..................................
فصل: وإنِ اكْتَرَى دابَّةً إلى مَسافَةٍ، فسَلَكَ أشَقَّ منها، فهي كمَسْألَةِ الزَّرْعِ، يُخَرَّجُ فيها وَجْهانِ.
وقِياسُ مَنْصُوصِ أحمدَ، أنَّ له الأجْرَ المُسَمَّى وزِيادَةً، لكَوْنِ المَسافَةِ لا تَتَعَيَّنُ على قولِ أصْحابِنا.
وقِياسُ قولِ أبي بكرٍ، أنَّ له أجْرَ المِثْلِ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ غيرُ مُتَمَيِّزَةٍ، ولأنَّه مُتَعَدٍّ بالجَمِيعِ، بدَلِيلِ أنَّ لِرَبِّ الدَّابَّةِ مَنْعَه مِن سُلُوكِ تِلك الطَّرِيقِ كلِّها، بخِلافِ مَن سَلَك تلك الطَّرِيقَ وجازَها 1، فإنَّه إنَّما يَمْنَعُه الزِّيادَةَ لا غيرُ.
وإنِ اكْتَرَى لِحَمْلِ قُطْنٍ فحَمَلَ بوَزْنِه حَدِيدًا، أو بالعَكْسِ، فعليه أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ ضَرَرَ أحَدِهما مُخالِفٌ لِضَرَرِ الآخَرِ، فلم يَتَحَقَّقْ كَوْنُ المَحْمُولِ مُشْتَمِلًا على المُسْتَحَقِّ بعَقْدِ الإِجارَةِ وزِيادَةٍ عليه، بخِلافِ ما قبلَها مِن المسائلِ.
وسائِرُ مَسائِلِ العُدْوانِ يُقاسُ على ما ذَكَرْنا مِن المَسائِلِ، ما كان مُتَمَيِّزًا وما لم يَكُنْ مُتَمَيِّزًا، فتُلْحَقُ كلُّ مَسْألةٍ بنَظِيرَتِها.
..................................
فصل: [فإنِ اكْتَرَاها] 1 لِحَمْلِ قَفِيزَينِ، فحَمَلَهُما، فوَجَدَهُما ثلاثةً، فإن كان المُكْتَرِي تَوَلَّى الكَيلَ ولم يَعْلَمِ المُكْرِي بذلك، فهو كمَنِ اكْتَرَى لحُمُولَةِ شيءٍ فزَادَ عليه، وإن كان المُكْرِى تَوَلَّى كَيلَه وتَعْبِئَتَه ولم يَعْلَمِ المُكْتَرِي، فهو غاصِبٌ، لا أجْرَ له في حَمْلِ الزّائِدِ.
وإن تَلِفَتْ دابَّتُه، فلا ضَمانَ لها؛ لأنَّها تَلِفَتْ بِعُدْوانِ صاحِبِها، وحُكْمُه في ضَمانِ الطَّعامِ حُكْمُ مَن غَصَبَ طَعامَ غيرِه.
وإن تَوَلَّى ذلك أجْنَبِيٌّ، ولم يَعْلَما، فهو مُتَعَدٍّ عليهما، عليه لصاحِبِ الدَّابَّةِ الأَجْرُ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانُها، وعَلَيهِ لِصاحِبِ الطَّعامِ ضَمانُ طَعَامِه، وسَواءٌ كاله أحَدُهما وَوَضَعَهُ الآخَرُ على ظَهْرِ الدَّابَّةِ، أو كان الذي كالهُ وعَبَّأهُ وَضَعَه على ظَهْرِها.
وقال أصحابُ الشافعيِّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ: إذا كاله المُكْتَرِي وَوَضَعَه المُكْرِي على ظَهْرِ البَهِيمَةِ، لا ضَمانَ على المُكْتَرِي؛ لأنَّ المُكْرِيَ مُفَرِّطٌ في حَمْلِه.
ولَنا، أنَّ التَّدْلِيسَ مِن المُكْتَرِي إذ أخْبَرَه بكَيلِها بخِلافِ ما هو به، فلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو أمَرَ أجْنَبِيًّا بتَحْمِيلِها.
فأمَّا إن كالها المُكْتَرِى وَوَضَعَها المُكْرِى على الدّابَّةِ عالِمًا بكَيلِها، لم يَضْمَنِ المُكْتَرِى الدّابَّةَ إذا تَلِفَتْ؛ لأنَّه فَعَلَ ذلك من غيرِ تَدْلِيسٍ ولا تَغْرِيرٍ، وله أجْرُ القَفِيزِ الزّائِدِ، في أحَدِ
وَإِنْ تَلِفَتْ، ضَمِنَ قِيمَتَهَا، إلا أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ صَاحِبِهَا، فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
الوَجْهَينِ؛ لأنَّهما اتَّفقا على حَمْلِه على سَبِيلِ الإِجارَةِ فجَرَى مَجْرَى المُعاطاةِ في البَيعِ، ودُخُولِ الحَمّامِ مِن غيرِ تَقْدِيرِ أجْرٍ.
والثاني، لا أجْرَ له؛ لأنَّ المُكْتَرِيَ لم يَجْعَلْ له على ذلك أجْرًا.
وإن كاله المُكْرِي وحَمَلَه المُكْتَرِي على الدّابَّةِ عالِمًا بذلك مِن غيرِ أن يَأْمُرَه بحَمْلِه، فعليه أجْرُ القَفِيزِ الزّائِدِ، وإن أمَرَه بحَمْلِه، فَفِي وُجُوبِ الأجْرِ وَجْهانِ، كَما لو حَمَله المُكْرِي عليها؛ لأنَّه إذا أمَرَ به كان ذلك كفِعْلِه.
وإن كالهُ أحَدُهما وحَمَلَه أجْنَبِيٌّ، فهو كما لو حَمَلَه الذي كالهُ، وإن كان بِأمْرِ الآخَرِ، فهو كما لو حَمَلَه الآخَرُ، وإن حَمَلَه بغيرِ أمْرِهِما، فهو كما لو كالهُ ثمَّ حَمَلَهُ.
2195 -
مسألة: (وإن تَلِفَتْ)
ضَمِنَها (إلَّا أن تكونَ في يَدِ صاحِبِها، فيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِها، في أحَدِ الوَجْهَينِ) إذا تَلِفَتِ الدّابَّةُ التي تَعَدَّى فيها، إمّا بزِيادَةٍ على الحَمْلِ، أو زِيادَةٍ على المَسافةِ، ضَمِنَها بقِيمَتِها، سواءٌ تَلِفَتْ في الزِّيادَةِ أو بعدَ رَدِّها إلى المَسافةِ، وسواءٌ كان صاحِبُها مع المُكْتَرِي أو لم يَكُنْ.
هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ والفُقَهاءِ
..................................
السَّبْعةِ، إذا تَلِفَتْ حال التَّعَدِّي.
وقال القاضِي: إن كان المُكْتَرِي نَزَل عنها، وسَلَّمَها إلى صاحِبِها ليُمْسِكَها أو يَسْقِيَها، فتَلِفَتْ، فلا ضَمانَ على المُكْتَرِي، وإن هَلَكَتْ والمُكْتَرِي راكِبٌ عليها، أو حِمْلُه عليها، ضَمِنَها.
وقال [أبو الخَطّابِ] 1: إن كانت يَدُ صاحِبِها عليها، احْتَمَلَ أن [يَلْزَمَ المُكْتَرِيَ] 2 جميعُ قِيمَتِها، واحْتَمَلَ أن يَلْزَمَه النِّصْفُ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن لم يَكُنْ صاحِبُها معها لَزِمَ المُكْتَرِيَ جميعُ القِيمَةِ، وإن كان معها فتَلِفَتْ في يَدِ صاحِبِها لم يَضْمَنْها المُكْتَرِي؛ لأنَّها تَلِفَتْ في يَدِ صاحِبِها، أشْبَهَ ما لو تَلِفَتْ بعد مُدَّةِ التَّعَدِّي.
وإن تَلِفَتْ تَحْتَ الراكِبِ، ففيه قَوْلانِ؛ أحدُهما، يَلْزَمُه نِصْفُ القِيمَةِ؛ لأنَّها تَلِفَتْ بفِعْلٍ مَضْمُونٍ [وغيرِ مَضْمُونٍ] 3، أشْبَهَ ما لو تَلِفَتْ بجِراحَتِه وجِراحَةِ مالِكِها.
والثاني، تُقَسَّطُ القِيمَةُ على المَسافَتَين، فما قابَلَ مَسافَةَ الإِجارَةِ سَقَط، وَوَجَب الباقِي.
ونحوُ هذا قولُ أبي حنيفةَ، فإنَّه قال في مَن اكْتَرَى جَمَلًا لِحَمْلِ تِسْعَةٍ فحَمَلَ عَشَرَةً، فتَلِفَ: فعلى المُكْتَرِي عُشْرُ قِيمَتِه.
قال شيخُنا 4: ومَوْضِعُ الخِلافِ في لُزُومِ كَمالِ القِيمَةِ إذا كان صاحِبُها
..................................
مع راكِبها، أو تَلِفَتْ في يَدِ صاحِبها.
فأمَّا إن تَلِفَتْ في حالِ التَّعَدِّي، ولم يَكُنْ صاحِبُها مع راكِبِها، فلا خِلافَ في ضَمانِها بكَمالِ قِيمَتِها؛ لأنَّها تَلِفَتْ في يَدٍ عادِيَةٍ، فوَجَبَ ضَمانُها، كالمَغْصُوبِ.
وكذلك إذا تَلِفَتْ تحتَ الرّاكِبِ أو تحتَ حِمْلِه وصاحِبُها معها؛ لأنَّ اليَدَ للرّاكِبِ وصاحِبِ الحِمْلِ، بدَليلِ ما لو تَنازَعا دابَّةً أحَدُهُما راكِبُها أو له عليها حِمْلٌ، والآخَرُ آخِذٌ بزِمامِها، كانت لصاحِبِ الحِمْلِ والرّاكِبِ، ولأنَّ الرّاكِبَ مُتَعَدٍّ بالزِّيادَةِ، وسُكُوتُ صاحِبِها لا يُسْقِطُ الضَّمانَ، كمَن حَرَق 1 ثِيابَ إنْسانٍ وهو ساكِتٌ.
ولأنَّها إن تَلِفَتْ بسَبَبِ تَعَبِها، فالضّمانُ على المُتَعَدِّي، كمَن ألْقَى حَجَرًا في سَفِينَةٍ مُوقَرَةٍ فغرَّقَها.
فأمَّا إن تَلِفَتْ في يَدِ صاحِبِها بعدَ نُزُولِ الرّاكِبِ عنها، وكان تَلَفُها بِسَبَبِ تَعَبِها بالحِمْلِ والسَّيرِ، فهو كتَلَفِها تحت الحِمْلِ والرّاكِبِ، وإن كان بِسَبَبٍ آخَرَ مِن افْتِراسِ سَبُعٍ أو سُقُوطٍ في هُوَّةٍ، فلا ضَمانَ فيها؛ لأنَّها لم تَتْلَفْ في يَدٍ عادِيَةٍ، ولا بِسَبَبِ عُدْوانٍ.
وقولُهم: تَلِفَتْ بفِعْلٍ مَضْمُونٍ وغيرِ مَضْمُونٍ، أشْبَهَ ما لو تَلِفَتْ بجِرَاحَينِ.
يَبْطلُ بما إذا قُطِعَ السّارِقُ ثمَّ قَطَع آخَرُ يَدَه عُدْوانًا، فمات منْهُما.
وفارَقَ ما لو جَرَح نَفْسَه وجَرَحَه غيرُه؛ لأنَّ الفِعْلَين عُدْوانٌ، فَقُسِّمَ الضَّمانُ عليهما.
..................................
فصل: ولا يَسْقُطُ الضَّمانُ برَدِّها إلى المَسافَةِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، والشافعيُّ.
وقال محمدٌ: يَسْقُطُ، كما لو تَعَدَّى في الوَدِيعَةِ ثمَّ رَدَّها.
ولَنا، أنَّها يَدٌ صارَتْ ضامِنَةً فلا يَزُولُ الضَّمانُ عنها إلا بإذْنٍ جَدِيدٍ، ولم يُوجَدْ.
والأصْلُ مَمْنُوعٌ إلَّا أن يَرُدَّها إلى مالِكها، أو يُجَدِّدَ له 1 إذْنًا.
فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الْمُؤْجِرَ مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ، كَزِمَامِ الْجَمَلِ، وَرَحْلِهِ، وَحِزَامِهِ، والشَّدِّ عَلَيهِ، وَشَدِّ الْأَحْمَالِ فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ويَلْزَمُ المُؤْجِرَ) كلُّ (ما يَتَمَكَّنُ بهِ مِن النَّفْعِ، كزِمامِ الجَمَلِ، وَرَحْلِه، وحِزامِه، والشَّدِّ عليه، وشَدِّ
وَالْمَحَامِلِ، وَالرَّفْعِ، وَالْحَطِّ، وَلُزُومِ الْبَعِيرِ لِيَنْزِلَ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ، وَمَفَاتِيحِ الدَّارِ، وَعِمَارَتِهَا، وَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِهِ.
الأحْمالِ والمَحامِلِ، والرَّفْعِ، والحَطِّ، ولُزُومِ البعِيرِ ليَنْزِلَ لِصَلاةِ الفَرْضِ، ومَفاتِيحِ الدّارِ، وعِمارَتِها، وكلِّ ما جَرَتْ عادَتُه به) يَلْزَمُ المُكْرِيَ كلُّ ما جَرَتِ العادَةُ أن يُوطَأَ به للرُّكُوبِ، مِن الحِداجَةِ 1 لِلْجَمَلِ، والقَتَبِ، وما يَتَمَكَّنُ به الرّاكِبُ مِن النَّفْعِ، كزِمامِ الجَمَلِ، والبُرَةِ التي في أنْفِه، إن كانت العادَةُ جارِيةً بها، والسَّرْجُ واللِّجامُ للفَرَسِ، والبَرْذَعةُ والإِكافُ للبَغْلِ والحِمارِ، على ما يَقْتَضِيه العُرْفُ بِحَمْلِ الإِطْلاقِ عليه.
وما زادَ على ذلك مِن المَحْمِلِ والمحَارَةِ، والحَبْلِ الذي يُشَدُّ به بين المَحْمِلَينِ، على المُكْتَرِي؛ لأنَّه مِن مَصْلَحَةِ الحِمْلِ 2، وكذلك الوطاءُ الذي يُشَدُّ فَوْقَ الحداجَةِ تحتَ المَحْملِ.
وعلى المُكْرِي رَفْعُ المَحْمِل وحَطُّه وشَدُّه على الجَمَلِ، ورَفْعُ الأحْمالِ وشَدُّها وحَطُّها؛ لأنَّ هذا هو العُرْفُ، وبه يَتَمكَّنُ مِن الرُّكُوبِ.
ويَلْزَمُه القائِدُ والسائِقُ،
..................................
هذا إذا كان الكِراءُ على أن يَذْهَبَ مع المُكْتَرِي، فإن كان على أن يَتَسَلَّمَ الراكِبُ البَهِيمَةَ ليَرْكبَها بنَفْسِه، فكلُّ ذلك عليه؛ لأنَّ الذي على المُكْرِي تَسْلِيمُ البَهِيمَةِ، وقد سَلَّمَها.
فأمَّا الدَّلِيلُ فهو على المُكْتَرِي؛ لأنَّ ذلك خارِجٌ عن البَهِيمَةِ المُكْتَراةِ وآلَتِها، فأشْبَهَ الزّادَ.
وقيل: إن كان اكْتَرَى منه بَهِيمَةً بعَينِها، فأُجْرةُ الدَّلِيلِ على المُكْتَرِي؛ لأنَّ الذي عليه تَسْلِيمُ الظَّهْرِ، وقد سَلَّمَه، وإن كانتِ الإِجارَةُ على حَمْلِه إلى مكانٍ مُعَيَّنٍ في الذِّمَّةِ، فهو على المُكْرِي 1؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ إيصالِه إليه وتَحْصِيلِه فيه.
فإن كان الرّاكِبُ مِمَّن لا يَقْدِرُ على الرُّكُوبِ والبَعِيرُ قائِمٌ، كالمَرْأةِ والشَّيخِ والضَّعِيفِ والسَّمِينِ، فعلى الجَمّالِ أن يُبْرِكَ الجَمَلَ لِرُكُوبِه ونُزُولِه؛ لأنَّه لا يتَمَكَّنُ مِنْهُما إلَّا به، وإن كان مِمَّن يُمْكِنُه الرُّكُوبُ والنُّزُولُ مع قِيامِ البَعِيرِ، لم يَلْزَمِ الجَمّال أن يُبْرِكَ الجَمَلَ؛ لإِمْكانِ اسْتِيفاءِ المَعْقُودِ عليه بدُونِه.
فإن كان قَويًّا حال العَقْدِ، فتَجَدَّدَ له الضَّعْفُ، أو
..................................
بالعَكْسِ، فالاعْتِبارُ بحالِ الرُّكُوبِ؛ لأنَّ العَقْدَ اقْتَضَى رُكُوبَه بحَسَبِ العادَةِ.
ويَلْزَمُ الجَمّال أن يَقِفَ البَعِيرَ لِيَنْزِلَ لِصَلاةِ الفَرْضِ، وقَضاءِ حاجَةِ الإِنْسانِ، والطَّهارَةِ، ويَدَعَ البَعِيرَ واقِفًا حتى يَفْعَلَ ذلك؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه فِعْلُ شيءٍ مِن هذا على ظَهْرِ البَعِيرِ.
وما يُمْكِنُه فِعْلُه عليه مِن الأكْلِ والشُّرْبِ وصَلاةِ النّافِلةِ، لا يَلْزَمُه أن يَقِفَه له مِن أجْلِه، فإن أرادَ المُكْتَرِي إتمامَ الصَّلاةِ فطالبَه الجَمّالُ بقَصْرِها، لم يَلْزَمْه ذلك؛ بل تكونُ خَفِيفَةً في تَمامٍ.
فصل: إذا اكْتَرَى ظَهْرًا في طَرِيقٍ العادَةُ فيه النُّزُولُ والمَشْيُ عندَ اقْتِرابِ المَنْزِلِ، والرّاكِبُ امْرَأةٌ أو ضَعِيفٌ، لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّه اكْتَرَى جَمِيعَ الطَّرِيقِ، [ولم تَجْرِ له عادَةٌ بالمَشْي، فلَزِمَ حَمْلُه في جَمِيعِ الطَّرِيقِ] 1، كالمَتاعِ.
وإن كان جَلْدًا قَويًّا، احْتَمَلَ أن لا يَلْزَمَه أيضًا؛ لأنَّه عَقَد على جَمِيعِ الطَّرِيقِ 2، أشْبَهَ الضَّعِيفَ.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه؛ لأنَّه مُتعارَفٌ، والمُتعارَفُ كالمَشْرُوطِ.
..................................
فصل: فإن كان المُكْتَرَى دارًا أو حَمّامًا، فعلى المُكْرِي ما يَتَمَكَّنُ به مِن الانْتِفاعِ، كتَسْلِيمِ مَفاتِيحِ الدّارِ والحَمّامِ؛ لأنَّ عليه التَّمْكِينَ مِن الانْتِفاعِ، وتَسْلِيمُ مَفاتِيحِها تَمْكِينٌ مِن الانْتِفاعِ.
فإن ضاعَتْ أو تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطِ المُسْتَأْجِرِ، فعلى المُؤْجِرِ بَدَلُها؛ لكَوْنِها أمانَةً في يَدِ المُسْتَأْجِرِ، فأشْبَهَ حِيطانَ الدّارِ وأبْوابَها.
وإن سَقَط حائِطٌ أو خَشَبَةٌ أو انْكَسَرَتْ، فعليه إبْدالُها وبِناءُ الحائِطِ.
وعليه تَبْلِيطُ الحَمّامِ، وعَمَلُ الأبْوابِ والبِرَكِ ومَجْرَى الماءِ؛ لأنَّ بذلك يَحْصُلُ الانْتِفاعُ، ويَتَمَكَّنُ منه؛ وما كان لاسْتِيفاءِ المَنافِعِ كالحَبْلِ والدَّلْو والبَكْرَةِ 1، فعلى المُكْتَرِي.
فأمَّا التَّحْسِينُ والتَّزْويقُ، فلا يَلْزَمُ واحِدًا منهما؛ لأنَّ الانْتِفاعَ مُمْكِنٌ بدُونِه.
فَأَمَّا تَفْرِيغُ البَالُوعَةِ وَالْكَنِيفِ، فَيَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ إِذَا تَسَلَّمَهَا فَارِغَةً.
2196 - مسألة. (فأمّا تَفْرِيغُ البالُوعَةِ والكَنِيفِ، فيَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ إذا تسَلَّمَها فارِغَةً)
إنِ احْتِيجَ إلى تَفْرِيغِ البالُوعَةِ والكَنِيفِ عندَ الكِراءِ، فعلى المُكْرِي؛ لأنَّه ممّا يَتَمَكَّنُ به مِن الانْتِفاعِ، وإن امْتلأتْ بفِعْلِ المُسْتَأْجِرِ، فتَفْرِيغُها عليه.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو ثَوْرٍ: هو على رَبِّ الدّارِ؛ لأنَّ به يَتَمَكَّنُ مِن الانْتِفاعِ، أشْبَهَ ما لو اكْتَراها وهي مَلْأى.
وقال أبو حنيفةَ: القِياسُ أنَّه على المُكْتَرِي،
..................................
والاسْتِحْسانُ أنَّه على رَبِّ الدّارِ؛ لأنَّ ذلك عادَةُ الناسِ.
ولَنا، أنَّ ذلك حَصَل بفِعْلِ المُكْتَرِي، فكان عليه تَنْظِيفُه، كما لو طَرَح فيها قُماشًا.
والقولُ في تَفْرِيغِ جِيَّةِ 1 الحَمّامِ، التي هي مَصْرِفُ مائِه، كالقَوْلِ في بالُوعَةِ الدّارِ.
وإنِ انْقَضَتِ الإِجارَةُ وفي الدّارِ زِبْلٌ أو قُمامَةٌ مِن فِعْلِ الساكِنِ، فعليه نَقْلُه.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
فصل: فإن شَرَط على مُكْتَرِي الحَمّامِ، أو غيرِه، أنَّ مُدَّةَ تَعْطِيلِه عليه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُؤْجِرَ مُدَّةً لا يُمكِنُه الانْتِفاعُ [في بعضِها] 2، ولا يجوزُ أن يَشْتَرِطَ أنَّه يَسْتَوْفِي بقَدْرِها بعدَ 3 انْقِضاءِ مُدَّتِه؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى أن يكونَ انْتِهاءُ مُدَّةِ الإِجارَةِ مَجْهُولًا.
فإن أطْلَقَ، وتَعَطَّلَ، فهو عَيبٌ حادِثٌ، والمُكْتَرِي بالخِيارِ بينَ الإِمْساكِ بكُلِّ الأجْرِ وبينَ الفَسْخِ.
ويَتَخَرَّجُ أنَّ له أَرْشَ العَيبِ، كالمَبِيعِ المَعِيبِ.
فإن لم يَعْلَمْ بالعَيبِ حتى انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجارَةِ، فعليه جَمِيعُ الأجْرِ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى المَعْقُودَ عليه، فأشْبَهَ ما لو عَلِمَ العَيبَ بعد العَقْدِ فَرَضِيَه، ويتَخَرَّجُ أنَّ له أَرْشَ العَيبِ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا فلم يَعْلَمْ عَيبَه حتى تَلِفَ في يدِه، أو أكَلَه.
..................................
فصل: وإن شَرَط على المُكْتَرِي النَّفَقَةَ الواجِبَةَ على المُكْرِي؛ كَعِمارَةِ الحَمّامِ، فالشَّرْطُ فاسِدٌ؛ لأنَّ العَينَ مِلْكٌ للمُؤْجِرِ، فنَفَقَتُها عليه.
فإن أَنْفَقَ بِناءً على هذا الشَّرْطِ، احْتَسَبَ به على المُكَرِي 1؛ لأنَّه أنْفَقَه على مِلْكِه بشَرْطِ العِوَضِ.
فإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ ما أنْفَقَ، ولا بَيِّنَةَ، فالقْولُ قولُ لمُكْرِي؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، فإن لم يَشْرُطْ، لكن أذِنَ له في الإِنْفاقِ ليَحْتَسِبَ له به مِن الأجْرِ، فَفَعَلَ، ثمَّ اخْتَلَفا، فالقولُ قولُ المُكْرِي أيضًا.
وإن أنْفَقَ مِن غيرِ إذْنِه، لم يَرْجِعْ بشيءٍ؛ لأنَّه أنْفَقَ على مالِه بغيرِ إذْنِه نَفَقَةً غيرَ واجِبَةٍ على المالِكِ، أشْبَهَ ما لو عَمَرَ له دارًا أُخْرَى.
فصل: لا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في جَوازِ كِراءِ الإِبِلِ وغيرِها مِن الدَّوابِّ إلى مَكَّةَ وغيرِها، قال اللهُ تعالى: ﴿وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ 2. ولم يُفَرِّقْ بينَ المَمْلُوكَةِ والمُسْتَأْجَرَةِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ 3. أن يَحُجَّ ويُكْرِيَ.
ونحوُه عن ابنِ عُمَرَ.
ولأنَّ بالنّاسِ حاجَةً إليه، وقد فَرَض اللهُ تعالى الحَجَّ على النَّاسِ، وليس لكلِّ أحَدٍ بَهِيمَةٌ يَمْلِكُها، ولا يُحْسِنُ القِيامَ بها والشَّدَّ عليها، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى اسْتِئْجارِها، فجاز ذلك؛ دَفْعًا للحاجَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فمِن شَرْطِ
..................................
صِحَّةِ العَقْدِ مَعْرِفَةُ المُتَعاقِدَين المَعْقُودَ عليه؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيعَ.
فأمَّا الجَمّالُ فيَحْتاجُ إلى مَعْرِفةِ الرّاكِبَينِ بالرُّؤْيةِ أو بالصِّفَةِ؛ لأنَّ المَعْرِفَةَ بالصِّفَةِ تَقُومُ مَقامَ الرُّؤْيَةِ، إذا وَصَفَهُما بالطُّولِ والقِصَرِ، والهُزالِ والسِّمَنِ، والصِّغَرِ والكِبَرِ، والذُّكُورِيَّةِ والأنُوثِيَّةِ.
وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطّابِ: لا يَكْفِي في ذلك الصِّفَةُ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ بثِقَلِه وخِفَّتِه، وسُكُونِه وحَرَكَتِه، ولا يَنْضَبِطُ بالوَصْفِ، فيَجِبُ تَعْيِينُه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ولهم في المَحْمِلِ وَجْهٌ، أنَّه لا يُكْتَفَى فيه بالصِّفَةِ، ويَجِبُ تَعْيِينُه.
ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ مُضافٌ إلى حَيَوانٍ، فاكْتُفِيَ فيه بالصِّفَةِ، كالبَيعِ، وكالمَرْكُوبِ في الإِجارَةِ.
ولأنَّه لو لم يُكْتَفَ فيه بالصِّفَةِ، لمَا جاز للرّاكِبِ أن يُقِيمَ غيرَه مُقامَه؛ لأنَّه إنَّما يَعْلَمُ كَوْنَه مِثْلَه لِتَساويهما في الصِّفاتِ، فما لا تَأْتِي عليه الصِّفاتُ، لا يَعْلَمُ تَساويَهما فيه.
ولأنَّ الوَصْفَ يُكْتَفَى به في البَيعِ، فاكْتُفِيَ به في الإِجارَةِ، كالرُّؤْيَةِ.
والتَّفاوُتُ بعد ذِكْرِ الصِّفاتِ يَسِيرٌ، تَجْرِي المُسامَحةُ فيه، كالمُسْلَمِ فيه.
ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفَتِه 1 الآلَةَ التي يَرْكَبانِ فيها، مِن مَحْمِلٍ ومَحارَةٍ وقَتَبٍ، وغيرِ ذلك.
وهل يكونُ مُغَطّىً أو مَكْشوفًا؟ فإن كان مُغَطّىً، احْتاجَ إلى مَعْرِفَةِ الغِطاءِ.
ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الوطاءِ، ومَعْرِفَةِ المَعالِيقِ التي معه، مِن قِرْبَةٍ وسَطِيحةٍ وقِدْرٍ وسُفْرَةٍ ونحوها، وذِكْرِ سائِرِ ما يَحْمِلُ معه.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، إلَّا أنَّ الشافعيَّ قال:
..................................
يجوزُ إطْلاقُ غطاءِ المَحْمِلِ؛ لأنَّه لا يَخْتَلِفُ اخْتِلافًا كثيرًا مُتَباينًا.
وحُكِيَ عنه في المَعالِيقِ قولٌ، أنَّه يجوزُ إطْلاقُها، ويُحْمَلُ على العُرْفِ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه يجوزُ إطْلاقُ الراكِبينَ؛ لأنَّ أجْسامَ الناسِ مُتقارِبةٌ في الغالِبِ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: في المَحْمِلِ رَجُلانِ، وما يُصْلِحُهما مِن الوطَاءِ والدُّثُرِ.
جاز اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ ذلك يَتقارَبُ في العادَةِ، فحُمِلَ على العَادَةِ، كالمَعاليقِ.
وقال القاضِي في غِطَاءِ المَحْمِلِ كَقَوْلِ الشافعيِّ.
ولَنا، أنَّ هذا يَخْتَلِفُ وَيتَبايَنُ كثيرًا، فاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُه، كالطَّعامِ الذي يَحْمِلُه معه.
وقولُ مالكٍ: إنَّ أجسامَ الناسِ مُتقارِبةٌ.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ منهم الكَبِيرَ والصَّغِيرَ، والطَّويلَ والقَصِيرَ، والسَّمِينَ والهَزِيلَ، والذَّكَرَ والأُنْثَى، ويَخْتَلِفُون بذلك، ويَتَبايَنُونَ كثيرًا.
ويَتَفاوَتُون أيضًا في المَعالِيقِ؛ منهم مَن يُكْثِرُ الزّادَ والحَوائِجَ، ومنهم مَن يَقْنَعُ باليَسِيرِ، ولا عُرْفَ له يُرْجَعُ إليه، فاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُه، كالمَحْمِلِ والأوْطِئَةِ.
وكذلك غِطاءُ المَحْمِلِ، مِن الناسِ مَن يَخْتارُ الواسِعَ الثَّقِيلَ الذي يَشْتَدُّ على المَحْمِلِ 1 في الهَواءِ، ومنهم مَن يَقْنَعُ بالضَّيِّقِ الخَفِيفِ، فتَجِبُ مَعْرِفَتُه، كسائِرِ ما ذَكَرْنا.
فإن رَأَى الرّاكِبَين أو وُصِفا له وذُكِر الباقِي بأرْطالٍ مَعْلُومَةٍ، جازَ.
ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وأمَّا الرّاكِبُ، فيَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الدّابَّةِ التي يَرْكَبُ عليها؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بذلك، ويَحْصُلُ بالرُّؤْيَةِ؛ لأنَّها أعْلَى طُرُقِ العِلْمِ، إلَّا أن يكونَ ممَّا
..................................
يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ صِفَةِ المَشْي؛ كالرهوالِ 1 وغيرِه، وإمّا أن يُجَرِّبَه فيَعْلَمَ ذلك برُؤْيَتِه.
ويَحْصُلُ بالصِّفَةِ، فإذا وُجِدَت، اكْتَفَى بها؛ لأنَّه يُمْكِنُ ضَبْطُه بالصِّفَةِ، فجازَ العَقْدُ عليه، كالبَيعِ.
وإذا اسْتَأْجَرَ بالصِّفَةِ للرُّكُوبِ، احتاج إلى ذِكْرِ الجِنْسِ؛ فَرَسًا، أو بَعِيرًا، أو بَغْلًا، أو حِمارًا.
و 2 النَّوْعِ فيقولُ في الإِبِلِ: بُخْتِيٌّ أو عَرَبيٌّ 3. وفي الخَيلِ: عَرَبيٌّ (3) أو بِرْذَوْنٌ.
وفي الحَمِيرِ: مِصْرِيٌّ أو شامِيٌّ.
وإن كان في النَّوْعِ ما يَخْتَلِفُ، كالمُهَمْلَج مِن الخَيلِ، والقَطُوفِ، احْتِيجَ إلى ذِكْرِه؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ به.
وقد ذَكَرْنا ذلك والخِلافَ فيه.
قال شيخُنا 4: ومتى كان الكِراءُ إلى مَكَّةَ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ الجِنْسِ ولا النَّوْعِ؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الذي يُحْمَلُ عليه في طَرِيقِ مَكَّةَ الجِمالُ العِرابُ دُونَ البَخاتِيِّ.
فصل: إذا كان الكِراءُ إلى مَكَّةَ، أو طَرِيقٍ لا يكونُ السَّيرُ فيه إلى اخْتِيارِ المُتَكارِيَين، فلا وَجْهَ لذِكْرِ تَقْدِيرِ السَّيرِ فيه؛ لأنَّ ذلك ليس إليهما، ولا مَقْدُورٌ عليه لهما.
وإن كان في طَرِيقٍ السَّيرُ فيه إليهما، اسْتُحِبَّ ذِكْرُ قَدْرِ السَّيرِ في كلِّ يَوْمٍ.
فإن أطْلَقَ وللطَّرِيقِ مَنازِلُ مَعْرُوفَةٌ، جازَ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ بالعُرْفِ.
ومتى اخْتَلفا في ذلك، وفي وَقْتِ السَّيرِ لَيلًا أو نهارًا،
..................................
أو في مَوْضِعِ المَنْزِلِ إمّا في داخِلِ البَلَدِ أو خارِجٍ منه، حُمِلَا على العُرْفِ، كما لو أطْلَقَا الثَّمَنَ في بَلَدٍ فيه نَقْدٌ مَعْرُوف.
وإن لم يَكُنْ للطَرِّيقِ عُرْفٌ، فقال القاضِي: لا يَصِحُّ، كما لو أطْلَقَا الثَّمَنَ في بَلَدٍ لا عُرْفَ فيه.
والأوْلَى أنَّ هذا ليس بشَرْطٍ؛ لأنَّه لو كان شَرْطًا لَما صَحَّ العَقْدُ بدُونِه في الطَّريقِ المَخُوفِ، ولأنَّه لم تَجْرِ العادَة بتَقْدِيرِ السَّيرِ في طَرِيقٍ، فإنِ اخْتَلَفا، رُجِعَ إلى العُرْفِ في غيرِ تلك الطَّريقِ.
فصل: فإن شَرَط حَمْلَ زادٍ مُقَدَّرٍ، كمائةِ رَطْلٍ، وشَرَط أنَّه يُبْدِلُ منها ما نَقَصَ بالأَكْلِ أو غيرِه، فله ذلك، وإن شَرَط أنَّ ما نَقَص بالأكْلِ لا يُبْدِلُه، فليس له إبْدالُه.
فإن ذَهَب بغيرِ الأكْلِ، كَسَرِقَةٍ أو سُقُوطٍ، فله إبْدالُه؛ لأنَّ ذلك لم يَدْخُلْ في شَرْطِه.
وإن أطْلَقَ العَقْدَ، فله إبْدالُ ما ذَهَب بسَرِقَةٍ أو سُقُوطٍ أو أكْلٍ غيرِ مُعْتادٍ، بغيرِ خِلافٍ.
وإن نَقَص بالأكْلِ المُعْتادِ، فله إبْدالُه أيضًا؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ حَمْلَ مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، فمَلَكَ إبْدال ما نَقَص منه،؛ لو نَقَص بِسَرِقَةٍ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ ذلك؛ لأنَّ العُرْفَ جارٍ بأنَّ الزّادَ يَنْقُصُ ولا يُبْدَلُ، فحُمِلَ العَقْدُ عليه عندَ الإِطْلاقِ، وصار كالمُصَرَّحِ به.
وقال الشافعيُّ: القِياسُ أنَّ له إبْداله.
ولو قِيلَ: ليس له إبْدالُه.
كان مَذْهَبًا؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الزَّادَ لا يَبْقَى جَمِيعَ المَسافَةِ، ولذلك يَقِلُّ أجْبرُه عن أجْرِ المَتاعِ.
فصل: إذا اكْتَرَى جَمَلًا لِيَحُجَّ عليه، فله الرُّكُوبُ عليه إلى مَكَّةَ، ومِن مَكَّةَ إلى عَرَفَةَ، والخُرُوجُ عليه إلى مِنًى؛ لأنَّه مِن تَمامِ الحَجِّ.
وقيل:
..................................
ليس له الركُوبُ إلى مِنًى؛ لأنَّه بعدَ التَّحَلُّلِ مِن الحَجِّ.
والأَولَى أنَّ له ذلك؛ لأنَّه مِن تَمامِ الحَجِّ وتَوابِعِه، ولذلك وَجَب على مَن وَجَبَ عليه دُونَ غيرِه، فدَخَلَ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ﴾ 1. ولو اكْتَرَى إلى مَكَّةَ فقط، فليس له الرُّكُوبُ إلى الحَجِّ؛ لأنَّها زِيادَةٌ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ له ذلك؛ لأنَّ الكِراءَ إلى مَكَّةَ عِبارَة عن الكِراءِ للحَجِّ؛ لكَوْنِها لا يُكْتَرَى إليها إلَّا للحَجِّ غالِبًا، فكان بمَنْزِلَةِ المُكْتَرِي للحَجِّ.
فصل: قال أصحابُنا: يَصحُّ كِراءُ العُقْبَةِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ومَعْناها: الرُّكُوبُ في بَعْضِ الطَّرِيقِ، يَرْكَبُ شيئًا ويَمْشِي شيئًا؛ لأنَّه إذا جازَ اكْتِراؤُها في الجَمِيعِ، جازَ في البَعْضِ.
ولا بُدَّ مِن العِلْمِ بها، إمّا بالفَراسِخِ، وإمّا بالزَّمانِ، مثلَ أن يَرْكَبَ لَيلًا ويَمْشِيَ نهارًا، ويُعْتَبَرُ في هذا زَمانُ السَّيرِ دُونَ زَمانِ النُّزُولِ.
وإن شَرَط أن يَرْكَبَ يَوْمًا ويَمْشِيَ يَومًا، جازَ، فإن أطْلَقَ، احْتَمَلَ الجَوازَ، [ويُحْمَلُ على العُرْفِ] 2. واحْتَمَلَ أن لا يَصحَّ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، وليس له ضابِطٌ، فيكونُ مَجْهُولًا.
وإنِ اتَّفَقا على أن يَرْكَبَ ثَلاثةَ أيّامٍ ويَمْشِيَ ثلاثةً، أو ما زادَ ونَقَص، جازَ.
وإنِ اخْتَلَفَا، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ منهما؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا على كل واحدٍ منهما؛ الماشِي لِدَوامِ المَشْي عليه، والدّابَّةِ لدَوَامِ الرُّكُوبِ عليها، ولأنَّه إذا
فَصلٌ: وَالإجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنَ الطرَّفَينِ، لَيسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا.
رَكِبَ بعد شِدَّةِ التَّعَبِ، كان أثْقَلَ على البَعِيرِ.
وإنِ اكْتَرَى اثْنانِ جَمَلًا يتَعاقَبانِ عليه، جازَ، ويكونُ كِراؤُهما 1 كلَّ الطَرِّيقِ، والاسْتِيفاءُ بينهما على ما يَتَّفقانِ عليه.
وإن تَشاحّا، قُسِمَ بينهما لكُلِّ واحدٍ منهما فَراسِخُ مَعْلُومَةٌ، أو لأحَدِهما اللَّيلُ وللآخُرِ النَّهارُ.
وإن كان لذلك عُرْفٌ رُجِعَ إليه.
وإنِ اخْتَلَفا في البادِئ منهما، أُقْرِعَ بينَهما 2. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ كِراؤُهما 3، إلَّا أن يَتَّفِقَا على رُكُوبٍ مَعْلُوم لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَجْهُولٍ بالنِّسْبَةِ إلى كلِّ واحدٍ منهما، فلم يَصِحَّ، كما لو اشْتَرَيا عَبْدَينِ على أنَّ [لكُلِّ واحدٍ عَبْدًا] 4 منهما.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (والإِجارَةُ عَقْدٌ لازِمٌ مِن الطَّرَفَينِ، ليس لأحَدِ هما فَسْخُها) وبه قال مالكٌ، والشافعي، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّها عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فكانت لازِمةً، كالبَيعِ، ولأنّها نَوْع مِن البَيعِ، وإنَّما
..................................
اخْتَصَّتْ بِاسْم كالصَّرْفِ والسَّلَمِ، إلَّا 1 أن يَجِدَ العَينَ مَعِيبَةً عَيبًا لم يَكُنْ عَلِمَ به، فله الفَسْخُ بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: إذا اكْتَرَى دابَّةً بعَينها، فوَجَدَها جَمُوحًا، أو عَضُوضًا، أو نَفُورًا، أو بها عَيبٌ غيرُ ذلك مما يُفْسِدُ رُكُوبَها، فلِلْمُكْتَرِي الخِيارُ، إن شاءَ رَدَّها وفَسَخ الإِجارَةَ، وإن شاءَ أخَذَها.
وهذا قولُ [أبي ثَوْرٍ] 2 وأصحابِ الرَّأْي.
و 3 لأنَّه عَيبٌ في المَعْقُودِ عليه، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالعَيبِ في بُيُوعِ الأعْيانِ، والعَيبِ الذي يَرُدُّ به ما تَنْقُصُ به المَنْفَعَةُ، كتَعَثُّرِ الظَّهْرِ في المَشيِ، والعَرَجِ الذي يتَأخَّرُ به عن القافِلَةِ، ورَبْضِ البَهِيمَةِ بالحِمْلِ، وكونِها جَمُوحًا أو عَضُوضًا، وأشْباهِ 4 ذلك.
وفي المُكْتَرَى للخِدْمَةِ، ضَعْفُ البَصَرِ،
وَإنْ بَدَا لَهُ قَبْلَ تَقَضِّي الْمُدَّةِ، فَعَلَيهِ الأُجْرَةُ.
والجُنُونُ، والجُذَامُ، والبَرَصُ.
وفي الدّارِ؛ انْهِدامُ الحائِطِ، والخَوْفُ مِن سُقُوطِها، وانْقِطاعُ الماءِ مِن بِئرِها، أو تَغَيُّرُه بحيثُ يَمْنَعُ الشُّرْبَ والوضُوءَ، وأشْباهُ ذلك مِن النَّقائِصِ.
فإنِ رَضِيَ بالمُقامِ ولم يَفْسَخْ؛ لِزَمَه جميعُ الأجْرَةِ؛ لأنَّه رَضِيَ به ناقِصًا، أشْبَهَ ما لو رَضِيَ بالمَبِيعِ مَعِيبًا.
وإنِ اخْتَلَفا في المَوْجُودِ، هل هو عَيبٌ أو لا؟ رُجِعَ فيه إلى أهْلِ الخِبْرَةِ، مثلَ أن تكونَ الدّابَّةُ خَشِنَةَ المَشْي، أو أنَّها تُتْعِبُ راكِبَها لكَوْنِها لا تُرْكَبُ كثيرًا، فإن قالوُا: هو عَيبٌ.
فله الفَسْخُ، وإلَّا فلا.
هذا إذا كان العَقْدُ تَعَلَّقَ بعَينها، فإن كانت مَوْصُوفَةً في الذِّمَّةِ، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ، وعلى المُكْرِي إبْدالُها، كالمُسْلَمِ فيه إذا وَجَدَه مَعِيبًا أو على غيرِ صِفَتِه.
فإن عَجَز عن إبْدالِها أو امْتَنَعَ منه، ولم يُمْكِنْ إجْبارُه، فلِلْمُكْتَرِي الفَسْخُ أيضًا.
2197 -
مسألة: (وإن بَدَا له قبلَ تَقَضِّي المُدَّةِ، فعليه الأُجْرَةُ)
قد ذَكَرْنا أنَّ الإِجارَةَ عَقْدٌ لازِمٌ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ المُؤْجِرِ الأجْرَ، والمُسْتَأْجِرِ
..................................
المَنافِعَ.
فإذا فَسَخ المُسْتَأْجِرُ الإِجارَةَ قبلَ انْقِضاءِ مُدَّتها وتَرَك الانْتِفاعَ اخْتِيارًا منه، لم تَنْفَسِخِ الإِجارَةُ، وتَلْزَمُه الأجْرَةُ، ولا يَزُولُ مِلْكُه عن المنافِعِ، كما لو اشْتَرَى شَيئًا وقَبَضَه ثم تَرَكَه.
قال الأثرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: رَجُلٌ اكْتَرَى بَعِيرًا، فلما قَدِمَ المَدِينَةَ، قال له: فاسِخْنِي.
قال: ليس ذلك له، قد لَزِمَه الكِراءُ.
قلتُ: فإن مَرِضَ المُسْتَكْرِي بالمَدِينةِ؟ فلم يَجْعَلْ له فَسْخًا؛ لأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ مِن الطَّرَفَينِ، فلم يَمْلِكْ أحَدُ المُتعاقِدَينِ فَسْخَه، وإن فَسَخَه، لم يَسْقُطِ العِوَضُ الواجِبُ، كالبَيعِ.
فصل: قد ذَكَرْنا أنَّ المُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ المَنافِعَ بالعَقْدِ، كما يَمْلِكُ المُشْتَرِي المَبِيعَ بالبَيعِ، ويَزُولُ مِلْكُ المُؤْجرِ عنها، كما يَزُولُ مِلْكُ البائِع عن المَبِيعِ، فلا يجوزُ له التَّصرُّفُ فيها؛ لَأنَّها صارتْ مَمْلُوكَةً لغيرِه.
فإن تَصرَّفَ فيها، وكان ذلك في حالِ يَدِ المُسْتَأْجِرِ قبلَ تَقَضِّي المُدَّةِ، مثلَ أن يَكْتَرِيَ دارًا سَنَةً، فيَسْكُنُها شَهْرًا ويَتْرُكُها، فيَسْكُنُها المالِكُ بَقِيَّةَ السَّنةِ، أو يُؤْجِرُها لغيرِه، احْتَمَلَ أن يَنْفَسِخَ العَقْدُ فيما اسْتَوْفاهُ المالِكُ؛ لأنَّه تَصرَّفَ فيه قبلَ قَبْضِ المُكْتَرِي له، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَ المَكِيلَ قبلَ تَسْلِيمِه وسَلَّمَ باقِيَه.
فإن تَصرَّفَ في بعضِ المُدَّةِ دُونَ بعضٍ، انْفَسَخَ العَقْدُ في قَدْرِ ما تَصرَّفَ فيه
خاصَّةً، وعلى المُسْتَأْجِرِ أجْرُ ما بَقِيَ.
فإن
..................................
سَكَن المُسْتَأْجِرُ شَهْرًا [وتَرَكَها شَهْرًا 1] 2، وسَكَن المالِكُ عَشَرَةَ أشْهُرٍ، لَزِمَ المُسْتَأْجِرَ أجْرُ شَهْرَينِ.
وإن سَكَنَها شَهْرًا، وسَكَن المالِكُ شَهْرَين ثم تَرَكَها، فعلى المُسْتَأْجِرِ أجْرُ عَشَرَةِ أشْهُر.
واحْتَمَلَ أن يَلْزَمَ المُسْتَأْجِرَ أجْرُ جَمِيعِ المُدَّةِ، وله على المالِكِ أجْرُ المِثْلِ لِما سَكَن أو تَصَرَّفَ فيه، يَسْقُطُ ذلك ممّا على المُسْتَأْجِرِ مِنَ الأجْرِ، ويَلْزَمُه الباقِي، لأنَّه تَصَرَّفَ فيما مَلَكَه المُسْتَأْجِرُ عليه بغيرِ إذْنِه، أشْبَهَ ما لو تَصَرَّفَ في المَبِيع بعدَ قَبْضِ المُشْتَرِي إيّاه.
وقَبْضُ الدّارِ ههُنا قام مَقامَ قَبْضِ المنافِع، بدَلِيلِ أنَّه يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في المَنافِعِ بالسُّكْنَى والإِجارَةِ وغيرِها.
فعلى هذا، لو كان أجْرُ المِثْلِ الواجِبُ على المالِكِ بقَدْرِ الأجْرِ المُسَمَّى في العَقْدِ، لم يَجِبْ على المُسْتَأْجِرِ شيءٌ.
وإن فَضَلَتْ منه فَضْلَة، لَزِمَ المالِكَ أداؤُها إلى المُسْتَأْجِرِ.
والأوّلُ أوْلَى.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
وإن تَصَرَّفَ المالِكُ قبلَ تَسْلِيمِه العَينَ، أو امْتَنَعَ مِن تَسْلِيمِها حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجارَةِ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، وَجْهًا واحدًا، لأنَّ العاقِدَ أتْلَفَ المَعْقُودَ عليه قبلَ تَسْلِيمِه، فانْفَسَخَ العَقْدُ،؛ لو باعَه طَعامًا فأتْلَفَه قبلَ تَسْلِيمِه.
وإن سَلَّمَها إليه في أثناءِ المُدَّةِ، انْفَسَخَتْ فيما مَضَى، ويَجِبُ أجْرُ الباقِي بالحِصَّةِ، كالمَبِيعِ إذا سَلَّمَ بَعْضَه وأتْلَفَ بعضًا.
وَإنْ حَوَّلَهُ الْمَالِكُ قَبْلَ تَقَضِّيهَا، لَمْ تَكُنْ لَهُ أجْرَةٌ لِمَا سَكَنَ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ مِنَ الأُجْرَةِ بِقِسْطِهِ.
2198 - مسألة: (وإن حَوَّلَه المالِكُ قبلَ تَقَضِّيها)
فليس له (أجْرَةٌ لِما سَكَن.
نَصّ عليه، ويَحْتَمِلُ أنَّ له مِن الأجْرَةِ بقِسْطِه) إذا اسْتَأْجَرَ عَقارًا 1 مُدَّةً، فسَكَنَه بعضَ المُدَّةِ، ثم أخْرَجَه المالِكُ ومَنَعَ تَمامَ السُّكْنَى، فلا شيءَ له مِن الأجْرِ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ له مِن الأجْرِ بقِسْطِه.
وهو قولُ أكثَرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى مِلْكَ غيرِه على وَجْهِ المُعاوَضَةِ، فلَزِمَه عِوَضُه، كالمَبِيعِ إذا اسْتَوْفَى بعضَه ومَنَعَه المالِكُ بَقِيَّتَه.
ولَنا، أنَّه لم يُسَلِّم إليه ما تَناوَلَه عَقْدُ الإِجارَةِ، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كما لو اسْتَأْجَرَه لحَمْلِ كِتابٍ إلى بَلَدٍ فحَمَلَه بعض الطَّرِيقِ،
..................................
أو لِيَحْفِرَ له عِشْرِينَ ذِراعًا، فحَفَرَ له عَشْرًا وامْتَنَعَ مِن حَفْرِ الباقِي.
وقِياسُ الإِجارَةِ على الإِجارَةِ أوْلَى مِن قِياسِها على البَيعِ.
والحُكْمُ في مَنِ اكْتَرَى دابَّةً فامْتَنَعَ المُكْرِي 1 مِن تَسْلِيمِها.
في بعضِ المُدَّةِ، أو أجَرَ نَفْسَه أو عَبْدَه للخِدْمَةِ مُدَّةً وامْتَنَعَ مِن إتْمامِها، أو أجَرَ نفْسَه لِبناءِ حائِطٍ أو خِياطةٍ، أو حَفْرِ بِئْرٍ، أو حَمْلِ شيءٍ إلى مكانٍ، وامْتَنَعَ مِن إتْمامِ العَمَلِ معِ القُدْرَةِ عليه، كالحُكْمِ في العَقارِ يَمْتَنِعُ مِن تَسْلِيمِه، وأنَّه لا يسْتَحِقُّ شيئًا؛ لِما ذَكَرْنا.
وَإنْ هَرَبَ الْأَجيرُ حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، انْفَسَخَتِ الإجَارَة، وَإنْ كَانتْ عَلَى عَمَلٍ، خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَينَ الْفَسْخ وَالصَّبْرِ.
2199 - مسألة: (وإن هَرَب الأجِيرُ حتَّى انْقَضَتِ المُدَّةُ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، وإن كانت على عَمَل، خُيِّرَ المُسْتَأْجِرُ بينَ الفَسْخِ والصَّبْرِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا هَرَب الأجِيرُ، أو شَرَدَتِ الدّابَّةُ، أو أخَذَ المُؤْجِرُ العَينَ وهَرَب بها، أو مَنَعه اسْتِيفاءَ المَنْفَعَةِ منها مِن غيرِ هَرَبٍ، لم تَنْفَسِخِ الإِجارَةُ، لكن يَثْبُتُ للمُسْتَأْجِرِ خِيارُ الفَسْخِ، فإن فَسَخ 1 فلا كلامَ، وإن لم يَفْسَخْ وكانت الإِجارَةُ على مُدَّةٍ، انْفَسَخَتْ بمُضِيِّ المُدَّةِ يومًا فيومًا.
فإن عادَتِ العَينُ في أثْناءِ المُدَّةِ، اسْتَوْفَى ما بَقِيَ منها.
وإنِ انْقَضَتِ المُدَّةُ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ؛ لِفَواتِ المَعْقُودِ عليه.
وإن كانت الإِجارَةُ على مَوْصُوفٍ في الذِّمَّةِ؛ كخِيَاطةِ ثَوْبٍ، أو بِناءِ حائطٍ، أو حَمْلٍ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، اسْتُؤْجِرَ مِن مالِه مَن يَعْمَلُه، كما لو أسْلَمَ
وَإنْ هَرَبَ الْجَمَّالُ، أَوْ مَاتَ وَتَرَكَ الْجِمَال، أنْفَقَ عَلَيهَا الْحَاكِمُ
إليه في شيءٍ فَهَرَب، ابْتِيعَ (1) مِن مالِه.
فإن تَعَذَّرَ، فلِلْمُسْتَأْجِرِ الفَسْخُ، فإن لم يَفْسَخْ وصَبَر إلى أن يَقْدِرَ عليه، فله مُطالبَتُه بالعَمَلِ؛ لأنَّ ما في الذِّمَّةِ لا يَفُوتُ بهَرَبِه.
وكلُّ مَوْضِعٍ امْتَنَعَ الأجِيرُ مِن العَمَلِ فيه، أو مَنَع المُؤْجِرُ المُسْتَأْجِرَ مِن الانْتِفاعِ، إذا كان بعدَ عَمَلِ البَعْضِ، فلا أجْرَ له فيه، على ما سَبَق، إلَّا أن يَرُدَّ العَينَ قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، أو يُتِمَّ العَمَلَ إن لم يَكُنْ على مُدَّةٍ قبلَ فَسْخِ المُسْتَأْجِرِ، فيكونُ له أجْرُ ما عَمِلَ.
فأمّا إن شَرَدَتِ الدّابَّةُ، أو تَعذَّرَ اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ بغيرِ فِعْلِ المُؤْجِرِ، فله مِن الأجْرِ بقَدْرِ ما اسْتَوْفَى بكلِّ حالٍ.
2200 -
مسألة: (وإن هَرَب الجَمّالُ، أو ماتَ
1
مِنْ مَالِ الْجَمَّالِ، أوْ أذِنَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي النَّفَقَةِ، فَإِذَا انْقَضَتِ الإجَارَةُ بَاعَهَا الْحَاكِمُ وَوَفَّى الْمُنْفِقَ، وَحَفِظَ بَاقِيَ ثَمَنِهَا لِصَاحِبِهِ.
وتَرَك الجِمال، أنْفَقَ عليها الحاكِمُ مِن مالِ الجَمّالِ، أو أذِنَ لِلمُسْتَأْجِرِ في الإِنْفاقِ، فإذا انْقَضَتِ الإجارَةُ باعَها الحاكِمُ ووَفَّى المُنْفِقَ، وحَفِظَ باقِيَ ثَمَنِها لِصَاحِبه) إذا هَرَب الجَمّالُ في بعضِ الطَّرِيقِ، أو قبلَ الدُّخُولِ فيها، لم يَخْلُ مِن حالينِ؛ أحدُهما، أن يَهْرُبَ بجِمالِه.
فإن لم يَجِدِ المُسْتَأْجِرُ حاكِمًا، أو وَجَدَ حاكِمًا لم يُمْكِنْ إثْباتُ الحالِ عندَه، أو أمْكَنَ ولم يَحْصُلْ له [ما يَكْتَرِي به] 1 ما يَسْتَوْفِي به حَقَّه منه، فلِلْمُسْتَأْجِرِ الفَسْخُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه قَبْضُ المَعْقُودِ عليه، أشْبَهَ ما إذا أفْلَسَ المُشْتَرِي.
فإن فَسَخ العَقْدَ وكان الجَمّالُ قد قَبَض الأجْرَ، كات دَينًا في ذِمَّتِه، وإن اخْتارَ المُقامَ على العَقْدِ وكانت الإِجارَةُ على عَمَلٍ في الذمَّةِ، فله ذلك،
..................................
ومتى قَدَر على الجَمّالِ طالبَه به، وإن كان العَقْدُ على مُدَّةٍ انْقَضَتْ في هَرَبِه، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ [وقد ذَكَرْناه] 1. وإن أمْكَنَ إثْباتُ الحالِ عندَ الحاكِمِ، وكان العَقْدُ على مَوْصُوفٍ غيرِ مُعَيَّن، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ، ويَرْفَعُ الأمْرَ إلى الحاكِمِ، ويُثْبِتُ عندَه حاله.
فإن وَجَد الحاكِمُ للجَمّالِ مالًا، اكْتَرَى به، وإن لم يَجِدْ له مالًا وأمْكَنَه أن يَقتَرِضَ عليه ما يَكْتَرِي له به، فَعَلَ.
فإن دَفَع الحاكِمُ المال إلى المُكْتَرِي ليَكْتَرِيَ به لِنَفْسِه، جازَ في ظاهِرِ كلام أحمدَ.
وإن كان القَرْضُ مِن المُكْتَرِي، جاز، وصار دَينًا في ذِمَّةِ الجَمّالِ.
وإن كان العَقْدُ على مُعَيَّن، لم يَجُزْ إبْدالُه ولا اكْتِراءُ غيرِه، لأنَّ العَقْدَ تَعَلَّقَ بعَييه، فيُخَيَّرُ المُكْتَرِي بينَ الفَسخِ، أو الصَّبْرِ إلى أن يَقْدِرَ عليه فيُطالِبَه بالعَمَلِ.
الحالُ الثاني، إذا هَرَب وترَك جِماله، فإنَّ المُكْتَرِيَ يَرْفَعُ الأمْرَ إلى الحاكِمِ، فإن وَجَد للجَمّالِ مالًا، اسْتَأْجَرَ به مَن يَقُومُ مَقامَه في الإِنْفاقِ على الجِمالِ، والشَّدِّ عليها، وفِعْلِ ما يَلْزَمُ الجَمّال.
فإن لم يَجِدْ له غيرَ الجِمالِ، وكان فيها فَضْلَةٌ عن الكِراءِ، باعَ بِقَدْرِ ذلك، وإن لم يَكُنْ فيها فَضْلٌ، أو لم يُمْكِنْ بَيعُه، اقْتَرَضَ عليه الحاكِمُ، كما ذَكَرْنا.
..................................
وإن ادّانَ مِن المُكْتَرِي وأنْفَقَ، جازَ.
وإن أذِنَ لِلْمُكْتَرِى في الإِنْفاقِ مِن مالِه بالمَعْرُوفِ؛ ليكونَ دَينًا على الجَمّالِ، جازَ؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجةٍ.
فإذا رَجَع، واخْتَلَفا فيما أنْفَقَ، وكان الحاكِمُ قَدَّرَ النَّفَقَةَ، قُبِلَ قَوْلُ المُكْتَرِي في ذلك، دُون ما زادَ، وإن لم يُقَدِّرْ له، قُبِلَ قولُه في قَدْرِ النَّفَقَةِ بالمَعْرُوفِ؛ لأنَّه أمِينٌ، فأشْبَهَ الوَصِيَّ إذا ادَّعَى النَّفَقَةَ على الأيتامِ بالمَعْرُوفِ، وما زادَ لا يَرْجِعُ به؛ لأنَّه مُتَطَوِّعٌ به.
وإذا وَصَل المُكْتَرِي، رَفَع الأمْرَ إلى الحاكِمِ، فيَفْعَلُ ما يَرَى الحَظَّ فيه، مِن بَيعِ الجِمالِ، فيُوَفِّي عن الجَمّالِ ما لَزِمَه مِن الدَّينِ للمُكْتَرِي أو لغيرِه، ويَحْفَظُ باقِيَ الثَّمَنِ له.
وإن رَأى بَيعَ بعضِها وحِفْظَ باقِيها، والإنْفاقَ على الباقِي مِن ثَمَنِ ما باعَ، جازَ.
وإن لم يَجدْ حاكِمًا، أو عَجَز عن اسْتِئْذانِه، فله أن يُنْفِقَ عليها، ويُقِيمَ مُقامَ الجَمّالِ فيما يَلْزَمُه، ولا يَرْجِعُ بذلك إن فَعَلَه مُتَبَرِّعًا.
وإن نَوَى الرُّجُوعَ وأشْهَدَ على ذلك، رَجَع به؛ لأنَّه حالُ ضَرُورةٍ.
وهذا أحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ.
وإن لم يُشْهِدْ، ونَوَى الرُّجُوعَ، فَفِي الرُّجُوعِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَرْجِعُ به، لأنَّ تَرْكَ الجِمالِ مع العِلْمِ بأنَّها لا بُدَّ لها مِن نَفَقةٍ إذْن في الإِنْفاقِ.
والثاني، لا يَرْجِعُ به؛ لأنَّه 1 يُثْبِتُ لِنَفْسِه حَقًّا على غيرِه.
وكذلك إن لم [يَجِدْ مَن يُشْهِدُه] 2 وأنْفَقَ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ.
قال شيخُنا 3: وقِياسُ المَذْهَبِ، أنَّ له
وَتَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ بِتَلَفِ الْعَينِ الْمَعْقُودِ عَلَيهَا،
الرُّجُوعَ، كقَوْلِنا: يَرْجِعُ بما أنْفَقَ على الآبِقِ، وعلى عِيالِ الغائِبِ وزَوْجاتِه، والدّابَّةِ المَرْهُونةِ.
فإن قَدَر على اسْتِئْذانِ الحاكِمِ، فأنْفَقَ مِن غيرِ اسْتِئْذانِه، وأشْهَدَ على ذلك، ففِي رُجُوعِه وَجْهانِ أيضًا.
وحُكمُ مَوْتِ الجَمّالِ حُكْمُ هَرَبه.
وقال أبو بكرٍ: مَذْهَبُ أحمدَ، أنَّ المَوْت لا يفْسَخُ الإِجارَةَ، وله أَن يَرْكَبَها ولا يُسْرِفَ في عَلْفِها، ولا يُقَصِّرَ، ويَرْجِعُ بذلك في مالِ المُتَوَفَّى، فإن لم يَكُنْ في يَدِ المُسْتَأْجِرِ ما يُنْفِقُ، لم يَجُزْ أن يَبيعَ منها شيئًا؛ لأنَّ البَيعَ إنَّما يَجُوزُ مِن المالِكِ أو نائِبِه، أو مِمَّن له (1) ولايةٌ عليه.
2201 -
مسألة: (وتَنْفَسِخُ الإِجارَةُ بتَلَفِ العَينِ المَعْقُودِ عليها)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن اسْتَأْجَرَ عَينًا مُدَّةً، فتَعَذَّرَ 2 الانْتِفاعُ بها، [فإن كان بتَلَفِ] 3 العَينِ، كَدابَّةٍ نَفَقَتْ وعَبْدٍ ماتَ، فهو على ثلاثةِ أقْسامٍ؛1
..................................
أحَدُها، أن تَتْلَفَ قبلَ قَبْضِها، فتَنْفَسِخَ الإِجارَةُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه تَلِف قبلَ القَبْضِ، أشْبَهَ تَلَفَ الطَّعامِ المَبِيعِ قبلَ قَبْضِه.
القِسْمُ الثاني، أن تَتْلَفَ عَقِيبَ قَبْضِها، فتَنْفَسِخَ الإِجارَةُ أيضًا، ويَسْقُطَ الأجْرُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ.
وحُكِيَ عن أبي ثَوْرٍ، أنَّ الأجْرَ يَسْتَقِرُّ، لأنَّ المَعْقُودَ عليه تَلِفَ بعدَ قَبْضِه، أشْبَهَ المَبِيعَ.
[ولا يَصِحُّ ذلك] 1؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه المنافِعُ، وقَبْضُها باسْتِيفائِها أو [التَّمَكُّنِ منها] 2. ولم يَحْصُلْ ذلك، فأشْبَهَ تَلَفَهَا قبلَ قَبْضِ العَينِ.
الثالثُ، أن تَتْلَفَ بعدَ مُضِي بعضِ 3 المُدَّةِ، فَتَنْفَسِخَ الإِجارَةُ فيما بَقِي مِن المُدَّةِ خاصَّة 4 ويكون [على المُسْتَأْجِرِ] 5 مِن الأجْرِ بقَدْرِ ما اسْتَوْفى مِن المَنْفَعَةِ.
قال أحمدُ، في رِوايةِ إبراهيمَ بنِ الحارِثِ: إذا اكْتَرى بَعِيرًا بعَييه فنَفَقَ، يُعْطِيه بحسابِ ما رَكِبَ.
وذلك لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ المَعْقُودَ عليه المنافِعُ، وقد تَلِفَ بعضُها قبلَ قَبْضِه، فبَطَلَ العَقْدُ فيما تَلِفَ دُونَ ما قُبِضَ، كما لو اشْتَرَى صُبْرَتَين، فقَبَض إحْداهُما، وتَلِفَتِ الأخْرَى قبلَ قَبْضِها، ثم يُنْظَرُ، فإن كان أجْرُ المُدَّةِ مُتَساويًا، فعليه بِقَدْرِ ما مَضى؛ إن كان النِّصْفُ، فعليه
وَمَوْتِ الصَّبِيِّ المُرْتَضِعِ،
نِصْف الأُجْرةِ، وإن كان [أكثرَ أو أقلَّ، فبِحِسابِ ذلك] (1)، كما يُقَسَّمُ الثَّمَنُ على المَبِيعِ المُتساوي.
وإن اخْتَلَفَ، كَدارٍ أجْرُها في الشِّتاءِ أكْثَرُ مِن الصَّيفِ، وأرْضٍ أجْرُها في الصَّيفِ أكْثَرُ مِن الشِّتاءِ، أو دارٍ لها مَوْسِمٌ، كَدُورِ مَكَّةَ، رُجِعَ في تَقْويمِه إلى أهْلِ الخِبْرةِ، فيُقَسَّطُ (2) الأجْرُ المُسَمَّى على قَدْرِ قِيمَةِ المَنفَعَةِ، كَقِسْمَةِ الثَّمَنِ الأعْيانِ المُخْتَلِفَةِ في البَيعِ.
وكذلك لو كان الأجْرُ على قَطْعِ مَسافةٍ، كَبَعِيرٍ اسْتُؤْجِرَ على حَمْلِ شيءٍ إلى مكانٍ مُعَيَّنٍ؛ وكانتْ مُتَساويَةَ الأجْزاءِ أو مُخْتَلِفَةً.
وهذا (3) مَذْهَبُ الشافعيِّ.
2202 -
مسألة: (ومَوْتِ الصَّبِيِّ المُرْتَضِعِ)
لأنَّه تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَعْقُودِ عليه، [لكَوْنِ غيرِهِ لا يقومُ مَقامَه، لاختِلافِهم في الرَّضاعِ، ولذلك وَجَبَ تَعْيِينُه، ولأنَّ اللَّبَنَ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِهم، وقد تُدِرُّ] 4 على123
وَمَوْتِ الرَّاكِبِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ،
أحَدِ الوَلَدَينِ دُونَ الآخَرِ.
وهذا مَنْصُوصُ الشافعيِّ.
[فإن مات الصَّبِيُّ عَقِيبَ العَقْدِ] (1) بَطَلَتِ الإِجارَةُ من أصْلِها، ورَجَعَ المُسْتَأْجِرُ بالأجْرِ كُلِّه، وإن كان في أثْناءِ المُدَّةِ، رَجَعَ بحِصَّةِ ما بَقِيَ، [كما ذَكَرْنا] (2).
فصل (3): وتَنْفَسِخُ الإِجارَةُ بمَوْتِ المُرْضِعَةِ؛ لِفَواتِ المَنْفَعَةِ بهَلاكِ مَحَلِّها.
وحُكِيَ عن أبي بكرٍ، أنَّها لا تَنْفَسِخُ، ويَجِبُ في مالِها أجْرُ مَن تُرْضِعُه تَمامَ الوَقْتِ؛ لأنَّه كالدَّينِ.
ولَنا، أنَّه هَلَك المَعْقُودُ عليه، أشْبَهَ هَلاكَ البَهِيمَةِ المُسْتَأْجَرَةِ.
2203 -
مسألة: (ومَوْاتِ الرَّاكِبِ، إذا لم يَكُنْ له مَن يَقُومُ مَقامَه في اسْتِيفاءِ المَنْفَعَةِ)
إذا ماتْ المُكْتَرِي ولم يَكُنْ له وارِثٌ يَقُومُ مَقامَه في123
..................................
اسْتِيفاءِ المَنْفَعَةِ، أو كان الوارِثُ 1 غائِبًا، كمَن يَمُوتُ في طَرِيقِ مَكَّةَ ويَتْرُكُ جَمَلَه الذي اكْتَراه، وليس له عليه شيءٌ يَحْمِلُه 2، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّ الإِجارَةَ تَنْفَسِخُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ؛ لأنَّه قد جاءَ أمْرٌ غالِبٌ يَمْنَعُ المُسْتَأْجِرَ مَنْفَعَةَ العَينِ، فأشْبَهَتْ ما لو غُصِبَتْ، ولأنَّ بَقاءَ العَقْدِ ضَرَرٌ في حَقِّ المُكْتَرِي والمُكْرِي؛ لأنَّ المُكْتَرِيَ يَجِبُ عليه الكِراءُ مِن غيرِ نَفْعٍ، والمُكْرِيَ يَمْتَنِعُ عليه التَّصَرُّفُ في مالِه، مع ظُهُورِ امْتِناعِ الكِراءِ عليه.
وقد نُقِلَ عن أحمدَ، في رَجُل اكْتَرَى بَعِيرًا، فمات المُكْتَرِي في بعضِ الطَّرِيقِ، فإن رَجَع البَعِيرُ خالِيًا، فعليه بقَدْرِ ما وَجَب له، وإن كان عليه ثِقْلُه وَوطاؤُه، فله الكِراءُ إلى المَوْضِعِ.
وظاهِرُ هذا أنَّه حَكَم بِفَسْخِ العَقْدِ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ، إذا مات المُسْتَأْجِرُ ولم يَبْقَ له به انْتِفاعٌ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَنْفَعَةِ بأمْرٍ مِن اللهِ تعالى، فأشبَهَ ما لو اكْتَرَى مَن يَقْلَع له ضِرْسَه، فبَرَأ، أو انْقَلَعَ قبلَ قَلْعِه، أو اكْتَرَى كَحّالًا لِيَكْحَلَ عَينه فَبَرَأَتْ، أو ذَهَبَتْ.
ويَجِبُ أن يُقَدِّرَ أنَّه لم يَكُنْ ثَمَّ مِن وَرَثَتِه مَن يَقُومُ مَقامَه في الانْتِفاعِ؛ لأنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقامَ المَورُوثِ.
وتَأوَّلَها القاضِي على أنَّ المُكْرِيَ قَبَض البَعِيرَ ومَنَع الوَرَثَةَ الانْتِفاعَ، ولولا ذلك لَما انْفَسخَ العَقْدُ؛ لأنَّه لا يَنْفَسِخُ بعُذْرٍ في المُسْتَأْجِرِ مع سَلامةِ المَعْقُودِ عليه، كما لو حُبِسَ مُسْتَأْجِرُ الدّارِ ومُنِع سُكْنَاها.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّه
وَانْقِلَاعِ الضِّرْسِ الَّذِي اكْتَرَى لِقَلْعِهِ، أو بُرْئِهِ، وَنَحْو هَذَا وَإنِ اكْتَرَى دَارًا فَانْهَدَمَتْ، أوْ أَرضًا لِلزَّرْعِ فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا، انْفَسَخَتِ الْإجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخَرِ، يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الْفَسْخِ.
لو مَنَعَ الوارِثَ الانْتفاعَ، لَما اسْتَحَقَّ شيئًا مِن الأجْرِ، ويُفارِقُ هذا ما لو حُبِسَ المُسْتَأجِرُ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه انْتِفاعُه، وهذا لم يُؤيَسْ منه بالحَبْسِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ خُرُوجُه فىَ كلِّ وَقْتٍ مِن الحَبْسِ وانْتِفاعُه، ويُمْكِنُ أن يَسْتَنِيبَ مَن يَسْتَوْفِي المَنْفَعَةَ له؛ إمّا بأجْرَةٍ أو غيرِه، بخِلافِ المَيِّتِ، فإنَّه قد فاتَ انْتِفاعُه بنَفْسِه ونائِبِه، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا مِن الصُّوَرِ.
2204 -
مسألة: (وانْقِلاعِ الضِّرْسِ الذي اكْتَرَى لِقَلْعِه، أو بُرْئِه)
وكذلك إنِ اكْتَرَى كَحّالًا لِيَكْحَلَ عَينَه فبَرَأتْ أو ذَهَبَتْ، انْفَسَخَ العَقْدُ؛ لأنه تَعَذَّرَ استِيفاءُ المَعْقُودِ عليه، أشْبَهَ ما لو تَعَذَّرَ بالمَوْتِ.
2205 -
مسألة: (وإنِ اكْتَرَى دارًا فانْهَدَمَتْ، أو أرْضًا للزَّرْعِ فانْقَطَعَ ماؤُها، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ.
وفي الآخَرِ، يَثْبُتُ للمُسْتَأجِرِ خِيارُ الفَسْخِ)
وجملةُ ذلك،
..................................
أنَّه إذا حَدَث في العَينِ المُكْتَراةِ ما يَمْنَعُ نَفْعَها، كَدارٍ انْهَدَمَتْ، أو أرْض غَرِقَتْ، أو انْقَطَعَ ماؤُها، فهذه يُنْظرُ فيها؛ فإن لم يَبْقَ فيها نَفْعٌ أصْلًا، فهي كالتّالِفَةِ سواءً، وإن بَقِيَ فيها نَفْع غيرَ ما اسْتَأْجَرَها له، مثل أن يُمْكِنَ الانْتِفاعُ بِعَرْصَةِ الدّار أو الأرْضِ لِوَضْعِ حَطَبٍ فيها، أو وَضْعِ خَيمَةٍ في الأرْضِ التي اسْتَأْجَرَها للزَّرْعِ، أو صَيدِ السَّمَكِ مِن الأرْضِ التي غَرِقَتْ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ أيضًا؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ التي وَقَع العَقْدُ عليها تَلِفَتْ، فانْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، كما لو اسْتَأْجَرَ دابَّةً ليَرْكَبَها فزَمِنَتْ، بحيثُ لا تَصْلُحُ إلَّا لِتَدُورَ في الرَّحَى.
وقال القاضِي، في الأرْضِ التي انْقَطَعَ ماؤُها: لا تَنْفَسِخُ الإِجارَةُ فيها.
وهو مَنْصُوصُ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ لم تَبْطُلْ جُمْلَةً؛ لأنَّه يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بعَرْصَةِ الأرْضِ بِنَصْبِ خَيمَةٍ أو جَمْعِ حَطَبٍ فيها، فأشْبَهَ ما لو نَقَص نَفْعُها مع بَقائه.
فعلى هذا، يُخَيَّرُ المُسْتَأْجِرُ بينَ الفَسْخِ والإِمْضاءِ، فإن فَسَخ، فحُكْمُه حُكْمُ العَبْدِ إذا ماتَ، وإن اخْتارَ إمْضاءَ العَقْدِ، فعليه جميعُ الأُجْرةِ؛ لأنَّ ذلك عَيبٌ، فإذا رَضِيَ به، سَقَط حُكْمُه، فإن لم يَخْتَرِ الفَسْخَ ولا الإِمْضاءَ؛ إمّا لجَهْلِه بأنَّ له الفَسْخَ، أو لغيرِ ذلك، فله الفَسْخُ بعدَ ذلك.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ
..................................
بَقاءَ غيرِ المَعْقُودِ عليه لا يَمْنَعُ انْفِساخَ العَقْدِ بتَلَفِ المَعْقُودِ عليه، كالأعْيانِ في البَيعِ.
ولو كان النَّفْعُ الباقِي في العَينِ ممّا لا يُباحُ اسْتِيفاؤُه بالعَقْدِ، كدابَّةٍ اسْتأْجَرَها للرُّكُوبِ فصارَتْ لا تَصْلُحُ إلَّا لِلْحَمْلِ أو بالعَكْسِ، انْفَسَخَ العَقْدُ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ الباقِيَةَ لا يَمْلِكُ اسْتِيفاءَها مع سَلامَتِها، فلا يَمْلِكُها مع تَعَيُّبِها، كبَيعِها، فأمّا إن أمْكَنَ الانْتِفاعُ بالعَينِ فيما 1 اكتَراها له على نَعْتٍ مِن القُصُورِ 2، مثلَ أن يُمْكِنَه زَرْعُ الأرْضِ
..................................
بغيرِ ماءٍ، أو كان الماءُ مُنْحَسِرًا عن الأرْضِ التي غَرِقَتْ على وَجْهٍ يَمْنَعُ بعضَ الزِّراعةِ، أو يَسُوءُ 1 الزَّرْعَ، أو كان يُمْكِنُه سُكْنَى ساحَةِ الدّارِ، إمّا في خَيمَةٍ أو غيرِها، لم تَنْفَسِخِ الإِجارَةُ؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ المَعْقُودَ عليها لم تَزُلْ بالكُلِّيَّةِ، فأشْبَهَ ما لو تَعَيَّبَتْ، وللمُسْتَأْجِرِ خِيارُ الفَسْخِ، على ما ذَكَرْنا، إلَّا في الدّارِ إذا انْهَدَمَتْ، ففيها وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا تَنْفَسِخُ الإِجارَةُ.
والثّاني، تَنْفَسِخُ؛ لأنَّه زال اسْمُها بِهَدْمِها، وذَهَبَت المَنْفَعَةُ التي تُقْصَدُ منها، ولذلك لا يَسْتَأْجِرُ أحَدٌ عَرْصَةَ دارٍ لِيَسْكُنَها.
فأمّا إن كان الحادِثُ في العَينِ لا يَضُرُّها، كغَرَقِ الأرْضِ بماءٍ يَنْحَسِرُ عن قَرِيبٍ، بحيثُ لا يَمْنَعُ الزَّرْعَ ولا يَضُرُّه، وانْقِطاعِ الماءِ عنها إذا ساقَ المُؤْجِرُ إليها ماءً مِن مكانٍ آخَرَ، أو كان انْقِطاعُه في زَمَن لا يَحْتاجُ إليه فيه، فليس للمُسْتَأْجِرِ الفَسْخُ؛ لأنَّ هذا ليس بِعَيبٍ.
وَإن حَدَث الغَرَقُ المُضِرُّ أو انْقِطاعُ الماءِ أو الهَدْمُ بِبَعْضِ العَينِ المُسْتَأْجَرَةِ، فلذلك البعضِ حُكْمُ نَفْسِه في الفَسْخِ أو ثُبوتِ الخِيارِ، وللمُكْتَرِي الخِيارُ في بَقِيَّةِ العَينِ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ تَبعَّضَتْ عليه.
فإنِ اخْتارَ الإِمْساكَ أمْسَكَ بالحِصَّةِ مِن الأجْرِ، كما إذا تَلِفَ أحَدُ القَفِيزَينِ مِن الطَّعامِ في يَدِ البائِعِ.