الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 408-448

..................................  أنَّه قولُ أهْلِ الحِجازِ.
فعلى هذا، تُؤْخَذُ مِن نِسائِهم وصِبْيانِهم ومَجانِينِهم وزَمْناهُم ومَكافِيفِهم وشُيُوخِهم، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ لا يُوجِبُ الزَّكاةَ في مالِ صَبِىٍّ ولا مَجْنُونٍ مِن المُسْلِمِين، فكذلك الواجِبُ في مالِ بنى تَغْلِبَ، لا يَجِبُ على صَبِىٍّ ولا مَجْنُونٍ، إلَّا في الأرْضِ خاصَّةً.
وذَهَب الشافعىُّ إلى أنَّ هذا جِزْيَةٌ تُؤْخَذُ باسمِ الصَّدَقَةِ، فعندَه لاتُؤْخَذُ ممَّن لا جِزْيَةَ عليه، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ والمَجانِينِ.
قال: وقد رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: هؤلاء حَمْقَى، رَضُوا بالمَعْنَى، وأبَوْا الاسْمَ.
وقال النُّعْمانُ بنُ زُرْعَةَ: خُذْ منهم الجِزْيَةَ باسمِ الصَّدَقَةِ.
ولأنَّهم أهْلُ ذِمَّةٍ، فكان الواجِبُ عليهم جِزْيَةً لا صَدَقَةً، كغيرِهم مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، ولأنَّه مالٌ يُؤْخَذُ مِن أهْلِ الكِتابِ لحَقْنِ دِمائِهم، فكان جِزْيَةً، كما لو أُخِذَ باسمِ الجِزْيَةِ، يُحَقِّقُه أنَّ الزَّكاةَ طُهْرَةٌ، وهؤلاء لا طُهْرَةَ لهم.
قال شيخُنا 1: وهذا أقْيَسُ.
وحُجَّةُ أصحابِنا، أنَّهم سألُوا عُمَرَ أن يَأْخُذَ منهم ما يَأْخُذُ بعضُهم 2 مِن بعضٍ.
فأجابَهم عُمَرُ إليه بعدَ الامْتِناعِ منه، والذي يَأْخُذُه بعضُنا مِن بعضٍ هو الزَّكاةُ مِن كلِّ مالٍ زَكَوِىٍّ لأىِّ

وَمَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الْجِزْيَةِ.
وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: مَصْرِفُ الزَّكَاةِ.
مسلمٍ كان، مِن صغيرٍ وكبيرٍ، وصحيحٍ ومريضٍ، كذلك المأْخُوذُ مِن بنى تَغْلِبَ، ولأنَّ نساءَهم وصِبْيانَهم صِينُوا عن السَّبْى بهذا الصُّلْحِ، ودَخَلُوا في حُكْمِه، فجازَ أن يَدْخُلُوا في الواجِبِ به، كالرِّجالِ والعُقَلاءِ.
وعلى هذا، مَن كان منهم فقِيرًا، أو له مالٌ غيرُ زَكَوِىٍّ؛ كالرَّقِيقِ، والدُّورِ، وثِيابِ البِذْلَةِ، فلا شئَ عليه، كما لا يَجِبُ ذلك على أهلِ الزَّكاةِ مِن المُسْلِمِين، ولا تُؤْخَذُ مِن مالٍ لم يَبْلُغْ نِصابًا.

1506 -

مسألة: (ومَصْرِفُه مَصْرِفُ الجِزْيَةِ)

اخْتارَه القاضِى.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه مأْخُوذٌ مِن مُشْرِكٍ، ولأنَّه جِزْيَةٌ مُسَمّاةٌ بالصَّدَقَةِ.
وقال أبو الخَطّابِ: مَصْرِفُه مَصْرِفُ الصَّدقاتِ؛ لأنَّه مُسَمًّى باسمِ الصَّدَقَةِ، مَسْلوكٌ به في مَن يُؤْخَذُ منه مَسْلَكَ الصَّدَقَةِ، فيكُونُ مَصْرِفُه مَصْرِفَها.
والأوَّلُ أقْيَسُ وأصحُّ؛ لأنَّ مَعْنَى الشئِ أخَصُّ به مِن اسْمِه، ولهذا لو سُمِّىَ رَجُلٌ أسَدًا، لم يَصِرْ له حُكْمُ المُسَمَّى بذلك، ولأنَّه لو كان صَدَقَةً على الحقيقَةِ، لجازَ دَفْعُها إلى فُقرَاءِ مَن أُخِذَتْ منهم؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصَّدَقَةِ: «تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ» 1.

وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِىٍّ غَيْرِهِمْ.
وَقَالَ الْقَاضِى: تُؤْخَذُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ.
فصل: فإن بَذَل التَّغْلِبىُّ أداءَ الجِزْيَةِ، وتُحَطُّ عنه الصَّدَقَةُ، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّ الصُّلْحَ وَقَع على هذا، فلا يُغَيَّرُ.
ويَحتمِلُ أن يُقْبَلَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
أي يَبْذُلُوها، وهذا قد أعْطَى الجِزْيَةَ.
وإن كان الذى بَذَلَها منهم حَرْبِيًّا، قُبِلَتْ منه؛ للآيَةِ، وخَبَرِ بُرَيْدَةَ (1)، ولأنَّه لم يَدْخُلْ في صُلْحِ الأوَّلِينَ، فلم يَلزمْه حُكْمُه، وهو كِتابِىٌّ باذِلٌ للجِزْيَةِ، فيُحْقَنُ بها دَمُه.
فإن أرادَ الإِمامُ نَقْضَ العَهْدِ، وتَجْديدَ الجزْيَةِ عليهم، كفِعْلِ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ على التَّأْبِيدِ، وقد عَقَدَه معهم عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فلم يَكُنْ لأحَدٍ نَقْضُه ما دامُوا على العَهْدِ.

1507 -

مسألة: (ولا يُؤْخَذُ ذلك مِن كِتابِىٍّ غيْرِهم. وقال القاضى: تُؤْخَذُ مِن نَصارَى العَرَبِ ويَهُودِهم)

وجُمْلَتُه، أنَّ سائِرَ أهْلِ1

..................................  الكِتابِ، مِن اليهودِ والنَّصارَى العَرَبِ وغيرِهم، تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ إذا بَذَلُوها، ولا يُؤْخَذُون بما يُؤْخَذُ به نَصارَى بنى تَغْلِبَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، ورَواه عن الزُّهْرِىِّ.
قال: ونَذْهَبُ إلى أن يأْخُذَ مِن مَواشِى بنى تَغْلِبَ خاصَّةً الصَّدَقَةَ، وتُضَعَّفُ عليهم، كما فَعَل عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وذَكَر القاضى، وأبو الخَطّابِ، أنَّ حُكْمَ مَن تَنَصَّرَ مِن تَنُوخَ وبَهْرَا، وتَهَوَّدَ مِن كِنانَةَ وحِمْيَرَ، وتَمَجَّسَ مِن تَمِيمٍ، حُكمُ بنِي تَغْلِبَ، سواءٌ.
وذُكِرَ أنَّ الشافعىَّ نَصَّ عليه في تَنُوخَ وبَهْرا؛ لأنَّهم مِن العَرَبِ، فأشْبَهُوا بنى تَغْلِبَ.
ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
وأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث مُعاذًا إلى اليَمَنِ، فقال: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» 1. وهم عَرَبٌ.
وقَبِلَ [الجِزْيَةَ مِن أهْلِ نَجْرانَ، وهم مِن بنِى الحارِثِ بنِ كَعْبٍ.
قال الزُّهْرِىُّ: أوَّلُ مَن أعْطَى] 2 الجِزْيَةَ

..................................  مِن أهْلِ نَجْرانَ، وكانوا نَصارَى.
وأخَذَ الجِزْيَةَ مِن أُكَيْدِر دُومَةَ، وهو عَرَبِىٌّ.
ولأنَّ حُكْمَ الجِزْيَةِ ثابِتٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ في كلِّ كتابِىٍّ، عَرَبِيًّا كان أو غيرَ عَرَبِىٍّ، إلَّا ما خُصَّ به بنو تَغْلِبَ؛ لمُصالَحَةِ عُمَرَ إيَّاهم، [ففى مَن] 1 عَداهم يَبْقَى الحُكْمُ على عُمُومِ الكتابِ وشَواهِدِ السُّنَّةِ، ولم يكُنْ بينَ غيرِ بنى تَغْلِبَ وبينَ أحَدٍ مِن الأئِمَّةِ صُلْحٌ كصُلْحِ بنى تَغْلِبَ، فيما بَلَغَنا، ولا يَصِحُّ قِياسُ غيرِ بنى تَغْلِبَ عليهم؛ لوُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ قِياسَ سائِرِ العَرَبِ عليهم يُخالِفُ النُّصُوصَ التى ذَكَرْناها، ولا يَصِحُّ قياسُ المَنْصُوصِ عليه على ما يَلْزَمُ منه مُخالَفَةُ النَّصِّ.
الثانى، أنَّ العِلَّةَ في بنى تَغْلِبَ الصُّلْحُ، ولم يُوجَدْ مع 2 غيرِهم، ولا يَصِحُّ القِياسُ مع تَخَلُّفِ العِلَّةِ.
الثالثُ، أنَّ بنى تَغْلِبَ كانوا ذَوِى قُوَّةٍ وشَوْكَةٍ، لَحِقُوا بالرُّومِ، وخِيفَ منهم الضَّرَرُ إن لم يُصالَحُوا، ولم يُوجَدْ هذا في غيرِهم.
فإن وُجِدَ في غيرِهم، فامْتَنَعُوا مِن أداءِ الجِزْيَةِ، أو خِيفَ الضَّرَرُ بتَرْكِ مُصالَحَتِهم، فرأى الإِمامُ مُصالَحَتَهم على أداءِ الجِزْيَةِ باسمِ الصَّدَقَةِ، جازَ، إذا كان المأْخُوذُ منهم بقَدْرِ ما يَجِبُ عليهم مِن الجِزْيَةِ أو زِيادَةً.
وذَكَرَ هذا أبو

وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِىٍّ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا زَمِنٍ، وَلَا أَعْمَى، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا فَقِيرٍ يَعْجِزُ عَنْهَا.
إسْحاقَ (1)، في كتابِه «المُهَذَّبِ» (2). والحُجَّةُ في هذا قِصَّةُ بنى تَغْلِبَ، وقِياسُهم عليهم.
قال علىُّ بنُ سعيدٍ: سَمِعْتُ أحمدَ يَقُولُ: أهْلُ الكِتابِ ليس عليهم في مَواشِيهم صَدَقَةٌ، ولا في أمْوالِهم، إنَّما تُؤْخَذُ منهم الجِزْيَةُ، إلَّا أن يكُونُوا صُولِحوا على أن تُؤْخَذَ منهم، كما صَنَع عُمَرُ بنَصارَى بنى تَغْلِبَ حينَ أضْعَفَ عليهم الصَّدَقَةَ في صُلْحِه إيّاهم، إذا كانوا في مَعْناهم.
أمَّا قِياسُ مَنْ لم يُصالَحْ عليهم، في جَعْلِ جِزْيَتِهم صَدَقَةً، فلا يَصِحُّ.

1508 -

مسألة: (ولا جِزْيَةَ على صَبِىٍّ، ولا امْرَأةٍ، ولا مَجْنُونٍ، ولا زَمِنٍ، ولا أعْمَى، ولا عَبْدٍ، ولا فَقِيرٍ يَعْجِزُ عنها)

لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهْلِ العِلْمِ في أنَّ الجِزْيَةَ لا تَجِبُ على صَبِىٍّ، ولا امرأةٍ،12

..................................  ولا زائِلِ العَقلِ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، وأصحابِ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم.
وقد دَلَّ على هذا، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَب إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، أنِ اضْرِبُوا الجِزْيَةَ، ولا تَضْرِبُوها على النِّساءِ والصِّبْيانِ، ولا تَضْرِبُوها إلَّا على مَن جَرَتْ عليه المَواسِى.
رَواه سعيدٌ، وأبو عُبَيْدٍ 1، والأثْرَمُ.
والمجْنونُ كالصَّبِىِّ؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ.
وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمُعَاذٍ: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» 2. دليلٌ على أنَّها لا تَجِبُ على غيرِ بالِغٍ.
ولأنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ لحَقْنِ الدَّمِ، وهؤلاء دِماؤُهم مَحْقُونَةٌ بِدُونِها.
ولا تَجِبُ على خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لأَنَّه لا يُعْلَمُ كوْنُه رَجُلًا.
فصل: فإن بَذَلَتِ المرأةُ الجِزْيَةَ، أُخْبِرَتْ أنَّها لا جِزْيَةَ عليها، فإن

..................................  قالت: أنا أتَبَرَّعُ بها.
أو: أنا أُؤَدِّيها.
قُبِلَتْ منها، ولم تكُنْ جِزْيَةً، بل هِبَةً تَلْزَمُ بالقَبْضِ.
فإن شَرَطَتْه على نَفْسِها، ثمَّ رَجَعَتْ، فلها ذلك.
وإن بَذَلَتِ الجِزْيَةَ لتَصِيرَ إلى دارِ الإِسلامِ، مُكِّنَتْ مِن ذلك بغيرِ شئٍ، ولكنْ يُشْتَرَطُ عليها الْتِزامُ أحْكامِ الإِسلامِ، وتُعْقَدُ لها الذِّمَّةُ، ولا يُؤْخَذُ منها شئٌ، إلَّا أن تَتَبَرَّعَ به بعدَ مَعْرِفَتِها أن لا شئَ عليها.
وإن أُخِذَ منها على غيرِ ذلك، رُدَّ إليها؛ لأنَّها بَذَلَتْه مُعْتَقِدَةً أنَّه عليها، وأنَّ دَمَها لا يُحْقَنُ إلَّا به، فأشْبَهَ مَن أدَّى مالًا إلى مَن يَعْتَقِدُ أنَّه له، فتَبَيَّنَ أنَّه ليس له.
ولو حاصَرَ المسلمون حِصْنًا ليس فيه إلَّا نِساءٌ، فبَذَلْنَ الجِزْيَةَ لتُعْقَدَ لَهُنَّ الذِّمَّةُ، عُقِدَتْ لَهُنَّ بغيرِ شئٍ، وحَرُمَ اسْتِرْقاقُهُنَّ، كالتى قبلَها سواءً.
فإن كان في الحِصْنِ مَعَهُنَّ 1 رِجالٌ، فسأَلُوا الصُّلْحَ، لتكُونَ الجِزْيَةُ على النِّساءِ والصِّبْيانِ دُونَ الرِّجالِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّهم جَعَلُوها على غيرِ مَن هى عليه، وَبرَّءُوا مَن تَجِبُ عليه.
وإن بَذَلُوا جِزْيَةً عن الرِّجالِ، ويُؤدُّوا 2 عن النِّساءِ والصِّبْيان مِن أمْوالِهم، جازَ، وكان ذلك زِيادَةً في جِزْيَتِهم.
وإن كان مِن أمْوالِ النِّساءِ والصِّبْيانِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّهم يَجْعَلُون الجِزْيَةَ على مَن لا تَلْزَمُه.
فإن كان القَدْرُ الذى بذَلُوه مِن أمْوالِهم ممَّا يُجْزِئُ في الجِزْيَةِ، أخَذُوه، وسَقَطَ الباقِى.

..................................  فصل: ولا تَجِبُ على زَمِنٍ، ولا أعْمَى، ولا شَيْخٍ فانٍ، ولا على مَن هو في مَعْناهم، كمَن به داءٌ لا يَسْتَطِيعُ معه القِتالَ، ولا يُرْجَى بُرْؤُه.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: تَجِبُ عليهم الجِزْيَةُ، بِناءً على قَتْلِهم.
وقد سَبَق قوْلُنا في أنَّهم لا يُقْتَلُون، فلا تَجِبُ عليهم الجِزْيَةُ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ.
فصل: وأمَّا العَبْدُ، فإن كان لمُسْلِمٍ، لم تَجِبْ عليه الجِزْيَةُ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه يُرْوَى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَا جِزْيَةَ عَلَى العَبْدِ».
وعن ابنِ عُمَرَ مثلُه 1. ولأنَّ ما لَزِمَ العَبْدَ إنَّما يُؤَدِّيه سَيِّدُه، فيُؤَدِّى إيجابُها على عَبْدِ 2 المُسْلِمِ إلى [إيجابِ الجِزْيَةِ] 3 على

..................................  المسلمِ.
وإن كان لكافرٍ، فكذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، على أنَّه لا جِزْيَةَ على العَبْدِ.
وذلك لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ولأنَّه مَحْقُونُ الدَّمِ، أشْبَهَ النِّساءَ والصِّبْيانَ، أو لا مالَ له، أشْبَهَ الفقيرَ العاجِزَ.
ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِىِّ وُجُوبَ الجِزْيَةِ عليه.
ورُوِىَ ذلك عن أحمدَ؛ لِما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: لا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أهْلِ الذِّمَّةِ، ولا مِمّا في أيْدِيهم؛ لأنَّهم أهلُ خَراجٍ، يَبِيعُ بعْضُهم بعْضًا، ولا يُقِرَّنَّ أحَدُكم بالصَّغارِ بعدَ إذْ أنْقَذَه اللَّهُ منه 1. قال أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: أرادَ عُمَرُ أن تَتَوَفَّرَ الجزْيَةُ؛ لأنَّ المُسْلِمَ إذا اشْتَراه سَقَط عنه أداءُ ما يُؤْخَذُ منه، والذِّمِّىُّ يُؤَدِّى عنه وعن مَمْلُوكِه خَراجَ جَماجِمِهم.
ورُوِىَ عن علىٍّ مثلُ حديثِ عُمَرَ 2. ولأنَّه ذَكَرٌ مُكَلَّفٌ قَوِىٌّ مُكْتَسِبٌ، فوَجَبَتْ عليه الجِزْيَةُ، كالحُرِّ.
والأوَّلُ أوْلَى.

..................................  فصل: وإذا أُعْتِقَ، لَزِمَتْه الجِزْيَةُ لِما يُسْتَقْبَلُ، سواءٌ كان مُعْتِقُه مُسْلِمًا أو كافِرًا.
هذا الصحيحُ عن أحمدَ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
وبه قال سُفيانُ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وعنه، يُقَرُّ بغيرِ جِزْيَةٍ.
ورُوِىَ نحوُه عن الشَّعْبِىِّ؛ لأنَّ الوَلاءَ شُعْبَةٌ كشُعْبَةِ الرِّقِّ، وهو ثابتٌ عليه.
ووَهَّنَ الخلالُ هذه الرِّوايَةَ، وقال: هذا قولٌ قديم رَجَع عنه.
وعن مالكٍ كقولِ الجماعةِ.
وعنه، إن كان المُعْتِقُ له مُسْلِمًا، فلا جِزْيَةَ عليه؛ لأنَّ عليه الوَلاءَ لمُسْلِمٍ، أشْبَهَ ما لو كان عليه الرِّقُّ.
ولَنا، أَنَّه حُرٌّ مُكَلَّفٌ مُوسِرٌ مِن أهْلِ القتالِ، فلم يُقَرَّ في دارِنا بغيرِ جِزْيَةٍ، كالحُرِّ الأصْلِىِّ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ حُكْمَه فيما يُسْتَقْبَلُ مِن جِزْيَتِه حكمُ مَنْ بَلَغَ مِن صِبْيانِهم، أو أفاقَ مِن مَجانِينِهم، على ما ذَكَرْناه.

..................................  فصل: ومَن بعضُه حُرٌّ، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّ عليه مِن الجِزْيَةِ بقَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيَّةِ؛ لأنَّه حُكْمٌ يَتَجَزَّأُ 1، يَخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فيَنْقَسِمُ على قَدْرِ ما فيه، كالإِرْثِ.
ولا جِزْيَةَ على أهْلِ الصَّوامِعِ مِن الرُّهْبانِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ عليهم.
وهذا أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
ورُوِىَ عن عُمَرَ 2 بنِ عبدِ العزيزِ، أنَّه فَرَض على رُهْبانِ الدِّياراتِ الجِزْيَةَ، على كلِّ راهِبٍ دينارَين 3؛ لعُمُومِ النُّصوصِ، ولأنَّه كافِرٌ صحيحٌ حُرٌّ قادِرٌ على أداءِ الجِزْيَةِ، فأشْبَهَ الشَّمّاسَ 4. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّهم مَحْقُونُونَ بدُونِ الجِزْيَةِ، فلم تَجِبْ عليهم، كالنِّساءِ، وقد ذَكَرْنا دَلِيلَ تَحْرِيمِ قَتلِهم 5، والنُّصوصُ مخْصوصَةٌ بالنِّساءِ، وهؤلاء في مَعْناهُنَّ، ولأنَّه لا كَسْبَ له، أشْبَهَ الفَقِيرَ غيرَ المُعْتَمِلِ.

..................................  فصل: ولا تَجِبُ على فقيرٍ عاجِزٍ عنها.
وهذا أحَدُ أقْوالِ 1 الشافعىِّ.
وله قولٌ، أنَّها تَجِبُ عليه؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «خُذْ مِن كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا».
ولأنَّ دَمَهُ غيرُ مَحْقُونٍ، فلا تَسْقُطُ عنه الجِزْيَةُ، كالقادِرِ.
ولَنا، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَعَل الجِزْيَةَ على ثلاثِ طَبَقَاتٍ، جَعَل أدْناها على الفقيرِ المُعْتَمِلِ 2، فدَلَّ على أنَّ غيرَ المُعْتَمِلِ لا شئَ عليه، ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ 3.

وَمَنْ بَلَغَ، أَوْ أَفَاقَ، أَوِ اسْتَغْنَى، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ فِى آخِرِ الْحَوْلِ بِقَدْرِ مَا أَدْرَكَ.
ولأنَّه مالٌ يَجِبُ بحُلُولِ الحَوْلِ، فلم يَلْزَمِ الفقيرَ العاجِزَ، كالزَّكاةِ، ولأنَّ الخَراجَ يَنْقَسِمُ إلى خَراجِ أرْضٍ، وخَراجِ رُءُوسٍ، وقد ثَبَت أنَّ خَراجَ الأرْضِ على قَدْرِ طاقَتِها، وما لا طاقَةَ له لا شئَ عليه، كذلك خَراجُ الرُّءُوسِ.
وأمّا الحديثُ، فيَتَناوَلُ الأخْذَ ممَّن يُمْكِنُ الأخْذُ منه، والأخْذُ ممَّن لا يَقْدِرُ على شئٍ مُسْتَحِيلٌ، فكيف يُؤْمَرُ به، ويُؤْخَذُ منه بقَدْرِ ما أدْرَكَ!

1509 -

مسألة: (ومَن بَلَغ، أو أفاقَ، أو اسْتَغْنَى، فهو مِن أهْلِها بالعَقْدِ الأوَّلِ، ويُؤْخَذُ منه في آخِرِ الحَوْلِ بقدْرِ ما أدْرَكَ)

ولا يحْتاجُ إلى

..................................  اسْتِئنافِ عَقْدٍ له.
وقال القاضى في موضِعٍ: هو مُخَيَّرٌ بينَ الْتِزامِ العَقْدِ وبينَ أن يُرَدَّ إلى مَأْمَنِه، فيُجابُ إلى ما يخْتارُ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
ولَنا، أنَّه لم يَأْتِ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا عن أحَدٍ مِن خُلَفائِه، تجْدِيدُ عَقْدٍ لهؤلاء، ولأنَّ العَقْدَ يكُونُ مع سادَتِهم، فدَخَلَ فيه سائِرُهِم، ولأنَّه عَقْدٌ مع الكُفّارِ، فلم يحْتَجْ إلى اسْتِئْنافِه لذلك 1، كالهُدْنةِ، ولأنَّ الصِّغارَ والمَجانِينَ دَخَلُوا في العَقْدِ، فلم يحْتَجْ إلى تجْدِيدِه له عندَ تَغَيُّرِ أحْوالِهم، كغيرِهم.
إذا ثَبَت هذا، فإن كان البُلُوغُ والإِفاقَةُ في أوَّلِ أحْوالِ قَوْمِه، أُخِذَ منه في آخِرِه معَهم، وإن كان في أثْناءِ الحَوْلِ، أُخِذَ منه عندَ تَمامِ الحوْلِ بقِسْطِه، ولم يُتْرَكْ حتى يتمَّ؛ لئلَّا يحْتاجَ إلى إفْرادِه بحَوْلٍ وضبْطِ حوْلِ كلِّ إنْسانٍ منْهم، ورُبَّما أفْضَى إلى أن يصيرَ لكلِّ واحدٍ حولٌ مُفرَدٌ، وذلك يَشُقُّ.

وَمَنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ، لُفِّقَتْ إفَاقَتُهُ، فَإِذَا بَلَغَتْ حَوْلًا، أُخِذَتْ مِنْهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ فِى آخِرِ كُلِّ حَولٍ بِقَدْرِ إِفَاقَتِهِ مِنْهُ.

1510 - مسألة: (ومَن كان يُجَنُّ ويُفِيقُ، لُفِّقَتْ إفاقَتُه، فإذا بَلَغَتْ حَوْلًا، أُخِذَتْ منه. ويَحْتَمِلُ أن يُؤْخَذَ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ بقَدْرِ إفاقَتِه منه)

إذا كان يُجَنُّ ويُفِيقُ، لم يَخْلُ مِن ثلاثةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يكُونَ غيرَ مَضْبُوطٍ، مثلَ مَن يُفِيقُ ساعةً مِن أيّام أو مِن يومٍ، أو يُصْرَعُ ساعةً مِن يومٍ أو مِن أيّامٍ، فهذا يُعْتَبَرُ حالُه بالأغْلَبِ؛ لأنَّ هذه الإِفاقَةَ غيرُ مُمْكِنٍ ضَبْطُها، فلم يُمْكِنْ مُراعاتُها.
الثانى، أن يكُونَ مَضْبُوطًا، مثلَ مَن يُجَنُّ يومًا ويُفِيقُ يوْمَيْنِ، أو أقَلَّ مِن ذلك، أو أكْثَرَ، إلَّا أنَّه مَضْبُوطٌ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُعْتَبَرُ الأغْلَبُ مِن حالِه.
وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه يُجَنُّ ويُفِيقُ، فاعْتُبِرَ الأغْلَبُ مِن حالِه، كالأوَّلِ.
والوجْهُ الثانى، تُلَفَّقُ أيّامُ إفاقَتِه؛ لأنَّه لو كان مُفِيقًا في الكلِّ، وجَبَتِ

وَتُقْسَمُ الْجِزْيَةُ بَيْنَهُمْ؛ فَيُجْعَلُ عَلَى الْغَنِىِّ ثَمَانِيَةٌ وَأرْبَعُونَ دِرْهَمًا،  الجِزْيَةُ، فإذا وُجِدَتِ الإِفاقَةُ في بعضِ الحَوْلِ، وَجَب فيه ما يَجبُ به لو انْفَرَدَ.
فعلى هذا الوَجْهِ، في أخْذِ الجِزْيَةِ وَجْهان؛ أحَدُهما، أنَّ الأيّامَ تُلَفَّقُ، فإذا بَلَغَتْ حَوْلًا، أُخِذَتْ منه؛ لأنَّ أخْذَها قبلَ ذلك أخْذٌ لجِزْيَتِه قبلَ كمالِ الحَوْلِ، فلم يَجُزْ، كالصَّحِيحِ.
والثانى، يُؤْخَذُ منه في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ بقَدْرِ ما أفاقَ منه، كما لو أفاق في بعْضِ الحوْلِ إفاقَةً مُسْتَمِرَّةً.
وإن كان يُجَنُّ ثُلُثَ الحَوْلِ، ويُفِيقُ ثُلُثَيْه، أو بالعَكْسِ، ففيه الوَجْهان كما ذَكَرْنا.
فإنِ اسْتَوَتْ إفاقَتُه وجُنونُه، مثلَ مَن يُجَنُّ يومًا ويُفِيقُ يومًا، أو يُجَنُّ نِصْفَ الحَوْلِ ويُفِيقُ نِصْفَه عادةً، لُفِّقَتْ إفاقَتُه؛ لأنَّه تَعَذَّرَ اعتبارُ الأغْلَبِ؛ لعَدَمِه، فتَعَيَّنَ الوَجْهُ الآخَرُ.
الحالُ الثالثُ، أن يُجَنَّ نِصْفَ حَوْلٍ، ثم يُفِيقَ إفاقَةً مُسْتَمِرَّةً، أو يُفِيقَ نصفَه، ثم يُجَنَّ جُنوِنًا مُسْتَمِرًّا، فلا جِزْيَةَ عليه في الثانى، وعليه في الأوَّلِ مِن الجِزْيَةِ بقَدْرِ ما أفاقَ، كما تَقَدَّمَ.

1511 -

مسألة: (وتُقْسَمُ الجِزْيَةُ بينَهم؛ فَيُجْعَلُ على الغَنِىِّ ثَمانِيَةٌ

وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَا عَشَرَ.
وأرْبَعُون دِرْهمًا، وعلى المُتَوَسِّطِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُون، وعلى الفَقِيرِ اثْنا عَشَرَ) الكلامُ في هذه المسألَةِ في فَصْلَيْن؛ أحَدُهما، في تَقْدِيرِ الجِزْيَةِ.
والثانى، في كِمِّيَّةِ مِقْدارِها.
فأمّا الأوَّلُ، ففيه ثلاثُ رواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، أنَّها مُقَدَّرَةٌ بمقْدارٍ لا يُزادُ عليه، ولا يُنْقَصُ منه.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فرَضَها مُقَدَّرَةً، بقولِه لمُعاذٍ: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ» 1. وفَرَضَها عُمَرُ بمَحْضَرٍ مِن الصَّحابَةِ، فلم يُنْكَرْ، فيكُونُ إجْماعًا.
والثانيةُ، أنَّها غيرُ مُقَدَّرَةٍ، بل يُرْجَعُ فيها إلى اجْتهادِ الإِمامِ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ.
قال الأثْرَمُ: قيل لأبى عبدِ اللَّهِ: فيُزادُ اليومَ ويُنْقَصُ؟ يعْنى مِن الجِزْيَةِ.
قال: نعم، يُزادُ فيها ويُنْقَصُ، على قَدْرِ طاقَتِهم، على قَدْرِ ما يَرَى الإِمامُ.
وذَكَر أنَّه زِيدَ عليهم فيما مَضَى دِرْهمانِ، فجعَلَه خمسين.
قال الخَلَّالُ: العَمَلُ في قَوْلِ أبى عبدِ اللَّهِ على ما رَواه الجماعَةُ، بأنَّه لا بَأْسَ للإِمامَ أن يَزِيدَ في ذلك ويَنْقصَ، على ما رَواه عنه أصحابُه في عَشَرَةِ مَواضِعَ، فاسْتَقَرَّ قَوْلُه على ذلك.
وهو قولُ

..................................  الثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر مُعاذًا أن يَأْخُذَ مِن كلِّ حالمٍ دينارًا، وصالَحَ أهْلَ نَجْرانَ على ألْفَىْ حُلَّةٍ؛ النِّصْفُ في صَفَر، والنِّصْفُ في رَجَبٍ.
رَواهما أبو داودَ 1. وعُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَعَل الجِزْيَةَ على ثلاثِ طَبقَاتٍ؛ على الغَنِىِّ ثمانيةً وأربعين درهمًا، وعلى المُتَوَسِّطِ أربعةً وعشرين درهمًا، وعلى الفقيرِ اثْنَىْ عَشَرَ دِرْهَمًا 2. وصالَحَ بنى تَغْلِبَ على مِثْلَىْ ما على المُسْلِمِين مِن الزَّكاةِ 3. وهذا يَدُلُّ على أنَّها إلى رَأْىِ الإِمامِ، لولا ذلك لكَانَتْ على قَدْرٍ واحِدٍ في جميعِ هذه المواضِعِ ولم يَجُزْ أن يُخْتَلَفَ فيها.
قال البخارىُّ 4: قال ابنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، قلتُ لمُجاهِدٍ: ما شَأْنُ أهلِ الشامِ عليهم أربعةُ دنانيرَ، وأهلُ اليَمَنِ عليهم دينارٌ؟ قال: جُعِلَ ذلك مِن أجلِ 5 اليَسارِ.
ولأنَّها عِوَضٌ، فلم تَتَقَدَّرْ، كالأُجْرَةِ.
والرِّوايةُ الثَّالثةُ، أنَّ أقلَّها مُقَدَّرٌ بدِينارٍ، وأكْثَرَها غيرُ مُقَدَّرٍ.
وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ.
فتَجُوزُ الزِّيادَةُ، ولا يَجُوزُ النَّقْصُ؛ لأنَّ عُمَرَ زاد على ما فَرَض رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يَنْقُصْ منه.

..................................  ورُوِىَ أنَّه زاد على ثمانيةٍ وأرْبَعِين، فجَعَلَها خَمْسِين.
الفصل الثانى: أنَّنا إذا قُلْنا بالرِّوايَةِ الأُولَى، وأنَّها مُقَدَّرَةٌ، فقَدْرُها في حَقِّ المُوسِرِ ثَمانِيةٌ وأربعون دِرْهمًا، وفى حَقِّ المُتَوَسِّطِ أربعةٌ وعشرون، وفى حَقِّ الفقيرِ اثْنا عَشَرَ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ.
وقال مالكٌ: هى في حَقِّ الغَنِىِّ أربعون دِرْهمًا أو أربعةُ دنانيرَ، وفى حَقِّ الفقيرِ عَشَرَةُ دراهمَ أو دِينارٌ.
ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ.
وقال الشافعىُّ: الواجِبُ دينارٌ في حَقِّ كلِّ أحَدٍ؛ لحديثِ مُعاذٍ، إلَّا أنَّ المُسْتَحَبَّ جَعْلُها على ثلاثِ طَبَقاتٍ، كما ذَكَرْناه؛ لنَخْرُجَ مِن الخِلافِ.
قالوا: وقَضاءُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَي بالاتِّباعِ مِن غيرِه.
ولَنا، حديثُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وهو حديثٌ لا شَكَّ في صِحَّتِه وشُهْرَتِه بينَ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، وغيرِهم، ولم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، ولا خالَفَ فيه، وعَمِلَ به مَن بعدَه مِن الخُلَفاءِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عليهم، فكان إجْماعًا لا يَجُوزُ الخَطَأُ عليه، وقد وافَقَ الشافعىُّ على اسْتِحْبابِ العَمَلِ به.
وأمّا حديثُ معاذٍ، فلا يَخْلُو مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه فَعَل ذلك لغَلَبَةِ الفَقْرِ عليهم، بدليلِ قولِ مُجاهِدٍ: إنَّ ذلك مِن أجْلِ اليَسارِ.
والوَجْهُ الثانى، أن يكُونَ التَّقْدِيرُ غيرَ واجِبٍ، بلٍ هو مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الإِمامِ.
ولأنَّ الجِزْيَةَ وجَبَتْ صَغارًا وعُقوبَةً، فتَخْتَلِفُ باخْتِلافِ أحْوالِهم، كالعُقوبَةِ في البَدَنِ؛ منهم مَن يُقْتَلُ، ومنهم مَن يُسْتَرَقُّ، ولا يَصِحُّ كوْنُها عِوَضًا عن سُكْنَى الدَّارِ؛ لأنَّها لو كانت كذلك، لوَجَبَتْ

وَالْغَنِيُّ مِنْهُمْ مَنْ عَدَّهُ النَّاسُ غَنِيًّا، فِى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَمَتَى بَذَلُوا الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ، لَزِمَ قَبُولُهُ، وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ.
على النِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنَى والمَكافيفِ.

1512 -

مسألة: (والغَنِىُّ منهم مَن عَدَّه الناسُ غَنِيًّا، في ظاهِرِ المَذْهَبِ)

وليس ذلك بمُقَدَّرٍ؛ لأنَّ التَّقْدِيراتِ بابُها التَّوْقِيفُ، ولا تَوْقِيفَ في هذا، فيُرْجَعُ فيه إلى العادةِ والعُرْفِ.
1513 -

مسألة: (وإذا بَذَلُوا الواجِبَ عليهم، لَزِمَ قَبُولُه، وحَرُمَ قِتالُهم)

لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآيةُ إلى قولِه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 1.

..................................  فجَعَلَ إعْطاءَ الجِزْيَةِ غايَةً لقِتالِهم، فمتى بذَلُوها، لم يَجُزْ قتالُهم 1؛ للآيةِ، ولقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حديثِ بُرَيْدَةَ: «فَادْعُهُمْ إلَى أدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وكُفَّ عَنْهُمْ» 2. فإن قُلْنا: إنَّ الجِزْيَةَ غيرُ مُقَدَّرَةِ الأكْثَرِ.
لم يَحْرُمْ قِتالُهم حَتَّى يُجِيبُوا إلى بَذْلِ ما لا يَجُوزُ طَلَبُ أكثرَ منه.
فصل: وتَجِبُ الجِزْيَةُ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ بأوَّلِه، ويُطالَبُ بها عَقِيبَ العَقْدِ، وتَجِبُ الثانِيَةُ في أوَّلِ الحَوْلِ الثانى؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾.
ولَنا، أنَّه مالٌ يتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الحَوْلِ، أو يُؤْخَذُ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ، فلمِ يَجِبْ بأوَّلِه، كالزَّكاةِ والدِّيَةِ، وأمّا الآيةُ، فالمرادُ بها الْتِزامُ إعْطائِها، دُون نَفْسِ الإِعْطاءِ، ولهذا يَحرُمُ قِتالُهم بمُجَرَّدِ بَذْلِها قبلَ أخْذِها.
فصل: وتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ ممّا يُسِّرَ مِن أمْوالِهم، ولا يتَعَيَّنُ أخْذُها مِن ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ الشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وغيرِهم؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمّا بَعَث مُعاذًا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، إلى اليَمَنِ، أمَرَه أن يأْخُذَ مِن كلِّ حالمٍ دينارًا، أو عَدْلَه مَعافِرَ.
وكان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-

وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحَوْلِ، سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، وَإِنْ مَاتَ، أُخِذَتْ  يَأْخُذُ مِن نَصارَى نَجْرانَ ألْفىْ حُلَّةٍ، وكان عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يُؤْتَى بنَعَمٍ كثيرةٍ، يَأْخُذُها مِن الجِزْيَةِ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يَأْخُذُ الجِزْيَةَ مِن كلِّ ذِى صَنْعَةٍ مِن مَتاعِه، مِن صاحِبِ الإِبَرِ إِبَرًا، ومِن صاحِبِ المَسالِّ مَسالًّا، ومِن صاحِبِ الحِبالِ حِبالًا، ثم يَدْعُو الناسَ فيُعْطِيهم الذَّهبَ والفِضَّةَ فيقْتَسِمُونَه، ثم يقولُ: خُذُوا واقْتَسِمُوا (1). فيقولون: لا حاجَةَ لنا فيه.
فيقولُ: أخَذْتُم خِيارَه، وتَرَكْتُم شِرارَه، لتَحْمِلُنَّه (2). إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُؤْخَذُ بالقِيمَةِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «أوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ».
ويَجُوزُ أخْذُ ثَمَنِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ منهم عن جِزْيَةِ رُءوسِهم، وخَراجِ أرْضِهم؛ لقولِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: وَلُّوهم بَيْعَها وخُذُوا أنتم مِن الثَّمَنِ (3). ولأنَّها مِن أمْوالِهم التى نُقِرُّهم على اقْتِنائِها، فجازَ أخْذُ أثْمانِها، كثيابِهم.

1514 -

مسألة: (ومَن أسْلَمَ بعدَ الحَوْلِ، سَقَطَتْ عنه الجِزْيَةُ،

123

مِنْ تَرِكَتِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: تَسْقُطُ.
وإن ماتَ، أُخِذَتْ مِن تَرِكَتِه.
وقال القاضى: تَسْقُطُ) إذا أسْلَمَ مَن عليه الجِزْيَةُ في أثْناءِ الحَوْلِ، لم تَجِبِ الجِزْيَةُ عليه، وإن أسْلَمَ بعدَه، سَقَطَتْ عنه.
وهذا قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
وقال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: إن أسْلَمَ بعدَ الحَوْلِ، لم تَسْقُطْ 1؛ لأنَّه دَيْنٌ اسْتَحَقَّه صاحِبُه، واسْتَحَقَّ المُطالَبَةَ به في حالِ الكُفْرِ، فلم يَسْقُطْ بالإِسلامِ، كالخراجِ، وسائِرِ الدُّيونِ.
وللشافعىِّ فيما إذا أسْلَمَ في أثْناءِ الحَوْلِ قَوْلان؛ أحَدُهما، عليه مِن الجزْيَةِ بالقِسْطِ، كما لو أفاقَ بعضَ الحَوْلِ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 2. وروى ابنُ عباسٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِينَ جِزْيَةٌ».
رَواه الخَلَّالُ 3. وذَكَر أنَّ أحمدَ سُئِلَ عنه، فقال: ليس يَرْوِيه غيرُ جَرِيرٍ.
قال: وقد رُوِى عن عُمَرَ،

..................................  رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إن أخَذَها في كَفِّه ثم أسْلَمَ، رَدَّها عليه.
ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لَا يَنْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أنْ يُؤَدِّىَ الخَرَاجَ» 1. يعنى الجِزْيَةَ.
ورُوِىَ أنَّ ذِمِّيًّا أسْلَمَ، فطُولِبَ بالجِزْيَةِ، وقيل: إنَّما أسْلَمَ تَعَوُّذًا.
قال: إنَّ في الإِسلام مَعاذًا.
فرُفِعَ إلى عُمَرَ، فقال عُمَرُ: إنَّ في الإِسلامِ مَعاذًا.
وكَتَب أن لَا تُؤْخَذَ منه الجِزْيَةُ.
رَواه أبو عُبَيْدٍ بنحوٍ مِن هذا المعنى 2. ولأنَّ الجِزْيَةَ صَغارٌ، فلا تُؤْخَذُ منه، كما لو أسْلَمَ قبلَ الحَوْلِ، ولأنَّ الجِزْيَةَ عُقُوبَةٌ تَجِبُ بسَبَبِ الكُفْرِ، فيُسْقِطُها الإِسلامُ، كالقَتْلِ.
وبهذا فارَقَ الخراجَ وسائِرَ الدُّيونِ.
فصل: فإن ماتَ بعدَ الحَوْلِ، لم تَسْقُطْ عنه الجِزْيَةُ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وحُكِىَ عن القاضى أنَّها تَسْقُطُ بالموْتِ.

وَإِنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ، اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا.
وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ فِى آخِرِ الْحَوْلِ، وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أَخْذِهَا، وَيُطَالُ قِيامُهُمْ، وَتُجَرُّ  وهو قولُ أبى حنيفةَ.
ورَواه أبو عُبَيْدٍ (1) عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ؛ لأنَّها عُقُوبَةٌ، فتَسْقُطُ بالموْتِ، كالحدودِ، ولأنَّها تسْقُطُ بالإِسلامِ، فسَقَطَتْ بالموتِ، كما قبلَ الحَوْلِ.
ولَنا، أنَّه دَيْنٌ وَجَب عليه في حياتِه، فلم يسْقُطْ بمَوْتِه، كدُيونِ الآدَمِيِّين، والحدُّ إنَّما سَقَط لفَواتِ مَحِلِّه، وتَعَذُّرِ اسْتِيفائِه، بخلافِ الجِزْيَةِ.
وفارَقَ الإِسلامَ؛ فإنَّه الأصْلُ، والجِزْيَةُ بَدَلٌ عنه، فإذا أتَى بالأصْلِ اسْتَغْنَى عن البَدَلِ، كمَن وَجَد الماءَ لا يحْتاجُ معه إلى التَّيَمُّمِ، بخلافِ الموتِ، ولأنَّ الإِسلامَ قُرْبَة وطاعَةٌ، يَصْلُحُ أن يكُونَ مَعاذًا مِن الجِزْيَةِ، كما ذَكَر عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والموتُ بخلافِه.

1515 -

مسألة: (وإنِ اجْتَمَعَتْ عليه جِزْيَةُ سِنِين، اسْتُوفِيَتْ كلُّها)

ولم تَتَداخَلْ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تتداخَلُ؛ لأنَّها عُقُوبَةٌ.
فتتداخَلُ، كالحدودِ.
ولَنا، أنَّها حَقُّ مالٍ، يَجِبُ في آخِرِ كلِّ حَوْلٍ، فلم يتداخَلْ، كالدِّيَةِ.
1516 -

مسألة: (وتُؤْخَذُ الجِزْيَةُ)

مِنْهُم (في آخِرِ الحَوْلِ،1

أَيْدِيهِمْ.
ويُمْتَهَنُونَ عندَ أخْذِها، ويُطالُ قِيامُهم، وتُجَرُّ أيْدِيهم) وإنَّما تُؤْخَذُ منهم في آخِرِ الحَوْلِ؛ لأنَّه مالٌ يَتَكَرَّرُ بتَكَرُّرِ الحَوْلِ، فلم يُؤْخَذْ قبلَ حَوَلانِ الحَوْلِ، كالزَّكاةِ.
ويُمْتَهَنُونَ عندَ أخْذِها منهم.
وهكذا ذَكَرَ أبو الخَطّابِ، ويُطالُ قِيامُهم، وتُجَرُّ أيْدِيهمِ عندَ أخْذِها؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
وقد قيل: الصَّغارُ؛ الْتِزامُ الجزْيَةِ، وجَرَيَانُ أحْكامِنا عليهم.
ولا يُقْبَلُ منهم إرْسالُها، بل يَحْضُرُ الذِّمِّىُّ بنَفْسِه، ويُؤَدِّيها وهو قائِمٌ والآخِذُ جالِسٌ.
فصل: ولا يُعَذَّبُونَ في أخْذِها 1، ولا يُشْتَطُّ 2 عليهم؛ فإنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أُتِى بمالٍ كثيرٍ، قال أبو عُبَيْدٍ: أحْسَبُه مِن الجِزْيَةِ، فقال: إنِّى لأظُنُّكُمْ قد أهْلَكْتُم النّاسَ.
قالُوا: لا واللَّهِ، ما أخَذْنا إلَّا عَفْوًا صَفْوًا.
قال: بلا 3 سَوْطٍ ولا نَوْطٍ 4؛ قالوا: نعم.
قال: الحمدُ للَّهِ الذى لم يَجْعَلْ ذلك على يَدَىَّ، ولا في سُلْطانِى.
وقدِمَ عليه سعيدُ بنُ عامرِ بنِ

..................................  حِذْيَم 1، فعَلاه عُمَرُ بالدِّرَّةِ، فقال سعيدٌ: سَبَق سَيْلُكَ مَطَرَك، إن تُعاقِبْ نَصْبِرْ، وإن تَعْفُ نَشْكُرْ، وإن تَسْتَعْتِبْ نعْتِبْ.
فقال: ما على المُسْلِمِين إلَّا هذا، ما لَكَ تُبْطِئُ بالخراجِ؟ فقال: أمَرْتَنا أن لا نَزِيدَ الفلَّاحين على أربعةِ دنانيرَ، فلسْنا نَزِيدُهم على ذلك، ولكنَّا نُؤَخِّرُهم إلى غَلَّاتِهِم.
فقال عُمَرُ: لا عَزَلْتُك 2 ما حَيِيتُ.
رَواهما أبو عُبَيْدٍ 3. وقال: إنَّما وَجْهُ التَّأْخِيرِ إلى الغَلَّةِ الرِّفْقُ بهم.
وقال: ولم نَسْمَعْ في اسْتِيداء الجِزْيَةِ والخراجِ وَقْتًا غيرَ هذا.
واسْتَعْمَلَ علىُّ بنُ أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، رَجُلًا على عُكْبَرَى 4، فقال له على رُءُوسِ النّاسِ: لا تَدَعَنَّ لهم

وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهمْ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُبَيِّنُ أَيَّامَ الضِّيَافَةِ، وَقَدْرَ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ وَالْعَلَفِ، وَعَدَدَ مَنْ يُضَافُ.
وَلَا تَجِبُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَقِيلَ: تَجِبُ.
درهمًا مِن الخراجِ.
وشَدَّدَ عليه القولَ، ثم قال: الْقَنِى (1) عندَ انْتِصافِ النَّهارِ.
فأتاه، فقال: إنِّى كنتُ أمَرْتُكَ بأمْرٍ، وإنِّى أتَقَدَّمُ إليك الآنَ، فإن عَصَيْتَنِى نَزَعْتُك، لا تَبِيعَنَّ لهم في خراجِهِم حِمارًا، ولا بقرةً، ولا كِسْوةَ شتاءٍ ولا صَيْفٍ، وارْفُقْ بهم، وافْعَلْ بهم (2).

1517 -

مسألة: (ويَجُوزُ أن يَشْتَرِطَ عليهم ضِيافَةَ مَن يَمُرُّ بهم مِن المُسْلِمِين، ويُبَيِّنُ أيّامَ الضِّيافَةِ، وقَدْرَ الطَّعامِ والإِدامِ والعَلَفِ، وعَدَدَ مَن يُضافُ. ولا يَجِبُ)

ذَلِك (مِن غَيْرِ شَرْطٍ.
وقِيلَ: يَجِبُ) يَجُوزُ أن يَشْتَرِطَ في عَقْدِ الذِّمَّةِ ضِيافَةَ مَن يَمُرُّ بهم مِن المُسْلِمِين؛ لِما روَى الإِمامُ12

..................................  أحمدُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بإسْنادِهِ، عن الأحْنَفِ بنِ قَيْسٍ، أنَّ عُمَرَ شَرَط على أهْلِ الذِّمَّةِ ضِيافَةَ يَوْمٍ وليلةٍ، وأن يُصْلِحُوا القناطِرَ، وإن قُتِلَ رجلٌ مِن المُسْلِمِين بأرْضِهم، فعليهم دِيَتُه 1. قال ابنُ المُنْذِرِ: ورُوِىَ عن عُمَرَ، أنَّه قَضَى على أهْلِ الذِّمَّةِ ضِيافَةَ مَن يَمُرُّ بهم مِن المُسْلِمِين ثلاثةَ أيّامٍ، وعَلَفَ دَوابِّهم وما يُصْلِحُهم 2. ورُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ضَرَب على نَصارَى أيْلَةَ ثلاثَمائةِ دينارٍ، وكانوا ثلَاثمائةِ نَفْسٍ، في كلِّ سنةٍ، وأن يُضِيفُوا مَن يَمُرُّ بهم مِن المُسْلِمِين ثلاثةَ أيّامٍ 3. ولأنَّ في هذا ضَرْبًا مِن المَصْلَحَةِ؛ لأنَّهم رُبَّما امْتَنَعُوا مِن مُبايَعَةِ المُسْلِمِين إضْرارًا بهمِ، فإذا شُرِطَتْ عليهم الضِّيافَةُ أُمِنَ ذلك.
فإن لم تُشْرَطْ عليهم الضِّيافَةُ، لم تجِبْ.
ذَكَرَه القاضى.
وهو مَذهَبُ الشافعىِّ.
ومِن أصحابِنا مَن قال: تَجِبُ بغيرِ شَرْطٍ؛ لوُجُوبِها على المُسْلِمِين.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه أداءُ مالٍ، فلم يَجِبْ بغيرِ رِضاهم، كالجِزْيَةِ.
فإن شَرَطَها عليهم،

..................................  فامْتَنَعُوا مِن قَبُولِها، لم تُعْقَدْ لهم الذِّمَّةُ.
وقال الشافعىُّ: لا يَجُوزُ قِتالُهم عليها.
فصل: قال القاضى: إذا شَرَط الضِّيافَةَ، فإنَّه يُشْتَرَطُ أن يُبَيِّنَ أيّامَ

..................................  الضِّيافَةِ، وعَدَدَ مَن يُضافُ مِن الرَّجّالَةِ والفُرْسانِ؛ فيقولُ: تُضِيفُون في كلِّ سنةٍ مائةَ يومٍ، في كلِّ يومٍ عَشَرَةً مِن المُسْلِمِين، مِن خُبْزٍ كذا، وأُدْمٍ كذا، وللفَرَسِ مِن الشَّعِيرِ كذا، ومِن التِّبْنِ كذا؛ لأنَّه مِن الجِزْيَةِ، فاعْتُبِرَ العِلْمُ به، كالنُّقودِ.
فإن شَرَطَ الضِّيافةَ مُطْلَقًا، صَحَّ في الظاهِرِ؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، شَرَط عليهم ذلك مِن غيرِ عَدَدٍ ولا تَقْدِيرٍ.
قال أبو بكرٍ: وإذا أطْلَقَ مُدَّةَ الضِّيافَةِ، فالواجِبُ يومٌ وليلةٌ؛ لأنَّ ذلك الواجِبُ على المُسْلِمِين.
ولا يُكَلَّفُون الذَّبِيحَةَ، ولا أن يُضِيفُوهم بِأرْفَعَ مِن طَعامِهم؛ لأنَّه يُرْوَى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه شَكَا إليه أهْلُ الذِّمَّةِ أنَّ المُسْلِمِين يُكَلِّفُونَهم الذَّبِيحَةَ، فقال: أطْعِمُوهم ممّا تَأْكُلُون 1. وقال الأوْزَاعِىُّ: ولا يُكَلَّفُونَ الذَّبيحَةَ، ولا الشَّعِيرَ.
وقال القاضى: إذا وَقَع الشَّرْطُ مُطْلَقًا، لم يَلْزَمْهم الشَّعِيرُ.
ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهم ذلك للخَيْلِ؛ لأنَّ العادَةَ جارِيَةٌ به، فهو كالخُبْزِ للرجلِ.
وللمُسْلِمِين النُّزولُ في الكَنائِسِ والبِيَعِ؛ فإنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صالَحَ أهْلَ الشامِ على أن يُوَسِّعُوا أبْوابَ بِيَعِهم وكنائِسِهم لمَن يجْتازُ بهم مِن المُسْلِمِين، ليَدْخُلُوها رُكْبانًا 2. فإن لم يَجِدُوا مَكانًا، فلهم النُّزولُ في الأفْنِيَةِ

..................................  وفُضولِ المنازلِ، وليس لهم تَحْويلُ صاحِبِ المنْزِلِ منه.
والسّابِقُ إلى مَنْزِلٍ أحَقُّ به ممَّن يَأْتِي بعدَه.
فإنِ امْتَنَعَ بعضُهم مِن القِيامِ بما يَجِبُ عليه، أُجْبِرَ عليه، فإنِ امْتَنَعَ الجميعُ، أُجْبِرُوا، فإن لم يُمْكِنْ إلَّا بالقتالِ، قُوتِلُوا، فإن قاتَلُوا، انْتَقَضَ عَهْدُهم.
فصل: وتُقْسَمُ الضِّيافَةُ بينَهم على قَدْرِ جِزْيَتِهم، فإن جَعَل الضِّيافَةَ مكانَ الجِزْيَةِ، جازَ؛ لِما رُوِى أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَب لراهِبٍ مِن أهْلِ الشامِ: إنَّنِى إن وَلِيتُ هذه الأرْضَ، أسْقَطْتُ عنك خَراجَك.
فلمّا قَدِمَ الجابِيَةَ، وهو أميرُ المؤمنين، جاءَه بكتابِه، فعَرَفَه، وقال: إنَّنِى جَعَلْتُ لك ما ليس لى، ولكنِ اخْتَرْ؛ إن شِئْتَ أداءَ الخَراجِ 1، وإن شِئْتَ أن تُضِيفَ المُسْلِمِين.
فاخْتارَ الضِّيافَةَ.
ويُشْتَرَطُ أن تكُونَ الضِّيافَةُ يَبْلُغُ قَدْرُها أقلَّ الجِزْيَةِ، إذا قُلْنا: مُقَدَّرَةُ الأقَلِّ.
لئلَّا يَنْقُصَ خَراجُه عن أقَلِّ الجِزْيَةِ.
وذُكِرَ أنَّ مِن الشُّروطِ الفاسدةِ الاكْتِفاءَ بضِيافَتِهم عن جِزْيَتِهم؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَ بقِتالِهم حتى يُعْطُوا الجِزْيَةَ، فإذا لم يُعْطُوها، كان قِتالُهم مُباحًا.
ولَنا، أنَّ هذا اشْتِراطُ مالٍ، يَبْلُغُ قَدْرَ الجِزْيَةِ، فجازَ، كما لو شَرَط عليهم عَدْلَ الجِزْيَةِ مَعافِرَ.
فصل 2: وإذا شَرَط في عَقْدِ الذِّمَّةِ شَرْطًا فاسِدًا، مثلَ

وَإِذَا تَوَلَّى إِمَامٌ، فَعَرَفَ قَدْرَ جِزْيَتِهِمْ، وَمَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ، أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ، رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمْ، فَإِنْ بَانَ لَهُ كَذِبُهُمْ، رَجَعَ عَلَيْهِمْ.
وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْعَقْدَ مَعَهُمْ.
أن يَشْتَرِطَ أن لا جِزْيَةَ عليهم، أو إظْهارَ المُنْكَرِ، أو إسْكانَهم الحجازَ، أو إدْخالَهم الحَرَمَ، أو نحوَ هذا، فقال القاضى: يَفْسُدُ به العَقْدُ؛ لأنَّه شَرَط فِعْلَ مُحَرَّمٍ، فأفْسَدَ العَقْدَ، كما لو شَرَط قِتالَ المُسْلِمِين.
ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ الشَّرْطُ وحدَه، بِناءً على الشُّروطِ الفاسِدَةِ في البيعِ والمُضارَبَةِ.

1518 -

مسألة: (وإذا تَوَلَّى إمامٌ، فعَرَفَ قَدْرَ جِزْيَتِهم، وما شُرِطَ عليهم، أقرَّهم عليه، فإن لم يَعْرِفْ، رَجَع إلى قولِهم، فإن بان له كَذِبُهم، رَجَع عليهم.
وعندَ أبِى الخَطّابِ أنَّه يَسْتَأْنِفُ العَقدَ معهم)

إذا ماتَ الإِمامُ، أو عُزِلَ وتَوَلَّى غيرُه، فإن عَرَف ما عَقَدَ عليه عَقْدَ الذِّمَّةِ الذى قبلَه، وكان عَقْدًا صحيحًا، أقَرَّهم عليه، ولم يَحْتَجْ إلى تجديدِ عَقْدٍ؛ لأنَّ الخُلَفاءَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أقَرُّوا عَهْدَ عُمَرَ، ولم يُجَدِّدُوا عقدًا سِواه، ولأنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ.
وإن كان فاسِدًا، رَدَّه إلى الصِّحَّةِ.
وإن لم يَعْرِفْ،

..................................  فَشَهِدَ به مُسْلِمان، أو كان أمْرُه ظاهِرًا، عَمِلَ به.
وإن أشْكَلَ عليه 1، سَألَهم، فإنِ ادَّعَوُا العَقْدَ بما يَصْلُحُ أن يكُونَ جِزْيَةً، قَبِلَ قولَهم، وعَمِلَ به، وإن شاء اسْتَحْلَفَهم اسْتِظْهارًا، فإن بان له بعدَ ذلك أنَّهم نَقَصُوا مِن المَشْرُوطِ، رَجَع عليهم بما نَقَصُوا، وإن قالوا: كُنّا نُؤَدِّى كذا وكذا جِزْيَةً، وكذا وكذا هَدِيَّةً.
اسْتَحْلَفَهم يمينًا واحِدةً؛ لأنَّ الظاهِرَ فيما يَدْفَعُونَه أنَّه جِزْيَةٌ.
وإن قال بعضُهم: كُنّا نُؤَدِّى دينارًا.
وقال بعضُهم: كُنّا نُؤَدِّى دينارَيْن.
أخَذَ كلَّ واحِدٍ منهم بإقْرارِه، ولم يَقْبَلْ قولَ بعضِهم على بعضٍ؛ لأنَّ أقْوالَهم غيرُ مَقْبُولَةٍ.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه إذا لم يَعْرِفْ ما عُوهِدُوا عليه، اسْتَأْنَفَ العَقْدَ معهم؛ لأنَّ عَقْدَ الأوَّلِ لم يَثْبُتْ عندَه، فصار كالمَعْدُومِ.
فصل: وما يَذْكُرُه بعضُ أهْلِ الذِّمَّةِ مِن أنَّ معهم كِتابَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بإسْقاطِ الجِزْيَةِ عنهم، لا يَصِحُّ.
وسُئِلَ عن ذلك أبو العبّاسِ ابنُ سُرَيْجٍ 2، فقال: ما نَقَل ذلك أحَدٌ مِن المسلمين، ورُوِىَ أنَّهم طُولِبُوا بذلك، فأخْرَجُوا كِتابًا، وذَكَرُوا أنَّه بخَطِّ علىٍّ، كَتَبَه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كان فيه

وَإذَا عَقَدَ الذِّمَّةَ، كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ، وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ، وَحُلَاهُمْ، وَدِينَهُمْ، وَجَعَلَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عَرِيفًا يَكْشِفُ حَالَ مَنْ بَلَغَ، وَاسْتَغْنَى، وَأَسْلَمَ، وَسَافَرَ، وَنَقَضَ الْعَهْدَ، وَخَرَقَ شَيْئًا مِنْ أحْكَامِ الذِّمَّةِ.
شهادةُ سعدِ بنِ مُعاذٍ، ومعاويةَ، وتاريخُه بعدَ مَوْتِ سَعْدٍ، قبلَ إسلامِ مُعاوِيَةَ، فاسْتُدِلَّ بذلك على بُطْلانِه (1). ولأنَّ قولَهم غيرُ مَقْبُولٍ، ولم يَرْوِ ذلك مَن يُعْتَمَدُ على رِوايَتِه.

1519 -

مسألة: (وإذا عَقَد الذِّمَّةَ)

معهم (كَتَب أسماءَهم، وأسماءَ آبائِهم) وعَدَدَهم (وحُلاهم، ودِينَهم) فيقولُ: فلانُ بنُ فُلانٍ الفلانِىُّ، طويلٌ أو قصيرٌ أو رَبْعَةٌ، أسمرُ أو أبيضُ، أدْعَجُ العَيْنِ، أقْنَى الأنْفِ، مَقْرونُ الحاجبَيْنِ.
ونحوَ هذا مِن صِفاتِهم التى يتَمَيَّزُ بها كلُّ واحدٍ عن الآخَرِ.
(ويَجْعَلُ لكلِّ طائِفَةٍ عَرِيفًا) يَجْمَعُهم عندَ أداءِ الجِزْيَةِ، ويَعْرِفُ مَن يَبْلُغُ مِن غِلْمانِهم، ويُفِيقُ مِن مَجانِينِهم، ويَقْدَمُ مِن غُيّابِهم، ومَن يموتُ، أو يُسْلِمُ، أو يَسْتَغْنِى، أو يُسافِرُ؛ لأنَّه أمْكَنُ لاسْتِيفاءِ الجِزْيَةِ، وأحْوَطُ، (و) يُبَيِّنُ حالَ مَن (خَرَقَ شيئًا مِن أحْكامِ الذِّمَّةِ) أو نَقَضَ العَهْدَ؛ ليَفْعَلَ فيه الإِمامُ ما يَجِبُ عليه.
ومَن أُخِذَتْ منه الجِزْيَةُ، كُتِبَتْ له براءَةٌ؛ لتكونَ له حُجَّةً إذا احْتاجَ إليها.1

بَابُ أَحْكَامَ الذِّمَّةِ

يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ، فِى ضَمَانِ النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ.
بابُ أحْكامِ الذِّمَّةِ (يَلْزَمُ الإِمامَ أن يَأْخُذَهم بأحْكامِ المُسْلِمِين، في ضَمانِ النَّفْسِ والمالِ والعِرْضِ، وإقامَةِ الحُدودِ عليهمِ فيما يَعْتقِدُون تَحْرِيمَه، دُونَ ما يَعْتَقدُونَ حِلَّه) لا يجوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ إلَّا بشرْطَيْن؛ بَذْلِ الجِزْيَةِ، والْتِزَامِ أحْكامِ المِلَّةِ؛ مِن حُقوقِ الآدَمِيِّين في العُقُودِ والمُعامَلاتِ، وأُرُوشِ الجِناياتِ، وقِيَمِ المُتْلَفاتِ.
فإنْ عُقِدَ على غَيْرِ [هذيْن الشَّرْطَينْ] 1، لم يَصِحَّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
قيل: الصَّغارُ جَرَيانُ أحْكامِ المُسْلِمِين عليهم.
وتَلْزَمُه إقامَةُ الحُدودِ عليهم فيما يَعْتَقِدُون تَحْرِيمَه في دينِهم؛ كالزِّنَى، والسَّرِقَةِ، والقَتْلِ، والقَذْفِ، سواءٌ

..................................  كان الحَدُّ واجِبًا في دِينِهم أوْ لا؛ لِما روَى أنَسٌ، أنَّ يَهُودِيًّا قتلَ جارِيَةً على أوْضاحٍ لها، فقَتَلَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وروَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أُتِىَ بيَهُودِيَّيْن قد فَجَرا بعدَ إحْصانِهما، فرَجَمَهُما 2. ولأنَّه مُحَرَّمٌ في دِينِه وقد الْتَزَمَ حُكْمَ الإِسلامِ.
فأمّا ما يَعْتَقِدُونَ حِلَّه؛ كشُرْبِ الخَمْرِ، وأكْلِ لحمِ الخِنْزِيرِ، ونِكاحِ ذَواتِ

..................................  المحارِمِ للمَجُوسِ، فيُقَرُّون عليه، ولا حَدَّ عليهم فيه؛ لأنَّهم يَعْتَقِدُون حِلَّه.
ولأنَّهم يُقَرُّون على كُفْرِهم، وهو أعْظَمُ إثْمًا مِن ذلك، إلَّا أنَّهم يُمْنَعُون مِن إظْهارِه بينَ المُسْلِمِين؛ لأنَّهم يتَأَذَّوْن بذلك.
والمأْخُوذُ مِن أحْكامِ الذِّمَّةِ ينْقَسِمُ خمسةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، ما لا يَتِمُّ العَقْدُ إلَّا بذِكْرِه، وهو الْتِزامُ الجِزْيَةِ، وجَرَيانُ أحْكامِنا عليهم.
فإن أخَلَّ بذِكْرِ واحدٍ منها، لم يَصِحَّ العَقْدُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وفى معنى ذلك تَرْكُ قتالِ المُسْلِمِين، فإنَّه وإن لم يُذْكَرْ لَفْظُه، فذِكْرُ المُعاهَدَةِ يَقْتَضِيه.
القسمُ الثانى، ما فيه ضَرَرٌ على المُسْلِمِين في أنفُسِهم، وذلك ثمانِيَةُ خِصَالٍ، تُذْكَرُ في نقْضِ العَهْدِ إن شاء اللَّهُ تعالى.
القسمُ الثالثُ، ما فيه غَضاضَةٌ على المُسْلِمِين، وهو ذِكْرُ رَبِّهم أو كتابِهم [أو ديِنهم] 1 أو رسولِهم بسُوءٍ.
القسمُ الرابعُ، ما فيه إظْهارُ مُنْكَرٍ؛ كإحْداثِ الكنائِسِ والبِيَعِ، ورَفْعِ أصْواتِهم بكِتابِهم، وإظْهارِ الخَمْرِ والخِنزيرِ، والضَّرْبِ بالنَّواقِيسِ، وتَعْلِيَةِ البُنْيانِ على أبْنِيَةِ المُسْلِمِين، والإِقامَةِ بالحجازِ، ودُخُولِ الحَرَمِ، فيَلْزَمُهم الكَفُّ عنه، سواءٌ شُرِطَ عليهم أو لم يُشْرَطْ، في جميعِ هذه الأقْسامِ الأربعةِ.
القسمُ الخامسُ، التَّمَيُّزُ عن المُسْلِمِين في أرْبَعَةِ أشْياءَ؛ لِباسِهم، وشُعُورِهم، ورُكُوبِهم، وكُناهُم.
= في الرجم، من كتاب الحدود.
الموطأ 2/ 819. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 5.

وَيُلْزِمُهُمُ التَّمَيُّزَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِى شُعُورِهِمْ؛ بحَذْفِ مَقَادِمِ رُءُوسِهِمْ وَتَرْكِ الْفَرْقِ، وَكُنَاهُمْ فَلَا يَكْتَنُوا بِكُنَى الْمُسْلِمينَ، كَأَبِى الْقَاسِمِ، وَأَبِى عَبْدِ اللَّهِ، وَرُكُوبِهِمْ بِتَرْكِ الرُّكُوبِ عَلَى السُّرُوجِ، وَرُكُوبِهِمْ عَرْضًا عَلَى الْأُكُفِ، وَلِبَاسِهِمْ فَيَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُخَالِفُ ثِيَابَهُمْ؛ كَالْعَسَلىِّ وَالْأَدْكَنِ، وَشَدِّ الْخِرَقِ فِى قَلَانِسِهِمْ وَعَمَائِمِهِمْ، وَتُؤْمَرُ النَّصَارَى بِشَدِّ الزُّنَّارِ فَوقَ ثِيَابِهِمْ، وَيُجْعَلُ فِى رِقَابِهِمْ خَوَاتِيمُ الرَّصَاصِ، وَجُلْجُلٌ يُدْخَلُ مَعَهُمُ الْحَمَّامَ.

1520 - مسألة: (ويُلْزِمُهم التَّمَيُّزَ عن المُسْلِمِين؛ فِى شُعُورِهم بحَذْفِ مَقادِم رُءُوسِهم وتَرْكِ الفَرْقِ، وكُناهم فلا يَتَكَنَّوْنَ بِكُنَى المُسْلِمِين؛ كأَبى القاسِمِ، وأبى عبدِ اللَّهِ، ورُكُوبِهم بتَرْكِ الرُّكُوبِ على السُّرُوجِ، ورُكُوبِهم عَرْضًا على الأُكُفِ، ولِباسهم فيَلْبَسُون ثِيابًا تخالِفُ ثيابَهم، كالعَسَلِىِّ والأدْكَنِ، وشَدِّ الخِرَقِ في قلانِسِهم وعَمائِمِهم، وتُؤْمَرُ النَّصارَى بشَدِّ الزُّنَّارِ 1 فوقَ ثِيابِهم، ويُجْعَلُ في رِقابِهم خَواتِيمُ الرَّصاصِ، وجُلْجُل يُدْخَلُ معهم الحَمَّامَ) يَنْبَغِى للإِمامِ إذا عَقَد الذِّمَّةَ

جارٍ التحميل