الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 208-247

كِتَابُ الْمَنَاسِكِ

صفحات 208-247

..................................  يُنْكِرْ عليه.
والحَلْقُ أفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَه، وقال: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ».
قالُوا: يا رسولَ اللَّه، والمُقَصِّرِينَ؛ قال: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ».
قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ وَالمُقَصِّرِينَ».
رَواه مسلم 1. فأمَّا مَن لَبَّدَ، أو عَقَص، أو ضَفَر، فقال أحمدُ: مَن فَعَل ذلك فلْيَحْلِقْ.
وهو قولُ النَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
وكان ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يقولُ: مَن لَبَّدَ، أو قَصَّرَ، أو عَقَدَ، أو فَتَلَ، أو عَقَصَ، فهو على ما نَوَى، إن نَوَى الحَلْقَ فلْيَحْلِقْ، وإلَّا فلا يَلْزَمُه.
وقال أصحابُ الرَّأْى: هو مُخَيَّرٌ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ ما ذَكَرْنَاه يَقْتَضِى التَّخْيِيرَ على العُمُوم، ولم يَثْبُتْ في خِلافِ ذلك دَلِيلٌ.
ووَجْهُ القولَ الأوَّلَ، ما رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنْ لَبَّدَ فَلْيَحْلِقْ» 2. وثَبَت عن عُمَرَ، وابنهِ، أنَّهُما أمَرا مَن لَبَّدَ رَأْسَه أن

وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعَرِهَا قَدْرَ الأُنْمُلَةِ.
يَحْلِقَه، والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَبَّدَ رَأْسَه وحَلَقَ.
والصَّحِيحُ أَنَّه مُخَيَّرٌ، إلَّا أن يَثْبُتَ الخَبَرُ.
وقولُ عُمَرَ وابنهِ قد خالَفَهما فيه ابنُ عباسٍ، وفِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَدُلُّ على وُجُوبِه بعدَ ما بَيَّنَ جَوازَ الأمْرَيْن.
واللَّهُ أعْلَمُ.

1304 -

مسألة: (والمَرْأةُ تُقَصِّرُ مِن شَعَرِها قَدْرَ الأُنْمُلَةِ)

والأُنْمُلَةُ: رَأْسُ الإِصْبَعِ مِن المَفْصِلِ الأعْلَى.
والمَشْرُوعُ للمَرْأةِ التَّقْصِيرُ دُونَ الحَلْقِ، بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا أهلُ العِلْمِ.
لأنَّ الحَلْقَ في حَقِّهِنَّ مُثْلَةٌ.
وقد روَى ابنُ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إنَّما عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ».
رَواه أبو داودَ 1. وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تَحْلِقَ المَرْأةُ رَأْسَها رَواه التِّرْمِذِىُّ 2. وكان أحمدُ يقولُ:

..................................  تُقَصِّرُ مِن كلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ.
وهو قولُ ابنِ عُمَرَ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ، سُئِلَ عن المَرْأةِ تُقَصِّرُ مِن كلِّ رَأْسِها؟ قال: نعم، تَجْمَعُ شَعَرَها إلى مُقَدَّم رَأْسِها، ثم تَأْخُذُ مِن أطْرافِ شَعَرِها قَدْرَ الأُنْمُلَةِ.
والرجلُ الذى يُقَصِّرُ كالمَرْأةِ في ذلك.
وقد ذَكَرْنا فيه خِلافًا.
فصل: والأصْلَعُ الذى ليس على رَأْسِه شَعَرٌ، يُسْتَحَبُّ أن يُمِرَّ المُوسَى على رَأْسِه.
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وبه قال مَسْرُوقٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم.
وليس بواجِبٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» 1. وهذا لو كان ذا شَعَرٍ وَجَبَ عليه إزالَتُه وإمْرارُ المُوسَى على رَأْسِه، فإذا سَقَط أحَدُهما لتَعَذُّرِه، بَقِىَ الآخَرُ.
ولَنا، أنَّ الحَلْقَ مَحِلُّه الشَّعَرُ، فسَقَطَ بعَدَمِه، كما يَسْقُطُ وُجُوبُ غَسْلِ العُضْوِ في الوُضُوءِ بفَقْدِه.
ولأنَّه إمْرارٌ لو فَعَلَه في الإِحْرامِ لم يَجِبْ به دَمٌ، فلم يَجِبْ عندَ التَّحَلُّلِ، كإمْرارِه على الشَّعَرِ مِن غيرِ حَلْقٍ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ أظْفارِه، والأَخْذُ مِن شارِبه.
قال ابنُ المُنْذِرِ:

ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَىْءٍ إلَّا النِّسَاءَ.
وَعَنْهُ، إلَّا الْوَطْءَ فِى الْفَرْجِ.
ثَبَت أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمّا حَلَق رَأْسَه قَلَّمَ أظْفَارَه (1). وكان ابنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِن شارِبِه وأظْفارِه.
وكان عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والشافعىُّ، يُحِبُّونَ لو أخَذَ مِن لِحْيَتِه شَيْئًا.
ويُسْتَحَبُّ إذا حَلَق، أن يَبْلُغَ العَظْمَ الذى عندَ مُنْقَطَعِ الصُّدْغِ مِن الوَجْهِ.
كان ابنُ عُمَرَ يقولُ للحالِقِ: ابْلُغِ العَظْمَيْن، افْصِلِ الرَّأْسَ مِن اللِّحْيَةِ.
وكان عَطاءٌ يقولُ: مِن السُّنَّةِ إذا حَلَق أن يَبْلُغَ العَظْمَيْن.

1305 -

مسألة: (ثم قد حَلَّ له كلُّ شَئٍ إلَّا النِّساءَ. وعنه، إلَّا الوَطْءَ في الفَرْجِ)

وجُمْلَتُه أنَّ المُحْرِمَ إذا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، ثم حَلَق أو قَصَّر، حَلَّ له كلُّ ما كانَ مُحَرَّمًا بالإِحْرامِ، إلَّا النِّساءَ.
هذا الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ.
فيَبْقَى ما كان مُحَرَّمًا عليه مِن النِّساءِ؛ مِن الوَطْءِ، والقُبْلَةِ، واللَّمْسِ بشَهْوَةٍ، وعَقْدِ النِّكاحِ، ويَحِلُّ له ما سِوَى ذلك.
هذا قولُ ابنِ الزُّبَيْرِ، وعائشةَ، وعَلْقَمَةَ،1

..................................  وسالِمٍ، والنَّخَعِىِّ، وعبدِ اللَّهِ بنِ الحسنِ، وخارِجَةَ بنِ زَيْدٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ.
وعن 1 أحمدَ، أنَّه يَحِلُّ له كُلُّ شَئٍ إلَّا الوَطْءَ في الفَرْجِ؛ لأنَّه أغْلَظُ المُحَرَّماتِ، ويُفْسِدُ النُّسُكَ، بخِلافِ غيرِه.
وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه: يَحِلُّ له كلُّ شَئٍ، إلَّا النِّساءَ، والطِّيبَ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِه، وعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وغيرِهما؛ لأنَّه مِن دَوَاعِى الوَطْءِ، أشْبَهَ القُبْلَةَ.
وعن عُرْوَةَ، أنَّه لا يَلْبَسُ القَمِيصَ، ولا العِمامَةَ، ولا يَتَطَيَّبُ.
ورُوِىَ في ذلك عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَدِيثٌ ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ، وَالثِّيَابُ، وَكُلُّ شَئٍ، إلَّا النِّسَاءَ».
رَواه سعيدٌ 2. وقالت عائشةُ: طَيَّبْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لحُرْمِهِ 3 حينَ أحْرَمَ، ولِحِلِّهِ قبلَ أن يَطُوفَ بالبَيْتِ.
مُتَّفَقٌ عليه 4. وعن سالِمٍ، عن أبيهِ، قال: قال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إذَا رَمَيْتُم الجَمْرَةَ بسَبْعِ حَصَياتٍ، وذَبَحْتُمْ، وحَلَقْتُمْ، فقد حَلَّ لكُمْ كُلُّ شَئٍ إلَّا الطِّيبَ.
فقالت عائشةُ: أنا طَيَّبْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فسُنَّةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-

وَالْحِلَاقُ وَالتَّقْصِيرُ نُسُكٌ، إِنْ أخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ مِنًى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟  أحَقُّ أن تُتَّبَعَ.
رَواهُ سعيدٌ (1). [وعن] (2) ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: إذا رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ، فقد حَلَّ لكم كلُّ شَئٍ، النِّساءَ.
فقال له رجلٌ: والطِّيبُ؟ فقال: أمَّا أنا فقد رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُضَمِّخُ رَأْسَه بالمِسْكِ، أفطِيبٌ هو ذاك أم لا؟ رَواه ابنُ ماجَه (3). وقال مالكٌ: لا يَحِلُّ له النِّساءُ، ولا الطِّيبُ، ولا قَتْلُ الصَّيْدِ؛ لقَوْلِه سبحانه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (4). وهذا حَرامٌ.
وقد ذَكَرْنا ما يَرُدُّ هذا القولَ، ويَمْنَعُ أنَّه مُحْرِمٌ، وإنَّما بَقِىَ بعضُ أحكامِ الإِحْرامِ.

1306 -

مسألة: (والحِلاقُ

5 والتَّقْصِيرُ نُسُكٌ، إن أخَّرَه عن1234

عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَعَنْهُ، أنَّهُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ، لَا شَىْءَ فِى تَرْكِهِ.
وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالرَّمْى وَحْدَهُ.
أيّامِ مِنًى، فهل يَلزَمُه دَمٌ؟ على رِوايَتَيْن.
وعنه، أنَّه إطْلَاقٌ مِن مَحْظُورٍ، لا شئَ في تَرْكِه.
ويَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بالرَّمْىِ وَحْدَه) الحَلْقُ والتَّقْصِيرُ نُسُكٌ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه ليس بنُسُكٍ، وإنَّما هو إطْلاقٌ مِن مَحْظُورٍ كان مُحَرَّمًا عليه بالإِحْرامِ، فأُطْلِقَ فيه بالحِلِّ، كاللِّباسِ، وسائِرِ مَحْظوراتِ الإِحْرامِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ لا شئَ على تارِكِه، ويَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بدُونِه.
ووَجْهُها، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ بالحِلِّ مِن العُمْرَةِ قَبْلَه، فروَى أبو موسى، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: قَدِمْتُ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قُلْتُ: لَبَّيْكَ بإهْلَالٍ كإهْلَالِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «أَحْسَنْتَ».
وأمَرَنِى فطُفْتُ بالبَيْتِ، وبينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم قال لى: «أَحِلَّ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعن جابِرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمّا

..................................  سَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، قال: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْىٌ، فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً».
رَواه مسلمٌ 1. ولأنَّ ما كان مُحَرَّمًا في الإِحْرام، إذا أُبِيحَ كان إطْلاقًا مِن مَحْظُورٍ، كسائِرِ مُحَرَّماتِه.
والرِّوايَةُ الأُولَى أصَحُّ، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ به، فروَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ، فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ» 2. وعن جابِرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أُحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا».
وأمْرُه يَقْتَضِى الوُجُوبَ.
ولأنَّ اللَّهَ تعالى وَصَفَهم بقَوْلِه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ 3. ولو لم يَكُنْ مِن المَناسِكِ لَما وَصَفهم به، كاللُّبْسِ وقَتْلِ الصَّيْدِ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَرَحَّمَ على المُحَلِّقِينَ ثَلاثًا، وعلى المُقَصِّرِينَ مَرَّةً، ولو لم يَكُنْ مِن المَناسِكِ، لَما دَخَلَه التَّفْضِيلُ، كالمُباحَاتِ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه فَعَلُوه في جَمِيع حَجِّهِم وعُمَرِهم، لم يُخِلُّوا به، ولو لم يَكُنْ نُسُكًا لَما دَاوَمُوا عليه، بل لم يَفْعَلُوه إلَّا نادِرًا؛ لأنَّه لم يَكُنْ مِن عادَتِهم فيَفْعَلُوه عادَةً، ولا فيه فَضْل فيَفْعَلُوه لفَضْلِه.
فأمَّا أمْرُه بالحِلِّ، فإنَّما مَعْنَاه، واللَّه أعْلَمُ، الحِلُّ

..................................  يَفْعَلُه؛ لأنَّ ذلك كان مَشْهُورًا عندَهم، فاسْتُغْنِىَ عن ذِكْرِه، ولا يَمْنَعُ الحِلُّ مِن العِبادَةِ بما كان مُحَرَّمًا فيها، كالسلامِ في الصَّلاةِ.
فصل: فإذا قُلْنا: إنَّه نُسُكٌ.
جاز تَأْخِيرُه إلى آخِرِ أيَّامِ النَّحْرِ؛ لأنَّه إذا جازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ المُقَدَّمِ عليه، فتَأْخِيرُه أوْلَى، فإن أخَّرَه عن ذلك، فلا دَمَ عليه، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالَى بَيَّنَ أوَّلَ وَقْتِه، ولم يُبَيِّنْ آخِرَه، فمتى أتَى به أجْزَأ، كالطَّوافِ للزِّيارَةِ والسَّعْى.
والثّانِيَةُ، عليه دَمٌ، لأنَّه نُسُكٌ أخَّرَه عن مَحِلِّه.
ومَن تَرَك نُسُكًا فعليه دَمٌ.
ولا فَرْقَ في التَّأخِيرِ بينَ القَلِيلِ والكَثِيرِ، والعامِدِ والسَّاهِى.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ،

..................................  وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ: مَن تَرَكَه حتى حَلَّ، فعليه دَمٌ؛ لأنَّه نُسُكٌ، فوَجَبَ أن يَأْتِىَ به قبلَ الحِلِّ، كسائِرِ مَناسِكِه.
ولَنا، ما تَقَدَّمَ.
وهل يَحِلُّ قبلَه؟ فيه رِوَايَتان؛ إحداهُما، أنَّ التَّحَلُّلَ إنَّما يَحْصُلُ بالحَلْقِ والرَّمْى مَعًا.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، وقولُ الشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا رَمَيْتُمْ، وحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَئٍ، إلَّا النِّسَاءَ» 1. وتَرْتِيبُ الحِلِّ عليهما دَلِيلٌ على حُصُولِه بهما، ولأنَّهما نُسُكان يَتَعَقَّبُهما الحِلُّ، فكان حاصِلًا بهما، كالطَّوافِ والسَّعْى في العُمْرَةِ.
والثانِيَةُ، يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بالرَّمْى وَحْدَه.
وهذا قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ، وأبى ثَوْرٍ.
قال شيخُنا 2: وهو الصَّحِيحُ، إن شاءَ اللَّهُ تَعالَى؛

فَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْى أَوِ النَّحْرِ، جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا، فَلَا شَىْءَ  لقولِه في حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «إذَا رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَئٍ، إلَّا النِّسَاءَ».
وكذلك قال ابنُ عباسٍ.
قال بعضُ أصحابِنا: هذا يَنْبَنِى على الخِلافِ في الحَلْقِ، إن قُلْنا: هو نُسُكٌ.
حَصَل الحِلُّ، وإلَّا حَصَل بالرَّمْى وَحْدَه، وهو الذى ذَكَرَه شيخُنا في كتابِه المَشْرُوحِ.

1307 -

مسألة: (وإن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى والنَّحْرِ، جاهِلًا أو

عَلَيْهِ.
وَإنْ كَانَ عَالِمًا، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ناسِيًا، فلا شئَ عليه.
وإن كان عالِمًا، فهل يَلْزَمُه دَمٌ؟ على رِوايَتَيْن) السُّنَّةُ في يَوْمِ النَّحْرِ أن يَرْمِىَ، ثم يَنْحَرَ، ثم يَحْلِقَ، ثم يَطُوفَ، تَرتِيبُها هكذا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَتَّبَهَا كذلك، فروَى أنَسٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَى، ثم نَحَر، ثم حَلَق.
رَواه أبو داودَ 1. فإن أخَلَّ بتَرْتِيبِها ناسِيًا أو جاهِلًا، فلا شئَ عليه.
هذا قولُ الحسنِ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وداودَ، ومحمدِ بنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى، أو على النَّحْرِ، فعليه دَمٌ، فإن كان قارِنًا فعليه دَمان.
وقال زُفَرُ: عليه ثَلاثَةُ دِماءٍ؛ لأنَّه لم يُوجَدِ التَّحَلُّلُ الأوَّلُ، أشْبَهَ ما لو حَلَق قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ.
ولَنا، ما روَى عبدُ اللَّه بِنُ عَمْرٍو، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ؟ قال: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ».
فقالَ آخَرُ: ذَبَحْتُ قبلَ أن أرْمِىَ؟ قال: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وفى لَفْظٍ، قال:

..................................  فجاءَ رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، لم أشْعُرْ، فحَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ.
وذَكَر الحَدِيثَ.
قال: فما سَمِعْتُه يُسْألُ يَوْمَئِذٍ عن أمْرٍ مِمّا يَنْسَى المرءُ أو يَجْهَلُ، مِن تَقْدِيمِ بعضِ الأمُورِ على بَعْضٍ وأشباهِها، إلَّا قال: «افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ».
رَواه مسلم.
وعن ابنِ عباسٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قيلَ له يومَ النَّحْرِ، وهو بمِنًى: في النَّحْرٍ، والحَلْقِ، والرَّمْى، والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، [فقالَ: «لَا حَرَجَ»] 1. مُتَّفقٌ عليه 2. ورَواه عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عيسى بنِ طَلْحَةَ، عن عبدِ اللَّه بِن عَمْرٍو، وفيه: فحَلَقْتُ قبلَ أن أَرْمِىَ.
وسُنَّةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحَقُّ أن تُتَبَّعَ.
فأمَّا إن فَعَلَه عامِدًا، عالِمًا مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ، فإنَّه لا دَمَ عليه، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وهو قولُ عَطاءٍ، وإسحاقَ؛ لإطْلاقِ حَدِيثِ ابنِ عباسٍ، وكذلك حديثُ عبدِ اللَّهِ ابنِ عَمْرٍو، مِن رِوايَةِ سُفْيانَ بنِ عُيَيْنَةَ.
والثانيةُ، عليه دَمٌ.
رُوِى نَحْوُ ذلك عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وجابرِ بنِ زَيْدٍ، وقتادَةَ، والنَّخَعِىِّ؛ لأنَّ اللَّهَ = كما أخرجه أبو داود، في: باب في من قدم شيئًا قبل شئ...، من كتاب المناسك.
سنن أبى داود 1/ 464. والترمذى، في: باب ما جاء فيمن حلق قبل أن يذبح...، من أبواب الحج.
عارضة الأحوذى 4/ 148. وابن ماجه، في: باب من قدم نسكا قبل نسك، من كتاب المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 1014. والدارمى، في: باب في من قدم نسكه شيئًا قبل شئ، من كتاب المناسك.
سنن الدارمى 2/ 64، 65. والإمام مالك، في: باب جامع الحج، من كتاب الحج.
الموطأ 1/ 421. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 159، 160، 192، 202، 210، 217.

..................................  تعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 1. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَتَّبَ، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 2. والحديثُ المُطْلَقُ قد جاء مُقَيَّدًا، فيُحْمَلُ المُطْلَقُ على المُقَيَّدِ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْألُ عن رجلٍ حَلَق قبلَ أن يَذْبَحَ؟ فقال: إن كان جاهِلًا، فليس عليه دَمٌ، فأمَّا مع التَّعَمُّدِ فلا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَألَه رجلٌ، فقال: لم أشْعُرْ.
قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ لا يقولُ: لم أشْعُرْ.
فقالَ: نَعَمْ، ولكنَّ مالكًا والناسَ عن الزُّهْرِىِّ 3: لم أشْعُرْ.
وهو في الحَدِيثِ.
وقال مالكٌ: إن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْى، فعليه دَمٌ، وإن قَدَّمَه على النَّحْرِ، أو النَّحْرَ على الرَّمْى، فلا شَئَ عليه؛ لأنَّه بالإجْماعِ مَمْنُوعٌ مِن حَلْقِ شَعَرِه قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، ولا يَحْصُلُ إلَّا برَمْى الجَمْرَةِ، فأمَّا النَّحْرُ قبلَ الرَّمْى، فجائِزٌ؛ لأنَّ الهَدْىَ قد بَلَغَ مَحِلَّه.
ولَنا الحَدِيثُ، فإنَّه لم يُفَرِّقْ بَيْنَهما، فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قيلَ له: في الحَلْقِ، والنَّحْرِ، والتَّقْدِيمِ، والتَّأْخِيرِ.
فقال: «لَا حَرَجَ».
ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَهم في أنَّ مُخالَفَةَ التَّرْتِيبِ لا تُخْرِجُ هذه الأفْعالَ عن الإِجْزاءِ، ولا تَمْنَعُ وُقُوعَها

..................................  مَوْقِعَها، وإنَّما اخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الدَّمِ على ما ذَكَرْنا.
فصل: فإن قَدَّمَ الإِفاضَةَ على الرَّمْى، أجْزَأ طَوافُه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: لا تُجْزِئُه الإِفاضَةُ، فلْيَرْمِ، ثم لْيَنْحَرْ، ثم لْيُقَصِّرْ.
وكان ابنُ عُمَرَ يقولُ في مَن أفاضَ قبلَ أن يَحْلِقَ: يَرْجِعُ فيَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ، ثم يُفِيضُ.
ولَنا، ما روَى عَطاءٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له رجلٌ: أفَضْتُ قبلَ أن أَرْمِىَ؟ قال: «ارْم وَلَا حَرَجَ».
وعنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَئٍ فَلَا حَرَجَ».
رَواهما سعيدٌ في «سُنَنِه».
ورُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أتاه آخَرُ، فقالَ: إنِّى أفَضْتُ إلى البَيْتِ قبلَ أن أرْمِىَ؟ فقالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ».
فما سُئِلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن شئٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلَّا قال: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 1. ولأنَّه أتَى بالرَّمْى في وَقْتِه، فأجْزَأه، كما لو رَتَّبَ.
ومُقْتَضَى كَلامِ أصحابِنا أنَّه يَحْصُلُ له بالإِفاضَةِ قبلَ الرَّمْى التَّحَلُّلُ الأوَّلُ، كمَن رَمَى ولم يُفِضْ.
فعلى هذا لو واقَعَ أهلَه قبلَ الرَّمْى بعدَ الإِفاضَةِ، فعليه دَمٌ، ولا يَفْسُدُ حَجُّه.
وكذلك قال الأوْزاعِىُّ.
فإن رَجَع إلى أهْلِه ولم يَرْمِ، فعليه دَمٌ لتَرْكِ الرَّمْى، وحَجُّه صَحيحٌ؛ فإنَّ ابنَ عباسٍ قال: مَن نَسِىَ أو تَرَك شَيْئًا مِن نُسُكِه، فَلْيُهَرِقْ لذلك دَمًا 2.

ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ خُطْبَةً، يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ وَالإفَاضَةَ وَالرَّمْىَ.

1308 - مسألة: (ثم يَخْطُبُ الإِمامُ خُطبَةً، يُعَلِّمُهم فيها النَّحْرَ والإِفاضَةَ والرَّمْى)

يُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ الإِمامُ بمِنًى يومَ النَّحْرِ خُطْبَةً، يُعَلِّمُهُم فيها النَّحْرَ والإِفاضَةَ والرَّمْى.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وذَكَر بعضُ أصحابِنا أنَّه لا يَخْطُبُ يَوْمَئِذٍ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ؛ لأنَّها تُسَنُّ في اليَوْمِ الذى قبلَه، فلا تُسَنُّ فيه.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، خَطَب الناسَ يومَ النَّحْرِ، يَعْنِى بمِنًى.
أخْرَجَه البخارىُّ 1. وعن رافِعِ بنِ عَمْرٍ والمُزَنِىِّ قال: رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ الناسَ بمِنًى، حينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى، على بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ وعلىٌّ يُعَبِّرُ عنه 2، والناسُ بينَ قائمٍ وقاعِدٍ.
وقال أبو أُمَامَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: سَمِعْتُ خُطْبَةَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بمِنًى يومَ النَّحْرِ.
وقال عبدُ الرحمنِ بنُ مُعاذٍ: خَطَبَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونحن بمِنًى، ففُتِحَتْ 3 أسْماعُنا، حتى كُنَّا نَسْمَعُ ونحن في مَنازِلنا، فطَفِقَ يُعَلِّمُهم مَنَاسِكَهُم حتى بَلَغ الجِمارَ.
رَواهُنَّ أبو داودَ 4 غيرَ حَدِيثِ

..................................  ابنِ عباسٍ.
ولأنَّه يَوْمٌ تَكْثُرُ فيه أفعالُ الحَجِّ، ويَحْتاجُ إلى تَعْلِيمِ الناسِ أحْكامَ ذلك، فاحْتِيجَ إلى الخُطْبَةِ مِن أجْلِه، كيوم عَرَفَةَ.
فصل: يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ يومُ النَّحْرِ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في خُطْبَتِه يومَ النَّحْرِ: «هَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ».
رَواه البخارىُّ 1. وسُمِّىَ بذلك لكَثْرَةِ أفْعالِ الحَجِّ فيه؛ مِن الوُقُوفِ بالمَشْعَرِ، والدَّفْعِ منه إلى مِنًى،

ثُمَّ يفيضُ إلَى مَكَّةَ، وَيَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ، وَيُعَيِّنُهُ بِالنِّيَّةِ؛ وَهُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ الَّذِى بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ.
والرَّمْى، والنَّحْرِ، والحَلْقِ، وطَوافِ الإِفاضَةِ، والرُّجُوعِ إلى مِنًى ليَبِيتَ بها، وليس في غيرِه مِثْلُه، وهو مع ذلك يَوْمُ عِيدٍ، ويومٌ يَحِلُّ فيه مِن أفْعالِ الحَجِّ.

1309 -

مسألة: (ثم يُفِيضُ إلى مَكَّةَ، ويَطُوفُ للزِّيارَةِ، ويُعَيِّنُه بالنِّيَّةِ، وهو الطَّوافُ الواجِبُ الذى به تمامُ الحَجِّ)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا رَمَى رنَحَر وحَلَقَ، أفاضَ إلى مَكَّةَ يومَ النَّحْرِ، فطافَ طَوافَ الزِّيارَةِ، وسُمِّىَ بذلك؛ لأنَّه يَأْتِى مِن مِنًى فيَزُورُ البَيْتَ، ولا يقيمُ بمَكَّةَ، بل يَرْجِعُ إلى مِنًى، ويُسَمَّى طَوافَ الإِفاضَةِ؛ لكَوْنِه يَأْتِى به عندَ إفاضَتِه مِن مِنًى إلى مَكَّةَ.
وصِفَةُ هذا الطَّوافِ، كصِفَةِ طَوافِ القُدُومِ، إلَّا أنَّه يَنْوِى به طَوافَ الزِّيارَةِ، ويُعَيِّنُهُ بالنِّيَّةِ.
ولا رَمَلَ فيه، ولا اضْطِباعَ؛ لقَوْلِ ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّه عنهما: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَرْمُلْ في السَّبْعِ الذى أفاضَ فيه 1. والنِّيَّةُ شَرْطٌ في هذا الطَّوَافِ.
هذا قولُ إسحاقَ، وابنِ القاسمِ

..................................  صاحِبِ مالكٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: يُجْزِئُه، وإن لم يَنْوِ الفَرْضَ الذى عليه.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» 1. ولأنَّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَمَّاه صلاةً، والصلاةُ لا تَصِحُّ إلَّا بِنيَّةٍ اتِّفاقًا.
وهذا الطَّوافُ رُكْنٌ للحَجِّ، لا يَتِمُّ إلَّا به، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هو مِن فرائِضِ الحَجِّ، لا خِلافَ في ذلك بينَ العُلَماءِ.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 2. وعن عائشةَ، قالت: حَحجْنَا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأفَضْنَا يومَ النَّحْرِ، فحاضَتْ صَفِيَّةُ، فأرادَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- منها ما يُرِيدُ الرجلُ مِن أهْلِه، فقُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها حائِضٌ.
فقال: «أحَابِسَتُنَا هِىَ؟».
قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها قد أفاضَتْ يومَ النَّحْرِ.
قال: «اخْرُجُوا».
مُتَّفَقٌ عليه 3. فدَلَّ على أنَّ هذا الطَّوافَ لا بُدَّ منه، وأنَّه

وَأَوَّلُ وَقْتِهِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ وَعَنْ أَيَّامِ مِنًى، جَازَ.
حابِسٌ لمَن لم يَأْتِ به.

1310 -

مسألة: (وأوَّلُ وَقْتِه بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ، والأفْضَلُ فِعْلُه يومَ النَّحْرِ، فإن أخَّرَه عنه وعن أيَّامِ مِنًى، جازَ)

لهذا الطَّوافِ وَقْتانِ؛ وَقْتُ فَضِيلَةٍ، ووَقْتُ إجْزاءٍ؛ فأمَّا وَقْتُ الفَضِيلَةِ، فيَوْمُ النَّحْرِ بعدَ الرَّمْى والنَّحْرِ والحَلْقِ؛ لقولِ جابِرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ النَّحْرِ: فأفاضَ إلى البَيْتِ، فصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ 1. وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ عائشةَ، قالت: فَأفَضْنَا يومَ النَّحْرِ.
وقال ابنُ عُمَرَ: أفاضَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ النَّحْرِ.
مُتَّفَقٌ عليهما 2. وإن أخَّرَه إلى اللَّيْلِ فلا بَأْسَ؛ فإنَّ ابنَ عباسٍ، وعائشةَ، رَوَيَا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أخَّرَ طَوافَ الزِّيارَةِ إلى اللَّيْلِ.
رَواهما أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 3. وأمَّا وَقْتُ

ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أوْ لَمْ يَكُنْ سَعَى  الجَوازِ، فأوَّلُه مِن نِصْفِ اللَّيْلِ مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: أوَّلُه طُلوعُ الفَجْرِ يومَ النَّحْرِ، وآخِرُه آخِرُ أيَّامِ النَّحْرِ.
وهذا مَبْنِىٌّ على أوَّلِ وَقْتِ الرَّمْى، وقد مَضَى الكَلامُ فيه.
واحْتجَّ على آخِرِ وَقْتِه بأنَّه نُسُكٌ يُفْعَلُ في الحَجِّ، فكان آخِرُه مَحْدُودًا، كالوُقُوفِ والرَّمْى.
والصَّحِيحُ أنَّ آخِرَ وَقْتِه غيرُ مَحْدُودٍ؛ لأنَّه متى أتَى به صَحَّ بغيرِ خِلافٍ، وإنَّما الخِلافُ في وُجُوبِ الدَّمِ، فنقولُ: طافَ فيما بعدَ أيَّامِ النَّحْرِ طَوافًا صَحِيحًا، فلم يَلْزَمْه دَمٌ، كما لو طَافَ في أيَّامِ النَّحْرِ.
وأمَّا الوُقُوفُ والرَّمْىُ، فإنَّهُما لَمّا كانا مُوَقَّتَيْن كان لهما وَقْتٌ يَفُوتان بفَواتِه، وليس كذلك الطَّوافُ، فإنَّه متى أتَى به صَحَّ.

1311 -

مسألة: (ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، إن كان مُتَمَتِّعًا،

مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَإنْ كَانَ قَدْ سَعَى، لَمْ يَسْعَ.
أو لم يَكُنْ سَعَى مع طَوافِ القُدُومِ، وإن كان قد سَعَى، لم يَسْعَ) لأنَّ السَّعْىَ الذى سَعَاه المُتَمَتِّعُ إنَّما كان للعُمْرَةِ، فيُشْرَعُ له أن يَسْعَى للحَجِّ.
وإن كان المُفْرِدُ والقارِنُ لم يَسْعَيَا مع طَوافِ القُدُومِ، سَعَيَا بعدَ طَوافِ الزِّيارَةِ؛ لأنَّ السَّعْىَ لا يكُونُ إلَّا بعدَ الطَّوافِ، لكَوْنِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما سَعَى بعدَ الطَّوافِ، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 1. وإن كان قد سَعَى مع طَوافِ القُدُومِ، لم يَسْع؛ فإنَّه لا يُسْتَحَبُّ التَّطَوُّعُ بالسَّعْى، كسائِرِ الأنْساكِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، فأمَّا الطَّوافُ فيُسْتَحَبُّ التَّطوُّعُ به؛ لأنَّه صلاةٌ.

ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَىْءٍ.

1312 - مسألة: (ثم قد حَلَّ له كلُّ شئٍ).

يَعْنِى إذَا طافَ للزِّيارَةِ بعدَ الرَّمْى والنَّحْرِ والحَلْقِ، وكان قد سَعَى، حَلَّ له كلُّ شئٍ حَرَّمَه الإِحْرامُ.
وقد ذَكَرْنا أنَّه لم يَكُنْ بَقِىَ عليه مِن المَحْظُوراتِ سِوَى النِّساءِ، فبهذا الطَّوافِ حَلَّ له النِّساءُ.
قال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنهما: لم يَحِلَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن شئٍ حَرُمَ منه، حتى قَضَى حَجَّه، ونَحَر هَدْيَه يَوْمَ النَّحْرِ، فأفاضَ بالبَيْتِ، ثم حَلَّ مِن كلِّ شئٍ حَرُمَ منه.
وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، مثلُه.
مُتَّفَقٌ عليهما 1. ولا نَعْلَمُ خِلافًا في حُصُولِ الحِلِّ بما ذَكَرْناه على هذا التَّرْتِيبِ، فإن طافَ ولم يَكُنْ سَعَى، لم يَحِلَّ حتى يَسْعَى، إن قُلْنا: إنَّ السَّعْىَ رُكْنٌ.
وإن قُلْنا: هو سُنَّةٌ.
فهل يَحِلُّ قبلَه؟ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، يَحِلُّ؛ لأنَّه لم يَبْقَ عليه شئٌ مِن واجِباتِه.
والثانى، لا يَحِلُّ؛ لأنَّه مِن أفْعالِ الحَجِّ، فيَأْتى به في إحْرامِ الحَجِّ، كالسَّعْىِ في العُمْرَةِ.
فصل: قال الخِرَقِىُّ: يُسْتَحَبُّ للمُتَمَتِّعِ إذا دَخَل مَكَّةَ لطَوافِ الزِّيارَةِ، أن يَطُوفَ طَوافًا يَنْوِى به القُدُومَ، ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا

..................................  والمَرْوَةِ، ثم يَطُوفَ طَوافَ الزِّيارَةِ؛ لأنَّ المُتَمَتِّعَ لم يَأْتِ به قبلَ ذلك، فإنَّ الطَّوافَ الذى طافَه في الأوَّلِ كان طَوافَ العُمْرَةِ.
وقد نَصَّ أحمدُ، رَحِمَه اللَّه، على ذلك في رِوايَةِ الأثْرَمِ.
قال: قُلْتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: فإذَا رَجَع -يَعْنِى المُتَمَتِّعَ- كم يَطُوفُ ويَسْعَى؟ قال: يَطُوفُ ويَسْعَى لحَجِّه، ويَطُوفُ طَوافًا آخَرَ للزِّيارَةِ.
عاوَدْناه في هذا غيرَ مَرَّةٍ، فثَبَتَ عليه.
وكذلك الحُكْمُ في القارِنِ والمُفْرِدِ، إذا لم يَكُونَا أتَيَا مَكَّةَ قبلَ يومِ النَّحْرِ، ولا طافا طَوافَ القُدُومِ، فإنَّهُما يَبْدآن بطَوافِ القُدُومِ قبلَ طَوافِ الزِّيارَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ أيضًا.
واحْتَجَّ بما رَوَتْ عائشةُ، رَضىَ اللَّه عنها، قالت: فطافَ الذين أهَلُّوا بالعُمْرَةِ، وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم حَلُّوا، ثم طافُوا طَوافًا آخَرَ بعدَ أن رَجَعُوا مِن مِنًى لحَجِّهم، وأمَّا الذين جَمَعُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ فإنَّما طافُوا طَوافًا واحِدًا 1. فحَمَلَ أحمدُ، رَضِىَ اللَّه عنه، قولَ عائشةَ على أنَّ طَوافَهم لحَجِّهم هو طَوافُ القُدُومِ، ولأنَّه قد ثَبَت أنَّ طَوافَ القُدُومِ مَشْرُوعٌ، فلم يَكُنْ طَوافُ الزِّيارَةِ مُسْقِطًا له، كتَحِيَّةِ المَسْجِدِ عندَ دُخُولِه قبلَ التَّلبُّسِ بصلاةِ الفَرْضِ.
قال شيخُنا 2، رَحِمَه اللَّه: ولم أعْلَمْ أحَدًا وَافَقَ أبا عبدِ اللَّهِ على هذا الطَّوافِ الذى ذَكَرَه الخِرَقِىُّ، بل المَشْرُوعُ طَوافٌ واحِدٌ للزِّيارَةِ، كمَن دَخَل المَسْجِدَ، وأُقِيمَتِ الصلاةُ، فإنَّه يَكْتَفِى بها مِن تَحِيَّةِ المَسْجِدِ.
ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-،

..................................  ولا أصحابِه الذين تَمَتَّعُوا معه في حَجَّةِ الوادعِ، ولا أمَرَ به النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أحدًا، وحَدِيثُ عائشةَ دَلِيلٌ على هذا، فإنَّها قالت: طافُوا طَوافًا واحِدًا بعدَ أن رَجَعُوا مِن مِنًى لحَجَّتِهم.
وهذا هو طَوافُ الزِّيارَةِ، ولم تَذْكُرْ طَوافًا آخَرَ، ولو كان هذا الذى ذَكَرَتْه طَوافَ القُدُومِ، لكانَتْ قد أخَلَّتْ بذِكْرِ طَوافِ الزِّيارَةِ الذى هو رُكْنُ الحَجِّ، لا يَتِمُّ إلَّا به، وذَكَرَتْ ما يُسْتَغْنَى عنه، وعلى كلِّ حالٍ فما ذَكَرَتْ إلَّا طَوافًا واحِدًا، فمِن أين يُسْتَدَلُّ على طَوافَيْن؟ وأيضًا فإنَّها لَمَّا حاضَتْ، فقَرَنَتِ الحَجَّ إلى العُمْرَةِ بأمْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم تَكُنْ طافَتْ للقُدُومِ، لم تَطُفْ للقُدُومِ، ولا أمَرَها به النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّ طَوافَ القُدُومِ لو لم يَسْقُطْ بالطَّوافِ الواجبِ، لَشُرِعَ في حَقِّ المُعْتَمِرِ طوافٌ للقُدُومِ مع طَوافِ العُمْرَةِ، ولأنَّه أوَّلُ قُدُومِه إلى البَيْتِ، فهو به أوْلَى مِن المُتَمَتِّعِ الذى يَعُودُ إلى البَيْتِ بعدَ رُؤْيَتِه وطَوافِه.
وفى الجُمْلَةِ، هذا الطَّوافُ المُخْتَلَفُ فيه ليس بواجِبٍ، إنَّما الواجِبُ طَوافٌ واحِدٌ، وهو طَوافُ الزِّيارَةِ، وهو في حَقِّ المُتَمَتِّعِ كهو في حَقِّ القارِنِ والمُفْرِدِ، لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به.
فصل: والأطْوِفَةُ المَشْرُوعَةُ في الحَجِّ ثَلَاَثَةٌ؛ طَوافُ الزِّيارَةِ، وهو رُكْنٌ لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به، بغيرِ خِلافٍ.
وطوافُ القُدُومِ، وهو سُنَّةٌ، لا شئَ على تَارِكِه.
وطَوافُ الوَداعِ، واجِبٌ، يَجِبُ بتَرْكِه دَمٌ.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه.
وقال مالكٌ: على تارِكِ

..................................  طَوافِ القُدُوم دَمٌ، ولا شئَ على تارِكِ طَوافِ الوداعِ.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ كقولِنا في طَوافِ الوَداعِ، وكقولِه في طَوافِ القُدُومِ.
وما زادَ على هذه الأطْوِفَةِ فهو نَفْلٌ، ولا يُشْرَعُ في حَقِّهِ أكثرُ مِن سَعْىٍ واحِدٍ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
قال جابِرٌ: لم يَطُفِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا أصحابُه بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ إلَّا طَوافًا واحِدًا، طَوافَه الأوَّلَ.
رَواه مسلمٌ 1. ولا يكونُ السَّعْىُ إلَّا بعدَ طَوافٍ، وقد ذَكَرناه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخُلَ البَيْتَ، فيُكَبِّرَ في نَواحِيهِ، ويُصَلِّىَ فيه رَكْعَتَيْن، ويَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.
قال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: دَخَل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- البَيْتَ، وبِلالٌ، وأُسامَةُ بنُ زَيْدٍ، فقُلْتُ لبلالٍ: هل صَلَّى فيه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: نعم.
قُلْتُ: أين؟ قال: بينَ العَمُودَيْن تِلْقَاءَ وَجْهِه.
قال: ونَسِيتُ أن أسْألَه كم صَلَّى.
وقال ابنُ عباسٍ 2: أخْبَرَنِى أُسَامَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا دَخَل البَيْتَ، دَعَا في نَواحِيه كلِّها، ولم يُصَلِّ فيه حتى خَرَج.
مُتَّفَقٌ عليهما 3. فقَدَّمَ أهْلُ العِلمِ رِوايَةَ بِلالٍ على رِوايَةِ أُسامَةَ؛

..................................  لأنَّه مُثْبِتٌ، وأُسامَةُ نافٍ، ولأنَّ أُسامَةَ كان حَدِيثَ السِّنِّ، فيَجُوزُ أن يكونَ اشْتَغَلَ بالنَّظَر إلى ما في الكَعْبَةِ عن صلاةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وإن لم يَدْخُلِ البَيْتَ، فلا بَأْسَ، فإنَّ إسْماعِيلَ بنَ أبى 1 خالدٍ قال: قُلْتُ لعبدِ اللَّهِ ابِن أبى أوفَى: دَخَل النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- البَيْتَ في عُمْرَتِه؟ قال: لا.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عَنها، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَجَ مِن عندِها وهو مَسْرُورٌ، ثم رَجَعَ وهو كَئِيبٌ.
فقال: «إنِّى دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُهَا، إنِّى أَخَافُ أنْ أكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِى» 3. = والنسائى، في: باب الصلاة في الكعبة، وباب مقدار ذلك، من كتاب الصلاة، وفى: باب دخول البيت، وباب موضع الصلاة في البيت، من كتاب المناسك.
المجتبى 2/ 27، 28، 49، 5/ 171، 172. وابن ماجه، في: باب دخول الكعبة، من كتاب المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 1018. والثانى أخرجه البخارى، في: باب قول تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، من كتاب الصلاة.
صحيح البخارى 1/ 110. ومسلم، في: باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره...، من كتاب الحج.
صحيح مسلم 2/ 968. والنسائى، في: باب موضع الصلاة في الببت، وباب موضع الصلاة من الكعبة، من كتاب المناسك.
المجتبى 5/ 172، 174.

ثُمَّ يَأْتِى زَمْزَمَ، فَيَشْرَبُ مِنْهَا لِمَا أَحَبَّ، وَيَتَضَلَّعُ مِنْهُ، وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِى، وَامْلأهُ مِنْ خَشْيَتِكَ وَحِكْمَتِكَ.

1313 - مسألة: ويُسْتَحَبُّ أن (يأْتِىَ زَمْزَمَ، فيَشْربُ مِن مائِها لِما أحَبَّ، ويَتَضَلَّعُ

1 منه) قال جابِرٌ في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: ثم أتَى بنى عبدِ المُطَّلِبِ وهم يَسْقُونَ، فَنَاوَلُوه دَلْوًا، فشَرِبَ منه 2. ورُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» 3. وعن [محمدِ بنِ] 4 عبدِ الرحمنِ بنِ أبىِ بكرٍ، قال: كُنْتُ عندَ ابنِ عباسٍ جالِسًا، فجاءَه رجلٌ، فقالَ: مِن أينَ جِئْتَ؟ قال: مِن زَمْزَمَ.
قال: فَشَرِبْتَ منها كما يَنْبَغى؟ قال: فكيف؟ قال: إذا شَرِبْتَ منها، فاسْتَقْبِلِ الكَعْبَةَ، واذْكُرِ اسمَ اللَّهِ، وتَنَفَّسْ ثَلَاثًا مِن زَمْزَمَ، وتَضَلَّعْ منها، فإذَا فَرَغْتَ فاحْمَدِ اللَّهَ، فإنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ، أنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ».
رَواهما ابنُ ماجه 5. (ويَقُولُ) عندَ الشُّرْبِ (بِسْمِ اللَّه، اللَّهُمَّ اجْعَلْه لَنا عِلْمًا نافِعًا، ورِزْقًا واسِعًا، ورِيًّا وشِبَعًا، وشِفَاءً مِن كلِّ

فَصْلٌ: ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنًى، وَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى،  دَاءٍ، واغْسِلْ به قَلْبِى، وامْلَأه مِن خشْيَتِكَ وحِكْمَتِكَ).

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّه: (ثم يَرْجِعُ إلى مِنًى، ولا يَبِيتُ بمَكَّةَ لَيالِىَ مِنًى) السُّنَّةُ لمَن أفاضَ يومَ النَّحْرِ أن يَرْجِعَ إلى مِنًى؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أفاضَ يومَ النَّحْرِ، ثم رَجَع، فصَلَّى الظُّهْرَ بمِنًى.
مُتَّفَقٌ عليه 1. والمَبِيتُ بمِنًى في لَيالِيها واجِبٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
رُوِى ذلك عن ابنِ عباسٍ، وهو قَوْلُ عُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، وإبراهيمَ، وعَطاءٍ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
والثانيةُ، ليس بواجِبٍ.
رُوِى ذلك عن الحسنِ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ: إذا رَمَيْتَ الجَمْرَةَ فبِتْ حيثُ شِئْتَ، ولأنَّه قد حَلَّ مِن حَجِّه، فلم يَجِبْ عليه المَبِيتُ بمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، كلَيْلَةِ الحَصْبةِ 2. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنّ ابنَ عُمَرَ روَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَخَّصَ للعباسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ أن يَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى، مِن أجْلِ سِقَايَتِه.
مُتّفَقٌ عليه 3. وتَخْصِيصُ العباسِ بالرُّخْصَةِ

ويَرْمِى الْجَمَرَاتِ بِهَا فِى أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بعْدَ الزَّوَالِ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَيَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى، وَهِىَ أَبْعَدُهُنَّ مِنْ مَكَّةَ، وَتَلِى مَسْجِدَ الْخَيْفِ، فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعٍ، ثُمَّ  لعُذْرِه دَلِيلٌ على أنَّه لا رُخْصَةَ لغيرِه.
وعن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: لم يُرَخِّصِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لأحَدٍ يَبِيتُ بمَكَّةَ إلَّا للعباسِ؛ مِن أجْلِ سِقايَتِه.
رَواه ابنُ ماجَه 1. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَه نُسُكًا، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 2.

1314 -

مسألة: (ويَرْمِى الجَمَراتِ بها في أيَّامِ التَّشْرِيقِ بعدَ الزَّوَالِ، كلَّ جَمْرَةٍ بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فيَبْدَأُ بالجَمْرَةِ الأُولَى، وهى أبْعَدُهُنَّ مِن مَكَّةَ، وتَلِى مَسْجِدَ الخَيْفِ، فيَجْعَلُها عن يَسَارِه، ويَرْمِيها

يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا، فَيَقِفُ يَدْعُو اللَّه وَيُطيلُ، ثُمَّ يَأْتِى الْوُسْطَى فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعٍ، وَيَقِفُ عِنْدَهَا فَيَدْعُو، ثُمَّ يَرْمِى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعٍ، وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِىَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِى الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا.
بسَبْعٍ، ثم يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا، فيَقِفُ يَدْعُو اللَّهَ تعالى ويُطِيلُ، ثم يَأْتِى الوُسْطَى، فيَجْعَلُها عن يَمِينِه، ويَرْمِيها بسَبْعٍ، ويَقِفُ عِنْدَها فيَدْعُو، ثم يَرْمِى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بسَبْعٍ، ويَسْتَبْطِنُ الوَادِىَ، ولا يَقِفُ عندَها، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ في الجَمَرَاتِ كُلِّها) قد ذَكَرْنا أنَّ جُمْلَةَ ما يَرْمِى به الحاجُّ سَبْعُونَ حَصَاةً؛ سَبْعَةٌ منها يَرْمِى بها يومَ النَّحْرِ بعدَ طُلُوعِ الشمسِ، وبَاقِيها في أيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ بعدَ زَوالِ الشمسِ، كلَّ يَوْمٍ إحْدَى وعِشْرِينَ حَصَاةً، لثَلاثِ جَمَرَاتٍ، يَبْدَأُ بالجَمْرَةِ الأُولَى، وهى أبعدُ الجَمَراتِ مِن مَكَّةَ، قَرِيبًا مِن مَسْجِدِ الخَيْفِ، فيَجْعَلُها عن يَسَارِه، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ويَرْمِيها بسَبْعٍ حَصَيَاتٍ، كما وَصَفْنا في رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، ثم يَتَقَدَّمُ منها إلى مَكانٍ لا يُصِيبُه الحَصَى، فيَقِفُ طَوِيلًا يَدْعُو اللَّهَ تَعالَى رافِعًا يَدَيْه، ثم يَتَقَدَّمُ إلى الوُسْطَى، فيَجْعَلُها عن يَمِينهِ، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ويَرْمِيها بسَبْعٍ، ويَفْعَلُ مِن الوُقُوفِ والدُّعَاءِ كما فَعَل في الأُولَى، ثم يَرْمِى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بسَبْعٍ، ويَسْتَبْطِنُ الوادِىَ، ويَسْتَقْبِلُ القِبلَةَ، ولا يَقِفُ عِندَها.
هذا قولُ الشافعىِّ.
ولا نَعْلَمُ في جميعِ ذلك خِلافًا، إلَّا أنَّ مالِكًا قال: ليس بمَوْضِعٍ لرَفْعِ اليَدَيْنِ.

..................................  وقد ذَكَرْنا الخِلافَ فيه عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ 1. وقال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْألُ، أيَقُومُ الرجل عندَ الجَمْرَتَيْن إذا رَمَى؟ قال: إى لعَمْرِى شَدِيدًا، ويُطِيلُ القِيامَ أيضًا.
قيلَ: فإلَى أين يَتَوَجَّهُ في قِيامِه؟ قال: إلى القِبْلَةِ.
ويَرْمِيها مِن بَطنِ الوَادِى.
والأصْلُ في هذا ما رَوَتْ عائشةُ، قالت: أفاضَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن آخِرِ يَوْمِه حينَ صلَّى الظُّهْرَ، ثم رَجَع إلى مِنًى، فمَكَثَ بها لَيَالِىَ أيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِى الجَمْرَةَ إذا زَالَتِ الشمسُ، كلَّ جَمْرَةٍ بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ويَقِفُ عندَ الأُولَى والثانيةِ ويَتَضَرَّعُ، ويَرْمِى الثالثةَ، ولا يَقِفُ عندَها.
رَواه أبو داودَ 2. وعن ابنِ عُمَرَ أنَّه كان يَرْمِى الجَمْرَةَ الأُولَى بسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ على إثْرِ كلِّ حَصَاةٍ، ثم يَتَقَدَّمُ، ويَسْتَهِلُّ، ويَقُومُ قِيامًا طَوِيلًا، ويَرْفَعُ يَدَيْه، ثم يَرْمِى الوُسْطَى، ويَأْخُذُ بذاتِ الشِّمالِ، ويَسْتَهِلُّ، ويَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ قِيامًا طويلًا، ثم يَرْفَعُ يَدَيْه، ويَقُومُ طويلًا، ثم يَرْمِى جَمْرَةَ

..................................  العَقَبَةِ مِن بَطْنِ الوَادِى، ولا يَقِفُ عندَها، ثم ينْصَرِفُ، ويقولُ: هكذا رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفْعَلُه.
رَواه البخارىُّ 1. وروَى أبو داودَ، أنَّ ابنَ عُمَرَ كان يَدْعُو بدُعَائِه الذى دَعَا به بعَرَفَةَ ويَزِيدُ: وأصْلِحْ وأتِمَّ لَنَا مَنَاسِكَنَا.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: كان ابنُ عُمَرَ، وابنُ مَسْعُودٍ يَقُولَانِ عندَ الرَّمْى: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا 2. وروَى عبدُ الرحمنِ ابنُ يَزِيدَ 3 قال: أفَضْتُ مع عبدِ اللَّهِ، فرَمَى بسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ويَسْتَبْطِنُ الوَادِىَ، حتى إذا فَرَغ، قال: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا.
ثم قال: هكذا رَأيْتُ الذى أُنْزِلَتْ عليه سُورَةُ البَقَرَةِ صَنَع.
رَواه الأثْرَمُ 4. فصل: ولا يَرْمِى إلَّا بعدَ الزَّوالِ، فإن رَمَى قبلَ الزَّوالِ أعادَ.
نَصَّ عليه.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وبه قال مالكٌ، والثَّورِىُّ، والشافعىُّ،

..................................  وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى، وعَطاءٌ، إلَّا أنَّ إسحاقَ، وأصحابَ الرَّأْى، رَخَّصُوا في الرَّمْى يومَ النَّفْرِ قبلَ الزَّوَالِ.
ولا يَنْفُرُ إلَّا بعدَ الزَّوالِ.
وعن أحمدَ مِثْلُه.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما رَمَى بعدَ الزَّوالِ؛ لقولِ جابِرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَرْمِى الجَمْرَةَ ضُحَى يَوْم النَّحْرِ، ورَمَى بعدَ ذلك بعدَ زَوالِ الشمسِ 1. وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 2. وقال ابنُ عُمَرَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ إذا زَالَتِ الشمسُ رَمَيْنا.
وأىَّ وَقْتٍ رَمَى بعدَ الزَّوالِ أجْزأه؛ إلَّا أنَّ المُسْتَحَبَّ المُبادَرَةُ إليها حينَ الزَّوالِ، كما قال ابنُ عُمَرَ.
وقال ابنُ عباسٍ: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَرْمِى الجِمارَ إذا زَالَتِ الشمسُ، قَدْرَ ما إذا فَرَغ مِن رَمْيِه صَلَّى الظُّهْرَ.
رَواه ابنُ ماجَه 3. فصل: فإن تَرَك الوُقُوفَ عندَها والدُّعَاءَ، تَرَك السُّنَّةَ، ولا شئَ عليه.
وبه قال الشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ.
وعن الثَّوْرِىِّ، أنَّه

وَالتَّرتِيبُ شَرْطٌ فِى الرَّمْى.
وَفِى عَدَدِ الْحَصَى رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، سَبْعٌ.
وَالْأُخْرَى، يُجْزِئُهُ خَمْسٌ.
قال: يُطْعِمُ شيئًا، وإن أراقَ دَمًا أحَبُّ إلىَّ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَه، فيكونُ نُسُكًا.
ولَنا، أنَّه دُعاءٌ ووُقُوفٌ مَشْرُوعٌ، فلم يَجِبْ بتَرْكِه دَمٌ، كحالَةِ رُؤْيَةِ البَيْتِ، وكسائِرِ الأدْعِيَةِ، والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفْعَلُ الواجِباتِ والمَنْدُوباتِ، وقد ذَكَرْنا الدَّلِيلَ على أنَّه مَنْدُوبٌ.

1315 -

مسألة: (والتَّرْتِيبُ شَرْطٌ في الرَّمْى. وفى عَدَدِ الحَصَى رِوايَتان؛ إحداْهُما سَبْعٌ. والأُخْرَى، يُجْزِئُه خَمْسٌ)

التَّرْتِيبُ في هذه الجَمَراتِ واجِبٌ، على ما ذَكَرْناه.
فإن نَكَسَ، فبَدَأ بجَمْرَةِ العَقَبَةِ، ثم الثَّانيةِ، ثم الأُولَى، أو بَدَأ بالوُسْطَى، ورَمَى الثَّلاثَ، لم يُجْزِئْه إلَّا الأُولَى، وأعادَ الوُسْطَى والقُصْوَى.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن رَمَى القُصْوَى، ثم الأُولَى، ثم الوُسْطَى، أعادَ القُصْوَى وَحْدَها.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال الحَسَنُ، وعَطاءٌ: لا يَجِبُ التَّرْتِيبُ.
وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ، فإنَّه قال: إذا رَمَى مُنْكِسًا، يُعِيدُ، فإن لم يَفْعَلْ أجْزَأه.
واحْتَجَّ بعضُهم بما رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا بَيْنَ يَدَىْ نُسُكٍ فَلَا حَرَجَ» 1. ولأنَّها مَناسِكُ مُتَكَرِّرَةٌ، وفى أمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ في وَقْتٍ

..................................  واحِدٍ، ليس بعضُها تَابِعًا لبعضٍ، فلم يُشْتَرَطِ التَّرْتِيبُ فيها، كالرَّمْى، والذَّبْحِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَتَّبَها في الرَّمْى، وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» 1. ولأنَّه نُسُكٌ مُتَكَرِّرٌ، فاشْتُرِطَ التَّرْتِيبُ فيه، كالسَّعْى.
وحَدِيثُهم إنَّما هو في مَن يُقَدِّمُ نُسُكًا على نُسُكٍ، لا في مَن يُقَدِّمُ بعضَ النُّسُكِ على بعضٍ.
وقِياسُهم يَبْطُلُ بالطَّوَافِ والسَّعْى.
فصل: والأَوْلَى في الرَّمْى أن لا يَنْقُصَ عن سَبْعِ حَصيَاتٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَى بسَبْعٍ، فإن نَقَص حَصَاةً أو حَصَاتَيْن، فلا بَأْسَ، ولا يَنْقُصُ أكْثَرَ مِن ذلك.
نَصَّ عليه.
وهو قولُ مُجاهِدٍ، وإسحاقَ.
وعنه، إن رَمَى بسِتٍّ نَاسِيًا، فلا شئ عليه، ولا يَنْبَغِى أن يَتَعَمَّدَه، فإن تَعَمَّدَ ذلك، تَصَدَّقَ بشئٍ.
وكان ابنُ عُمَرَ يقولُ: ما أُبالِى، رَمَيْتُ بسِتٍّ أو سَبْعٍ.
قال ابنُ عباسٍ: ما أدْرِى، رَمَاها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بسِتٍّ أو بسَبْعٍ.
وعن أحمدَ، أنَّ عَدَدَ السَّبْعِ شَرْطٌ.
ويُشْبِهُ مَذْهَبَ الشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَمَى بسَبْعٍ.
وقال أبو حَيَّةَ: لا بَأْسَ بما رَمَى به الرجلُ مِن الحَصا.
فقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو: صَدَقَ أبو حَيَّةَ.
وكان أبو حَيَّةَ بَدْرِيًّا.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، ما روَى ابنُ أبى نَجِيحٍ، قال: سُئِلَ

فَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ وَاجِبَةٍ مِنَ الْأُولَى، لَمْ يَصِحَّ رَمْىُ الثَّانِيَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَىِّ الْجِمَارِ تَرَكَهَا، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.
طاوُسٌ عن رجلٍ تَرَك حَصَاةً؟ قال: يَتَصَدَّقُ بتَمْرَةٍ أو لُقْمَةٍ.
فذَكَرْتُ ذلك لمُجاهِدٍ، فقالَ: إنَّ أبا عبدِ الرحمنِ لم يَسْمَعْ قولَ سَعْدٍ، قال سَعْدٌ: رَجَعْنَا مِن الحَجَّةِ (1) مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، بعضُنا يَقُولُ: رَمَيْتُ بسِتٍّ.
وبعضُنا: بسَبْعٍ.
فلم يَعِبْ ذلك بعضُنا على بعضٍ.
رَواه الأثْرَمُ وغيرُه (2).

1316 -

مسألة: (فإن أخَلَّ بحَصاةٍ واجِبَةٍ مِن الأُولَى، لم يَصِحَّ رَمْىُ الثَّانيةِ)

حتى يُكْمِلَ الأُولَى؛ لإِخْلالِه بالتَّرْتِيبِ (فإن لم يَعْلَمْ مِن أىِّ الجِمارِ تَرَكَها، بَنَى على اليَقِينِ) ليَتَيَقَّنَ بَراءَةَ الذِّمَّةِ.
فإن أخَلَّ بحَصاةٍ غيرِ واجِبَةٍ، لم يُؤَثِّرْ تَرْكُها.12

وَإِنْ أَخَّرَ الرَّمْىَ كُلَّهُ، فَرَمَاهُ فِى آخِرِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، أَجْزَأَهُ، وَيُرَتِّبُهُ بِنِيَّتِهِ.
وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَوْ تَرَكَ الْمَبِيت بِمِنًى فِى لَيَالِيهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَفِى حَصَاةٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَا فِى حَلْقِ شَعَرِهِ.

1317 - مسألة: (وإنْ أخَّرَ الرَّمْىَ كلَّه، فرَمَاه في آخِرِ أيامِ التَّشْرِيقِ، أجْزَأه، ويُرَتِّبُه بنِيَّتِه.
وإن أخَّرَه عن أيَّامِ التَّشْرِيقِ، أو تَرَكَ المَبِيتَ بمِنًى في لَيالِيها، فعليه دَمٌ، وفى حَصَاةٍ أو لَيْلَةٍ واحِدَةٍ ما في حَلْقِ شَعَرِه)

إذا أخَّرَ رَمْىَ يَوْمٍ إلى ما بَعْدَه، أو أخَّرَ الرَّمْىَ كلَّه إلى آخِرِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، تَرَك السُّنَّةَ، ولا شئَ عليه، إلَّا أنَّه يُقَدِّمُ بالنِّيَّةِ رَمْىَ اليومِ الأولِ، ثم الثَّانِى، ثم الثالِث.
وبذلك قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: إن تَرَك حَصاةً أو حَصاتَيْن أو ثلاثًا إلى الغدِ، رماها، وعليه لكلِّ حَصاةٍ نِصْفُ صاعٍ، وإن تَرَك أرْبَعًا، رَمَاها، وعليه دَمٌ.
ولَنا، أنَّ أيَّامَ التَّشرِيق وَقْتٌ للرَّمْىِ، فإذا أخَّرَه مِن أوَّلِ وَقْتِه إلى آخِره، لم يَلْزَمْه شئٌ، كما لو أخَّرَ الوُقُوفَ بعَرَفَةَ إلى آخِرِ وَقْتِه.
قال القاضى: ولا يَكُونُ رَمْيُه في اليومِ الثانى قَضاءً؛ لأنَّه وَقْتٌ واحِدٌ.
فإن سُمِّىَ قَضاءً، فالمُرَادُ

..................................  به الفِعْلُ، كقولِه تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ 1. وقَوْلِهم: قَضَيْتُ الدَّيْنَ.
والحُكْمُ في رَمْى جَمْرَةِ العَقَبَةِ إذا أخَّرَها، كالحُكْمِ في رَمْى أيَّامِ التَّشْرِيقِ، في أنَّها إذا لم تُرْمَ يَوْمَ النَّحْرِ رُمِيَتْ مِن الغَدِ.
وإنَّما قُلْنا: يَلْزَمُه التَّرْتِيبُ بنِيَّتِه؛ لأنَّها عِبادَةٌ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فيها إذا فَعَلَها في أيَّامِها، فوَجَبَ تَرْتِيبُها مَجْمُوعَةً، كالمَجْمُوعَتَيْن والفَوائِتِ مِن الصَّلَواتِ.
فصل: فإن أخَّرَه عن أيَّامِ التَّشْرِيقِ، فعليه دَمٌ؛ لأنَّه تَرَك نُسُكًا واجبًا، فيَجِبُ عليه دَمٌ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: مَن تَرَك نُسُكًا، أو نَسِيَه فإنَّه يُهْرِقُ دَمًا 2. ولأنَّ آخِرَ وَقْتِ الرَّمْى آخِرُ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، فمتى خَرَجَتْ قبلَ رَمْيِه فاتَ وَقْتُه، واسْتَقَرَّ عليه الفِداءُ الواجِبُ في تَرْكِ الرَّمْى.

..................................  هذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ.
وعن عطاءٍ، في مَن رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وخَرَج إلى إبلِه في لَيْلَةِ أرْبَعَ عَشْرَةَ، ثم رَمَى قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، أجْزَأه، فإن لم يَرْمِ، فعليه دَمٌ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ مَحَلَّ الرَّمْى النَّهارُ، فيَخْرُجُ وَقْتُ الرَّمْى بخُرُوجِ النَّهارِ، وكذلك إن تَرَك المَبِيتَ بمِنًى في لَيالِيها.
وهذا مَبْنِىٌّ على الرِّوايَةِ في وُجُوبِ المَبِيتِ بمِنًى.
وعن أحمدَ، أنَّه لا شئَ عليه، وقد أساءَ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيه بشئٍ.
وعنه، يُطْعِمُ شَيْئًا.
وخَفَّفَه، ثم قال: قد قال بعضُهم: ليس عليه.
وقال إبراهيمُ: عليه دَمٌ.
وضَحِكَ، ثم قال: دَمٌ بمرةٍ.
شَدَّدَ «بمَرَّةٍ» 1. قُلْتُ: ليس إلَّا أن يُطْعِمَ شيئًا؟ قال: نعم، يُطْعِمُ شيئًا، تَمْرًا أو نحوَه.
فعلى هذا، أىُّ شئٍ تَصَدَّقَ به أجْزَأه.
ولا فَرْقَ بينَ لَيْلَةٍ أو أكْثَرَ؛ لأنَّه

جارٍ التحميل