الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 373-413

كِتَابُ الْمَنَاسِكِ

صفحات 373-413

..................................  وابنِ عُمَرَ، وعطاءٍ، وإبراهيمَ.
وقالوا أيضًا: الجِدالُ المِراءُ.
قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ الله عنه: هو أن تُمارِىَ صاحِبَك حتى تُغْضِبَه.
والمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِن ذلك كلِّه، قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدتْهُ أُمُّهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وقال مُجاهِدٌ، في قَوْلِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
أى: لا مُجادَلَةَ.
وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى.
فصل: ويُسْتَحَبُّ له قِلَّةُ الكَلامِ، إلَّا فيما يَنْفَعُ؛ صِيانَةً لنَفْسِه عن اللَّغوِ والوُقُوعِ في الكَذِب وما لا يَحِلُّ، فإنَّ مَن كَثُرَ كَلامُه كَثُرَ سَقَطُه.
وعن أبِي هُرَيْرَةَ، رَضِىَ الله عنه، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ».
مُتَّفَقٌ

..................................  عليه 1. وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ، تَرْكُه مَا لَا يَعْنِيهِ» 2. قال أبو داودَ: أُصُولُ السُّنَنِ أرْبَعَةُ أحاديثَ، هذا أحَدُها.
وهذا في حالِ الإحْرام أشَدُّ اسْتِحْبابًا؛ لأنَّه حالُ عِبادَةٍ واسْتِشْعارٍ بطاعَةٍ، فهو يُشْبِهُ الاعْتِكاَفَ.
وقد احْتَجَّ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، على ذلك، بأنَّ شُرَيْحًا، رَحِمَه اللهُ، كان إذا أحْرَمَ كأنَّه حَيَّةٌ صَمّاءُ.
فيُسْتَحَبُّ للمُحْرِمِ أن يَشْتَغِلَ بالتَّلْبيَةِ، وذِكْرِ اللهِ تعالى، وقِراءةِ القرْآنِ، أو أمْرٍ بمَعْرُوفٍ، أو نَهْى عن مُنْكَرٍ، أو تَعْلِيمِ جاهِلٍ، أو يَأْمُرَ بحاجَتِه، أو يَسْكُتَ، فإن تَكَلَّم بما لا إثْمَ فيه، أو أنْشَدَ شِعْرًا لا يَقْبُحُ، فهو مُباحٌ، ولا يُكْثِرُ، فقد رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه كان على ناقَةٍ له 3 وهو مُحْرِمٌ، فجَعَلَ يَقُولُ: كأنَّ راكِبَها غُصْنٌ بِمَرْوَحَةٍ … إذا تَدَلَّتْ به أو شارِبٌ ثَمِلُ 4

..................................  اللهُ أكْبَرُ، الله أكْبَرُ 1. وهذا يدُل على الإباحَةِ.
والفَضِيلَةُ ما ذَكَرْناه أوَّلًا، واللهُ أعْلَمُ.
فصل: ويَجُوزُ للمُحْرِمِ أن يَتَّجِرَ، ويَصْنَعَ الصنَّائِعَ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما: كان ذُو المَجازِ وعُكاظٌ مَتْجَرَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فلَمّا جاء الإسْلامُ كأنَّهم كَرِهُوا ذلك، حتى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ 2. يَعْنِى في مَواسِمِ الحَجِّ 3.

بَابُ الْفِدْيَةِ

وَهِىَ عَلَى ثَلَاَثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُهَا، مَا هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَهُوَ نَوْعَانِ؛ أحَدُهُمَا، يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنِ صِيَام ثَلَاَثَةِ أيَّام، أوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ؛ لِكُلِّ مِسْكِين مُدُّ بُرٍّ، اوْ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، أوْ ذَبْحِ شَاةٍ، وَهِىَ فِدْيَةُ حَلْقِ الرَّأْسِ، وَتَقْلِيمِ الْأظْفَار، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَاللُّبْسِ، وَالطِّيبِ.
وَعَنْهُ، يَجِبُ الدَّمُ، إِلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ لِعُذْرٍ، فَيُخَيَّرَ.
بابُ الفِدْيَةِ (وهى عَلَى ثَلاَثةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، ما هو على التَّخْييرِ، وهو نَوْعان؛ أحَدُهما، يُخَيَّر فيه بينَ صِيام ثَلاثَةِ أيّامٍ، أوْ إطْعامِ سِتَّةِ مَساكِينَ، [لكلِّ مِسْكِينٍ] 1 مُدُّ بُرٍّ، أوْ نِصْفُ صاعِ تَمْرٍ أو شَعِيرٍ، أو ذَبْحِ شاةٍ، وهى فِدْيَةُ حَلْقِ الرَّأْسِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، وتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، واللُّبْسِ، والطِّيبِ.
وعنه، يَجِبُ الدَّمُ، إلَّا أن يَفْعَلَه لعُذْرٍ، فيُخَيَّرَ) 2

..................................  الكَلامُ في هذه المَسْألةِ في فُصُولٍ؛ أحَدُها، في أنَّ فِدْيَةَ هذه المَحْظُوراتِ على التَّخْيِيرِ، أيُّها شاء فَعَل.
والأصْلُ في ذلك قَوْلُه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 1. ذَكَرَه بلَفْظِ «أوْ»، وهى للتَّخْيِيرِ.
وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لكَعْبِ بنِ عُجْرَةَ: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَ امُّكَ؟».
قال: نعم يا رسولَ اللهِ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاَثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أوِ انْسُكْ شَاةً».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وفى لَفْظٍ: «أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ».
فدَلَّتِ الآيَةُ والخَبَرُ على وُجُوبِ الفِدْيَةِ على صِفَةِ التَّخْيِيرِ بينَ الذَّبْحِ والإطْعامِ والصيامِ في حَلْقِ

..................................  الشَّعَرِ، وقِسْنا عليه تَقْلِيمَ الأظْفارِ، واللُّبْسَ، والطِّيبَ؛ لأنَّه حُرِّمَ في الإحْرامِ لأجْلِ التَّرَفُّهِ، فأشْبَهَ حَلْقَ الشَّعَرِ.
ولا فَرْق في الحَلْقِ بينَ المَعْذُورِ وغيرِه، في ظاهِرِ المَذْهَب، والعامِدِ والمُخْطِيءِ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه إذا حَلَق لغيرِ عُذرٍ، فعليه دَمٌ مِن غيرِ تَخْيِيرٍ.
اختارَه ابنُ عقيلٍ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى خَيَّرَ بشَرْطِ العُذْرِ، فإذا عُدِم العُذْرُ، زال التَّخْيِيرُ.
ولَنا، أنَّ الحُكْمَ ثَبَت في غيرِ المَعْذُورِ بطرَيقِ التَّنْبِيهِ تَبَعًا له، والتبَّعَ لا يُخالِفُ أصْلَه.
ولأنَّ كلَّ كَفّارَةٍ ثَبَت التَّخْييرُ فيها مع العُذْرِ، ثَبَت مع عَدَمِه، كجَزاءِ الصَّيْدِ، لا فَرْقَ بينَ قَتْلِه للضَّرُورَةِ إلى أكْلِه، أو لغيرِ ذلك، وإنَّما الشَّرْطُ لجوازِ الحَلْقِ، لا للتَّخْيِيرِ.
الفَصْلُ الثّانِى، أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في الحديثِ، وهى صِيامُ ثَلاَثةِ أيامٍ، أو إطْعامُ سِتَّةِ مساكِينَ، لكلِّ مِسْكِين مُدُّ بُرٍّ، أو نِصْفُ صاعِ تَمْرٍ أو شَعِيرٍ، أو ذَبْخُ شاةٍ، وقد دَلَّ الحديثُ المَذْكُورُ على ذلك.
وفى

..................................  لَفْظٍ: «أوْ أطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ».
وفى لَفْظٍ: «فَضُمْ ثَلَاَثةَ أيَّام، وَإنْ شِئْتَ، فَتَصَدَّقْ بِثَلَاَثةِ آصُعٍ مِن تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ».
رَواه أبو داودَ 1. وبهذا قال مُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ.
وقال الحسنُ، وعِكْرِمَةُ، ونافِعٌ: الصِّيامُ عَشَرَةُ أيّامٍ، والصَّدَقَةُ على عَشَرَةِ مَساكِينَ.
ويُرْوَى عن الثَّوْرِيِّ وأصحابِ الرَّأْىِ، قالوا: يُجْزِئُ مِن البُرِّ نِصْفُ صاعٍ ومِن التَّمْرِ والشَّعِيرِ صاعٌ.
فصل: والحديثُ إنَّما ذُكِرَ فيه التَّمْرُ، ويُقاسُ عليه البُرُّ والشَّعِيرُ والزَّبِيبُ؛ لأنَّ كلَّ مَوْضعٍ أجْزَأ فيه التَّمْرُ، أجْزَأ ذلك فيه، كالفِطْرَةِ، وكَفّارَةِ اليَمينِ.
وقد روَى أبو داودَ في حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْزَةَ، قال: فدَعانِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ لى: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاَثَةَ أيَّام، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِن زَبِيبٍ، أوِ انْسُكْ شَاةً».
ولا يُجْزِئُ مِن هذه الأصْنافِ أقَلُّ مِن ثَلاَثَةِ آصُعٍ، إلَّا البُرَّ ففيه رِوايَتانِ؛

الثَّانِى، جَزَاءُ الصَّيْدِ؛ يَتَخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْمِثْلِ أوْ تَقْوِيمِهِ بِدَرَاهِمَ يَشْتَرِى بِهَا طَعَامًا، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِين مُدًّا، أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَإنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ، خُيِّرَ بَيْنَ الإطْعَامِ وَالصِّيَامِ.
وَعَنْهُ، أنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَجِبُ الْمِثْلُ، فَإِن لَمْ يَجِدْ، لَزِمَهُ الإطْعَامُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، صَامَ.
إحْداهما، يُجزِى مُدُّ بُرٍّ لكلِّ مِسْكِينٍ مكانَ نِصْفِ صاعٍ مِن غيرِه، كما في كَفّارَةِ اليَمِينِ.
والثّانِيَةُ، لا يُجْزِئُ إلَّا نِصْفُ صاعٍ؛ لأنَّ الحُكْمَ ثَبَت فيه بطرَيقِ التَّنْبِيهِ أو القِياسِ، والفَرْعُ يُماثِلُ أصْلَه، ولا يُخالِفُه.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ.
فصل: ومَن أبِيحَ له حَلْقُ رَأْسِه، جاز له تَقْدِيمُ الكَفّارَةِ على الحَلْقِ، فَعَلَه علىٌّ رَضِىَ الله عنه، ولأنَّها كَفّارَةٌ، فجاز تَقْدِيمُها على وُجُوبِها، ككَفّارَةِ اليَمِينِ.
الفَصْلُ الثّالِثُ، أنَّهْ لا فَرْقَ بينَ فِعْلِها لعُذْرٍ أو غيرِه، وقد ذَكَرْناه.

1215 -

مسألة: النَّوْعُ (الثّانِى، جَزاءُ الصَّيْدِ؛ يَتَخَيَّرُ فيه بينَ المِثْلِ وتَقْويمِه بدَرَاهِمَ يَشْتَرِى بها طَعامًا، فيُطْعِمُ لكلِّ مِسْكِين مُدًّا، أو يَصُومُ عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وإن كان ممّا لا مِثْلَ لة، خُيِّرَ بينَ الإطْعامِ والصِّيامِ.
وعنه، أنَّ جَزاءَ الصَّيْدِ على التَّرْتِيبِ، فيَجِبُ المِثْلُ، فإن لم يَجدْ، لَزِمَه الإطْعامُ، فإن لم يَجِدْ، صام)

الكَلامُ في هذه المسألةِ في فُصُولٍ؛

..................................  أحَدُها، في وُجُوبِ الجَزاءِ على المُحْرِمِ في قَتْلِ الصَّيدِ، وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوبِه في الجُمْلَةِ، وقد نَصَّ الله تعالى عليه بقَوْلِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 1. نَصَّ على وُجُوبِ الجَزاءِ على المُتَعَمِّدِ.
وقد ذكَرناه.
الفَصْلُ الثّانِى، أنَّه على التَّخْيِيرِ بينَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، بأيِّها شاء كَفَّرَ، مُوسِرًا كان، أو مُعْسِرًا.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، أنَّها على التَّرْتِيبِ، فيَجِبُ المِثْلُ أوَّلًا، فإن لم يَجِدْ أطْعَمَ، فإن لم يَجِدْ صام.
رُوِىَ هذا عن ابنِ عباسٍ، والثَّوْرِىِّ، ولأنَّ هَدْىَ المُتْعَةِ على التَّرْتِيبِ، وهذا آكَدُ منه؛ لأنَّه بفِعْلِ مَحْظورٍ.
وعنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه لا إطْعامَ في كَفّارَةِ الصَّيْدِ؛ وإنَّما ذَكَرَه في الآيَةِ ليَعْدِلَ به الصِّيامَ، لأنَّ مَن قَدَر على الإِطْعامِ قَدَر على الذَّبْحِ.

..................................  هكذا قال ابنُ عباسٍ.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
ولَنا، قَوْلُه سُبْحانَه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.
و «أوْ» في الأمْرِ للتَّخْيِيرِ.
رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: كلُّ شئٍ «أوْ» فهو مُخَيَّرٌ، وأمّا ما كان «فإنْ لَمْ يَجِدْ» فهو الأوَّلُ فالأوَّلُ] 1. ولأنَّه عَطَف هذه الخِصالَ بَعْضَها على بَعْض بـ «أو»، فكانَ مُخَيَّرًا في جَمِيعِها، كفِدْيَةِ الأذَى.
وقد سمَّى الله تعالى الطَّعامَ كَفّارَةً، ولا يَكُونُ كَفّارَةً ما لم يَجِبْ إخْراجُه وجَعْلُه طَعامًا للمَساكِينِ، وما لا يَجُوزُ صَرْفُه إليهم لا يَكُونُ طَعامًا لهم.
ولأنَّها كَفّارَةٌ ذَكَر فيها الطَّعامَ، فكانَ من خِصالِها كسائِرِ الكَفّاراتِ، وقَوْلُهم: إنَّها وَجَبَتْ بفِعْلِ مَحْظورٍ.
يَبْطُلُ بفِدْيَةِ الأذَى.
على أنَّ لَفْظَ النَّصِّ صَرِيحٌ في التَّخْيِيرِ، فليس تَرْكُ مَدْلُولِه قِياسًا على هَدْىِ المُتْعَةِ بأوْلَى مِن العَكْسِ، فكما لا يَجُوزُ ثَمَّ، لا يَجُوزُ هنا.

..................................  فصل: وإذا اخْتارَ المِثْلَ، ذَبَحَه وتَصَدَّقَ به على فُقَراءِ الحَرَمِ، ولا يُجْزِئُه أن يَتَصَدَّقَ به حَيًّا على المَساكِينِ؛ لأنَّ اللهَ سُبْحانَه سَمّاهُ هَدْيًا، والهَدْىُ يَجِبُ ذَبْحُه، ش له ذَبْحُه أىَّ وَقْتٍ شاء، ولا يَخْتَصُّ 1 ذلك بأيَّام النَّحْرِ؛ لأنَّ الأمْرَ به مُطْلَقٌ.
الَفَصْلُ الثّالِثُ، أنَّه مَتَى اخْتارَ الِإطْعامَ، فإنَّه يُقَوِّمُ المِثْلَ بدَرَاهِمَ، والدَّراهِمَ بطَعامٍ، ويَتَصَدَّق به على المَساكِينِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ، لا المِثْلَ.
وحَكَى ابنُ أبي موسى رِوايَةً مِثْلَ ذلك.
وحَكَى رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه إن شاء اشْتَرَى بالدَّراهِمِ طَعامًا، فَتَصَدَّقَ به، وإن شاء تَصَدَّقَ بالدَّراهِمِ.
وَجْهُ قولِ مالكٍ، أنَّ التَّقْوِيمَ إذا وَجَب لأجْلِ الإتْلافِ قُوِّمَ المُتْلَفُ، كالذى لا مِثْلَ له.
ولَنا على مالكٍ، أنَّ كلَّ مُتْلَفٍ وَجَب فيه المِثْلُ، إذا قُوِّمَ وَجَبَتْ قِيمَةُ مِثْلِه، كالمِثْلِىِّ مِن مالِ الآدَمِىِّ.

..................................  وعلى أنَّه لا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ بالدَّراهِمِ، أنَّ اللهَ سُبْحانَه إنَّما ذَكَر في الآيَةِ التَّخْيِيرَ بينَ ثَلاَثَةِ أشْياءَ، وهذا ليسَ منها.
والطَّعامُ المُخْرَجُ هو الذى يُخْرَجُ في الفِطرةِ وفِدْيَةِ الأذَى مِن التَّمْرِ والزَّبِيبِ.
والبُرُّ والشَّعِيرُ، قياسًا عليه، ويَحْتَمِل أن يُجزِئَ كلُّ ما يُسَمَّى طَعامًا؛ لدُخُولِه في إطْلاقِ اللَّفْظِ.
الفَصْلُ الرّابعُ، أنَّه يُطْعِمُ كلَّ مِسْكِينٍ مِن البُرِّ مُدًّا، يَدْفَعُ إليه في كَفّارَةِ اليَمِينِ، ومِن سائِرِ الأصْنافِ، نِصْفَ صاعٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَه اللهُ تَعالى، في إطعامِ المَساكِينِ، في الفِدْيَةِ والجَزاءِ وكَفّارَةِ اليَمِينِ: إن أطْعَمَ بُرًّا، فمُدٌّ لكلِّ مِسْكِين، وإن أطْعَمَ تَمْرًا، فنِصْفُ صاعٍ لكلِّ مِسْكِينٍ.
ولَفْظُ شيخِنا ههُنا مُطْلقٌ في أنَّه يُطْعِمُ لكلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا، ولم يُفَرِّقْ بينَ الأصْنافِ.
وكذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ مُطلَقًا.
والأوْلَى أنَّه لا يَجْتَزِئُ مِن غيرِ البُرِّ بأقَلَّ مِن نِصْفِ صاعٍ؛ لأنَّه لم يَرِدِ الشرعُ في مَوْضِعٍ بأقَلَّ مِن ذلك في طُعْمَةِ المَساكِينِ، وهذا لا تَوْقِيفَ فيه، فيُرَدُّ إلى نُظرَائِه.
ولا يُجْزِئُ إخْراجُ الطَّعامِ إلَّا على مَساكِينِ الحَرَمِ؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَ الهَدْىِ الواجِبِ لهم، فيَكُونُ أيْضًا لهم، كقِيمَةِ المِثْلِىِّ مِن مالِ الآدَمِىِّ.
الفَصْلُ الخامِسُ، أنَّه يَصُومُ عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وهو قولُ

..................................  عَطاءٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّها كَفّارَة دَخَلَها الصِّيامُ والإطْعامُ، فكانَ اليَوْمُ في مُقابَلَةِ المُدِّ، ككَفّارَةِ الظِّهارِ.
وعن أحمدَ، رَحِمَه الله، أنَّه يَصُومُ عن كلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ.
قال القاضى: المسألةُ رِوايَةٌ

..................................  واحِدَةٌ، واليَوْمُ عن مُدِّ بُرٍّ، أو نِصْفِ صاعٍ مِن غيرِه.
وكَلامُ أحمدَ في الرِّوايَتَيْن مَحْمولٌ على اخْتِلافِ الحالَيْن؛ لأنَّ صَوْمَ اليَوْمِ مُقابِلُ إطْعام المِسْكِينِ، وإطْعامُ المِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ، أو نِصْفُ صاعٍ مِن غيرِه، ولأنَّ اللهَ تعالى جَعَل اليَوْمَ في كَفّارَةِ الظِّهارِ في مُقابَلَةِ إطْعامِ المِسْكِينِ، فكذا ههُنا.
وروَى أبو ثَوْرٍ، أنَّ كَفّارَةَ الصَّيْدِ مِن الإطْعامِ والصِّيامِ مِثْلُ كَفّارَةِ الاَدَمِيِّ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عباسٍ رَضِىَ اللهُ عنهما.
ولَنا، أنَّه جَزاءٌ عن مُتْلَفٍ، فاخْتَلَفَ باخْتِلافِه، كبَدَلِ مالِ الآدَمِىِّ.
ولأنَّ الصحابَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، حينَ قَضَوْا في الصَّيدِ قَضَوْا فيه مُخْتَلِفًا.
فصل: فإن بَقِىَ مِن الطَّعامِ ما لَا يَعْدِلُ يَوْمًا، كدُونِ المُدِّ، صام عنه يومًا كامِلًا.
كذلك قال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، وحَمّادٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ.
ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَهم؛ لأنَّ الصَّوْمَ لا يَتَبَعَّضُ، فيَجِبُ تَكْمِيلُه.
ولا يَجِبُ التَّتابُعُ في الصِّيامِ.
وبه قال الشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ؛ فإنَّ اللهَ سُبْحانَه أمَرَ به مُطْلَقًا، فلا يَتَقَيَّدُ بالتَّتابُعِ مِن غيرِ دَلِيلٍ.

..................................  ولا يَجُوزُ أن يَصُومَ عن بعضِ الجَزاءِ، ويُطْعِمَ عن بَعْضٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ 1، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وجَوَّزَه محمدُ بنُ الحسنِ، إذا عَجَز عن بعضِ الإطْعامِ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّها كَفّارَةٌ واحِدَةٌ، فلم يَجُزْ فيها ذلك، كسائِرِ الكَفّاراتِ.
فصل: وإن كان ممّا لا مِثْلَ له مِن الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ قاتِلُهُ، بينَ أن يَشْتَرِىَ بقِيمَتِه طَعامًا، فيُطْعِمَه للمَساكِينِ، وبينَ أن يَصُومَ، لتَعَذُّرِ المِثْلِ.
وهل يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ؟ فيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، لا يَجُوزُ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ، فإنَّه قال: إذا أصاب المُحْرِمُ صَيْدًا، ولم يُصِبْ له عَدْلَ حُكْمٍ عليه، قَوَّمَ طَعامًا، إن قَدَر على طَعامٍ، وإلَّا صام لكلِّ نصْفِ صاعٍ يومًا.
هكذا يُرْوَى عن ابنِ عباسٍ.
ولأنَّه جَزاءُ صَيْدٍ، فلم يَجُزْ إخْراجُ القِيمَةِ فيه، كالذى له مِثْلٌ، ولأن اللهَ تعالى خَيرَّ بَينَ ثَلاَثَةِ

[66 ظ] فصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِى عَلَى التَّرْتِيبِ، وَهُوَ ثَلاَثةُ أنْوَاعٍ؛ أحَدُهَا، دَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ، فَيَجِبُ الْهَدْىُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلَاَثَةِ أَيَّام فِى الْحَجِّ، وَالأفْضَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَإنْ صَامَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، أَجْزأَهُ،  أشْياءَ، ليس منها القِيمَةُ، فإذا عَدِم أحَدَ الثَّلاثَةِ، يَبْقَى التَّخْيِيرُ بينَ الشَّيئَيْن الباقِيَيْن، فأمّا إيجابُ شئٍ غيرِ المَنْصُوصِ عليه فلا.
والثّانِى، يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ؛ لأنًّ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه، قال لكَعْبٍ: ما جَعَلْتَ على نَفْسِك؟ قال: دِرْهَمَيْن.
قال: اجْعَلْ ما جَعَلْتَ على نَفْسِك 1. وقال.
عَطاءٌ: في العُصْفُورِ نِصْفُ دِرْهَمٍ.
وظاهِرُه إخْراجُ الدّراهِمِ الواجِبَةِ.
وعنه، أنَّ جَزاءَ الصَّيْدِ على التَّرْتِيبِ.
وقد ذَكَرْناه.
فصل: قال رَضِىَ الله عنه: (الضَّرْبُ الثّانِي على التَّرْتِيبِ، وهو ثَلاَثةُ أنْواعٍ، أحَدُها، دمُ المُتْعَةِ والقِرانِ، فيَجبُ الهَدْىُ، فإن لم يَجِدْ، فصِيامُ ثَلاثَةِ أيّام في الحَجِّ، والأفْضَلُ أن يَكُونَ آَخِرُها يومَ عَرَفَةَ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَع إلى أهْلِه، وإن صامَهُا قبلَ ذلك، أجْزَأه) لا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ الدَّمِ على المُتَمَتِّع والقارِنِ، وقد ذَكَرْناه فيما مَضَى، وذَكَرْنا شُرُوطَ وُجُوبِ الدَّمِ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ ثَلاَثةِ أيّامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَع إلى أهْلِه؛

..................................  لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ 1. وتُعْتَبَرُ القدْرَةُ على الهَدْىِ في مَوْضِعِه، فمتى عَدِمَه في مَوْضِعِهِ، جاز له الانْتِقالُ إلى الصِّيامِ، وإن كان قادِرًا عليه في بَلَدِه؛ لأنَّ وُجُوبَه مُوَقَّت، فاعْتبِرَت له القدْرَة عليه في مَوْضِعِه، كالماءِ في الطّهارَةِ، إذا عَدِمَه في مَكانِه انتقَلَ إلى التُّرابِ.
فصل: ولكلِّ واحِدٍ مِن صَوْم الثَّلاثَةِ والسَّبعَةِ وَقْتان؛ وَقْتُ اسْتِحْبابٍ، وَوَقْتُ جَوازٍ.
فأمّا الثَّلاَثَةُ، فالأفْضَلُ أن يَكونَ آخِرها يَوْمَ عَرَفَةَ.
يُرْوَى ذلك عن عَطاءٍ، وطاوُسٍ، والشَّعْبِىِّ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعَلْقَمَةَ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، رَضِىَ الله عنهما، أنَّه يَصُومُهُنَّ ما بينَ إهْلالِه بالحَجِّ ويَوْمِ عَرَفَةَ.
وظاهِرُ هذا أنَّه يَجْعَل آخِرَها يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؛ لأنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ بعَرَفَةَ غير مُسْتَحَبٍّ.
وذَكَر القاضى في «المُجَرَّدِ» ذلك مَذْهَبُ أحمدَ.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ ما ذَكَرْناه أولًا، وإنَّما أوْجَبْنا له صَوْمَ

..................................  يَوْمِ عرَفَةَ ههُنا لمَوْضِعِ الحاجَةِ.
وعلى هذا القَوْلِ، يُسْتَحَبُّ له تَقْدِيمُ الإحْرامِ بالحَجِّ قبلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ؛ ليَصُومَها في الحَجِّ، فإن صام منها شَيْئًا قبلَ إحْرامِه بالحَجِّ، جاز.
نَصَّ عليه.
فأمّا وَقْتُ جَوازِ صِيامِها، فإذا أحْرَمَ بالعُمْرَةِ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ.
وعن أحمدَ: إذا حَلَّ مِن العُمْرَةِ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: لا يَجُوزُ إلَّا بعدَ الإحْرامِ بالحَجِّ.
ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وهو قولُ إسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
ولأنَّه صِيامٌ واجِبٌ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُه على وَقْتِ وُجُوبِه، كسائِرِ الصِّيامِ الواجِبِ.
ولأنَّ ما قَبْلَه وَقْتٌ لا يَجُوزُ فيه المُبْدَلُ، فلم يَجُزْ فيه البَدَلُ، كقَبْلِ الإِحْرامِ بالعُمْرَةِ.
وقال الثَّوْرِيُّ والأوْزاعِىُّ: يَصُومُهُنَّ مِن أوَّلِ العَشْرِ إلى يومِ عَرَفَةَ.
ولَنا، أنَّ إحْرامَ العُمْرَةِ أحَدُ إحْرامَىِ التَّمَتُّعِ، فجاز الصَّوْمُ بعدَه، كإحْرامِ الحَجِّ.
وأمّا قَوْلُه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
فقِيلَ: مَعْناه في أشْهُرِ الحَجِّ، فإنَّه لابُدَّ فيه مِن إضْمارٍ، إذا كان الحَجُّ أفْعالًا لا يُصامُ فيها، إنَّما يُصامُ في وَقْتِها، أو في أشْهُرِها، فهو كقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ 1. وأمّا تَقْدِيمُه على وَقْتِ الوُجُوبِ، فيَجُوزُ إذا وُجِدَ السَّبَبُ،

..................................  كتَقْدِيمِ التَّكْفِيرِ على الحِنْثِ وزُهُوقِ النَّفْسِ، وأمّا كَوْنُه بَدَلًا فلا يُقَدَّمُ على المُبْدَلِ، فقد ذَكَرْنا رِوايَةً في جَوازِ تَقدِيمِ الهَدْىِ على الإِحْرامِ بالحَجِّ، فكذلك الصومُ.
فصل: فأمّا تَقْدِيمُ الصَّوْمِ على إحْرامِ العُمْرَةِ، فلا يَجُوزُ.
لا نَعْلَمُ قائِلًا بجَوازِه.
إلَّا رِوايَةً عن أحمدَ، حَكاها بعضُ الأصحابِ، وليس بشئٍ؛ لأنَّه تَقدِيمُ الصومِ على سَبَبِه ووُجُوبِه، ومُخالِفٌ لقولِ أهْلِ العِلْمِ.
وأحمدُ، رَحِمَه الله، يُنَزَّهُ عن هذا.
وأمّا السَّبْعَةُ فلها وَقْتان؛ وَقْتُ اخْتِيارٍ، وَوَقْتُ جَوازٍ، أمّا وَقْتُ الاخْتِيارِ فإذا رَجَع إلى أهْلِه؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ،

..................................  رَضىَ الله عنهما، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ فِى الْحَجِّ، وسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِه».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وأمّا وَقْتُ الجَوازِ، فإذا مَضَتْ أيّامُ التَّشْرِيقِ، قال الأثْرَمُ: سُئِلَ أحمدُ: هل يَصُومُ بالطَّرِيقِ أو بمَكَّةَ؟ قال: كيف شاء.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وعن عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ: يَصُومُها في الطَّريقِ.
وهو قولُ إسْحاقَ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: يَصُومُها إذا رَجَع إلى أهْلِه؛ للخَبَرِ.
ويُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وهو قولٌ للشافعىِّ.
وله قولٌ كقَوْلِنا، وكقَوْلِ إسْحاقَ.
ولَنا، أنَّ كلَّ صوْم لَزِمَه وجاز في وَطَنِه، جاز قبلَ ذلك، كسائِرِ الفُرُوضِ،

فَإِنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى.
وَعَنْهُ، لَا يَصُومُهَا، وَيَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّام، وَعَلَيْهِ دَمٌ.
وأمّا الآيَةُ، فإنَّ اللهَ سُبْحانَه جَوَّزَ له تَأْخِيرَ الصِّيامِ الواجِبِ؛ تَخْفِيفًا عنه، فلا يَمْنَعُ ذلك الإِجْزاءَ قَبلَه، كتَأْخِيرِ صَوْمِ رمضانَ في السَّفَرِ والمَرَضِ، بقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (1). لأَنَّ الصَّوْمَ وُجِدَ مِن أهْلِه بعدَ وُجُودِ سَبَبِه، فأجْزأ، كصَوْمِ المُسافِرِ والمَرِيضِ.

1216 -

مسألة: (فإن لم يَصُمْ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ، صام أيَّامَ مِنًى. وعنه، لا يَصُومُها، ويَصُومُ بعدَ ذلك عَشَرَةَ أيَّامٍ، وعليه دَمٌ)

إذا لم يَصُم المُتَمَتِّعُ الثَّلاثَةَ الأيَّامِ في الحَجِّ؛ فإنَّه يَصُومُها بعدَ ذلك.
وبهذا قال علىٌّ، وابنُ عُمَرَ، وعائشةُ، وعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، وعُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
ويُرْوَى عن ابنِ عباسٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ: إذا فاته الصومُ في العَشْرِ،1

..................................  لم يَصُمْ بعدَه، واسْتَقَرَّ الهَدْىُ في ذِمَّتِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى، قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
ولأنَّه بَدَلٌ مُوَقَّتٌ، فيَسْقُطُ بخُرُوجِ وَقْتِه، كالجُمُعَةِ.
ولَنا، أنَّه صومٌ واجِبٌ، فلم يَسْقُطْ بخُرُوجِ وَقْتِه، كصَوْمِ رمضانَ.
والآيَةُ تَدُلُّ على وُجُوبِه في الحَجِّ، لا على سُقوطِه، والقياسُ مُنتقِضٌ بصَوْمِ الظِّهارِ، إذا قَدَّمَ المَسِيسَ عليه، والجُمُعَةُ ليست بَدَلًا، إنَّما هى الأصْلُ، وإنَّما سَقَطَتْ لأنَّ الوَقْتَ جُعِلَ شَرْطًا لها، كالجَماعَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَصُومُ أيَّامَ مِنًى.
وهذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، وعُرْوَةَ، وعُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ، وإسْحاقَ، والشافعىِّ في القَدِيمِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، وعائِشَة، رَضِىَ اللهُ عنهما، قالا: لم يُرَخَّصْ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ أن يُصَمْنَ إلَّا لمن لم يَجِدِ الهَدْىَ.
رَواه البخارىُّ 1. وهذا يَنْصَرِفُ إلى تَرْخِيصِ

وَعَنْهُ، إنْ تَرَكَ الصّوْمَ لِعُذْرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهُ، وَإنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّ الله تعالى أمَرَ بصِيامِ هذه الأيّامِ الثَّلاثَةِ في الحَجِّ، ولم يَبْقَ مِن الحَجِّ إلَّا هذه الإيَّامُ، فيَتَعَيَّينُ الصومُ فيها، فإذا صام هذه الأيّامَ، فحُكْمُه حُكْمُ مَن صام قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَصُومُ أيَّامَ مِنًى.
رُوِىَ ذلك عن عليٍّ، والحسنِ، وعَطاءٍ وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن صومِ سِتَّةِ أيَّامٍ، ذَكَر منها أيَّامَ التَّشْرِيقِ 1، ولأنَّها لا يَجُوزُ فيها صَوْمُ النَّفْلِ، فلا يَصُومُها عن الفَرْضِ، كيَوْم النَّحْرِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ يَصُومُ بعدَ ذلك عَشْرَةَ أيَّامٍ.
وكذلك الحُكْمُ إذا قُلْنا بِصَوْمِ أيَّامِ مِنًى، فلم يَصُمْها.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في وُجُوبِ الدَّمِ عليه، فعنه، عليه دَمٌ، لأنَّه أخَّرَ الواجِبَ مِن مَناسِكِ الحَجِّ عن وَقْتِه، فلَزِمَه دَمٌ، كرَمْىِ الجِمارِ، ولا فَرْقَ بينَ المُؤَخِّرِ لعُذْرٍ أو لغَيْرِه؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال القاضى: إنَّما يَجبُ الدَّمُ إذا أخَّرَه لغيرِ عُذْرٍ، [فإن أخَّرَه لعُذْرٍ] 2، فليس عليه إلَّا قَضاؤُه؛ لأنَّ الدَّمَ الذى

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ أَخَّرَ الْهَدْىَ أوِ الصَّوْمَ لعُذْرٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا قَضَاؤُهُ، وَإنْ أَخَّرَ الْهَدْىَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
قَالَ: وَعِنْدِى أنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الصَّوْمِ دَمٌ بِحَالٍ، وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِى الصِّيَامِ.
هو المُبْدَلُ، لو أخَّرَه لعُذْرٍ لم يَكُنْ عليه دَمٌ لتَأْخِيرِه، فالبَدَلُ أوْلَى.
ورُوِىَ ذلك عن أحمدَ.

1217 -

مسألة: (وقال أبو الخَطّاب: إن أخَّر الصَّوْمَ أو الهَدْىَ لعُذْرٍ، لم يَلْزَمْه إلَّا قَضاؤه، وإن أخَّرَ الهَدْىَ لغَيْرِ عُذْرٍ، فهل يَلْزَمُه دَمٌ آخَرُ؟ على رِوايَتَيْن.
قال: وعندى أنَّه لا يَلْزَمُه مع 1 الصَّوْمِ دَمٌ بحالٍ، ولا يَجِبُ التَّتابُعُ في الصيامِ) إذا أخَّرَ الهَدْىَ الواجِبَ لعُذْرٍ، مِثْلَ أن

..................................  ضاعَتْ نَفَقَتُه، فليس عليه إلَّا قَضاؤُه، كسائِرِ الهَدايا الواجِبَةِ.
وإن أخَّرَه لغيرِ عُذْرٍ، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، ليس عليه إلّا قَضاؤه، كسائِرِ الهَدايا.
والثّانِيَةُ، عليه هَدْيٌ آخَرُ؛ لأنَّه نُسُكٌ مُوَقَّتٌ، فَلَزِمَه الدَّمُ بتَأخِيرِه عن وَقْتِه، كرَمْىِ الجِمارِ.
قال أحمدُ: مَن تَمَتَّعَ، فلم يُهْدِ إلى قابِلٍ، يُهدى هَدْيَيْن.
كذلك قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه.
وأمّا إذا أخَّرَ الصومَ، فقد ذَكَرْنا أنَّه يَجِبُ عليه الدَّمُ، إذا كان تَأْخِيرُه لغيرِ عُذْرٍ.
اخْتاره القاضى.
وإن كان لعُذْرٍ، ففيه رِوايتان.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه لا يَلْزَمُه مع الصَّوْمِ دَمٌ بحالٍ.
وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطّابِ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه صَوْمٌ واجِبٌ يَجِبُ القَضاءُ بفَواتِه، فلم يَجِبْ بفَواتِه دَمٌ، كصَوْمِ رَمضانَ.

..................................  فصل: ولا يَجِبُ التَّتابُعُ في صِيامِ التَّمَتُّع، لا في الثَّلاثةِ، ولا في السَّبْعَةِ، ولا التَّفْرِيقُ 1. نَصَّ عليه أحمدُ، رَحِمَه اللهُ،؛ لأنَّ الأمْرَ وَرَد بها مُطْلَقًا، وذلك لا يَقْتَضِى جَمْعًا 2 ولا تَفْرِيقًا.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ وإسْحاقَ وغيرِهما.
وقال بعضُ الشافعيَّةِ: إذا أخَّرَ الثَّلاثَةَ وصام السَّبْعَةَ، فعليه التَّفْرِيقُ؛ لأنَّه وَجَب مِن حيثُ الفِعْلُ، وما وَجَب التَّفْرِيقُ فيه مِن حيثُ الفِعْلُ لا يَسْقُطُ بفَواتِ وَقْتِه، كأفْعالِ الصلاةِ مِن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
ولَنا، أنَّه صومٌ واجِبٌ، فَعَلَه في زَمَن يَصِحُّ الصَّوْمُ فيه، فلم يَجِبْ تَفْرِيقُه، كسائِرِ الصَّوْمِ، ولا نُسَلِّمُ وُجُوبَ التَّفْرِيقِ في الأداءِ، فإنَّه إذا صام أيّامَ مِنًى، وأتْبَعَها السَّبْعَةَ، فما حَصَل التَّفْرِيقُ.
وإن سَلَّمْنا وُجُوبَ التَّفْرِيقِ في الأداءِ، فإنَّما كان مِن حيثُ الوَقْتُ، فإذا فات الوَقْتُ سَقَط، كالتَّفْرِيقِ بينَ الصلاَتَيْن.
فصل: ووَقْتُ وُجُوبِ الصومِ وَقْتُ وُجُوبِ الهَدْىِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عنه،

وَمَتَى وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَشَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْىِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ.
فأشْبَهَ سائِرَ الأبْدالِ، فإن قِيلَ: فكيفَ جَوَّزْتُم الانْتِقالَ إلى الصومِ قبلَ زَوالِ وُجُوبِ المُبْدَلِ، فلم يَتَحَقَّقِ العَجْزُ عن المُبْدَلِ؛ لأنَّه إنَّما يَتَحَقَّقُ العَجْزُ المُجَوِّزُ للانْتِقالِ إلى المُبْدَلِ زمنَ الوُجُوبِ، فكيفَ جَوَّزْتُم الصومَ قبلَ وُجُوبِه؟ قُلْنا: إنَّما جَوَّزْنا له الانْتِقالَ إلى المُبْدَلِ؛ بناءً على العَجْزِ الظّاهِرِ، فإن الظّاهِرَ مِن المعْسِرِ اسْتِمْرارُ إعسارِه وعَجْزِه، كما جَوَّزْنا التَّكْفِيرَ قبلَ وُجُوبِ المُبْدَلِ، وأمّا تَجْوِيزُ الصومِ قبلَ وُجُوبِه، فقد ذَكَرْناه.

1218 -

مسألة: (ومتى وَجَب عليه الصومُ، فشَرَعَ فيه، ثم قَدَر على الهَدْىِ، لم يَلْزَمْه الانْتِقالُ إليه، إلَّا أن يشاء)

هذا قولُ الحسنِ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ.
وقال ابن أبِى نَجِيحٍ 1، وحَمّادٌ،

وَإنْ وَجَبَ، وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
والثَّوْرِيُّ: إن أيْسَرَ قبلَ أن يُكْمِلَ الثَّلاثَةَ، فعليه الهَدْىُ، فإن كَمَّلَ الثَّلاثَةَ، صام السَّبْعَةَ.
وقيلَ: متى قَدَر على الهَدْىِ قبلَ يَوْم النَّحْرِ، انتقَلَ إليه، صام أو لم يَصُمْ، وإن وَجَده بعدَ أن مَضَتْ أيّامٌ النًّحْرِ، أجْزَأه الصيامُ، قَدَر على الهَدْىِ أو لم يَقْدِرْ؛ لأنَّه قَدَر على المُبْدَلِ في زَمَنِ وُجُوبِه، فلم يُجْزِئْه البَدَلُ، كما لو لم يَصُمْ.
ولَنا، أنَّه صومٌ دَخَل فيه لعَدَمِ الهَدْىِ، فإذا وَجَد الهَدْىَ، لم يَلْزَمْه الخُرُوجُ إليه، كصَوْمِ السَّبْعَةِ.
وعلى هذا يُخَرَّجُ الأصْلُ الذى قاسُوا عليه، فإنَّه ما شرع في الصيام.
فأمّا إن اخْتارَ الانْتِقالَ إلى الهَدْىِ، جاز؛ لأنَّه أكمَلُ.

1219 -

مسألة: (وإن وَجَب، ولم يَشْرَعْ، فهل يَلْزَمُه الانْتِقالُ؟ على رِوايَتَيْن)

إحْداهما، لا يَلْزَمُه الانتِقالُ إليه.
قال في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ: إذا لم يَصُمْ في الحَجِّ، فلْيَصُمْ إذا رَجَع، ولا يَرْجِعُ إلى الدَّمِ، قد انْتَقَلَ فَرْضُه إلى الصيامِ؛ وذلك لأنَّ الصيامَ استقَرَّ في ذِمَّتِه لوُجُوبِه حالَ وُجُودَ السَّبَبِ المُتَّصِلِ بشَرْطِه، وهو عَدَمُ الهَدْىِ.
والثّانِيَةُ، يَلْزَمُه الانْتِقالُ إليه.

..................................  قال يَعْقُوبُ: سَألْتُ أحمدَ عن المُتَمَتِّع إذا لم يَصُمْ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ؟ قال: عليه هَدْيانِ، يبْعَثُ بهما إلى مَكَّةَ.
أوْجَبَ عليه الهَدْىَ الأصْلِىَّ لتَأْخِيرِ الصومِ عن وَقْتِه؛ لَأنَّه قَدَر على المُبْدَلِ قبلَ شُرُوعِه في البَدلِ، فَلَزِمَه الانْتِقالُ إليه، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ.
فصل: ومَن لَزِمَه صومُ المُتْعَةِ، فمات قبلَ أن يَأْتىَ به لعُذْرٍ مَنَعَه الصومَ، فلا شئَ عليه.
وإن كان لغيرِ عُذْرٍ، أطْعَمَ عنه،؛ يُطْعِمُ عن صومِ رمضانَ؛ لأنَّه صومٌ وَجَب بأصْلِ الشَّرْعِ، أشْبَهَ صومَ رمضانَ.

النَّوْعُ [67 و] الثَّانِى، الْمُحْصَرُ، يَلْزَمُهُ الْهَدْىُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثُمَّ حَلَّ.

1220 - مسألة: (النَّوْعُ الثّانِى، المُحصَرُ، يَلْزَمُه الهَدْىُ، فإن لم يَجِدْ، صام عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثمّ حَلَّ)

لا خِلافَ في وُجُوبِ الهَدْىِ على المُحْصَرِ، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 1. فإن لم يَجِدِ الهدْىَ صام عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثم حَلَّ، قِياسًا على هَدْىِ المُتَمَتعِّ، وليس له التَّحَلُّلُ قبلَ ذلك، وفيه اخْتِلافٌ، نَذْكُرُه في بابِ الإحْصارِ، إن شاء اللهُ تعالى.

النَّوْعُ الثَّالِثُ، فِدْيَةُ الْوَطْءِ، تَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ، فَان لَمْ يَجِدْ، صَامَ عَشَرَةَ أيَّام؛ ثَلَاثَةً فِى الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ؛ كَدَمِ الْمُتْعَةِ؛ لِقَضَاء الصَّحَابَةِ بِهِ.

1221 - مسألة: (النَّوْعُ الثّالِثُ، فِدْيَةُ الوَطْءِ، تَجِبُ به بَدَنَةٌ، فإن لم يَجِدْ، صام عَشَرَةَ أيَّامٍ؛ ثَلاَثةً في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَع، كدَمِ المُتْعَةِ؛ لقَضاءِ الصحابَةِ)

رَضِىَ الله عنهم (به) وقد ذَكَرْناه في البابِ الذى قَبْلَه.
قاله عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، وعبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ.
رَواه عنهم الأثْرَمُ 1. ولم يَظهَرْ لهم في الصحابَةِ مُخَالِفٌ، فيَكُونُ إجْماعًا، فيَكُونُ بَدَلُه مَقِيسًا على بدَلِ دَمِ المُتْعَةِ.
هذا هو الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ؛ لأنَّا إنَّما أوْجَبْنا البَدَنَةَ بقولِ الصحابَةِ، رَضِىَ الله عنهم، فكذلك في بَدَلِها.

وَقَالَ القَاضِى: إنْ لَمْ يَجِدِ الْبَدَنَةَ، أخْرَجَ بَقَرَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَسَبْعًا مِنَ الْغَنَمِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ، أخْرَجَ بِقِيمَتِهَا طَعَامًا فَإنْ لَمْ يَجِدْ، صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ، أنَّهُ مُخَيَّرٌ فِى هَذِهِ الْخَمْسَةِ، فَبِأَيِّهَا كَفَّر أجْزَأَهُ.
(وقال القاضى: يُخْرِجُ بَدَنَةً، فإن لم يَجِدْ، أخْرَجَ بَقَرَةً، فإن لم يَجِدْ فسَبْعًا مِن الغَنَمِ، فإن لم يَجِدْ، أخْرَجَ بقِيمَتِها طَعامًا، [فإن لم يَجِدْ، صامَ عن كل مُدٍّ يومًا.
وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه يُخَيَّرُ في هذه الخَمْسَةِ] 1، فبأيِّها كَفَّرَ أجْزَأه) وَجْهُ قولِ القاضى: يَجِبُ بالوَطْءِ

..................................  بَدَنَةٌ.
لِما ذَكَرْنا مِن قولِ الصحابَةِ رَضِىَ اللهُ عنهم، فإن لم يَجدِ البَدَنَةَ أخْرَجَ بَقَرَةً؛ لأنَّها تساوِيها في الهَدْىِ والأضاحِى.
وقد روَى أَبو الزُّبَيْرِ [عن جابِرٍ] 1 رَضِىَ الله عنه، قال: كُنّا نَنْحَرُ البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ.
فقِيلَ له: والبَقَرَةُ؟ قال: وهل هى إلَّا مِن البُدْنِ 2! فإن لم يَجِدْ أخْرَجَ سَبْعًا مِن الغَنَمِ؛ لأنَّها تَقُومُ مَقامَ البَدَنَةِ في الهَدْىِ والأضاحِى، ولِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: أتَى النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ، فقالَ: إنِّى عَلَىَّ بَدَنَةٌ، وأنا مُوسِرٌ لها، ولا أجِدُها فأشْتَرِيَها.
فأمَرَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يَبْتاعَ سَبْعَ شِياهٍ،

..................................  فَيَذْبَحَهُنَّ.
رَواه ابنُ ماجه 1. وإن لم يَجِدْ، أخْرَجَ بقِيمَتِها طَعامًا، فإن لم يَجِدْ، صام عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا، كقَوْلِنا في جَزاءِ الصَّيْدِ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن، في أنَّه لا يَنْتَقِلُ إلى 2 الِإطْعامِ مع وُجُودِ المِثْلِ، ولا إلى الصيامِ مع القُدْرَةِ على الإطْعامِ.
قال شيخُنا: وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه مُخَيَّرٌ في هذه الخَمْسَةِ، فبأيِّها كَفَّرَ أجْزَأه.
والخِرَقِىُّ إنَّما صَرحَ بإجْزاءِ

..................................  سَبْعٍ مِن الغَنَمِ مع وُجُودِ البَدَنَةِ.
هكذا ذَكَر في كِتابِه.
ولَعَلَّ ذلك نَقَله بعضُ الأصحابِ عنه في غيرِ كتابِه «المختصر».
وَوَجْهُ قوْلِه، أنَّها كَفّارَةٌ تَجِبُ بفِعْلِ مَحْظُورٍ، فيُخَيَّر فيها بينَ الدَّمِ والإطْعامِ والصيامِ، كفِدْيَةِ الأذَى.

وَيَجِبُ بِالْوَطْءِ فِى الْفَرْجِ بَدَنَةٌ، إِنْ كَانَ فِى الْحَجِّ، وَشَاةٌ، إنْ كَانَ فِى الْعُمْرَةِ.

1222 - مسألة: (ويَجِبُ بالوَطْءِ في الفَرْجِ بَدَنَة، إن كان في الحَجِّ، وشاةٌ، إن كان في العُمْرَةِ)

قد ذَكَرْنا ذلك في بابِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ مُفَصَّلًا، فيما إذا كان الوَطْءُ قبلَ التَّحَللِ الأوَّلِ وبعدَه، وذَكَرْنا الخِلافَ فيه بما يُغْنِى عن إعادَتِه 1.

وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً، وَإنْ كَانَتْ مُكرَهَةً، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا.
وَقِيلَ: تَلْزَمُهَا كَفَّارَةٌ يَتَحَمَّلُهَا الزَّوْجُ عَنْهَا.

1223 - مسألة: (ويَجِبُ على المَرْأةِ مِثْلُ ذلك، إن كانَتْ مُطاوِعَةً، وإن كانَتْ مُكْرَهَة، فلا فِدْيَةَ عليها. وقِيلَ: عليها كَفّارَةٌ يَتَحَمَّلُها الزَّوْجُ عنها)،

إذا جامَع امْرَأتَه في الحَجِّ وهى مطاوِعَةٌ، فحُكْمُها حُكْمُه؛ على كلِّ واحِدٍ منهما بَدَنَةٌ، إن كان قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ.
وممّن أوْجَبَ عليها بَدَنَةً ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ومالكٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ.
ولأنَّ ابنَ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: أهْدِ ناقَةً 1. ولأنَّها إحْدَى المُتَجامِعَيْن مِن غيرِ إكْراهٍ، فأشْبَهَتِ الرجلَ.
وعنه، أنَّه قال: أرْجُو أن يُجْزِئَهما هَدْيٌ واحِدٌ.
رُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه جِماعٌ واحِدٌ، فلم يُوجِبْ أكْثَرَ مِن بَدَنَةٍ، كحالَةِ الإكْراهِ.
فأمّا المُكْرَهَةُ على الجِماعِ، فلا فِدْيَةَ عليها، ولا على الواطِئِ أن يَفْدِىَ عنها.

فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّالِثُ، الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ لِلْفَوَاتِ، أَوْ لِتَركِ وَاجِبٍ، أَوْ لِلْمُبَاشَرَةِ فِى غَيْرِ الْفَرْجِ؛ فَمَا أَوْجَبَ مِنْهُ بَدَنَةً،  نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه جِماعٌ يُوجِبُ الكَفّارَةَ، فلم يُوجِبْ حالَ الإِكْراهِ أكْثَرَ مِن كَفّارَةٍ واحِدَةٍ، كما في الصيامِ.
وهذا قولُ إسْحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ عليه أن يُهْدِىَ عنها.
وهو قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ؛ لأنَّ إفْسادَ الحَجِّ وُجِدَ منه في حَقِّهما، فكانَ عليه لإفْسادِ حَجِّها هَدْيٌ، كإفْسادِ حَجِّه.
وعنه ما يَدُلُّ على أنَّ الهَدْىَ عليها.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ فسادَ الحَجِّ ثَبَت بالنِّسْبَةِ إليها فكانَ الهَدْىُ عليها، كما لو طاوَعَتْه، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ الهَدْىَ عليه، يَتَحَمَّلُه الرَّوْجُ عنها، فلا يَكُونُ رِوايَةً ثالِثَةً.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (الضَّرْبُ الثّالِثُ، الدِّماءُ الواجِبَةُ للفَواتِ، أو لتَرْكِ واجِبٍ، أو للمُباشَرَةِ في غيرِ الفَرْجِ؛ فما أوْجَبَ منها

فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْوَطْءِ فِى الْفَرْجِ.
وَمَا عَدَاهُ، فَقَالَ [67 ظ] الْقَاضِى: مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ مُلْحَق بِدَمِ الْمُتْعَةِ، وَمَا وَجَبَ لِلْمُبَاشَرَةِ مُلْحَقٌ بِفِدْيَةِ الأَذَى.
بَدَنَةً، فحُكْمُها 1 حُكْمُ البَدَنَةِ الواجِبَةِ بالوَطْءِ في الفَرْجِ.
وما عَداه، فقالَ القاضى: ما وَجَب لتَرْكِ واجِبٍ مُلحَقٌ بدَمِ المُتْعَةِ، وما وَجَب لمُباشَرَةٍ مُلْحَقٌ بفِدْيَةِ الأذَى) إذا فاتَه الحَجُّ وَجَب عليه دَمٌ، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْن.
وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.
وكذلك إذا تَرَك شَيْئًا مِن واجِباتِ الحَجِّ؛ كالإحْرامِ مِن المِيقاتِ، والوُقُوفِ بعَرَفَةَ إلى اللَّيْلِ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، وسائِرِ الواجِباتِ المُتَّفَقِ على وُجُوبِها.
والهَدْىُ الواجِبُ بغيرِ النَّذْرِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ مَنْصُوصٌ عليه ومَقِيسٌ على المَنْصُوصِ عليه.

..................................  فالمَنْصُوصُ عليه فِدْيَةُ الأذَى، وجَزاءُ الصَّيْدِ، ودَمُ الإِحْصارِ، ودَمُ المُتْعَةِ، والبَدَنَةُ الواجِبَةُ بالوَطْءِ في الفَرْجِ؛ لقَضاءِ الصحابَةِ رَضِىَ الله عنهمِ بها، وما سِوى ذلك مَقِيسٌ عليه.
فالبَدَنَةُ الواجِبَةُ بالمُباشَرَةِ فيما دُون الفَرْجِ مَقِيسةٌ على الواجِبَةِ بالوَطْءِ بالفَرْجِ؛ لأنَّه دَمٌ وَجَب بسبَبِ المُباشَرَةِ، أشْبَهَ الواجِبَ بالوَطْءِ في الفَرْجِ، وهكذا القِرانُ يُقاسُ على هَدْىِ التَّمَتُّعِ؛ لأنَّه وَجَب للتَّرَفُّهِ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن، أشْبَه دَمَ المُتْعَةِ، ويُقاسُ عليه أيْضًا دَمُ الفَواتِ، فيَجِبُ عليه مِثْلُ دَم المُتْعَةِ، وبَدلُه مِثْلُ بدَلِه، وهو صِيامُ عَشَرَةِ أيَّامٍ، إلَّا أنَّه لا يُمْكِنُ أن يَكُونَ منها ثَلاَثَةٌ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ لأنَّ الفَواتَ إنَّما يَكُونُ بفَواتِ لَيْلَةِ النَّحْرِ؛ لأنَّه تَرَك بعضَ ما اقْتَضاه إحْرامُه، فصار كالتارِكِ لأحَدِ السَّفَرَيْن.
فإن قِيلَ: فهَلَّا ألْحَقْتُموه بهَدْىِ الإحْصارِ، فإنَّه أشْبَهُ به، إذ هو إحْلالٌ مِن إحْرامِه قبل إتْمامِه؟ قُلْنا:

جارٍ التحميل