنْ غيرِ نِيَّةٍ، لم تَمْلِكْ 2 إلَّا واحِدَةً؛ لأَنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ يَتَناوَلُ أقلَّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ.
وكذلك الحُكْمُ لو وَكَّلَ أجْنَبِيًّا فقال: طَلِّقْ زَوْجَتِىِ.
فالحُكْمُ على ما ذَكَرْناه.
قال أحمدُ: إذا قال لامْرأتِه: طَلِّقى نَفْسَكِ.
ونوَى ثلاثًا، [فطَلَّقَتْ نفْسَها ثلاثًا] 3، فهى ثلاثٌ، وإنْ كان نَوَى واحدةً [فهى واحدةٌ] 4؛ لأن الطَّلاقَ يَكونُ واحدةً وثلاثًا، فأيُّهما نَوَاهُ فقد نَوَى بلَفْظِه

..................................  ما احْتَمَلَه، وإن لم يَنْوِ تَناوَلَ اليَقِينَ.
فإن طَلَّقَتْ نَفْسَها، أو طَلَّقَها الوَكيلُ في المجلسِ أو بعدَه، وَقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنَّه توكيلٌ.
وقال القاضى: إذا قال لامْرأتِه: طَلِّقِى نفْسَكِ.
تَقَيَّدَ بالمجلسِ؛ لأنَّه تفويضٌ للطَّلاقِ إليها، فتَقيَّدَ بالمجلسِ، كقولِه: اخْتارِى.
ولَنا، أنَّه تَوْكِيلٌ في الطَّلاقِ، فكان على التَّراخِى، كتَوْكِيلِ الأجْنَبِىِّ، وكقولِه: أمْرُكِ بيَدِكِ.
[وفارقَ: اخْتارِى.
فإنه تَخْييرٌ.
ويَنْتَقِضُ ما ذكَرَه بقَوْلِه: أمْرُكِ بيَدِكِ] 1. فإن قال: طَلِّقِى ثلاثًا.
فطَلَّقَتْ واحدةً، وَقَعَ.
نَصَّ عليه.
وقال مالكٌ: لا يَقعُ شئٌ؛ لأنَّها لم تَمْتَثِلْ أمرَه.
ولَنا، أنَّها مَلَكَتْ إيقاعَ ثلاثٍ، فمَلَكَتْ إيقاعَ واحدةٍ، كالمُوَكَّلِ، ولأنه لو قال: وهَبْتُكَ هؤلاء العبيدَ الثلاثةَ.
فقال: قَبِلْتُ واحدًا منهم.
صَحَّ، كذا ههُنا.
وإن قال: طَلِّقِى واحدةً.
فطَلَّقَتْ ثلاثًا، وَقَعتْ واحدةٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ أيضًا.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَقعُ شئٌ؛ لأنَّها لم تَأْتِ بما يَصْلُحُ قَبُولًا، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ نِصْفَ هذا العبدِ.
فقال: قَبِلْت البيعَ في

..................................  جميعِه.
ولَنا، أنَّها أوْقَعَتْ طلاقًا مَأْذُونًا فيه وغيرَه، فوَقَعَ المأْذُونُ فيه دونَ غيرِه، كما لو قال: طَلِّقِى نفْسَك.
فَطَلَّقَتْ نفْسَها وضَرائرَها.
فإن قال: طَلِّقِى نَفْسَك 1. فقالتْ: أنا طالقٌ إن قَدِمَ زيدٌ.
لم يَصِحَّ؛ لأَنَّ إذْنَه انْصَرَف إلى المُنْجَزِ، فلم يتَناولِ المعَلَّقَ على شرْطٍ.
وحُكْمُ توكيلِ الأجْنَبِىِّ في الطَّلاقِ كحُكْمِها فيما ذَكَرْناه كلّه.
فصل: نقَلَ عنه أبو الحارِثِ، إذا قال: طلِّقى نَفْسَكِ طلاقَ السُّنَّةِ.
فقالت: قد طلَّقْتُ نفْسِى ثلاثًا: هى واحدةٌ، وهو أحَقُّ برَجْعَتِها.
إنَّما كان كذلك؛ لأَنَّ التَّوْكيلَ بلَفْظٍ يتَناوَلُ أقلَّ ما يقَعُ عليه اللَّفْظُ، وهو طَلْقةٌ واحدةٌ، وسِيَّما وطلاقُ السُّنَّةِ في الصَّحيحِ واحدةٌ في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه (1).

وَإِنْ قَالَ لها: اخْتَارِى مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْتِ.
لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتيْنِ.

3432 - مسألة: (وإن قال: اخْتَارِى مِنْ ثَلاثٍ ما شِئْتِ. لَمْ يَكُنْ لها أن تختارَ أكثرَ مِن اثْنَتَيْن)

لأَنَّ لفظَه يَقتَضِى ذلك؛ لأَنَّ «مِن» للتَّبْعِيضِ، فلم يَكُنْ لها اسْتِيعابُ الجميعِ.
واللَّه أَعلمُ.

بَابُ سنَّةِ الطَّلَاقِ وَبِدْعَتِهِ

السُّنَّة فِى الطَّلَاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فِى طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، ثمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِىَ عِدَّتهَا.
بابُ سنَّةِ الطَّلاقِ وبدْعَتِهِ (السُّنَّةُ في الطَّلاقِ أن يُطَلِّقَها واحدةً في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه، ثم يَدَعَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها) يعنى بطلاقِ السُّنَّةِ الطَّلاقَ الذى وَافقَ أمرَ اللَّهِ سبحانه وتعالى وأمْرَ رَسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-، في قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 1. وفى حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، الذى ذكَرْناه 2. ولا خِلافَ في أنَّه إذا طَلَّقَها في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه واحدةً، ثم تَرَكَها حتى تَنْقَضىَ عِدَّتُها، أنَّه مُصِيبٌ للسُّنَّةِ مُطَلِّقٌ للعدَّةِ التى أمَرَ اللَّهُ بها.
قاله 3 ابنُ عبدِ البَرِّ، وابنُ المُنْذِرِ.

..................................  قال ابنُ مسعودٍ: طَلاقُ السُّنَّةِ أن يُطَلِّقَها مِن غيرِ جماعٍ 1. وقال في قولِه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
قال: طَاهِرًا مِن غيرِ جِمَاعٍ 2. ونحوُه عن ابنِ عباسٍ 3. وفى حديثِ ابنِ عمرَ الذى رَوَيْناه: «ليَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ 4 إنْ شَاءَ أمْسَكَ، وإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أمَرَ اللَّه أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».
وقولُه: ثم يدعَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها.
فمَعْناه أن لا يُتْبِعَها طَلاقًا آخَرَ قبلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، ولو طَلقَها ثَلاثًا في ثَلاثةِ أطْهارٍ، كان حُكْمُ ذلك حُكْمَ جَمْعِ الثَّلاثِ في طُهْرٍ واحدٍ.
قال أحمدُ: طلاقُ السُّنَّةِ واحدةٌ، ثم يَتْرُكُها حتى تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ.
وكذلك قال مالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: السُّنَّةُ أَنْ يُطَلِّقَها ثلاثًا، في كُلِّ قَرْءٍ طَلْقَةٌ.
وهو قولُ سائِرِ الكُوفِيِّينَ، واحْتَجُّوا بحديثِ ابنٍ عمرَ، حين قال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رَاجعْهَا، ثُمَّ أمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ».
قالوا: وإنَّما أَمَرَه بإمْساكِها في هذا الطُّهْرِ؛

جارٍ التحميل