..................................
الثَّمَنِ، فقال المُشْتَرِي: اشْتَرَيتُه بمائةٍ.
فقال الشَّفِيعُ: بل بخَمْسِينَ.
فالقولُ قولُ المُشْتَرِي؛ لأنَّه العاقِدُ، فهو أعْرَفُ بالثَّمَنِ، ولأنَّ الشِّقْصَ مِلْكُهُ فلا يُنْزَعُ منه بالدَّعْوَى بغيرِ بَيِّنَةٍ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
فإن قِيلَ: فهَلَّا قُلْتُم: القولُ قولُ الشَّفِيعِ؛ لأنَّه غارِمٌ ومُنْكِرٌ للزِّيادَةِ، فهو كالغاصِبِ، والمُتْلِفِ، والضَّامِنِ نَصِيبَ شَرِيكِه إذا أعْتَقَ؟ قُلْنا: الشَّفِيعُ ليس بغارِمٍ؛ لأنَّه لا شيءَ عليه، وإنَّما يريدُ أن يَمْلِكَ الشِّقْصَ بثَمَنِه، بخِلافِ الغاصِبِ والمُتْلِفِ والمعْتِقِ.
فأمَّا إن كان للشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها، وكذلك إن كان للمُشْتَرِي بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها، واسْتُغْنِيَ عن يَمِينِه.
ويَثْبُتُ ذلك بشاهِدٍ ويَمِينٍ، وشَهادَةِ رجلٍ وامْرأتَين، ولا تُقْبَلُ شَهِادَةُ البائِعِ؛ لأنَّه إذا شَهِدَ للشَّفِيعِ كان مُتَّهَمًا؛ لأنَّه يَطْلُبُ تَقْلِيلَ الثَّمَنِ خوْفًا
..................................
مِن الدَّرَكِ عليه.
فإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً، احْتَمَلَ تعارُضُهما؛ لأنَّهما يَتَنازَعان فيما وَقَع عليه العَقْدُ، فيَصِيرَان كمَن لا بَيِّنَةَ لهما.
وذَكر الشَّريفُ أنَّ بَيِّنَةَ الشَّفِيعِ تُقَدّمُ؛ لأنَّها خارِجَةٌ.
ويَقْتَضِيه قولُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الخارِجِ عندَه تُقَدَّمُ على بَيِّنَةِ الداخِلِ، والشَّفِيعُ خارِج.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال صاحِبَاه: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ المُشْتَرِي؛ لأنَّها تَتَرَجَّحُ بقَوْلِ المُشْتَرِي، فإنَّه مُقَدَّم على قولِ الشَّفِيعِ، ويُخالِفُ الخارِجَ والدّاخِلَ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ يَجُوزُ أَنْ تَكونَ مُسْتَنِدَةً إلى يَدِه، وفي مسألتِنا البَيِّنَةُ تَشْهَدُ على نَفْسِ العَقْدِ، كشَهادَةِ بَيِّنَةِ الشَّفِيعِ.
ولَنا، أنَّهُما بَيِّنَتَان تَعارَضَتا، فقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَن لا يُقْبَلُ قَوْلُه عندَ عَدَمِها، كالدَّاخِلِ والخارِجِ.
ويَحْتَمِلُ أن يُقْرَعَ بينَهما؛ لأنَّهما يَتَنازَعان في العَقْدِ، ولا يَدَ لهما عليه، فصارَا كالمُتَنازِعَين عَينًا في يَدِ غيرِهما.
..................................
فصل: فإن قال المُشْتَرِي: لا أَعْلَمُ قَدْرَ الثَّمَنِ.
فالقولُ قولُه؛ لأنَّ ما يَدَّعِيه مُمْكِن، يَجُوزُ أن يكونَ اشْتَراهُ جُزَافًا، أو بثَمَنٍ نَسِيَ قَدْرَه، ويَحْلِفُ 1، فإذا حَلَف سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ؛ لأنَّها لا تُسْتَحَقُّ بغيرِ بَدَلٍ، ولا يُمْكِنُ أن يَدفَعَ إليه ما لا يَدَّعِيه.
فإنِ ادَّعَى أنَّكَ فَعَلْتَ ذلك تَحَيُّلًا 2 على إسْقاطِ الشُّفْعَةِ، حَلَف على نَفْي ذلك.
فصل: فإنِ اشْتَرَى شِقْصًا بعَرْضٍ، واخْتَلَفا في قِيمَتِه، فإن كان مَوْجُودًا عَرَضْناه على المُقَوِّمِينَ، وإن تَعَذَّرَ إحْضارُه فالقولُ قولُ المُشْتَرِي، كما لو اخْتَلَفا في قَدْرِه.
فإنِ ادَّعَى جَهْلَ قِيمَتِه، فهو على ما ذَكَرْنا فيما إذا ادَّعَى جَهْلَ ثَمَنِه.
وإنِ اخْتَلَفَا في الغِرَاسِ والبِنَاءِ في الشِّقْصِ، فقال المُشْتَرِي: أنا أحْدَثْتُه.
فأنْكَرَ الشَّفِيعُ 3، فالقَوْلُ قولُ المُشْتَرِي؛ لأنَّه مِلْكُه، والشَّفِيعُ يُرِيدُ تَمَلُّكَه عليه، فكان القولُ قولَ المالِكِ.
وَإِنْ قَال الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيتُهُ بِأَلْفٍ.
وَأقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفَينِ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِأَلْفٍ.
وَإنْ قَال الْمُشْتَرِي: غَلِطْتُ.
فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
2423 - مسألة: (وَإِنْ قَال الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيتُهُ بِأَلْفٍ.
وَأقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفَينِ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِأَلْفٍ.
وَإنْ قَال الْمُشْتَرِي: غَلِطْتُ.
فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؟ عَلَى وَجْهَين)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ للشَّفِيعِ أن يَأْخُذَه بما قال الْمُشْتَرِي؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ مُقِرٌّ له باسْتِحْقاقِه بأَلْفٍ، ويَدَّعِي أنَّ البَائِعَ ظَلَمَه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن حَكَم الحاكِمُ بأَلْفَين أخَذَه الشَّفِيعُ بهما؛ لأنَّ الحاكِمَ إذا حَكَم عليه 1 بالبَيِّنَةِ، بَطَل قَوْلُه، وثبَت ما حَكَم به الحاكِمُ (1). ولَنا، أنَّ المُشْتَرِيَ يُقِرُّ بأنَّ هذه البَيِّنَةَ كاذِبَةٌ، وأنَّه ظُلِمَ بألْفٍ، فلم يُحْكَمْ له به، وإنَّما حُكِم بها للبائِعِ؛ لأنَّه لا يُكَذِّبُها فإن قال المُشْتَرِي: صَدَقَتِ البَيِّنَةُ وكُنْتُ أنا كاذِبًا -أو- ناسِيًا.
ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُقْبَلُ رُجُوعُه؛ لأنَّه رُجُوعٌ عن إقْرارٍ تَعَلَّقَ به حَقُّ آدَمِيٍّ غيرِه، فأشْبَهَ ما لو أقَرَّ
..................................
له بدَينٍ.
والثاني، يُقْبَلُ قولُه.
قال القاضِي: هو قِياسُ المَذْهَب عندِي، كما لو أخْبَرَ في المُرابَحَةِ بثَمَنٍ، ثم قال: غَلِطْتُ، والثَّمَنُ أكْثَرُ قُبلَ قولُه مع يَمِينِه، بل ههُنا أوْلَى؛ لأنَّه قد قامَتِ البَيِّنَةُ بكَذِبه، وحَكَم الحاكِمُ بخِلافِ قَوْلِه، فقُبِلَ رُجُوعُه عن الكَذِبِ.
وإن لمَ تَكُنْ للبائِعِ بَيِّنَةٌ، فتَحالفا، فللشَّفِيعِ أخْذُه بما حَلَف عليه البائِعُ، فإن أرادَ أخْذَه بما حَلَف عليه المُشْتَرِي، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّ للبائِعِ فَسْخَ البَيعِ، وأخْذُه بما قال المُشْتَرِي يَمْنَعُ ذلك، ولأنَّه يُفْضِي إلى إلْزامِ العَقْدِ بما حَلَف عليه المُشْتَرِي، ولا يَمْلِكُ ذلك.
فإن رَضِيَ المُشْتَرِي بأخْذِه بما قال البائِعُ، جازَ، ومَلَك الشَّفِيعُ أخْذَه بالثَّمَنِ الَّذي حَلَف عليه المُشْتَرِي؛ لأنَّ حَقَّ البائِعَ مِن الفَسْخَ قد زال.
فإن عادَ المُشْتَرِي فصَدَّقَ البائِعَ، وقال: الثَّمَنُ ألْفانِ وكُنْتُ غالِطًا.
فهل للشَّفِيعِ أخْذُه بالثَّمَنِ الَّذي حَلَف عليه؟ فيه وَجْهان، كما لو قامَتْ به بَيِّنَةٌ.
..................................
فصل: ولو اشْتَرَى شِقْصًا له شَفِيعان، فادَّعَى على أحَدِ الشَّفِيعَين أنَّه عَفَا عن الشُّفْعَةِ، وشَهِد له بذلك الشَّفِيعُ الآخرُ قبلَ عَفْوه عن شُفْعَتِه، لم تُقْبَلْ شَهادَتُه؛ لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا، وهو تَوَفُّرُ الشُّفْعَةِ عليه.
فإذا رُدَّتْ شَهادَتُه، ثم عَفَا عن الشُّفْعَةِ، ثم أعادَ تلك الشَّهادَةَ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّها رُدَّتْ للتُّهْمَةِ، فلم تُقبَلْ بعدَ زَوالِها، كَشَهادَةِ الفاسِقِ إذا رُدَّت ثم تابَ وأعادَها، لم تُقْبَلْ.
ولو لم يَشْهَدْ حتَّى عَفَا، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ، ويَحْلِفُ الْمُشْتَرِي مع شَهادَتِه، ولو لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ مع يَمِينِه.
وإن كانتِ الدَّعْوَى على الشَّفِيعَين معًا، فحَلَفا، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ.
وإن حَلَف أحَدُهُما ونَكَل الآخَرُ، نَظرنا في الحالِفِ؛ فإن صَدَّقَ شَرِيكَه في الشُّفْعَةِ في أنَّه لم يَعْفُ، لم يَحْتَجْ إلى يَمِين، وكانتِ الشُّفْعَةُ بينَهما؛ لأنَّ الحَقَّ له، فإنَّ الشُّفْعَةَ تَتَوَفَّرُ عليه إذا سَقَطَتْ شُفْعَةُ شَرِيكِه.
وإنِ ادَّعَى أنَّه عَفَا، فنَكَلَ، قُضِيَ له بالشُّفْعَةِ كلِّها.
وسَواءٌ وَرِثَا الشُّفْعَةَ
..................................
أو كانا شَرِيكَين.
فإن شَهِد أجْنَبِيٌّ بعَفْو أحَدِ الشَّفِيعَين، واحْتِيجَ إلى يَمِينٍ معه قبلَ عَفْو الآخَرِ، حَلَف، وأخَذَ الكلَّ بالشُّفْعَةِ.
وإن كان بعدَه، حَلَف المُشْتَرِي، وسَقَطَتِ الشُّفْعَةُ.
وإن كانوا ثَلاثَةَ شُفَعاءَ، فشَهِدَ اثْنانِ منهم على الثالِثِ بالعَفْو بعدَ عَفْوهما، قُبِلَتْ، وإن شَهِدَا قبلَه رُدَّتْ.
وإن شَهِدَا بعدَ عَفْو أحَدِهما وقبلَ عَفْو الآخَرِ، رُدَّتْ شَهادَةُ غيرِ العافِي، وقُبِلَتْ شَهادَةُ العافِي.
وإن شَهِد البائِعُ بعَفْو الشَّفِيعِ عن شُفْعَتِه بعدَ قَبْضِ الثَّمَنِ، قُبِلَتْ شَهادَتُه.
وإن كان قبلَه، قُبِلَتْ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّهما سَواءٌ عندَه.
والثاني، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ قصَد ذلك ليُسَهِّلَ اسْتيفاءَ الثَّمَنِ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ مِن الشَّفِيعِ، فيَسْهُلُ عليه وَفاؤُه، أو يَتَعَذَّرُ على المُشْتَرِي الوَفاءُ لفَلَسِه، فيَسْتَحِقُّ اسْتِرْجاعَ المَبِيعِ.
وإن شَهِد لمُكاتَبه بعَفْو شفْعَتِه 1، أو شَهِدَ بشَراءِ شيءٍ لمُكاتبِه فيه شفْعَةٌ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّ المُكاتَبَ عَبْدُه، فلا تُقْبَلُ شَهادَتُه له، كمُدَبَّرِه، ولأنَّ ما يَحْصُلُ للمُكاتَبِ يَنتفِعُ به السَّيِّدُ؛ لأنَّه إن عَجَز صارَ له، وإن لم يَعْجِزْ، سَهُلَ عليه وَفاؤُه.
وإن شَهِدَ على مُكَاتَبِه بشيءٍ مِن ذلك، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ، فأشْبَهَ الشَّهادَةَ على وَلَدِه.
وَإِنِ ادَّعَى أَنَّكَ اشتَرَيتَهُ بِأَلْفٍ، قال: بَلَ اتَّهَبْتُهُ.
أَوْ: وَرثْتُهُ.
فَالْقَولُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا، أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تَقْبَلَ الثَّمَنَ، وَإِمَّا أنْ تُبْرِئَ مِنْهُ.
2424 - مسألة: (وَإِنِ ادَّعَى أَنَّكَ اشتَرَيتَهُ بِأَلْفٍ، قال: بَلَ اتَّهَبْتُهُ.
أَوْ: وَرثْتُهُ.
فَالْقَولُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا، أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: إِمَّا أَنْ تَقْبَلَ الثَّمَنَ، وَإِمَّا أنْ تُبْرِئَ مِنْهُ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا ادَّعَى الشَّفِيعُ على بعضِ الشُّرَكاءِ أنَّك اشْتَرَيتَ نَصِيبكَ، فلي أخْذُه بالشُّفْعَةِ، فإنَّه يَحْتاجُ إلى تَحْرِيرِ دَعْواه، فيُحَدِّدُ المَكانَ الَّذي فيه الشِّقْصُ، ويَذْكُرُ قَدْرَ الشِّقْصِ والثَّمَنِ، ويَدَّعِي الشُّفْعَةَ فيه، فإذا ادَّعَى، سُئِل المُدَّعَى عليه، فإن أقَرَّ، لَزِمَه، وإن أنْكَرَ وقال: إنَّما اتَّهَبْتُه.
أو: وَرِثْتُه، فلا شُفْعَةَ لك فيه.
فالقولُ قولُ مَن يَنْفِيه، كما لو ادَّعَى عليه نَصِيبَه مِن غير شُفْعَةٍ، فإن حَلَف، بَرِئَ، وإن نَكَل، قُضِيَ عليه.
وإن قال: لا يَسْتَحِقُّ عليَّ شُفْعَةً.
فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ويكون
..................................
يَمينُه على حَسَبِ كونِه 1 في الإِنْكارِ، وإذا نَكَل وقُضِيَ عليه بالشُّفْعَةِ، عَرَض عليه الثَّمَنَ، فإذا أخَذَه دَفَع إليه.
وإن قال: لا أسْتَحِقُّه.
ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، يُقَرُّ في يَدِ الشَّفِيعِ إلى أن يَدَّعِيَه المُشْتَرِي، فيُدْفَعَ إليه، كما لو أقَرَّ له بدارٍ فأنْكَرَها.
والثاني، يَأْخُذُه الحاكِمُ، فيَحْفَظُه لصاحِبِه إلى أن يَدَّعِيَه، ومتى ادَّعاهُ المُشْتَرِي، دُفِعَ إليه.
والثالثُ، يُقالُ له: إمّا أن تَقْبِضَه، وإمّا أن تُبْرِئَ منه.
كسَيِّدِ المُكاتَبِ إذا جاءَه المُكاتَبُ بمالِ الكِتَابَةِ، فادَّعَى أنَّه حَرامٌ.
اختارَه القاضِي.
وهذا يُفارِقُ المُكاتَبَ؛ لأنَّ سَيِّدَه يُطالِبُه بالوَفاءِ مِن غيرِ هذا الَّذي أتَاه به، فلا يَلْزَمُه ذلك بمُجَرَّدِ دَعْوَى سَيِّدِه تَحْرِيمَ ما أتَاه به، وهذا لا يُطالِبُ الشَّفِيعَ بشيءٍ، فلا يَنْبَغي أن يُكَلَّفَ الإِبْراءَ مِمّا لا 2 يَدَّعِيه.
والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللهُ تَعالى.
..................................
فصل: فإن قال: اشْتَرَيتُه لفُلانٍ.
وكان حاضِرًا، اسْتَدْعاه الحاكِمُ وسَأْلَه، فإن صَدَّقَه، كان الشِّراءُ له والشُّفْعَةُ عليه.
وإن قال: هذا مِلْكِي، ولم أشْتَرِه.
انْتَقَلتِ الخُصُومَةُ إليه، وإن كَذَّبَه، حَكَم بالشِّراءِ لمَن اشْتَراه، وأخَذَ منه بالشُّفْعَةِ.
وإن كان المُقَرُّ له غائِبًا، أخَذَه الحاكِمُ ودَفَعَه إلى الشَّفِيعِ، وكان الغائِبُ على حُجَّتِه إذا قَدِمَ، لأَنَّنا لو وَقَفْنا الأمْرَ في الشُّفْعَةِ إلى حُضُورِ المُقَرِّ له، كان في ذلك إسْقاطُ الشُّفْعَةِ؛ لأنَّ كلَّ مُشتَرٍ يَدَّعِي أنَّه لغائِب.
وإن قال: اشْتَرَيتُه لابْنِي الطِّفْلِ.
أو: لهذا الطِّفْلِ.
وله عليه ولايَةٌ، لم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ، في أحَدِ الوَجْهَين، لأنَّ المِلْكَ ثَبَت للطِّفْلِ، ولا تَجبُ الشُّفْعَةُ بإقْرارِ الوَلِيٍّ عليه؛ لأنَّه إيجابُ حَقٍّ في مالِ صَغِير بإقْرارِ وَلِيِّه.
والثاني، تَثْبُتُ، لأنَّه يَمْلِكُ الشِّراءَ له، فصَحَّ إقْرارُه فيه، كما يَصِحُّ إقْرارُه بعَيبٍ في مَبِيعِه.
فأمَّا إنِ ادَّعَى عليه شُفْعَةً في شِقصٍ، فقال: هذا لفُلانٍ الغائِبِ.
أو: لفُلانٍ الطِّفْلِ.
ثم أقَرَّ بشِرائِه له، لم تثْبُتْ فيه الشُّفْعَةُ، إلَّا أن تَثْبُتَ ببَيِّنَةٍ، أو يَقْدَمَ الغائِبُ، ويَبْلُغَ الطِّفْلُ، فيُطالِبَهما
..................................
بها؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَت لهما بإقْرارِه به، وإقْرارُه بالشِّراءِ بعدَ ذلك إقْرارٌ في مِلْكِ غيرِه، فلا يُقْبَلُ، بخِلافِ ما إذا أقَرَّ بالشِّراءِ ابْتِداءً؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَت لهما بذلك الإِقْرارِ المُثْبِتِ للشُّفْعَةِ، فَثَبَتَا جَمِيعًا.
وإن لم يَذْكُرْ سَبَبَ المِلْكِ، لم يَسْأْلَه الحاكِمُ عنه، ولم يُطالبْ ببَيانِه؛ لأنَّه لو صَرَّحَ بالشِّراءِ لم تَثْبُتْ به شُفْعَةٌ، فلا فائِدَةَ في الكَشْفِ عنه.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ كُلِّه كمَذْهَبِنا.
فصل: وإذا كانت دارٌ بينَ حاضِرٍ وغائِبٍ، فادَّعَى الحاضِرُ على مَن في يَدِه نَصِيبُ الغائِبِ أنَّه اشْتَراه منه، وأنَّه يَسْتَحِقُّه بالشُّفْعَةِ، فصَدَّقَه، فللشَّفِيع أخْذُه بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ من في يَدِه العَينُ يُصَدَّقُ في تَصَرُّفِه فيما في يَدِه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، وأصحابُه.
ولأصحّابِ الشافعيِّ في ذلك وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس له أخْذُه؛ لأنَّ هذا إقْرارٌ على غيرِه.
ولَنا، أنَّه أقَرَّ بما في يَدِه، فقُبِلَ إقْرارُه، كما لو أقَرَّ بأصْلِ مِلْكِه.
وهكذا لو ادَّعَى عليه أنَّك بِعْتَ نَصِيبَ الغائِب بإذْنِه، وأقَرَّ الوَكِيلُ، كان كإقْرارِ البائِع بالبَيعِ.
فإذا قَدِم الغائِبُ فأَنْكَرَ البَيعَ، أو الإِذْنَ في البَيعِ، فالقولُ قوله مع يَمِينِه، ويَنْتزِعُ الشِّقْصَ، ويُطالِبُ بأُجْرَتِه مَن شاءَ منهما، ويَسْتقِرُّ
..................................
الضَّمانُ على الشَّفِيعِ؛ لأنَّ المَنافِعَ تَلِفَتْ تحتَ يَدِه؛ فإن طَالبَ الوَكِيلَ، رَجَع على الشَّفِيعِ، وإن طالبَ الشَّفِيعَ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ.
وإنِ ادَّعَى على الوَكِيلِ أنَّك اشْتَرَيتَ الشِّقْصَ الَّذي في يَدِكَ، فأنْكَرَ، وقال: إنَّما أنا وَكِيلٌ فيه.
أوْ: مُسْتَوْدَعٌ له.
فالقولُ قولُه مع يَمِينِه.
وإن كان للمُدَّعِي بَيِّنَةٍ، حُكِمَ بها.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، مع أنَّ أبا حنيفةَ لا يَرَى القَضاءَ على الغائِبِ؛ لأنَّ القَضاءَ ههُنا على الحاضِرِ، لوُجُوبِ الشُّفْعَةِ عليه، واسْتِحْقاقِه انْتَزاعَ الشِّقْصِ مِن يَدِه، فحَصَلَ القَضاءُ على الغائِبِ ضِمْنًا.
فإن لم تَكُنْ بَيِّنَةٍ، وطَلَب الشَّفِيعُ يَمِينَه 1، ونَكَل الشفيعُ 2 عنها، احْتَمَلَ أن يَقْضِيَ عليه؛ لأنَّه لو أقَرَّ لقَضَى عليه، فكذلك إذا نَكَل.
واحْتَمَلَ أن لا يَقْضِيَ عليه؛ لأنَّه قَضاءٌ على الغائِبِ بغيرِ بَيِّنَةٍ ولا إقْرارِ مَنِ الشِّقْصُ في يَدِه.
فصل: وإذا ادَّعَى على رجل شُفْعَةً في شِقْصٍ اشْتَراه، فقال: ليس له مِلْكٍ في شَرِكَتِي.
فعلى الشَّفِيعِ إقامَةُ البَيِّنَةِ بالشَّرِكَةِ.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو يُوسُفَ: إذا كان في يَدِه، اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ به؛ لأنَّ الظاهِرَ مِن اليَدِ المِلْكُ.
ولَنا، أنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ بمُجَرَّدِ اليَدِ، وإذا لم يَثْبُتِ المِلْكُ الَّذي يَسْتَحِقُّ به الشُّفْعَةَ، لم تَثْبُتْ، ومُجَرَّدُ
..................................
الظاهِرِ لا يَكْفِي، كما لو ادَّعَى وَلَدَ أمَةٍ في يَدِه.
فإنِ ادَّعَى أنَّ المُدَّعِيَ 1 يَعْلَمُ أنَّه شَرِيكٌ، فعلى المُشْتَرِي اليَمِينُ أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك؛ لأنَّها يَمِينٌ على نَفْي فِعْلِ الغيرِ فكانت على العِلْمِ، كاليَمِينِ على نَفْي دَينِ المَيِّتِ، فإذا حَلَف، سَقَطَتْ دَعْواه، وإن نَكَل، قُضِيَ عليه.
فصل: إذا ادَّعَى على شَرِيكِه، أنَّك اشْتَرَيتَ نَصِيبَكَ مِن عَمْرٍو، فلِي شُفْعَتُه.
فصَدَّقَه عَمْرٌو، وأنْكَرَ الشَّرِيكُ، وقال: بل وَرِثْتُه مِن أبى.
فأقامَ المُدَّعِي بَيِّنَةً أنَّه كان مِلْكَ عَمْرٍو، لم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ بذلك.
وقال محمدٌ: تَثْبُتُ، ويُقالُ له: إمّا أن تَدْفَعَه وتَأْخُذَ الثَّمَنَ، وإمّا أن تَرُدَّه إلى البائِعِ، فيَأْخُذَه الشَّفِيعُ؛ لأنَّهما شَهِدَا بالمِلْكِ لعَمْرو، فكأنَّهما شَهِدَا بالبَيعِ.
ولَنا، أنَّهما لم يَشْهَدَا بالبَيعِ، وإقْرارُ عَمْرٍو على المُنْكِرِ بالبَيعِ لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه إقْرارٌ على غيرِه، فلا يُقْبَلُ في حَقِّه، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُه عليه، وليستِ الشُّفْعَةُ مِن حُقُوقِ العَقْدِ فيُقْبَلُ فيها قولُ البائِعِ، فصارَ بمَنْزِلَةِ ما لو حَلَف: أنِّي ما اشْتَرَيتُ الدّارَ.
فقال مَن كانتِ الدّارُ مِلْكَه: أنا بِعْتُه إيّاها.
لم يُقْبَلْ عليه في الحِنْثِ، ولا يَلْزَمُ عليه 2 إذا أقَرَّ البائِعُ بالبَيعِ والشِّقْصُ في يَدِه، وأنْكَرَ المُشْتَرِي الشِّراءَ؛ لأنَّ الَّذي في يَدِه الدّارُ مُقِرٌّ بها للشّفيعِ، ولا مُنازِعَ له 3 فيها سِوَاه، وههُنا مَنِ الدّارُ في يَدِه يَدَّعِيها لنَفْسِه، والمُقِرُّ
وَإنْ كَانَ عِوَضًا في الْخُلْعِ أو النِّكَاحِ أَو عَنْ دَمٍ عَمْدٍ، فَقَال الْقَاضِي: يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ.
وَقَال غيرُهُ: يَأْخُذُهُ بالدِّيَةِ وَمَهْرِ الْمِثْلَ.
بالبَيعِ لا شيءَ في يَدِه، ولا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِ (1) الشِّقْصِ، فافْتَرَقَا.
2425 -
مسألة: (وإن كان عِوَضًا في الخلْعِ)
والصَّدَاقِ والصُّلْحِ (عن دَمِ العَمْدِ) وقلْنا بوُجُوبِ الشُّفْعَةِ فيه (فقال القاضي: يَأْخذه بقِيمَتِه) قال: وهو قِياسُ قولِ ابنِ حامِدٍ.
وهو قولُ مالكٍ، وابن شُبْرُمَةَ، وابنِ أبي لَيلَى؛ لأنَّه مَلَك الشِّقْصَ القابِلَ للشُّفْعَةِ ببَدَلٍ ليس له مِثْل، فوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى قِيمَتِه في الأخْذِ بالشُّفْعَةِ، كما لو باعَه بسِلْعَةٍ لا مِثْلَ لها، ولأنَّنا لو أوْجَبْنا مَهْرَ المِثْلِ، لأفْضَى إلى تَقْويمِ البُضْعِ على الأجانِبِ، وأضَرَّ بالشَّفِيعِ؛ لأنَّ المَهْرَ يَتَفاوَتُ مع المُسَمَّى، لتَسامُحِ الناسِ فيه في العادَةِ، بخِلافِ البَيعِ (وقال غيرُ القاضِي: يَأْخُذُه بالدِّيَةِ ومَهْرِ المِثْلِ) وحَكَاه الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر عن ابنِ حامدٍ.
وهو قولُ1
فَصْلٌ: وَلَا شُفْعَةَ في بَيعِ الْخِيَارِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أن تَجِبَ.
العُكْلِيِّ، والشافعيِّ؛ لأنَّه مَلَكَ الشِّقْصَ ببَدَلٍ ليس له مِثْلٌ، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إلى قِيمَةِ البَدَلِ، إذا لم يَكُنْ نَقْدًا ولا مِثْلِيًّا، وعِوَضُ الشِّقْصِ هو البُضْعُ، وقِيمَةُ البُضْعِ مَهْرُ المِثْلِ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ تَعالى: (ولا شُفْعَةَ في بَيعِ الخِيَارِ قبلَ انقْضِائِه.
نَصَّ عليه.
ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ) لا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ
..................................
في بَيْعِ الخِيارِ قبلَ انْقِضائِه، سَواءٌ كان الخِيَارُ لهما أو لأحَدِهما وحدَه، أَيُّهما كان.
وقال أبو الخَطَّابِ: يَتَخَرَّجُ أن تَثْبُتَ الشُّفْعَةُ؛ لأنَّ المِلْكَ انْتَقَلَ، فَثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ في مُدَّةِ الخِيارِ، كما بعدَ انْقِضائِه.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان الخِيارُ للبائِعِ أو لهما، لم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ حتَّى يَنْقَضِيَ؛ لأنَّ في الأخْذِ بها إسْقاطَ حَقِّ البائِعِ مِن الفَسْخِ، وإلْزامَ البَيعِ في حَقِّه بغيرِ رِضَاه، ولأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَأْخُذُ مِن المُشْتَرِي ولم يَنْتَقِلِ المِلْكُ إليه، وإن كان الخِيارُ للمُشْتَرِي، فقد انْثَقَلَ المِلْكُ إليه، ولا حَقَّ لغيرِه فيه، والشَّفِيعُ يَمْلِكُ أخْذَه بعدَ لُزُومِ البَيعِ واسْتِقْرارِ المِلْكِ، فلأنْ يَمْلِكَ ذلك قبلَ لُزُومِه أوْلَى، وغايةُ ما يُقَدَّرُ ثُبُوتُ الخِيَارِ له، وذلك لا يَمْنَعُ الأخْذَ بالشُّفْعَةِ،
..................................
كما لو وَجَد به عَيْبًا.
وللشافعيِّ قَوْلان كالمَذْهَبَين.
ولَنا، أنَّه مَبِيعٌ فيه الخِيارُ، فلم تَثْبُتْ فيه 1 الشُّفْعَةُ، كما لو كان للبائِعِ؛ وذلك لأنَّ الأخْذَ بالشُّفْعَةِ يُلْزمِ المُشْتَرِيَ بالعَقْدِ بغيرِ رِضَاه، ويُوجِبُ العُهْدَةَ عليه، ويُفَوِّتُ حَقَّه مِن الرُّجُوعِ في عَينِ الثَّمَنِ، فلم يَجُزْ، كما لو كان الخِيارُ للبائِعِ، فإنَّنا إنَّما مَنَعْنا مِن الشُّفْعَةِ لما فيه مِن إبْطالِ خِيارِ البائِعِ، وتَفْويتِ حَقِّ الرُّجُوعِ في عينِ مالِه، وهما في نَظَرِ الشَّرْعِ على السَّواءِ.
وفارَقَ الرَّدَّ بالعَيبِ؛ فإنَّه إنَّما ثَبَت لاستِدْراكِ الظُّلامَةِ، وذلك يَزُولُ بأخْذِ الشَّفِيعِ، فإن باعَ الشَّفِيعُ حِصَّتَه في مُدَّة الخِيارِ عالِمًا ببَيعِ الأوَّلِ، سَقَطَتْ شُفْعَتُه، وقد ذَكَرْنا ذلك فيما مَضَى.
فصل: وبَيعُ المَرِيضِ كبَيعِ الصَّحِيحِ في الصِّحَّةِ، وثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، وسائِرِ الأحْكامِ، إذا باعَ بثَمَنِ المِثْلِ سَواءٌ كان لوارِثٍ أو غيرِ وارِثٍ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ بَيعُ المَرِيضِ مَرَضَ المَوْتِ لوارِثِه؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه في حَقِّه، فلم يَصِحَّ بَيعُه، كالصَّبِيِّ.
ولَنا، أنَّه إنَّما حُجِرَ عليه في التَّبَرُّعِ في حَقِّه، فلم يَمْنَعِ الصِّحَّةَ فيما سِوَاه، كالأجْنَبِيِّ إذا لم يَزِدْ على التَّبَرُّعِ بالثُّلُثِ؛ وذلك لأنَّ الحَجْرَ في شيءٍ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ غيرِه، كما أنَّ الحَجْرَ على المُرْتَهِنِ في الرَّهْنِ لا يَمْنَعُ التَّصرُّفَ في غيرِه، والحَجْرُ على المُفْلِسِ في مالِه لا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ في ذِمَّتِه.
فأمّا بَيعُه بالمُحاباةِ فلا
..................................
يَخْلُو؛ إمّا أن يكونَ لوارِثٍ أو لغيرِه، فإن كان لوارِثٍ، بَطَلَتِ المُحاباةُ؛ لأنَّها في المَرَضِ بمَنْزِلَةِ مُحاباةِ الوَصِيَّةِ، [والوَصِيَّةُ] 1 لوَارِثٍ لا تَجُوزُ، ويَبْطُلُ البَيعُ في قَدْرِ المُحاباةِ مِن المَبِيعِ.
وهل يَصِحُّ فيما عَداهُ؟ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ [بَذَل الثَّمَنَ] 2 في كل المَبِيعِ، فلم يَصِحَّ في بعضِه، كما لو قال: بِعْتُكَ هذا الثَّوْبَ بعَشَرَةٍ.
فقال: قَبِلْتُ البَيعَ في نِصْفِه.
أو قال: قَبِلْتُه بخَمْسَةٍ.
أو: قَبِلْتُ نِصْفَه بخَمْسَةٍ.
ولأنَّه لا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ البَيعِ على الوَجْهِ الَّذي تَواجَبَا عليه، فلم يَصِحَّ، كتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
الثاني، أنَّه يَبْطُل البَيعُ في قَدْرِ المُحاباةِ، ويَصِحُّ فيما يُقابِلُ الثَّمَنِ المُسَمَّى، وللمُشْتَرِي الخِيارُ بينَ الأخْذِ والفَسْخِ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ تَفرَّقَتْ عليه، وللشَّفِيعِ أخْذُ ما صَحَّ فيه البَيعُ.
وإنَّما قُلْنا بالصِّحَّةِ؛ لأنَّ البُطْلانَ إنَّما جاءَ مِن المُحاباةِ، فاخْتَصَّ بما قابَلَها.
الثالثُ، أنَّه يَصِح في الجَمِيعِ، ويَقِفُ على إجازَةِ الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ للوارِثِ صَحِيحَةٌ في أصَحِّ الرِّوايَتَين، وتَقِف على إجازَةِ الوَرَثَةِ، فكذلك المُحاباةُ له، فإن أجازُوا المُحاباةَ، صَحَّ البَيع في الجَمِيعِ، ولا خِيارَ للمُشْتَرِي، ويَمْلِكُ الشَّفِيعُ الأخْذَ به؛ لأنَّه يَأْخُذُ بالثَّمَنِ، وإن رَدُّوا، بَطَل البَيعُ في قَدْرِ المُحاباةِ، وصَحَّ فيما بَقِيَ.
ولا يَمْلِكُ الشَّفِيعُ الأخْذَ قبلَ إجازَةِ الوَرَثَةِ وردِّهم؛ لأنَّ حَقَّهُم مُتَعَلِّقٌ بالمَبِيعِ 3، فلم
..................................
يَمْلِكْ إبْطاله، وله أخْذُ ما صَحَّ البَيعُ فيه، فإنِ اخْتارَ المُشْتَرِي الرَّدَّ في هذه الصُّورَةِ، وفي التي قبلَها، واخْتارَ الشَّفِيعُ الأخْذَ بالشُّفْعَةِ، قُدِّمَ الشَّفِيعُ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ على المُشْتَرِي، وجَرَى مَجْرَى المَعِيبِ إذا رَضِيَه الشَّفِيعُ بعَيبِه.
فصل: إذا كان المُشْتَرِي أجْنَبِيًّا، والشَّفِيعُ أجْنَبِيًّا، فإن لم تَزِدِ المُحاباةُ على الثُّلُثِ، صَحَّ البَيعُ، وللشَّفِيعِ الأخْذُ بذلك الثَّمَنِ؛ لأنَّ البَيعَ حَصَل به، فلا يَمْنَعُ منها كَوْنُ المَبِيعِ مُسْتَرْخَصًا، فإن زادَتْ على الثُّلُثِ، فالحُكْمُ فيه حُكْمُ أصْلِ المُحاباةِ في حَقِّ الوارِثِ.
وإن كان الشَّفِيعُ وارِثًا، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، له الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ المُحاباةَ وَقَعَتْ لغيرِه، فلم يَمْنَعْ منها تَمَكُّنُ الوارِثِ مِن أخْذِها، كما لو وَهَب غَرِيمَ وارِثِه مالًا فأخَذَه الوارِثُ.
والثاني، يَصِحُّ البَيعُ، ولا تَجِبُ الشُّفْعَةُ.
وهو قولُ أصحابِ أبي حنيفةَ؛ لأنَّنا لو أثْبَتْناهَا جَعَلْنا للمَوْرُوثِ سَبِيلًا إلى إثْباتِ حَقٍّ لوارِثِه في المُحاباةِ، ويُفارِقُ الهِبَةَ لغَرِيمِ الوارِثِ؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَ الوارِثِ الأخْذَ بدَينِه لا مِن جِهَةِ الهِبَةِ، وهذا اسْتِحْقاقُه بالبَيعِ الحاصِلِ مِن مَوْرُوثِه، فافْتَرَقا.
ولأصحابِ الشافعي في هذا خَمْسَةُ أوْجُهٍ؛ وَجْهان كَهَذَين.
والثالثُ، أنَّ البَيعَ باطِل مِن أصْلِه؛ لإفْضائِه إلى إيصالِ المُحاباةِ إلى الوارِثِ.
وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ فَرْعٌ للبَيعِ، ولا يُبْطِلُ الأصْلَ فَرْعُه.
وعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ما حَصَلَتْ للوارِثِ المُحاباةُ إنَّما حَصَلَتْ لغيرِه، ووَصَلَتْ إليه بجِهَة الأخْذِ مِن المُشْتَرِي، فأشْبَهَ هِبَةَ
..................................
غَرِيمِ الوارِثِ.
الوجهُ الرابعُ، أنَّ للشَّفِيعِ أن يَأْخُذَ بقَدْرِ ما عَدَا المُحاباةَ بجَمِيعِ الثَّمَنِ، بمَنْزِلَةِ هِبَةِ المُقابِلِ للمحُاباةِ؛ لأنَّ المُحاباةَ بالنِّصْفِ مَثَلًا هِبَة للنِّصْفِ.
وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو كان بمَنْزِلَةِ هِبَةِ النِّصْفِ، ما كان للشَّفِيعِ الأجْنَبِيِّ أخْذُ الكلِّ؛ لأنَّ المَوْهُوبَ لا شُفْعَةَ فيه.
الخامسُ، أنَّ البَيعَ يَبْطُلُ في قَدْرِ المُحاباةِ.
وهو فاسِدٌ؛ لأنَّها مُحاباة لأجْنَبِيٍّ بما دُونَ الثُّلُثِ، فلا تَبْطُلُ، كما لو لم يَكُنِ الشِّقْصُ مَشْفُوعًا.
فصل: ويَمْلِكُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بأخْذِه وبكلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ على أخْذِه، بأن يقولَ: قد أخَذْتُه بالثَّمَنِ.
أو: تَمَلَّكْتُه بالثَّمَنِ.
ونَحْو ذك، إذا كان الثَّمَنُ والشِّقْصُ مَعْلُومَين.
ولا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: يَمْلِكُه بالمُطالبَةِ؛ لأنَّ البَيعَ السابِقَ سَبَبٌ، فإذا انْضَمَّتْ إليه المُطالبَةُ، كان كالإِيجابِ في البَيعِ إذا انْضَمَّ إليه القَبُولُ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْصُلُ إلَّا بحُكْمِ حاكِمٍ؛ لأنَّه نَقْل للمِلْكِ عن مالكِهِ إلى غيرِه قَهْرًا، فافْتَقَرَ إلى حُكْمِ حاكِمٍ، كأخْذِ دَينِه.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ ثَبَت بالنَّصِّ والإِجْماعِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى حُكْمِ حاكِمٍ كالرَّدِّ بالعَيبِ.
وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه، وبأْخْذِ الزَّوْجِ نِصْفَ الصَّداقِ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، ولأنَّه مالٌ يَتَمَلَّكُه قَهْرًا، فَمَلَكَه بالأخْذِ، كالغَنائِمِ والمُباحاتِ، ومَلَكَه باللَّفْظِ الدّالِّ على الأخْذِ؛ لأنَّه بَيْعٌ في الحَقِيقَةِ، لكنَّ الشّفِيعَ يَسْتَقِلُّ به، فاسْتَقَلَّ باللَّفْظِ الدّالِّ عليه.
وَإنْ أقرَّ الْبَائِعُ بِالْبَيعِ، وَأنكَرَ الْمُشْتَرِي، فَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ؟ عَلَى وَجهَينَ.
وقولُهم: يَمْلِكُ بالمُطالبَةِ (1) بمُجَرَّدِها.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لو مَلَك بها لما سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ بالعَفْو بعدَ المُطالبَةِ، ولَوَجَبَ إذا كان له شَفِيعان فطَلَبَا الشُّفْعَةَ ثم تَرَك أحَدُهما، أن يكونَ للآخَرِ أخْذُ قَدْرِ نَصِيبه، ولا يَمْلِكُ أخْذَ نَصِيبِ صاحِبِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا قال: قد أخذْتُ الشِّقْصَ بالثَّمَنِ الذي تَم عليه العَقْدُ.
وهو عالِمٌ بقَدْرِه وبالمَبِيعِ، صَحَّ الأخْذُ، ومَلَك الشِّقْصَ، ولا خِيارَ له، ولا للمُشْتَرِي؛ لأنَّ الشِّقْصَ يُؤْخذُ قَهْرًا، والمَقْهُورُ لا خِيارَ له، والآخِذُ قَهْرًا لا خِيارَ له أيضًا، كمُسْتَرْجِعِ المَبِيعِ لعَيبٍ في ثَمَنِه، أو الثَّمَنِ لعَيبٍ في المَبِيعِ.
وإن كان الثَّمَنُ مَجْهُولًا أو الشِّقْصُ، لم يَمْلِكْه بذلك، لأنَّه بَيعٌ في الحَقِيقَةِ، فيُعْتَبَرُ العِلْمُ بالعِوَضِ، كسائِرِ البُيُوعِ، وله المُطالبَةُ بالشُّفْعَةِ، ثم يَتَعَرَّفُ مِقْدارَ الثَّمَن مِن المُشْتَرِي أو مِن غيرِه، والمَبِيعَ، فيَأخُذُه بثَمَنِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ له الأخْذَ مع جَهالةِ الشِّقْصِ، بِناءً على بَيعِ الغائِبِ.
2426 -
مسألة: (وإن أقَرَّ البائِعُ بالبَيعِ، وأنْكَرَ المُشْتَرِي، فهل تَجِبُ الشُّفْعَةُ؟ على وَجْهَين)
أحَدُهما، تَجِبُ الشُّفْعَةُ.
وهو قولُ أبي1
..................................
حنيفةَ، والمُزَنِيِّ.
والثاني، لا تَجِبُ.
ونَصَرَه الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر في «مَسائِلِه».
وهو قولُ مالكٍ، وابنِ شُرَيح؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ فَرْعٌ للبَيعِ، ولم يَثْبُتْ، فلا يَثْبُتُ فَرْعُه، ولأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَأخُذُ الشِّقْصَ مِن المُشْتري، وإذا أنْكَرَ البَيعَ لم يُمْكِنِ الأخْذُ منه.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ البائِعَ أقَرَّ بحَقَّين، حَقٍّ للشَّفِيعِ وحَقِّ للمُشْتَرِي، فإذا سَقَطَ حَقُّ المُشْتَرِي بإنْكاره، ثَبَت حَقُّ الشَّفِيعِ، كما لو أقَرَّ بدارٍ لرَجُلَين فأذْكَرَ أحَدُهما، ولأنَّه أقَرَّ للشَّفِيعِ أنَّه مُسْتَحِقٌّ لأخْذِ هذه الدّارِ، والشَّفِيعُ يَدَّعِي ذلك، فوَجَبَ قَبُولُه، كما لو أقَرَّ أنَّها مِلْكُهُ.
فعلى هذا، يَقْبِضُ الشَّفِيعُ مِن البائِعِ، ويُسَلِّمُ إليه الثَّمَنَ، ويكونُ دَرَكُ الشَّفِيعِ على البائِعِ؛ لأنَّ القَبْضَ منه، ولم يَثْبُتِ الشِّراءُ في حَقِّ المُشْتَرِي.
وليس للشَّفِيعِ ولا للبائِع مُحاكَمَةُ المُشْتَرِي ليَثْبُتَ البَيعُ في حَقِّه، وتكونَ العُهْدَةُ عليه؛ لأنَّ مَقْصُودَ
..................................
البائِعِ الثَّمَنُ، وقد حَصَل مِن الشَّفِيعِ، ومَقْصُودَ الشَّفِيعِ أخْذُ الشِّقْصِ وضَمانُ العُهْدَةِ، وقد حَصَل مِن البائِع، فلا فائِدَةَ في المُحاكَمَةِ.
فإن قِيلَ: أليس لو ادَّعَى علي رجُل دَينًا، فقال آخَرُ: أنا أدْفَعُ إليك الدَّينَ الذي تَدَّعِيه، ولا تُخاصِمْه.
لا يَلزَمُه قَبُولُه، فهَلَّا قُلْتُم ههُنا كذلك؟ قُلْنا: في الدَّينِ عليه مِنَّةٌ في قَبُولِه مِن غيرِ غَرِيمِه، وههُنا بخِلافِه، ولأنَّ البائِعَ يَدَّعِي أنَّ الثَّمَنَ الذي يَدْفَعُه الشَّفِيعُ حَق للمُشْتَرِي عِوَضًا عن هذا المَبِيعِ 1، فصار كالنّائِبِ عن المُشْتَرِي في دَفْعِ الثَّمَنِ، والبائِعُ كالنّائِبِ عنه في دَفْعِ الشِّقْصِ، بخِلافِ الدَّينِ، فإن كان البائِعُ مُقِرًّا بقَبْضِ الثَّمَنِ مِن المُشْتَرِي، بَقِيَ الثَّمَنُ الذي على الشَّفِيعِ لا يَدَّعِيه أحَدٌ؛ لأنَّ البائِعَ يقولُ: هو للمُشْتَرِي.
والمُشْتَرِي يقولُ: لا أسْتَحِقه.
ففيه
..................................
ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أن يُقال للمُشْتَرِي: إمّا أن تَقْبِضَه، وإمّا أن تُبْرِئ منه.
والثاني، يَأخُذُه الحاكِمُ عندَه.
والثالثُ، يَبْقَى في ذِمَّةِ الشَّفِيعِ.
وفي جَمِيعِ ذلك مَتَى ادَّعاه البائِعُ أو المُشْتَرِي، دُفِعَ إليه؛ لأَنه لأحَدِهما.
وإن تَداعَياه جَمِيعًا، فأقَرَّ المُشْتَرِي بالبَيعِ، وأنْكَرَ البائِعُ أنَّه ما قَبَض منه شيئًا، فهو للمُشْتَرِي؛ لأنَّ البائِعَ قد أقَرَّ له به، ولأنَّ البائِعَ إذا أنْكَرَ القَبْضَ، لم يَكُنْ مُدَّعِيًا لهذا الثَّمَنِ؛ لأنَّ البائِعَ لا يَسْتَحِقُّ على الشَّفِيعِ ثَمَنًا، إنَّما يَسْتَحِقُّه على المُشْتَرِي، وقد أقَرَّ بالقَبْضِ منه، وأمّا المُشْتَرِي فإنَّه يَدَّعِيه، وقد أقَرَّ له باسْتِحْقاقِه، فوَجَبَ دَفْعُه إليه.
وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَعُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِع.
2427 - مسألة: (وعُهْدَةُ الشَّفِيعِ على المُشْتَرِي، وعُهْدَةُ المُشْتَرِي على البائِعِ)
إذا أخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، فَظَهَرَ مُسْتَحَقًّا، فرُجُوعُه بالثَّمَنِ على المُشْتَرِي، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائِعِ.
وإن وَجَدَه مَعِيبًا فله رَدُّه على المُشْتَرِي، أو أخْذُ أرْشِه منه، والمُشْتَرِي يَرُدُّ على البائِعِ، أو يَأخُذُ الأرْش منه، سَواءٌ قَبَض الشِّقْصَ مِن المُشْترِي أو مِن البائِعِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال ابنُ أبي لَيلَى، والبَتِّيُّ: عُهْدَةُ الشَّفِيعِ على البائِعِ؛ لأنَّ الحَقَّ ثَبَت له بإيجابِ البائِعِ، فكان رُجُوعُه عليه، كالمُشْتَرِي.
وقال أبو حنيفةَ: إن أخَذَه مِن المُشْتَرِي فالعُهْدَةُ
..................................
عليه، وإن أخَذَه مِن البائِعِ فالعُهْدَةُ عليه؛ لأنَّ الشَّفِيعَ إذا أخَذَه مِن البائِعِ، تَعَذَّرَ قَبْضُ المُشْتَرِي، فيَنْفَسِخُ البَيعُ بينَ البائِعِ والمُشْتَرِي، فكأنَّ الشَّفِيعَ أخَذَه مِن البائِعِ مالِكًا مِن جِهَتِه، فكانت عُهْدَتُه عليه.
ولَنا، أنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحَقّة بعدَ الشِّراءِ وحُصُولِ المِلْكِ للمُشْتَرِي، ثم يَزُولُ المِلْكُ مِن المُشْتَرِي إلي الشَّفِيعِ بالثَّمَنِ، فكانتِ العُهْدَةُ عليه، كما لو أخَذَه منه ببَيعٍ، ولأنَّه مَلَكَه مِن جِهَةِ المُشْتَرِي بالثَّمَنِ، فمَلَكَ رَدّه عليه بالعَيبِ، كالمُشْتَرِي في البَيعِ الأوَّلِ.
وقِياسُه على المُشْتَرِي في جَعْلِ عُهْدَتِه على البائِعِ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ مَلَكَه مِن البائِعِ، بخِلافِ الشَّفِيعِ.
وأمّا إذا أخَذَه مِن البائِعِ، فالبائِعُ نائِبٌ عن المُشْتَرِي في التَّسْلِيمِ المُسْتَحَقِّ عليه.
ولو انْفَسخَ العَقْدُ بينَ المُشْتَرِي والبائِعِ، بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ؛ لأَنها اسْتُحِقَّتْ به.
..................................
فصل: وحُكْمُ الشَّفِيعِ في الرَّدِّ بالعَيبِ، حُكْمُ المُشْتَرِي مِن المُشْتَرِي، فإن عَلِمَ المُشْتَرِي بالعَيبِ، ولم يَعْلَمِ الشَّفِيعُ، فللشَّفِيعِ رَدُّه على المُشْتَرِي، أو أخْذُ أرْشِه منه، وليس للمُشْتَرِي شيء.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الشَّفِيعُ أخْذَ الأرْشِ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَأخُذُ بالثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ، فإذا أخَذَ الأرْشَ، فما أخَذَه بالثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ على المُشْتَرِي.
وإن عَلِمَ الشَّفِيعُ وحدَه، فليس لواحِدٍ منهما رَدٌ ولا أرْشٌ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ أخَذَه عالِمًا بعيبِه فلم يَثْبُتْ له رَدٌّ ولا أرْشٌ، كالمُشْتَرِي إذا عَلِم العَيبَ، والمُشْتَرِي قد اسْتَغْنَى عن الرَّدِّ لزَوال مِلْكِه عن المَبِيعِ، وحُصُولِ الثَّمَنِ له مِن الشَّفِيعِ، ولم يَمْلِكِ الأرْشَ؛ لأنَّه اسْتَدْرَكَ ظُلامَتَه، ورَجَع إليه جَمِيعُ الثَّمَنِ، فأشْبَهَ ما لو رَدَّه على البائِعِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ أخْذَ الأرْشِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عن الجُزْءِ الفائِتِ مِن المَبِيعِ، فلم يَسْقُطْ بزَوالِ مِلْكِه عن المَبِيعِ، كما لو اشْتَرَى قَفِيزَين فتَلِف أحَدُهما وأخَذَ الآخرَ.
فعلى هذا، ما يَأخُذُه مِن الأرْش يَسْقُطُ عن الشَّفِيعِ مِن الثَّمَنِ بقَدْرِه؛ لأنَّ الشِّقْصَ يَجِبُ عليه بالثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ، فأشْبَهَ ما لو أخَذَ
..................................
الأرْش قبلَ أخْذِ الشَّفِيعِ منه.
وإن عَلِمَا جميعًا، فليس لواحِدٍ منهما رَدُّ ولا أرْشٌ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما دَخَل على بَصِيرَةٍ، ورَضِيَ ببَذْلِ الثَّمَنِ فيه بهذه الصِّفَةِ.
وإن لم يَعْلَمَا، فللشَّفِيعِ رَدُّه على المُشْتَرِي، وللمُشْتَرِي رَدُّه على البائعِ، فإن لم يَرُدَّه الشَّفِيعُ، فلا رَدَّ للمُشْتَرِي؛ لِما ذَكَرْنا أوّلًا.
وإن أخَذَ الشَّفِيعُ أرْشَه مِن المُشْتَرِي، فللمُشْتَرِي أخْذُه مِن البائِعِ.
وإن لم يَأخُذْ منه شيئًا، فلا شيءَ للمُشْتَرِي.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ أخْذَه على الوَجْهِ الذي ذَكَرْناه.
فإذا أخَذَه، فإن كان الشَّفِيعُ لم يُسْقِطْه عن المُشْتَرِي، سَقَط عنه مِن الثَّمَنِ بقَدْرِه؛ لأنَّه الثَّمَنُ الذي اسْتَقَرَّ عليه البَيعُ، وسُكُوتُه لا يُسْقِطُ حَقَّه، وإن أسْقَطَه عن المُشْتَرِي، تَوَفَّرَ عليه، كما لو زادَه على الثَّمَنِ باخْتِيارِه.
فأمَّا إنِ اشْتَراه بالبَراءَةِ مِن كلِّ عَيبٍ، فالصَّحِيحُ مِن 1 المَذْهَبِ، أنَّه لا يَبْرأ، وحُكْمُه حُكْمُ ما لو لم يَشْتَرِطْ.
وفيه رِوايَة أُخرَى، أنَّه يَبْرأ، إلَّا أن يكونَ البائِعُ عَلِم بالعَيبِ فَدَلَّسَه واشْتَرَطَ البَراءَةَ.
فعلى هذه الروايةِ، إن عَلِم الشَّفِيعُ باشْتِراطِ البَراءَةِ، فحُكْمُه حُكْمُ المُشْتَرِي؛ لأنَّه دَخَل على شِرائِه، فصار [كمُشْتَر ثانٍ اشْتَرطَ] 2 البَراءَةَ، وإن لم يَعْلَم ذلك، فحُكْمُه كما 3 ما لو عَلِمَه المُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ.
فَإِنْ أبَى الْمُشْتَرِي قَبْضَ الْمَبِيع، أجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيهِ.
وَقَال أبو الْخَطَّابِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَأخُذَهُ الشَّفِيعُ مِنْ يَدِ الْبَائِعَ.
2428 - مسألة: (وإن أبى المُشْتَرِي قَبْضَ المَبِيعِ، أجْبَرَه الحاكِمُ عليه)
ثم يَأخُذُه الشَّفِيعُ منه.
قاله القاضِي، قال: وليس له أخْذُه مِن البائِع.
وهذا أحَدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَشْتَرِي الشِّقْصَ مِن المُشْتَرِي، فلا يَأخُذُه مِن غيرِه.
وبَنَوْا ذلك على أنَّ البَيعَ لا يتم إلَّا بالقَبْضِ، فإذا فاتَ القَبْضُ، بَطَل العَقْدُ، وسَقَطَتِ الشُّفْعَةُ (وقال أبو الخَطّابِ: قِياسُ المَذْهَبِ أن يَأخُذَه الشَّفِيعُ مِن يَدِ البائِعِ) ويكونُ كأخْذِه مِن المُشْترِي.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ العَقْدَ يَلْزَمُ في بَيعِ العَقارِ قبلَ قَبْضِه، ويَدْخُلُ المَبِيعُ في مِلْك المُشْتَرِي وضَمانِه، ويَجُوزُ له التَّصَرُّف فيه بنَفْسِ العَقْدِ، فصارَ كما لو قَبَضَه المُشْتَرِي.
واللهُ أعْلَمُ.
وَإذَا وَرِثَ اثْنَانِ شِقْصًا عَنْ أبِيهِمَا، فَبَاعَ أحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، فَالشُّفْعَةُ بَينَ أخِيهِ وَشَرِيكِ أبِيهِ.
2429 - مسألة: (ولو وَرِثَ اثْنان شِقْصًا عن أبيِهما، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه، فالشُّفْعَةُ بينَ أخِيه وشَرِيكِ أبيه)
وبه قال أبو حنيفةَ، والشّافعيُّ في الجَدِيدِ.
وقال في القَدِيمِ: الأخُ أَحَقُّ بالشُّفْعَةِ.
وبه قال مالكٍ؛ لأنَّ أخَاه أخَصُّ بشَرِكَتِه مِن شَرِيك أبِيه، لاشْتِراكِهِما في سَبَبِ المِلْكِ.
ولَنا، أنَّهما شَرِيكان حال ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، فكانت بينَهما، كما لو مَلَكُوا كلُّهم بسَببٍ واحِدٍ، ولأنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ لدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدّاخِلِ على شُركائِه بسَبَبِ شَرِكَتِه، وهو مَوْجُود في حَقِّ الكلِّ، وما ذَكَرُوه لا أصْلَ له، ولم يَثْبُتِ اعْتِبارُ الشَّرْعِ له في مَوْضِع، والاعْتِبارُ بالشَّرِكَةِ لا بسَبَبِها.
وهكذا لو اشْتَرَى رجلٌ نِصْفَ دارٍ ثم اشْتَرَى اثْنانِ نِصْفَها الآخَرَ، أو وَرِثاه، أو اتَّهَباه، أو وَصَل إليهما بسَبَبٍ مِن أسْبابِ المِلْكِ، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه، أو وَرِثَ ثلاثةٌ دارًا فباعَ أحَدُهُم نَصِيبَه مِن اثْنَين، ثم باعَ أحَدُ الشَّرِيكَين نَصِيبَه، فالشُّفْعَةُ بينَ جَمِيعِ الشُّرَكاءِ.
وكذلك لو مات رجلٌ وخَلَّف ابْنَين وأخْتَين، فباعَتْ إحْدَى البِنْتَين نَصِيبَها، أو إحدى الأخْتَين، فالشُّفعَةُ بينَ جَمِيعِ الشُّرَكاءِ.
ولو ماتَ رجل وتَرَك ثَلاثَةَ بَنينَ وأرْضًا، فماتَ أحَدُهُم عن ابْنَين، فباعَ أحَدُ العَمَّين نَصِيبَه، فالشُّفْعَةُ بينَ أخِيه وابْنَيْ
وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِر عَلَى مُسْلِم.
أخِيه.
ولو خَلَّف ابْنَين [وأوْصَى] (1) بثُلُثِه لاثْنَين، فباعَ أحَدُ (2) الوَصِيِّين، أو أحَدُ الابنَين، فالشُّفْعَةُ بينَ شُرَكائِه كلِّهم.
ولمُخَالِفِينا في هذه المسائِل اخْتِلافٌ يَطُولُ ذِكْرُه.
2430 -
مسألة: (ولا شُفْعَةَ لكافِر على مُسْلِم)
رُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ.
وقال الثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشّافعيّ، وأصحابُ الرَّأي، وجَماعَة مِن أهلِ العِلْمِ: تَجبُ له الشُّفْعَةُ؛ لعمُومِ قولِه عليه السلامُ: «لَا يَحِل لَهُ أن يبيعَ حَتَّى يَسْتَأذِنَ شَرِيكَه، وَإنْ بَاعَهُ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أحقُّ بِهِ» 3. ولأنَّه خِيَارٌ ثَابِت لدَفْعِ الضَّرَرِ بالشِّراءِ، فاسْتَوَى فيه المُسْلِمُ والكافِرُ، كالرَّدِّ بالعَيبِ.
ولَنا، ما روَى الدَّارقُطنيُّ، في كِتابِ «العِلَلِ»، بإسْنادِه عن أنس، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا شُفْعَةَ12
..................................
لِنَصْرَانِيٍّ» 1. وهذا يَخُصُّ عُمُومَ ما احْتَجُّوا به.
ولأنَّه مَعْنًى يَخْتَصُّ العَقارَ، فأشْبَهَ الاسْتِعلاءَ في البُنْيانِ، يُحَقِّقُه أن الشُّفْعَةَ إنَّما تثْبُتُ للمُسْلِمِ دَفْعًا للضرَرِ عن مِلْكِه، وقُدِّمَ دَفْعُ ضَرَرِه على دَفْعِ ضَرَرِ المُشْتَرِي، ولا يَلْزَمُ مِن تَقْدِيمِ دَفْعِ ضَرَرِ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ تَقْدِيمُ دَفْعِ ضَرَرِ الذِّمِّيِّ، فإنَّ حَقَّ المُسْلِمِ أرْجَحُ، ورِعايَتَه أوْلَى، ولأن ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ في مَحَلِّ الإجْماعِ على خِلافِ الأصْلِ، رِعايَة لحَقِّ الشَّرِيكِ المسلمِ، وليس الذِّمِّي في مَعْنَى المسلمِ، فيَبْقَى فيه على مُقْتَضَى الأصْلِ.
وتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ للمسلمِ على الذِّمِّيِّ؛ لعُمُومِ الأدِلَّةِ، ولأنَّها إذا ثَبَتَتْ للمسلمِ على المسلمِ مع عِظَمِ حُرْمَتِه، فلأنْ تَثْبُتَ على الذِّمِّيِّ مع دَنَاءته أوْلَى.
..................................
فصل: وتَثْبُتُ للذِّمِّيِّ على الذِّمِّيِّ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّهما تَساوَيَا في الدِّينِ، فتَثْبُتُ لأحَدِهما على الآخرِ، كالمُسْلِمَينِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
فإن تَبايَعُوا بخَمْر أو خِنْزِير، وأخَذَ الشَّفِيعُ بذلك، لم يُنْقَضْ ما فعلُوه.
وإن جَرَى التَّقابُضُ بينَ المُتَبايِعَين دُونَ الشَّفِيعِ، وتَرافَعُوا إلينا، لم نَحْكُمْ له بالشُّفْعَةِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو الخَطَّابِ: إن تَبايَعُوا بخَمْرٍ، وقُلْنا: هي مالٌ لهم.
حَكَمْنا له 1 بالشُّفْعَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ إذا كان الثَّمَنُ خَمْرًا؛ لأنَّها مالٌ لهم، فأشْبَهَ ما لو تَبايَعُوا بدَرَاهِمَ، لكنْ إن كان الشَّفِيعُ ذِمِّيًّا، أخَذَه بمِثْلِه، وإن كان مُسْلِمًا، أخَذَه بقِيمَةِ الخَمْرِ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ بخَمْر، فلم تَثْبُتْ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو كان بينَ مُسْلِمَين ولأنَّه عَقْدٌ بثَمَن مُحَرَّم، أشْبَهَ البَيعَ بالخِنْزِيرِ والمَيتَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الخَمْرَ مالٌ لهم 2؛ فإن اللهَ تَعالى حَرَّمَه كما حَرَّمَ الخِنْزِيرَ، واعْتِقادُهُم حِلَّه لا يَجْعَلُه مالًا، كالخِنْزِيرِ، وإنَّما لم يُنْقَضْ عَقْدُهُم إذا تَقابَضُوا؛ لأنَّنا لا نَتَعَرَّضُ لما فَعَلُوه مِمَّا يَعْتَقِدُونه في دِينهم ما لم يَتَحاكَمُوا إلينا قبلَ تَمامِه، ولو تحاكَمُوا إلينا قبلَ التَّقابُضِ لَفَسَخْناه.
فأمَّا أهْلُ البِدَعِ فتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لمَن حَكَمْنا بإسْلامِه منهم، كالفاسِقِ بالأفْعالِ؛ لعُمُوم الأدِلَّةِ التي ذَكَرْناها.
وروَى حَرْبٌ عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ عن أصحابِ البِدَعِ، هل لهم شُفعَةٌ؟ وذُكِرَ له عن ابنِ إدْرِيسَ أنَّه قال:
..................................
ليس للرّافِضَةِ شُفْعَة؟ فضَحِكَ، وقال: أراد أن يُخْرِجَهُم مِن الإسْلامِ.
فظاهِرُ هذا أنَّه أثْبَتَ لهم الشُّفْعَةَ، وهذا مَحْمُولٌ على غيرِ الغُلاةِ منهم، فأمَّا الغُلاةُ، كالمُعْتَقِدِ أنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ في الرِّسَالةِ فجاءَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّما أرْسِلَ إلى عليٍّ، ونحوه، ومَن حُكِمَ بكُفْرِه مِن الدُّعاةِ إلى القَوْلِ بخَلْقِ القرآنِ، فلا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ إذا لم تثْبُتْ للذِّمِّيِّ الذي يُقَرُّ على كُفْرِه، فغيرُه أوْلَى.
فصل: وتَثْبُتُ الشُّفعَةُ للبَدَويِّ على القَرَويِّ، وللقَرَويِّ على البَدَويِّ، في قولِ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ.
وقال الشَّعْبِيُّ، والبَتِّيُّ: لا شُفْعَةَ لمَن لم يَسْكُن المِصْرَ.
وعُمُومُ الأدِلةِ واشْتِرِاكُها في المَعْنَى المُقْتَضِي لوُجُوبِ الشًّفْعَةِ يَدُلُّ على ثبوتِها لهم.
فصل: قال أحمدُ، في رِوايَةِ حَنْبَل: لا نَرَى في أرْضِ السَّوادِ شُفْعَةً؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، وَقَفَها على المُسْلِمِينَ، فلا يَجُوزُ بَيعُها، والشُّفْعَةُ إنَّما تكونُ في البَيعِ.
وكذلك الحُكْمُ في سائِرِ الأرْضِ التي وَقَفَها عمرُ، وهي التي فُتِحَتْ عَنْوَةً في زَمَنِه ولم يَقْسِمْها، كأرْضِ الشّامِ ومِصْرَ.
وكذلك كلُّ أرْض فُتِحَتْ عَنْوَةً ولم تُقْسَمْ بينَ الغانِمِينَ، إلَّا أن يَحْكُمَ بِبَيعِها حاكِمٌ، أو يَفْعَلَه الإمامُ أو نائِبُه، فإن فَعَل ذلك ثَبَتَت فيه الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه فَصْل مُخْتَلَفٌ فيه، ومتى حَكَم الحاكِمُ في المُخْتَلَفِ فيه بشيءٍ، نَفَذ حُكْمُه.
وَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْمُضَارِبِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، أوْ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمُضَارِبِ فِيمَا يَشتَرِيهِ لِلْمُضَارَبَةِ؟ عَلَى وَجهَينِ.
2431 - مسألة: (وهل تَجِبُ الشُّفْعَةُ للمُضارِبِ على رَبِّ المالِ، أو لرَبِّ المالِ على المُضارِبِ فيما يَشْتَرِيه مِن مالِ المُضارَبَةِ؟ على وَجْهَين)
إذا بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ مالِ المُضارَبَةِ، فللعامِلِ الأخْذُ بها إذا كان الحَظُّ فيها، فإن تَرَكَها فلرَبِّ المالِ الأخْذُ؛ لأنَّ مال المُضاربَةِ مِلْكُه، ولا يَنْفُذُ عَفْوُ العامِلِ؛ لأنَّ المِلْكَ لغيرِه، فلم يَنْفُذْ عَفْوُه، كالمَأذُونِ له.
فإنِ اشْتَرَى المُضارِبُ بمالِ المُضارَبَةِ شِقْصًا في شَرِكَةِ رَبِّ المالِ، فهل لرَبِّ المالِ فيه شُفْعَة؟ على وَجْهَين مَبْنِيَّيْن على شِرَاءِ رَبِّ المالِ مِن مالِ المُضارَبَةِ، وقد ذَكَرْناهُما.
وإن كان المُضارِبُ شَفِيعَه، ولا رِبْحَ في المالِ، فله الأخْذُ بها؛ لأنَّ المِلْكَ لغيرِه.
وإن كان فيه رِبْح، وقُلْنا: لا يَمْلِكُ بالظُّهُورِ.
فكذلك.
وإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالظُّهُورِ.
ففيه وَجْهان، كرَبِّ المالِ.
ومَذْهَبُ الشَّافعيِّ في هذا كلِّه على ما ذَكَرْنا.
فإن باعَ المُضارِبُ شِقْصًا في شَرِكَتِه، لم يَكُنْ له أخْذُه بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّه مُتَّهَم، فأشْبَهَ شِراءَه مِن نَفْسِه.
..................................
فصل: إذا كانت دارٌ بينَ ثَلاثةٍ، فقارَضَ واحِدٌ منهم أحَدَ شَرِيكَيه بألْفٍ، فاشْتَرَى به نِصْفَ نَصِيبِ الثالثِ، لم تَثْبُتْ فيه شُفْعَة في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ أحَدَ الشَّرِيكَين رَبُّ المالِ، والآخَرَ العامِلُ، فهما كالشَّرِيكَين في المَتاعِ، فلا يَسْتَحِقُّ أحَدُهما على الآخَرِ شُفْعَةً.
وإن باعَ الثَّالِثُ باقيَ نَصِيبِه لأجْنَبِي، كانتِ الشُّفْعَةُ مُسْتَحَقَّةً بينَهم أخْماسًا، لرَبِّ المالِ خُمْساها 1، وللعامِلِ مِثْلُه، ولمالِ 2 المُضارَبَةِ خُمْسُها بالسُّدْسِ الذي له، فيُجْعَلُ مالُ المُضارَبَةِ كشَرِيكٍ آخَرَ؛ لأنَّ حُكْمَه مُتَمَيِّز عن مالِ كلِّ واحِدٍ منهما.
..................................
فصل: فإن كانتِ الدّارُ بينَ ثَلاثة أثْلاثًا، فاشْتَرَى أجْنَبِيٌّ نَصِيبَ أحَدِهِم، فطالبَه أحَدُ الشَّرِيكَين بالشُّفْعَةِ، فقال: إنَّما اشْتَرَيتُه لشَرِيكِك.
لم تُؤَثِّرْ هذه الدَّعْوَى في قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّ مِن الشُّفْعَةِ، فإن الشُّفْعَةَ بينَ الشَّرِيكَين نِصْفَين، سَواءٌ اشْتَراها الأجْنَبِيُّ لنَفْسِه أو للشَّرِيكِ الآخَرِ.
وإن تَرَك المُطالِبُ بالشُّفْعَةِ حَقَّه منها بِناءً على هذا القولِ، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُه، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه.
وإن أخَذَ نِصْفَ المَبِيعِ لذلك 1، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُ المُشْتَرِي، وعَفَا الشَّرِيكُ عن شُفْعَتِه، فله أخْذُ نصِيبِه مِن الشُّفْعَةِ؛ لأنَّ اقْتِصارَه على أخْذِ النِّصْفِ انْبَنَى على خَبَرِ المُشْتَرِي، فلم يُؤَثِّرْ في إسْقاطِ الشُّفْعَةِ، واستَحَقَّ أخْذَ الباقِي لعَفْو شَرِيكِه عنه.
وإنِ امْتَنَعَ مِن أخْذِ الباقِي سَقَطَتْ شُفْعَتُه كلُّها، لأنَّه لا يمْلِكُ تَبْعِيضَ صَفقَةِ المُشْتَرِي.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْقُطَ حَقِّه مِن النِّصْفِ الذي أخَذَه، ولا يَبْطُلُ أخْذُه له، لأنَّ المشَترِيَ أقَرَّ بما تَضَمَّنَ اسْتِحْقاقَه لذلك، فلا يَبْطُلُ برُجُوعِه عن إقْرارِه.
وإن أنْكرَ الشَّرِيكُ كَوْنَ الشِّراءِ له، وعَفَا عن شُفْعَتِه، وأصَرَّ المُشْتَرِي على الإقْرارِ للشَّرِيكِ به، فللشَّفِيعِ أخْذُ الكُلِّ؛ لأنَّه لا مُنازِعَ له في اسْتِحْقاقِه، وله الاقْتِصارُ على النِّصْفِ، لإقْرارِ المُشْتَرِي له باسْتِحْقاقِ ذلك.
..................................
فصل: فإن قال أحَدُ الشَّرِيكَين للمُشْتَرِي: شِراؤكَ باطِلٌ.
وقال الآخَرُ: هو صَحِيحٌ.
فالشُّفْعَةُ كلها للمُعْتَرِفِ بالصِّحّةِ.
وكذلك إن قال: ما اشْتَرَيتُه، إنَّما اتَّهَبْتُه.
وصَدَّقَه الآخَرُ أنَّه اشْتَراه، فالشفْعَةُ للمُصَدِّقِ بالشِّراءِ؛ لأنَّ شَرِيكَه مُسْقِطٌ لحَقِّه باعْتِرافِه أنَّه لا بَيعَ، أو لا بَيعَ صَحِيحٌ.
ولو احْتال المُشْتَرِي على إسْقاطِ الشُّفْعَةِ بحِيلَةٍ لا تُسْقِطُها، فقال أحَدُ الشَّفِيعَين: قد سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ.
تَوَفَّرَتْ على الآخَرِ؛ لاعْتِرافِ صاحِبِه بسُقُوطِها.
ولو تَوَكَّلَ أحَدُ الشَّفِيعَين في البَيعِ أو الشِّراءِ، أو ضَمِن عُهْدَةَ المَبِيعِ، أو عَفَا عن الشُّفْعَةِ قبلَ البَيعِ، وقال: لا شُفْعَةَ لي؛ لذلك.
تَوَفَّرَتْ على الآخَرِ.
وإنِ اعتَقَدَ أنَّ له شُفْعَةً، وطالبَ بها، فارْتَفَعا إلى حاكِم، فحَكَمَ بأنَّه لا شُفْعَةَ له، تَوَفَّرَتْ على الآخرِ؛ لأنَّها سَقَطَتْ بحُكْمِ الحاكِمِ، فأشْبَهَ ما لو سَقَطَتْ بإسْقاطِ المُسْتَحِقِّ.
..................................
فصل: إذا ادَّعَى رجلٌ على آخَرَ ثُلُثَ دار، فأنكَرَه، ثم صالحَه عن دَعْواه بثُلُثِ دار أخْرَى، صَحَّ، ووَجَبَتِ الشُّفْعَةُ في الثُّلُثِ المصالحِ به؛ لأنَّ المُدَّعِيَ يَزْعُمُ أَنَّه مُحِقٌّ في دَعْواه، وأنَّ ما أخَذَه عِوَضٌ عن الثُّلُثِ الذي ادَّعاه، فلَزِمَه حُكْمُ دَعْواه، ووَجَبَتِ الشُّفْعَةُ، ولا شُفْعَةَ على المُنْكِر في الثُّلُثِ المُصالحِ عنه؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّه على مِلْكِه لم يَزُلْ، وإنَّما دَفَع ثُلُثَ دارِه إلى المُدَّعِي اكْتِفاءً لشَرِّه ودَفْعًا لضَرَرِ الخُصُومَةِ واليَمينِ عن نَفْسِه، فلم تَلْزَمْه فيه شُفْعَة.
وإن قال المُنْكِرُ للمُدَّعِي: خُذِ.
الثُّلُثَ الذي تَدَّعِيه بثُلُثِ دارِكَ.
ففَعَلَ، فلا شُفْعَةَ على المُدَّعِي فيما أخَذَه، وعلى المُنْكِرِ الشُّفْعَةُ في الثُّلُثِ الذي يَأخُذُه؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّه أخَذَه عِوَضًا عن مِلْكِه الثابِتِ له.
وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: تَجِبُ الشُّفْعَةُ في الثُّلُثِ الذي أخَذَه المُدَّعِي أيضًا؛ لأنَّها مُعاوَضَة مِن الجانِبَين بشِقْصَين، فوَجَبَتِ الشُّفْعَةُ فيهما، كما لو كانت بينَ مُقِرَّين.
ولَنا، أنَّ المُدَّعِيَ يَزْعُمُ أنَّ ما أخَذَه كان مِلْكًا له قبلَ الصُّلْح، ولم يَتَجَدَّدْ له عليه مِلْكٌ، وإنَّما اسْتَنْقَذَه بصُلْحِه، فلم تَجِبْ فيه شُفْعَة، كما لو أقَرَّ له به.
..................................
فصل: إذا كانت دارٌ بينَ ثلاثةٍ أثْلاثًا، فاشْتَرَى أحَدُهُم نَصِيبَ أحَدِ شَرِيكَيه، ثم باعَه لأجْنَبِي، ثم عَلِم شَرِيكُه، فله أن يَأخُذَ بالعَقْدَين، وله الأخْذُ بأحَدِهما؛ لأنَّه شَرِيكٌ فيهما.
فإن أخَذَ بالعَقْدِ الثَّاني أخَذَ جَميع ما في يَدِ مُشْتَرِيه؛ لأنَّه لا شَرِيكَ له في شُفْعَتِه.
وإن أخَذَ بالعَقْدِ الأوَّلِ، ولم يَأخُذْ بالثَّاني، أخذَ نِصْفَ المَبِيعِ، وهو السُّدْسُ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ شَرِيكُه في شُفْعَتِه، ويَأخُذُ نِصْفَه مِن المُشْتَرِي الأوَّلِ، ونِصْفَه مِن المُشْتَرِي الثَّاني؛ لأنَّ شَرِيكَه لمّا اشْتَرَى الثُّلُثَ كان بينَهما نِصْفين، لكلِّ واحِدٍ منهما السُّدْسُ، فإذا باع الثُّلُثَ مِن جَمِيعِ ما في يَدِه، وفي يَدِه ثُلُثان، فقد باع نِصْفَ ما في يَدِه، والشَّفِيعُ يَسْتَحِقُّ رُبْعَ ما في يَدِه، وهو السُّدْسُ، فصارَ مُنْقَسِمًا في يَدَيهِما نِصْفَين، فيَأخُذُ مِن كلِّ واحِدٍ منهما نِصفَه، وهو نِصْف السُّدْسِ، ويَدْفَعُ ثَمَنَه إلى الأوَّلِ، ورْجِعُ المُشْتَرِي الثَّاني على الأوَّلِ برُبْعِ الثَّمَنِ الذي اشْتَرى به، وتكونُ المسألةُ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ، ثم تَرْجِعُ إلى أرْبَعَةٍ، للشَّفِيعِ نِصْف الدّارِ، ولكلِّ واحِدٍ مِن الآخَرَين الرُّبْع.
وإن أخَذَ بالعَقْدَين أخَذَ جَمِيعَ ما في يَدِ الثَّاني ورُبْعَ ما في يَدِ الأوَّلِ،