الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 68-107

كِتَابُ الْحُدُودِ

صفحات 68-107

وَعَلَى رَعِيَّتِهِ مَعُونَتُهُ عَلَى حَرْبِهِمْ، فَإِنِ اسْتَنْظَرُوهُ مُدَّةً، رَجَاءَ رُجُوعِهِمْ فِيهَا، أَنْظَرَهُمْ،  فصل: فإن أبوُا الرُجُوعَ، وعَظَهُم، وخَوَّفَهم القِتال، وإنَّما كان ذلك؛ لأنَّ المَقْصُودَ كَفُّهم، ودَفْعُ شَرِّهم، لا قَتْلُهم، فإذا أمْكَنَ بمُجَرِّدِ القَوْلِ، كان أَولَى من القِتالِ؛ لِما فيه من الضَّرَرِ بالفَريقَين.
فإن فاءُوا، وإلَّا قاتَلَهُم، لقوْلِه سُبحانَه: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾.

4553 -

مسألة: (وعلى رَعِيَّتِه مَعُونَتُه على حَربِهِم)

للآيةِ.
4554 -

مسألة: (فَإنِ اسْتَنْظرُوه مُدَّةً، رَجَاءَ رُجُوعِهم فيها،

وَإنْ ظَنَّ أَنَّهَا مَكِيدَةٌ، لَمْ يُنْظِرْهُمْ وَقَاتَلَهُمْ.
أنْظَرَهم) ويَكْشِفُ عن حالِهم، ويَبْحَثُ عن أمْرِهِم، فإن بانَ له أنَّ قَصْدَهم الرُّجوعُ إلى الطَّاعةِ، ومَعْرِفَةُ الحَقِّ، أمْهَلَهُم.
قال ابنُ المُنْذِرِ (1): أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهلِ العلمِ.

4555 -

مسألة: (وإن ظَنَّ أنَّهَا مَكِيدَة، لم يُنْظِرْهم، وقَاتَلَهم)

إذا ظَهَر له أنَّ اسْتِنْظارَهم مَكِيدَةٌ؛ ليَجْتَمِعُوا على قِتالِه، وأنَّ لهم مَدَدًا يَنْتَظِرونَه، ليَتَقَوَّوْا به، أو خَدِيعةَ الإِمام؛ ليَأْخُذُوه على غِرَّةٍ، ويَفْتَرِقَ عَسْكَرُه، عاجَلَهم بالقِتالِ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ أَن يصيرَ هذا طَريقًا إلى قَهْرِ أهْلِ الحَقِّ والعَدْلِ، وهذا لا يجوزُ، وإن أعْطَوْه عليه مالًا؛ لأنَّه لا يجوزُ أنَّ يأخذَ المال على إقْرارِهم على ما لا يَحِلّ إقْرارُهم عليه.
وإن بَذَلُوا له رَهائِنَ على إنْظارِهم، لم يَجُزْ أخْذُها لذلك، ولأنَّ الرَّهائِنَ لا يجوزُ قتْلُهم لغَدْرِ أهلِهم، فلا يُفِيدُ شيئًا.
وإن كان في أيدِيهم أُسارَى من أهلِ العَدْلِ، وأعْطَوْا بذلك رَهائِنَ منهم، قَبِلَهم الإِمامُ، واسْتَظْهَرَ للمسلمينَ؛ فإن أطْلَقُوا [أسْرَى المسلمينَ] 2 الذين عندَهم، أُطْلِقَتْ رَهائِنُهم، وإن قَتَلُوا مَن عندَهم، لم يَجُزْ قَتْلُ رَهائِنِهم؛ لأنَّهم لا يُقْتَلونَ بقَتْلِ غيرِهم، وإذا انْقَضَتِ الحَرْبُ، خَلَّى الرَّهائِنَ، كما تُخَلَّى الأسَارَى منهم.
وإن خافَ1

..................................  الإِمام على الفِئَةِ العادِلَةِ الضَّعْفَ عنهم، أخَّرَ قِتالهم إلى أنَّ تُمْكِنَه القُوةُ عليهم؛ لأنَّه لا يُومَنُ الاصْطِلامُ والاسْتِئصالُ، فيُؤَخِّرُهم حتى تَقْوَى شَوْكَةُ أهلِ العَدْلِ، ثم يُقاتِلُهم.
وإن سَأَلُوه أنَّ يُنْظِرَهم أبدًا، ويَدَعَهم وما هُمْ عليه، ويَكُفُّوا عن المسلمينَ، نَظَرْتَ، فإن لم تُعْلَمْ قُوَّتُه عليهم، وخافَ قَهْرَهم له إن قاتَلَهم، تَرَكَهم.
وإن قَوىَ عليهم، لم يَجُزْ إقْرارُهم على ذلك؛ لأنَّه لا يجوزُ أنْ يَتْرُكَ بعضُ المسلمينَ طاعةَ الإِمام، ولا يَأْمَنُ قُوَّةَ شَوْكَتِهِم، بحيثُ يُفْضِي إلى قَهْرِ الإِمام العادِلِ ومَن معَه.
ثم إن أمْكَنَ دَفعُهُم بدونِ القَتْلِ، لم يَجُزْ قَتْلُهم؛ لأنَّ المَقْصودَ دَفْعُهم، ولأنَّ الدَّفعَ إذا حَصَل بغيرِ القَتْلِ، لم يَجُزِ القَتْلُ من غيرِ حاجةٍ.
وإن حَضَر معهم مَن لا يُقاتِلُ، لم يَجُزْ قَتْلُه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: فيه وَجْه آخَرُ، يجوزُ؛ لأنَّ عليًّا، رَضِيَ الله عنهْ، نَهَى أصحابَه عن قَتْلِ محمدِ بنِ طلحةَ السَّجَّادِ، وقال: إيَّاكم وصاحبَ البُرْنُسِ.
فقتَلَه رجلٌ، وأنْشَأ يقولُ: وأشْعَثَ قَوَّامٍ بآياتِ رَبِّه [قليلِ الأذَى] 1 فيما تَرى العينُ مُسْلمِ هَتَكْتُ له بالرُّمْحِ جَيبَ قَمِيصِه فخَرَّ صَرِيعًا لليدَينِ وللْفَمِ على غيرِ ذنبٍ غيرَ أنْ ليس تابِعًا

..................................  عليًّا ومَنْ لا يَتْبَعِ الحقَّ يَظْلِم يُناشِدُني حم والرُّمْحُ شَاجِرٌ فهلَّا تَلَا حمَ قبلَ التَّقَدُّم 1 وكان السَّجَّادُ حامِلَ رايةِ أبيه 2، ولم يَكُنْ يُقَاتِلُ، فلم يُنْكِرْ عليٌّ قَتْلَه، ولأنَّه صارَ رِدْءًا لهم.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ 3. والأخْبارُ الواردةُ في تَحْريمِ قتْلِ المسلمِ، والإِجماعُ على تَحْريمِه، وإنَّما خُصَّ من ذلك ما حَصَل ضَرُورَةَ دَفعِ الباغِي والصائِلِ، ففيما عَداه يَبْقَى على العُمومِ والإِجْماعِ فيه؛ ولهذا حَرُمَ قَتلُ مُدْبرِهم وأسيرِهم، والإِجْهازُ على جَرِيحِهم، مع أنَّهم إنَّما تَرَكوا القِتال عَجْزًا عنه، ومتى ما قَدَروا 4 عليه، عادُوا إليه، فمَن لا يُقاتِلُ تَوَرُّعًا عنه مع قُدْرَتِه عليه، ولا يُخافُ منه القِتالُ بعدَ ذلك أَولَى، ولأنَّه مُسْلمٌ، لم يَحْتَجْ إلى دَفْعِه، ولا صَدَرَ منه أحَدُ الثلاثَةِ، فلم يَحِلَّ دَمُه؛ لقَوْلِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ» 5. فأمَّا حديثُ عليٍّ، في نَهْيِه عن قتلِ السَّجَّادِ، فهو حُجَّة عليهم، فإنَّ نَهْيَ

وَلَا يُقَاتِلُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إِتْلَافُهُ كَالْمَنْجَنِيقِ، وَالنَّارِ، إلا لِضَرُورَةٍ،  عليٍّ أَولَى مِن فِعْلِ مَن خالفَه، ولم يَمْتَثِلْ قولَ الله تعالى، ولا قولَ رسولِه، ولا قولَ إمامِه.
وقولُهم: فلم يُنْكِرْ قَتْلَه.
قُلْنا: لم يُنْقَل إلينا أنَّ عَلِيًّا عَلِمَ حَقِيقةَ الحالِ في قَتْلِه، ولا حَضَر قَتْلَه فيُنكِرَه، وقد جاءَ أنَّ عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، حينَ طافَ في القَتْلَى رآهُ، فقال: السَّجَّادُ، ورَبِّ الكَعْبَةِ، هذا الذي قَتَلَه (1) بِرُّه بأبِيه.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَشْعُرْ بقَتْلِه.
ورأى كَعْبَ بنَ سُورٍ، فقال: يَزْعُمون أنَّما خَرَج إلينا الرِّعاعُ، وهذا الحَبْرُ بينَ أظْهُرِهم! ويجوزُ أنَّ يكونَ تَرْكُه الإِنْكارَ عليهم اجْتِزاءً بالنَّهْي المُتَقَدِّمِ، ولأنَّ القَصْدَ من قتالِهم كَفُّهم، وهذا كافٍ لنَفْسِه، فلم يَجُر قَتلُه كالمُنْهَزمِ.
فصل: وإذا قاتَلَ معهم عَبِيدٌ ونِساءٌ وصِبْيانٌ، منهم كالرجلِ الحُرِّ البالغِ، يُقاتَلون مُقْبِلين، ويُتْرَكونَ مُدْبرينَ؛ لأنَّ قِتالهمِ للدَّفْعِ، ولو أرادَ أحدُ هؤلاءِ قتْلَ إنْسانٍ، جازَ دَفْعُه وقِتالُه، وإن أتَى على نفسِه؛ ولذلك قُلْنا في أهلِ الحَرْبِ إذا كان معهم النِّساءُ والصِّبْيانُ: قُوتِلُوا وقُتِلُوا.

4556 -

مسألة: (ولا يُقَاتِلُهم بما يَعُمُّ إتْلافُه، كالمنْجَنِيقِ، والنَّارِ، إلَّا لضَرُورَةٍ)

لأنَّه لا يجوزُ قَتْلُ مَن لا يُقاتِلُ، وما 2 يَعُمُّ إتْلافُه يَقَعُ على مَن لا يُقاتِلُ.
فإن دَعَتْ إلى ذلك ضَرُورةٌ، مثلَ أنَّ يَحْتاطَ بهم البُغاةُ، ولا يُمْكِنُهم التَّخَلُّصُ إلَّا برَمْيِهم بما يَعُمُّ إتْلافُه، جازَ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.1

وَلَا يَسْتَعِينُ في حَرْبِهِمْ بِكَافِرٍ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا تَحَصَّن الخوارجُ، فاحْتاجَ الإِمامُ إلى رَمْيِهم بالمَنْجَنيقِ، فَعَل ذلك ما كان لهم عَسْكَرٌ، وما لم يَنْهَزِمُوا، وإن رَماهم البُغاةُ بالمَنْجَنِيقِ والنَّارِ، جازَ رَمْيُهم بمثلِه.
فصل: قال أبو بكرٍ: إذا اقْتَتَلَتْ طائفتان من أهلِ البَغْي، فَقَدَر الإِمامُ على قهرِهِما، لم يُعِنْ واحدةً منهما؛ لأنَّهما جميعًا على الخَطأَ، وإن عَجَز عن ذلك، وخافَ اجْتماعَهما على حَرْبِه، ضَمَّ إليه أقْرَبَهما إلى الحَقِّ، فإنِ اسْتَوَيا، اجْتَهَدَ برَأْيِه في ضَمِّ إحْدَاهُما، ولا يَقصِدُ بذلك مَعُونَةَ إحْداهُما، بل الاسْتعانةَ على الأخْرَى (1)، فإذا هَزَمَها، لم يُقاتِلْ مَن معه حتى يَدْعُوَهم إلى الطاعةِ؛ لأنَّهم قد حَصَلُوا في أمانِه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.

4557 -

مسألة: (ولا يَسْتَعِينُ في حَرْبِهم بكافِرٍ)

ولا بمَن يَرَى قَتْلَهم مُدْبِرِينَ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا بَأْسَ أنَّ يَسْتَعِينَ عليهم بأهلِ الذِّمَّةِ والمُسْتَأْمِنِينَ وصِنْفٍ آخَرَ منهم، إذا كان أهْلُ العَدْلِ هم الظَّاهرين على مَن يَسْتَعينُونَ به.
ولَنا، أنَّ القَصْدَ كَفُّهم، ورَدُّهم إلى الطَّاعةِ، لا قَتْلُهم، وهؤلاء يَقْصِدُونَ قَتْلَهم، فإن دَعَتِ الحاجةُ إلى الاسْتِعانةِ بهم، فإن كان يَقْدِرُ على كَفِّهم عن فِعْلِ ما لا يجوزُ، اسْتعانَ بهم، وإن لم يَقْدِرْ، لم يَجُزْ.1

وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَيهِمْ بِسِلَاحِهمْ وَكُرَاعِهِمْ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

4558 - مسألة: (وهل يَجُوزُ أنَّ يَسْتَعِينَ عليهم بسِلاحِهم، وكُرَاعِهم (1)؟ على وَجْهَين) أحدُهما، لا يجوزُ؛ لأنَّه لا يَحِلُّ أخْذُ مالِهم، لكَوْنِه مَعْصُومًا بالإِسْلامِ، وإنَّما أُبِيحَ قِتالُهُم لرَدِّهم إلى الطَّاعةِ، ويَبْقَى المالُ على العِصْمَةِ، كمالِ قاطعِ الطريقِ، إلَّا أنَّ تَدْعُوَ ضَرُورةٌ، فيجوزُ، كما يجوزُ أكْلُ مالِ الغيرِ في المَخْمَصَةِ. والوَجْهُ الثاني، يجوزُ قِياسًا على أسْلِحَةِ الكُفَّارِ.

4559 -

مسألة: وذَكَر القَاضِي، أنَّ أحمد أوْمَأَ إلى جَوازِ الانْتِفاعِ به حال الْتِحامِ

2 الحَرْبِ.
وهذا أحدُ الوَجْهين اللَّذَين ذَكَرْناهُما، ولا يجوزُ في غيرِ قِتالِهم.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ هذه الحال يجوزُ 3 فيها1

وَلَا يُتْبَعُ لَهُمْ مُدْبِرٌ، وَلَا يُجَازُ عَلَى جَرِيحٍ.
إتْلافُ نُفُوسِهِم وحَبْسُ سِلاحِهِم وكُراعِهم؛ فجازَ الانْتِفاعُ به، كسلاحِ أهْلِ الحَرْبِ.
وقال الشافعيُّ: لا يجوزُ ذلك إلَّا من ضَرُورةٍ إليه؛ لأنّه مالُ مسلم، فلم يَجُزْ الانْتِفاعُ به بغيرِ إذْنِه، كغيرِه من أمْوالِهم.
ومتى انْقَضَتِ الحربُ، وَجَبَ رَدُّه إليهم، كما تُرَدُّ سَائرُ أمْوالِهمِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِم إلَّا عَنْ طِيبِ نفْس مِنْهُ» (1). واللهُ أعلمُ.

4560 -

مسألة: (ولا يُتْبَعُ لهم مُدْبِرٌ، ولا يُجازُ على جَرِيحٍ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ أهْلَ البَغْي إذا تَرَكُوا القِتال؛ إمَّا بالرُّجوعِ إلى الطَّاعةِ، وإمَّا بإلْقاءِ السِّلاحِ، أو بالهَزِيمَةِ إلى فِئةٍ أو إلى غيرِ فِئَةٍ، وإمَّا بالعَجْزِ، لجِرَاح أو مَرَض أو أسْرٍ، فإنَّه يَحْرُمُ قِتالُهم، واتِّباعُ مُدْبِرِهم.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، إذا هُزِمُوا ولا فِئَةَ لهم، كقَوْلِنا، وإن1

..................................  كانت لهم فِئَةٌ يَلْجئون إليها، جازَ قتلُ مُدْبِرِهم وأسِيرِهم 1، والإِجازةُ على جَريحِهم، فأمَّا إذا لم تَكُنْ لهم فِئَةٌ، لا يُقْتلُونَ، ولكنْ يُضْربونَ ضَرْبًا وَجِيعًا، ويُحْبَسُونَ حتى يُقْلِعُوا عمَّا هم عليه، ويُحْدِثُوا تَوْبَة.
ذَكَر 2 هذا في الخوارِجِ.
ويُرْوَى عن ابنِ عباس نحوُ هذا.
واخْتارَه بعضُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه متى لم يَقْتُلْهم، اجْتَمَعوا وعادُوا إلى المُحارَبَةِ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال يومَ الجَمَلِ: لا يُذَفَّفُ 3 على جَرِيحٍ، ولا يُهْتَكُ سِتْرٌ، ولا يُفْتَحُ بابٌ، ومَن أغْلَقَ [بابًا أو] 4 بابَه فهو آمِنٌ، ولا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ.
5 ورُوِيَ نحوُ ذلك عن عَمَّارٍ 6. وعن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه وَدَى قَوْمًا من بيتِ مالِ المسلمين، قُتِلُوا مُدْبِرينَ.
وعن أبي أُمامَةَ، قال: شَهِدتُ صِفِّينَ، فكانوا

وَلَا يُغْنَمُ لَهُمْ مَالٌ، وَلَا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ.
لا يُجِيزُونَ على جَرِيح، ولا يَقْتُلُونَ مُوَلِّيًا، ولا يَسْلُبونَ قتيلًا (1). ورَوَى القاضي، في «شَرْحِه»، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى عَلَى أُمَّتِي؟» فقلتُ: الله ورسولُه أعْلَمُ.
فقال: «لَا يُتْبَعُ مُدْبرُهُمْ، ولَا يُجَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يُقْتَلُ أسِيرُهُمْ، وَلَا يُقْسَمُ فيئُهُمْ» (2). ولأنَّ المقصودَ دَفْعُهم وكَفُّهم، وقد حَصَل، فلم يَجُزْ قَتْلهم، كالصائلِ، ولا يُقْتَلُون لِما يُخاف في ثاني الحالِ، كما لو لم تَكُنْ لهم فِئَةٌ.
فعلى هذا، إذا قَتَل إنْسانًا مُنِعَ من قَتْلِه، ضَمِنَه؛ لأنَّه قَتَل مَعْصُومًا، لم يُؤْمَرْ بقتلِه.
ويجبُ عليه القِصاصُ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه قَتَل مُكافِئًا مَعْصُومًا.
والثاني، لا يجبُ؛ لأنَّ في قَتْلِهِم اخْتِلافًا بينَ الأئِمَّةِ، فكانَ ذلك شُبْهَةً دارِئَةً للقِصاصِ؛ لأنَّه ممَّا يَنْدَرِي بالشُّبُهاتِ.
وأمَّا أسِيرُهم، فإن دَخَل في الطَّاعةِ، خُلِّيَ سَبِيلُه.

4561 -

مسألة: (ولا يُغْنَمُ لهم مالٌ، ولا تُسْبَى لهم ذُريَّة)

ولا نعلمُ في تَحْريمِه بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا؛ لِما ذَكَرْنا من حديثِ أبي أُمَامَةَ، وابنِ مسعودٍ، ولأنَّهم مَعْصُومون، وإنَّما أُبِيحَ مِن دِمائِهم وأمْوالِهم ما حَصَل من ضَرُورةِ دَفْعِهم وقِتالِهم، وما عَداه يَبْقَى 3 على أصْلِ12

..................................  التَّحْريمِ.
وقد رُوِيَ أنَّ عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، يومَ الجَملِ، قال: مَن عَرَفَ شيئًا مِن مالِه مع أحدٍ، فَلْيَأْخُذْه.
وكان بعضُ أصحابِ عليٍّ قد أخَذَ قِدْرًا وهو يَطْبُخُ فيها، فجاءَ صاحِبُها ليأخُذَها، فسَأله الذي يَطْبُخُ فيها إمْهَاله حتى يَنْضَجَ الطَّبيخُ، فأبَى، وكَبَّه، وأخَذَها 1. وهذا من جُمْلَةِ ما نَقَم الخوارجُ من عليٍّ، فإنَّهم قالوا: إنَّه قاتَلَ ولم يَسْبِ ولم يَغْنَمْ.
فإن حَلَّتْ له دِماؤُهم، فقد حَلَّتْ له أمْوالُهم، وإن حَرُمَتْ عليه أموالُهم، فقد حَرُمَتْ عليه دِماؤُهم.
فقال لهم ابنُ عباس: أفَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، أم تَسْتَحِلُّون منها ما تَسْتَحِلُّونَ من غيرِها؟ فإنْ قُلْتُمْ: ليست أُمَّكم.
كَفَرْتُم، وإن قُلْتُمْ: إنَّها أُمُّكُم.
واسْتَحْلَلْتُمْ سَبْيَها، فقد كَفَرْتُمْ 2. يَعْني بقَوْلِه: إنَّكُم إن جَحَدْتُم أنَّها أُمُّكُم، فقد قال اللهُ تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ 3. فإن لم تَكُنْ أمًّا لكم، لم تَكُونوا مِن المُؤْمنِين.
ولأنَّ قِتال البُغاةِ إنَّما هو كَدَفْعِهِم ورَدِّهم إلى الحَق، لا لكُفْرِهم، فلا يُسْتَباحُ منهم إلَّا ما حَصَل ضَرُورةَ الدَّفْعِ، كالصَّائلِ، وقاطِعِ الطَّرِيقِ، ويَبْقَى حُكْمُ المالِ والذُّرِّيَّةِ على أصْلِ العِصْمَةِ، وما أُخِذَ من سلاحِهِم، وكُراعِهِم، لم يُرَدَّ إليهم حال

وَمَنْ أُسِرَ مِنْ رِجَالِهِمْ، حُبِسَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ، ثُمَّ يُرْسَلُ.
وَإنْ أُسِرَ صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَة، فَهَلْ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ، أَوْ يُخَلَّى في الْحَالِ؟  الحَرْبِ، لئلَّا يُقاتِلُونا به.

4562 -

مسألة: (ومَن أُسِرَ من رجالِهمْ، حُبِسَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الحَرْبُ، ثم يُرْسَلُ)

وجملةُ ذلك، أنَّ حُكْمَ مَن أْسِرَ منهم، أنَّه يُخَلَّى سَبِيلُه إن دَخَل في الطَّاعةِ، وإن أبى ذلك، وكان رجُلًا جَلَدًا من أهلِ القِتالِ، حُبِسَ ما دامَتِ الحربُ قائمة، فإذا انْقَضَتِ الحربُ خُلِّي سَبِيلُه، وشُرِطَ عليه أنَّ لا يعودَ إلى القِتالِ.
4563 -

مسألة: (وإن أُسِرَ صَبِيٌّ أو امرأةٌ، فهل يُفْعَلُ به ذلك،

يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.
أو يُخَلَّى في الحالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين) [أمَّا إذا كان الأسيرُ ليس مِن أهلِ القِتالِ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ والشيوخِ الفانِينَ، خُلِّيَ سبيلُهم.
ولم يُحْبَسُوا في أحدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ] 1، يُحْبَسُون؛ لأنَّ فيه كسرَ قُلُوبِ البُغاةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
فصل: فإن أسَرَ كلُّ واحدٍ مِن الفَرِيقَين أُسَارَى مِن الفَرِيقِ الآخَرِ، جازَ فِداءُ أُسَارَى أهلِ العَدْلِ بأُسارَى البُغاةِ.
فإن قَتَل أهْلُ البَغْي أُسارَى أهلِ العَدْلِ، لم يَجُزْ لأهلِ العَدْلِ قَتْلُ أُسَاراهم؛ لأنَّهم لا يُقْتَلونَ بجِنايةِ غيرِهم، ولا يَزِرُونَ وزْرَ غيرِهم.
فإن أبَى أهلُ البَغْي مُفاداةَ الأَسْرَى الذين معهم، وحَبَسُوهم، احْتَمَلَ أنَّ يجُوزَ 2 لأهْلِ العَدْلِ حَبْسُ مَن معهم، ليَتَوَصَّلُوا إلى تَخْليصِ أُسَارَاهم بحَبْسِ الأسارَى الذين معهم، واحْتَمَلَ أنَّ لا يجوزَ حَبْسُهم ويُطْلَقُون؛ لأنَّ الذَّنبَ في حَبْسِ أُسارَى أهْلِ العَدْلِ لغيرِهم.

وَإذَا انْقَضَى الْحَرْبُ، فَمَن وَجَدَ مِنْهُمْ مَالهُ في يَدِ إِنْسَانٍ أَخَذَهُ، وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا أتْلَفُوهُ عَلَيهِمْ حَال الْحَرْبِ، مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ.
وَهَلْ يَضْمَنُ الْبُغَاةُ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ في الْحَرْبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

4564 - مسألة: (وإذا انْقَضَى الحَرْبُ، فمَن وَجَدَ مِنهم مالهُ في يَدِ إنسانٍ أخَذَه)

لِما ذَكَرْنا مِن قولِ عليٍّ: مَن عَرَف شيئًا أخَذَه.
ولأنَّه مالٌ معصومٌ بالإِسْلامِ، فأشْبَهَ مال غيرِ البُغاةِ.
4565 -

مسألة: (ولا يَضْمَنُ أهْلُ العَدْلِ ما أتْلَفُوه عليهم حال الحَرْبِ، مِن نَفْس أو مالٍ. وهل يَضْمَنُ البُغَاةُ ما أتْلَفُوهُ على أهلِ العَدْلِ في الحربِ؟ على رِوايَتَين)

وجملةُ ذلك، أنَّه إذا لم يُمْكِنْ دَفْعُ أهلِ البَغْي إلَّا بقَتْلِهم، جازَ، ولا شيءَ على مَن قَتَلَهم؛ مِن إثْمٍ، ولا ضَمانٍ، ولا كَفَّارَةٍ؛ لأنَّه فَعَل ما أُمِرَ به، وقَتَل مَن أحَلَّ اللهُ قَتْلَه، وكذلك ما أتْلَفَه أهلُ العَدْلِ على أهْلِ البَغْي حال الحربِ مِن المالِ، لا ضَمانَ فيه؛ لأنَّهم إذا لم يَضْمَنُوا الأنْفُسَ، فالأمْوالُ أوْلَى.

..................................  فصل: وإن قُتِل العادِلُ، كان شَهِيدًا؛ لأنَّه قُتِلَ في قِتالٍ أمَرَ اللهُ تعالى به بقَوْلِه سبحانَه: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ 1. وهل يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه؟ فيه رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يُغَسَّلُ، ولا يُصَلَّى عليه؛ لأنَّه شَهِيدُ مَعْرَكَةٍ أُمِرَ بالقِتالِ فيها، فأشْبَهَ شَهِيدَ معركةِ الكُفَّارِ.
والأخْرَى، يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه.
وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، وابنَ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالصلاةِ على مَن قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ 2. واسْتَثْنَى قتِيل 3 الكُفَّارِ في المَعْرَكةِ 4، ففيما عَداهُ يَبْقَى على الأصْلِ، ولأنَّ شَهِيدَ مَعْركةِ الكُفَّارِ أجْرُه أعظمُ، وفَضْلُه أكثرُ، وقد جاءَ أنَّه يُشَفَّعُ في سبعينَ مِن أهل بيتِه 5، وهذا لا يَلْحَقُ به في فضْلِه، فلا يَثْبُتُ فيه مثلُ حُكْمِه؛ لأن الشيءَ إنَّما يُقاسُ على مثلِه.

..................................  فصل: وليس على أهلِ البَغْي أيضًا ضَمانُ ما أتْلَفُوه حال الحربِ؛ مِن نفس ولا مالٍ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، في أحدِ قَوْلَيه.
وعن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، رِوايَة ثانيةٌ، أنَّهم يَضْمَنونَ، وهو القولُ الثاني للشافعيِّ؛ لقولِ أبي بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، لأهْلِ الرِّدَّةِ: تَدُونَ قَتْلَانا، ولا نَدِي قَتْلاكُم 1. ولأنَّها نفوسٌ وأمْوالٌ مَعْصُومةٌ، أُتْلِفَتْ بغيرِ حَقٍّ ولا ضَرورةِ دَفْعِ مُباحٍ، فوَجَبَ ضَمانُه، كالذي تَلِف في غيرِ حالِ الحربِ.
ولَنا، ما روَى الزُّهْرِيُّ، أنَّه قال: كانتِ الفِتْنَةُ العُظْمَى بينَ النَّاسِ، وفيهم البَدْرِيُّونَ، فأجْمَعُوا على أنَّ لا يُقامَ حَدٌّ على رجل ارْتَكَبَ فَرْجًا حَرامًا بتَأْويلِ القُرْآنِ، ولا يَغْرَمَ 2 مالًا أتْلَفَه بتَأْويلِ القُرْآنِ 3. ولأنَّها طائفةٌ مُمْتَنِعَةٌ بالحربِ، بتَأْويل سائغٍ، فلم تَضْمَنْ ما أتْلَفَتْ على الأخْرَى، كأهْلِ العَدْلِ، ولأنَّ تضْمِينَهم يُفْضِي إلى 4 تَنْفِيرِهم عن الرُّجوعِ إلى الطَّاعةِ، فلا يُشْرَعُ، كتَضْمِينِ أهلِ الحربِ.

وَمَنْ أتْلَفَ في غَيرِ حَالِ الْحَرْبِ شَيئًا، ضَمِنَهُ.
فأمَّا قولُ أبي بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، فقد رَجَع عنه، ولم يُمْضِه، فإنَّ عمرَ قال له: أمَّا أنَّ يَدُوا قَتْلانا فلا؛ فإنَّ قَتْلانا قُتِلُوا في سَبيلِ اللهِ، على ما أمَرَ اللهُ.
فوَافَقَه أبو بكرٍ، ورَجَع إلى قولِه، فصارَ إجْمَاعًا حُجَّةً لنا (1)، ولم يُنْقَلْ أنَّه غَرَّمَ أحدًا شيئًا مِن ذلك.
وقد قَتَل طُلَيحَةُ عُكَّاشَةَ بنَ مِحْصَن، وثابتَ بنَ أقْرَمَ (2)، ثم أسْلَمَ، فلم يُغَرَّمْ شيئًا (3). ثم لو وَجَب التَّغْرِيمُ في حَقِّ المُرْتَدِّين، لم يَلْزَمْ مثلُه ههُنا، فإنَّ أُولئك كُفَّارٌ، لا تأويلَ لهم، وهؤلاء طائفةٌ مِن المسلمين لهم تأويلٌ سائغٌ، فكيف يَصِحُّ إلْحاقُهم بهم (4)!

4566 -

مسألة: (ومَن أتْلَفَ في غَيرِ حالِ الحَرْبِ شيئًا، ضَمِنَه)

سَواءٌ كان قبلَ الحربِ أو بعدَه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
ولذلك لمَّا قَتَل الخوارِجُ عبدَ اللهِ بنَ خَبَّابٍ، أرْسَل إليهم عليٌّ: أقِيدُونا مِن عبدِ اللهِ بنِ1234

..................................  خَبَّاب 1. ولمَّا قَتَل ابنُ مُلْجَم عليًّا في غيرِ المعركةِ، أقِيد 2 به 3. وهل يَتَحَتَّمُ قَتْلُ الباغِي إذا قَتَل أحدًا مِن أهلِ العدلِ في غيرِ المعركةِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَتَحَتَّمُ؛ لأنَّه قَتَل بإشْهارِ السِّلاحِ والسَّعْي في الأرْضِ بالفَسادِ، فأشْبَهَ قُطَّاعَ الطريقِ.
والثاني، لا يَتَحَتَّمُ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لقولِ علي، رَضِيَ اللهُ عنه: إن شِئتُ أعْفُو، وإن شِئتُ اسْتَقَدْتُ (3). فأمَّا الخوارجُ، فالصَّحِيحُ، على ما ذَكَرْنا، إباحةُ قَتْلِهم، فلا قِصاصَ على أحدٍ 4 منهم، ولا ضَمانَ عليه في مالِه.
فصل: ومَن قُتِلَ مِن أهلِ البَغْي، غُسِّلَ، وصُلِّيَ عليه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أصحابُ الرَّأي: إن لم يَكُنْ لهم فِئَةٌ، صُلِّيَ عليهم، وإن كانتْ لهم فِئَةٌ، لم يُصَلَّ عليهم؛ لأنَّه يجوزُ قَتْلُهم في هذه الحالةِ، فلم يُصَلَّ عليهم، كالكُفَّارِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا علَى مَنْ قَال: لَا إِلهَ إلَّا اللهُ».
رَواه الخَلَّالُ في «جَامِعِه» 5. ولأنَّهم مُسْلمون لم يَثْبُتْ لهم حُكْمُ الشَّهادةِ، فيُغَسَّلُونَ، ويُصَلَّى عليهم، كما لو لم تَكُنْ لهم فِئَةٌ.
وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالزَّانِي المُحْصَنِ، والمُقْتَصِّ منه، والقاتِلِ في المُحارَبَةِ.
فصل: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا بينَ الخوارجِ وغيرِهم في هذا.
وهو مذهبُ

..................................  الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، رَحِمَهُ اللهُ، أنَّه لا يُصَلَّى على الخوارِجِ، فإنَّه قال 1: أهْلُ البِدَعِ إن مَرِضُوا فَلا تعُودُوهم، وإن ماتُوا فلا تُصَلُّوا عليهم.
وقال أحمدُ، رَضِيَ اللهُ عنه: الجَهْمِيَّةُ والرَّافِضَةُ لا يُصَلَّى عليهم، قد تَرَك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ بأقَلَّ مِن هذا.
وذَكَر أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى أنَّ تُقاتَلَ خَيبَرُ مِن 2 ناحيةٍ مِن نَواحِيها، فقاتَلَ رجلٌ مِن تلك النَّاحيةِ، فقُتِلَ، فلم يُصَلِّ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. فقِيلَ له: فإن كان في قَرْيَةٍ أهلُها نَصارَى، ليس فيها مَن يُصَلِّي عليه.
قال: أنا لا أشْهَدُه، يَشْهَدُه مَن شاءَ.
وقال مالكٌ: لا يُصَلَّى على الإِباضِيَّةِ، ولا القَدَرِيَّةِ، وسائرِ أهلِ الأهْواء، ولا تُتْبَعُ جَنائِزُهم، ولا تُعادُ مَرْضَاهُم.
والإِباضِيَّةُ صِنْفٌ من الخوارجِ، نُسِبُوا إلى عبدِ اللهِ بنِ إباض، صاحبِ مَقالتِهم 3. والأزارِقَةُ أصحابُ نافعِ بنِ الأزْرَقِ.
والنَّجَدَاتُ أصحابُ نَجْدَةَ الحَرُورِيِّ.
والبَيهسِيَّةُ أصحابُ [أبي بَيهَسٍ] 4. والصُّفْرِيَّةُ قيلَ: إنَّهم نُسِبُوا إلى صُفْرَةِ ألْوَانِهم، وأصْنافُهم كثيرةٌ.
والحَرُورِيَّةُ نُسِبُوا إلى أرْضٍ يقالُ لها: حَرُورَاءُ.
خَرَجُوا بها 5. قال أبو بكرٍ بنُ عَيَّاشٍ: لا أُصَلِّي على الرَّافِضِيِّ؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّ عمرَ كافِرٌ،

..................................  ولا على الحَرُورِيِّ؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّ عليًّا كافِرٌ.
وقال الفِرْيَابِيُّ: مَن سَبَّ أبا بكرٍ فهو كافرٌ، لا يُصَلَّى عليه.
ووَجْهُ تَرْكِ الصلاةِ عليهم، أنَّهم يُكَفِّرونَ أهْلَ الإِسْلامِ، ولا يَرَوْنَ الصلاةَ عليهم، فلا يُصَلَّى عليهم، كالكُفَّارِ من أهلِ الذِّمَّةِ وغيرِهم، ولأنَّهم مَرَقُوا من الدِّين، فأشْبَهُوا المُرْتَدِّينَ.
فصل: والبُغاةُ إذا لم يكُونوا من أهلِ البِدَعِ، ليسوا بفاسِقِين، وإنَّما هم مُخْطِئون في تأْويلِهم، والإِمامُ وأهلُ العَدْلِ مُصِيبُون في قِتالِهم، منهم جميعًا كالمُجْتَهِدين من الفُقهاءِ في الأحْكام، مَن شَهِدَ منهم قُبِلَتْ شَهادَتُه إذا كان عَدْلًا.
وهذا مذهبُ الشافعي.
ولا أعلمُ في قَبُولِ شَهادَتِهم خِلافًا.
فأمَّا الخوارجُ، وأهلُ البِدَعِ إذا خَرَجُوا على الإِمامِ فلا تُقْبَلُ شَهادَتُهم؛ لأنَّهم فُسَّاقٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يُفَسَّقُونَ بالبَغْي، وخُرُوجِهم، ولكنْ تُقْبَلُ شَهادتُهم؛ لأنَّ فِسْقَهم من جِهَةِ الدِّينِ، فلا تُرَدُّ به الشَّهادَةُ، والاخْتِلافُ في ذلك يُذْكرُ في كتابِ الشَّهاداتِ 1 إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: ذَكَر القاضي أنَّه لا يُكْرَهُ للعادِلِ قَتْلُ ذَوي رَحِمِه الباغِين؛ لأنَّه قَتْلٌ بحَقٍّ، أشْبَهَ إقامَةَ الحَدِّ عليه.
وكَرِهَتْ طائفةٌ مِن أهلِ العلمِ القَصْدَ إلى ذلك.
قال شيخُنا 2: وهو أصَحُّ 3، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لقولِ الله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا

..................................  وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} 1. وقال الشافعيُّ: كَفَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا حُذَيفَةَ بنَ عُتْبَةَ عن قتلِ أبيه 2. وقال بعضُهم: لا يَحِلُّ ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بمُصاحَبَتِه بالمَعْرُوفِ، وليس هذا من المعروفِ.
فإن قَتَلَه، فهل يَرِثُه؟ على رِوايَتَين؛ إحداهما، يَرِثُه.
اخْتارَها أبو بكرٍ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه قَتْلٌ بِحَقٍّ، فلم يَمْنَعِ المِيراثَ، كالقِصاصِ والقَتْلِ في الحَدِّ.
والثانيةُ، لا يَرِثُه.
وهو قولُ ابنِ حامدٍ، ومذهبُ الشافعيِّ؛ لعُمُومِ قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَيس لِقَاتِلٍ شَيءٌ» 3. فأمَّا الباغِي إذا قَتَل العادِلَ، فلا يَرِثُه.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَرِثُه؛ لأنَّه قَتْلٌ بتأْويلٍ، أشْبَهَ قَتْلَ العادِلِ الباغِيَ.
ولَنا، أنَّه قَتَلَه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَرِثْه، كالقاتِلِ خَطأ، وفارَقَ ما إذا قَتَلَه العادِلُ؛ لأنَّه قَتَلَه بحَقِّ.
وقال قَوْمٌ: إذا تَعَمَّدَ العادِلُ قَتْلَ قَرِيبِه، فقَتَلَه ابْتِداءً، لم يَرِثْه، وإن قَصَد ضَرْبَه، لِيَصِيرَ غيرَ مُمْتَنِعٍ، فجَرَحَه، وماتَ من هذا الضَّرْبِ، وَرِثَه؛ لأنَّه 4 قَتَلَه بحَقٍّ.
وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ 5، وهو أقْرَبُ الأقاويلَ.

وَمَا أَخَذُوا في حَالِ امْتِنَاعِهِمْ، مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ خَرَاجٍ، أَوْ جِزْيَةٍ، لَمْ يُعَدْ عَلَيهِمْ وَلَا عَلَى صَاحِبِهِ.

4567 - مسألة: (وما أخَذُوا فِي حالِ امْتِناعِهمْ مِن زَكَاةٍ، أو خَراجٍ، أو جِزْيَةٍ لم يُعَدْ عليهم، ولا على صاحبِه)

إذا غَلَب أهلُ البَغْي على بلدٍ، فجبوُا الخَراجَ والزَّكاةَ والجِزْيَةَ، وأقَامُوا الحُدُودَ، وَقَعَ ذلك مَوْقِعَه، فإذا ظَهَر أهْلُ العَدْلِ بعدُ على البلدِ، وظَفِرُوا بأهْلِ البَغْي، لم يُطالبُوا بشيءٍ ممَّا جَبَوْهُ، ولم يُرْجَعْ به على مَن أُخِذَ منه.
رُوِيَ نحوُ هذا عن ابنِ عمرَ، وسَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ 1. وهو قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وسَواءٌ كان مِن الخَوارِجِ أو مِن غيرِهم.
وقال أبو عُبَيدٍ 2: على مَن أَخذُوا منه الزَّكاةَ الإعادةُ؛ لأنَّ 3 أخْذَها مِمَّن لا ولايةَ له صَحِيحةٌ 4، فأشْبَهَ ما لو أخَذَها آحَادُ الرَّعِيَّةِ.
ولَنا، أنَّ عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه، لَمَّا ظَهَر على أهلِ البَصْرَةِ، لم يُطالِبْهم بشيءٍ ممَّا جَبَوْهُ.

وَمَنِ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاتِهِ إِلَيهِمْ، قُبِلَ بِغَيرِ يَمِينٍ.
وَإنِ ادَّعَى ذِمِّيٌّ دَفْعَ جِزْيَتهِ إِلَيهِمْ، لَمْ يُقْبَلْ إلا بِبَيِّنَةٍ.
وكان ابنُ عمرَ إذا أتاه سَاعِي نَجْدَةَ الحَرُورِيِّ، دَفَع إليه الزَّكاةَ.
وكذلك سلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ (1). ولأنَّ في تَرْكِ الاحْتِسابِ بها ضَرَرًا عَظِيمًا، ومَشَقَّةً كبيرةً، فإنَّهم قد يَغْلِبُونَ على البِلادِ السِّنينَ الكثيرَةَ، فلو لم يُحْتَسَبْ بما أخَذُوهُ، أدَّى إلى ثَنَى (2) الصَدَقاتِ في تلك المُدَّةِ كلِّها.

4568 -

مسألة: (ومَن ادَّعَى دَفْعَ زَكاتِه إليهم، قُبِلَ بغيرِ يَمِينٍ)

قال أحمدُ: لا يُسْتَحْلَفُ الناسُ على صَدَقاتِهِم.
4569 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى ذِمِّيٌّ دَفعَ جِزْيَتِه إليهم، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيَّنةٍ)

لأنَّهم غيرُ مَأْمُونِينَ، ولأنَّ ما يَجِبُ عليهم 3 عِوَضٌ، وليس بمُواسَاةٍ، فلم يُقْبَلْ قولُهم فيه، كأجْرةِ الدَّارِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ قولُهم12

وَإنِ ادَّعَى إِنْسَانٌ دَفْعَ خَرَاجِهِ إِلَيهِمْ، فَهَلْ يُقْبَلُ بِغَيرِ بَيَّنَةٍ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
إذا مَضَى الحَوْلُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ البُغاةَ لا يَدَعُونَ الجِزْيَةَ لهم، فكان القولُ قَوْلَهم؛ لأنَّ الظَّاهرَ معهم، ولأنَّه إذا مَضَى لذلك سِنُونَ كثيرةٌ، شَقَّ عليهم إقامَةُ البَيِّنةِ على كلِّ عامٍ، فيُؤَدِّي ذلك إلى تَغْرِيمِهم الجِزْيَةَ مَرَّتَين.

4570 -

مسألة: (وإنِ ادَّعَى دَفْعَ خَراجِه إليهم، فهل يُقْبَلُ بغيرِ بَيِّنَةٍ؟ على وَجْهَين)

أحدُهما، يُقْبَلُ؛ لأنَّه حَقٌّ على مسلمٍ، فقُبِلَ قولُه فيه، كالزَّكاةِ.
والثاني، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه عِوَضٌ، فأشْبَهَ الجِزْيَةَ.

وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ.
وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ، إلا ما يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيرِهِ.

4571 - مسألة: (وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ)

لأنَّهم أخْطَأُوا في [فرعٍ مِن] (1) فُروعِ الإِسْلامِ باجْتِهادِهم، فأشْبَهَ المُجْتَهِدينَ (2) مِن الفُقَهاءِ في الأحْكامِ، وإذا لم يكُونوا مِن أهلِ البِدَعِ، قُبِلَتْ شَهادَتُهم، كأهلِ العَدْلِ.
وهو قولُ الشافعيِّ، ولا نعلمُ فيه خِلافًا.
4572 -

مسألة: (ولا يُنْقَضُ مِن حُكْمِ حَاكمِهمْ، إلَّا مَا يُنْقَضُ مِن حُكْمِ غيرِه)

إذا نَصَب أهْلُ البَغْي قاضِيًا يَصْلُحُ للقَضاءِ، فهو كقاضِي أهْلِ العَدْلِ، (يَنْفُذُ مِن أحْكامِه ما يَنْفُذُ مِن أحكامِ قاضِي أهْلِ العَدْلِ) 3، ويُرَدُّ منه ما يُرَدُّ.
فإن كان 4 ممَّن يَسْتَحِلُّ دِماءَ أهلِ العَدْلِ12

..................................  وأمْوالهم، لم يَجُزْ قَضاؤُه، لأنَّه ليس بعَدْلٍ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ قَضاؤُه بحالٍ، لأنَّ أهْلَ البَغْي يُفَسَّقُونَ بِبَغْيِهم، والفِسْقُ يُنافِي القَضاءَ.
ولَنا، أنَّه اخْتِلافٌ في الفُروعِ بتَأْويلٍ سائغٍ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ القَضاءِ، ولم يُفَسَّقْ به، كاخْتِلافِ الفقَهاءِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا حَكَم بما لا يُخالِفُ نَصًّا ولا إجْماعًا، نَفَذ حُكْمُه، وإن خالفَ ذلك، نُقِضَ حُكْمُه، كقاضي أهْلِ العَدْلِ.
فإن حَكَم بسُقُوطِ الضَّمانِ على أهْلِ البَغْي فيما أتْلَفُوه حال الحَرْبِ، جازَ حُكْمُه؛ لأنَّه مَوْضِعُ اجْتِهادٍ.
وإن كان حُكْمُه فيما أتْلَفُوه قبلَ قيامِ الحَرْبِ، لم يَنْفُذْ؛ لأنَّه مُخالِفٌ للإِجْماعِ.
وإن حَكَم على أهْلِ العَدْلِ بوُجُوبِ الضَّمانِ فيما أتْلَفُوه حال الحَرْبِ، لم يَنْفُذْ حُكْمُهُ؛ لمخَالفَتِه الإِجْماعَ.
وإن حَكَم بوُجُوبِ ضَمانِ ما أتْلَفُوه في غيرِ حالِ الحربِ، نَفَذ حُكْمُه.
وإن كَتَب قاضِيهِم إلى قاضِي أهْلِ العَدْلِ، جازَ قَبُولُ كتابِه؛ لأنَّه قاضٍ ثابِتُ القَضايا، نافِذُ الأحْكامِ.
والأوْلَى أنَّه لا يَقْبَلُه، كَسْرًا لقُلُوبِهم.

..................................  وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يجوزُ.
وقد سَبَق الكَلامُ في هذا.
فأمَّا الخَوارِجُ إذا وَلَّوا قَاضِيًا، لم يَجُزْ قَضاوه؛ لأنَّ أقَلَّ أحْوالِهم الفِسْقُ، وهو يَمْنَعُ القَضاءَ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ قَضاؤُه، وتَنْفُذ أحْكامُه؛ لأنَّ هذا ممَّا يَتَطاوَلُ، وفي القَضاءِ بفَسادِ قَضاياه وعقودِه الأنْكِحَةَ وغيرَها ضَرَرٌ كثيرٌ، فجازَ دَفْعًا للضَّرَرِ، كما لو أقامَ الحُدُود، وأخَذَ الجِزْيَةَ والخَراجَ والزَّكاةَ.
فصل: وإنِ ارْتَكَبَ أهْلُ البَغْي في حالِ امْتِناعِهم ما يُوجِبُ الحَدَّ، ثم قُدِرَ عليهم، أُقِيمَتْ فيهم حُدُودُ الله تعالى، ولا تَسْقُطُ باخْتِلافِ الدَّارِ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا امْتَنَعُوا بدَارٍ، لم يَجِبِ الحَدُّ على أحَدٍ منهم، ولا على مَن تاجَرَ أو أُسِرَ؛ لأنَّهم خارِجُون عن دارِ الإِمامِ، فأشْبَهُوا مَن في دارِ الحَرْبِ.
ولَنا، عمُومُ الآياتِ والأخْبارِ؛ ولأنَّ كَلَّ مَوْضِع تَجِبُ فيه العِبادَاتُ في أوقاتِها، تجبُ الحُدُودُ فيه عندَ وُجُودِ أسْبابِها، كدارِ أهلِ العَدْلِ؛ ولأنَّه زَانٍ أو سارِقٌ، ولا شُبْهَةَ في زِنَاهُ وسَرِقَتِه، فوَجَبَ عليه الحَدُّ، كالذي في دارِ العَدْلِ.
وهكذا نقولُ 1 في مَن أتَى حَدًّا في دارِ الحَرْبِ، فإنَّه يجبُ عليه، لكنْ لا يُقامُ إلَّا في دارِ الإسْلامِ، على ما ذَكَرْناه في مَوْضِعِه.

وَإنِ اسْتَعَانُوا بِأهْلِ الذِّمَّةِ، فَأعَانُوهُمْ، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، إلا أنْ يَدَّعُوا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيهِمْ مَعُونَةُ مَنِ اسْتَعَانَ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ.

4573 - مسألة: (وإنِ اسْتَعَانُوا بأهْلِ الذِّمَّةِ، فأعانُوهُمْ، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، إلَّا أن يَدَّعُوا أنَّهم ظَنُّوا أنَّه يَجِبُ عليهم مَعُونَةُ مَن اسْتَعَانَ بهم مِن المسلمين، ونحوَ ذلكَ، فَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ)

إذا اسْتعانَ البُغاةُ بأهلِ الذِّمَّةِ في قِتالِ أهلِ العَدْلِ، وقاتلُوا معهم، فقد ذَكَر أبو بكرٍ فيهم وَجْهَين؛ أحدُهما، يَنْتَقِضُ عَهْدُهم؛ لأنَّهم قاتَلُوا أهْلَ الحَقِّ، فانتَقَضَ عَهْدُهم، كما لو انْفَرَدُوا بقِتالِهمْ.
والثاني، لا يَنْتَقِضُ؛ لأنَّ أهلَ الذِّمَّةِ لا يَعْرِفونَ المُحِقَّ مِن المُبْطِلِ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً لهم.
وللشافعيِّ قَوْلان، كالوَجْهَين.
فإن قُلْنا: يَنْتَقِضُ عَهْدُهُم.
صارُوا كأهْلِ الحَرْبِ فيما نذْكُرُه.
وإن قُلْنا: لا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُم.
فحُكْمُهُم حُكْمُ أهْلِ البَغْي

وَيُغَرَّمُونَ مَا أَتْلَفُوهُ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ.
في قَتْل مُقْبلِهم، والكَفِّ عن أسِيرِهم، ومُدْبِرِهم وجَرِيحِهم.
وإن أكْرهَهُم البُغاةُ على مَعُونَتِهم، أو ادَّعَوا ذلك، قُبِلَ قولُهم 1؛ لأنَّهم تحتَ أيدِيهم وقُدْرَتِهم.
وكذلك إن قالوا: ظَنَنَّا أنَّ مَن اسْتَعانَ بنا مِن المسلمين لَزِمَتْنَا مَعُونَتُه.
لأنَّ ما ادَّعَوه مُحْتَمَلٌ، فلا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُم مع الشُّبْهَةِ.
فصل: (ويُغَرَّمونَ ما أتْلَفُوه، مِن نَفْس ومالٍ) حال القِتالِ وغيره، بخِلافِ أهْلِ البَغْي، فإنَّهم لا يَضْمَنُونَ ما أتْلَفُوه حال الحَرْبِ؛ لأنهم أتْلَفُوه بتأويلٍ سائغٍ، وهؤلاءِ لا تأْويلَ لهم، ولأنَّ سُقوطَ الضَّمانِ عن

وَإنِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الْحَرْبِ وَأَمَّنُوهُمْ، لَمْ يَصِحَّ أَمَانُهُم، وَأُبِيحَ قَتْلُهُمْ.
المسلمين كيلا يُؤَدِّيَ إلى تَنْفِيرِهم عن الرُّجُوعِ إلى الطَّاعةِ، وأهلُ الذِّمَّةِ لا حاجةَ بنا إلى ذلك فيهم.

4574 -

مسألة: (وإنِ اسْتَعَانُوا بأهلِ الحَرْبِ وأمَّنُوهُمْ، لم يَصِحَّ أمانُهُم، وأُبِيحَ قَتْلُهم)

إذا اسْتَعانَ أهْلُ البَغي بالكُفَّارِ، لم يَخْلُ مِن ثلاثةِ أصْنافٍ؛ أحدُها، أهلُ الذِّمَّةِ.
وقد ذَكَرْنا حُكْمَهم.
الثاني، أهلُ الحَرْبِ، فإذا اسْتَعانُوا بهم، وأمَّنُوهم، أو 1 عَقَدُوا لهم ذِمَّةً، لم يَصِحَّ واحدٌ منهما؛ لأنَّ الأمانَ مِن شَرْطِ صِحَّتِه الْتِزامُ كَفِّهم عن المسلمين،

وَإنْ أظْهَرَ قَوْمٌ رَأيَ الْخوَارِجِ، وَلَمْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبٍ، لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُمْ.
وهؤلاءِ يَشْتَرِطُونَ عليهم قِتال المسلمينَ، فلا يَصِحُّ.
ولأهلِ العَدْلِ قَتْلُهم، كمَن لم يُؤَمِّنُوه.
سَواءً.
وحُكْمُ أسِيرِهم حُكْمُ أسِيرِ سائرِ أهِلِ الحَرْبِ قبلَ الاسْتِعانةِ بهم، فأمَّا البُغاةُ، فلا يجوزُ لهم قَتْلُهم؛ لأنَّهم آمَنُوهم، فلا يجوزُ لهم الْغَدْرُ بهم.
الثالثُ، المُسْتَأْمِنُونَ، فمتى اسْتَعانُوا بهم فأعانُوهُم، نَقَضُوا عَهْدَهم، وصاروا كأهْلِ الحَرْبِ؛ لأنَّهم تَرَكُوا الشَّرْطَ، وهو كَفُّهم عن المسلمين، فإن فَعَلُوا ذلك مُكْرَهِين، لم يَنْتَقِضْ أمَانُهم؛ لأنَّ لهم عُذْرًا، وإنِ ادَّعَوا الإِكْرَاهَ، لم يُقْبَلْ قولُهم (1) إلَّا ببَيَّنَةٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه.
فإنِ ادَّعَوا أنَّهم ظَنُّوا أنَّه يجبُ عليهم مَعُونةُ مَن اسْتَعانَ بهم مِن المسلمين، انْتَقَضَ عَهْدُهم، ولم يَكُنْ ذلك عُذْرًا لهم، والفَرْقُ بينَهم وبينَ أهلِ الذِّمَّةِ، أنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ أقْوَى حُكْمًا؛ لأنَّ عَهْدَهم مُؤَبَّدٌ، ولا يجوزُ نَقْضُه بخَوْفِ الخِيانةِ منهم، ويَلْزَمُ الإِمامَ الدَّفْعُ عنهم، والمُسْتَأمِنُونَ بخِلافِ ذلك.

4575 -

مسألة: (وإن أظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الخَوارِجِ، ولَم يَجْتَمِعُوا لحربٍ، لم يُتَعَرَّضْ لهم)

مثلَ تكْفِيرِ مَن ارْتَكَبَ كبيرةً، وتَرْكِ الجماعةِ، واسْتِحْلالِ دِماءِ المسلمينَ وأمْوالِهم، إلَّا أنَّهم لم يَجْتَمِعُوا لحربٍ، ولم1

..................................  يَخْرُجُوا عن قَبْضَةِ الإِمامِ، ولم يَسْفِكُوا الدَّمَ الحَرامَ، فحَكَى القاضِي عن أبي بكرٍ، أنَّه لا يَحِلُّ بذلك قَتْلُهم ولا قِتالُهم.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وجُمْهُورِ أهلِ الفِقْهِ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
فعلى هذا، حُكْمُهم في ضَمانِ النَّفْسِ [والمالِ حُكْمُ] 1 المسلمين.

فَإِنْ سَبُّوا الإمَامَ عَزَّرَهُمْ.

4576 - مسألة: (فإن سَبُّوا الإِمامَ، عَزَّرَهُم)

وكذلكَ إن سَبُّوا غَيرَهُ مِن أهلِ العَدْلِ، لأنَّهم ارْتَكَبُوا مُحَرَّمًا لا حَدَّ فيه.
وإن عَرَّضُوا بالسَّبِّ 1، فهل يُعَزَّرُونَ؟ على وَجْهَين.
وقال مالكٌ في الإِباضِيَّةِ، وسائرِ أهْلِ البِدَعِ: يُسْتَتابُونَ، فإن تابُوا، وإلَّا ضُرِبَتْ أعْناقُهُم.
قال إسماعيلُ بنُ إسْحاقَ: رَأَى مالكٌ قَتْلَ الخَوارِجِ وأهلِ القَدَرِ، مِن أجْلِ الفَسادِ الدَّاخلِ في الدِّينِ، كقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، فإن تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا على إفْسادِهم، لا على كُفْرِهم.
وأمَّا مَن رَأَى تَكْفِيرَهم، فمُقتَضَى قولِه، أنَّهم يُسْتَتابُونَ، فإن تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا لكُفْرِهم، يُقتَلُ المُرْتَدُّ، وحُجَّتُهم قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -[«فَأينَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ» 2. وقولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَئِنْ أدْرَكْتُهُمْ لأقتُلَنَّهُمْ قَتلَ عَادٍ» 3. وقولُه - عليه السلام -] 4 في الذي أنْكَرَ عليه، وقال: إنَّها قِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بها

..................................  وَجْهُ اللهِ.
لأبي بكرِ: «اذْهَبْ فَاقْتُلْه».
ثم قال لعمرَ مثلَ ذلك 1، فأمَرَ بقَتْلِه قبلَ قِتالِه.
وهو الذي قال: «يَخْرُجُ مِن ضِئْضِئِ 2 هَذَا قَوْمٌ» 3. يعْني الخَوارِجَ.
وقولُ عمرَ لصَبِيغٍ: لو وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا، لَضَرَبْتُ الذي فيه عَيناكَ بالسَّيفِ 4. يَعْني لقَتَلْتُكَ.
وإنَّما يَقْتُلُه لكَوْنِه مِن الخَوارِجِ؛

..................................  فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «سِيمَاهُمُ التَّسْبِيدُ» 1. يعْني حَلْقَ رُءُوسِهِم.
واحْتَجَّ الأوَّلُونَ بفِعْلِ عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، فرُوِيَ عنه، أنَّه كان يَخْطُبُ يومًا، فقال رجلٌ ببابِ المسجدِ: لا حُكْمَ إلَّا للهِ.
فقال عليٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ 2 أُرِيدَ بها باطِلٌ.
ثم قال: لكم علينا ثلاثٌ؛ لا نَمْنَعُكُمْ مَساجِدَ اللهِ أن تَذْكُروا فيها اسمَ اللهِ، ولا نَمْنَعُكُم الْفَىْءَ ما دامَتْ أيدِيكم معنا، ولا نَبْدؤُكُمْ بقِتالٍ 3. وروَى أبو تِحْيَى 4، قال: صَلَّى عليٌّ، رَضِيَ اللهُ

..................................  عنه، صلاةً، فناداهُ رجلٌ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ 1. فأجابَه عليٌّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ 2. وكَتَب عديُّ 3 بنُ أرْطاةَ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ: إنَّ الخوارجِ يسُبُّونَك.
فكَتَبَ إليه: إن سَبُّونِي فسُبُّوهم، أو اعْفُوا عنهم، وإن شهَرُوا السِّلاحَ فاشْهِرُوا عليهم 4، وإنْ ضَرَبُوا فَاضْرِبُوا 5 ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَتَعَرَّضْ للمنافقين الذين معه في المدينةِ، فلئلا 6 يُتَعَرَّضَ لغيرِهم أوْلَى.
وقد رُوِيَ في خبرِ الخارِجِيِّ الذي أنْكَرَ

..................................  عليه، أنَّ خالدًا قال: يا رسولَ اللهِ، ألَا أضْرِبُ عُنُقَه؟ قال: «لَا، لعَلَّه يُصلِّي؟».
قال: رُبَّ مُصَلٍّ لا خيرَ فيه.
قال: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أنْ أُنَقِّبَ عَنْ قلُوبِ النَّاسِ» 1.

وَإِنْ جَنَوْا جِنَايَةً، أوْ أتَوْا حَدًّا، أقامَهُ عَلَيهِمْ.

4577 - مسألة: (وإن جَنَوْا جنَايَةً، أو أتَوْا حَدًّا، أقامَه عليهم)

لأنَّ ابنَ مُلْجَمٍ جَرَح عليًّا، رَضِيَ اللهُ عنه فقال: أطْعِمُوه، واسْقُوه، واحْبِسُوه، فإن عِشْتُ فأنا وَلِيُّ دَمِي، أعْفُو إن شِئْتُ، وإن شِئْتُ اسْتَقَدْتُ، وإن مِتُّ فاقْتُلوه ولا تُمَثِّلُوا به 1.

وَإنِ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ، أوْ طَلَب رِيَاسَةٍ، فَهُمَا ظَالِمَتَانِ، وَتَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَا أتْلَفَتْ عَلَى الأخْرَى.

4578 - مسألة: (وإنِ اقْتَتَلَتْ طائِفَتان لعَصَبِيَّةٍ، أو طَلَبِ رِياسَةٍ، فهما ظالِمَتَان، وتَضْمَنُ كلُّ واحِدَةٍ)

منهما (ما أتْلَفَتْ غلى الأخْرَى) لأنَّها أتْلَفَتْ نفْسًا مَعْصومةً، أو مالًا معصومًا، هذا إذا لم تَكُنْ واحدَةٌ منهما في طاعةِ الإِمامِ، فإن كانت إحْداهما في طاعةِ الإِمامِ، تُقاتِلُ بأَمْرِه، فهي مُحِقَّةٌ، وحُكمُ الأخْرَى حُكْمُ مَن يُقاتِلُ الإِمامَ، لأنَّهم يُقاتِلونَ مَن أذِنَ له الإِمامُ في قِتالِهم، فأشْبَهَ المُقاتِلَ لجَيشِ الإمامِ، فيكونُ حُكْمُهم حُكْمَ البُغاةِ.

بَابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ

وَهُوَ الَّذِي يَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ.
فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ، أَوْ جَحَدَ رُبُوبيَّتَهُ، أَوْ وَحْدَانِيَّتَهُ، أو صِفَةً مِنْ  بابُ حكمَ المُرْتَدِّ المُرْتَدُّ (هو الذي يَكْفُرُ بعدَ إسْلامِه) قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)﴾ (1). وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (2). وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على وُجُوبِ قَتْلِ المُرْتَدِّين.
رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ، ومُعاذٍ، وأبي موسى، [وعبدِ الله] (3) بنِ عباسٍ، وخالدٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم، وغيرهم، ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا.

4579 -

مسألة: (فَمَن أشْرَكَ باللهِ تَعالى، أو جَحَد رُبُوبِيته، أو

123

جارٍ التحميل