وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَا بَعْدَهَا فِى مَوْضِعِهَا.
يَخْطُبُ (1). وقال إبراهيمُ: يَخْطُبُ الإِمامُ يَوْمَ العِيدِ قَدْرَ ما يَرْجِعُ النِّساءُ إلى بُيُوتِهِنَّ.
وهذا يَدُلّ على أنَّه لا يُسْتَحَبُّ لهنَّ الجُلُوسُ لاسْتِماعِ الخُطْبَةِ؛ لئلَّا يَخْتَلِطْنَ بالرِّجالِ.
وحديثُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في مَوْعِظَتِه النِّساءَ بعدَ فَراغِه مِن خُطْبَتِه دَلِيلٌ على أنَّهُنَّ لم يَنْصَرِفْن.
وسُنَّنُه -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى بالاتِّباع.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ قائِمًا؛ لِما روَى جابِرٌ، قال: خَرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَوْمَ فِطْرٍ أو أضْحَى، فخطَبَ قائِمًا، ثم قَعَد، ثم قامَ.
رَواه ابنُ ماجه (2). وإن خَطَب قاعِدًا، فلا بَأْسَ؛ لأنَّها غيرُ واجِبَةٍ، أشْبَهَتْ صلاةَ النّافِلَةِ.
وإن خَطَب على راحِلَتِه، فحَسَنٌ؛ لِما روَى سَلَمَةُ ابنُ نُبَيْطٍ عن أبيه، أنَّه حَجَّ، فقالَ: رأيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ على بَعِيرِه.
رَواه ابنُ ماجه (3). وعن أبى جَمِيلَةَ، قال: رأيْتُ عليًّا، عليه السَّلامُ، صَلَّى يَوْمَ العِيدِ، فبَدَأ بالصلاةِ قبلَ الخُطْبَةِ، ثم خَطَب على دابَّتِه، ورَأيْتُ عثمانَ بنَ عَفّانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يَخْطُبُ على راحِلَتِه (4). رَواه سعيدٌ.
689 -
مسألة: (ولا يَتَنَفَّلُ قبلَ صلاةِ العِيدِ ولا بعدَها، في مَوْضِعِ الصَّلاةِ)
يُكْرَهُ التَّنفُّلُ قبلَ صَلاةِ العِيدِ وبعدَها، في مَوْضِعِ الصَّلاةِ،1234
..................................
للإِمامِ والمَأْمُومِ، سَواءٌ كان في المُصَلَّى أو المَسْجِدِ.
وهو مَذْهَبُ ابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، ورُوِى عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وحُذَيْفَةَ، وبُرَيْدَةَ 1، وسَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، وجابِرٍ، وابنِ أبى أوْفَى.
وبه قال شرَيْحٌ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مُغَفَّلٍ 2، ومَسْرُوقٌ، والضَّحّاكُ، والقاسِمُ، والشَّعْبِىُّ.
قال الزُّهْرِىُّ: لم أسْمَعْ أحَدًا مِن عُلَمائِنا يَذْكُرُ أنَّ أحَدًا مِن سَلَفِ هذه الأُمَّةِ كان يُصَلِّى قبلَ تلك ولا بعدَها.
يَعْنِى صلاةَ العِيدِ.
وقال: ما صَلَّى قبلَ العِيدِ بَدْرِىٌّ.
ونَهَى عنه أبو مَسْعُودٍ البَدْرِىُّ.
ورُوِىَ أنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، رَأى قَوْمًا يُصَلُّون قبلَ العِيدِ، فقال: ما كان هذا يُفْعَلُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 3. قال أحمدُ: أهلُ المَدِينَةِ لا يَتَطَوَّعُون قبلَها، ويَتَطَوَّعُون بعدَها.
وهذا قولُ عَلْقَمَةَ، والأسْوَدِ، ومُجاهِدٍ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
وقال مالكٌ كَقَوْلِنا في المُصَلَّى، وله في المَسْجِدِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يَتَطَوَّعُ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِذَا
..................................
دَخَلَ أحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» 1. وقال الشافعىُّ: يُكْرَهُ ذلك للإِمام، لأنَّه لا يُسْتَحَبُّ له التَّشاغُلُ عن الصَّلاةِ، ولا يُكْرَهُ للمَأْمُومِ؛ لأنَّه وَقْتٌ لم يُنْهَ عن الصَّلاةِ فيه، أشْبَهَ ما بعدَ الزَّوال.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج يَوْمَ الفِطْرِ، فصَلَّى رَكْعَتَيْن، لم يُصَلِّ قبلَهما ولا بعدَهما.
مُتَّفَق عليه 2. ولأنَّه إجْماعٌ كما حَكاه الزهْرِىُّ وغيرُه، ولأنَّه وَقْتٌ نُهِىَ الإِمامُ عن التَّنَفُّلِ فيه، فكُرِهَ
..................................
للمَأْمُومِ، كسائِرِ أوْقاتِ النَّهْى، وكما قبلَ الصَّلاةِ عندَ أبى حنيفةَ، وكما لو كان في المُصلَّى عندَ مالكٍ.
والحديثُ الذى ذَكَرَه مالكٌ مَخْصُوصٌ بما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى.
وقال الأثْرَمُ: قلتُ لأحمدَ: قال سُليمانُ بنُ حَرْبٍ: إنَّما تَرَك النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- التَّطَوُّعَ لأنَّه كان إمامًا.
قال أحمدُ: فالذين رَوَوْا هذا عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَتَطَوَّعُوا.
ثم قال: ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباس، هما رَوَياه، وأخَذا به.
يُشِيرُ، واللَّه أعلمُ، إلى أنَّ عَمَلَ راوِى الحَدِيثِ به تَفْسِيرٌ له، وتَفْسِيرُه يُقَدَّمُ على تَفْسِيرِ غيرِه.
ولو كانتِ الكَراهَةُ للإِمامِ كَيْلا يَشْتَغِلَ عن الصَّلاةِ، لاخْتُصَّتْ بما قبلَ الصَّلاةِ، إذ لم يَبْقَ بعدَها ما يَشْتَغِلُ به.
وقد روَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ في صلاةِ العِيدِ سَبْعًا وخَمْسًا، ويقولُ: «لَا صَلَاةَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» 1. رَواه ابنُ بَطَّةَ بإسْنادِه.
فصل: قِيلَ لأحمدَ: فإن كان لرجل صلاةٌ في ذلك الوَقْتِ؟ قال: أخافُ أن يُقْتَدَى به.
قال ابنُ عَقِيلٍ: كَرِه أحمدُ أن يَتَعَمَّدَ لقَضاءِ صلاةٍ، وقال: أخافُ أن يَقْتَدُوا به.
فصل: وإنَّما يُكْرَهُ التَّنَفِّلُ في مَوْضِعِ الصَّلاةِ، فأمّا في غيرِه فلا بَأْسَ
وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَام الْإِمَامِ، صَلَّى مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ،
به، وكذلك لو خَرَج منه، ثم عاد إليه بعدَ الصَّلاةِ.
قال عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ: سَمِعْتُ أبى يقولُ: رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُصَلِّ قَبْلَها ولا بعدَها.
ورَأيْتُه يُصَلِّى بعدَها رَكَعاتٍ في البَيْتِ، ورُبَّما صَلَّاها في الطَّرِيقِ، يَدْخُلُ بعضَ المساجِدِ.
ورُوِىَ عن أبى سَعِيدٍ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يُصَلِّى قبلَ العِيدِ شَيْئًا، فإذا دَخَل إلى مَنْزِلِه صَلَّى رَكْعَتَيْن.
رَواه ابنُ ماجه (1).
690 -
مسألة: (ومَن كَبَّرَ قبلَ سَلام الإِمام، صَلَّى ما فاتَه عك صِفَتِه)
لأنَّه أدْرَكَ بعضَ الصَّلاةِ التى ليستَ مُبْدَلَةً مِن أرْبَعٍ، فقَضاها على صِفَتِها، كسائِرِ الصلواتِ.
وإن أدْرَكَ معه رَكْعَةً، وقُلْنا: ما يَقْضِيه المَسْبُوقُ أوَّلُ صَلاِتِه.
كَبَّرَ في الذى يقْضِيه سَبْعًا، وإن قُلْنا: آخِرُ صَلاتِه.
كَبَّرَ خَمْسًا، على ما ذَكَرْنا مِن الاخْتِلافِ مِن قبلُ.1
..................................
فصل: فإن أدْرَكَه في الخُطْبَةِ، فإن كان في المَسْجِدِ، فقال شيخُنا 1: يُصلِّى تَحِيَّةَ المَسْجِدِ؛ لأنَّها إذا صُلِّيَتْ في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ مع وُجُوبِ الإِنْصاتِ لها، ففى خُطْبَةِ العِيدِ أوْلَى، ولا يَكُونُ حُكْمُه في تَرْكِ التَّحِيَّةِ حُكْمَ مَن أدْرَكَ العِيدَ.
وقال القاضى: يَجْلِسُ ويَسْتَمِعُ الخُطْبَةَ، ولا يُصَلِّى.
لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ قبلُ، ولأنَّ صلاةَ العِيدِ تُفارِقُ صلاة الجُمُعَةِ؛ لأنَّ التَّطَوَّعَ قبلَها وبعدَها مَكْرُوهٌ، بخِلافِ صلاةِ الجُمُعَةِ.
وإن لم يكنْ في المَسْجِدِ، جَلَس فاسْتَمَعَ ولم يُصَلِّ؛ لئلَّا يَشْتَغِلَ عن اسْتِماعِ الخُطْبَةِ، ثم إن أحَبَّ قَضاءَ صلاةِ العِيدِ قَضاها على ما نَذْكُرُه.
وَإنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ، اسْتُحِبَّ لَهُ أنْ يَقْضِيَهَا عَلَى صِفَتِهَا.
وَعَنْهُ، يَقْضِيهَا أَرْبَعًا.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعٍ.
691 - مسألة: (وإن فاتَتْه الصلاةُ، اسْتُحِبَّ أن يَقْضِيَها على صِفَتِها. وعنه، يَقْضِيها أرْبَعًا. وعنه، أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ رَكْعَتَيْن وأرْبَعٍ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه لا يَجِبُ قَضاءُ صلاةِ العيدِ على مَن فاتَتْه؛ لأنَّها فَرْضُ كِفايَةٍ، وقد قام بها مَن حَصَلَتْ به الكِفايَةُ، وإن أحَبَّ قَضاءَها اسْتُحِبَّ له أن يَقْضِيَها غلى صِفَتِها.
نَقَل ذلك عن أحمدَ إسْماعِيلُ بنُ سعيدٍ، واخْتارَه
..................................
الجُوزَجانِىُّ، وهو قولُ النَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ, وأبى ثَوْرٍ؛ لِما رُوِىَ عن أنَسٍ، أنَّه كان إذا لم يَشْهَدِ العِيدَ مع الإِمامِ بالبَصْرَةِ جَمَع أهْلَه ومَوالِيَه، ثم قام عبدُ اللَّهِ بنُ أبى عُتْبَةَ مَوْلاه فيُصَلِّى بهم رَكْعَتَيْن، يُكَبِّرُ فيهما 1. ولأنَّها قَضاءُ صلاةٍ، فكانت على صِفَتِها، كسائِرِ الصَّلَواتِ، وهو مُخَيَّرٌ، إن شاءَ صَلَّاها في جَماعَةٍ كما ذَكَرْنا عن أنَسٍ، وإن شاءَ صَلَّاهَا وحدَه.
وعنه، أنَّه يَقْضِيها أرْبَعًا، إمّا بسَلامٍ واحِدٍ أو بسَلامَيْن.
وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لِما رُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، أنَّه قال: مَن فاتَه العِيدُ فلْيُصَلِّ أرْبَعًا.
ورُوِىَ عن علىٍّ، أنَّه قال: إن أمَرْتُ رجلًا أن يُصَلِّىَ بضَعَفَةِ النّاسِ، أمَرْتُه أن يُصَلِّى أرْبَعًا.
رَواهما سَعِيدٌ 2. ولأنَّه قضاءُ صلاةِ
وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ في لَيْلَتَى الْعِيدَيْنِ،
عيدٍ، فكانت أرْبَعًا، كقَضاءِ الجُمُعَة.
وعنه، أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ رَكْعَتَيْن وأرْبَعٍ.
وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ، لأنَّها صلاةُ تَطَوُّعٍ، أشْبَهَتْ صلاةَ الضُّحَى.
692 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ في لَيْلَتَى العِيدَيْن)
يُسْتَحَبُّ إظْهارُ التَّكْبِيرِ في لَيْلَتَى العِيدَيْن في المَساجِدِ والطُّرُقِ والأسْواقِ،
..................................
والمُسافِرُ والمُقِيمُ فيه سَواءٌ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ 1. قال بعضُ أهلِ العِلْمِ: لتُكْمِلُوا عِدَّةَ رَمضانَ، ولتُكَبِّرُوا اللَّهَ عندَ كَمالِه على ما هَداكُم.
ويُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ به، وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لِما فيه مِن إظْهارِ شَعائِرِ الإِسْلامِ، وتَذْكِيرِ الغَيْرِ.
وكان ابنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ في قُبَّتِه بمِنًى، فيَسْمَعُه أهلُ المَسْجِدِ فيُكَبِّرُون، ويُكَبِّرُ أهلُ الأسْواقِ، حتى تَرْتجَّ مِنًى تَكْبِيرًا 2. قال أحمدُ: كان ابنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ في العِيدَيْن جَمِيعًا.
والتَّكْبِيرُ في الفِطْرِ آكَدُ؛ لوُرُودِ النَّصِّ فيه، وليس التَّكْبيرُ واجِبًا.
وقال داودُ: هو واجبٌ في الفِطْرِ؛ لظاهِرِ الآيَةِ.
ولَنا، أنَّه يُكَبِّرُ في عِيدٍ، فلم يكنْ واجِبًا؛ كتَكْبِيرِ الأضْحَى، والآيَةُ ليس فيها أمْرٌ، إنَّما أخْبَرَ اللَّهُ تعالى عن إرادَتِه، فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
إلى قَوْلِه: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
ويُسْتَحَبُّ أن يُكَبِّرَ في طَرِيقِ العِيدِ، ويَجْهَرَ بالتَّكْبِيرِ.
قال
..................................
ابنُ أبى موسى: يُكَبِّرُ النّاسُ في خُرُوجِهم مِن مَنازِلِهم لصَلاتَى العِيدَيْن جَهْرًا، حتى يَأْتِى الإِمامُ المُصَلَّى، فَيُكَبِّرُ النّاسُ بتَكْبِيرِ الإِمامِ في خُطْبَتِه، ويُنْصتُون فيما سِوَى ذلك.
وقد روَى سعيدٌ بإسْنادِه, عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان إذا خَرَج مِن بَيْتِه إلى العِيدِ كَبَّرَ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى 1. ورُوِىَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وابنِ أبى لَيْلَى.
قال القاضى: التَّكْبِيرُ في الفِطْرِ مُطْلَقٌ غيرُ مُقَيَّدٍ على ظاهِرِ كَلامِه.
يَعْنِى لا يَخْتَصُّ بأدْبارِ الصَّلَواتِ.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ قولَه تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
غيرُ مُخْتَصٍّ بوَقْتٍ.
وقال أبو الخَطّابِ: يُكَبِّرُ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ مِن لَيْلَةِ الفِطْرِ إلى خُرُوجِ الإِمامِ إلى الصَّلاةِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وهو قولُ الشافعىِّ.
وفى الأُخْرَى إلى فَراغِ الإِمامِ مِن الصَّلاةِ.
وَفِى الْأَضْحَى، يُكَبِّرُ عَقِيبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ في جَمَاعَةٍ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُكَبِّرُ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ، مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ،
693 - مسألة: (وفى الأضْحَى، يُكَبِّرُ عَقِيبَ كلِّ فَرِيضَةٍ في جَماعَةٍ. وعنه، يُكَبِّرُ، وإن كان وَحْدَه، مِن صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ)
وجملَةُ ذلك أنَّ التَّكْبِيرَ في الأضْحَى
..................................
مُطْلَقٌ ومُقَيَّدٌ، فالمُطْلَقُ التَّكْبِيرُ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، مِن أوَّل العَشْرِ إلى آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ 1. وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ 2. فالأيّامُ المَعْلُوماتُ أيّامُ العَشْرِ، والمَعْدُوداتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ.
قالَه ابنُ عباسٍ.
قال البخارىُّ: كان ابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيْرَةَ يَخْرُجان إلى السُّوقِ.
في أيّامِ العَشْرِ، يُكَبِّران، ويُكَبِّرُ النّاسُ بتَكْبِيرِهما.
ورُوِىَ أنَّ ابنَ عُمَرَ كان يُكَبِّرُ بمِنًى في تلك الأيّامِ خلفَ الصَّلَواتِ، وعلى فِراشِه، وفى فُسْطاطِه، ومَجْلِسِه ومَمْشاه تلك الأيّامَ جَمِيعًا، ويُكَبِّرُ في قُبَّتِه حتى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا.
فصل: وأمّا المُقَيَّدُ، فهو التَّكْبِيرُ في أدْبارِ الصَّلواتِ.
ولا خِلافَ بينَ العُلَماءِ في مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبيرِ في عِيدِ النَّحْرِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في مُدَّتِه، فذَهَبَ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، إلى أنَّه مِن صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِر أيّامِ التَّشْرِيقِ.
وهو قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ
..................................
مسعودٍ، رَضِىَ اللَّه عنهم.
وإليه ذَهَب الثَّوْرِىُّ، وابنُ عُيَيْنَةَ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وهو قولٌ للشافعىِّ.
وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّه كان يُكَبِّرُ مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ.
وإليه ذَهَب النَّخَعِىُّ، وعَلْقَمَةُ، وأبو حنيفةَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾.
وهى أيّامُ العَشْرِ.
وأجْمَعْنا على أنَّه لا يُكَبِّرُ قبلَ عَرَفَةَ، فلم يَبْقَ إلَّا يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ النَّحْرِ.
وعن ابنِ عُمَرَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، أنَّ التَّكْبِيرَ مِن صلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى الفَجْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ 1. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ في المَشْهُورِ عنه؛ لأنَّ النّاسَ تَبَعٌ للحاجِّ، يَقْطَعُون التَّلْبِيَةَ مع أوَّلِ حَصاةٍ، ويُكَبِّرُون مع الرَّمْى، وإنَّما يَرْمُون يَوْمَ النَّحْرِ، وأوَّلُ صلاةٍ بعدَ ذلك الظُّهْرُ، وآخِرُ صلاةٍ بمِنًى الفَجْرُ مِن اليَوْمِ الثّالِثِ مِن أيّامِ التَّشْرِيقِ.
ولَنا، ما روَى جابِرٌ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صَلَّى الصُّبْحَ مِن غَداةِ عَرَفَةَ، أقْبَلَ على أصْحابه، فيقولُ: «عَلَى مَكَانِكُمْ».
ويقولُ: «اللَّهُ أكبَرُ اللَّهُ أكبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاللَّه أكْبَرُ، اللَّهُ أكبَرُ وَللَّه الْحَمْدُ».
فيُكَبِّرُ مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى العَصْر مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ.
وعن علىٍّ، وعَمّارٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ يَوْمَ عَرَفَة صلاةَ الغداةِ ويَقْطَعُها صلاةَ العَصْرِ آخرَ أيّام التَّشْرِيقِ.
رَواهما الدّارَقُطنِىُّ 2.
..................................
إلَّا أنَّهما مِن رِوايةِ عَمْروْ بنِ شَمِرٍ، عن جابِرٍ الجُعْفِىِّ، وقد ضُعِّفا.
ولأنَّه قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباسٍ.
رَواه سعيدٌ عنهم 1. قيل لأحمدَ: بأىِّ حَدِيثٍ تَذْهَبُ إلى التَّكْبِيرِ مِن صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ؟ قال: لإِجْماعِ عُمَرَ، وعلىٍّ، وابنِ عباس.
ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
وهى أيّامُ التَّشْرِيقِ، فيَتَعَيَّنُ الذِّكْرُ في جَمِيعِها.
وأمّا قولُه تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾.
فمَحْمُولٌ على ذِكْرِ اللَّه عِلى الهَدايا والأضاحِى عندَ رُؤْيَتِها، فإنَّه مُسْتَحَبٌّ في جَمِيعِ العَشْرِ، وهو أوْلَى مِن تَفْسِيرِهم؛ لأنَّهم لم يَعْمَلُوا به في كلِّ العَشْرِ، ولا في أكْثَرِه، ولو صَحَّ تَفْسِيرُهم فقد أمَرَ اللَّه بالذِّكْرِ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ، وهى أيّامُ التَّشْرِيقِ، فيُعْمَلُ به أيضًا.
وأمّا المُحْرِمُ، فإنَّما لم يُكَبِّرْ مِن صلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ؛ لاشْتِغالِه عنها بالتَّلْبِيَةِ كما ذَكَرُوا، وغيرُه يَبْتَدِئُ مِن غَداةِ يومِ عَرَفةَ؛ لعَدَمِ المنافِعِ.
وقَوْلُهم: إنَّ النّاسَ في هذا تَبَعٌ للحاجِّ.
مُجَرَّدُ دَعْوَى بغيرِ دَلِيلٍ.
وقَوْلُهم: إنَّ آخِرَ صلاةٍ يُصَلُّونَها بمِنًى الفَجْرُ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ.
مَمنُوعٌ؛ لأنَّ الرَّمْى إنَّما يكونُ بعدَ الزَّوالِ.
فصل: والتَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ إنَّما يَكُونُ عَقِيبَ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ في
إِلَّا الْمُحْرِمَ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ.
الجَماعاتِ، في المَشْهُورِ عن أحمدَ.
قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: أذْهَبُ إلى فِعْلِ ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يُكَبِّرُ إذا صَلَّى وَحْدَه؟ قال: نعم.
وقال ابنُ مسعودٍ: إنَّما التَّكْبِيرُ على مَن صَلَّى في جَماعَةٍ.
وهذا مَذْهَبُ الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ.
وعنه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّهْ يُكَبِّرُ عَقِيبَ الفَرائِضِ، وإن كان وَحْدَه.
وهذا مَذْهَبُ مالكٍ؛ لأنَّه ذِكْرٌ مُسْتَحَبٌّ للمَسْبُوقِ، فاسْتُحِبَّ للمُنْفَرِدِ، كالسَّلامِ.
قال الشافعىُّ: يُكَبِّرُ عَقِيبَ كلِّ صلاةٍ، فَرِيضةً كانت أو نافِلَةً، مُنْفَرِدًا أو في جَماعَةٍ، قِياسًا على الفَرْضِ في الجَماعَةِ.
ولَنا، أنَّه قولُ ابنِ مسعودٍ، وفِعْلُ ابنِ عُمَرَ، ولا مُخالِفَ لهما في الصحابةِ، فكان إجْماعًا.
فصل: فأمّا (المُحْرِمُ، فإنَّه) يَبْتَدِئُ التَّكْبيرَ (مِن صلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ) لأنَّه يكونُ مَشْغُولًا بالتَّلْبِيَةِ قبلَ ذلك، وأوَّلُ صلاةٍ بعدَ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ الظُّهْرُ.
..................................
فصل: والمُسافِرُون كالمُقِيمِين فيما ذَكَرْنا؛ لعُمُومِ النَّصِّ.
وحُكْمُ النِّساءِ حُكْمُ الرِّجالِ، في أنَّهُنَّ يُكَبِّرْنَ في الجَماعَةِ، وفى الانْفِرادِ رِوايَتان.
وقال البخارىُّ 1: كان النِّساءُ يُكَبِّرْنَ خلفَ أبانَ بنِ عثمانَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ لَيالِىَ التَّشْرِيقِ مع الرِّجالِ في المَسْجِدِ.
ويَنْبَغِى أن يَخْفِضْنَ أصْواتَهُنَّ حتى لا يَسْمَعَهُنَّ الرِّجالُ.
وعن أحمدَ، أنَّهُنَّ لا يُكَبِّرْنَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يُشْرَعُ فيه رَفْعُ الصَّوْتِ، فلم يُشْرَعْ في حَقِّهِنَّ، كالأذانِ.
..................................
فصل: والمَسْبُوقُ ببعضِ الصَّلاةِ يُكَبِّرُ إذا فَرَغ مِن قَضاءِ ما فاتَه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال أكْثَرُ أهلِ العلم.
وقال الحسنُ: يُكَبِّرُ، ثم يَقْضِى؛ لأنَّه ذِكْرٌ شُرِع في آخِرِ الصَّلاةِ، فيَأْتِى به المَسْبُوق قبلَ القَضاءِ، كالتَّشَهُّدِ.
وعن مُجاهِدٍ، ومَكْحُولٍ، يُكَبِّرُ، ثم يَقْضِى، ثم يُكَبِّرُ لذلك.
ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ بعدَ السَّلامِ 1، فلم يَأْتِ به في أثْناءِ الصَّلاةِ، كالتَّسْلِيمَةِ الثَّانيةِ، والدُّعاءِ بعدَها.
وإن كان على المُصَلِّى سُجُودُ سَهْوٍ بعدَ السَّلامِ، سَجَد ثم كَبَّرَ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لأنَّه سُجُود مَشْرُوعٌ للصلاةِ، فكان التَّكْبِيرُ بعدَه وبعدَ تَشَهُّدِه، كسُجُودِ صُلْبِها.
..................................
فصل: وإذا فاتَتْه صلاةٌ مِن أيّام التَّشْرِيقِ، أو مِن غيرِها فقَضاها فيها، فحُكْمُها حُكْمُ المُؤَدّاةِ في التَّكْبِيرِ؛ لأنَّها مَفْرُوضَةٌ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وإن فاتَتْه في أيَّامِ التَّشْرِيقِ فقَضاها في غيرِها، لم يُكَبِّرْ؛ لأَنَّ التَّكْبيرَ مُقَيَّدٌ بالوَقْتِ، فلم يُفْعَلْ في غيرِه، كالتَّلْبِيَةِ.
ويُكَبِّرُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ.
قال أبو بكرٍ: وعليه العَمَلُ.
وحَكاه أحمدُ عن إبْراهيمَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بالصلاةِ، أشْبَهَ الأذانَ والإِقامَةَ.
ويَحْتَمِلُ أن يُكَبِّرَ كَيْفَما شاء؛ لِما روَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقْبَلَ عليهم، فقال: «اللَّه أكْبَرُ اللَّهُ أكبَرُ» 1.
وَإنْ نَسِىَ التَّكْبِيرَ قَضَاهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، أوْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسجِدِ.
694 - مسألة: (وإن نَسِىَ التَّكْبيرَ قَضاه، ما لم يُحْدِثْ، أو يَخْرُجْ مِن المَسْجِد)
لأنَّه مُخْتَصٌّ بالصلاةِ، أَشْبَهَ سُجُودَ السَّهْوِ.
فعلى هذا إن ذَكَرَه في المَسْجِدِ بعدَ أن قام، عاد إلى مكانِه، فجَلَسَ واسْتَقْبَلَ القِبْلِةَ فكَبَّرَ.
وقال الشافعىُّ: يُكَبِّرُ ماشِيًا.
قال شيخُنا 1: وهو أقْيَسُ؛ لأنَّه
..................................
ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ بعدَ الصَّلاةِ، أشْبَهَ سائِرَ الذِّكْرِ.
فإن ذَكَرَه بعدَ خُرُوجِه مِن المَسْجِدِ لم يُكَبِّرْ؛ لِماَ ذَكَرْنا.
وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى.
ويَحْتَمِلُ أن يُكَبِّرَ؛ لأنَّه ذِكْرٌ بعدَ الصَّلاةِ، فاسْتُحِبَّ وإن خَرَج، كالدُّعاءِ والذِّكْرِ المَشْرُوعِ بعدَ الصَّلاةِ.
وإن نَسِيَه حتى أحْدَثَ، فقال أصْحابُنا: لا يُكَبِّرُ، سواءٌ أحْدَثَ عامِدًا أو ساهِيًا؛ لأنَّ الحَدَثَ يَقْطَعُ الصلاةَ عَمْدُه وسَهْوُه.
وبالَغَ ابنُ عَقِيلٍ، فقال: إن تَرَكَه حتى تَكَلَّمَ لم يُكَبِّرْ.
قال الشَّيْخُ: والأَوْلَى إن شاء اللَّهُ أَنَّه يُكَبِّرُ؛ لأنَّ ذلك ذِكْرٌ مُنْفَرِدٌ بعدَ سَلامِ الإِمامِ، فلا يُشْتَرَطُ له الطَّهارَةُ، كسائِرِ الذِّكْرِ، ولأنَّ اشْتِراطَ الطَّهارَةِ إمّا بنَصٍّ أو مَعْناه، ولم يُوجَدْ.
وإن نَسِيَه الإِمامُ كَبَّرَ المَأْمُومُ.
وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لأنَّه ذِكْرٌ يَتْبَعُ الصلاةَ، أشْبَهَ سائِرَ الذِّكْرِ.
وَفِى التَّكْبِيرِ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجْهَانِ.
695 - مسألة: (وفى التَّكْبِيرِ عَقِيبَ العِيدِ وَجْهَان)
أحَدُهما، يكَبِّرُ.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وقال القاضى: هو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّها صَلاةٌ مَفْرُوضَةٌ في جَماعَةٍ، فأشْبَهَتِ الفَجْرَ.
والثانِى، لا يُسَنُّ.
قالَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّها ليست مِن الصَّلَواتِ الخَمْسِ، أشْبَهَتِ النَّوافِلَ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ هذه الصلاةَ أخَصُّ بالعِيدِ، فكانت أحَقَّ بتَكْبِيرِه.
وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، وللَّهِ الْحَمْدُ.
696 - مسألة: (وصِفَةُ التَّكْبِيرِ شَفْعًا؛ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّه أكْبَرُ، لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، وللَّهِ الحَمْدُ)
وهذا قولُ عُمَرَ، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ.
وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسْحاقُ، وابنُ المُبارَكِ، إلَّا أنَّه زاد: على ما هَدانا.
لقَوْلِه تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: يقولُ: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، ثَلاثًا؛ لأنَّ جابِرًا صَلَّى في أيّامِ التَّشْرِيقِ، فلمّا فَرَغ مِن صَلاتِه، قال: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ.
رواه ابنُ ماجه.
وهذا لا يَقُولُه إلَّا تَوْقِيفًا، ولأنَّ التَّكْبِيرَ شِعارُ العِيدِ، فكان وِتْرًا، كتَكْبيرِ الصَّلاةِ والخُطْبةِ.
ولَنا، خَبَرُ جابِرٍ المَذْكُورُ 1، وهو نَصٌّ في كَيْفِيَّةِ التَّكْبِيرِ، وأنَّه قولُ الخَلِيفَتَيْن الرّاشِدَيْن، وقولُ ابنِ مسعودٍ.
وقولُ جابِرٍ لا يُسْمَعُ مع قولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا يُقَدَّمُ على قولِ أحَدٍ ممَّن ذَكَرْنا، فكيف قَدَّمُوه على قولِ الجَمِيعِ،
..................................
مع تَقَدُّمِهم عليه في الفَضْلِ والعِلْمِ، وكَثْرتِهم؟ ولأنَّه تَكْبِيرٌ خارِجَ الصَّلاةِ، فكان شَفْعًا، كتَكْبيرِ الأذانِ.
وقوْلُهم: إنَّ جابِرًا لا يَفْعَلُه إلَّا تَوْقِيفًا.
لا يَصِحُّ؛ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّه قد روَى خِلافَ قوْلِه، فكيف يُترَكُ ما صَرَّحَ به لاحْتِمالِ وُجُودِ ضِدِّهِ؟ والثانِى، أنَّه إن كان قَوْلُه تَوقِيفًا، فقولُ مَن ذَكَرْنا تَوْقِيفٌ، وهو مُقَدَّمٌ على قَوْلِه بما بَيَّنّا.
والثالثُ، أنَّ هذا ليس مَذْهَبًا لهم.
الرّابِعُ، أنَّ قولَ الصَّحابِىِّ إنَّما يُحْمَلُ على التَّوْقِيفِ إذا خالَفَ الأُصُولَ، وذِكْرُ اللَّهِ تعالى لا يُخالِفُ الأصْلَ، لاسِيَّما إذا كان وِتْرًا.
فصل: ولا بَأْسَ أن يقولَ للرَّجُلِ في يَوْمِ العِيدِ: تَقَبَّلَ اللَّه مِنّا ومنك.
قال حَرْبٌ: سألتُ أحمدَ عن قول النّاسِ في العِيدَيْن: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنّا ومِنْكُمْ؟ قال: لا بَأْسَ به يَرْوِيه أهلُ الشَّامِ عن أبِى أُمامَةَ 1. قِيلَ: وواثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ 2؛ قال: نعم.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ في ذلك أحادِيثَ، منها؛ أنَّ
..................................
مُحمَّدَ بنَ زِيادٍ، قال: كنتُ مع أبِى أُمامَةَ الباهِلِىِّ وغيرِه مِن أصحاب النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكانُوا إذاْ رَجَعُوا مِن العِيدِ يقولُ بعضُهم لبعض: تَقَبَّلَ اللَّه مِنّا ومنك 1. وقال: إسنادُ حَدِيثِ أبى أُمامَةَ إسنادٌ جَيِّدٌ.
قال مالكٌ: لم نَزَلْ نَعْرِفُ هذا بالمَدِينَةِ.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا أبْتَدِئٌ به أحَدًا وإن قالَه أحَدٌ رَدَدْتُ عليه.
فصل: ولا بَأْسَ بالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بالأمْصارِ.
ذَكَرَه القاضى.
وقال الأثْرَمُ: سأَلْتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن التَّعْرِيفِ بالأمْصارِ، يَجْتَمِعُونَ في المَساجِدِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ قال: أرْجُو ألا يكونَ به بَأْسٌ، قد فَعَلَه غيرُ واحِدٍ.
وروَى الأثْرَمُ عن الحسنِ، قال: أوَّلُ مَن عَرَّفَ بالبَصْرَةِ ابنُ عباسٍ، رَحِمَه اللَّهُ.
وقال أحمدُ: أوَّلُ مَن فَعَلَه ابنُ عباسٍ وعَمْرُو بنُ حُرَيْثٍ 2. وقال أحمدُ: لا بَأْسَ به، إنَّما هو دُعاءٌ وذِكْرُ اللَّهِ.
وقال: الحسنُ، وبَكْرٌ 3، وثابِتٌ، ومحمدُ بنُ واسِعٍ 4 كانُوا يَشْهَدُون المَسْجدَ يَوْمَ
..................................
عَرَفَةَ.
قِيلَ له: فتَفْعَلُه أنت؟ قال: أمّا أنا فلا.
ورُوِىَ عن يَحْيى بنِ مَعِينٍ، أنَّه حَضَر مع النّاسِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الاجْتِهادُ في عَمَلِ الخَيْرِ أيّامَ العَشْرِ؛ مِن الذِّكْرِ، والصِّيامِ، والصَّدَقَةِ، وسائِرِ أعْمالِ البِرِّ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا الْعَمَلُ في أيَّامٍ أفْضَلَ مِنْهَا فِى هذِهِ».
يَعْنِى أيَّامِ العَشْرِ.
قالُوا: ولا الجِهادُ؟ قال: «وَلَا الْجِهَادُ، إلَّا رَجُل خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِع بشَىْءٍ».
رَواه البخارىُّ 1. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا مِنْ أيَّامِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا أحَبُّ إِلَيْهِ العَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأيَّامِ العَشْرِ، فَأكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 2.
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ
وَإِذَا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ، جَمَاعَةً وَفُرَادَى، بِإِذْنِ الْإِمَامَ وَغَيْرِ إِذنِهِ، بابُ صَلاةِ الكُسُوفِ الكُسُوفُ والخُسوفُ شئٌ واحِدٌ، وكِلاهما قد وَرَدَتْ به الأخْبارُ، وجاءَ القُرْآنُ بلَفْظِ الخُسُوفِ.
697 -
مسألة: (وإذا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أو القَمَرُ، فَزِع النّاسُ إلى الصَّلاةِ، جَماعَةً وفُرادَى، بإذْنِ الإِمامِ وغيرِ إذْنِه)
صَلاةُ الكُسُوفِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَها وأمَرَ بها.
ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ
..................................
في مَشْرُوعِيَّتِها لكُسُوفِ الشَّمْسِ.
فأمّا خُسُوفُ القَمَرِ، فأكْثَرُ أهلِ العلمِ على أنَّها مَشْرُوعَةٌ له، فَعَلَها ابنُ عباسٍ.
وبه قال عَطاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
وقال مالكٌ: ليس لكُسُوفِ القَمَرِ سُنَّةٌ.
وحَكَى عنه ابنُ عبدِ البَرِّ، وعن أبى حنيفةَ، أنَّهما قالا: يُصَلِّى النّاسُ لخُسُوفِ القَمَرِ وُحْدانًا رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْن، ولا يُصَلُّون جَماعَةً؛ لأنَّ في خُرُوجِهم إليها مَشَقَّةً.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإذا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا».
مُتَّفَقٌ عليه 1. فأمَرَ بالصلاةِ لهما أمْرًا واحِدًا.
وعن ابنِ
..................................
عباسٍ، أنَّه صَلَّى بأهلِ البَصْرَةِ في خُسُوفِ القَمَرِ رَكْعَتَيْن، وقال: إنَّما صَلَّيْتُ لأنِّى رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى 1. ولأنَّه أحَدُ الكُسُوفَيْن، فأشْبَهَ كُسُوفَ الشَّمْسِ.
ويُسَنُّ فِعْلُها جَماعَةً وفُرادَى.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وحُكِىَ عن الثَّوْرِىِّ، أنَّه قال: إن صَلَّاها الإِمامُ فصَلُّوها معه، وإلَّا فلا.
ولَنا، قَوْلُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَإذَا رَأيْتُمُوهَا فَصَلُّوا».
ولأنَّهَا نافِلَةٌ، فجازَتْ في الانْفِرادِ، كسائِرِ النَّوافِلِ.
وفِعْلُها في الجَماعَةِ أفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّاها في جَماعَةٍ.
والسُّنَّةُ أن يُصلِّيَها في المَسْجِدِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَها فيه، لقَوْلِ عائِشَةَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ في حَياةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-, فخَرَجَ إلى المَسْجِدِ، فصَفَّ النّاسُ وراءَه.
رَواه البخارىُّ 2. ولأنَّ وَقْتَ الكُسُوفِ يَضِيقُ، فلو خَرَج إلى المُصَلَّى احْتَمَلَ التَّجَلِّى قبلَ فِعْلِها.
ويُشْرَعُ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، بإذْنِ الإِمامِ وغيرِ إذْنِه.
وقال أبو بكرٍ:
وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً.
هى كصَلاةِ العيدِ، فيها رِوايَتان.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السلامُ: «فَإذَا رَأيْتُمُوهَا فَصَلُّوا».
ولأنَّها نافِلَةٌ، أشْبَهَتْ سائِرَ النَّوافِلِ.
وتُشْرَعُ في حَقِّ النِّساءِ؛ لأنَّ عائشةَ وأسْماءَ صَلَّتا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رَواه البخارىُّ 1. (و) يُسَنُّ أن (يُنادَى لها: الصَّلاةَ جامِعَةً) لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو، قال لمّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نُودِىَ بالصلاةِ جامِعَةً.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولا يُسَنُّ لها أذانٌ ولا إقامَةٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّاها بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، ولأنَّها مِن غيرِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، أشْبَهَتْ سائِرَ النَّوافِلِ.
ثُمَّ يْصَلِّى رَكْعَتَيْن، يَقْرَأُ في الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَركَعُ رُكُوِعًا طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْفَعُ، فَيُسَمِّعُّ وَيُحَمِّدُ، ثُمَّ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ، وَيُطِيلُ، وَهُوَ دُون الْقِيَامَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْكَعُ، فَيُطِيلُ.، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَويلَتَيْنِ، ثمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ، فَيَفْعَلُ مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، وَيُسَلِّمُ،
698 - مسألة: (ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، يَقْرَأُ في الأُولَى بعدَ الفاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً، ويَجْهَرُ بالقِراءَةِ، ثم يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثم يَرْفَعُ، فَيُسَمِّعُ ويُحَمِّدُ، ويَقْرَأُ الفاتِحَةَ وسُورَةً، ويُطِيلُ، وهو دُونَ القِيامِ الأوَّلِ، ثم يَرْكَعُ ويُطِيلُ، وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثم يَرْفَعُ، ثم يَسْجُدُ سَجدَتَيْن طَوِيلَتَيْن، ثم يَقُومُ إلى الثَّانيةِ، فيَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم يَتَشَهَّدُ، ويُسَلِّمُ)
المُسْتَحَبُّ في صلاةِ الكُسُوفِ أن يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْن، يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الإِحْرامِ،
..................................
ثم يَسْتَفْتِحُ، ويَسْتَعِيذُ، ويَقْرأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ البَقَرَةِ، أو قَدْرَها، ثم يَرْكَعُ فيُسَبِّحُ قَدْرَ مائةِ آيَةٍ، ثم يَرْفعُ فيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَه، رَبَّنا ولك الحَمْدُ.
ثم يَقْرَأُ الفاتِحَةَ وآلَ عِمْرانَ، أو قَدْرَها، ثم يَرْكَعُ فيُسَبِّحُ نَحْوًا مِن سَبْعِين آيةً، ثم يَرْفَعُ فَيُسَمعُ ويُحَمدُ، ثم يَسْجُدُ سَجْدَتَيْن، فَيُطِيلُ السُّجُودَ نَحْوًا مِن الرُّكُوعِ، ثِم يَقُومُ إلى الثَّانيةِ، فيَقْرأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ النِّساءِ، أو نحْوَها، ثم يَرْكَعُ فيُسَبِّحُ نَحْوًا مِن خَمْسِين آيةً، ثم يَرْفَعُ، ويُسَمِّعُ ويُحَمِّدُ، ويَقْرَأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ المائِدَةِ، ثم يَرْكَعُ فيُطِيلُ دُونَ الذى قَبْلَه، ثم يَرْفَعُ، ثم يَسْجُدُ سَجْدَتَيْن طَوِيلَتَيْن، ثم يَتَشهَّدُ، ويُسَلِّمُ.
ويَجْهَرُ بالقِراءَةِ لَيْلًا كان أو نَهارًا.
وليس هذا التَّقْدِيرُ في القِراءَةِ مَنْقُولًا عن الإِمامِ
..................................
أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ تعالى، ولكنْ قد نُقِلَ عنه، أنَّ الأُولَى أطْوَلُ مِن الثَّانيةِ.
وجاء في حَدِيثِ ابنِ عباس، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قام قِيامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وفى حَدِيثٍ لعائشةَ: حَزَرْتُ قِراءَةَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فرأيتُ أنَّه قَرَأ في الرَّكْعَةِ الأُولَى سُورَةَ البَقَرَةِ، وفى الثَّانيةِ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ 2. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، إلَّا أنَّهما قالا: لا يُطِيلُ السُّجُودَ.
حكاه ابنُ المُنْذِرِ عنهما؛ لأنَّ ذلك لم يُنْقَلْ.
وقالا: لا يَجْهَرُ في كُسُوفِ الشَّمْسِ، ويَجْهَرُ في كُسُوفِ القَمَرِ.
ووافَقَهم أبو حنيفةَ؛ لقولِ عائشةَ: حَزَرْتُ قِراءَةَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولو جَهَر بالقِراءَةِ لم يُحْتَجْ إلى الحَزْرِ.
وكذلك قال ابنُ عباس: قام قِيامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولأنَّها صَلاةُ نهارٍ، فلم يَجْهَرْ فيها كالظُّهْرِ.
وفى حَدِيثِ سَمُرَةَ، قال: فلم أسْمَعْ له صَوْتًا.
قال
..................................
التِّرْمِذىُّ 1. هذا حديثٌ صحيحٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يُصَلِّى رَكْعَتَيْن كصلاةِ التَّطَوُّعِ؛ لِما روَى النُّعْمانُ بنُ بَشِيرٍ، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخَرَجَ فكان يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، حتى انْجَلَتِ الشَّمْسُ.
رَواه أحمدُ 2. وروَى قَبِيصَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «فَإذَا رَأيْتُمُوهَا فَصَلُّوا كَأحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ الْمَكْتُوبَةِ» 3. ولَنا، على أنَّه يُطِيلُ السُّجُودَ، أنَّ في حديثِ عائِشةَ: ثم رَفَع، ثم سَجَد سُجُودًا
..................................
طَوِيلًا، ثم قام قِيامًا طَوِيلًا، وهو دُونَ القِيامِ الأوَّلِ، ثم رَكَع رُكُوعًا طَوِيلًا، وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثم سَجَد سُجُودًا طَوِيلًا، وهو دُونَ السُّجُودِ الأوَّلِ.
رَواه البخارىُّ 1. وفى حَدِيثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو في صِفَةِ صلاةِ الكُسُوفِ: ثم سَجَد، فلم يَكَدْ يَرْفَعُ.
رَواه أبو داودَ 2. وتَرْكُ ذِكْرِه في حديثٍ لا يَمْنَعُ مَشْرُوعِيَتَّه إذا ثَبَت عن النبى -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وأمَّا الجَهْرُ فرُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه فَعَلَه.
وهو مذْهَبُ أبى يُوسُف، وإسحاقَ، وابنَ المُنْذِرِ؛ لِما روَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَهَر في صَلاةِ
..................................
الكُسُوفِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعنها أيضًا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى صلاةَ الكُسُوفِ، وجَهَر فيها.
قال التِّرْمِذىُّ 2: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ولأنَّها نافِلَةٌ شُرِعَتْ لها الجَماعَةُ، فكان مِن سُنَّتِها الجَهْرُ، كصلاةِ الاستِسْقاءِ.
فأمَّا قولُ عائشةَ: حَزَرْتُ قِراءَتَه.
ففى إسْنادِه مَقالٌ؛ لأنَّه مِن رِوايَةِ ابنِ إسْحاقَ.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ سَمِعَتْ صَوْتَه ولم تَفْهَمْ للبُعْدِ،
..................................
أو قَرَأ مِن غيرِ أوَّلِ القُرْآنِ بقَدْرِ البَقَرَةِ.
ثم حَدِيثُنا صحيحٌ صريحٌ، فكيف يُعارَضُ بمثْلِ هذا.
وحديثُ سَمُرَةَ مَحْمُولٌ على أنَّه لم يَسْمَعْ لبُعْدِه؛ فإنَّ في حَدِيثِه ما يَدُلُّ على هذا، وهو أنَّه قال: دَفَعْتُه إلى المَسْجدِ، وهو بأُزَزٍ.
يعنى وهو مُغْتَصٌّ بالزّحامِ.
ثم إنَّ هذا نَفْىٌ يَحْتَمِلُ أُمُورًا كَثِيرةً، فكيف يُتْرَكُ لأجْلِه الحديثُ الصحيحُ! وقِياسُهم مُنْتَقَضٌ بما ذَكَرْنا مِن القِياسَ.
والدَّلِيلُ على صِفَةِ الصَّلاةِ التى ذَكَرْناها، ما روَتْ عائشةُ، قالت: خَسَفَتِ الشَّمْسُ في حَياةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخَرَجَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المَسْجِدِ، فقامَ وكَبَّرَ، وصَف النّاسُ وَراءَه، فقَرَأ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قِراءَةً طَوِيلَةً، ثم كَبَّرَ فرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثم رَفَع رأْسَه، فقال: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَاَ وَلَكَ الْحَمْدُ».
ثم قام فاقْتَرَأ قِراءَةً طَوِيلَةً، وهى
..................................
أدْنَى مِن القِراءَةِ الأُولَى، ثم كَبَّرَ فرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وهو أدْنَى مِن الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثم قال: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
ثم سَجَد، ثم فَعَل في الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مثلَ ذلك، حتى اسْتَكْمَلَ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، وأرْبَعَ سَجَداتٍ، وانْجَلَتِ الشَّمْسُ قبلَ أن يَنْصَرِفَ.
وعن ابنِ عباسٍ مثلُ ذلك، وفيه أنَّه قام في الأُولَى قِيامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. فأمّا أحادِيثُهم فغيرُ مَعْمُولٍ بها باتِّفاقِنا، فإنَّهم قالُوا: يُصَلِّى رَكْعَتَيْن.
وحَدِيثُ النُّعْمانِ فيه أنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، وحَدِيثُ قَبِيصَةَ مُرْسَل، وحديثُ النُّعْمانِ يَحْتَمِلُ أنَّه صَلَّى رَكْعَتَيْن في كلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْن، لأنَّ فيه جمعًا بينَ الأحاديثِ، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ كانت أحادِيثُنا أوْلَى؛ لصِحَّتِها وشُهْرَتِها، واشْتِمالِها على الزِّيادَةِ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.
..................................
فصل: ومَهْما قَرَأ به جاز، سَواءٌ كانتِ القِراءَةُ طَوِيلَةً أو قَصِيرَةً؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ في أرْبَعِ سَجَداتٍ، وقَرَأ في الأُولَى بالعَنْكَبُوتِ والرُّومِ، وفى الثَّانيةِ بـ ﴿يس﴾.
أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنىُّ 1.
فصل: وقال أصحابُنا: لا خُطْبَةَ لصلاةِ الكُسُوفِ، ولم يَبْلُغْنا عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في ذلك شئٌ.
وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وقال إسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يَخْطُبُ الإِمامُ بعدَ الصَّلاةِ.
قال الشافعىُّ: يَخْطُبُ كَخُطْبَتَى الجُمُعَةِ؛ لأنَّ في حديثِ عائشةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- انْصَرَفَ وقد انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فخَطَبَ النّاس، فحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنَى عليه، وقال: «إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَخسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا» ثم قال: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولَنا، أنَّ في هذا الخَبَرِ ما يَدُلُّ على أنَّ الخُطْبَةَ لا تُشْرع لها، لأنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَهم بالصلاةِ، والدُّعاءِ، والتَّكْبِيرِ، والصَّدَقَةِ، ولم يَأْمُرْهم بخُطْبَةٍ، ولو كانت سُنَّةً لأمَرَهمِ بها، وإنَّما خَطَب
فَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ فِيهَا أتَمَّهَا خَفِيفَةً، وَإنْ تَجَلَّى قَبْلَهَا، أَوْ غَابَتِ الشَّمْسُ كَاسِفَةً، أوْ طَلَعَتْ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ، لَمْ يُصَلِّ.
النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعدَ الصلاةِ ليُعَلِّمَهم حُكْمَها، وهذا مُخْتَصٌّ به، ليس في الخَبَرِ ما يَدُلُّ على أنَّه خَطَب خُطْبَتَى الجُمُعَةِ.
واسْتُحِبَّ ذِكْرُ اللَّهِ تعالى، والدُّعاءُ، والتَّكْبِيرُ، والاسْتِغْفارُ، والصَّدَقَةُ، والعِتْقُ، والتَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ تعالى بما اسْتَطاعَ؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ.
وفى خَبَرِ أبى موسى: «فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ تعالى، وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ» (1). ورُوِى عن أسماءَ، أنَّها قالت: إنَّا كُنَّا لنُؤْمَرُ بالعِتْقِ في الكُسُوفِ (2).
699 -
مسألة: (فإن تَجَلَّى الكُسُوفُ فيها أتَمَّها خَفِيفَةً، وإن تَجَلَّى قَبْلَها، أو غابَتِ الشَّمْسُ كاسِفَةً، أو طَلَعَتْ والقَمَرُ خاسِفٌ، لم يُصَلِّ)
وقْتُ صلاةٍ الكُسُوفِ مِنْ حينِ الكُسُوفِ إلى حينِ التَّجَلِّى.
فإن فاتَتْ لم تُقْضَ؛ لأنَّه قد رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ12