..................................
الحَجَرُ 1 المُحَدَّدُ كالصَّوّانِ، فهو كالمِعْرَاضِ، إن قُتِلَ بحَدِّه أُبِيحَ، وإن قُتِلَ بعَرْضِه أو ثِقْلِه فهو وَقِيذٌ لا يُباحُ.
قال ابنُ عمرَ، في المقتولَةِ بالبُنْدُقِ: تلك الموْقُوذَةُ 2. وكَرِهَ ذلك سالِمٌ، والقاسِمُ، ومُجاهِدٌ، وعطاءٌ، والحسنُ، وإبراهيمُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
ورَخَّصَ فيما قُتِلَ بها ابنُ المُسَيَّبِ.
[ورُوي أيضًا عن] 3 عَمَّارٍ، وعبدِ الرحمنِ بنِ أبي لَيلَى.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ 4. ورَوَى سَعِيدٌ، بإسْنادِه عن إبراهيمَ، عن عَدِيٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَا تَأْكُلْ مِنَ البُنْدُقَةِ إلَّا مَا ذَكَيتَ» 5. وقال عمرُ، رَضِيَ اللهُ عنه: لِيَتَّقِ أحدُكم أن يحْذِفَ الأرْنَبَ بالعَصا والحجَرِ.
ثم قال: ولْيُذَكِّ لكم الأسَلُ؛ الرِّماحُ والنَّبْل 6. إذا ثَبَت هذا، فسواء شَدَخَه أو لم يَشْدَخه، حتى لو رَماه ببُنْدُقَةٍ فقَطَعَتْ حُلْقُومَ طائِرٍ ومَرِيئَه، أو أطارَتْ رأْسَه، لم يَحِلَّ.
ومِثْلُه لو فعلَ ذلك بحَجَرٍ غيرِ مُحَدَّدٍ.
فصل: أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على تحريمِ صَيدِ المَجُوسِيِّ، إذا لم يُذَكِّه
النَّوْعُ الثَّانِي؛ الْجَارِحَةُ، فَيُبَاحُ مَا قَتَلَتْهُ إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً، إلا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، فَلَا يُبَاحُ صَيدُهُ.
مَن هو مِن أهلِ الذَّكاةِ، إلَّا ما لا ذَكاةَ له، كالسَّمَكِ والجَرادِ، إلَّا أنَّ مالِكًا، واللَّيثَ، وأبا ثَوْرٍ، شَذُّوا عن الجماعَةِ، وأفْرَطُوا؛ فأمّا مالِكٌ واللَّيثُ فقالا: لا نرَى أن 1 يُؤْكَلَ الجرادُ إذا صادَه المجُوسِيُّ.
ورَخَّصَا في السَّمَكِ.
وأبو 2 ثَوْرٍ أباحَ صَيدَه؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «سُنُّوا بِهِم سُنَّةَ أهْلِ الكتابِ» 3. وهذا قولٌ يُخالِفُ الإِجْماعَ، فلا عِبْرَةَ به.
والحدِيثُ إنَّما أُرِيدَ به قَبولُ الجِزْيَةِ منهم، لا تحليلُ ذَبائِحِهم ونِسائِهم، لمُخالفَتِه الإِجْماعَ.
(النوعُ الثاني، الجارِحَةُ، فيُباحُ ما قَتَلَتْه إذا كانت مُعَلَّمَةً، إلَّا الكلبَ الأسْودَ البهيمَ، فلا يُباحُ صَيدُه) ولا خلافَ في اعْتِبارِ شَرْطِ التَّعْليمِ في
..................................
الجارِحَةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ 1. فأمّا الكلبُ الأسْوَدُ البهيمُ، فلا يُباحُ صَيدُه.
والبَهِيمُ: الذي لا يُخالِطُ لَوْنَه لَوْنٌ سِوَاهُ.
قال أحمدُ: الذي ليس فيه بَياضٌ.
قال ثعلبٌ، وإبراهيمُ الحَرْبِيُّ: كُلُّ لَونٍ لم يُخالِطْه لَوْنٌ آخرُ، فهو بهيمٌ.
قيل لهما: مِن كُلِّ لَوْنٍ؟ قالا: نعم.
وممَّن كَرِهَ صَيدَه الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وإسحاقُ.
قال أحمدُ: ما أعْرِفُ أحدًا يُرَخِّصُ فيه.
يَعْنِي مِن السَّلَفِ.
وأباحَ صَيدَه أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، لعُمومِ الآيَةِ والخَبَرِ، والقياسِ على غيرِه مِن الكلابِ.
ولَنا، أنَّه كلبٌ مُحَرَّمٌ اقْتِناؤُه، فلم يُبَحْ صَيدُه، كغيرِ المُعَلَّمِ، ودليلُ تحْرِيمِ اقْتِنائِه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَاقْتُلُوا مِنْها كُلَّ أسْوَدَ بَهِيمٍ».
رَواه سعيدٌ، وغيرُه 2. وروَى مسلمٌ، في «صَحِيحِه» 3،
..................................
بإسنادِه عن عبدِ اللهِ بنِ المُغَفَّلِ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بقَتْلِ الكلابِ، ثم نَهَى عن قَتْلِها، فقال: «عَلَيكُم بالأسْوَدِ الْبَهِيمِ، ذِي النُّكْتَتَينِ 1، فإنَّه شَيطَانٌ».
فأمَرَ بقَتْلِه، وما وَجَب قَتْلُه حَرُمَ اقْتناؤُه وتَعْليمُه، فلم يُبَحْ صَيدُه، كغيرِ المُعَلَّمِ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَمّاه شَيطانًا،
وَالْجَوَارِحُ نَوْعَانِ؛ مَا يَصِيدُ بِنَابهِ، كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ، فَتَعْلِيمُهُ بثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ أَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرسِلَ، وَيَنْزَجِرَ إِذَا زُجِرَ، وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ.
ولا يجوزُ اقْتناءُ الشيطانِ، وإباحَةُ الصَّيدِ المَقْتُولِ رُخْصَةٌ، فلا تُسْتَباحُ بمُحَرَّمٍ، كسائِرِ الرُّخَصِ، والعُموماتُ مخْصوصةٌ بما ذكَرْناه، وإن كان فيه نُكْتَتانِ فوقَ عَينَيه، لم يَخْرُجْ بذلك عن كوْنِه بَهِيمًا؛ لِما ذكَرْنا مِن الخَبَرِ.
4663 -
مسألة: (والجوارحُ نوعانِ؛ ما يَصِيدُ بِنابِه، كالكلبِ والفَهْدِ، فتَعْلِيمُه بثلاثَةِ أشْياءَ؛ أن يَسْتَرْسِلَ إذا أُرْسِلَ، ويَنْزَجِرَ إذَا زُجِرَ، وإذا أمْسَكَ لم يأْكُلْ).
وَلَا يُعْتَبَرُ تَكَرُّرُ ذَلِكَ مِنْهُ.
4664 - مسألة: (ولا يُعْتَبَرُ تَكَرُّرُ ذلك منه)
هذا قولُ الشريفِ أبي جعفرٍ، وأبي الخطّابِ، بل يحْصُلُ ذلك بالمَرَّةِ؛ لأنَّه تَعَلُّمُ صَنْعَةٍ، فلا يُعْتَبَرُ فيه التَّكْرارُ، كسائرِ الصنائعِ.
وقال القاضي: يُعْتَبَرُ تَكْرارُ ذلك منه مَرَّةً بعدَ أُخْرَى حتى يَصيرَ مُعَلَّمًا في العُرْفِ، وأقَلُّ ذلك ثلاثٌ.
وهو قولُ أبي يوسف، ومحمدٍ.
ولم يُقَدِّرْ أصحابُ الشافعيِّ عَدَدَ المَرّاتِ؛ لأنَّ التَّقْديرَ بالتَّوْقيفِ، ولا تَوْقِيفَ في هذا، بل قَدْرُه بما يصيرُ به في العُرْفِ مُعَلَّمًا.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه إذا تَكَرَّرَ مَرَّتَينِ، صار مُعَلَّمًا؛ لأنَّ التَّكْرارَ يحْصُلُ بمرَّتَين.
وإنَّما اشْتَرَطْنا التَّكْرارَ؛ لأنَّ تَرْكَه للأكْلِ يَحْتَمِلُ أن يكونَ لشِبَعٍ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لتَعْلِيمٍ، فلا يَتَمَيَّزُ ذلك إلَّا بالتَّكْرارِ، وما اعْتُبِرَ فيه التَّكْرارُ اعْتُبرَ ثلاثًا، كالمَسْحِ في الاسْتِجْمارِ، والأقْراءِ،
..................................
والشُّهورِ 1 في العِدَّةِ، والغَسَلاتِ في الوُضوءِ.
ويُفَارِقُ الصَّنائعَ، فإنَّه لا يتَمَكَّنُ مِن فِعْلِها إلَّا مَن تَعَلَّمَها، فإذا فَعَلَها، عُلِمَ أنَّه تَعَلَّمَها وعرَفَها، وتَرْكُ الأكْلِ مُمْكِنُ الوُجودِ مِن المُتعلِّمِ وغيرِه، فيُوجَدُ مِن الصِّنْفَين جميعًا، فلا يتميَّزُ به أحدُهما مِن الآخَرِ حتى يتَكَرَّرَ.
فصل: قد ذكَرْنا أنَّ تَرْكَ الأكْلِ شَرْطٌ لكونِ الجارِحِ المذْكُورِ مُعَلَّمًا.
وحُكِيَ عن ربيعةَ، ومالِكٍ، أنَّه لا يُشْتَرَطُ تَرْكُ الأكْلِ؛ لِما روَى أبو ثَعْلَبَةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلْ وإنْ أكَلَ».
ذكره الإِمامُ أحمدُ، ورواه أبو داودَ 2. ولَنا، أنَّ العادةَ في المُعَلَّمِ تَرْكُ الأكْلِ، فاعْتُبِرَ
فَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ، لَمْ يَحْرُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيدِهِ، وَلَمْ يُبَحْ مَا أَكَلَ مِنْهُ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَينَ.
وَالْأُخْرَى، يَحِلُّ.
شَرْطًا، كالانزِجارِ إذا زُجِرَ، وحديثُ أبي ثَعْلَبَةَ مُعارَضٌ بما روَى عَدِيُّ بنُ حاتمٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «فإنْ أكَلَ فلَا تَأْكُلْ، فإنِّي أخافُ أنْ يكونَ إنَّما أمْسَكَ عَلَى نَفْسِه» (1). وهذا أَوْلَى بالتَّقْدِيمِ؛ لأنَّه أصَحُّ، وهو مُتَّفَقٌ عليه.
ولأنَّه مُتضَمِّنٌ للزيادَةِ، وهو ذِكْرُ الحُكْمِ مُعَلَّلًا.
ثم إنَّ حديثَ أبي ثَعْلَبَةَ مَحْمولٌ على جارِحَةٍ ثَبَت تعليمُها؛ لقولِه: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ».
ولا يثْبُتُ التَّعْليمُ حتى يتْرُكَ الأَكْلَ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الانْزِجارَ بالزَّجْرِ إنَّما يُعْتَبرُ قبلَ إرْسالِه على الصَّيدِ، أو رُؤْيَتِه، أمّا بعدَ ذلك، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ الانْزِجارُ بحالٍ.
قال شيخُنا: ولا أحْسَبُ هذه الخِصال تُعْتَبرُ في غيرِ الكلبِ، فإنَّه الذي يُجِيبُ صاحِبَه إذا دَعاه، ويَنْزَجِرُ إذا زَجَرَه، والفَهْدُ لا يَكادُ يُجِيبُ دَاعِيًا وإن عُدَّ مُتَعَلِّمًا، فيكونُ التعْلِيمُ في حَقِّه بتَرْكِ الأكْلِ خاصَّةً، أو بما يعُدُّه به أهلُ العُرْفِ مُعَلَّمًا.
4665 -
مسألة: (فإن أكَلَ بعدَ تَعَلُّمِه، لم يَحْرُمْ ما تَقَدَّمَ مِن صَيدِه، ولم يُبَحْ ما أكَلَ منه في إحدى الرِّوايَتَين. والأُخْرَى، يَحِلُّ)
أصَحُّ1
..................................
الرِّوايتَين أنَّ ما أكَلَ منه لا يُباحُ.
ويُرْوَى ذلك عن ابنَ عباسٍ، وأبي هُرَيرَةَ.
وبه قال عَطاءٌ، وطاوسٌ، وعُبَيدُ 1 بنُ عُمَيرٍ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وسُوَيدُ 2 بنُ غَفَلَةَ، وأبو بُرْدَةَ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه.
والثانيةُ، يُباحُ.
رُوِيَ ذلك عن سَعْدِ بنَ أبي وَقّاصٍ، وسَلْمَانَ، وأبي هُرَيرَةَ، وابنِ عمرَ.
حكاه عنهم الإِمامُ أحمدُ.
وبه قال مالِكٌ.
وللشافعيِّ قَوْلان كالمَذْهَبَين.
واحْتَجَّ مَن أباحَه بعُمومِ قولِه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾.
وبحديثِ أبي ثَعْلَبَةَ، ولأنَّه صَيدٌ جارِحٌ مُعَلَّمٌ، فأُبِيحَ، كما لو لم يأكلْ، فإنَّ الأكْلَ يحْتَمِلُ أن يكونَ 3 لفَرْطِ جُوعٍ أو غَيظٍ على الصَّيدِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في حديثِ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ: «إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ، فَكُلْ مِمَّا أمْسَكَ عَلَيكَ».
..................................
قلْتُ: وإنْ قَتَلَ.
قال: «وَإِنْ قَتَلَ، إلَّا أنْ يَأْكُلَ الكَلْبُ، فإنْ أكَلَ، فَلَا تَأْكُلْ، فإنِّي أخَافُ أنْ يَكُونَ إنَّمَا أمْسَكَه 1 عَلَى نَفْسِه».
مُتَّفَقٌ عليه.
ولأنَّ ما كان شَرْطًا في الصَّيدِ الأوَّلِ، كان شَرْطًا في سائِرِ صُيودِه، كالإِرْسالِ والتَّعْليمِ.
فأمّا الآيَةُ فلا تَتَناوَلُ هذا الصَّيدَ؛ لأنَّه قال: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾.
وهذا إنَّما أمْسَكَ على نفْسِه.
وأمّا حديثُ أبي ثَعْلَبَةَ، فقال أحمدُ: يَخْتَلِفُون عن هُشَيمٍ فيه.
وحدِيثُنا أصَحُّ؛ لأنَّه مُتَّفَقٌ عليه، وحَدِيثُ 2 عَدِيِّ [بنِ حاتِمٍ] 3 أضْبَطُ، ولفظُه أبْيَنُ؛ لأنَّه ذكَرَ الحُكْمَ والعِلَّةَ.
قال أحمدُ: حديثُ الشَّعْبِيِّ عن عَدِيٍّ مِن أصَحِّ 4 ما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، الشَّعْبِيُّ يقولُ: كان جارِي ورَبِيطِي، فحدَّثَنِي.
والعملُ عليه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أكَلَ منه بعدَ أن قَتَلَه وانْصَرَفَ عنه.
..................................
فصل: ولا يَحْرُمُ ما تَقَدَّمَ مِن صَيدِه، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَحْرُمُ؛ لأنَّه لو كان مُعَلَّمًا ما أكَلَ.
ولَنا، عُمومُ الآيةِ والأخْبارِ، وإنَّما خُصَّ ما أكَلَ منه، ففيما عَداهُ يجبُ العملُ بالعُمومِ، ولأنَّ اجْتماعَ شُروطِ التَّعْليمِ حاصلٌ، فوجَبَ الحكمُ به، ولهذا حكَمْنا بحِلِّ صَيدِه، فإذا وُجِدَ الأكْلُ، احْتَمَلَ أن يكونَ لِنِسْيانٍ، أو فَرْطِ جُوعٍ، فلا يُتْرَكُ ما ثَبَتَ 1 يَقِينًا بالاحْتمالِ.
فصل: ولا يَحْرُمُ ما صادَه الكلبُ بعدَ الصَّيدِ الذي أكَلَ منه.
ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِيِّ أنَّه يَخْرُجُ عن أن يكونَ مُعَلَّمًا، فتُعْتَبَرُ له شُروطُ التَّعْليمِ ابْتِداءً.
والأوَّلُ أَوْلَى؛ لِما ذكَرْنا في صَيدِه قبلَ الأكْلِ.
فصل: فإن شَرِبَ مِن (1) دَمِه ولم يَأْكُلْ منه، لم يَحْرُمْ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال عَطاءٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وكَرِهَه الشَّعْبِيُّ، والثَّوْرِيُّ؛ لأنَّه في مَعْنَى الأكْلِ.
ولَنا، عُمومُ الآيةِ والأخْبارِ، [وإنَّما] 2 خَرَج منه ما أكَلَ منه؛ لحديثِ عَدِيٍّ، وهو
..................................
قولُه: «فَإنْ أكَلَ مِنْهُ، فَلَا تَأْكُلْ».
وهذا لم يأْكُلْ، ولأنَّ الدَّمَ لا يَقْصِدُه الصَّائِدُ منه، ولا ينْتَفِعُ به، فلا يَخْرُجُ بشُرْبِه عن أن يكونَ مُمْسِكًا على صائدِه.
فصل: وكُلُّ ما يَقْبَلُ التَّعْليمَ، ويُمْكِنُ الاصْطِيادُ به مِن سباعِ البهائِمِ، كالفَهْدِ وجَوارِحِ الطَّيرِ، فحُكْمُه حُكْمُ الكلبِ في إباحَةِ صَيدِه.
قال ابنُ عباسٍ، في قولِه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾.
هي الكِلابُ المُعَلَّمَةُ، وكُلُّ طَيرٍ تعَلَّمَ الصَّيدَ، والفُهُودُ، والصُّقُورُ وأشْباهُها 1. وبمعنى ذلك قال طاوُسٌ، ويحيى بنُ أبي كَثِيرٍ، والحسَنُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وحُكِيَ عن ابنِ عمرَ، ومُجاهِدٍ، أنَّه لا يجوزُ الصَّيدُ إلَّا بالكلبِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾.
يعني: كَلَّبْتُم 2 مِن الكلابِ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن عَدِيٍّ، قال: سأَلْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن صَيدِ البَازِي، فقال: «إذا أمْسَكَ عَلَيكَ، فَكُلْ» 3. ولأنَّه جارِحٌ يُصادُ به عادةً، ويَقْبَلُ التَّعليمَ، فأشْبَهَ
وَالثَّانِي، ذُو الْمِخْلَبِ؛ كَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالْعُقَابِ، وَالشَّاهِينِ، فَتَعْلِيمُهُ بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ، وَيُجِيبَ إِذَا دُعِيَ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَرْكُ الْأَكْلِ.
الكلبَ.
فأمّا الآيَةُ، فإنَّ الجوارِحَ الكَواسِبُ.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ﴾ 1. أي: كَسَبْتُم.
وفلانٌ جارِحَةُ أهلِه، أي: كاسِبُهم.
﴿مُكَلِّبِينَ﴾.
مِن التَّكْلِيبِ 2 وهو الإِغْراءُ.
النوعُ (الثاني، ذو المِخْلَبِ؛ كالبازِي، والصَّقْرِ، والعُقابِ، والشّاهينِ، فتَعْلِيمُه بأن يَسْتَرْسِلَ، ويُجِيبَ إذا دُعِيَ، ولا يُعْتَبَرُ تَرْكُ الأكْلِ) فعلى هذا، يُباحُ صَيدُه وإن أكَلَ منه.
وبهذا قال ابنُ عباسٍ.
وإليه ذهبَ النَّخَعِيُّ، وحَمّادٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه.
ونصَّ الشافعيُّ على أنَّه كالكلبِ في تَحْريمِ ما أكَلَ منه مِن صَيدِه؛ لأنَّ مُجالِدًا رَوَى عن الشَّعْبِيِّ، عن عَدِيٍّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فإنْ أكَلَ الكَلْبُ والبَازِيُّ، فلا تَأْكُلْ» 3. ولأنَّه جارِحٌ أكَلَ ممّا صادَه عَقِيبَ قَتْلِه،
وَلَابُدَّ أَنْ يَجْرَحَ الصَّيدَ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِصَدْمَتِه، أَوْ خَنْقِهِ، لَمْ يُبَحْ.
وَقَال
فأشْبَهَ سِباعَ البهائمِ.
ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، فروَى الخَلَّالُ بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا أكَلَ الكَلْبُ، فَلا تأْكُلِ الصيدَ (1)، وإن أكَلَ الصَّقْرُ، فكُلْ؛ لأنَّك تَسْتطيعُ أن تَضْرِبَ الكلْبَ، ولا تسْتطيعُ أن تَضْرِبَ الصَّقْرَ (2). وقد ذكَرْنا عن أربعةٍ مِن الصحابةِ إباحَةَ ما أكَلَ منه الكلبُ، وخالفَهُم ابنُ عباسٍ [في الكلبِ] (3)، ووافَقَهم في الصَّقْرِ، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ في عَصْرِهم خِلافُهم (4)، ولأنَّ جَوارِحَ الطَّيرِ تُعَلَّمُ بالأَكْلِ، ويتَعَذَّرُ تَعْلِيمُها بتَرْكِ الأكْلِ، فلم يقْدَحْ في تَعْلِيمِها، بخلافِ الكلبِ والفهْدِ.
وأمّا الخبَرُ، فلا يَصِحُّ، يَرْويه (5) مُجالِدٌ، وهو ضعيفٌ.
قال أحمدُ: مُجالِدٌ يُصَيِّرُ القِصَّةَ واحِدَةً، كم مِن أُعْجوبَةٍ لِمُجالِدٍ.
والرِّوايَةُ الصَّحِيحةُ تُخالِفُه، ولا يصِحُّ قِياسُ الطَّيرِ على السِّباعِ؛ لِما بينَهما مِن الفَرْقِ.
وعلى هذا، كلُّ ما أمْكَنَ تَعْلِيمُه والاصْطِيادُ به مِن جَوارِحِ الطَّيرِ، كالبَازِي والصَّقْرِ والعُقابِ والباشَقِ ونحوه، حَلَّ صَيدُها على ما ذكَرْنا.
4666 -
مسألة: (ولابُدَّ أن يَجْرَحَ الصَّيدَ، فإن قَتَلَه بصَدْمَتِه،
12345
ابنُ حَامِدٍ: يُبَاحُ.
وَمَا أَصَابَه فَمُ الْكَلْبِ، هَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
أو خَنْقِه، لم يُبَحْ) قال الشريفُ: وبه قال أكثرُهم (وقال ابنُ حامدٍ: يُباحُ) وهو قولٌ للشافعيِّ؛ لعُمومِ الآيةِ والخَبَرِ.
ولَنا، أنَّه قَتَلَه بغيرِ جُرْحٍ، أشْبَهَ ما لو قَتَلَه بالحَجَرِ والبُنْدُقِ، ولأنَّ اللهَ تعالى حَرَّمَ الموْقُوذَةَ، وهذا كذلك، وهو يَخُصُّ ما ذكرُوه، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أنْهَرَ الدَّمَ، وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيهِ، فَكُلْ» (1). يَدُلُّ على أنَّه لا يُباحُ ما لم يُنْهِرِ الدَّمَ.
4667 -
مسألة: (وما أصابَه فَمُ الكلبِ، هل يَجِبُ غَسْلُه؟ على وَجْهَين)
أحدُهما، لا يَجِبُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى ورسولَه أمَرا بأكْلِه، ولم يأْمُرا1
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، إِرْسَالُ الْآلةِ قَاصِدًا لِلصَّيدِ، فَإِنِ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ أَوْ غَيرُهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُبَحْ صَيدُهُ وَإِنْ زَجَرَهُ، إلا أَنْ يَزيدَ عَدْوُهُ بِزَجْرِهِ، فَيَحِلُّ.
بغَسْلِه.
والثاني، يَجِبُ؛ لأنَّ نَجاسَتَه قد ثَبَتَتْ، فيَجِبُ غَسْلُ ما أصابَه، كبَوْلِه.
فصل: قال رَحِمه اللهُ: (الثالثُ، أن يُرْسِلَ الآلةَ قاصِدًا للصَّيدِ، فإنِ اسْتَرْسَلَ الكلبُ أو غيرُه بنَفْسِه، لم يُبَحْ صَيدُه وإن زَجَرَه، إلَّا أن يَزِيدَ عَدْوُه بزَجْرِه، فيَحِلُّ) وبهذا قال ربيعَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال عطاءٌ، والأوْزَاعِيُّ: يؤْكَلُ صَيدُه إذا جَرَحَ الصَّيدَ 1. وقال إسحاقُ: إذا سَمَّى عندَ انْفِلاته، أُبِيحَ.
وروَى بإسْنادِه
..................................
عن ابنِ عمرَ، أنَّه سُئِلَ عن الكلابِ تَنْفَلِتُ مِن مَرابِطِها 1 فتَصِيدُ الصَّيدَ؟ قال: [إذا ذُكِرَ] 2 اسْمُ اللهِ، فكُلْ 3. قال إسحاقُ: فهذا الذي أَخْتارُ إذا لم يتَعَمَّدْ إرْساله مِن غيرِ اسْمِ اللهِ عليه.
قال الخَلَّالُ: هذا قولُ أبي عبدِ الله.
ولَنا، قولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وسَمَّيتَ، فكُلْ» 4. ولأنَّ إرْسال الجارِحَةِ جُعِلَ بمنْزِلَةِ الذَّبْحِ، ولهذا اعْتُبِرَتِ التَّسْمِيَةُ معه.
فإنِ اسْتَرسلَ بنَفْسِه فسمَّى صاحِبُه وزَجَرَه، فزَادَ عَدْوُه بزَجْرِه، أُبِيحَ صَيدُه.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال الشَّافِعِيُّ: لا يُباحُ.
وعن مالكٍ كالمَذْهَبَين.
ولَنا، أنَّ زَجْرَه له 5 أثَّرَ في عَدْوه، فصار كما لو أرْسَلَه؛ لأنَّ فِعْلَ الآدَمِيِّ إذا انضافَ إلى فعلِ البهيمةِ، كان الاعْتِبارُ بفِعْلِ الإِنْسانِ، بدليلِ أنَّه لو عَدا على إنْسانٍ، فأغْراه آدَمِيٌّ فأصابَه، ضَمِنَ الآدَمِيُّ.
وإن لم يَزِدْ عَدْوُه بزَجْرِه، لم يُبَحْ؛ لأنَّه لم يُؤَثِّرْ شيئًا، فهو كما لو لم يَزْجُرْه.
وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ سَهْمَهُ إِلَى هَدَفٍ فَقَتَلَ صَيدًا، أَوْ أَرْسَلَهُ يُرِيدُ الصَّيدَ وَلَا يَرَى صَيدًا، لَمْ يَحِلَّ صَيدُهُ إِذَا قَتَلَهُ.
فصل: وإن أرْسلَه بغيرِ تَسْمِيَةٍ، سَمَّى وزجَرَه، فزادَ في عَدْوه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه يُباحُ؛ فإنَّه قال: إذا أرْسلَ، ثم سَمَّى فانْزَجَرَ، أو أرْسلَ وسمَّى، فالمعنى قريبٌ مِن السَّواءِ.
وظاهِرُ هذا الإِباحَةُ؛ لأنَّه انْزَجَرَ بتَسْمِيَتِه وزَجْرِه، فأشْبَهَ التي قبلَها.
وقال القاضي: لا يُباحُ؛ لأنَّ الحُكْمَ يتَعَلَّقُ بالإِرْسالِ الأوَّلِ، بخلافِ ما إذا اسْتَرْسلَ بنَفْسِه، لأنَّه (1) لا يتَعَلَّقُ به حَظْرٌ ولا إباحَةٌ.
4668 -
مسألة: (وإن أرْسَلَ كَلْبَه إلى هَدَفٍ فقَتَلَ صَيدًا، أو أرْسَلَه يُرِيدُ الصَّيدَ ولا يَرَى صَيدًا، لم يَحِلَّ صَيدُه إذا قَتَلَه)
لأنَّ قَصْدَ الصَّيدِ شَرْطٌ، ولم يُوجَدْ، وكذلك إن قَصَدَ إنْسانًا أو حَجَرًا، أو رَمَى عَبَثًا 2 غيرَ قاصِدٍ صَيدًا فقَتَلَه، لم يَحِلَّ؛ لأنَّه لم يقْصِدْ صَيدًا، لكَوْنِ القَصْدِ1
وَإِنْ رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيدًا، فَأَصَابَ صَيدًا، لَمْ يَحِلَّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحِلَّ.
لا يتحقَّقُ إلَّا بعِلْمِه.
وبهذا قال الشَّافِعِيُّ في الكلبِ.
وقال الحسَنُ، ومُعاويَةُ بنُ قُرَّةَ: يأْكُلُه؛ لعُمومِ الآيةِ والخبرِ، ولأنَّه قَصَدَ الصَّيدَ، فحَلَّ له ما صادَه، كما لو رآه.
ولَنا، أنَّ قَصْدَ الصَّيدِ شَرْطٌ، ولا يَصِحُّ مع عَدَمِ العِلْمِ، فأشْبَهَ ما لو لم يقْصِدِ الصَّيدَ.
4669 -
مسألة؛ (فإن رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيدًا، فأصاب صَيدًا، لم يَحِلَّ. ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ)
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه لم يقْصِدْ صَيدًا 1 على الحقيقَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَحِلَّ.
اخْتارَه شيخُنا؛ لأنَّه قَصَدَ الصَّيدَ، أشْبَهَ ما لو رآه، ولأنَّ صِحَّةَ القَصْدِ تَنْبَنِي على الظَّنِّ، وقد وُجِدَ، وصَحَّ قَصْدُه، فيَنْبَغِي أن يَحِلَّ صيدُه.
فأمَّا إن شَكَّ هل هو صَيدٌ أو لا؟ وغَلَبَ على ظَنِّه أنَّه ليس بصَيدٍ، لم يُبَحْ؛ لأنَّ صِحَّةَ القَصْدِ تَنْبَنِي على العِلْمِ، ولم يُوجَدْ ذلك.
وَإِنْ رَمَى صَيدًا فأَصَابَ غَيرَهُ، أَوْ رَمَى صَيدًا فَقَتَلَ جَمَاعَةً، حَلَّ.
فصل: فإن رَأى سَوادًا، أو سمِعَ حِسًّا، فظَنَّه آدَمِيًّا، أو بَهيمةً، أو حَجَرًا، فرَماه فقَتَلَه، فإذا هو صَيدٌ، لم يُبَحْ.
وبهذا قال مالِكٌ، ومحمدُ بنُ الحسَنِ.
وقال أبو حنيفةَ: [يباحُ.
وقال الشَّافعِيُّ] (1): يُباحُ إن كان المُرْسَلُ سَهْمًا، ولا يُباحُ إن كان جارِحًا.
واحْتَجَّ مَن أباحَه بعُمومِ الآيةِ والخَبَرِ، ولأنَّه قَصَدَ الاصْطِيادَ وسَمَّى، فأشْبَهَ ما لو عَلِمَه صَيدًا.
ولَنا، أنَّه لم يقْصِدِ الصَيدَ (2)، فلم يُبَحْ، كما لو رَمَى هَدَفًا فأصابَ صيدًا، أو كما في الجارِحِ عندَ الشافعيِّ.
وإن ظَنَّه كَلْبًا أو خِنْزِيرًا، لم يُبَحْ؛ لذلك.
وقال محمدُ بنُ الحسَنِ: يُباحُ؛ لأنَّه ممَّا يُباحُ قَتْلُه.
ولَنا، ما تقَدَّمَ.
4670 -
مسألة: (وإن رَمَى صَيدًا، فقَتَلَ غَيرَه، أو رَمَى صَيدًا، فقَتَلَ جَماعَةً، حَلَّ)
إذا رَمَى صَيدًا، فأصابَه هو وغيرَه، حلَّا جميعًا،12
..................................
والجارِحُ في هذا بمنْزِلَةِ السَّهْمِ.
نَصَّ أحمدُ على ذلك.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وقَتادَةُ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ، إلَّا أنَّ الشافعيَّ قال: إذا أرْسَلَ الكلْبَ على صَيدٍ، فأخَذَ آخَرَ في طَرِيقِه، حَلَّ، وإن عَدَلَ عن طريقِه إليه، ففيه وَجْهان، وإن أرْسَلَه على صَيدٍ فقَتَلَ غيرَه، أُبِيحَ.
وقال مالِكٌ: إذا أرْسَلَ كلْبَه على صَيدٍ بعَينِه، فأخَذَ غيرَه، لم يُبَحْ؛ لأنَّه لم يقْصِدْ صَيدَه، إلَّا أن يُرْسِلَه على صُيودٍ، فتَتَفَرَّقَ عن صِغارٍ، فإنَّها تُباحُ إذا أخَذَها.
ولَنا، عُمومُ قولِه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ 1. وقولُه - عليه السلام -: «إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عليه، فَكُلْ مِمَّا أمْسَكَ عليك».
وقوْلُه - عليه السلام -: «كُلْ ما رَدَّتْ عَلَيكَ قَوْسُكَ» 2. ولأنَّه أرْسَلَ آلةَ الصَّيدِ على صَيدٍ، فَحَلَّ ما صادَه، كما لو أرْسَلَها على كِبارٍ فتَفَرَّقَتْ عن صِغارٍ فأخَذَها عندَ مالكٍ، أو كما لو أخَذَ صَيدًا في طريقِه عندَ الشافعيِّ، ولأنَّه لا يُمْكِنُ تَعْلِيمُ الجارِحِ اصْطِيادَ واحِدٍ بعَينِه دُونَ واحدٍ 3، فسَقَطَ اعْتِبارُه.
وَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ عَلَى صَيدٍ، فَأَعَانَتْهُ الرِّيحُ، فَقَتَلَهُ، وَلَوْلَاهَا مَا وَصَلَ، حَلَّ.
وَإِنْ رَمَى صَيدًا فَأَثْبَتَهُ، مَلَكَهُ، فَإِنْ تَحَامَلَ فَأَخَذَهُ غَيرُهُ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ، فَدَخَلَ خَيمَةَ إِنْسَانٍ فَأَخَذَهُ، فَهُوَ لِآخِذِهِ.
4671 - مسألة: (وإن أرْسَلَ سَهْمَه على صَيدٍ، فأعانَتْه الرِّيحُ فقَتَلَته، ولَوْلَاها ما وَصَلَ، حَلَّ)
لأنَّه قتلَ الحيوانَ بسَهْمِه ورَمْيِه، فحَلَّ، كما لو وقَعَ سَهْمُه في حَجَرٍ، فرَدَّه إلى الصَّيدِ فقَتَلَه.
فصل (1): وإن سمَّى الصائِدُ على صَيدِ غيرِه، حلَّ.
4672 -
مسألة: (وإن رَمَى صَيدًا فأثْبَتَه، مَلَكَه، فإن تَحامَلَ فأَخَذَهُ غَيرُهُ، لَزِمَه رَدُّه)
كما يَلْزَمُه رَدُّ الشَّاةِ.
4673 -
مسألة: (وإن لم يُثبِتْه، فدَخَلَ خَيمَةَ إنسانٍ فأخَذَه، فهو لآخِذِه)
لأنَّ الأوَّلَ لم يَمْلِكْه؛ لكَوْنِه مُمْتَنِعًا، فمَلَكَه الثاني بأخْذِه.
ولو1
وَلَوْ وَقَعَ في شَبَكَتِهِ صَيدٌ فَخَرَقَهَا وَذَهَبَ بِهَا، فَصَادَهُ آخَرُ، فَهُوَ رَمَى طَيرًا على شجرةٍ في دارِ قَوْمٍ، فطرَحَه في دارِهم فأخَذُوه، فهو للرَّامِي دُونَهم؛ لأنَّه ملَكَه بإزالةِ امْتِناعِه.
4674 -
مسألة: (ولو وَقَعَ صَيدٌ فِي شَبَكَةِ إنْسانٍ، فخَرَقَها
لِلثَّانى.
وذَهَبَ بها، فصَادَه آخَرُ، فهو للثَّانِي) أمَّا إذا تعَلَّقَ صَيدٌ في شَرَكِ إنسانٍ أو شَبَكَتِه، مَلَكَه؛ لأنَّه أثْبَتَه بآلَتِه.
ذكَرَه أصْحابُنا.
فإن أخَذَه إنسانٌ، لَزِمَه رَدُّه عليه؛ لأنَّ آلَتَه أثْبَتَتْه، فأشْبَه ما لو أثْبَتَه بسَهْمِه.
وإن لم تُمْسِكْه الشَّبَكَةُ، بل انْفَلَتَ منها في الحالِ، أو بعدَ حِينٍ، لم يَمْلِكْه؛ لأنَّه لم يُثْبِتْه.
وإن أخَذَ الشَّبَكَةَ، وذهَبَ بها، فصادَه إنسانٌ؛ مَلَكَه، ويَرُدُّ الشَّبَكَةَ على صاحِبِها دونَ الصيدِ 1؛ لأنَّه لم يُثْبِتْه.
وإن كان يَمْشِي بالشَّبَكَةِ على وَجْهٍ لا يَقْدِرُ على الامْتِناعِ فهو لِصاحِبِها؛ لأنَّها أزالتِ امْتِناعَه.
فأمَّا إن أمْسَكَه الصَّائِدُ، وثَبَتَتْ يَدُه عليه، ثم انْفَلَتَ منه، لم يَزُلْ مِلْكُه عنه؛ لأنَّه امْتَنَعَ منه بعدَ ثُبُوتِ مِلْكِه عليه، فلم يَزُلْ 2 مِلْكُه عنه، كما لو شَرَدَتْ فرَسُه، أو نَدَّ بَعِيرُه.
فصل: فإنِ اصْطادَ صَيدًا، فوجَدَ عليه عَلامَةً، مثلَ قِلادَةٍ في عُنُقِه، أو وَجَد 3 في أُذُنِه 4 قُرْطًا، لم يَمْلِكْه؛ لأنَّ الذي صادَه مَلَكَه، فلا يَزُولُ مِلْكُه بالانْفِلاتِ.
وكذلك إن وجَدَ طائِرًا مَقْصوصَ الجَناحِ، ويكونُ لُقَطَةً.
فإن قيل: يَحْتَمِلُ أن يكونَ (3) الذي أمْسَكَه أوَّلًا مُحْرِمٌ لم يَمْلِكْه، أو أنَّه أرْسَلَه على سَبِيلِ التَّخْلِيَةِ وإزالةِ المِلْكِ عنه، كإلْقاءِ الشيءِ التَّافِهِ.
قُلْنا: أمَّا الأوَّلُ فنادِرٌ، وهو مُخالِفٌ للظاهِرِ؛ لأنَّ ظاهِرَ حالِ
وَإِنْ كَانَ في سَفِينَةٍ، فَوَثَبَتْ سَمَكَةٌ فَوَقَعَتْ في حِجْرِهِ، فَهِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ.
المُحْرِمِ أنَّه لا يَصِيدُ ما حَرَّمَ اللهُ تعالى عليه.
وأمَّا الثاني فخِلافُ الأصْلِ، فإنَّ الأصْلَ بقاءُ مِلْكِه عليه.
وما ذكَرُوه مُحْتَمِلٌ، فلا يزولُ المِلْكُ بالشَّكِّ.
4675 -
مسألة: (ومَن كان في سَفِينَةٍ، فوَثَبَتْ سَمَكَةٌ فوَقَعَتْ في حِجْرِه، فهي له دُونَ صاحِبِ السَّفِينَةِ)
وذلك لأنَّ السَّمَكَ مِن الصَّيدِ المُباحِ، فَمُلِكَ بالسَّبْقِ إليه، وهذه حصَلَتْ في يَدِ الذي هي في حِجْرِه، وحِجْرُه له، ويَدُه عليه، دونَ صاحِبِ السَّفِينَةِ، [ألا تَرَى] 1 أنَّهما لو تَنازَعا كِيسًا في حِجْرِه، كان أحَقَّ به مِن صاحِبِ السفينَةِ؟ كذا ههُنا.
فأمَّا إن وقَعَتِ السَّمَكَةُ في السَّفِينَةِ، فهي لصاحِبِها.
ذكَرَهُ ابنُ أبي موسَى.
وهو مفْهُومُ كلامِ الخِرقِيِّ؛ لأنَّ السَّفِينةَ
وَإِنْ صَنَعَ بِرْكَةً لِيَصِيدَ بِهَا السَّمَكَ، فَمَا حَصَلَ فِيهَا
مِلْكُه، ويدُه عليها، فما حصَلَ مِن المُباحِ فيها، كان أحَقَّ به، كحِجْرِه.
فصل: فإن كانتِ السَّمَكَةُ وثَبَتْ بفعْلِ إنْسانٍ لقَصْدِ الصَّيدِ، كالصَّيَّادِ (1) الذي يجْعَلُ في السفينةِ ضَوْءًا بالليلِ، ويَدُقُّ بشيءٍ كالجَرَسِ ليَثِبَ السَّمَكُ في السفينَةِ، فهذا للصَّيَّادِ دُونَ مَن وقَعَ في حِجْرِه؛ لأنَّ الصّائِدَ أثْبَتَها بذلك، فصارَ كمَن رَمَى طائِرًا فألْقاه في دارِ قَوْمٍ.
وإن لم يقْصِدِ الصَّيدَ بهذا، بل حصلَ اتِّفاقًا، كانت لمَن وقَعَتْ في حِجْرِه.
4676 -
مسألة. (وإن صَنَعَ بِرْكَةً ليَصِيدَ بها السَّمَكَ، فما حَصَلَ
1
مَلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا ذَلِكَ، لَمْ يَمْلِكْهُ.
وَكَذَلِكَ إِنْ حَصَلَ في أَرْضِهِ سَمَكٌ، أَوْ عَشَّشَ فِيهَا طَائِرٌ، لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلِغيرِهِ أَخْذُه.
فيها مَلَكَه، وإن لم يَقْصِدْ بها ذلك لَمْ يَمْلِكْهُ) [لِما ذَكَرْنا في الفصلِ الذي قبلَ هذه المسألةِ، ولأنَّها آلةٌ للصيدِ قَصَد بها الصيدَ، أشْبَهتِ الشَبَكةَ والشَّرَكَ، وإذا لم يَقْصِدْ بها الصيدَ، لم يَمْلِكْه] 1، كما لو توَحَّلَ الصَّيدُ في أرْضِه (وكذلك لو حصَلَ في أرْضِه سَمَكٌ) مِن مَدِّ الماءِ (وإن عَشَّشَ فيها طائِرٌ، لم يَمْلِكْه، ولغَيرِه أخْذُه) كما يجوزُ له أخْذُ الماءِ والكَلَأ.
وَيُكْرَهُ صَيدُ السَّمَكِ بِالنَّجَاسَةِ.
4677 - مسألة: (ويُكْرَهُ صَيدُ السَّمَكِ بالنَّجاسَةِ)
وهو أن يُتْرَكَ في الماءِ شيءٌ نَجِسٌ، كالعَذِرَةِ والمَيتَةِ وشِبْهِهما، ليأْكُلَه السَّمَكُ ليَصِيدَ به.
كَرِهَ أحمدُ ذلك، وقال: هو حَرامٌ، لا يُصادُ به.
وإنَّما كَرِهَه لِمَا يتَضَمَّنُ مِن أكلِ السَّمَكِ للنَّجاسَةِ، فيُشْبِهُ الجَلَّالةَ.
وسواءٌ في هذا ما
..................................
يتفَرَّقُ، كالدَّم، وما لا يتَفَرَّقُ، كقِطْعَةٍ مِن المَيتَةِ.
وكَرِهَ أحمدُ الصَّيدَ ببَناتِ وَرْدانَ 1، وقال: إنَّ مَأْواها 2 الحُشُوشُ.
وكَرِهَ الصَّيدَ بالضَّفادِعِ، وقال: نُهِيَ عن قَتْلِ الضِّفْدَعِ 3.
وَصَيدُ الطَّيرِ بِالشِّبَاشِ.
وَإِذَا أَرْسَلَ صَيدًا، وَقَال: أَعْتَقْتُكَ.
لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَزُولَ؛ وَيَمْلِكَهُ مَنْ أَخَذَهُ.
4678 - مسألة: (و) يُكْرَهُ (صَيدُ الطَّيرِ بالشِّباشِ)
وهو طَائرٌ يَخِيطُ عينَيه أو يَرْبِطُه (1). وكَرِهَ أحمدُ الصَّيدَ بالخراطِيمِ (2)، وكلِّ شيءٍ فيه رُوحٌ، [لِمَا فيه] (3) مِن تَعْذيبِ الحيوانِ، فإنْ صادَه، فالصَّيدُ مُباحٌ.
ولم يَرَ بَأْسًا بالصَّيدِ بالشَّبَكَةِ، والشَّرَكِ، وبالدِّبْقِ الذي يَمْنَعُ الحيوانَ مِن الطَّيَرانِ، وأن يطْعَمَ شيئًا إذا أكلَه سَكِرَ وأُخِذَ.
4679 -
مسألة: (وإن أرْسَلَ صَيدًا، وقال: أعْتَقْتُكَ. لم يَزُلْ مِلْكُه عنه. ويَحْتَمِلُ أن يَزُولَ)
وهو لِمَن أخَذَه.
ظاهِرُ المذهبِ أنَّه لا يزُولُ مِلْكُه عنه بالإِرْسالِ والإِعْتاقِ.
قاله أصْحابُنا.
كما لو أرْسَلَ البَعِيرَ والبقرَةَ.123
فَصْلٌ: الرَّابعُ، التَّسْمِيَةُ عِنْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ أَو الْجَارِحَةِ، فَإِنْ
ويَحْتَمِلُ أنْ يزولَ المِلْكُ؛ لأنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، والإِرْسالُ يَرُدُّه إلى أصْلِه.
ويُفارِقُ بهِيمَةَ الأنْعامِ مِن وجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ الأصْلَ ههُنا الإِباحَةُ، وبهيمَةُ الأنْعامِ بخلافِه.
الثاني، أنَّ الإِرْسال ههُنا يُفيدُ، وهو رَدُّ الصَّيدِ إلى الخلاص.
مِن أيدِي الآدَمِيِّين وحبْسِهم، ولهذا رُوِيَ عن أبي الدَّرْداءِ أنَّه اشْتَرَى عُصْفُورًا مِن صَبِيٍّ فأرْسَلَه، ولأنَّه يَجِبُ إرْسالُ الصَّيدِ على المُحْرِمِ إذا أحْرَمَ، بخلافِ بهيمَةِ الأنْعامِ، فإنَّ إرْساله تَضْيِيعٌ له، ورُبَّما هلَكَ إذا لم يكُنْ له مَن يَقُومُ به.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (الرابعُ التَّسْمِيَةُ عندَ إرْسالِ السَّهْمِ أو
تَرَكَهَا، لَمْ يُبَحْ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، في ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، إِنْ نَسِيَهَا عَلَى السَّهْمِ، أُبِيحَ، وَإِنْ نَسِيَهَا عَلَى الْجَارِحَةِ، لَمْ يُبَحْ.
الجارِحَةِ، فإن تَرَكَها، لم يُبَحْ، سواءٌ تَرَكَها عَمْدًا أو سَهْوًا، في ظاهرِ المذْهَبِ.
وعنه، إن نَسِيَها على السَّهْمِ أُبِيحَ، وإن نَسِيَها على الجارِحَةِ لم يُبَحْ) ظاهِرُ المذهب أنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ لإِباحَةِ الصَّيدِ، وأنَّها لا تسْقُطُ بالسَّهْو.
وهو قولُ الشَّعْبِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وداودَ.
ورَوَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنَّ التَّسْمِيَةَ تسْقُطُ بالنِّسْيانِ.
قال الخَلَّالُ: سَها حَنْبَلٌ 1 في نَقْلِه.
وممَّن أباحَ مَتْروكَ التَّسْمِيَةِ في النِّسْيانِ دونَ العَمْدِ أبو حنيفةَ، ومالِكٌ؛ لقوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأُمَّتِي عن الخَطَأ والنِّسْيَانِ» 2. ولأنَّ إرْسال الجارِحَةِ جَرَى مَجْرَى التَّذْكِيَةِ، فعُفِيَ عن النِّسْيانِ فيه، كالذَّكاةِ.
وعن أحمدَ، أنَّ التَّسْمِيَةَ تُشْتَرَطُ على إرْسالِ الكَلْبِ في 3 العَمْدِ والنِّسْيانِ بخلافِ السَّهْمِ، فإنَّ السَّهْمَ آلةٌ حقيقَةً 4، وليس له اخْتِيارٌ، فهو بمَنزِلَةِ
..................................
السِّكِّينِ، بخلافِ الحيوانِ، فإنَّه يفْعَلُ باخْتِيارِه.
وقال الشافِعِيُّ: يُباحُ مَتْروكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا وسَهْوًا؛ لأنَّ البَراءَ روَى، أنَّ النبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الْمُسْلِمُ يَذْبَحُ على اسْمِ اللهِ، سَمَّى أو لم يُسَمِّ» 1. وعن أبي هُرَيرَةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قيلَ له: أرأيتَ الرَّجُلَ منَّا يَذْبَحُ ويَنْسَى أن يُسَمِّيَ اللهَ؟ فقال: «اسْمُ اللهِ في قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» 2. وقد رُوِيَ عن أحمدَ مثلُ ذلك.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ 3. وقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهِ﴾.
وقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وذَكَرْتَ [اسْمَ اللهِ عَلَيهِ] 4، فَكُلْ».
قلتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فأجدُ معه كَلْبًا آخَرَ؟ قال: «لا تَأْكُلْ، فإنَّكَ إنَّما سَمَّيتَ على كَلْبِكَ، ولم تُسَمِّ على الآخَرِ».
مُتَّفَقٌ عليه 5. وفي لفْظٍ: «إذا خَالطَ كِلَابًا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيهَا،
..................................
فأمْسَكْنَ وقَتَلْنَ، فلا تَأْكُلْ».
وفي حديثِ أبي ثَعْلَبَةَ: «ومَا صِدْتَ بقَوْسِكَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عليه، فكُلْ» 1. وهذه نصوصٌ صَحِيحَةٌ، فلا يُعَرَّجُ على ما خالفَها.
وقولُه: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ».
يَقْتَضِي نَفْيَ الإِثْمِ، لا جَعْلَ الشَّرْطِ [المعْدُومِ كالموجُودِ] 2، بدليلِ ما لو نَسِيَ شَرْطَ الصَّلاةِ.
والفَرْقُ بينَ الصَّيدِ والذَّبِيحَةِ، أنَّ الذَّبْحَ وَقَعَ في مَحَلِّه، فجازَ أن يُتَسامَحَ فيه، بخلافِ الصَّيدِ.
وأحَادِيثُ أصْحابِ الشافعيِّ، لم يذْكُرْها أصْحابُ السُّنَنِ المشْهُورَةِ، وإن صَحّتْ فهي في الذَّبِيحَةِ، ولا يصحُّ قياسُ الصَّيدِ على الذَّبِيحَةِ؛ لِمَا ذكَرْنا، مع ما في الصَّيدِ مِن النُّصوصِ الخاصَّةِ.
واللهُ أعلمُ.
..................................
فصل: إذا سَمَّى الصائِدُ على صَيدٍ فأصابَ غيرَه، حَلَّ، وإن سَمَّى على سَهْمٍ، ثم ألْقاه وأخَذَ غيرَه، فرَمَى به، لم يُبَحْ ما صادَ به؛ لأنَّه لمَّا لم يُمْكِنِ اعْتِبارُ التَّسْمِيَةِ على صَيدٍ بعَينِه، اعْتُبِرَتْ على الآلةِ التي يَصِيدُ بها، بخلافِ الذَّبِيحَةِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُباحَ، قياسًا على ما لو سمَّى على سِكِّينٍ ثم ألْقاها وأخَذَ غيرَها، وسُقُوطُ اعْتِبارِ تعْيِينِ الصَّيدِ لمَشَقَّتِه، لا يَقْتَضِي اعْتِبارَ تَعْيينِ الآلةِ، فلا يُعْتَبَرُ.