وَمَنْ تَرَكَ السُّجُودَ الْوَاجِبَ قبْلَ السلَامِ عَمْدًا، بَطلتِ الصلَاةُ، وإنْ تَرَكَ الْمَشْرُوعَ بَعْدَ السلَامِ، لَمْ تَبْطلْ.
فصل: وإذا نَسِيَ سُجُودَ السَّهْو حتَّى طال الفَصْلُ، لم تبْطُلْ صَلَاتُه.
وهو قولُ الشَّافعيّ، وأصْحابِ الرأيِ.
وعن أحمدَ، إن خَرَج مِن المَسْجِدِ أعاد الصلاةَ.
وهو قولُ الحَكَمِ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وقولُ مالك، وأبي ثَور، في السُّجُودِ قبل السلامِ.
ووَجْهُ الأولِ، أنَّه جابِر للعِبادَةِ بعدَها، فلم تَبْطُلْ بتَرْكِه، كجُبْراناتِ الحَج.
487 -
مسألة: (وإن تَرَك السُّجُودَ الواجِبَ قبلَ السلامِ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلاتُه)
لأنه تَرَك واجِبًا في الصلاةِ عمدًا.
(وإن تَرَك المَشْرُوعَ 1 بعدَ السَّلامِ، لم تَبْطُلْ) لأنه جَبْرٌ للعِبادَةِ خارِجٌ مها، فلم
..................................
تَبْطُلْ بتَرْكِه، كجُبْراناتِ الحَجِّ، وسَواء كان مَحَله بعدَ السلامِ أو كان قبلَه، فنَسِيَه، فصار بعدَه.
وقد نُقِل عن أحمدَ ما يَدُل على بُطْلانِ الصلاةِ، ونُقِل عنه التوَقفُ، فإنَّه قال، في مَن نسِيَ سجُودَ السَّهْوِ: إن كان في سهو خَفِيف، فأرْجُو أن لا يَكُونَ عليه.
قال الاُثْرَمُ: قلتُ [لأبي عبدِ اللهِ] 1: فإن كان فيما سَها فيه النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؟ فقال: هاه.
ولم يُجِبْ، فبَلَغَنِي عنه أنه يَسْتَحِب أن يُعِيدَ.
فإذا كان هذا في السَّهْوِ، ففي العَمْدِ أوْلَى.
والأولُ 2 ظاهِر المَذْهَبِ.
فصل: ويقولُ في سُجُودِ السهْوِ ما يَقُولُ في سُجُودِ صُلْبِ الصلاةِ، قياسًا عليه.
والله تعالى أعلمُ.
بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ
وَهِيَ أفْضَلُ تَطَوُّعِ الْبَدَنِ، بابُ صلاةِ التطَوُّعِ
488 -
مسألة؛ قال: (وهي أفْضَلُ تَطوعِ البَدَنِ)
لقَوْلِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: «وَاعْلَمُوا أن خَير أعْمالِكُمُ الصلَاةُ».
رَواه ابنُ ماجه 1. ولأن فَرْضَها آكَدُ الفُرُوض، فتَطَوُّعُها آكَدُ التَّطَوعِ.
وَآكَدُهَا صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاءِ،
489 - مسألة: (وآكَدُها صلاةُ الكُسُوفِ والاسْتِسْقاءِ)
لأن النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَها وأمَرَ بصلاةِ الكُسُوفِ، في حديثِ أبي 1 مسعودٍ، فذَكَرَ الحديثَ إلى أن قال: «فَصَلوا وَادْعُوا حَتى يُكشَفَ مَا بِكُمْ».
مُتَّفَق عليه 2، وفي حَدِيثِ عائشةَ، مِن رِوايةِ أبي داودَ 3، أمَرَ بمنْبَرٍ، فوُضعَ له، ووَعَد النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه، أي: في الاستِسْقاءِ.
وهذا يَدُل
ثُمَّ الْوِتْرُ، وَلَيْس بِوَاجِبٍ، وَوَقْتُهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأقَلُّهُ رَكْعَة، وَأكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلمُ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ، وَيُوترُ بِرَكْعَةٍ.
على الاعْتِناءِ بها، والمُحافَظَةِ عليها.
490 -
مسألة؛ قال: (ثم الوِتر، وليس بواجِب، ووَقْتُه ما بينَ صلاةِ العِشاء وطُلُوعِ الفَجْرِ، وأقلُّه رَكْعَةٌ، وأكثرُه إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَة، يُسَلِّمُ مِن كل رَكْعَتَيْن، ويُوتِر برَكْعَةٍ)
الوِترُ سُنةْ مُؤكدَة، في المَنْصُوص
..................................
عنه.
قال أحمدُ: مَن تَرَك الوِتْر عَمْدًا] 1 فهو رَجُلُ سوء، ولا يَنْبغى أن تُقْبَلَ له شَهادَة.
أراد بذلك المُبالَغَةَ في تَأكيدِه، ولم يُرِدِ الوُجُوبَ؛ فإنَّه قد صَرحَ، في رِوايَةِ حَنبلٍ، فقال: الوِتر ليس بمَنْزِلَةِ الفَرْض، فإن شاء قضَى الوِتر، وإن شاء لم يقضه.
وذلك لأنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يداوِمُ عليه حَضَرًا وسَفَرًا.
وروَى أبو أيوبَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «الْوِتر حَقٌّ؛ فَمَنْ أَحَبُّ أن يُوتِرَ بِخمس فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَن أحَبَّ أنْ يُوترَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ».
رَواه أبو داودَ 2.
فصل: واخْتَلفَ أصحابُنا في الوِتْرِ ورَكْعَتَيِ الفَجْرِ، فقال القاضي: رَكْعَتا الفَجْرِ آكَدُ؛ لاخْتِصاصِهما بعَدَدٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ.
وقال غيرُه: الوِتر آكَدُ.
وهو أَصَحُّ؛ لأنه مُخْتَلَف في وُجُوبِه، وفيه مِن الأخْبار ما لم يَأْتِ مِثْلُه في رَكْعَتَى الفَجْرِ، لكنْ رَكْعَتا الفَجْرِ تَلِيه في التَّأكِيدِ.
..................................
فصل: وليس الوِتر واجِبًا.
وبهذا قال مالك، والشافعي.
وذَهَب أبو بكر إلى وجُوبِه.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ أبي أيُّوبَ، ولقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَإذَا خِفْتَ الصُّبْحَ، فَأوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» 1. وعن بُرَيْدَةَ، قال: سَمعْتُ رسولَ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «الوِتر حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنا».
رَواه الإمامُ أَحْمد 2. وعن خارِجَةَ بنِ حُذافَةَ، قال: خَرَج علينا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ذاتَ غَداةٍ، فقال: «إنَّ اللهَ قدْ أمَدكُمْ بِصَلَاة، وَهِيَ خَيْر لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، وَهِيَ الوِتر، فجَعلَها لَكمْ فِيما بَيْنَ العِشاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ».
رَواه الإمام أحمدُ 3، وأبو داودَ 4. وعن أبي بَصْرَةَ 5، قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «إن اللهَ زَادَكُمْ صَلَاةً، فَصَلوهَا مَا بَيْنَ العِشاءِ إلى صَلَاةِ الصبحِ».
رَواه الأثْرَمُ 6.
..................................
ولنا، قَوْلُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للأعْرابِي، حينَ سَألَه عن ما فَرَض الله عليه مِن الصلاةِ في اليوم والليْلَةِ، قال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ».
قال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: «لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ».
فقال الأعْرَابي: والذى بَعَثَك بالحَقِّ لا أزِيدُ علها، ولا أنقُص منها.
فقال: «أفْلَحَ الرجُلُ إنْ صَدَقَ».
حديث صحيح 1. ورُوِي أن رجلًا مِن كِنانَةَ يُدْعَى المُخْدِجِيَّ 2، سَمِع رَجُلًا مِن أهلِ الشامِ، يُدْعَى أَبا محمدٍ، يقولُ: إن الوِتر واجِبٌ.
قال: فرُحْت إلى عُبادَةَ بنِ الصامِتِ، فأخْبَرْتُه، فقال عُبادَةُ: كذَب أبو محمدٍ،
..................................
سَمعْتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «خَمس صَلَوَاتٍ كَتَبَهُن الله تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِن لَمْ يُضَيعْ مِنْ حَقِّهِن شَيْئًا، اسْتِخْفَافًا بِحَقهِنَّ، كان له عندَ الله عَهْد أنْ يُدْخِلَهُ الْجَنةَ، وَمَنْ لم يَأتِ بِهن، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الله عهد، إنْ شَاءَ عَذبَه، وَإنْ شاءَ أدْخَلَهُ الجَنةَ».
رَواه مسلمٌ 1. وعن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، قال: الوِتر ليس بحَتْمٍ، ولكنَّ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْتَرَ، ثم قال: «يَا أهْلَ الْقُرْآنِ أوْتِرُوا، فَإنَّ الله يُحِبُّ الْوِتر».
رَواه أحمدُ 2. ولأنه يَجُوزُ فِعْلُه على الراحِلَةِ مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فلم يَكُنْ واجِبًا، كالسننِ، فرَوَى ابنُ عُمَرَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُوتِرُ على بَعيرِه.
مُتفَق عليه 3. وفي لَفْظٍ: كان يُسَبحُ على الراحِلَةِ قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ توَجهَ، ويُوتِرُ عليها، غيرَ أنَّه لا يُصَلِّي عليها المَكتُوبَةَ.
رَواه مسلم 4.
..................................
وأحادِيثُهم قد تُكُلِّمَ فيها، ثم إنَّ المرادَ بها تَأكدُه وفَضِيلته، وذلك حَقٌّ، وزِيادَةُ الصلاةِ يَجُوزُ أن تكونَ سُنة، والتَوَعُّدُ للمبالَغَةِ، كقَوْلِه: «مَنْ أكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَن مَسْجِدَنَا» 1. والله أعلمُ.
فصل: ووَقْتُه ما بينَ صلاةِ العشاءِ إلى طُلُوعِ الفَجرِ.
كذلك ذَكَرَه شيخُنا في كتاب «المغْنِي» 2. وذَكَر في «الكَافِي» أنَّه إلى صلاةِ الصبح؛ لقولِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إن اللهَ زَادَكُمْ صَلَاة فَصَلوهَا مَا بينَ الْعِشَاءِ إلَى صَلاةِ الصبحِ».
رَواه الإمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ» 3. ووَجْهُ الأولِ ما رُوِيَ عن مُعاذ، قال: سَمِعْتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقولُ: «زَادَنِي رَبِّي صَلَاةً، وَهِيَ الْوِتر، وَوَقتها مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ».
رَواه الإمامُ أحمدُ 4. فإن أوْترَ قبلَ العِشاءِ، لم يَصِحَّ وِتره.
وهو قولُ مالك،
..................................
والشافعيِّ، ويَعْقُوبَ، ومحمَّد.
وقال الثَّوْرِي، وأبو حنيفةَ: إن صَلَّاه قبلَ العشاءِ ناسِيًا، لم يُعدْ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن، ولأنه صَلاه قبل الوَقْتِ، أشْبهَ ما لو صَلاه نَهارًا.
وإن أخَّرَه حتَّى طَلَع الصُّبْحُ، احْتمَلَ أن يكونَ أداءً؛ لحديثِ أبي بَصْرَةَ.
وهو قولُ عليٍّ، وابن مسعودٍ، رَضىَ الله عنهما.
قال شيخُنا 1: والصحِيحُ أن يَكُونَ قضاءً؛ لحديثِ مُعاذٍ، ولقوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَإذَا خَشىَ أحَدُكُم الصبحَ صَلى رَكْعَة، فَأوْتَرَتْ لَه مَا قَدْ صَلَّى» 2. وقال: «وَاجْعلُوا آخِرَ صَلاتكمْ بِالليْلِ وِترا».
متفق عليه 3. وقال: «أوْتِرُوا قَبلَ أنْ تُصْبحُوا».
رَواه مسلمٌ 4.
..................................
فصل: والأفَضْلُ فِعلُه في آخِرِ اللَيْلِ؛ لقَوْلِ عائشةَ: مِن كلِّ الليْلِ قد أوْترَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فانتهَى وِتره إلى السَّحَرِ.
مُتَّفَق عليه 1. وقال النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مَنْ خَافَ أنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِر الليْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أوَّلِه، وَمَنْ طَمعَ أنْ يَقُومَ آخِرَهُ، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإنَّ صلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مشهُودَةٌ، وَذَلِكَ أفْضَلُ».
رَواه مسلمٌ 2. وهذا صَريحٌ.
فإذا كان له تَهَجُّر جَعَل الوِتر بعدَه؛ لأنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَل ذلك، وقال: «اجْعلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ باللَّيْلِ وِترًا».
رَواه مسلم 3. فأما إن خاف أن لا يَقُوم آخِرَ اللَّيْلِ، اسْتُحب أن يُوتِرَ مِن أولِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، ولأن
..................................
النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْصَى به أَبا هُرَيرةَ 1، وأبا ذَر 2، وأبا الدرْداءِ 3، وكلها أحادِيثُ صحاحٌ.
وروَى أبو داودَ 4، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لأبي بكرٍ: «مَتَى تُوتِرُ؟» قال: أوتِرُ مِن أولِ الليْلِ.
وقال لعُمَرَ: «مَتَى تُوتِرُ؟» قال: آخِرَ الليْلِ.
فقال لأبي بكر: «أخَذَ هَذَا بالْحَزْمِ، وَهَذَا بالْقُوةِ».
وأيَّ وَقْتٍ أوْتَرَ مِن الليْلِ بعدَ العِشاءِ أجْزَأه، بغيرِ خِلافٍ.
وقد دلَّتْ عليه الأخبارُ.
..................................
فصل: ومَن أوْتَرَ أولَ اللَّيْلِ، ثم قام للتهَجُّدِ، صَلَّى مَثْنَى مَثْنَى، ولم يَنْقُضْ وِتره.
رُوِي ذلك عن أبي بكر الصِّديقِ، وعَمَّارٍ 1، وسعدِ بنِ أبي وَقاصٍ، وابنِ عباس، وأبي هُرَيْرَةَ، وعائشةَ.
وبه قال طاوس، والنخَعي، ومالك، والأوزاعِي، وأبو ثَوْرٍ.
قيل لأحمدَ: ولا تَرَى نَقضَ الوِتْرِ؟ فقال: لا.
ثم قال: وإن ذَهَب إليه ذاهِب فأرْجُو، قد فَعلَه جَمَاعَة.
رُوِي [عن عُمرَ] 2، وعلي، وأسامَةَ، وأبي هُرَيرةَ، وابنِ مسعود، وعُثْمانَ، وسعدٍ 3، وابنِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال إسْحاقُ.
ومَعْناه أنَّه إذا قام للتهَجُّدِ.
يُصَلِّى رَكْعَة تشْفَعُ الوِتر الأولَ، ثم يُصَلى مَثْنَى مَثْنَى، ثم يُوتِرُ في آخِرِ التَّهَجُّدِ.
ولَعلَّهم ذَهَبُوا إلى قولِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاِتكُمْ بِالليْلِ وِترًا».
ولَنا، قولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا وِترانِ فِي لَيْلَةٍ».
رَواه أبو داودَ، والترمِذِي 4، وقال: حديثٌ حسن صحيحٌ.
..................................
فصل: وأقلُّه رَكْعَةٌ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي أيوبَ 1، ولِما رُوِي أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «صَلَاة الليْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خَشيتَ الصبحَ فَأوْتِرْ بِوَاحِدَة» 2. وروَى ابن عمَرَ، وابنُ عباس، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «الْوِتر رَكْعَة مِنْ آخِرِ الليْلِ».
رَواهما مسلمٌ 3. وأكْثرُه إحْدَى عَشرةَ رَكْعَة، يُسَلمُ مِن كل رَكْعتَيْن، ويُوترُ برَكْعَةٍ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى باللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوترُ منها بواحِدَةٍ.
رَواه مسلم 4. وفي لَفْظٍ: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلِّي، فيما بينَ أن يَفْرُغَ مِن صلاةِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ، إحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً، يُسَلمُ مِن كُل رَكْعَتَيْن، ويُوتِرُ بواحِدَةٍ.
وذَكَر القاضي، في «المُجَرَّدِ»، أنَّه إن صَلى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، أو ما شاء منهن بسَلام واحِدٍ، أجْزَأه.
والأوْلَى الاقْتِداءُ بالنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
وإنْ أوْتَرَ بتسْع سَرَدَ ثَمَانِيًا، وَجَلَسَ فَتَشَهَّدَ وَلَمْ يُسَلِّمْ، ثُم صَلَّى التاسِعَةَ وَتشَهَّدَ وَسَلَّمَ.
وَكَذَلِكَ السبعُ.
وإنْ أوْتَرَ بِخمْس، لَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ.
491 - مسألة: (وإن أوْتَرَ بتسع سَرَد ثَمانِيًا، وجَلَس فتشهَّدَ 1 ولم يُسَلِّمْ، ثم صَلَّى التَّاسِعةَ وتَشَهدَ وسَلَّمَ، وكذلك السبعُ. وإن أوْتَرَ بخَمسْ، لم يَجلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ) وجُملته أنَّه يَجُوزُ أن يُوتِرَ بواحِدَة، وثَلاث، وخَمس، وسَبْع، وتَسْع، وإحْدَى عَشْرَةَ. وقد ذَكَرْنا دَلِيلَ
..................................
الواحِدَةِ، والإحْدَى عَشْرَةَ، وسنَذْكرُ الثلاثَ، إن شاء الله تعالى.
قال الثوْرِي، وإسْحاق: الوتر ثَلاث، وخَمْس وسبْع، وتِسْع، وإحْدَى عَشرةَ.
وقال ابنُ عباسٍ: إنما هي واحِدَةٌ، أو خَمسٌ، أو سبْعٌ، أو أكْثرُ مِن ذلك، يُوتِرُ بما شاءَ.
فظاهِرُ قَوْلِه، أنَّه لا بَأس أن يُوتِرَ بأكْثَرَ مِن إحْدَى عَشرةَ، ويَدُلُّ عليه ما روَى عبدُ الله بن قَيْسٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: بكم كان رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُوتِرُ؟ قالت: كان يُوترُ بأرْبَعٍ وثَلاثٍ، وسِت وثَلاثٍ، وثَمانٍ وثَلاثٍ، وعَشْرٍ وثَلاثٍ، ولم يَكنْ يُوتِرُ بأقل مِن سَبْعٍ، ولا بأكْثَرَ مِن ثَلاثَ عَشرةَ.
رَواه أبو داودَ 1. وهذا صَرِيحٌ في أنَّه يَزِيدُ على إحْدَى عَشرةَ.
..................................
فصل: فإن أوْتَرَ بتسْع سَرَد ثَمانِيًا، ثم جَلَس فتَشهَّدَ ولم يُسَلِّمْ، ثم صَلَّى التاسِعَةَ وتَشَهدَ وسَلَّمَ.
ونَحْوَ هذا قال إسحاقُ.
وذلك لِما روَى سعدُ 1 بنُ هِشام، قال: قلتُ، يعنى لعائشةَ: يَا أمَّ المُؤمِنين أنبِئِينِي عن وِتْرِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؟ قالت: كنا نُعِد له سِواكَه وطَهُورَه، فيَبْعثُه الله ما شاء أن يَبْعَثَه، فيَتَسَوَّكُ ويَتَوَضَّأ ويُصَلِّي تِسْعَ رَكَعاتٍ، لا يَجْلِسُ فيها إلَّا في الثَّامِنَةِ، فيَذْكُرُ اللهَ ويَحْمَدُه، ويَدْعُوه، ثم يَنْهَضُ ولا يُسَلِّمُ، ثم يَقُومُ فيُصَلى التاسِعَةَ، ثم يَقْعدُ فيَذْكُرُ الله ويَحْمَده ويَدْعُوه، ثم يُسَلم تَسْلِيمًا يُسْمِعُنا، ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْن بعدَ ما يُسَلمُ وهو قاعِدٌ، فتلك إِحْدَى عَشرةَ رَكْعَةً يَا بُنَي، فلَما أسَنَّ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأخَذَ اللَّحْمُ، أوْتَرَ بسَبْعٍ، وصَنَع في الركْعَتَيْن مثلَ صنِيعِه في الأولِ.
قال: فانْطَلَقْتُ إلى ابنِ عباس، فحَدثتُه بحَدِيثها، فقال: صدَقتْ.
رَواه مسلم 2.
..................................
وحُكْمُ السبعِ حُكْمُ التسْعِ؛ لأن في حَدِيثِ عائشةَ، من رِوايةِ أبي داودَ 1: أوْتَرَ بسَبْعٍ ولم يَجْلِسْ إلَّا في السادِسَةِ والسابِعَةِ، ولم يُسَلمْ إلَّا في السّابِعَةِ.
وقال القاضي: لا يَجْلِسُ في السبع إلَّا في آخِرِهنُّ، كالخَمس؛ لِما روى ابنُ عباسٍ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: فتَوضأ ثم صَلى سَبْعًا أو خَمْسًا، أوْترَ بهن، لم يُسَلمْ إلَّا في آخِرِهِن.
رَواه مسلم، وأبو داودَ 2. وليس في هذا الحَديثِ تَصْرِيح بأنه لم يَجْلِسْ عَقِيبَ السادِسَةِ، وحَدِيثُ عائشةَ حُجَّة عليه.
وإن أوْتَرَ بخَمْسٍ، لم يَجْلِسْ إلَّا في آخِرِهن.
رُوِيَ ذلك عن زيدِ 3 بنِ ثابِتٍ؛ لِما روَى عُرْوَةُ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يصَلِّى مِن الليْلِ ثَلاثَ عَشرةَ رَكْعَة، يُوتِرُ من ذلك
وَأدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ،
بخَمسٍ، لا يَجْلِسُ في شئٍ مِنها إلَّا في آخِرِها.
مُتَّفَق عليه (1).
492 -
مسألة: (وأدْنَى الكَمالِ ثَلاثُ رَكَعاتٍ بتَسْلِيمَتَيْن)
كذلك ذَكَرَه أبو الخَطابِ.
وممن رُوِيَ عنه أنَّه أوْتَرَ بثَلاثٍ؛ عُمَرُ، وعَليٌّ، وأُبَيٌّ، وأنسٌ، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وأبو أمامةَ، وعُمَرُ ابنُ عبدِ العَزِيزِ.
وبه قال أصْحابُ الرأيِ.
وقد دَلَّ على ذلك حَدِيثُ أبي1
..................................
أيوبَ 1. وقال أبو موسى: ثَلاث أَحَبُّ إليَّ مِن واحِدَةٍ، وخَمس أَحَبُّ إليَّ مِن ثَلاثٍ، وسَبْع أَحَبُّ إليَّ مِن خَمْس، وتسْعٌ أَحَبُّ إلى مِن سبْع 2. إذا ثَبَت ذلك، فاخْتِيارُ أبي عبدِ اللهِ أن يَفْصِلَ بينَ الواحِدَةِ والثنتيْن بالتسْلِيمِ، قال: وإن أوْترَ بثلاث لم يُسَلمْ فيهن، لم يُضَيقْ عليه عندِي.
وممن كان يُسَلّمُ مِن الركْعَتَيْن 3، ابنُ عُمَرَ، حتَّى يَأمُرَ ببعض حاجَتِه.
وهو مَذْهَبُ مُعاذٍ القارِئُ 4، ومالك، والشافعي، وإسْحاقَ.
وقال الأوْزاعِي: إن فَصَل فحَسَن، وإن لم يَفْصِلْ فحَسَن.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَفْصلُ بسَلام.
واستَدَل بقَوْلِ عائشة، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُوتِرُ بأرْبَعٍ وثَلاثٍ، وسِتٍّ وثَلاثٍ، وثَمان وثَلاثٍ.
وقوْلها: كان يُصَلِّي أرْبَعًا، فلا تَسْأل عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يُصَلِّي أربَعًا، فلا تَسْألْ عن حُسْنِهن وطُولِهنَّ، ثم يُصَلى ثَلَاثًا 5. فظاهِرُ هذا أنَّه كان
..................................
يُصلى الثَّلاثَ بتَسْلِيم واحِدٍ.
ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصَلى، فيما بينَ أن يَفْرُغَ مِن صَلاةِ العِشاءِ إلى الفَجْرِ إحْدَى عَشرةَ رَكْعَة، يُسَلِّمُ ينَ كل رَكْعَتَيْن، ويوتِرُ بواحِدَة.
رَواه مسلم 1. وعن نافِع، عن ابن عمَرَ، أن رجلًا سأل رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عن الوِتْرِ، فقال رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «افْصِل بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثنتَيْن بالتَّسْلِيمِ».
رَواه الأثْرَمُ.
وعن ابن عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَفْصِلُ بينَ الشفْع والوِتْرِ بتَسْلِيمة يُسْمِعُناها.
رَواه الإمامُ أحمدُ 2. وهذا نَصٌّ.
فأما حديث عائشةَ فليس = باب وصلاة الليل، من كتاب التطوع.
سنن أبي داود 1/ 307، 313. والنَّسائيّ، في: باب ما جاء في وصف صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من أبواب الصلاة.
عارضة الأحوذى 2/ 228، 229. والنَّسائيّ، في: باب إيذان المؤذنين الأئمة بالصلاة، من كتاب الأذان.
وفي: باب السجود بعد الفراغ من الصلاة، من كتاب السهو، وفي: باب كيف الوتر بواحدة، وباب كيف الوتر بثلاث، وباب كيف الوتر بإحدى عشرة ركعة، وباب قدر السجدة بعد الوتر، من كتاب قيام الليل.
المجتبي 2/ 24، 25، 3/ 55، 192، 201، 207. وابن ماجه، في: باب ما جاء في كم يصلي من الليل، من كتاب إقامة الصلاة.
سنن ابن ماجه 1/ 432. والدارمي، في: باب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، باب صفة صلاة رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وباب كم الوتر، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 337، 344، 371. والإمام مالك، في: باب صلاة النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الوتر، من كتاب صلاة الليل.
الموطأ 1/ 120. والإمام أَحْمد، في: المسند 6/ 35، 74، 83، 143، 182، 215.
يَقْرأُ فِي الأولَى ﴿سَبِّحِ﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثالِثَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
فيه تَصْرِيح بأنَّها بتَسْلِيم وِاحِدٍ.
فإن صَلى خلفَ إمام يُصَلى الثلاثَ.
بتَسْلِيم واحدٍ 1، تابَعه؛ لئلَّا يُخالِفَ إمامَه.
وهو قوُل مالكٍ.
والله أعلمُ.
493 -
مسألة؛ قال: (يَقْرَأ في الأولَى بـ ﴿سَبِّح﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثَّالِثَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
يُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأ في ركَعاتِ الوِتْرِ الثلاثِ بذلك.
وبه قال الثَّوريّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرأيِ.
وقال الشَّافعيّ: يَقْرأ في الثَّالِثَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ والمُعَوِّذَتَيْن.
ورُوِي نَحْوُه عن أحمدَ.
وهو قولُ مالكٍ في الوتْرِ.
وقال في الشفْع: لم يَبْلُغْنِي فيه شئٌ مَعْلُومٌ، لِما رَوَت عائشةُ، أنَّ رسول الله اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يقرأ في الرَّكْعَةِ الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانِيةِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثّالِثَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ والمُعَوذَتَيْن.
رَواه ابنُ ماجه
2. ولَنا، ما روَى أبَى بنُ كَعْب، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يوتِرُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
رَواه أبو داودَ، وابنُ
وَيَقْنتُ فِيهَا بَعْدَ الرُّكُوعِ،
ماجه (1). وحدِيثُ عائشةَ في هذا لا يَثْبُتُ، يَرْوِيه يحيى بنُ أيوبَ، وهو ضَعِيفٌ.
وقد أنكَرَ أحمدُ ويحيى (2) زِيادَة المُعَوِّذَتَيْن.
494 -
مسألة؛ قال: (ويَقْنُتُ فيها بعدَ الرُّكوعِ)
القُنُوتُ مَسْنُونٌ في الركْعَةِ الأخِيرَةِ مِن الوِتْرِ في جَمِيع السنةِ في المَنْصُورِ 3 عندَ أَصْحابِنا.
وهو قولُ ابن مسعودٍ، وإبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرأيِ.
وعنه، لا يَقْنُتُ فيه إلَّا في النِّصْفِ الأخِيرِ مِن رمضانَ.
رُوِي ذلك عن عليٍّ، وأبيٍّ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعي،12
..................................
واخْتارَه الأثْرَمُ؛ لِما رُوى أنَّ عُمَرَ جَمَع النَّاسَ على أبي بنِ كَعْبٍ، فكان يُصَلى بهم عِشْرِين 1، ولا يَقْنُتُ إلَّا في النصفِ الباقِي 2. رَواه أبو داودَ 3. وهذا كالإجْماعِ.
وقال قَتادَةُ: يَقْنُتُ في السَّنَةِ كلِّها إلَّا في النصْفِ الأوَّلِ مِن رمضان؛ لهذا الخَبَرِ.
والرِّوايَةُ الأولَى هي المَشْهُورَةُ.
قال أحمدُ، في رِواية المَرُّوذِي: كُنْتُ أذْهب إلى أنَّه في النِّصْفِ مِن شَهْرِ رمضانَ، ثم إنِّي قَنَتُّ 4، هو دُعاءٌ وخَيْرٌ.
وذلك لِما روَى أبَى، أن رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُوتِرُ، فيَقْنُتُ قبلَ الرُّكُوعِ 5. وحَدِيثُ عليٍّ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يقولُ في آخِرِ وِتْرِه: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ برضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ».
الحديثُ 6. وكان للدوام، وفِعْلُ أبي يَدُل على أنَّه رَأْيُه 7. ونحن لا نُنكِرُ الاخْتِلاف في هذا، ولأنه وِتر، فيُشرعُ فيه القُنُوتُ، كالنِّصْفِ الأخِيرِ.
..................................
فصل: ويَقْنُتُ بعدَ الرُّكُوعِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
رُوى نَحْو ذلك عن أبي بكر، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعليٍّ، رَضِيَ الله عنهُم.
وبه قال الشَّافعيُّ.
وقد قال أحمدُ: أنا أذْهَبُ إلى أنَّه بعدَ الرُّكُوعِ، وإن قَنَت قَبْلَه فلا بَأسَ.
ونَحْوَه قال أيوبُ السخْتِيانى 1؛ لِما روَى حُمَيْد، قال: سُئِل أنس عن القُنُوتِ في صَلاةِ الصبح، فقال: كنا نَقْنُتُ قبلَ الركُوعِ وبعدَه.
رَواه ابنُ ماجه 2. وقال مالك، وأبو حنيفةَ: يَقْنُتُ 3 قبلَ الركُوعِ.
ورُوِيَ ذلك عن أُبيٍّ، وابن مسعود، وأبي موسى، والبَراءِ، وابن عباس، وأنس، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيز؛ لأن في حديثِ أبَيٍّ: ويَقْنُتُ قبلَ الركوعِ 4. وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قنَت قبلَ الركوعِ 5. ولنا، ما روَى أبو هُرَيرةَ، وأنس أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَنَت بعدَ 6 الرُّكُوعِ.
فَيَقُولُ: اللهمَّ، إنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَهْدِيكَ، وَئسْتَغْفِرُكَ، وَنتُوبُ إلَيْك، وَنُؤمِنُ بكَ، وَنَتَوكَّلُ عَلَيْكَ، وَنثْنِي عَلَيْكَ الْخَير كُلَّهُ، ونَشكُرُكَ وَلَا نَكفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِي مَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِي مَنْ
رَواه مسلمٌ 1. وحَدِيث ابنِ مسعودٍ يَرْوِيه أَبان بنُ أبِي عَيَّاش، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ.
وحَدِيثُ أبي قد تكلمَ فيه أَيضًا.
وقيل: ذِكْرُ القُنُوتِ فيه غيرُ صَحِيحٍ.
والله أعلمُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنَّ يقولَ في قُنُوتِ الوترِ ما روِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصْحابِه، فروَى الحسنُ بن عليّ، قال: عَلَمَنِي رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كَلِماتٍ أقولهُنَّ في الوِتْرِ: («اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِي مَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي
عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِي مَنْ تَوَليْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيما أعْطَيْتَ، وَقِنَا شَر مَا قَضَيْتَ؛ فَإنَّكَ تَقْضى وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبنا وَتعَالَيْتَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لَا نُحْصِي ثَنَاء عَلَيْك، أَنْتَ كَمَا أثنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ.
فِي مَنْ عافَيْتَ، وَتَوَّلَّنِي فِي مَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قضَيْت، إنَّكَ تقضِى وَلَا يُقْضَى عَلَيْك، إنَّه لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَن عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ ربنا وَتَعَاليْتَ»).
رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ 1، وقال: هذا حديث حسن.
ولا نَعْرفُ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في القُنُوتِ شيئًا أحْسَنَ مِن هذا.
وعن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقُولُ في آخِرِ وِترِه: («اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِرِضَاكَ مِن سَخَطِكَ وَأعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبتكَ، وَأعُوذُ بكَ منْكَ، لَا أحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسكَ») رَواه الطيالِسِيُّ 2. وعن عُمَرَ، رَضِي
..................................
الله عنه، أنَّه قنَت في صَلاةِ الفَجْرِ، فقال: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، (اللَّهم إنَّا نَسْتَعِينُك، ونَسْتَهْدِيك 1، ونَسْتَغْفِرُك، ونُؤمِنُ بك، ونَتَوَكَّلُ عَلَيْك، ونُثنِي عَلَيْك الخَيْرَ كلَّه، ونَشْكُرُك، ولا نَكْفُرُك) بِسْم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم.
(اللَّهُمَّ إيَّاك نَعْبُدُ، ولك نُصَلِّي ونَسْجُدُ، وإلَيْك نَسْعَى ونَحْفِدُ، نَرْجو رَحْمتَك، ونَخْشَى عَذابَك، إنَّ عَذابَك الجِد بالكفّارِ مُلْحِقٌ) اللهُمَّ عَذِّبْ كفَرَةَ أهلِ الكتابِ الذين يَصُدونَ عن سَبِيلك 2. وهاتان سُورَتان في مُصْحَفِ أبَيٍّ.
وقال ابنُ سِيرِينَ: كَتَبَهما أبَيٌّ في مُصْحَفِه.
يَعْنِي إلى قوْلِه: بالكُفارِ مُلْحِق.
«نَحْفِدُ»: نبادِرُ.
وأصْل الحَفْدِ: مُدارَكَةُ الخَطْوِ والإسْراع.
و «الجِدُّ» بكَسْرِ الجِيمِ: الحَقُّ اللَّعِبُ.
و «مُلْحِقٌ» بكَسْرِ الحاءِ: لاحِقٌ.
هكذا يروَى هذا الحَرْفُ، يقال: لَحِقْتُ القَوْمَ وألْحَقْتُهم بمعنى واحِدٍ.
ومَن فَتَح الحاءَ أراد أنَّ الله يُلْحِقُه إياه، وهو مَعْنى صحيح، غيرَ أن الرِّوايَةَ هي الأولَى.
قال الخَلالُ: سَألْتُ ثعْلبًا عن مُلْحِقٍ وملحَقٍ، فقال: العربُ تَقُولُهما مَعًا.
..................................
فصل: إذا أخَذَ الإمام في القُنُوتِ، أمَّنَ مَن خَلْفَه.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
قال القاضي: وإن دَعا معه فلا بَأسَ.
فإن لم يَسْمعْ قُنُوتَ الإمامِ، دَعا.
نَص عليه.
ويرفَعُ يَدَيْه في حالِ القُنوتِ.
قال الأثْرَمُ: كان أبو عبدِ الله يَرْفَعُ يَديْه في القُنوتِ إلى صَدْرِه.
يروَى ذلك عن ابنِ مسعود 1، وعُمَرَ، وابنِ عباس.
وهو قولُ إسْحاقَ، وأصْحابِ الرأيِ.
وأنكَرَه الأوْزاعِي، ومالكٌ.
ولَنا، قَوْلُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا دَعَوْتَ اللهَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإذا فَرَغتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ».
رَواه أبو داودَ، وابن ماجه 2. وروَى السائِبُ بنُ يزِيدَ، أن رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا دَعا رَفع يَدَيْه، ومَسَح وَجْهَه بيَدَيْه.
رَواه أبو داودَ 3.
وَهَل يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
495 - مسألة: (وهل يَمْسَحُ وَجْهَه بيَدَيْه؟ على رِوايَتَيْن)
إحْداهما، يَمْسَحُ.
وهو قولُ الحسنِ، وهو الصحِيحُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن.
والثانِيَة، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنه دُعاء في الصلاةِ، فلم يَمْسَحْ وَجْهَه فيه، كسائِرِ دُعائِها.
وَلَا يَقْنُتُ فِي غيْرِ الْوِتْرِ،
496 - مسألة: (ولا يَقْنُتُ في غيرِ الوِتْرِ)
وبه قال الثَّوْرِيّ، وأبو حنيفةَ.
ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وابن مسعودٍ، وأبي الدَّرْداءِ.
وقال مالكٌ، والشافعي: يُسَنُّ القُنُوتُ في صلاةِ الصُّبْحِ، في جَمِيع الزمانِ؛ لأنَّ أنسًا قال: ما زال رسولُ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْنُتُ في الفَجْر حتَّى فارَقَ.
الدُّنْيا.
مِن «المُسْنَدِ» 1. ولأنَّ عُمَرَ كان يَقنُتُ في الصبحِ، بمَحْضَر مِن الصَّحابَةِ وغيرِهم 2. ولَنا، ما روَى مسلم في
..................................
صحيحِه 1، عن أَنَسٍ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَنَت شَهرًا، يَدْعُو على حَيٍّ مِن أحْياءِ العَربِ، ثم تَرَكَه.
وروَى أبو هُرَيْرَةَ 2، وابنُ مسعود 3 نحوه مَرْفوعًا.
وعن أبي مالكٍ الأشجَعِي، قال: قلتُ لأبي: يَا أبتِ إنّك قد صَلَّيْتَ خلف رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وأبي بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، وعليٍّ ها هنا بالكوفَةِ نَحْوَ خمس سِنِين، أكانوا يَقْنُتُون في الفجْرِ؟ قال: أيْ بُنَى مُحْدَثٌ.
قال الترمِذِي: هذا حَدِيث حسنٌ صحيحٌ.
ورَواه أحمدُ، وابنُ ماجه، والنَّسَائِيّ 4. والعَمَلُ عليه عندَ أكْثَرِ أهْلِ العلمِ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان لا يَقْنُتُ في صلاةِ الفَجْرِ، إلَّا إذا دَعا لقَوْمٍ، أو دَعا على قَوْمٍ.
رَواه سَعِيدٌ 5. وروَى سعيد أَيضًا، عن هُشَيم، عن عُرْوةَ الهَمْدانِيِّ، عن الشعْبِيِّ، قال: لَمّا قَنَت عليٌّ في صلاةِ الصبحِ،
إلَّا أنْ تَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ، فَلِلإِمَامِ خَاصَّةً الْقُنُوتُ فِي صلَاةِ الْفَجْرِ.
أنْكرَ ذلك النّاسُ.
فقال عليٌّ: إنَّا إنَّما اسْتَنْصَرْنا على عَدُونا هذا.
وحَدِيثُ أنس يَحْتَمِلُ أنَّه أراد طُولَ القِيامِ، فإنَّه يُسَمى قنُوتًا.
ويَحْتَمِلُ أنَّه كان يَقْنُتُ إذا دَعا لقَوْم، أو دَعا على قَوْم؛ ليَكُونَ مُوافِقًا لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن.
وقنُوتُ عُمَرَ يُحْمَلُ على أنَّه كان فِي أوْقاتِ النوازِل؛ فإنّ أكثَرَ الرواياتِ عنه أنَّه لم يَكُنْ يَقْنُتُ.
وعن سعيدِ بنِ جُبَيْر.
قال: أشْهدُ أنِّى سَمِعْتُ ابنَ عباس يَقُولُ: إن القُنُوتَ في صلاةِ الفَجْرِ بِدْعَة.
رَواه الدّارَقُطْنِي (1).
497 -
مسألة؛ قال: (إلَّا أن تَنْزِلَ بالمسلمين نازِلَة، فللإمام خاصةً القُنُوتُ في صلاةِ الفَجْرِ)
متى نَزَل بالمسلمين نازِلَة، فلِلإمامِ أن يَقْنُتَ في صلاةِ الصبحِ.
في المَنْصُوص عن أحمدَ، في رِواية الأثْرَمِ.
وقال1
..................................
أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ سُئِل عن القُنُوتِ في الفَجْرِ؟ فقال: لو قنت أيامًا مَعْلُومَة، ثم تَرَك، كما فَعَل النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
وبه قال الثَّوْرِي، وأبو حنيفةَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ، وفِعْلِ علي حينَ قال: إنما استنْصَرْنا على عَدُونا هذا.
ولا يَقْنتُ آحادُ الناسِ.
وعنه، يَقْنُتُ.
رَواها القاضي عن أحمدَ.
والمَشْهُورُ في «رُؤوس المَسائِلِ» الأوَّلُ.
ويقولُ في قُنُوتِه نَحْوًا مِمّا رُوِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصْحابِه.
وقد رُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه كان يَقُولُ في القُنُوتِ: اللهُم اغْفِرْ لِلْمؤمِنِين والمؤمِناتِ، والمُسْلِمين والمسْلِماتِ، وألِّفْ بينَ قلُوبِهِم، وأصْلِحْ ذاتَ بَينهم، وانْصرهم على عَدُوِّك وعَدُوهم، اللهُم الْعَنْ كَفَرَة أهْلِ الكِتابِ، الذين يُكذِّبُون رُسُلَك، ويُقاتِلُون أوْلِياءَك، اللَّهُمْ خالِفْ بينَ كَلِمَتِهم، وَزَلْزِلْ أقْدامَهم، وأنزِلْ بهم بَأْسَك الذى لا يُرَدُّ عن القَوْمِ المُجْرِمِين، بِسْمِ الله الرحْمَنِ الرحِيمِ، اللهُم إنّا نَسْتَعِينُك.
رَواه أبو داودَ 1.
..................................
فصل: ولا يقْنُتُ في غيرِ الفَجْرِ والوِتْرِ.
وقيل: يَقْنُتُ في صَلَواتِ الجَهرِ كلِّها، قِياسًا على الفَجْرِ.
وقال أبو الخطابِ: يَقْنُتُ في الفَجْرِ والمَغْرِبِ؛ لأنهما صَلاتا 1 جَهْرٍ، في طَرَفَيِ النهارِ.
وعنه، يَقنُتُ في جَميعِ الصَّلواتِ.
وهو مذْهَبُ الشافعيِّ.
والأولُ أوْلَى؛ لأنه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا عن أصحابِه، إلَّا في الفَجْرِ والوِتْرِ.
فصل: قال أحمدُ: الأحاديثُ التى جاءَتْ أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْتَرَ برَكْعَةٍ، كان قبلَها صلاة مُتَقَدمَةٌ.
قيل له: أوْتَرَ في السفَرِ بواحِدَة؟ قال: يُصَلِّى قبلَها رَكْعَتَيْن.
فقيلَ له: رجلٌ تنَفلَ بعدَ عِشاءِ الآخِرَةِ ثم تَعَشَّى، ثم أراد أن يُوتِرَ، يُعْجِبُك أن يَرْكَعَ رَكْعَتَيْن 2 ثم يُوتِرُ؟ قال: نعم.
..................................
وسُئِل عن مَن صَلى مِن اللَّيْلِ، ثم نام ولم يُوتِرْ؟ قال 1: يُعْجِبُنِي أن يَرْكَعَ رَكْعَتَيْن، ثم يُسَلمَ، ثم يُوتِرَ.
وسئل عن رجل أصبحَ ولم يُوتِرْ؟ قال: لا يُوتِرُ برَكْعَةٍ، إلَّا أن يَخافَ طلُوعَ الشَّمْس.
قيل له: فإذا لَحِق مع الإمام رَكْعَةَ الوِتْرِ؟ قال: إن كان الإمامُ يَفْصِلُ بينَهُن بسَلام أجْزأتْه الركْعَةُ، وإلا تَبِعَه، ويَقْضِي ما مَضَى 2 مثلَ ما صَلى، فإذا فَرَغ قام يَقْضى ولا يَقْنُتُ.
قيل لأبي عبدِ الله: رجلٌ قام يَتَطَوعُ، ثم بَدا له، فجَعَلَ تلك الرَّكْعَةَ وِترًا؟ قال: لا، كيفَ يَكُونُ هذا؟ قد قَلَب نِيَّته.
قيل له: أيبْتَدِئُ الوِتر؟ قال: نعم.
قَال أبو عبدِ الله: إذا قنَت قبل الرُّكوعِ كَبَّر، ثم أخَذَ في القُنُوتِ.
وقد رُوِي عن عُمَرَ، أنَّه كان إذا فَرَغ مِن القراءَةِ كَبَّر، ثم قنَت، ثم كَبَّر حينَ يَرْكَعُ.
ورُوِيَ ذلك عن عليًّ، وابنِ مسعودٍ، والبَراءِ، وهو قولُ الثَّوْرِيِّ.
ولا يعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
ثُمَّ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ، وَهِيَ عَشر رَكَعَاتٍ، رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعدَهَا، وَرَكْعتَانِ بَعدَ الْمَغرب، وَرَكْعتَانِ بَعدَ الْعشَاء، وَرَكْعتَانِ قبْلَ الْفَجْرِ، وَهُمَا آكَدُهَا.
قَال أبو الْخَطَّابِ: وَأرْبَعٌ قبْلَ الْعَصْرِ.
فصل: وإذا فَرَغ مِن وتْرِه، اسْتُحِب أن يَقُولَ: سبحان المَلِكِ القُدوس.
ثلاثًا، ويَمُدُّ بها صَوْتَه في الثّالِثَةِ، لِما روَى عبدُ الرَّحْمنِ بنُ أبزَى، قال: كان النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُوتِرُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وإذا أراد أن يَنْصَرِفَ مِن الوِتْرِ قال: «سبحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوس».
ثَلاثَ مَرّات، ثم يَرْفَع صَوْتَه بها في الثالِثةِ.
رَواه الإمامُ أحمدُ 1.
498 -
مسألة؛ قال: (ثم السننُ الرّاتِبَة، وهي عَشر رَكَعاتٍ؛ رَكْعَتان قبل الظهْرِ، ورَكْعَتان بَعْدَها، ورَكْعَتان بعدَ المَغْرِب، ورَكْعَتان بعدَ العِشاءِ، ورَكْعَتان قبلَ الفَجْرِ، وهما آكَدُها، قال أبو الخَطَّابِ: وأرْبَع قبلَ العَصْرِ)
السننُ الرواتِبُ مع الفَرائِض عَشْرُ رَكَعات كما ذَكَر.
وقال
..................................
الشَّافعيُّ: قبلَ الظهْرِ أَربَعٌ؛ لما روَى عبدُ الله بنُ شَقِيقٍ، قال: سأَلتُ عائشةَ عن صلاةِ رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فقالت: كان يُصَلِّي في بَيتِه قبلَ الظهْرِ أرْبَعًا، ثم يَخْرُجُ فيُصَلى بالنّاس، ثم يَدْخُلُ فيُصَلى رَكْعَتَيْن.
رَواه مسلمٌ 1. وقال أبو الخَطَّاب: وأرْبَعٌ قبلَ العصْر؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- «رَحِمَ الله امْرَأ صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أرْبَعًا».
رَواه أبو داودَ 2. وعن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، قال: كان النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى قبلَ العَصْرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، يَفْصِلُ بينَهُن بالتَّسْلِيمِ علي المَلائِكَةِ المُقَربِين، ومَن تَبِعهم 3 مِن المسلمين والمُؤمِنين.
رَواه الإمامُ أحمدُ، والترمِذِي 4، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عُمرَ، قال:
..................................
حَفِظْتُ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عَشر رَكَعات؛ رَكعَتَيْن قبلَ الظهْرِ، ورَكْعَتَيْن بعدَها، ورَكْعَتَيْن بعدَ المَغربِ في بَيْته، ورَكْعَتَيْن بعدَ العِشاء في بيتِه، ورَكْعَتَيْن قبلَ الصبحِ، وكانت ساعَة لا يُدْخَل 1 على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيها، حَدثَتْنِي حَفْصَةُ، أنَّه كان إذا أذنَ المُؤذنُ وطَلَع الفَجرُ صلى رَكعَتَيْن.
مُتَّفَق عليه 2. وروَى التِّرمِذِي مثلَ ذلك عن عائشةَ مَرْفُوعًا 3، وقال: هو حديث صحيح.
وقولُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «رَحِمَ الله امْرَأً صلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أرْبَعًا».
ترغِيب فيها، ولم يَجْعَلْها من السننِ الرواتِبِ، بدَلِيلِ أن ابنَ عمَرَ لم يَحْفَظْها مِن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
وحَدِيث عائشةَ قد اخْتُلِفَ فيه، فرُوِيَ عنها مثلُ رِوايةِ ابنِ عُمرَ.