..................................
وله وَلَدٌ، ولا نَفَقةَ له، هل يُنْفِقُ عليهم هذا المُسْتَوْدَعُ مِن مالِ الغائِبِ؟ فقال: تقُومُ امْرأتُه إلى الحاكِمِ، حتى يَأْمُرَه بالإِنْفاقِ عليهم.
فلم يَجْعَلْ له الإنْفاقَ مِن غيرِ إذْنِ الحاكِمِ، فقال بعضُ أصحابِنا: هذا مِثْلُه.
والصَّحِيحُ أنَّ هذا مُخالِفٌ له مِن وَجْهَينِ؛ أحدُهما، أنَّ المُلْتَقِطَ له ولايَةٌ على اللَّقِيطِ وعلى مالِه؛ فإنَّ له ولايةَ أخْذِه وحِفْظِه.
والثّانِي، أنَّه يُنْفِقُ على اللَّقِيطِ مِن مالِه، وهذا بخِلافِه، ولأنَّ الإِنْفاقَ على الصَّبِيِّ مِن مالِ أبيه 1 مَشْرُوطٌ بكَوْنِ الصَّبِيِّ مُحْتاجًا إلى ذلك؛ لعَدَمِ مالِه، وعَدَمِ نَفَقةٍ تَرَكَها أبُوه برَسْمِه، وذلك لا يُقْبَلُ فيه قولُ المُودَعِ، فاحْتِيجَ إلى إثْباتِ ذلك عند الحاكِمِ، ولا كذلك في مسألتِنا، فلا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ اسْتِئْذانِ الحاكِمِ ثَمَّ وُجُوبُهْ في اللَّقِيطِ.
ومتى لم يَجِدْ حاكِمًا، فله الإنْفاقُ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ.
وقال الشافعيُّ: ليس له أن يُنْفِقَ بغيرِ إذْنِ حاكِمٍ في مَوْضِعٍ يَجِدُ حاكِمًا، وإن أنْفَقَ ضَمِنَ، بمَنْزِلَةِ ما لو كان لأبي الصَّغِيرِ وَدِيعةٌ عند إنْسانٍ فأنْفَقَ عليه منها، وذلك لأنَّه لا ولايةَ له على مالِه، وإنَّما له حَقُّ الحَضانةِ.
فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، ففي جَوازِ الإِنْفاقِ وَجْهان.
ولَنا، ما ذَكَرْناه ابْتِداءً، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا ولايةَ له على مالِه، فإنّا قد بَيَّنّا أنَّ له
وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا،
أخْذَه وحِفْظَه، وهو أوْلَى النّاسِ به، وذَكَرْنا الفَرْقَ بينَ اللَّقِيطِ وبينَ ما قاسُوا عليه.
إذا ثَبَت هذا، فالمُسْتَحَبُّ أن يَسْتَأْذِنَ الحاكِمَ في مَوْضِعٍ يَجِدُ حاكِمًا؛ لأنَّه أْبعَدُ مِن التُّهْمَةِ، وأقْطَعُ للظِّنَّةِ، وفيه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ وحِفظٌ لمالِه مِن أن يَرْجِعَ عليه بما أنْفَقَ.
ويَنْبَغِي أن يُنْفِقَ عليه بالمَعْرُوفِ، كما ذَكَرْنا في وَلِيِّ اليَتِيمِ.
فإن بَلَغ اللَّقِيطُ، واخْتَلَفا في قَدْرِ ما أنْفَقَ، وفي التَّفْرِيطِ في الإِنْفاقِ، فالقولُ قولُ المُنْفِقِ؛ لأنَّه أمِينٌ، فكان القولُ قولَه في ذلك، كوَلِيِّ اليَتِيمِ.
2526 -
مسألة: (وإن كان)
المُلْتَقِطُ (فاسِقًا) لم يُقَرَّ في يَدِه.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ حِفْظَه للولايةِ عليه، ولا ولايةَ لفاسِقٍ.
وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه يُقَرُّ في يَدِه، لقَوْلِه: وإن لم يَكُنْ مَن وَجَد اللَّقِيطَ أمِينًا، مُنِعَ مِن السَّفَرِ به؛ لئلَّا يَدَّعِيَ رِقَّهُ.
فعلى قولِه، يَنْبَغِي أن يَجِبَ الإِشْهادُ عليه، ويُضَمَّ إليه مَن يُشْرِفُ عليه؛ لأنَّنا إذا ضَمَمْنا إليه في اللُّقَطَةِ مَنْ يُشْرِفُ عليه، فههُنا أوْلَى.
قال القاضِي: والمَذْهَبُ أنَّه
..................................
يُنْزَعُ مِن يَدِه.
ويُفارِقُ اللُّقَطَةَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّ في اللُّقَطَةِ مَعْنَى الكَسْبِ، وليس ههُنا إلَّا الولايةُ.
الثّانِي، أنَّ اللُّقَطَةَ لو انْتَزَعْناها منه رَدَدْناها إليه بعد الحَوْلِ، فلذلك احْتَطْنا عليها مع بَقائِها في يَدِه، وههُنا لا يُرَدُّ إليه بعد الانْتِزاعِ منه بحالٍ، فكان الانْتِزاعُ أحْوَطَ 1. والثّالِثُ، أنَّ المَقْصُودَ ثَمَّ حِفْظُ المالِ، ويُمْكِنُ الاحْتِياطُ عليه بأن يَسْتَظْهِرَ عليه في التَّعْرِيفِ، أو ينصِبَ الحاكِمُ مَن يُعَرِّفُها، وههُنا المَقْصُودُ حِفْظُ الحُرِّيَّةِ والنَّسَبِ، ولا سَبِيلَ إلى الاسْتِظْهارِ عليه؛ لأنَّه قد يَدَّعِي رِقَّه في بعضِ البُلْدانِ، أو في بعضِ الزَّمانِ، ولأنَّ اللُّقَطَةَ إنَّما يُحْتاجُ إلى حِفْظِها والاحْتِياطِ عليها عامًا واحِدًا، وهذا يُحْتاجُ إلى الاحْتِياطِ عليه في جَميعِ زَمانِه.
وقد ذَكَرْنا أنَّ ظاهِرَ قَوْلِ الخِرَقِيِّ أنَّه لا يُنْتَزَعُ منه؛ لأنَّه قد ثَبَتَتْ له الولايةُ بالْتِقاطِه إيّاه وسَبْقِه إليه، وأمْكَنَ حِفْظُه في يَدَيهِ بالإِشْهادِ عليه، وضَمِّ أمِينٍ يُشارِفُه إليه ويُشِيعُ أمْرَه، فيَظْهَرُ أنَّه لَقِيطٌ، فيَنْحَفِظُ بذلك
..................................
مِن غيرِ زَوالِ ولايَتِه، جَمْعًا بين الحَقَّين، كاللُّقَطَةِ، وكما لو كان الوَصِيُّ خائِنًا.
قال شيخُنا 1: وما ذَكَرَه القاضِي مِن التَّرْجِيحِ لِلُّقَطَةِ، يُمْكِنُ مُعارَضَتُه بأنَّ اللَّقِيطَ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ لا تَخْفَى الخِيانَةٌ فيه؛ بخِلافِ اللُّقَطَةِ؛ فإنَّها خَفِيَّةٌ تَتَطَرَّقُ إليها الخِيانَةُ ولا يُعْلَمُ بها، ويُمْكِنُ أخْذُ بعَضِها وتَنْقِيصُها وإبْدالُها، بخِلافِ اللَّقِيطِ.
ولأنَّ المال مَحَلُّ الخِيانةِ، والنُّفُوسُ إلى أخْذِه داعِيَةٌ؛ بخِلافِ النُّفُوسِ.
فعلى هذا، متى أرادَ هذا المُلْتَقِطُ السَّفَرَ باللَّقِيطِ، مُنِعَ منه؛ لأنَّه يُبْعِدُه مِمَّن عَرَف حاله، فلا يُؤْمَنُ أن يَدَّعِيَ رِقَّهُ ويَبِيعَه.
فصل: فإن كان المُلْتَقِطُ مَسْتُورَ الحالِ، لم تُعْرَفْ منه حَقِيقهُّ العَدالةِ ولا خِيانةٌ، أُقِرَّ اللَّقِيطُ في يَدَيه؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ العَدْلِ في لُقَطَةِ المالِ
..................................
والولايةِ في النِّكاحِ والشَّهادَةِ فيه، وفي أكْثَرِ الأحْكامِ؛ لأنَّ الأصْلَ في المُسْلِمِ العَدَالةُ؛ ولذلك قال عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: المُسْلِمون عُدُولٌ بعضُهم على بعضٍ.
فإن أرادَ السَّفَرَ بلقِيطِه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُقَرُّ في يَدَيهِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم تَتَحَقَّقْ أمانته، فلا تُؤْمَنُ الخيانَةُ منه فيه.
والثّاني، يُقَرُّ في يَدَيه؛ لأنَّه يُقَرُّ في يَدَيه في الحَضرِ مِن غيرِ مُشْرِفٍ يُضَمُّ إليه، فأشْبَهَ العَدْلَ، ولأنَّ الظّاهِرَ السَّتْرُ والصِّيانَةُ.
فأمّا مَنْ عُرِفَتْ عدالتُه وظَهَرِتْ أمانَتُه، فيُقَرُّ اللَّقِيطُ في يَدِه حَضَرًا وسَفَرًا؛ لأنَّه مَأمُونٌ إذا كان سَفرُه لغيرِ النُّقْلَةِ.
أوْ رَقِيقًا،
2527 - مسألة: فإن كان المُلْتَقِطُ رَقِيقًا، لم يُقَرَّ في يَدِه.
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه ليس للعَبْدِ الْتِقاطُ الطِّفْلِ المَنْبُوذِ إذا وُجِدَ مَنْ يَلْتَقِطُه سِواه؛ لأنَّ مَنافِعَه مَمْلُوكة لسَيِّدِه، فلا يُذْهِبُها في غيرِ نَفْعِه إلَّا بإذْنِه، ولأنَّه لا يَثْبُتُ على اللَّقِيطِ إلَّا الولايةُ، ولا ولايةَ لعَبْدٍ.
فإنِ الْتَقَطَه، لم يُقَرَّ في يَدِه إلَّا بإذْنِ السَّيِّدِ، فإن أذِنَ له، أُقِرَّ في يَدِه؛ لأنَّه اسْتَعانَ به في ذلك، فصارَ كما لو الْتَقَطَه سيِّدُه وسَلَّمَه إليه.
قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا أذِنَ له السَّيِّدُ، لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ بعدَ ذلك، وصار كما لو الْتَقَطَه السَّيِّدُ.
والحُكْمُ في الأمَةِ كالحُكْمِ فىَ العَبْدِ.
فأمّا إن لم يَجِدْ أحَدًا يَلْتَقِطُه سِوَاه، وَجَب الْتِقاطُه؛ لأنَّه تَخْلِيصٌ له مِن الهَلاكِ، فهو كتَخْلِيصِه مِن الغَرَقِ.
والمُدَبَّرُ، وأُمُّ الوَلَدِ، والمُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ؛ كالقِنِّ، وكذلك المُكاتَبُ؛ لأنَّه ليس له التبرعُ بمالِه ولا بمَنافِعِه إلَّا أن يَأْذَنَ له سَيِّدُه في ذلك.
أَوْ كَافِرًا وَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ، أوْ بَدَويًّا يَنْتَقِلُ في الْمَوَاضِعِ،
2528 - مسألة: (أو كافِرًا واللَّقِيطُ مُسْلِمٌ)
ليس للكافِرِ الْتِقاطُ مَنْ حُكِمَ بإسْلامِه؛ لأنَّه لا ولايَةَ لكافِرٍ على مُسْلِمٍ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يُعَلِّمَه الكُفْرَ، بل الظّاهِرُ أنَّه يُرَبِّيه على دِينِه، ويَنْشَأ على ذلك، كوَلَدِه.
فإنِ الْتَقَطَه، لم يُقَرَّ في يَدِه.
فإن كان الطِّفْلُ مَحْكُومًا بكُفْرِه، فله الْتِقاطُه؛ لأنَّ الذين كَفَرُوا بعضُهم أوْلِياء بعضٍ.
2529 -
مسألة: (أو بَدَويًّا يَنْتَقِلُ في المواضِعِ)
ففيه وَجْهان؛ أحدهما، أنه يُقَرُّ في يَدِه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه ابن بَدَويَّينِ، وإقْرارُه في يَدِ مُلْتَقِطِه
..................................
أرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِه.
والثّانِي، يُؤْخَذُ منه فيُدْفَعُ إلى صاحِبِ قَرْيَةٍ؛ لأنَّه أرْفَهُ له وأخَفُّ عليه.
أَوْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ فَأرَادَ نَقْلَهُ إلَى الْبَادِيَةِ، لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِه.
وَإنِ الْتَقَطَهُ فِي الْبَادِيَةِ مُقِيمٌ فِي حِلَّةٍ، أوْ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى الْحَضَرِ أُقِرَّ مَعَهُ.
وَإنِ الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَهَلْ يُقَرُّ فِي يَدِهِ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
2530 - مسألة: وإن (وَجَدَه في الحَضَرِ وأرادَ نَقْلَه إلى البادِيَةِ، لم يُقَرَّ في يَدِه)
لوَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ مُقامَه في الحَضَرِ أصْلَحُ له في دِينِه ودُنْياه، وأرْفهُ له.
والثّانِي، أنَّه إذا وُجدَ في الحَضَرِ، فالظّاهِرُ أنَّه وُلِدَ فيه، فبَقاؤُه فيه أرْجَى لِكشْفِ نَسَبِه، وظُهُورِ أهْلِه، واعْتِرافِهِم به.
2531 -
مسألة: (وإنِ الْتَقَطَه في البادِيَةِ مُقِيمٌ في حِلَّةٍ)
أُقِرَّ في يَدِه؛ لأنَّه يَنْقُلُه مِن أرْضِ البُؤْسِ والشَّقَاءِ إلى الرَّفاهِيَةِ والدَّعَةِ والدِّينِ.
2532 -
مسألة: (وإنِ الْتَقَطَه في الحَضَرِ مَن يُرِيدُ نَقْلَه إلى بَلَدٍ آخَرَ)
للإِقامَةِ فيه، لم يَجُزْ في أحَدِ الوَجْهين؛ لأنَّ بقاءَه في بَلَدِه أرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِه، فلم يُقَرَّ في يَدِه، قِياسًا على المُنْتَقِلِ به إلى البادِيَةِ.
والثّاني،
وَإنِ الْتَقَطَهُ اثْنَانِ، قُدِّمَ الْمُوسِرُ مِنْهُمَا عَلَى الْمُعْسِرِ، وَالْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ.
يُقَرُّ في يَدِه؛ [لأنَّ ولايتَه ثابِتَةٌ] (1)، والبَلَدُ الثاني كالأوَّلِ في الرَّفاهِيَةِ، فيُقَرُّ في يَدِه، كالمُنْتَقِلِ مِن أحَدِ جانِبي البَلَدِ إلى الجانِبِ الآخرِ، وفارَقَ المُنْتَقِلَ به إلى البادِيَةِ؛ لأنَّه يَضُرُّ به بتَفْويتِ الرَّفاهِيَةِ عليه.
2533 -
مسألة: (وإن الْتَقَطَه اثْنان، قُدِّم المُوسِرُ منهما على المُعْسِرِ، والمُقيمُ على المُسافِرِ)
فإن اسْتَوَيَا وتَشاحّا أُقْرِعَ بينهما.
إذا1
..................................
الْتَقَطَه اثْنان وتَناوَلاه تَناوُلًا واحِدًا، لم يَخْلُ مِن ثَلاثةِ أقسام؛ أحدُها، أن يكونَ أحَدُهما مِمَّن يُقَرُّ في يَدِه، كالمُسْلِمِ العَدْلِ الحُرِّ، والآخَرُ لا يُقَرُّ في يَدِه، كالكافِرِ -إذا كان المُلْتَقَطُ 1 مُسْلِمًا- والفاسِقِ، والعَبْدِ إذا لم يَأْذَنْ له سَيِّدُه، فإنَّه يُسَلَّمُ إلى مَن يُقَرُّ في يَدِه دُونَ شَرِيكِه، كمن الْتَقَطَه وحدَه، ولأنَّ الشَّرِيكَ لو الْتَقَطَه وحدَه لم يُسَلَّمْ إليه، فإذا شارَكَه مَن هو مِن أهْلِ الالْتِقاطِ، كان أوْلَى بالتَّسْلِيمِ إليه وإقْرارِه في يَدِه.
الثّاني، أن يكونا جَمِيعًا مِمَّن لا يُقَرُّ في يَدَيْ واحدٍ منهما، فإنَّه يُنْزَعُ منهما ويُسَلَّمُ إلى غيرِهما.
الثالثُ، أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما مِمَّنْ يُقَرُّ في يَدِه لو انْفَرَدَ، إلَّا أنَّ أحَدَهُما أحَظُّ للَّقِيطِ مِن الآخرِ، بأن يكونَ أحَدُهُما مُوسِرًا والآخَرُ مُعْسِرًا، فالمُوسِرُ أحَقُّ؛ لأنَّ ذلك أحَظُّ للطِّفْلِ، وكذلك إن كان أحَدُهُما مُقِيمًا والآخَرُ مُسافِرًا؛ لأنَّه أرْفَقُ بالطِّفْلِ.
..................................
فصل: وإن الْتَقَطَ مُسْلِمٌ وكافِرٌ طِفْلًا مَحْكُومًا بكُفْرِه، فالمُسْلِمُ أحَقُّ.
وقال أصحابُنا، وأصحابُ الشافعيِّ: هما سَواءٌ؛ لأنَّ للكافِرِ ولإيَةً على الكافِرِ، ويُقَرُّ في يَدِه إذا انْفَرَدَ بالْتِقاطِه، فساوَى المُسْلِمَ في ذلك.
ولَنا، أنَّ دَفْعَه إلى المُسْلِمِ أحَظُّ له؛ لأنَّه يَصِيرُ مُسْلِمًا، فيَسْعَدُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَنْجُو مِن النّارِ، ويَتَخَلَّصُ مِن الجِزْيَةِ والصَّغارِ، فالتَّرْجِيحُ بهذا أوْلَى مِن التَّرْجِيحِ باليسارِ الذي إنَّما يَتَعَلَّقُ به توْسِعَة عليه في الإنْفاقِ، وقد يكونُ المُوسِرُ بَخِيلًا، فلا تَحْصُلُ التَّوْسِعَةُ، فإن تعارَضَ التَّرْجِيحان، فكان المُسْلِمُ فقيرًا والكافِرُ مُوسِرًا، فالمُسْلِمُ أوْلَى؛ لأنَّ النَّفْعَ الحاصِلَ له بإسْلامِه أعْظَمُ مِن النَّفْعِ الحاصِلِ له بيَسارِه مع كُفْرِه.
وعندَهم، يُقَدَّمُ الكافِرُ.
وعلى قِياسِ قَوْلِهم في تَقْدِيم المُوسِرِ، يَنْبَغي أن يُقَدَّمَ الجَوَادُ على البَخِيلِ؛ لأنَّ حَظَّ الطِّفْلِ عندَه أكْثَرُ مِن الجِهَةِ التي يَحْصُلُ له الحَظُّ فيها باليَسارِ.
فَإِنْ تَسَاوَيَا وَتَشَاحَّا، أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
2534 - مسألة
..................................
يَحْضُنُه بأجْنَبِيَّةٍ، فاسْتَوَيا.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ [في هذا] 1 على ما ذَكَرْنا.
فإن كان أحَدُهُما مَسْتُورَ الحالِ والآخَرُ ظاهِرَ العَدَالةِ، احْتَمَل تَرجِيحُ ظاهِرِ العَدالةِ؛ لأنَّ المانِعَ مِن الالْتِقاطِ مُنْتَفٍ في حَقِّه بغيرِ شَكٍّ، والآخرَ مَشْكُوكٌ فيه، فيكونُ الحَظُّ للطِّفْلِ في تَسْلِيمِه إليه أتَمَّ.
ويَحْتَمِلُ أن يتَساوَيا، لأنَّ احْتِمال وُجُودِ المانِعِ لا يؤَثِّرُ في المَنْعِ، فلا يُوثِّرُ في التَّرْجِيحِ.
فصل: وإن رَأياهُ جميعًا، فسَبَقَ 2 أحَدُهُما فأخَذَه، أو وَضَع يَدَه عليه، فهو أحَقُّ به؛ لقولِه، - عليه السلام -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» 3. فإن رَآه أحَدُهما قبلَ صاحِبِه، فسَبَقَ إلى أخْذِه الآخَرُ، فالسّابِقُ إلى أخْذِه أحَقُّ؛ لأنَّ الالْتِقاطَ هو الأخْذُ دُونَ الرُّؤْيَةِ.
فإن قال أحَدُهُما لصاحِبِه: نَاولْنِيه.
فأخَذَه الآخَرُ، نَظَرْنا إلى نِيَّتِه؛ فإن نَوَى أخْذَه لنَفْسِه، فهو أحَقُّ به، كا لو لم يَأْمُرْه الآخَرُ بمُناولَتِهِ إيّاه، وإن نَوَى مُناوَلَتَه فهو للآخَرِ؛ لأنَّه فَعَل ذلك بِنيَّةِ النِّيابَةِ عنه، فأشْبَهَ ما لو تَوَكَّلَ له في تَحْصِيلِ مُباحٍ.
فَإِنِ احْتَلَفَا فِي الْمُلْتَقِطِ مِنْهُمَا، قُدِّمَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ.
2535 - مسألة: (فإنِ اخْتَلَفا في المُلْتَقِطِ منهما، قُدِّمَ مَن له بَيِّنَةٌ)
لأنَّها أقْوَى.
فإن كان لكل واحدٍ منهما بَيِّنةٌ، قُدِّمَ أسْبَقُهُما تارِيخًا؛ لأن الثانيَ إنَّما أخَذَ ما قد ثَبَت الحَقُّ فيه لغيرِه.
فإنِ اسْتَوَى تارِيخُهُما، أو أُطْلِقَتا، أو أُرِّخَت إحْداهُما وأُطْلِقَتِ الأُخْرَى، تَعارَضَتا، وهل يَسْقُطانِ أو يُسْتَعْمَلان؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَسْقُطان، فيَصِيران كَمَن لا بَيِّنَةَ لهما.
والثاني، يُسْتَعْمَلان، ويُقْرَعُ بينهما، فمَن قَرَع صاحِبَه فهو أوْلَى.
ونَذكُرُ ذلك في بابه، إن شاء اللهُ تعالى.
فإن كان اللَّقِيطُ في يَدِ أحَدِهما، فهل تُقَدَّمُ بَيِّنَتُه، أَو تُقَدَّمُ بَيِّنةُ الخارِجِ؛ فيه وَجْهان مبْنِيّان على الرِّوايَتَين في دَعْوَى المالِ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ،
2536 - مسألة: (فإن لم يَكُنْ لهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ صاحبُ اليَدِ)
فيكونُ القَوْلُ قَوْلَه مع يَمِينِه أنَّه الْتَقَطَه.
ذَكَره أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال القاضِي: قِياسُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَحْلِفُ، كما في الطلاقِ والنِّكاحِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ يُعْطَى النّاسُ بدَعْوَاهُم، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأمْوَالهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ».
رَواه مسلمٌ 1.
فَإِنْ كَانَ فِي أَيدِيهِمَا، أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا يَدٌ فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا، قُدِّمَ،
2537 - مسألة: (فإن كان في أيدِيهما، أُقْرِعَ بينَهما)
فيُسَلَّمُ إلى مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ مع يَمِينِه.
وعلى قولِ القاضِي، لا تُشْرَعَ اليمِينُ ههُنا، ويُسَلَّمُ إليه بمُجَرَّدِ وُقُوعِ القُرْعَةِ له.
2538 -
مسألة: (فإن لم يَكُنْ لهما يدٌ فوَصَفَه أحدُهما، قُدِّمَ)
نحوَ أن يَقُولَ: في ظَهْرِهِ شامَةٌ.
أو: بجَسَدِه عَلامةٌ.
فيُقَدَّمُ بذلك.
ذَكَره
وَإلَّا سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ إِلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا أوْ مِنْ غَيرِهِمَا.
أبو الخَطَّابِ.
وهو قولُ أبِي حَنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا يُقَدَّمُ بالصِّفَةِ، كما لو وَصَف المُدَّعِي المُدَّعَى، فإنَّ دَعْواهُ لا تُقَدَّمُ بذلك.
ولَنا، أنَّ هذا نَوْعٌ مِن اللُّقَطَةِ، فقُدِّمَ بوَصْفِها، كلُقَطةِ المالِ، ولأنَّ ذلك يَدُلُّ على قُوَّةِ يَدِه، فكان مُقَدَّمًا بها.
وقِياسُ اللَّقِيطِ على اللُّقَطَةِ أوْلَى مِن قِياسِه على غيرِها؛ لأنَّ اللَّقِيطَ لُقَطَةٌ.
وإن لم يَصِفْه أحَدُهما، فقال القاضِي، وأبو الخطَّابِ: يُسَلِّمُه الحاكِمُ إلى مَن يَرَى منهما أو مِن غيرهما؛ لأنَّه لا حَقَّ لهما.
قال شيخُنا 1: والأوْلَى أن يُقرَعَ بينهما، كما لو كان في أيديهما؛ لأنَّهما تَنازَعا حَقًّا في يَدِ غيرِهما، أشْبَهَ ما لو تَنازَعا وَدِيعةً عند غيرِهما.
فَصْلٌ: وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ وَدِيَتُهُ إِنْ قُتِلَ لِبَيتِ الْمَالِ.
فصل: قال، رَحِمَه الله: (ومِيراثُ اللَّقِيطِ ودِيَتُه إن قُتِلَ لبَيتِ المالِ) إن لم يُخَلِّفْ وارِثًا.
ولا وَلاءَ عليه.
وإنَّما يَرِثُه المُسْلِمون؛ لأنَّهم خُوِّلُوا كلَّ مالٍ لا مالِكَ له، ولأنَّهم يَرِثُون مال مَنْ لا وارِثَ له غيرَ اللَّقِيطِ، فكذلك اللَّقِيطُ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
وقال شُرَيحٌ، وإسحاقُ 1: عليه الوَلاءُ لمُلْتَقِطِه؛ لقَوْلِ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، لأبي جَميلَةَ في لَقِيطِه: هو حُرٌّ، ولك وَلاؤُه 2. ولِما روَى واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «المَرْأةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ؛
..................................
عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيهِ».
أخْرَجَه أبو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ 1، وقال: حَدِيثٌ حَسنٌ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» 2. ولأنَّه لم يَثْبُتْ عليه رِقٌّ، ولا على آبائِه، فلم يَثْبُتْ عليه وَلاءٌ، كمَعْرُوفِ النَّسَبِ.
ولأنَّه لا وَلاءَ عليه إن كان ابنَ حُرَّين، وإن كان ابنَ مُعْتَقَيْن، فلا يكونُ عليه وَلاءٌ لغيرِ مُعْتِقِهما.
وحَدِيثُ واثِلَةَ لا يَثْبُتُ.
قالهُ ابنُ المُنْذِرِ.
وقال في خَبَرِ عُمَر: أبو جَمِيلَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، لا تَقُومُ بحَدِيثِه حُجَّةٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عنه، عَنَى بقَوْلِه: لَكَ وَلاؤُه.
ولايَةَ القِيامِ به وحِفْظِه.
ولذلك ذَكَرَه عَقِيبَ قولِ عَرِيفِه: إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ.
وهذا يَقْتَضِي تَفْويضَ الولايةِ إليه؛ لكَوْنِه مَأمُونًا عليه، دُونَ المِيرَاثِ.
إذا ثَبَت هذا، فحُكْمُ اللَّقِيطِ في المِيراثِ حُكْمُ مَن عُرِفَ نَسَبُه وانْقَرَضَ أهْلُه، يُدْفَعُ إلى بَيتِ المالِ إذا لم يَكُنْ له وارِث، فإن كانت له زَوْجَةٌ فلها الرُّبْعُ، والباقِي لبَيتِ المالِ، كمَنْ عُرِفَ نَسَبُه.
واللهُ أعْلَمُ.
فإن قُتِلَ خَطَأً فالدِّيَةُ لبيتِ المالِ؛ لأنَّ حُكْمَها حُكْمُ المِيراثِ، وهو لبَيتِ المالِ، فكذلك الدِّيَةُ.
وَإنْ قُتِلَ عَمْدًا، فَوَلِيُّهُ الإِمَامُ، إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ (1)، وَإنْ شَاءَ أخَذَ الدِّيَةَ.
وإنْ قُطِعَ طَرَفُهُ عَمْدًا، انْتُطرَ بُلُوغُهُ، إلا أنْ يَكُونَ فَقِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، فَلِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يُنْفَقُ عَلَيهِ.
2539 - مسألة: (وإن قُتِلَ عَمْدًا، فوَلِيُّه الإمامُ، إن شاء اقْتَصَّ، وإن شاء أخَذَ الدِّيَةَ)
أيَّ ذلك فَعَل جاز إذا رآه أصْلَحَ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ يُخَيِّرُه بين القِصاصِ والمُصالحَةِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَالسُّلْطانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (2). ومتى عَفَا على مالٍ أو صالحَ عليه، كان لبَيتِ المالِ، كجِنايَةِ الخَطأ المُوجِبَةِ للمالِ.
2540 -
مسألة: (وإن قُطِعَ طَرَفُه عَمْدًا، انْتُظِرَ بُلُوغُه، إلَّا أن يكونَ فَقِيرًا أو مَجْنُونًا، فللإمامِ العَفْوُ على مالٍ يُنْفَقُ عليه)
إذا جُنِيَ على12
..................................
اللَّقِيطِ جِنايَةٌ فيما دُونَ النَّفْسِ.
تُوجِبُ المال، قبلَ بُلُوغِه، فلِوَلِيِّه أخْذُ الأَرْشِ.
وإن كانت مُوجِبَةً للقِصاصِ وله مالٌ يَكْفِيه، وَقَفَ الأمْرُ على بُلُوغِه ليَقْتَصَّ أو يَعْفُوَ، سواءٌ كان عاقِلًا أو مَعْتُوهًا.
وكذلك إن لم يَكُنْ له مالٌ وكان عاقِلًا.
وإن كان مَعْتُوهًا، فللإمام العَفْوُ على مالٍ يُنْفَقُ عليه؛ لأنَّ المَعْتُوهَ ليست له حالٌ مَعْلُومَةٌ تُنْتَظرُ؛ لأنَّ ذلك قد يَدُومُ به، بخِلافِ العاقِلِ، فإنَّ له حالةً تُنْتَظَرُ.
ويُحْبَسُ الجانِي في الحالِ التي يُنْتَظَرُ بُلُوغُه حتى يَبْلُغَ ويَسْتَوْفِيَ لِنَفْسِه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ للإمامِ اسْتِيفاءَ القِصاصِ له قبلَ بُلُوغِه.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَي القِصاصِ، فكان للإمامِ اسْتِيفاؤُه عن اللَّقِيطِ؛ كالنَّفْسِ.
ولَنا، أنَّه قِصاصٌ لم يَتَحَتَّمِ اسْتِيفاؤُه، فوَقَفَ على مَن هو له، كما لو كان بالِغًا غائِبًا.
وفارَقَ القِصَاصَ في النَّفْسِ؛ لأنَّ القِصاصَ ليس هو له، بل هو لِوارِثِه، والإمامُ المُتَوَلِّي له.
= من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 605. والدارمي، في: باب النهي عن النكاح بغير ولي، من كتاب النكاح.
سنن الدارمي 2/ 137. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 250، 6/ 47، 66، 166.
..................................
فصل: إذا جَنَى اللَّقِيطُ جِنايَةً تَحْمِلُها العاقِلةُ، فهي على بَيتِ المالِ؛ لأنَّ مِيراثَه له، ونَفَقَتَه عليه.
وإن جَنَى جِنايَةً لا تَحْمِلُها العاقِلَةُ، فحُكْمُه فيها حُكْمُ غيرِ اللَّقِيطِ؛ إن كانتْ تُوجِبُ القِصاصَ وهو بالِغٌ عاقِلٌ، اقْتُصَّ منه، وإن كانت مُوجِبَةً للمالِ وله مالٌ، اسْتُوْفِيَ منه، وإلا كان في ذِمَّتِه حتى يُوسِرَ.
وإن قَذَف اللَّقِيطُ بعدَ بُلُوغِه مُحْصَنًا، حُدَّ ثمانِينَ؛ لأنَّه حُرٌّ.
وَإنِ ادَّعَى الْجَانِي عَلَيهِ أوْ قَاذِفُهُ رِقَّهُ، وَكَذَّبَهُ اللَّقِيطُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ اللَّقِيطِ.
2541 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الجانِي عليه أو قاذفُه رِقَّه، وكَذَّبَه اللَّقِيطُ بعد بُلُوغِه، فالقولُ قولُ اللَّقِيطِ)
إذا قَذَف اللَّقِيطَ قاذِفٌ، وهو مُحْصَنٌ، فعليه الحَدُّ، فإنِ ادَّعَى القاذِفُ رِقَّه، فصَدَّقَه اللَّقِيطُ، سَقَطَ
..................................
الحَدُّ؛ لإِقْرارِ المُسْتَحِقِّ بسُقُوطِه.
وإنِ ادَّعى أنَّه عَبْدٌ فصَدَّقَه، وَجَب على القاذِفِ التَّعْزِيرُ؛ لقَذْفِه مَنْ ليس بمُحْصَنٍ.
وإن كَذَّبَه اللَّقِيطُ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مَحْكُوم بحُرِّيَّتِه، فقَوْلُه مُوافِقٌ للظّاهِر، ولذلك أوْجَبْنا عليه حَدَّ الحُرِّ إذا كان قاذِفًا.
وإنِ ادَّعَى الجانِي رِقَّهُ وكَذَّبَه اللَّقِيطُ وادَّعَى الحُرِّيَّةَ، أوْجَبْنا له القِصاصَ وإن كان الجانِي حُرًّا؛ لِما ذَكَرْنا.
قال شيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أن يكونَ القولُ قولَ القاذِفِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ صِحَّة قَوْلِه، بأن يكونَ ابنَ أمَةٍ، فيكونَ ذلك شُبْهَةً، والحَدُّ يَنْدَريء بالشُّبُهاتِ.
وفارَقَ القِصاصَ له إذا ادَّعَى الجانِي عليه أنَّه عَبْدٌ لأنَّ القِصَاصَ ليس بحَدٍّ، وإنَّما وَجَب حَقًّا لآدَمِيٍّ، ولذلك جازَتِ المُصالحَةُ عنه وأخْذُ بَدَلِه، بخِلافِ حَدِّ القَذْفِ.
وإن قُلْنا: إنَّ القَذْفَ حَقُّ لآدَمِيٍّ.
فهو كالقِصَاصِ.
ويُخَرَّجُ مِن هذا أنَّ اللَّقِيطَ إذا كانْ قاذِفًا، فادَّعَى أنَّه عَبْدٌ ليَجِبَ عليه حَدُّ العَبْدِ، قُبِلَ منه؛ لذلك.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ مَن كان مَحْكُومًا بحُرِّيَّتِه، لا يَسْقُطُ الحَدُّ عن قاذِفِه باحْتِمالِ رِقِّه، بدَلِيل مَجْهُولِ النَّسَبِ، ولو سَقَط لهذا الاحْتِمالِ، لسَقَطَ وإن لم يَدَّعِ القاذِف رِقَّه؛ لأنَّه مَوْجُودٌ وإن لم يَدَّعِه.
وَإنِ ادَّعَى إِنْسَانٌ أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ، لَمْ يُقْبَلْ إلا بِبَيِّنةٍ تَشْهَدُ أنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ، وَيَحْتَمِلُ ألا يُعْتَبَرَ قَوْلُهَا فِي مِلْكِهِ.
2542 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى إنْسانٌ أنَّه مَمْلُوكُه، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أنَّ أمَتَه وَلَدَتْه في مِلْكِه. ويَحْتَمِلُ ألا يُعْتَبَرَ قَوْلُها في مِلْكِه)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا ادَّعَى رِقَّ اللَّقِيطِ مُدَّعٍ، سُمِعَتْ دَعْواهُ؛ لأنَّها مُمْكِنَةٌ، وإن كانت مُخالِفَةً لظاهِرِ الدّارِ.
فإن لم يَكُنْ له بَيِّنَةٌ، فلا شيءَ له؛ لأنَّها دَعْوَى تُخالِفُ الظّاهِرَ.
وتُفارِقُ دَعْوَى النَّسَبِ مِن وَجْهَين؛ أحدُهما، أن دَعْوَى النَّسَبِ لا تُخالِفُ الظّاهِرَ، ودَعْوَى الرِّقِّ تُخالِفُه.
الثاني، أنَّ
..................................
دَعْوَى النَّسَبِ يُثْبِتُ بها حَقًّا لِلَّقِيطِ، ودَعْوَى الرِّقِّ يُثْبِتُ بها حَقًّا عليهْ، فلم تُقْبَلْ بمُجَرَّدِها، كما لو ادَّعَى رِقَّ غيرِ اللَّقِيطِ.
فإن لم يَكُنْ له بَيِّنَةٌ، سَقَطَتِ الدَّعْوَى.
وإن كانت له بَيِّنةٌ، فَشَهِدَتْ بالمِلْكِ أو باليَدِ، لم يُقْبَلْ فيه إلا شَهادَةُ رَجُلَينِ، أو رَجُلٍ وامْرَأتَين، وإن شَهِدَتْ بالولادَةِ، قُبِلَ فيه رَجُلٌ واحِدٌ وامْرأةٌ واحدةٌ؛ لأنَّه ممّا لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ.
ومتى شَهِدَتِ البَيِّنةُ باليَدِ، فإن كانت للمُلْتَقِطِ، لم يَثْبُتْ بها مِلْكً؛ لأنَّنا عَرَفْنا سَبَب يَدِه، وإن كانت لأجْنَبِيٍّ، حُكِمَ له باليَدِ، والقَوْلُ قولُه مع يَمِينِه في المِلْكِ.
وإن شَهِدَتْ بالمِلْكِ، فقالت: نَشْهَدُ أنَّه عبْدُه -أو- مَمْلُوكُه.
حُكِمَ بها، وإن لم تَذْكُرْ سَبَبَ المِلْكِ، كما لو شَهِدَتْ بمِلْكِ دارٍ أو ثَوْبٍ.
فإن شَهِدَتْ بأنَّ أمَتَه وَلَدَتْه في مِلْكِه، حُكِمَ له به؛ لأنَّ أمَتَه لا تَلِدُ في مِلْكِه إلَّا مِلْكَه.
وإن تَشْهَدْ أنَّه ابْنُ أمَتِه، أو أنَّ أمَتَه وَلَدَتْه، ولم تَقُلْ: في مِلْكِه.
احْتَمَلَ أن يَثْبُتَ له المِلْكُ بذلك، كقَوْلِها: في مِلْكِه.
لأنَّ أمَتَه مِلْكُه، فنَماؤُها مِلْكُه، كَسِمَنِها.
واحْتَمَلَ أن لا يَثْبُتَ به المِلْكُ؛ لأنَّه يجوزُ أن تَلِدَه قبلَ مِلْكِه إيّاها، فلا يكونُ له وهو ابنُ أمَتِه.
.................................. فصل: فإن كانتِ الدَّعْوَى بعد بُلُوغِ اللَّقِيطِ، كُلِّفَ إجابَتَه، فإن أنْكَرَ ولا بَيَنةَ للمُدَّعِي، لم تُقْبَلْ دَعْواهُ، وإن كانت له بَيِّنةٌ، حُكِم بها، فإن كان اللَّقِيطُ قد تَصرَّف قبلَ ذلك بِبَيعٍ أو شِرَاءٍ، نُقِضَتْ تَصرُّفاته؛ لأنَّ تَصرُّفَه [بان أنَّه] 1 بغيرِ إذْنِ مالِكِه.
وَإنْ أقَرَّ بِالرِّقِّ بَعْدَ بُلُوغهِ، لَمْ يُقْبَلْ.
وَعَنْهُ، يُقْبَلُ.
وَقَال الْقَاضِي: يُقْبَلُ فِيمَا عَلَيهِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهَلْ يُقْبَلُ فِي غَيرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينَ.
2543 - مسألة: (وإن أقَرَّ بالرِّقِّ بعد بُلُوغِه، لم يُقْبَلْ. وعنه، يُقْبَلُ. وقال القاضِي: يُقْبَلُ فيما عليه، رِوايةً واحِدَةً، وهل يُقْبَلُ في غيرِه؟ على رِوايَتَين)
إذا ادَّعَى إنْسانٌ رِقَّ اللَّقِيطِ بعد بُلُوغِه، فصَدَّقَه، وكان قد اعْتَرَفَ بالحُرِّيَّةِ لنَفْسِه قبلَ ذلك، لم يُقْبَلْ إقْرارُه بالرِّقِّ؛ لأنَّه
..................................
اعْتَرَفَ بالحُرِّيَّةِ، وهي حَقٌّ للهِ تعالى، فلا يُقْبَلُ رُجُوعُه في إبْطالِها.
وإن لم يَكُنِ اعْتَرَفَ بالحُرِّيَّةِ، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحَدُهما، يُقْبَلُ.
وهو.
قولُ أصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه مَجْهُولُ الحالِ، أقَرَّ بالرِّقِّ، فَقُبِلَ، كما لو قَدِمَ رَجُلانِ مِن دِارِ الحَرْبِ، فأقَرَّ أحَدُهما للآخَرِ بالرِّقِّ، وكإقْرارِه بالحَدِّ والقِصاصِ في نفْسِه، فإنَّه يُقْبَلُ وإن تَضَمَّنَ فَواتَ نَفسِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ.
قال شَيخُنا 1: وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه يَبْطُلُ به حَقُّ اللهِ تعالى في الحُرِّيَّةِ المَحْكُومِ بها، فلمِ يَصِحَّ، كما لو أقَرَّ بالحُرِّيَّةِ قبل ذلك، ولأنَّ الطِّفْلَ المَنْبُوذَ لا يَعْلَمُ رِقَّ نفْسِه ولا حُرِّيَّتَها، ولم يَتَجَدَّدْ له حالٌ يَعْرِفُ به رِقَّ نَفْسِه؛ لأنَّه في تلك الحالِ مِمَّن لا يَعْقِلُ، ولم يَتَجَدَّدْ له رِقٌّ بعدَ الْتقاطِه، فكان إقْرارُه باطِلًا.
وهذا قولُ ابنِ القاسِمِ، وابنِ المُنْذِرِ.
وللشافعيِّ
..................................
وَجْهانِ، كما ذَكَرْنا.
فإن قُلْنا: يُقْبَلُ إقْرارُه.
صارَتْ أحْكامُه أحْكامَ العَبِيدِ فيما عليه خاصَّةً.
وهذا الذي قاله القاضِي.
وبه قال أبو حنيفةَ، والمُزَنِيُّ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّه أقَرَّ بما يُوجِبُ حَقًّا عليه وحَقًّا له، فوَجَبَ أن يَثْبُتَ ما عليه دُونَ ماله، كما لو قال: لِفُلانٍ عَلَيَّ ألْفٌ، وَلِي عندَه رَهْنٌ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُقْبَلُ إقْرارُه في الجَميعِ.
وهو القَوْلُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّه يَثْبُتُ ما عليه، فيَثْبُتُ ما لَه، كالبَيِّنةِ، ولأنَّ هذه الأحكامَ تَبَعٌ للرِّقِّ، فإذا ثَبَتَ الأصْلُ بقَوْلِه، ثَبَتَ التَّبَعُ، كما لو شَهِدَتِ امْرأةٌ بالولادةِ، ثَبَتَت، وثَبَتَ النَّسَبُ تَبَعًا لها.
فصل: فأمّا إن أقَرَّ بالرِّقِّ ابْتداءً لإِنْسانٍ، فصَدَّقَه، فهو كما لو أقَرَّ به جَوابًا، وإن كَذَّبَه، بَطَل إقْرارُه.
فإن أقَرَّ به بعدَ ذلك لرَجُلٍ آخَرَ، جازَ.
وقال بعضُ أصحابِنا: يَتَوَجَّهُ أن لا يُسْمَعَ إقْرارُه الثاني؛ لأنَّ إقْرارَه الأوَّلَ يَتَضَمَّنُ الاعْتِرافَ بنَفْي مالكٍ له سِوَى المُقَرِّ له، فإذا بَطَل إقْرارُه برَدِّ المُقَرِّ له، بَقِيَ الاعْتِرافُ بنَفْي مالكٍ له غيرِه، فلم يُقْبَلْ إقْرارُه
..................................
بما نَفَاهُ، كما لو أقَر بالحُرِّيَّةِ ثم أقَرَّ بعد ذلك بالرِّقِّ.
ولَنا، أنَّه إقْرارٌ لم يَقبَلْه المُقَرُّ له، فلم يَمْنَعْ إقْرارَه ثانيًا، كما لو أقَرَّ له بثَوْبٍ ثم أقَرَّ به لآخَرَ بعدَ رَدِّ الأوَّلِ، وفارَقَ الإِقْرارَ بالحُرِّيَّةِ، فإن الإقْرارَ بها لم يَبْطُلْ ولم يُرَدَّ.
فصل: فإذا قَبِلْنا إقْرارَه بالرِّقِّ بعد نِكاحِه، وهو ذَكَرٌ، وكان قبلَ الدُّخُولِ، فَسَد النِّكاحُ في حَقِّه؛ لأنَّه عَبْدٌ تَزَوَّجَ بغيرِ إذْنِ مَوالِيه، ولها عليه نِصْفُ المَهْرِ؛ لأنَّه حَق عليه، فلم يَسْقُطْ بقَوْلِه.
وإن كان بعدَ الدُّخُولِ، فَسَد نِكاحُه، وعليه المَهْرُ كلُّه؛ لِما ذَكَرْنا، لأنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الطَّلاقَ.
فإذا أقَرَّ به قُبِلَ، ووَلَدُه حُرٌّ تابعٌ لأُمِّه.
وإن كان مُتَزَوِّجًا بأمَةٍ فوَلَدُه لسَيِّدِها ويتَعَلَّقُ المَهْرُ برَقَبَتِه؛ لأنَّ ذلك مِن جِناياتِه، يَفْدِيه سَيِّدُه أو يُسَلِّمُه.
وإن كان في يَدِه كَسْبٌ، اسْتَوْفَى المَهْرَ منه؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ إقْرارُه به لسَيِّدِه بالنِّسْبةِ إلى امْرَأتِه، ولا يَنْقَطِعُ حَقُّها منه بإقْرارِه.
وإن قُلْنا: يُقْبَلُ قَوْلُه في جميعِ الأحكامِ.
فالنِّكاحُ فاسِدٌ؛ لكَوْنِه تَزَوَّجَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ويُفَرَّقُ بينهما، ولا مَهْرَ لها عليه إن لم يَكُنْ دَخَل بها، وإن كان دَخَل بها، فلها عليه المَهْرُ المُسَمَّى، في إحْدَى الرِّوايَتَين، والأُخْرَى، خُمْسَاه.
فصل: وإن كان اللَّقِيطُ أُنْثَى، وقُلْنا: يُقْبَلُ فيما عليه خاصَّةً.
فالنِّكاحُ صَحِيح في حَقِّه.
فإن كان قَبْلَ الدُّخُولِ فلا مَهْرَ لها؛ لإقْرارِها بفَسادِ نِكاحِها، وأنَّها أمَةٌ تَزَوَّجَتْ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، والنِّكاحُ الفاسِدُ لا يَجبُ المَهْرُ فيه إلَّا بالدُّخُولِ.
وإن كان دَخَل بها، لم يَسْقُطْ مَهْرُها، ولسَيِّدِها
..................................
الأقَلُّ؛ مِن المُسَمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ المُسَمَّى إن كان أقَلَّ، فالزَّوْجُ يُنْكِرُ وُجُوبَ الزِّيادَةِ عليه، وقَولُها غيرُ مَقْبُولٍ في حَقِّه.
وإن كان الأقَلُّ مَهْرَ المِثْلِ، فهي وسَيِّدُها يُقِرّان بفَسادِ النِّكاحِ، وأنَّ الواجِبَ مَهْرُ المِثْلِ، فلا يَجِبُ أكْثَرُ منه، إلَّا على الرِّوايَةِ التي يَجِبُ فيها المُسَمَّى في النِّكاحِ الفاسِدِ، فيَجِبُ ها هنا قَلَّ أو كَثُرَ؛ لإقْرارِ الزَّوْجِ بوُجُوبِه.
وأمّا الأوْلادُ، فأحْرارٌ، لا تَجِبُ قِيمَتُهم؛ لأنَّها لو وَجَبت لوَجَبَتْ بقَوْلِها، ولا يَجِبُ بقَوْلِها حَقٌّ على غيرِها، ولا يَثْبُتُ الرِّقُّ في حَقِّ أوْلادِها بقَوْلِها.
فأمّا بقاءُ النِّكاحِ، فيُقالُ للزَّوْجِ: قد ثَبَت أنَّها أمَةٌ وَلَدُها رَقِيق لسَيِّدِها، فإنِ اخْتَرْتَ المُقَامَ على ذلك فأقْم، وإن شِئْتَ فَفارِقْها.
وسواءٌ كان مِمَّن يَجُوزُ له نِكاحُ الإِمَاءِ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّنا لو اعْتَبَرْنا ذلك وأفْسَدْنا نِكاحَه، لكان إفسادًا للعَقْدِ جَمِيعِه بقَوْلِها؛ لأنَّ شُرُوطَ نِكاحِ الأمَةِ لا تُعْتَبَرُ في اسْتِدامَةِ العَقْدِ، إنَّما تُعْتَبرُ في ابْتِدائِه.
فإن قيل: فقد قَبِلْتُمْ قَوْلَها في أنَّها أمَةٌ في المُسْتَقْبَلِ، وفيه ضَرَرٌ على الزَّوْجِ.
قُلْنا: لم يُقْبَلْ قَوْلُها في إيجابِ حَقٍّ لم يَدْخُلْ في العَقْدِ عليه، فأمّا الحُكْمُ في المُسْتَقْبَلِ، فيُمْكِنُ إيفاءُ حَقِّه وحَقِّ مَن ثَبَت له الرِّقُّ عليها، بأن يُطَلِّقَها، فلا يَلْزَمُه ما لم يَدْخُلْ عليه، أو يُقِيمَ على نِكاحِها، فلا يَسْقُطُ حَقُّ سَيِّدِها.
فإن طَلَّقَها اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الحُرَّةِ؛ لأنَّ عِدَّةَ الطَّلاقِ حَقٌّ للزَّوْجِ، بدَلِيلِ أنَّها لا تَجِبُ إلَّا بالدُّخُولِ، وسَبَبُها النِّكاحُ السابِقُ، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها في تَنْقِيصِها، وإن مات، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الأمَةِ؛ لأنَّ المُغَلَّبَ فيها حَقُّ الله تِعالى،
..................................
بدَلِيلِ وُجُوبِها قبلَ الدُّخُولِ، فقُبِلَ قَوْلُها فيها.
وإن قُلْنا بقَبُولِ قَوْلِها في جميِعِ الأحْكامِ، فهي أمَةٌ تَزَوَّجَتْ بغيرِ إذْن سَيِّدِها، فنِكاحُها فاسِدٌ، ويُفرَّقُ بينَهما، ولا مَهْرَ لها إن كان قبلَ الدُّخولِ.
وإن كان دَخَل بها، وَجَب لها مَهْرُ أمَةٍ تَزَوَّجَتْ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، على ما ذُكِرَ في مَوْضِعِه.
وهل يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ أو المُسَمَّى؟ فيه روايتان.
وتَعْتَدُّ حَيضَتَينِ؛ لأنَّه وَطْءٌ في نِكاحٍ فاسِدٍ.
وأوْلادُه أحْرارٌ؛ لاعْتقادِه حُرِّيَّتَها، فهو مَغْرُورٌ، وعليه قيمَتُهُم يومَ الوَضْعِ.
وإن مات فليس عليها عِدَّةُ الوَفاةِ.
فصل: فإن كان قد تَصَرَّفَ ببَيع أو شِراءٍ، فتَصرُّفُه صَحِيحٌ، وما عليه مِن الحُقُوقِ والأثْمانِ يُؤَدَّى مِمّا في يَدِه، وما بَقِيَ ففي ذِمَّتِه؛ لأنَّ مُعامِلَه لا يُقِرُّ برِقِّه.
وإن قُلْنا بقَبُولِ إقْرارِه في جميعِ الأحْكامِ، فَسَدَتْ عُقُودُه كلُّها، ووَجَبَ رَدُّ الأعْيانِ إلى أرْبابِها إن كانت باقِيةً، وإن كانت تالِفةً وَجَبَتْ قِيمَتُها في رَقَبَتِه أو في ذِمَّتِه، على ما ذَكَرْنا في اسْتِدانَةِ العَبْدِ؛ لأنَّه ثَبَت برِضَا صاحِبِه.
فصل: فإن كان قد جَنَى جنايَةً مُوجِبَةً للقِصاصِ، فعليه القَوَدُ، حُرًّا كان المَجْنِيُّ عليه أو عَبْدًا؛ لأنَّ إقْرارَه بالرِّقِّ يَقْتَضِي وُجُوبَ القَوَدِ عليه، فيما إذا كان المَجْنِيُّ عليه عَبْدًا أو حُرًّا، فقُبِلَ إقْرارُه فيه.
وإن كانتِ الجنايَةُ خطأً، تَعَلَّقَ أرْشُها برَقَبَتِه؛ لأنَّ ذلك مُضِرٌّ به، فإن كان أرْشُها أكْثَرَ مِن قِيمَتِه، وكان في يَدِه مالٌ، اسْتَوْفَى منه.
وإن كانْ ممَّا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه في إسْقاطِ الزِّيادَةِ؛ لأنَّ ذلك يَضُرُّ بالمَجْنِيِّ عليه، فلا يُقْبَلُ
وَإنْ قَال: إِنِّي كَافِرٌ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ.
وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُه إلا أنْ يَكُونَ قَدْ نَطَقَ بِالإسْلَامِ وَهُوَ يَعْقِلُهُ.
قَوْلُه فيه.
وقيلَ: تَجِبُ الزِّيادَةُ في بَيتِ المالِ؛ لأنَّ ذلك كان واجِبًا للمَجْنِيِّ عليه، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه في إسْقاطِه.
وإن جُنِيَ عليه جِنايَةٌ مُوجِبَةٌ للقَوَدِ، وكان الجانِي حُرًّا، سَقَط؛ لأنَّ الحُرَّ لا يُقادُ بالعَبْدِ، وقد أقَرَّ المَجْنِيُّ عليه بما يُسْقِطُ القِصَاصَ.
وإن كانت مُوجِبَةً للمالِ تَقِلُّ بالرِّقِّ، وَجَب أقَلُّ الأمْرَينِ.
وإن كان مُساويًا للواجِبِ قَبْلَ الإِقْرارِ، وَجَب، ويَدْفَعُ الواجِبَ إلى سَيِّدِه.
وإن كان الواجِبُ يَكْثُرُ؛ لكَوْنِ قِيمَتِه عَبْدًا أكْثَرَ مِن دِيَتِه حُرًّا، لم يَجِبْ إلَّا أرْشُ الجِنايَةِ على الحُرِّ.
وإن قُلْنا: يُقْبَلُ قَوْلُه في جميعِ الأحْكامِ.
وَجَب أرْشُ الجِنايةِ على العَبْدِ.
وإن كل الأرْشُ تَحْمِلُه العاقِلَةُ إذا كان حُرًّا، سَقَط عن العاقِلَةِ، ولم يَجِبْ على الجانِي؛ لأنَّ إقْرارَه بالرِّقِّ يتَضَمَّنُ إقْرارَه بالسُّقُوطِ عن العاقِلَةِ، ولم يُقْبَلْ إقْرارُه على الجانِي، فسَقَطَ.
وقيلَ: لا يَتَحَوَّلُ عن العاقِلَةِ.
وعلى قولِ مَن قال: يُقْبَلُ إقْرارُه في الأحْكامِ كلِّها.
يُوجِبُ الأرْشَ على الجانِي.
واللهُ أعْلَمُ.
2544 -
مسألة: (وإن قال: إنِّي كافِرٌ. لم يُقْبَلْ قَوْلُه، وحُكْمُه حُكْمُ المُرْتَدِّ. وقيل: يُقْبَلُ، إلَّا أن يكونَ قد نَطَق بالإسْلامِ وهو يَعْقِلُه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنّا في المَوْضِعِ الذي حَكَمْنا بإسْلامِ اللَّقِيطِ، إنَّما ذلك
..................................
ظاهِرًا لا يَقِينًا؛ لاحْتمالِ أن يكونَ وَلَدَ كافِرَين، ولهذا لو أقامَ كافِرٌ بَيِّنَةً أنَّه وَلَدُه وُلِدَ على فِراشِه، حَكَمْنا له به.
وسَنَذْكُرُ ذلك.
ومَتَى بَلَغ اللَّقِيطُ حَدًّا يَصِحُّ فيه إسْلامُه ورِدَّتُه فوَصَفَ الإسْلامَ، فهو مُسْلِمٌ، سواءٌ كان مِمَّن حُكِمَ بإسْلامِه أو كُفْرِه، ولا يُقْبَلُ إقْرارُه بالكُفْرِ بعدَ ذلك؛ لأنَّه إنْكارٌ بعدَ إقْرارِه، فلا يُقْبَلُ، كغَيرِه.
وإن وَصَفَ الكُفْرَ وهو مِمَّنْ حُكِمَ بإسْلامِه بالدّارِ، فهو مُرْتَدٌّ لا يُقَرُّ على كُفْرِه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وذَكَرَ القاضِي وَجْهًا، أنَّه يُقَرُّ على كُفْرِه.
وهو مَنْصُوصُ الشافعيِّ؛ لأنَّ قَوْلَه أقْوَى مِن ظاهِرِ الدّارِ.
وهذا وَجْهٌ بَعِيدٌ؛ لأنَّ دَلِيلَ الإسْلامِ وُجِدَ عَرِيًّا عن المُعَارِضِ، فثَبَتَ حُكْمُه واسْتَقَرَّ، فلا يَجُوزُ
فصْلٌ: وَإنْ أقَرَّ إنْسَانٌ أَنَّهُ وَلَدُهُ، أُلحِقَ بِهِ، مُسْلِمًا كَانَ أوْ كَافِرًا، رَجُلًا كَانَ أَو امْرَأةً، حَيًّا كَانَ اللَّقِيطُ أوْ مَيِّتًا.
إزالةُ حُكْمِه، كما لو كان ابْنَ مُسْلِمٍ.
ولأنَّ قَوْلَه لا دَلالةَ فيه أصْلًا؛ لأنَّه لا يَعْرِفُ في الحالِ مَن كان أبُوه، ولا ما كان دِينُه، وإنَّما يَقُولُ هذا مِن تِلْقاءِ نَفْسِه.
فعلى هذا، إذا بَلَغ اسْتُتِيبَ ثَلاثًا، فإن تاب وإلَّا قُتِلَ.
فأمّا على قَوْلِهم، فقال القاضِي: إن وَصَف كُفْرًا يُقَرُّ عليه بالجِزْيَةِ، عُقِدَتْ له الذِّمَّةُ، فإنِ امْتَنَعَ مِن التِزامِها، ووصَفَ كُفْرًا لا يُقَرُّ أهْلُه عليه، أُلْحِقَ بمَأْمَنِه.
قال شيَخُنا 1: وهذا بَعِيدٌ جِدًّا؛ فإنَّ هذا اللَّقِيطَ لا يَخْلُو إمّا أن يكونَ ابْنَ حَرْبِيٍّ، فهو حاصِلٌ في أيدِي المُسْلِمِينَ بغيرِ عَهْدٍ ولا عَقْدٍ، فيكونُ لواجِدِه، ويَصِيرُ مُسْلِمًا بإسْلامِ سابِيه، أو يكونَ ابْنَ ذِمِّيَّين، أو أحَدُهما ذِمِّيٌّ، فلا يُقَرُّ على الانْتِقالِ إلى غيرِ دِينِ أهْلِ الكِتَاب، أو يكونَ ابْنَ مُسْلم أو مُسْلِمَين، فيكونَ مُسْلِمًا.
وقد قال أحمدُ، في أَمَةٍ نَصْرانِيَّةٍ وَلَدَتْ مِن فُجُورٍ: وَلَدُها مُسْلِمٌ؛ لأنَّ أبَوَيه يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرانِه، وهذا ليس معه إلَّا أُمُّهُ.
وإذا لم يَكُنْ لهذا الوَلَدِ حالٌ يَحْتَمِلُ أن يُقَرَّ فيها على دِينٍ لا يُقَرُّ أهْلُه عليه، فكَيفَ يُرَدُّ إلى دارِ الحَرْبِ!
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإن أقَرَّ إنْسانٌ أنَّه وَلَدُه، أُلْحِقَ به، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا، رَجُلًا أو امْرَأةً، حيًّا كان اللَّقِيطُ أو مَيِّتًا) وجملةُ
..................................
ذلك، أنَّه إذا ادَّعَى مدَّعٍ نَسَبَ اللَّقِيطِ، لم يَخْلُ مِن قِسْمَينِ؛ أحدُهما، أن يَدَّعِيَه واحدٌ يَنْفرِدُ بدَعْوَتِه، فإن كان المدَّعِي حُرًّا مُسْلِمًا، لَحِقَه نَسَبُه إذا أمْكَنَ أن يكُونَ منه، بغيرِ خِلافٍ بينَ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّ الإِقْرارَ مَحْضُ نَفْعٍ للطِّفْلِ لاتِّصالِ نَسَبِه، ولا ضَرَرَ على غيرِه فيه، فَقُبِلَ، كما لو أقَرَّ له بمالٍ.
فإن كان المُقِرُّ به مُلْتَقِطَه أُقِرَّ في يَدِه.
وإن كان غيرَه، فله أن يَنْتَزِعَه مِن المُلْتَقِطِ؛ لأنَّه قد ثَبَت أنَّه أبُوه، فيكونُ أحَقَّ به، كما لو قامَتْ به بَيِّنَةٌ.
فصل: فإن كان المُدَّعِي عَبْدًا، أُلْحِقَ به؛ لأنَّ لمَائِهِ حُرْمَةً، فلَحِقَ به نَسَبُهُ، كالحُرِّ.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وغيرِه، غيرَ أنَّه لا تَثْبُتُ له حَضانَةٌ؛ لأنَّه مَشْغولٌ بخِدْمَةِ سَيِّدِه، ولا تَجِبُ عليه نَفَقَتُه؛ لأنَّه لا مال له، ولا تَجِبُ على سَيِّدِه؛ لأنَّ الطِّفْلَ مَحْكُوم بحُرِّيَّتِه.
فعلى
وَلَا يَتْبَعُ الْكَافِرَ فِي دِينِهِ إلا أنْ يُقِيمَ بَيَنةً أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ.
وَعَنْهُ، لَا يُلْحَقُ بِامْرَأةٍ ذَاتِ زَوْجٍ، وَعَنْهُ، إِنْ كَانَ لهَا إِخْوَةٌ أوْ نَسَبٌ مَعْرُوف، لَمْ يُلْحَقْ بِهَا وَإلَّا لَحِقَ.
هذا، تكونُ نَفَقَتُه في بَيتِ المالِ.
فصل: فإن كان المُدَّعِي ذِمِّيًّا، لَحِقَ به؛ لأنَّه أقْوَى مِن العَبْدِ في ثُبُوتِ الفِراشِ، فإنَّه يَثْبُتُ له النِّكاحُ والوَطْءُ في المِلْكِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَلْحَقُ به؛ لأَنَّه مَحْكُومٌ بإسْلامِه.
ولَنا، أنَّه أقَرَّ بنَسَبِ مَجْهُولِ النَّسَبِ، يُمْكِنُ أن يكونَ منه، وليس في إقْرارِه إضْرارٌ لغيرِه، فيَثْبُتُ إقْرارُه، كالمُسْلِمِ.
2545 -
مسألة: (ولا يَتْبَعُ الكافِرَ في دِينِه إلَّا أن يُقِيمَ بَيِّنةً أنَّه وُلِدَ على فِراشِه)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يَتْبَعُ الكافِرَ في النَّسَب لا في الدِّينِ، ولا حَقَّ له في حَضانَتِه، ولا يُسَلَّمُ إليه؛ لأنَّه لا ولايَةَ للكَافِرِ على المُسْلِمِ.
..................................
وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيهِ: يَتْبَعُه في دِينِه؛ لأنَّ كُلَّ ما لَحِقَ به بنَسَبِه لَحِقَه به في دِينِه؛ كالبَيِّنَةِ، إلَّا أنَّه يُحالُ بَينَه وبَينَه.
ولَنا، أنَّ هذا مَحْكُومٌ بإسْلامِه، فلا يُقْبَلُ قَوْلُ الذِّمِّيِّ في كُفْرِه، كما لو كان مَعْرُوفَ النَّسَب، ولأنَّها دَعْوَى تُخالِفُ الظاهِرَ، فلم تُقْبَلْ بمُجَرَّدِها، كدَعْوَى رِقِّه، ولَأنَّه لو تَبِعَه في دِينِه لم يُقْبَلْ إقرارُه بنَسَبِه؛ لأنَّه يكونُ إضْرارًا به، فلا يُقْبَلُ، كدَعْوَى الرِّقِّ.
أما مُجَرَّدُ النَّسَبِ بدُونِ اتِّباعِه في الدِّينِ، فمَصْلَحَةٌ عارِيَةٌ عن الضَّرَرِ، فَقُبِلَ قَوْلُه فيه.
ولا يجوزُ قَبُولُه فيما هو أعْظَمُ الضَّرَرِ والخِزْيِ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ.
فإن أقام بَيِّنَةً أنَّه وُلِدَ على فِراشِه لَحِقَ به نَسَبًا ودِينًا.
كذلك ذَكرَه ههُنا.
وهو قولُ بعضِ أصحابِنا؛ لأنَّه ثَبَت أنَّه ابْنُه ببَيِّنَةٍ.
وقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَلْحَقُه في الدِّينِ، إلَّا أن تَشْهَدَ البَيِّنةُ أنَّه وَلَدُ كافِرَينِ حَيَّينِ؛ لأنَّ الطِّفْلَ يُحْكَمُ بإسْلامِه بإسلامِ أحَدِ أبَوَيهِ أو مَوْتِه.