الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 416-455

كِتابُ الصَّلَاةِ

صفحات 416-455

..................................  جُعِلَ الْإمَامُ لِيُؤْتمَّ بهِ، فَإذَا كَبَّر فَكبِّرُوا».
مُتَّفَقُ عليه 1. والرُّكُوعُ مِثْلُ ذلك، إلَّا أنَّه لا تَفْسُدُ صَلاتُه بالرُّكُوعِ معه، لأنَّه قد دَخَل في الصلاةِ، هاهُنا بخِلافِه.
فإن كَبَّر قبلَ إِمامِه، لم تنْعَقِدْ صَلاتُه، وعليه إعادَة التَّكْبِيرِ بعدَ تَكْبِيرِ الإمامِ.
فصل: والتَّكْبيرُ مِن الصلاةِ، خِلافًا لأصحابِ أبي حنيفةَ في قوْلِهم: ليس منها.
لأنَّه أَضافَه إِليها في قولِه: «تحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» 2. ولا يُضافُ الشيءُ إلى نَفْسِه.
ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الصلاةِ: «إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».
رَواه مسلمٌ 3. وما ذَكَرُوه لا

وَيَرْفَعُ يَدَيْه مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ مَمْدُودَةَ الْأَصَابعِ، مَضْمُومَةً بَعْضُهَا إلى بَعْض، إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، أوْ إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ،  يَصِحُّ، فإنَّ أجْزاءَ الشئِ تُضافُ إليه، كيَدِ الإنْسانِ وسائِرِ أطْرافِه، واللهُ أعلمُ.

383 -

مسألة: (ثم يَرْفَعُ يدَيْه مع ابْتِداءِ التَّكْبِيرِ مَمْدُودَةَ الأصابعِ مَضْمُومًا بَعْضُها إلى بعض إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْه أو إلى فُرُوعِ أُذُنَيْه)

رَفْعُ اليَدَيْنِ عندَ افْتتاحِ الصلاةِ مُسْتَحَبٌّ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لم 1 يَخْتَلِفْ أهلُ العِلْمِ في أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَرْفَعُ يَدَيْه إذا افْتتح الصلاةَ.
فرَوَى ابنُ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا افْتَتَحَ الصلاةَ رَفع يَدَيْه حتَّى يُحاِذىَ بهما مَنْكِبَيْه، وإذا أراد أن يَرْكَعَ، وبعدَ = 381، 382. كما أخرجه أبو داود، في: تشميت العاطس في الصلاة، من كتاب الصلاة.
سنن أبي داود 1/ 213. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 447، 448.

..................................  ما يَرْفَعُ رَأْسَه مِن الركُوعِ، ولا يرفَعُ بينَ السَّجْدَتَيْن.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وهو مُخَيَّرٌ في رَفْعِهما إلى حَذْوِ مَنْكِبَيْه أو إلى 2 فُرُوعِ أُذُنَيْه، يَعْنِي أنَّه يَبْلُغُ بأطْرافِ أصابِعِه ذلك المَوْضِعَ؛ لأن كلا الأمْرَيْن قد رُوِيَ عن رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فالرفْعُ إلى المَنْكِبَيْن قد رُوِيَ في حديثِ ابنِ عُمَرَ، ورَواه عليّ، وأبو هُرَيْرةَ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ.
والرَّفْعُ إلى حَذْوِ الأذُنَيْن رَواهُ

..................................  وائلُ بنُ حُجْرٍ، ومالكُ بنُ الحُوَيْرِث مِن رِوايَةِ مسلم 1، وقال به ناسٌ مِن أهلِ العِلْمِ، إلَّا أنَّ مَيْلَ أبي عبدِ الله إلى الأوَّلِ أكْثَرُ؛ لكثرةِ رُواتِه وقُرْبهم مِن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وجَوَّزَ الآخَرَ؛ لصِحَّةِ رِوايَتِه، فدَلَّ على أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَفْعَلُ هذا وهذا.
ويُسْتَحَبُّ أن يَمُدَّ أصابعَه وَقْتَ الرَّفْع، ويَضُمَّ بَعْضَها إلى بعضٍ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا دَخَل في الصلاةِ رَفَع يَدَيْه مَدًّا 2.

..................................  وقال الشافعيُّ: السُّنَّةُ أن يُفَرِّقَ أصابِعَه.
وقد رُوِيَ ذلك عن أحمدَ؛ لما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَنْشُرُ أصابِعَه للتَّكْبِيرِ 1. ولَنا، ما رَوَيْناه.
وحَدِيثُهم خَطَأٌ، قالَه التِّرْمذيُّ 2. ثم لو صَحَّ كان مَعْناه المَدَّ.
قال أحمدُ: أهْلُ العَرَبيَّة قالوُا: هذا الضَّمُّ.
وضمَّ أصابِعَه.
وهذا النَّشْرُ.
ومَدَّ أصابِعَه.
وهذا التَّفْرِيقُ.
وفَرقَ أصابِعَه.
ولأن النَّشْرَ لا يَقْتَضِي التَّفْرِيق، كنَشْرِ الثَّوْبِ.
فصل: ويكونُ ابْتِداءُ الرفع مع ابْتداءِ التَّكْبِيرِ، وانْتِهاؤُه مع انْتِهائِه، فإذا انْقَضَى التَّكْبيرُ حَطَّ يَدَيْه؛ لأنَّ الرفْعَ للتَّكْبِيرِ، فكان معه.
فإن نَسِيَ رَفْعَ اليَدَيْن حتَّى فَرَغ مِن التَّكْبِيرِ، لم يَرْفَعْهما؛ لأنَّه سُنَّةٌ فات مَحَلُّها.
وإن ذَكَرَه في أثْناء التَّكْبِيرِ رَفَعَهما؛ لبَقاءِ مَحَلِّه، فإن لم يُمْكِنْه رَفْعُ اليَدَيْن إلى المَنْكِبَيْن رَفَعَهما قَدْرَ الإمْكانِ.
وإن أمْكَنَه رَفْعُ إحْداهما حَسْبُ،

ثُمَّ يَضَعُ كَفَّ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى،  رَفَعَها؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطعتُمْ» (1). فإن لم يُمْكِنْه رَفْعُهما إلَّا بالزِّيادَةِ على المسْنُونِ، رَفَعَهما؛ لأنَّه يَأتِي بالسُنَّةِ وزِيادةٍ مَغْلُوبٍ عليها.
وهذا كلّه قول الشافعيِّ.
وإن كانت يَداه في ثَوْبِه، رَفَعَهما بحيث يُمْكِنُ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: أَتَيْتُ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في الشِّتاء، فرَأيْتُ أصحابَه يَرْفَعُون أيْدِيَهُم في ثِيابِهم في الصلاةِ.
وفي رِوايَةٍ، قال: ثم جِئْتُ في زَمانٍ فيه برْدٌ شَدِيدٌ، فرَأيْتُ النّاسَ عليهم جُلُّ الثِّيابِ، تَتَحَركُ أيَدِيهم تحتَ الثِّيابِ.
رَواهما أبو داودَ (2). وفيه: فرَأيْتُهم يَرْفَعُون أيدِيَهُم إلى صُدُورِهم (3). ولا فَرْقَ في ذلك بينَ النّافِلَةِ والفَرِيضَةِ، والإمامِ والمَأمُومِ والمُنْفَرِدِ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ.
والله أعلمُ.

384 -

مسألة: (ثم يَضَعُ كَفَّ يَدِه اليُمْنَى على كُوعِ اليُسْرَى،

123

ويَجْعَلُهما تحتَ سُرَّتِه،  ويَجْعَلُهما تحتَ سُرَّتِه) وَضْعُ اليُمْنَى على اليُسْرى في الصلاةِ مَسْنُونٌ، رُوِيَ عن عليٍّ، وأبي هُرَيْرَةَ، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والثوْرِيِّ، والشافعي، وأصحابِ الرَّأي.
وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن مالكٍ، والذى عليه أصحابُه إرْسالُ اليَدَيْنِ.
رُوِي ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، والحسين.
ولَنا، ما روى قَبِيصَةُ بنُ هُلْبٍ 1، عن أَبيه، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَؤُمُّنا فيَأْخُذُ شِمالَه بيَمِينِه.
رَواه التِّرْمِذِيُّ 2، وقال: حديث حسنٌ، وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العِلْمِ مِن أصحاب النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- والتّابِعين، ومَن بعدَهم.
وعن غُطيْفٍ 3، قال: ما نَسِيتُ مِن الأشْياءِ فلم أنْسَ أنِّي رَأيْتُ

..................................  رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، واضِعًا يَمِينَه على شِمالِه في الصلاةِ.
مِن «المُسْنَدِ» 1. ويَضَعُهما على كُوعِه، أو قَرِيبًا منه؛ لِما روَى وائِلُ بن حُجْرٍ، أنَّه وَصَف صلاة رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وقال في وَصْفِه: ثم وَضَع يَدَه اليُمْنى على ظَهْرِ كَفِّه اليُسْرَى والرُّسْغِ، والسّاعِدِ 2. فصل: ويَجْعَلُهما تحتَ سُرَّتِه.
رَوِيَ ذلك عن عليٍّ، وأبي هُرَيْرَةَ، والثوْرِيِّ وإسحاقَ.
قال على، رَضىَ اللهُ عنه: مِن السُنَّةِ وَضْعُ اليَمِينِ على الشِّمالِ تحتَ السُّرَّةِ.
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 3. وعن أحمدَ، أنَّه يَضَعُهما فَوْقَ السُّرَّةِ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والشافعيِّ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُصَلى، فوَضَعَ يَدَيْه على صَدْرِه، إحْداهما على 4 الأُخْرَى 5. وعنه روايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه مُخيَّرٌ في ذلك؛ لأنَّ الجَمِيعَ مَرْوِيٌ، والأمْرُ في ذلك واسِعٌ.

وَيَنْظُرُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ،

385 - مسألة: (ويَنْظُرُ إلى مَوْضِعِ سُجُودِه)

وذلك مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّه أخْشَعُ للمُصَلِّي، وأكَفُّ لنَظَرِه.
قال محمدُ بنُ سِيرِينَ وغيرُه 1، في قَوْلِه تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ 2. هو أن لا يَرْفَعَ بَصَرَه عن مَوْضِع سُجُودِه.
قال أبو هُرَيْرَةَ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَرْفَعُون أبْصارَهم إلى السَّماءِ في الصلاةِ، فلَمَّا نَزَل: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.
رَمَوْا بأبْصارِهم إلى مَوْضِعِ السُّجُودِ 3.

ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ.

386 - مسألة: (ثم يَقُولُ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبحَمْدِكَ، وتَبارَكَ اسْمُكَ، وتَعالَى جَدُّكَ، ولا إلهَ غَيْرُكَ)

الاسْتِفْتاحُ مِن سُنَنِ الصلاةِ، في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ، وكان مالكٌ لا يَراه، بل يُكَبِّرُ ويَقْرَأُ؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأبو بكرٍ وعُمَرُ 1 يَفْتَتِحُون الصلاةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَسْتَفْتِحُ بما سنَذْكُرُه، وعَمِل به الصَّحابَةُ، رضِيَ اللهُ عنهم، فكان 3 عُمَرُ يَسْتَفْتِحُ به صَلَاته، يَجْهَرُ به ليَسْمَعَه النّاسُ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ.
وحديثُ أنَسٍ أراد به القِراءَةَ، كما روَى أبو هُرَيْرَةَ: يَقولُ الله تعالى:

..................................  «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» 1. وفَسَّرَه بالفاتحةِ، مِثْلَ قَوْلِ عائشةَ: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَفْتَتِحُ الصلاةَ بالتَّكْبِيرِ، والقِراءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ 2. ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على هذا؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ عُمَرَ، وهو مِمَّن روَى عنه أنَسٌ.
فصل: ومَذْهَبُ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، الاسْتِفْتاحُ الذى ذَكَرْنا، وقال: لو أنَّ رجلًا اسْتَفْتَحَ ببَعْضِ ما رُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِن الاسْتِفْتاحِ، كان حَسَنًا.
والذى ذَهَب إليه أحمدُ قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، منهم عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، وابنُ مسعودٍ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْيِ.
قال التِّرمِذِيُّ: وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العلمِ مِن التّابِعِين وغيرِهم.
وذَهَب الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ إلى الاسْتِفْتاحِ بما رُوِيَ عن عليٍّ، قال: كان رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قام إلى الصلاةِ كَبَّرَ، ثم قال: «وَجَّهْت وَجْهِيَ لِلذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاتي وَنُسُكِي

..................................  وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأنَا أوَّلُ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَنا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إنَّه لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، وَاهْدِني لِأحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ، أنَا بِكَ وَإلَيْكَ، تَبارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وَأتُوبُ إلَيْكَ».
رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ 1. وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذَا كَبَّر [في الصَّلاةِ أسْكَتَ] 2 إسْكاتَةً.
حَسِبْتُه 3 قال: هُنَيْهَةً.
بينَ التَّكْبِيرِ والقِراءَةِ، فقُلْتُ: يَا رسولَ اللهِ، أرَأيْتَ إسْكاتَك بينَ التَّكْبِيرِ والقِراءَةِ، ما تَقُولُ؟ قال: «أقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَاىَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَاىَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ،

..................................  اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَاىَ بِالثَّلْج وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وإنَّما اخْتارَ أحمدُ، رَحِمَه اللهُ، الاسْتِفْتاحَ الأوَّلَ؛ لمِا رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا اسْتَفْتَحَ الصلاةَ، قال: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلهَ غَيْرُكَ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ 2. وروَى أبو سعيدٍ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِثْلَه، مِن رِوايَةِ النَّسائِيِّ والتِّرْمِذِيِّ 3. ورَواه أنَسٌ أَيضًا 4. وعَمِل به عُمَرُ بينَ يَدَيْ أصحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- 5. فلذلك اخْتارَه

ثُمَّ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
أحمدُ (1)، وجَوَّزَ الاسْتِفْتاحَ بغيره؛ لكَوْنِه قد صَحَّ، إلَّا أنَّه قال في [حَدِيثِ عليٍّ] (2): بَعْضُهم يقُولُ: في صلاةِ اللَّيْلِ.
ولأنَّ العَمَل به مَتْرُوكٌ، فإنَّا لا نَعْلَمُ أحدًا يَسْتَفْتِحُ به كلِّه، وإنَّما يَسْتَفْتِحُون بأوَّلِه.
فصل: قال أحمدُ: ولا يَجْهَرُ الإمامُ بالاسْتِفْتاحِ.
وعليه عامَّةُ أهلِ العِلْمِ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَجْهَرْ به، وإنَّما جَهَر به عُمَرُ؛ ليُعَلِّمَ النّاسَ.
فإن نَسِيَه، أو تَرَكَه عَمْدًا حتَّى شَرَع في الاسْتِعاذةِ، لم يَعُدْ إليه، لأنَّه سُنَّةٌ فات مَحَلُّها.
وكذلك إن نَسِيَ التَّعَوُّذَ حتَّى شَرَع في القِراءَةِ، لم يَعُدْ إليه؛ لذلك.

387 -

مسألة: (ثم يَقُولُ: أعُوذُ باللهِ مِن الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ)

الاسْتِعاذَةُ قبلَ القِراءَةِ في الصلاةِ سُنَّةٌ، في قَوْلِ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ،12

ثُمَّ يَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ،  والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ (1)، وأصحابِ الرَّأْيِ؛ لقَوْلِ اللهِ تَعالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (2). وعن [أبي سعيدٍ] (3)، عن رسولِ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه كان إذا قام إلى الصلاةِ اسْتَفْتَحَ، ثم يَقُولُ: «أَعُوذُ باللهِ السَّمِيع الْعَلِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، ونَفْثِهِ» (4). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا أشْهَرُ حديثٍ في البابِ.
وقال مالكٌ: لا يَسْتَعِيذُ؛ لحديثِ أنَسٍ (5). وقد مَضَى جَوابُه.
وصِفَتُها كما ذَكَرْنا.
وهذا قولُ أَبى حنيفةَ والشافعيِّ؛ للآيةِ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: جاء عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه كان يقُولُ قبلَ القِراءَةِ: «أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ».
وعن أحمدَ أنَّه يقُولُ: أعُوذُ بِاللهِ السَّمِيع العَلِيمِ مِن الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ؛ لحديثِ أبي سَعِيدٍ؛ فإنَّه مُتضَمِّنٌ للزِّيادَةِ.
ونَقَل حَنْبَلٌ عنه، أنَّه يَزيدُ بعدَ ذلك: إنَّ اللهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ.
وهذا كلُّه واسِعٌ.
وكَيْفَما اسْتَعاذَ فحَسَنٌ.

388 -

مسألة: (ثم يَقْرأُ: بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

قِراءَةُ:12345

..................................  «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» مَشْرُوعَةٌ في الصلاةِ، في أوَّلِ الفاتِحَةِ، وأوَّلِ كلِّ سُورَةٍ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وقال مالكٌ، والأَوْزاعِيُّ: لا يَقْرَؤُها في أوَّلِ الفاتِحَةِ، لحديثِ أنَسٍ.
وعن ابنِ 1 عبدِ اللهِ بنِ المُغَفَّلِ، قال: سَمِعَنِي أَبى، وأنا أقُولُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
فقال: أيّ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ! إيّاكَ والحَدَثَ.
قال: ولم أرَ أحَدًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان أبْغَضَ إليه الحَدَثُ في الإِسْلامِ.
يَعْنِي منه.
فإنِّي صَلَّيْتُ مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ومع أبي بكرٍ، ومع عُمَرَ، ومع عثمانَ، فلم أسْمَعْ أحَدًا منهم يَقُولُها، فلا تَقُلْها، إذا صَلَّيْتَ فقُلْ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
أخرجه التِّرْمِذِيُّ 2، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، أنَّه قال: صَلَّيْت وراءَ أَبى هُرَيْرَةَ، فقَرَأ: بِسْمِ الله اِلرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ثم قَرَأ بأُمِّ القُرْآنِ، وقال: والذى نَفْسِي بيَدِه، إنِّي لأشْبَهُكم صلاةٌ برسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
رَواه النَّسائِيُّ 3. وروَى ابنُ المُنْذِرِ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في الصلاةِ: بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ

..................................  الرَّحِيمِ 1. وعن أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ في الصلاةِ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وعَدَّها آيَةً، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، آيَتَيْن 2. فأَمّا حديثُ أنَس، فقد سَبَق جَوابُه.
ثم يُحْمَلُ على أنَّ الذى كان يُسْمَعُ منهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقد جاء مُصَرَّحًا به.
فرَوَى شُعْبَةُ، وشَيْبان، عن قَتادَة، قال: سَمِعْتُ أنَسَ بنَ مالكٍ، قال: صَلَّيْتُ خلفَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وأبي بكرٍ، وعُمَرَ، فلم أسْمَعْ أحَدًا منهم يَجْهَرُ بـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
وفي لَفْظٍ: فكلُّهم يُخْفِي «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
وفي لَفْظٍ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسِرُّ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وأبا بكرٍ وعُمَرَ 3. رَواه ابنُ شاهِينَ 4.

وَلَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا مِنْهَا.
وَلَا يَجْهَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ المُغَفَّلِ مَحْمُولٌ على هذا أَيضًا، جَمْعًا بينَ الأخْبارِ.
ولأنَّ مالِكًا قد سَلَّمَ أنَّه يُسْتَفْتَحُ بها غيرُ (1) الفاتِحَةِ، فالفاتِحَةُ أوْلَى؛ لأنَّها أوَّلُ القُرْآنِ وفاتِحَتُه.

389 -

مسألة: (وليست مِن الفاتِحَةِ. وعنه، أنَّها منها. ولا بجْهَرُ بشئٍ مِن ذلكَ)

قد مَضَى ذِكْرُ الاسْتِفْتاحِ، ولا نَعْلَمُ خلافًا في أنَّه لا يَجْهَرُ بالاسْتِعاذةِ، فأمَّا «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» فالجَهْرُ بها غيرُ مَسْنُونٍ عندَ أحمدَ، رَحِمَه الله، لا اخْتِلافَ عنه فيه.
قال1

..................................  التِّرْمِذِيُّ 1: وعليه العَمَلُ عندَ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ مِن أصحابِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ومَن بعدَهم مِن التَّابِعِين؛ منهم أبو بكرٍ، وعُمَرُ، وعثمانُ، وعليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وذكَرَه ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ مسعودٍ، وعَمّارٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ.
وهو قولُ الحَكَمِ، وحَمّادٍ، والأوْزاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ المُبارَكِ، وأصحابِ الرَّأْيِ.
ويُرْوَى الجَهْرُ بها عن عَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لحديثِ أَبى هُرَيْرَةَ، أنَّه قَرَأ بها في الصلاةِ، وقد قال: ما أسْمَعَنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أسْمَعْناكم، وما أخْفَى عَنّا أخْفَيْنا عنكم.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وعن أُنَسٍ، أنَّه صَلَّى وجَهَر بـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
وقال: أقْتَدِي بصلاةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- 3. ولِما تَقَدَّمَ مِن حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ، ولأنَّها آيةٌ مِن الفاتِحَةِ،

..................................  فيَجْهَرُ بها الإِمامُ في صلاةِ الجَهْرِ، كسائِرِ آياتِها.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ أنَسٍ، وعبدِ اللهِ بنِ المُغَفَّلِ.
وعن عائشةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَفْتَتِحُ الصلاةَ بالتَّكْبِيرِ، والقِراءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وحديثُ أَبى هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «قالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ».
لم يَذْكُرْ فيه «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» يَدُلُّ على أنَّه لم يَذْكُرْ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
وأمّا حديثُ أبي هُرَيْرَةَ الذى احْتَجُّوا به، فليس فيه أنَّه جَهَر بها، ولا يَمْتَنِعُ أن يُسْمَعَ منه حالَ الإسْرارِ، كما سُمِع الاسْتِفْتاحُ والاسْتِعاذَةُ مِن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، مع إسْرارِه بهما، فقد رُوِيَ أنَّه كان يُسْمِعُهم الآيَةَ أحْيانًا في صلاةِ الظُّهْرِ.
مِن رِوايَةِ أَبى قَتادَةَ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وكذلك حديثُ أُمِّ سَلَمَةَ

..................................  ليس فيه ذِكْرُ الجَهْرِ، وباقِي أخْبارِ الجَهْرِ ضَعِيفَةٌ؛ لأنَّ رُواتَها هم رُواةُ الإخْفاءِ، بإسْنادٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ لا يُخْتَلَفُ فيه، فدَلَّ على ضَعْفِ ما يُخالِفُه، وقد بَلَغَنا أنَّ الدّارَقُطْنِيَّ قال: لم يصِحَّ في الجَهْرِ حديثٌ 1. فصل: وليست مِن الفاتِحَةِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ.
وهي المَنْصُورَةُ عندَ أصحابِنا، وهو قولُ أَبى حنيفةَ، ومالكٍ، والأوْزاعِيِّ.
ثم اخْتَلَفَ 2 عن أحمدَ فيها، فقِيلَ عنه 3: هي آيَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، كانت تَنْزِلُ بينَ كلِّ سُوَرَتَيْن فَصْلًا بينَ السُّوَرِ.
وقِيلَ عنه: إنَّما هي بَعْضُ آيَة مِن سُوَرةِ النَّمْلِ.
[وقال عبدُ اللهِ بنُ مَعْبَدٍ الزِّمّانِيُّ 4 والأوْزاعِيُّ: ما أنْزَلَ اللهُ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم» إلَّا في سُورَةِ النَّمْل] 5: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ 6. والرِّوايَةُ الثّانِيَة، أنَّها آيةٌ مِن الفاتِحَةِ خاصَّةً، تَجِبُ قِراءَتُها في الصلاةِ أوَّلًا.
اخْتارَها أبو عبدِ اللهِ ابنُ بَطَّةَ، وأبو حَفْصٍ.
وهو قولُ ابنِ المُبارَكِ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ.
قال عبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ: مَن تَرَك «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» فقد تَرَك مِائةً وثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً.
وكذلك قال الشَّافِعِيُّ؛

..................................  لحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ.
وروَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال.
«إذَا قَرَأْتُمْ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فَاقْرَءُوا: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فَإنَّها أُمُّ الْكِتَابِ، وَإنَّهَا السَّبْعُ المَثَانِي، و ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية مِنْهَا» 1. ولأنَّ الصَّحابَةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم، أثْبَتُوها في المَصاحِفِ، ولم يُثْبِتُوا بينَ الدَّفَّتَيْن سِوَى القُرْآنِ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: سَمِعْتُ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَألَ، فَإذَا قَالَ الْعَبْدُ 2: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قَالَ اللهُ: حَمَدَنِي عَبْدِي.
فَإذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
قَالَ اللهُ: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي.
فَإذَا قَالَ: ﴿مَالِكٍ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
قَالَ اللهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي.
فَإذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
قَالَ اللهُ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.
فَإذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».
رَواه مسلمٌ 3. فلو كانت ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ

..................................  الرَّحِيمِ} آيةً لعَدَّهَا، وبَدَأ بها، ولم يَتَحَقَّقِ التَّنْصِيفُ.
فإن قِيلَ: فقد روَى عبدُ اللهِ بنُ زِيادِ بنِ سَمْعَانَ 1: «يَقُولُ عَبْدِي إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
فَيَذْكُرُنِي عَبْدِي».
قُلْنا: ابنُ سَمْعانَ مَتْرُوكُ الحديثِ، لا يُحْتَجُّ به.
قالَه الدَّارَقُطْنِيُّ 2. ورُوِيَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «سُورَةٌ هِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً، شَفَعَتْ لِقَارِئِهَا، ألَا وَهِيَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾» 3. وهي ثَلاُثون آيَةً سِوَى «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».
ولأنَّ مَواضِعَ الآيِ كالآيِ، في أنَّها لا تَثْبُتُ إلَّا بالتَّواتُرِ، ولا تَواتُرَ في هذا.
فأمَّا حديثُ أُمِّ سَلَمَةَ فلَعَلَّه مِن رَأْيِها.
أو نقولُ: هم آيَةٌ مُفْرَدَةٌ للفَصْلِ بينَ السُّوَرِ.
وحديثُ أَبى هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ عليه، فإنَّ راوِيَه أبو بكرٍ الحَنَفِيُّ، عن عبدِ الحميدِ بنِ جَعْفَرٍ، عن نُوحِ ابن أبي بِلالٍ، قال أبو بكرٍ: رَاجَعْتُ فيه نُوحًا، فوَقَفَه.
وأمّا إثْباتُها بينَ السُّوَرِ، فللفَصْلِ بينَها، ولذلك كُتِبَتْ سَطْرًا على حِدَتِها.
والله أعلمُ.

ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، وَفِيهَا إِحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً».

390 - مسألة: (ثم يَقْرَأُ الفاتِحَةَ، وفيها إحْدَى عَشَرةَ تَشْدِيدَةً)

قِراءَةُ الفاتِحَةِ رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ، لا تَصِحُّ إلَّا به، في المَشْهُورِ عن أحمدَ.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
ورُوِيَ عن عُمَرَ، وعثمانَ بنِ أبي العاصِ، وخَوّاتِ بنِ جُبَيْرٍ 1، رَضِيَ اللهُ عنهم، أنَّهم قالُوا: لا صلاةَ إلَّا بقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّها لا تَتَعَيَّنُ، ويُجْزِئُ قِراءَةُ آيَةٍ مِن القُرْآنِ، أيَّ آيةٍ كانت.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاِته: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» 2. وقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ 3. ولأنَّ الفاتِحَةَ وسائِرَ القُرآنِ سَواءٌ في سائِرِ الأحْكامِ، كذلك في الصلاةِ.
ولَنا، ما روَى عُبادَةُ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «لَا

..................................  صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكتَابِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولأنَّ القِراءَةَ رُكْنٌ في الصلاةِ، فكانت مُعَيَّنَةَ، كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
فأمّا خَبَرُهم، فقد روَى الشافعيُّ 2 بإسْنادِه، عن رِفاعَةَ بنِ رافِعٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال للأعْرابِيِّ: «ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَمَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَقْرَأَ».
ثم يُحْمَلُ على الفاتِحَةِ وما تَيَسَّرَ معها، ويَحْتَمِلُ أنَّه لم 3 يَكُنْ يُحْسِنُ الفاتِحَةَ، وكذلك نقُولُ في الآيَةِ: يَجُوزُ أن يكُونَ أراد الفاتِحَةَ وما تَيَسَّرَ، ويَحْتَمِلُ أنَّها نَزَلَتْ قبلَ نُزُولِ الفاتِحَةِ.
والمَعْنَى الذى ذَكَرُوه أجْمَعْنا على خِلافِه؛ فإنَّ مَن تَرَكَ الفاتِحَةَ، كان مُسِيئًا، بخِلافِ بَقِيَّةِ السُّوَرِ.
وتَشْدِيداتُ الفاتِحَةِ إحْدَى عَشْرَةَ، بغيرِ خِلافٍ؛ أوُّلُها اللَّامُ في ﴿لِلَّهِ﴾، والباءُ في ﴿رَبِّ﴾، والراءُ في ﴿الرَّحْمَنِ﴾، وفي ﴿الرَّحِيمِ﴾، والدَّالُ في ﴿الدِّينِ﴾، وفي ﴿إِيَّاكَ﴾، و ﴿إِيَّاكَ﴾ تَشْدِيدَتان، وفي ﴿الصِّرَاطَ﴾، على الصَّادِ، وعلى اللّامِ في ﴿الَّذِينَ﴾، وفي ﴿الضَّالِّينَ﴾ تَشْدِيدَتان، في الضّادِ

..................................  واللّامِ.
وإذا قُلْنا: البَسْمَلَةُ مِنها.
صار فيها أرْبَعَ عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً؛ [لأنَّ في البَسْمَلَةِ ثَلاثًا] 1. فصل: وتَجِبُ قِراءَةُ الفاتِحَةِ في كلِّ رَكْعَةٍ، في حَقِّ الإِمامِ والمُنْفَرِدِ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ.
وهو قولُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّها لا تَجِبُ إلَّا 2 في رَكْعَتَيْن مِن الصلاةِ.
ونَحْوُه يُرْوَى عن النَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ.
ونَحْوُه عن الأوْزاعِيِّ أَيضًا؛ لِما رُوىَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: اقْرَأْ في الأُولَيَيْن، وسَبِّحْ في الأُخْرَيَيْن.
ولأنَّ القِراءَةَ لو وَجَبَتْ في بَقِيَّةِ الرَّكَعاتِ، لسُنَّ الجَهْرُ بها في بَعْضِ الصَّلَواتِ، كالأُولَيَيْن.
وعن الحسنِ: أنَّه إن قَرَأ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ أجْزَأ.
وقالت طائِفَةٌ: إن تَرَك قِراءَةَ القُرْآنِ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، سَجَد للسَّهْوِ، إلَّا في الصُّبْحِ، فإنَّه يُعِيدُ.
رُوِيَ هذا عن مالكٍ.
ورُوِيَ عن إسحاقَ، أنَّه قال: إذا قَرَأ في ثَلاثِ رَكَعاتٍ، إمامًا أو مُنْفَرِدًا، فصَلاتُه جائِزَةٌ؛ وذلك لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ 3. ولَنا، ما روَى أبو قَتادَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَأْ في الظُّهْرِ في الأُولَيَيْن بأُمِّ الكتابِ وسُورَتَيْن، ويُطَوِّلُ في الأُولَى، ويُقَصِّرُ في الثّانِيَةِ، ويُسْمِعُ الآيَةَ أحْيانًا، وفي الرَّكْعَتَيْن الأُخْريَيْن بأُمِّ الكِتابِ.
وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيّتُمُونِي أُصَلِّي».
مُتَّفَقٌ عليهما 4. وروَى أبَو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا

..................................  صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» 1. وعنه، وعن عُبادَةَ بنِ الصّامِتٍ، قالا: أمَرَنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن نَقْرَأ بفاتِحَةِ الكتابِ، في كلِّ رَكْعَةٍ 2. رَواهما إسماعيلُ بنُ سعيدٍ الشَّالَنْجِيُّ.
ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عَلَّمَ المُسِيءَ في صَلاِته كيف يُصَلِّي الرَّكْعَةَ الأُولَى، ثم قال: «وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلُّهَا» 3. فيَتَناوَل الأمرَ بالقِراءَةِ.
وحديثُ عليٍّ يَرْوِيه الحَارِثُ الأعْوَرُ، قال الشَّعْبِيُّ: كان كَذَّابًا.
ولو صَحَّ، فقد خالَفَه عُمَرُ، وجابِرٌ.
والإسْرارُ بها لا يَنْفِي وُجُوبَها، كالأُولَيَيْن في الظُّهْرِ.
فصل: وأقَلُّ ما يُجْزِئُ قِراءَةٌ مَسْمُوعَةٌ يُسْمِعُها نَفْسَه، أو يكُونُ بحيث يَسْمَعُها لو كان سَمِيعًا، إلَّا أن يكونَ ثَمَّ ما يَمْنَعُ السَّماعَ، كقَوْلِنا في = إذا سمع الإمام الآية، وباب يطوّل في الركعة الأولى، من كتاب الأذان.
صحيح البُخَارِيّ 1/ 193، 197، 198. ومسلم، في: باب القراءة في الظهر والعصر، من كتاب الصلاة.
صحيح مسلم 1/ 333. كما أخرجه أبو داود، في: باب ما جاء في القراءة في الظهر، من كتاب الصلاة.
سنن أبي داود 1/ 184. والنَّسائيّ، في: باب تقصير القيام في الركعة الثَّانية من الظهر، من كتاب افتتاح الصلاة.
المجتبى 2/ 128. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 295، 301، 311. والثاني، أخرجه البُخَارِيّ، في: باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة.... إلخ، من كتاب الأذان، وفي: باب رحمة النَّاس والبهائم، من كتاب الأدب، وفي: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق.... إلخ، من كتاب الآحاد.
صحيح البُخَارِيّ 1/ 162، 163، 8/ 11، 9/ 107. والدارمي، في: باب من أحق بالإمامة، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 286. والإمام أَحْمد، في: المسند 5/ 53. وهذا اللفظ لم يخرجه مسلم.

..................................  التَّكْبِيرِ، فإنَّ ما دُونَ ذلك ليس بقِراءَةٍ.
والمُسْتَحَبُّ أن يَأْتِيَ بها مَرَتَّلَةً 1 مُعْرَبَةً، يَقِفُ فيها عندَ كلِّ آيَةٍ، ويُمَكِّنُ حُرُوفَ المَدِّ واللِّينِ، ما لم يُخْرِجْه ذلك إلى التَّمْطِيطِ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ 2. ورُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّها سُئِلَتْ عن قِراءَةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قالت: كان يُقَطِّعُ قِراءَتَه آيَةً آيَةً: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكٍ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
مِن المُسْنَدِ 3. وعن أنَسٍ، قال: كانت قِراءَةُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مَدًّا.
ثم قَرَأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
يَمُدُّ ﴿بِسْمِ اللهِ﴾، ويَمُدُّ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ويَمُدُّ ﴿الرَّحِيمِ﴾.
أخْرَجَه البُخارِيُّ 4. فإن أخْرَجَه ذلك إلى التَّمْطِيطِ والتَّلْحِينِ كان مَكْرُوهًا؛ لأنَّه رُبَّما جَعَل الحَرَكاتِ حُرُوفًا.
قال أحمدُ: يُعْجِبُنِي مِن قِراءَةِ القرآنِ السَّهْلَةُ.
وقال: قَوْلُه: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأصْوَاتِكُمْ» 5. قال: يُحَسِّنُه بصَوْتِه مِن غيرِ

فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا أَوْ تَشْدِيدَة مِنْهَا، أَوْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ كَثِيرٍ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا.
تَكَلُّفٍ.
وقد رُوِيَ في خَبَرٍ: «أحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً مَنْ إذَا سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ رَأيْتَ أنَّهُ يَخْشَى اللهَ» (1). ورُوِيَ: «إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ فَاقْرَءُوهُ بِحُزْنٍ» (2).

391 -

مسألة: (فإن تَرَك تَرْتِيبَها، أو تَشْدِيدَةً منها، أو قَطَعَها بذِكْرٍ كَثِيرٍ، أو سُكُوتٍ طَوِيلٍ، لَزِمَه اسْتِئْنافُها)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يَلْزَمُه أن يَأْتِيَ بقِراءَةِ الفاتِحَةِ مُرَتَّبَةً مُشَدَّدَةً، غيرَ مَلْحُونٍ فيها لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنى، مِثْلَ أن يَكسِرَ كافَ ﴿إِيَّاكَ﴾، أو يَضُمَّ تاءَ ﴿أَنْعَمْتَ﴾، أو يَفْتَحَ ألِفَ الوَصْلِ في ﴿اهْدِنَا﴾، فإن أخَلَّ بالتَّرْتِيبِ، أو لَحَن فيها لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، لم يُعْتَدَّ بها، لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَؤُها مُرَتَّبَةَ، وقد قال: «صَلُّوا12 = 2/ 474. والإمام أَحْمد، في: المسند 4/ 283، 285، 296، 304.

..................................  كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» 1. إلَّا أن يَعْجِزَ عن غيرِ هذا، وكذلك إن أخَلَّ بتَشْدِيدَةٍ منها.
ذَكَر القاضي نَحْوَ هذا في «المُجَرَّدِ».
وهو قولُ الشافعيِّ.
وذَكَر في «الجامِعِ»: لا تَبْطُلُ بتَرْكِ شَدَّةٍ؛ لأنَّها غيرُ ثابِتَةٍ في خَطِّ المُصْحَفِ، وإنَّما هي صِفَةٌ للحَرْفِ، ويُسَمَّى تارِكُها قارِئًا.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الحَرْفَ المُشَدَّدَ أُقِيمَ مُقامَ حَرْفَيْن، بدَلِيلِ أنَّ شَدَّةَ راءِ ﴿الرَّحْمَنِ﴾ أُقِيمَتْ مُقامَ اللّامِ، وكذلك شَدَّةُ دالِ ﴿الدِّينِ﴾، فإذا أخَلَّ بها، أخَلَّ بالحَرْفِ وغَيَّرَ المَعْنَى، إلَّا أن يُرِيدَ أنَّه أظْهَرَ المُدْغَمَ، مِثْلَ أن يُظْهِرَ لامَ ﴿الرَّحْمَنِ﴾، فهذا يَصِحُّ؛ لأنَّه إنَّما تَرَك الإِدْغامَ، وهو لَحْنٌ لا يُحِيلُ المَعْنَى.
قال القاضي: ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه إذا لَيَّنَها، ولم يُخَفِّفْها على الكَمالِ، أنَّه لا يُعِيدُ الصلاةَ؛ لأنَّ ذلك لا يُحِيلُ المَعْنَى، ويَخْتَلِفُ باخْتِلافِ النَّاسِ.
ولَعَلَّه أراد في «الجامِعِ» هذا، فيَكُونُ قَوْلُه مُتَّفِقًا.
ولا تُسْتَحَبُّ المُبالَغَةُ في التَّشْدِيدِ بحيث يَزِيدُ على حَرْفٍ ساكِنٍ؛ لأنَّها أُقِيمَتْ مُقامَه، فإذا زادَها عن ذلك، زادَها عمّا أُقِيمَتْ مُقامَه، فيُكْرَهُ.

..................................  فصل: فإن قَطَع قِراءَةَ الفاتِحَةِ بذِكْرٍ، أو دُعاءٍ، أو قِراءَةٍ، أو سُكُوتٍ، وكان يَسِيرًا، أو فرَغ الإِمامُ مِن الفاتِحَةِ في أثْناءِ قِراءَةِ المَأْمُومِ، فقال: آمِينَ.
لم تَنْقَطِعْ قِراءَتُه؛ لقولِ أحمدَ: إذا مَرَّتْ به آيَةُ رَحْمَةٍ سأل، وإذا مَرَّتْ به آيَةُ عَدْابٍ اسْتَعاذَ.
لأنَّه يَسِيرٌ فعُفِيَ عنه.
وإن كَثُر ذلك، اسْتَأْنَفَ قِراءَتَها؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَؤُها مُتَوالِيَةٌ.
فإن كان السُّكُوتُ مَأْمُورًا به، كالمَأْمُومِ يَشْرَعُ في قِراءَةِ الفاتِحَةِ، ثم يَسْمَعُ قراءةَ الإِمام، فيُنْصِتُ له، فإذا سَكَت الإِمامُ، أتَمَّ قِراءَتَه، أجْزأه.
أوْمَأ إليه أحمدُ.
وكذلك إن سَكت نِسْيانًا، أو نَوْمًا، أو لانْتِقالِه إلى غيرِها غَلَطًا، ومتى ما ذَكَر، أتَى بما بَقِيَ منها.
فإن تَمادَى فيما هو فيه بعدَ ذِكْرِه، لَزِمَه اسْتِئْنافُها، كما لو ابْتَدَأ ذلك.
فإن نَوَى قَطْعَ قِراءَتِها مِن غيرِ أن يَقْطَعَها، لم تَنْقَطِعْ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بالفِعْلِ لا بالنِّيَّةِ.
وكذا إن سَكَت مع النِّيَّةِ سُكُوتًا يَسِيرًا؛ لِما ذَكَرْناه مِن أنَّ النِّيَّةَ لا عِبْرَةَ بها.
ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ».
وذَكَر في «الجامِعِ» أنَّه متى سَكَت مع النِّيَّةِ، أبْطَلَها، وأنَّه متى عَدَل إلى قِراءَةِ غيرِها عَمْدًا، أو دُعاءٍ غيرِ مَأْمُورٍ به، بَطَلَتْ قِراءَتُه.
ولم يُفَرِّقْ بينَ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ.
وإن قَدَّمَ آيَةً منها في غيرِ مَوْضِعِها عَمْدًا، أبْطَلَهَا.
وإن كان

فَإذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
قَالَ: آمِينَ.
غلَطًا، رَجَع فأتَمَّها.
قال شيخُنا (1): والأوْلَى، إن شاء اللهُ، ما ذَكَرْناه؛ لأنَّ المُعْتَبَرَ في القِراءَةِ وُجُودُها، لا نِيَّتُها، فمتى قَرَأها مُتَواصِلَةً تَواصُلًا قَرِيبًا، صَحَّتْ، كما لو كان ذلك عن غَلَطٍ.
واللهُ أعلمُ.

392 -

مسألة: (فإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قَالَ: آمِينَ)

التَّأْمِينُ عندَ الفَراغِ مِن قراءَةِ الفاتِحَةِ سُنَّةٌ للإمامِ والمَأْمُومِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وعَطاءٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْيِ.
وقال أصحابُ مالكٍ: لا يُسَنُّ التَّأْمِينُ للإِمامِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
فقُولُوا: آمِينَ.
فَإنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ، [غُفِرَ لَهُ] 2». رَواه مالكٌ] 3. وهذا دَلِيلٌ على أنَّه لا1

..................................  يَقُولُها.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعن وائِلِ بنِ حُجْرٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
قال: «آمِينَ».
ورَفَع بها صَوْتَه.
رَواه أبو داودَ 2 وحَدِيثُهم لا حُجَّةَ لهم فيه، وإنَّما قُصِد به تَعْرِيفُهم مَوْضِعَ تَأْمِينِهم، وهو مَوْضِعُ تَأْمِينِ الإِمامِ، ليكونَ تَأْمِينُ الإِمامِ والمَأْمُومِين مُوافِقًا لتَأْمِينِ المَلَائِكَةِ، وقد جاء هذا مُصَرَّحًا به، فرَوَى الإِمامُ أحمدُ، عن أَبى هُرَيْرَةَ، = الضَّالِّينَ}، من كتاب التفسير.
صحيح البُخَارِيّ 1/ 198، 6/ 21. ومسلم، في: باب التسميع والتحميد والتأمين، من كتاب الصلاة.
صحيح مسلم 1/ 307. وأبو داود، في: باب التأمين وراء الإِمام، من كتاب الصلاة.
سنن أبي داود 1/ 214، 215. والنَّسائيّ، في: باب جهر الإمام بآمين، وباب الأمر بالتأمين خلف الإمام، من كتاب افتتاح الصلاة.
المجتبى 2/ 111. وابن ماجه، في: باب الجهر بآمين، من كتاب إقامة الصلاة.
سنن ابن ماجه 1/ 278. والدارمي، في: باب في فضل التأمين، من كتاب الصلاة.
سنن الدَّارميّ 1/ 284. والإمام أَحْمد، في: المسند 2/ 233، 238، 271، 449، 450.

يَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ.
أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
فقُولُوا: آمِينَ.
فَإنَّ المَلَائِكَةَ تَقُولُ: آمِينَ.
وَالْإِمَامُ يَقولُ: آمِينَ.
فمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» (1). وقَوْلُه في اللَّفْظِ الآخَرِ: «إذَا أمَّنَ الْإِمَامُ».
يَعْنِي إذا شَرَع في التَّأْمِينِ.

393 -

مسألة: (يَجْهَر بها الإمامُ والمَأْمُومُ في صلاةِ الجَهْرِ)

الجَهْرُ بـ «آمِين» للإمامَ والمَأْمُومِ سُنَّةٌ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عنه 2: يُسَنُّ إخْفاؤُها؛ لأنَّه دُعاءٌ، أشْبَهَ دُعاءَ التَّشَهُّدِ.
ولَنا، حديثُ وائِلِ بنِ حُجْرٍ الذى ذَكَرْناه.
وقال عَطاءٌ: إنَّ ابنَ الزُّبَيْرِ كان يُؤَمِّنُ ويُؤَمِّنُون حتَّى إنَّ للمسجدِ لَلَجَّةً 3. رَواه الشافعيُّ في مُسْنَدِه 4. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بآخِرِ الفاتِحَةِ؛ فإنَّه دُعاءٌ، ويُسَنُّ الجَهْرُ به.
وفي «آمِينَ» لُغَتان؛ قَصْرُ الألِفِ، ومَدُّها، مع التَّخْفِيفِ فيهما، قال الشَّاعِرُ: تَباعَدَ مِنِّي فُطْحُلٌ إذْ دَعَوْتُه … أمِينَ فزاد اللهُ ما بَيْنَنا بُعْدَا 51

فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْفَاتِحَةَ، وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا قَرَأَ قَدْرَهَا فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ.
وَقِيلَ: فِي عَدَدِ الْآيَاتِ مِنْ غَيْرِهَا.
فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا آيَةً وَاحِدَةً كَرَّرَهَا بِقَدْرِهَا.
وأنْشَدَ في المَدِّ: يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّي حُبَّها أبَدًا … ويَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قالَ آمِينَا (1) ومَعْناها: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ.
قالَه الحسنُ.
وقِيلَ.
هو اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
ولا يُشَدِّدُ المِيمَ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالمَعْنَى، فيَصِيرُ بمَعْنَى: قاصِدِين.
فصل: فإن نَسِيَ الإِمامُ التَّأْمِينَ أمَّنَ المَأْمُومُ، ورَفَع بها صَوْتَه؛ ليُذَكِّرَ الإِمامَ؛ لأنَّه مِن سُنَنِ الأقْوالِ، فإذا تَرَكَها الإمامُ، أتى بها المَأْمُومُ، كالاسْتِعاذَةِ، وإن أخْفاها الإمامُ جَهَر بها المَأْمُومُ؛ لِما ذَكَرْنا.
فإن تَرَك التَّأْمِينَ حتَّى شَرَع في قِراءَةِ السبُّورَةِ، لم يَعُدْ إليه؛ لأنَّه سُنَّةٌ فات مَحَلُّها.

394 -

مسألة: (فإن لم يُحْسِنِ الفاتِحَةَ، وضاق الوَقْتُ عن تَعَلُّمِها، قَرَأ قَدْرَها في عَدَدِ الحُرُوفِ، وقِيلَ في عَدَدِ الآياتِ مِن غيرِها، فإن لم يُحْسِنْ إلَّا آيَةً كَرَّرَها بقَدْرِها)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن لم يُحْسِنِ1

..................................  الفاتحةَ، يَلْزَمُه تَعَلُّمُها؛ لأنَّه واجِبٌ في الصلاةِ، فلَزِمَه تَحْصِيلُه إذا أمْكَنَه، كشُرُوطِها، فإن لم يَفْعَلْ مع القُدْرَةِ عليه، لم تَصِحَّ صَلاتُه، فإن لم يَقْدِرْ أو خَشِيَ فَواتَ الوَقْتِ، سَقَط، فإن كان يُحْسِنُ منها آيَةً أو أكثَرَ، كرَّرَها بقَدْرِها، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك.
ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّ ذلك أقْرَبُ إليها مِن غيرِها.
وقال ابنُ أَبى موسى: لا يُكرِّرُها.
وكذلك إن لم يُحْسِنْ مِن القُرْآنِ إلَّا آيَةً.
ويَحْتَمِلُ أن يَأْتِيَ ببَقِيَّةِ الآيِ مِن غيرِها، كمَن وَجَد بعضَ الماءِ، فإنَّه يَغْسِلُ به، ويَعْدِلُ إلى التَّيَمُّمِ.
ذَكَر القاضي هذا الاحْتِمالَ في «الجامِعِ» ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهَذَيْن.
فأمّا إن عَرَف بعضَ آيَةٍ، لم يُكَرِّرْها، وعَدَل إلى غيرِها؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أمَرَ = 3/ 197، وهو في: شرح المفضل، لابن يعيش 4/ 34، واللسان (أمن) 13/ 27، وشذور الذهب 116. ونسبه صاحب اللسان إلى عمر بن أبي ربيعة، وليس في ديوانه، ونبه على ذلك الشيخ محيي الدين عبد الحميد في حاشية شرح شذور الذهب، وذكر أن قومًا نسبوه إلى قيس بن الملوح المعروف بمجنون ليلى.
وهو في ديوانه 283، وانظر تخريجه في حاشية صفحة 283، وفي بعض مصادر التخريج هذه أنَّه ليزيد بن سلمة بن سمرة المعروف بابن الطارية.

..................................  الذى لا يُحْسِنُ الفاتِحَةَ أن يقُولَ: الْحَمْدُ للهِ.
وغيرَها 1. وهي بَعْضُ آيَةٍ، ولم يَأْمُرْه بتَكْرارِها.
فإن لم يُحْسِنْ شيئًا منها، وأحْسَنَ غَيْرها مِن القرآنِ، قَرَأَ منه بقَدْرِها إن قَدَر عليه، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك؛ لِما روَى أبو داودَ 2، عن رِفاعَةَ بنِ رافِعٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَإن كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فاقْرَأْ بِهِ، وَإلَّا فَاحْمَدِ اللهَ، وَهَلِّلْهُ، وَكَبِّرْهُ».
ويَجِبُ أن يَقْرَأَ بعَدَدِ آياتِها.
وهل يُعْتَبَرُ أن يكُونَ بعَدَدِ حُرُوفِها؟ فيه وَجْهان؛ أظْهَرُهما اعْتِبارُ ذلك.
اخْتارَه القاضى، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ الحَرْفَ مَقْصُودٌ؛ بدَلِيلِ تَقْدِيرِ الحَسَناتِ به، فاعْتُبرَ، كالآىِ.
والثاني، تُعْتَبَرُ الآياتُ، ولا يُعْتَبَرُ عَدَدٌ الحُرُوفِ؛ بدَلِيلِ أنَّه لا

..................................  يَكْفِي عَدَدُ الحَرُوفِ دُونَها، فأشْبَهَ مَن فاتَه صَوْمُ يَوْمٍ طَوِيلٍ، لا يُعْتَبَرُ في القَضاءِ صومُ يوْمٍ طَوِيلٍ مِثْلِه.
وفيه وَجْهٌ ثالِثٌ، أنَّه يَكْفِيه أن يَقْرَأ بعَدَدِ الحُرُوفِ، ولا يَعْتَبِرُ عَدَدَ الآياتِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ شيخِنا هاهُنا (1)؛ لأنَّ الثَّوابَ مُقَدَّرٌ بالحُرُوفِ، فكَفَى اعْتِبارُها (2)، فإن لم يُحْسِنْ إلَّا آيَةً، كَرَّرَها بقَدْرِها، فكان بمَثابَةِ مَن قَرَأها؛ لأنَّها مِن جِنْسِ الواجِبِ.

فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى، وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.

395 - مسألة: (فإن لم يُحْسِنُ شيئًا مِن القُرْآنِ، لم يَجُزْ أن يُتَرْجِمَ عنه بلُغَةٍ أُخْرَى، ولَزِمَه أن يَقُولَ: سبحانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ)

لا يَجُوزُ له القِراءَةُ بغيرِ العَرَبِيَّةِ سَواءٌ أحْسَنَ قِراءَتَها بالعربيةِ، أو لم يُحْسِنْ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقولُ أَبى يوسفَ ومحمدٍ، إذا كان لا يُحْسِنُ.
وبه قال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ ذلك؛ لقولِه تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ

..................................  لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} 1. وإنَّما يُنْذَرُ كلُّ قَوْمٍ، بلِسانِهِم.
ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ 2. وقولُه: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ 3. ولأنَّ القرآنَ؛ لَفْظَه ومَعْناه، مُعْجِزَةٌ، فإذا غُيِّرَ خَرَج عن نَظْمِه، ولم يَكُنْ قُرْآنًا ولا مِثْلَه، وإنَّما يكُونُ تَفْسِيرًا له، ولو كان تَفْسِيرُه مِثْلَه لَمّا عجَزُوا عنه، إذ تَحَدَّاهم بالإِتْيانِ بسُورَةٍ مِن مِثْلِه، أمّا الإِنْذارُ، فإذا فَسَّرَه لهم، حَصَل بالمُفَسَّرِ لا بالتَّفْسِيرِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يقُولُ: سُبْحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلَه إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ.
لِما روَى أبو داودَ 4، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال: إنِّي لا أسْتَطِيعُ أن آخُذَ شيئًا مِن القُرْآنِ، فعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي منه.
فقال: «تقولُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَاللهُ أكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ».
قال: هذا للهِ، فما لىَ؟ قال: «تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ

جارٍ التحميل