..................................
على القَبْضَةِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما: يُكْرَهُ.
لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ؛ أحْفُوا الشَّوَارِبَ، وأعْفُوا 1 اللِّحَى».
مُتَّفَق عليه 2. والثاني، لا يُكرَه.
يروَى ذلك عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ.
فروى 3 البخاريُّ، قال: كان عبدُ الله بنُ عُمَر، إذا حَجّ أو اعْتَمَرَ، قَبَضَ على لِحْيَته، فما فَضَلَ أخَذَه 4. ولا يَنْبَغِي أن يَتْرُكَها أكْثَرَ مِن أرْبَعِين يومًا؛ لما روَى أنسُ بنُ مالكٍ، قال: [وُقِّتَ لَنا] 5 في قَصِّ الشّارِبِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ، ونَتْف الإبطِ، وحَلْقِ العانَةِ، أن لا تُتْرَكَ أكثَرَ مِن أربَعِين.
رواه مسلم 6.
..................................
فصل: واتخاذُ الشَّعَرِ أفْضَلُ مِن إزَالتِه.
قال إسحاقُ: سُئِلَ أبو عبد الله، عنِ الرجلِ يَتَّخِذُ الشَّعَرَ، قال: سُنَّة حَسَنَةٌ، لو أمْكَنَنا اتِّخاذُهُ وقال: كان للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جُمَّةٌ 1. وقال في بعض الحديثِ: إنَّ شَعَرَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان إلى شَحْمَةِ أُذُنَيه 2. وفي بعضِ الحديثِ: إلى مَنْكِبَيه.
ورَوَى البَرَاءُ بنُ عازِبٍ، قال: ما رأيتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ، في حُلَّةٍ حَمْراءَ، أحْسَنَ مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - له شَعَرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيهِ.
مُتَّفَق عليه 3. ويُستحَبُّ أن
..................................
يكونَ شَعَرُ الإنْسانِ على صِفَةِ شَعَرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، إذا طال فإلى المَنْكِبِ، وإذا قَصُرَ فإلى شَحْمَةِ الأذُنِ، وإن طَوَّلَه، فَلا بَأسَ، نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال أبو عُبَيدَةَ 1: كان له عَقِيصَتان 2، وعُثْمان كان له عَقِيصَتان.
ويُسْتَحَبُّ تَرْجِيلُ الشَّعَرِ وإكرامُه؛ لما روَى أبو هُرَيرَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ كَان لَهُ شَعَرٌ فَلْيُكرِمْهُ».
رواه أبو داودَ 3. ويُسْتَحَبُّ فَرْقُه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَقَ شَعَرَه، وذَكَرَه في الفِطرةِ 4.
فصل: وهل يُكْرَهُ حَلْقُ الرّأس في غيرِ الحَجِّ والعُمْرَةِ؟ فيه رِوايتان؛ إحْداهما، يُكرَه؛ لما رُوى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال في الخَوارجِ:
..................................
«سِيماهُمُ التَّحْلِيقُ» 1. وقال عُمَرُ لصَبِيغٍ 2: لو وَجَدْتُكَ مَحْلُوقًا، لضَرَبْتُ الذي فيه عَينَاكَ بالسَّيفِ 3. ورُوى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لا تُوضَعُ النَّوَاصِي إلَّا في حَج أو عُمْرَةٍ».
أخْرَجَه الدّارَقُطْنِيُّ في «الأفْرادِ» 4. والثانية، لا يُكْرَهُ لكنَّ ترْكَه أفْضلُ.
قال حَنْبَلٌ: كنتُ أنا وأبي نَحْلِقُ رُءُوسَنا في حياةِ أبي عبدِ الله، فَيرانا ونحن نَحْلِقُ فلا يَنْهانا.
وذلك لما رُوِي عن عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -, لَمَّا جاءَ نَعِيُّ جعفرٍ، أمْهَلَ آل جعفرٍ ثلاثًا أنْ يَأتِيَهم، ثم أتاهُم، قال: «لا تَبْكُوا عَلَى أخِي بَعْدَ اليَوْم».
ثم قال: «ادْعُوا بني أخِي».
فجِئَ بِنا، قال: «ادْعُوا ليَ الحَلَّاقَ».
فأمَر بِنَا فَحَلَقَ رُءُوسَنا.
رَواه أبو داودَ 5. ورَوَى ابنُ عُمَرَ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن القَزَعِ، وقال: «احْلِقْهُ كُلَّهُ، أوْ دَعْهُ كُلَّهُ».
رواه مسلم وأبو داوُدَ 6. ولأنّه لا يُكْرَه اسْتِئْصالُ
..................................
الشَّعَرِ بالمِقْراض، وهذا في معناه، قال ابنُ عبدِ البَر: أجْمَعَ العلماءُ في حميع الأمْصارِ على إباحَةِ الحَلْقِ، وكَفَى بهذَا حُجَّةً.
فأمّا أخْذُه بالمِقْراض واسْتِئْصالُه فغيرُ مَكْرُوهٍ، رِوايةً واحدةً.
قال أحمدُ: إنَّما كَرِهُوا الحَلْقَ بالمُوسَى، وأمّا بالمِقْراض فليس به بَأسٌ؛ لأنَّ أدِلَّةَ الكَراهَةِ تَخْتَصُّ الحَلْقَ.
فصل: وحَلْقُ المرأةِ رأسَها مَكْرُوهٌ، رِوايةً واحدةً، مِن غيرِ ضَرُورَةٍ؛ لِما رَوَى الخَلَّالُ بإسْنادِه، عن قَتادَةَ، عن عِكْرِمَةَ، قال: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تَحْلِقَ المَرأةُ رأسَها 1. فإن كان لضَرُورَةٍ، جازَ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ الله، يُسأل عن المرأة تَعْجِزُ عن شَعَرِها، وعن مُعالجَتِه، أتأخُذُه على حديثِ مَيمُونَةَ؟ فقال: لأيِّ شيءٍ تَأخُذُه؟ قيل له: لا تَقْدِر على الدَّهْن وما يُصْلِحُه، تَقَعُ فيه الدَّوابُّ.
فقال: إذا كان لضَرُورَةٍ، فأرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأسٌ.
فصل: ويُكْرَهُ نَتْف الشيبِ، لما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن نَتْفِ الشَّيبِ، وقال: «إنَّهُ = وفي الباب أحاديث أخرجها البخاري، في: باب القزع، من كتاب اللباس.
صحيح البخاري 7/ 210. ومسلم، في: باب كراهة القزع، من كتاب اللباس.
صحيح مسلم 3/ 1675. والنسائي، في: باب النهي عن القزع، وباب النهي عن أن يحلق بعض شعر الصبي ويترك بعضه، من كتاب الزينة.
المجتبي 8/ 113، 159. وابن ماجه، في: النهي عن القزع، من كتاب اللباس.
سنن ابن ماجه 2/ 1201. والإمام أحمد، في المسند: 2/ 4، 39، 55, 67, 82, 83, 101, 118, 137, 143, 154.
..................................
نُورُ الإِسْلامِ» 1. رواه الخَلّالُ في «جامِعِه».
فصل: ويُكْرَه حَلْقُ القَفا، لمَن لم يَحْلِقْ رَأسَه ولم يَحْتَجْ إليه.
قال المَرُّوذِيُّ 2: سألتُ أبا عبدِ الله عن حَلْقِ القَفا.
قال: هوَ مِن فِعْلِ المَجُوسِ، ومَن تَشَبَّهَ بقَوْمٍ فهو مِنْهم.
وقال: لا بَأسَ أن يَحْلِقَ قَفاه في الحِجامَةِ.
فأما حَفُّ الوَجْهِ، فقال أحمدُ: ليس به بَأسٌ للنِّساءِ، وأكرَهُهُ للرِّجال.
فصل: ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه لَعَنَ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، والنّامِصَةَ والمُتَنَمِّصَةَ، والواشِرَةَ والمُسْتَوْشِرَةَ 3. فهذه الخِصالُ
..................................
مُحَرَّمَةٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَعَنَ فاعِلَها، وفاعِلُ المُبَاحِ لا تَجُوزُ لَعْنَتُه.
والواصِلَةُ: هي التي تَصِلُ شَعَرَها، أو شَعَرَ غيرِها بغيرِه.
والمُسْتَوْصِلَةُ: المَوْصولُ شَعَرُها بإذْنِها 1. فوَصْلُه بالشَّعَر مُحَرَّمٌ؛ لما ذكرْنا.
فأمَا وَصْلُه بغيرِ الشَّعَرِ، فإن كان بقَدْرِ ما تَشُدُّ به رَأسَها، فلا بَأسَ؛ للحاجَةِ، وإن كان أكثرَ مِن ذلك، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، أنه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّم؛ لما رُوِيَ عن مُعاويةَ، أنه أخْرَجَ كُبَّةً 2 مِن شَعَرٍ، وقال: سَمِعْتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَى عن مِثْلِ هذا، وقال: «إنَّمَا هَلَكَ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذَا نِساوهُمْ» 3. فخَصَّ التي تَصِلُه بالشَّعَرِ، فيُمْكِن جَعْلُ ذلك تَفْسِيرًا للَّفْظِ العامِّ في الحديثِ الذي ذَكَرْناه.
ولأنَّ وَصْلَه بالشَّعَرِ فيه تَدْلِيسٌ، بخلافِ غيرِه.
والثانية، أنَّه قال: لا تَصِلُ المرأةُ برَأسِها الشَّعَرَ ولا القَرَامِلَ 4 ولا الصُّوفَ، وذلك لما روَى الإِمامُ أحمدُ في = الواصلة والمستوصلة، من كتاب الاسئتذان، سنن الدارمي 2/ 279، 280. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 415، 417، 434، 443، 454، 465، 2/ 339، 6/ 111، 228، 250، 257، 345، 346، 353.
..................................
«مُسْنَدِه» 1، عن جابِرٍ، قال: نَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تَصِلَ المْرأَةُ برَأسِها شيئًا.
قال شيخُنا: والظّاهِرُ أنَّ المُحَرَّمَ إنَّما هو وَصْلُ الشَّعَرِ بالشَّعَرِ؛ لما فيه مِن التَّدْلِيسِ واسْتِعْمالِ الشَّعَرِ المُخْتَلَفِ في نَجاسَتِه، وغيرُ ذلك لا يَحْرُمُ؛ لعَدَمِ ذلك فيه، وحُصُولِ المَصْلَحَةِ مِن تَحْسِين المرأةِ لزَوْجِها مِن غيرِ مَضَرَّةٍ 2. وتُحْمَلُ أحاديثُ النَّهْي على الكَراهَةِ.
واللهُ أعلمُ.
فأمّا النّامِصَةُ: فهي التي تَنْتِفُ الشَّعَرَ مِن الوَجْهِ.
والمُتَنَمِّصَةُ: المَنْتُوفُ شَعَرُها بأمْرِها.
فلا يَجُوزُ؛ للخَبَرِ.
وإن حُلِقَ الشَعَرُ فلا بأسَ؛ لأنَّ الخَبَرَ وَرَد في النتفِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وأمّا الواشِرَةُ: فهي التي تَبْرُدُ الأسْنانَ، لتُحَدِّدَها وتُفَلِّجَها وتُحَسَنها.
والمُسْتَوْشِرَةُ: المَفْعُولُ بها ذلك بإذْنِها.
وفي خَبَرٍ.
آخَرَ: «لَعَنَ الوَاشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ» 3.
..................................
والواشِمةُ: التي تَغْرِزُ جِلْدَها أو جِلْدَ غيرِها بإبْرَةٍ، ثم تَحْشُوه كُحْلًا.
والمُسْتَوْشِمَةُ: التي يُفْعَلُ بها ذلك بإذْنِها.
فصل: ويُسْتَحَبُّ التَّطيُّبُ 1؛ لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يُعْجِبُه الطِّيبُ، ويَتَطَيَّبُ كثيرًا.
ويُسْتَحَبُّ النَّظَرُ في المِرْآةِ، قال حَنْبَلٌ: رأيتُ أبا عبدِ اللهِ، وكانت له صِينيَّةٌ فيها مِرْآةٌ ومُكْحُلَةٌ ومِشْطٌ، فإذا فَرَغ مِن قراءَةِ حِزْبِه، نَظَرَ في المِرْآةِ واكْتَحَلَ وامْتَشَطَ.
ورَوَى أبو أيُّوبَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: في: «أرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ؛ الحِنَّاءُ 2، والتَّعَطُّرُ، والسِّوَاكُ، والنِّكَاحُ».
رواه الإمامُ أحمدُ 3.
فصل: ويُسْتَحَبُّ خِضَابُ الشَّيبِ بغيرِ السَّوادِ، قال أحمدُ: إنِّي لأرَى الشَّيخَ المَخْضُوبَ فأَفْرَحُ به.
وذلك لما رُوى أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ جاءَ بأبيه إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ورَأسُه ولِحْيَتُه كالثَّغَامَةِ 4 بَياضًا، فقال رَسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «غَيِّرُوهُمَا وجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» 5. ويُسْتَحَبُّ بالحِنَّاءِ = سنن ابن ماجة 1/ 639. والدارمي، في: باب الواصلة والمستوصلة، من كتاب الاستئذان.
سنن الدارمي 2/ 279، 280. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 83، 87، 107، 121، 133، 150، 158، 409، 415، 434، 443، 448، 454، 462، 465، 2/ 339، 9/ 304، 6/ 250.
..................................
والكَتَمِ 1؛ لما رَوَى الخَلَّالُ، وابنُ ماجَه، بإسْنادِهِما، عن تَمِيمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَوْهَب، قال: دَخَلْتُ على أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْرَجَتْ إلينا شَعَرًا مِن شَعَرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، مَخْضُوبًا بالحِنَّاءِ والكَتَمِ 2. وخَضَبَ أبو بكرٍ، رَضِي اللهُ عنه، بالحِنَّاءِ والكَتَمِ.
ولا بَأْسَ بالوَرْس والزَّعْفَرانِ؛ لأنَّ أبا مالِكٍ الأشْجَعِيَّ قال: كان خِضَابَنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الوَرْسُ 3 والزَّعْفَرانُ 4. ويُكرهُ الخِضابُ بالسَّوادِ.
قِيل لأبي عبدِ اللهِ: تَكْرَهُ الخِضابَ بالسَّوادِ؟ قال: إي واللهِ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وجَنِّبُوهُ السَّوَادَ».
في حديثِ أبي بكرٍ، ولما روَى ابنُ عبّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَكُونُ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُون بالسَّوادِ كَحَواصِلِ 5 الحَمامِ، لا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الجَنَّةِ» 6. ورَخَّصَ فيه إسحاقُ بنُ رَاهُويَه للمرأةِ، تَتَزَيَّنُ به لزَوْجِها.
واللهُ أعلمُ.
وَيَجِبُ الْخِتَانُ مَا لمْ يَخَفْه عَلَى نَفْسِهِ.
وَيُكْرَهُ الْقَزَعُ.
71 - مسألة: (ويُكْرَهُ القَزَعُ، وهو حَلْقُ بعضِ الرَّأْسِ)
لما رَوَى ابنُ عُمَرَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن القَزَعِ، وقال: «احْلِقْهُ كُلَّهُ، أو دَعْهُ كُلَّهُ».
رواه أبو داوُدَ (1). وفي شُرُوطِ عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه، على أهلِ الذِّمَّةِ، أن يَحْلِقُوا مَقادِمَ رُءُوسِهم؛ ليَتَمَيَّزُوا عن المسلِمين.
فمَنْ فَعَلَ ذلك فقد تَشَبَّه بهم، وقد نُهِيَ عن التَّشَبُّهِ بهم.
72 -
مسألة؛ قال: (ويَجِبُ الخِتانُ، ما لم يَخَفْه على نَفْسِه)
وجملةُ ذلك أنَّ الخِتانَ واجِبٌ على الرِّجالِ، ومَكْرُمَةٌ للنِّساءِ، وليس بواجبٍ عَلَيهِنَّ.
وهذا قولُ كثيرٍ مِن أهلِ العلم.
قال أحمدُ: والرجلُ أشَدُّ؛ وذلك أنَّه إذا لم يَخْتَتِنْ، فتلك الجِلْدَةُ مُدَلَّاةَ على الكَمَرَةِ، فلا يُنَقَّى ما ثَمَّ، والمرأةُ أهْوَن.
وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَجِبُ على المرأَةِ كالرجلِ.
قال أبو عبدِ اللهِ: وكان ابنُ عباسٍ يُشَدِّدُ في أمْرِه، ورُوِيَ عنه، لا حَجَّ له، ولا صلاةَ.
يَعني: إذا لم يَخْتَتِنْ.
ورَخَّص الحسنُ في تَرْكِه، وقال:1
..................................
قد أسْلَمَ الناسُ؛ الأسْوَدُ، والأَبْيَضُ، ولم يُفَتَّشْ أحدٌ مِنهم، ولم يَختَتِنُوا.
والدَّليلُ على وُجُوبِه ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لرجلٍ أسْلَمَ: «ألْقِ عَنْكَ شَعَرَ الكُفْرِ واخْتَتِنْ».
رواه أبو داوُدَ 1. وفي الحديثِ: «اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمنِ بَعْدَمَا أَتَتْ عليه ثَمانُونَ سَنَةً».
مُتَّفَقٌ عليه 2، واللَّفْظُ للبخاريِّ.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ 3. ولأنَّه مِن شِعارِ 4 المسلِمِين، فكانَ واجبًا، كسائِرِ شَعائِرِهم.
ولأنَّه يَجُوزُ كَشْفُ العَوْرَةِ والنَّظَرُ إليها 5 لأَجْلهِ [لغيرِ التَّداوي] 6، ولو لم يَكُنْ واجبًا، لما جازَ النَّظَرُ إلى العَوْرَةِ مِن أجْلِه، وهذا يَنْتَقِضُ بالمرأَةِ إذا قُلنا: لا يَجب عليها.
فإنَّه ليس واجبًا عليها، ويجوزُ كَشْفُ عَوْرَتِها مِن أجْلِه.
فَأمّا إن خافَ على نَفْسِه مِنه، سَقَط؛ لأنَّ الغُسْلَ والوُضوءَ، وما هو آكَدُ مِنه يَسْقُطُ بذلك.
فهذا أوْلَى.
..................................
فصل: ويُشْرَعُ الخِتانُ في حَقِّ النِّساءِ، لأنّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ» 1. فيه بَيانُ أنَّ النِّساءَ كُنَّ يَخْتَتِنَّ.
ورَوَى الخَلّالُ بإسْنادِه، عن شَدّادِ بنِ أوْسٍ، قال: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الخِتَانُ سُنَّةٌ للرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ» 2.
..................................
فصل: اخْتَلَف العلماءُ في وقتِ الخِتانِ، فقال مالكٌ: يُخْتَنُ يومَ أُسْبُوعِه.
وهو قولُ الحسنِ.
وقال أحمدُ: لم أسْمَعْ في ذلك شيئًا.
وقال
..................................
اللَّيثُ: الخِتانُ للغُلامِ ما بينَ سَبْع سِنِينَ إلى العَشْرَةِ.
ورَوَى مَكْحُولٌ، وغيرُه، أنَّ إبراهيمَ، عليه السَّلامُ، خَتَنَ إسحاقَ لسَبْعَةِ أيامٍ، وإسماعيلَ لثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.
ورُوى عن أبي جعفرٍ أنَّ فاطمةَ، عليها السَّلامُ، كانتْ
..................................
تَخْتِنُ وَلَدَها يومَ السَّابعِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ليس في بابِ الخِتانِ خَبَرٌ حتَّى يُرْجَعَ إليه، ولا سُنَّةٌ تُتبَّعَ، والأشياءُ على الإِباحَةِ.
قلتُ: ولا يَثْبُتُ في
وَيَتَيَامَنُ في سِوَاكِهِ وَطُهُورِهِ وَانْتِعَالِهِ وَدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ.
ذلك تَوْقِيتٌ، فمتى خَتَنَ قبلَ البُلوغِ كان مُصِيبًا.
واللهُ أعلمُ.
[وإنْ أخَّرَه حتَّى يُدْرِكَ، جازَ؛ لقول ابن عبَّاس: وكانوا لا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حتَّى يُدْرِكَ.
رواه البُخاريُّ] (1).
73 -
مسألة: (ويَتَيامَنُ في سِواكِه وطُهُورِه وانْتِعالِه، ودُخُولِه المسجِدَ)
لما رَوَت عائشةُ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كَان يُحبُّ التَّيَمُّنَ في تَنَعُّلِه،1
وَسُنَنُ الْوُضُوءِ عَشْرٌ؛ السِّوَاكُ، وَالتَّسْميَةُ،
وتَرَجُّلِه، وطُهُورِه، وفي شَأنِه كُلِّه.
مُتَّفَقٌ عليه (1). وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا انْتَعَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِاليُمْنَى، وإذَ خَلَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُسْرَى».
رواه الطَّبَرانِيُّ في «المُعْجَمِ الصَّغِيرِ» (2)، [وروَاه البخاريُّ بمعناه] (3). ولأنَّ عُثمانَ وعَلِيًّا وَصَفا وُضوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَبَدَأَ باليُمْنَى قبلَ اليُسْرَى.
رواه أبو داوُدَ (4).
74 -
مسألة: (وسُنَنُ الوُضُوء عَشْرٌ؛ السِّواكُ)
لما روَى أبو هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ1234
..................................
مَعَ كُلِّ وُضُوءِ بِسِوَاكٍ».
رواه الإمامُ أحمدُ 1. (والتَّسْمِيَةُ، وعنه أنَّها واجِبَةٌ مع الذِّكْرِ) وجملتُه أنَّ التَّسْمِيَةَ فيها رِوايتان؛ إِحْداهما، أنَّها واجِبةٌ في طَهاراتِ الحَدَثِ كُلِّها؛ الغُسْلِ، والوُضُوءِ، والتَّيَمِّمِ.
وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ، ومذهبُ الحسنِ، وإسحاقَ؛ لما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيهِ».
رواه أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ 2. ورَواه عن النبيِّ جماعةٌ مِن أصحابِه؛ مِنهم أبو سعيدٍ.
قال أحمدُ: حديثُ أبي سعيدٍ أحسنُ حديثٍ في الباب.
وهذا نَفْيٌ في نَكِرَةٍ، يَقْتَضِي أن لا يَصِحَّ وُضُوءُه بدُونِ التَّسْمِيَةِ.
وَالثانيةُ، أنَّها سُنَّة.
وهذا ظاهِرُ المذهبِ.
قال الخَلَّالُ: الَّذي اسْتَقَرَّتِ الرِّواياتُ عليه، أنَّه لا بَأْسَ به.
يَعني: إذا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ،
وَعَنْهُ، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ.
ومالكٍ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأي.
واخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، لأنَّها طَهارَةٌ فلا تَفْتَقِرُ إلى التَّسْمِيَةِ، كالطَّهارَةِ مِن النَّجاسَةِ، أو عِبادَةٌ، فلا تَجِبُ فيها التَّسْمِيَةُ كسائِرِ العِباداتِ.
والأحاديثُ، قال أحمدُ: ليس يَثْبُتُ في هذا حديثٌ، ولا أعْلَمُ فيها حديثًا له إسْنادٌ جَيِّدٌ.
وإن صحَّ ذلك فيُحْمَلُ على تَأكِيدِ الاسْتِحْبابِ، ونَفْي الكَمالِ بدُونِها، كقَوْلِه: «لا صَلاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلَّا في المَسْجِدِ» 1.
فصل: فإذا قُلْنا بوُجُوبِها فتَرَكَها عَمْدًا، لم تَصِحَّ طَهارَتُه، قياسًا على سائِرِ الواجِبِاتِ.
وإن نَسِيَها، فقال بعضُ أصحابِنا: لا تَسْقُطُ، قياسًا لها
..................................
على سائِرِ الواجِباتِ.
والصَّحيحُ أَنَّها تَسْقُطُ بالسَّهْو.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ، فإنَّه قال: سألتُ أحمدَ: إذا نَسِيَ التَّسْمِيةَ في الوُضُوءِ؟ قال: أرْجُو أن لا يَكُونَ عليه شيءٌ.
وهذا قولُ إسحاقَ.
ووَجْهُ ذلك قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ» 1. ولأنّ الوُضُوءَ عِبادَةٌ تَتَغايُر أفْعَالُها، فكانَ في واجِباتِها ما يَسْقُطُ بالسَّهْو كالصلاةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على سائِرِ واجِباتِ الطَّهارَةِ، لتَأَكُّدِ وُجُوبِها، بخلافِ التَّسْمِيَةِ.
فعلى هذا إذا ذَكَرَها في أثْناءِ طَهارَتِه، سَمَّى حيثُ ذَكَرَ، لأنَّه إذا عُفِىَ عنها مع السَّهْو في جُمْلَةِ الوُضُوءِ، ففي البَعْضِ أَوْلَى.
وإن تَرَكَها عَمْدًا حتَّى غَسَل عُضْوًا لم يُعْتَدَّ بغَسْلِه، لأنَّه لم يَذْكُرِ اسمَ اللهِ عليه.
وقال الشيخُ أَبو الفَرَجِ: إذا سَمَّى في أثناءِ الوُضُوءِ أجْزَأَه.
يَعني على كُلِّ حالٍ، لأنّه قد ذَكَرَ اسمَ اللهِ على وُضُوئِه.
والتَّسْمِيَةُ قولُ «بِسْمِ اللهِ»، لا يَقُومُ غيرُها مَقامَها، كالتَّسْمِيَةِ المَشْرُوعَةِ على الذَّبِيحَةِ، وعندَ الأَكْلِ والشُّرْب، ومَوْضِعُها بعدَ النِّيَّةِ، لتَكُونَ شامِلَةً لجميعِ أفعالِ الوُضُوءِ، ولتكونَ.
النِّيَّةُ شامِلَةً لها، كما يُسَمِّي على الذَّبِيحَةِ قبلَ ذَبْحِها.
وَغَسْلُ الْكَفَّينِ، إلا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيلِ، فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ.
75 - مسألة، قال: (وغَسْلُ الكَفَّين، إلا أن يَكُونَ قائِمًا مِن نومِ اللَّيلِ، ففي وجوبِه رِوايَتان)
وجملةُ ذلك أنَّ غَسْلَ اليَدَين إلى الكُوعَين سُنَّةٌ
..................................
في الوُضُوءِ، سَواءٌ قامَ مِن [نَوْمِ اللَّيلِ] 1 أو لم يَقُمْ، لأنَّ عُثمانَ وعَلِيًّا، وعبدَ اللهِ بنَ زيدٍ وَصَفُوا وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وذَكَرُوا أنَّه غَسَلَ كَفَّيه ثَلاثًا.
ولأنَّهما آلةُ نَقْلِ الماءِ إِلى الأعْضاءِ، ففي غَسْلِهما احْتِياطٌ لجَمِيعِ الوُضُوءِ.
وليس بواجِبٍ إذا لم يَقُمْ مِن النَّوْمِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فأمّا عندَ القِيامِ مِن نَوْمِ اللَّيلِ فاخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في وُجُوبِه، فرُويَ عنه وُجُوبُه، وهو الظَّاهِرُ عنهْ، واخْتِيارُ أبي بكرٍ.
وهو مذهبُ ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيرَةَ والحسنِ، لقَول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا اسْتَيقَظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلْيَغْسِلْ يَدَيهِ قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهُمَا الإِنَاءَ ثَلاثًا، فَإنَّ أحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ يَدُهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 2 والأمْرُ يَقْتَضِي
..................................
الوُجُوبَ.
ورُوِيَ عنه أنَّ ذلك مُسْتَحَبٌّ، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وقولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ، لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية 1.
وقال زيدُ بن أسْلَمَ في تَفْسِيرِها: إذا قُمْتُمْ مِن نَوْمٍ 2. أمَرَ بغَسْلِ الوَجْهِ عَقِيبَ القِيامِ إلى الوُضُوءِ، ولم يَذْكُرْ غَسْلَ الكَفَّين، والأمْرُ بالشيءِ يَقْتَضِي حُصُولَ الإِجْزَاءِ به.
ولأنّه قائِمٌ مِن نومٍ، أشْبَهَ القِيامَ 3 مِن نومِ النَّهارِ، والحديثُ مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ، لأنَّه عَلَّلَ بِوَهْمِ النَّجاسَةِ، وطَرَيانُ الشَّكِّ على يقينِ الطهارةِ لا يُؤَثِّرُ فيها، كما لو تَيَقَّنَ الطهارَةَ وشَكَّ في الحَدَثِ.
وهذا هو الصحيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى.
واللهُ أعلمُ.
وَالْبِدَايَةُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ، وَالْمُبَالغَةُ فِيهِمَا، إلا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا.
76 - مسألة؛ قال: (والبِدايةُ بالمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ، والمُبالغَةُ فيهما، إلَّا أن يَكُونَ صائِمًا)
البدايةُ بالمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ قبلَ غَسْلِ الوجْهِ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّ عُثمانَ وعَلِيًّا وعبدَ اللهِ بنَ زيدٍ ذَكَرُوا ذلك في صِفَةِ وُضُوءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، والمُبالغَةُ فِيهما سُنَّةٌ، والمُبالغَةُ في المَضْمَضَةِ: إدارَةُ الماءِ في أعماقِ الفَمِ وأقاصِيه، ولا يَجْعَلُه وَجُورًا 1 ثم يَمُجُّه، وإن ابْتَلَعَه جازَ؛ لأنّ الغَسْلَ قد حَصَل.
ومعنى المُبالغَةِ في الاسْتِنْشاقِ: اجْتِذابُ الماءِ بالنَّفَسِ إلى أقْصَى الأنْفِ، ولا يَجْعَلُه سَعُوطًا 2، وذلك لما روَى لَقِيطُ بنُ صَبِرَةَ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ،
..................................
أخْبِرْنِي عن الوُضُوءِ.
قال: «أسْبغِ الوُضُوءَ، وخَلِّلْ بَينَ الأصَابِعِ، وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أنْ تكُونَ صَائِمًا».
رواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 1، وقال: حديثٌ حسن صحيحٌ.
ثَبَتَ بذلك اسْتِحْبابُ المُبالغةِ في الاسْتِنْشاقِ، وقِسْنا عليه المَضْمَضَةَ، ولأنّه مِن جُمْلَةِ إسْباغِ الوُضُوءِ المأْمُورِ به.
وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ: هي واجِبَةٌ في الاسْتِنْشاقِ على غيرِ الصّائِمِ؛ للحديثِ المَذْكُورِ.
فأمّا الصّائِمُ فلا يُسْتَحَبُّ له المُبالغَةُ فيهما، لا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لما ذكرْناه مِن الحديثِ.
..................................
فصل: ويُسْتَحَبُّ المُبالغةُ في غَسْلِ سائِرِ الأعْضاءِ بالتَّخْلِيلِ، ودَلْكِ المَواضِعِ التي يَنْبُو عنها الماءُ، ويُسْتَحَبُّ مُجاوَزَةُ مَوْضِعِ الوُجُوبِ بالغَسْلِ، لما رَوَى نُعَيمٌ المُجْمِرُ، أنَّه رَأَى أبا هُرَيرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ويَدَيه حتَّى كادَ يَبْلُغُ المَنْكِبَين، ثم غَسَلَ رِجْلَيه حتَّى رَفَعَ إلى السَّاقَين، ثم قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُون يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ، فَمَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولمُسْلِمٍ 2 عنه، سمعتُ خَلِيلي - صلى الله عليه وسلم -، يقول: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ».
وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ
77 - مسألة؛ قال: (وتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ، وهو سُنَّةٌ)
ومِمَّن رُوِيَ عنه أنَّه كان يُخلِّلُ لِحْيَتَه ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباس.
ووَجْهُه ما رَوَى عثمانُ عن
..................................
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يُخَلِّلُ لِحْيَتَه.
رواه ابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ 1، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، أنّ النبيَّ كان إذَا تَوَضَّأَ، أَخَذَ كَفًّا مِن ماءٍ، فَجَعَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ وَخَلَّلَ بِه لِحْيَتَه، وقال: «هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي».
رواه أبو داوُدَ 2. وصِفَةُ التَّخْلِيلِ أنْ يُشَبِّكَ لِحْيَتَه بأصابِعِه ويَعْرُكَها، ولِمَا 3 رَوَى ابنُ عمرَ، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا تَوَضَّأَ عَرَكَ عارِضَيهِ بَعْضَ العَرْكِ، ثم شَبَكَ لِحْيَتَه بأصابِعِهِ مِن تَحْتِها.
رواه الدَّارَقُطْنِيُّ 4، وقال: الصَّوابُ أنَّه مَوْقُوفٌ على ابنِ عمرَ.
قال يعقوبُ: سأَلْتُ أحمدَ عن التَّخْلِيلِ، فأَرَانِي مِنْ تحت لِحْيَتِه، فخَلَّلَ بالأصابِعِ.
وقال حَنْبَلٌ: مِنْ تحتِ ذَقَنِه مِنْ أَسْفَلٍ الذَّقَنِ، يُخَلَّلُ جانِبَيْ لِحْيَتِه جميعًا بالماءِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَتَعَهَّدَ بَقِيَّةَ شُعُورِ وَجْهِه، ويَمْسَحَ مَآقِيَهُ؛ لِمَا روَى أبو داوُدَ 5، قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْسَحُ المَأْقَينِ.
وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ،
78 - مسألة: (وتَخْلِيلُ الأصابِعِ)
تَخْلِيلُ أصابِعِ اليَدَين والرِّجْلَين في الوُضُوءِ مَسْنُونٌ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - للَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ: «وَخَلِّلْ بَينَ الأصابِعِ» 1. وهو في الرِّجْلَين آكَدُ.
قال المُسْتَوْرِدُ بنُ شَدّادٍ: رأيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إذَا تَوَضَّأ دَلَكَ أصابِعَ رِجْلَيهِ بخِنْصَرِه.
رواه أبو داوُد 2. ويَبْدأْ في تَخْلِيلِ اليُمْنَى مِن خِنْصَرِها إلى إبْهامِها، وفي اليُسْرَى مِن إبْهامِها إلى خِنْصَرِها؛ ليَحْصُلَ له التَّيامُنُ في التَّخْلِيلِ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ، في اسْتِحْبابِ تَخْلِيلِ أصابِعِ اليَدَين رِوايَتَين؛ إحداهما، يُسْتَحَبُّ؛ لما ذكرْناه، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا تَوَضَّأتَ فَخَلِّلْ أصَابِعَ يَدَيكَ وَرِجْلَيكَ».
رواه التِّرْمِذِيُّ 3، وقال: حديثٌ حسنٌ.
والثانية، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّ تَفْرِيقَها يُغْنِي عن التَّخْلِيلِ، والأولَى أوْلَى.
وَالتَّيَامُنُ،
79 - مسألة؛ قال: (والتَّيامُنُ)
لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، فيما عَلِمْنا، في اسْتِحْبابِ البِدايَةِ باليُمْنَى، وأجْمَعُوا على أنّه لا إعادَةَ على مَن بَدَأَ بيَسارِه قبلَ يَمِينِه.
ووَجْهُ اسْتِحْبابِه حديثُ عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُعْجِبُه التَّيامُنُ في تَنَعُّلِه، وتَرَجُّلِه وطُهُورِه، وفي شَأنِه كُلِّه.
مُتَّفَقٌ عليه 1 وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا تَوَضّأْتُمْ فابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ».
رواه ابنُ ماجَه 2.
وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلأُذُنَينِ،
80 - مسألة؛ قال: (وأخْذُ ماءٍ جَدِيدٍ لِلأُذُنَينِ)
يَعنى أنَّه مُسْتَحَبٌّ، قال أحْمدُ: أنا أسْتَحِبُّ أن يَأْخُذَ لأُذُنِه ماءً جَدِيدًا.
يروَى ذلك عن ابنِ عمرَ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: ليس بمَسْنُونٍ.
وحَكاه أبو الخَطّابِ رِوايةً عن أحمدَ؛ لأنَّ الَّذي قالُوه غيرُ مَوْجُودٍ في الأخْبارِ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ».
رواه ابنُ ماجَة 1. ورَوَتِ الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ، والمِقْدامُ بنُ مَعْدِ يكَرِبَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَحَ برَأْسِه وأُذُنَيه مَرَّةً واحِدَةً.
رواه أبو داودَ 2. ووَجْهُ الأوَّلِ ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ.
وقد ذهَب الزُّهْرِيُّ إلى أنَّهما مِن الوَجْهِ.
..................................
وقال الشَّعْبِيُّ 1: ما أقْبَلَ مِنهما مِن الوَجْهِ، وظاهِرُهُما مِن الرَّأْسِ.
وقال الشافعيُّ وأبو ثَوْر: لَيسَتَا مِن الرَّأْسِ، ولا مِن الوَجْهِ.
ففي إفْرادِهِما بماءٍ جَدِيدٍ خُرُوجٌ مِن الخِلافِ، فكانَ أوْلَى.
فإنْ مَسَحَهُما بماءِ الرَّأْسِ أجْزأه؛ لما ذكرْناه مِن الحديثِ.
وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ، وَالثَّالِثَةُ.
81 - مسألة؛ قال: (والغسْلَةُ الثّانيةُ والثّالثةُ)
وذلك لما روَى عليٌّ، رَضِي اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ ثَلاثًا ثَلاثًا.
رواه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمِذِيُّ 1، وقال: هذا أحسنُ شيءٍ في البابِ وأصحُّ.
وليس ذلك
..................................
بواجب؛ لما روَى ابنُ عباسٍ، قال: تَوَضَّأ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّةً مَرَّةً.
رواه البُخارِيُّ 1. وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دعا بماءٍ، فتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرّةً، فقال: «هَذا وَظِيفَةُ الوُضُوءِ».
أو قال: «وُضُوءٌ، مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأهُ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلاةً».
ثم تَوَضَّأ مَرّتَينِ مَرَّتَينِ، ثم قال: «هَذَا وُضُوءٌ، مَنْ تَوَضَّأَهُ أعْطَاهُ اللهُ كِفْلَينِ مِنَ الأجْرِ».
ثم تَوَضّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فقال: «هذا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ المُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِي».
رواه ابنُ ماجَه 2.
بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ، وَصِفَتِهِ
وَفُروضُهُ سِتَّةٌ؛ غَسْلُ الْوَجْهِ، وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْهُ، وَغَسْلُ الْيَدَينِ.
وَمَسْحُ الرَّأْسِ، وَغَسْل الرِّجْلَينِ،
بابُ فَرْضِ الوُضُوءِ وصِفَتِه
(وفُرُوضُه سِتَّةٌ؛ غَسْلُ الوَجْهِ)، وهو فَرْضٌ بالإِجْماعِ، والأَصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (1).
82 -
مسألة؛ قال: (والفَمُ والأَنْفُ مِنه)
لدُخُولِهِما في حَدِّه على ما يَأْتِي.
83 -
مسألة؛ قال: (وغَسْلُ اليَدَينِ) -
وهو الفرضُ الثاني؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (1). 84 -
مسألة؛ قال: (ومَسْحُ الرَّأْسِ)
وهو الفرضُ الثالثُ.
(وغَسْلُ الرِّجْلَينِ) وهو الفرضُ الرابعُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ 1. لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ العلماء في وُجُوبِ غَسْلِ الوَجْهِ واليَدَين؛ لما ذكرْنا مِن النَّصِّ، وكذلك مَسْحُ الرَّأْسِ واجِبٌ بالإِجماعِ في الجُمْلَةِ، مع اخْتِلافِ الناس في قَدْرِ الواجِبِ مِنه.
فأمّا غَسْل الرِّجْلَينِ، فهو فَرْضٌ في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
قال
..................................
عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي لَيلَى 1: أجْمَعَ 2 أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على غَسْلِ القَدَمَينِ.
ورُوِيَ عن عليٍّ، أنَّه مَسَحَ على نَعْلَيه وقَدَمَيه، ثم دَخَلَ المَسْجِدَ، ثم خَلَعَ نَعْلَيه، ثم صَلَّى.
وحُكِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: ما أجِدُ في كتابِ الله إلَّا غَسْلَتَينِ ومَسبْحَتَين.
وحُكِيَ عن الشَّعْبِيِّ، أنَّه قال: الوُضُوءُ مَمْسُوحان ومَغْسُولان؛ فالْمَمْسُوحان يَسْقُطان في التَّيَمُّمِ.
وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، أنَّه ذُكِرَ له قولُ الحَجّاجِ: اغْسِلُوا القَدَمَين ظاهِرَهُما وباطِنَهُما، وخَلِّلُوا ما 3 بينَ الأصابعِ، فإنَّه ليس شيءٌ مِن ابنِ آدَمَ أقربَ إلى الخَبَثِ مِن قَدَمَيه.
فقال أنَسٌ: صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ الحَجّاجُ.
وتَلا هذه الآيةَ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ وحُكِيَ عن ابنِ جَرِيرٍ 4، أنَّه قال: هو مُخَيَّرٌ بينَ المَسْحِ والغَسْلِ 5. ولم نَعْلَمْ أحدًا مِن
..................................
أهلِ العلمِ قال بجَوازِ مَسْحِ الرِّجْلَين غيرَ مَنْ ذَكَرْنا، واحْتَجُّوا بظاهِرِ الآيَةِ، وبما روَى ابنُ عباسٍ، قال: تَوَضَّأَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فأدْخَلَ يَدَه في الإِناءِ، فتَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مَرَّةً واحدةً، ثم أدْخَلَ يَدَه، فصَبَّ على وَجْهِه مَرَّةً واحِدَةً، وصَبَّ على يَدَيه مَرَّةً مَرَّةً، ومَسَحَ برَأْسِه وأُذُنَيه مَرَّةً، ثم أَخَذَ كَفًّا مِن ماءٍ، فرَشَّ على قَدَمَيه وهو مُنْتَعِلٌ 1. رواه سعيدٌ.
ورَوَى سعيدٌ، عن هُشَيمٍ، أنبأنا يَعْلَى بنُ عَطاءٍ، عن أبيه، قال: أخْبَرَني أَوْسُ بنُ أوسٍ الثَّقَفِيُّ، أنَّه رأَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أتَى كِظامَةَ قومٍ 2 بالطَّائِفِ، فتَوَضَّأَ ومَسَحَ على قَدَمَيه 3. قال هُشَيم: كان هذا في أوَّلِ الإِسْلامِ.
ولَنا، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ وعثمانَ وَصَفا وُضُوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقالا: فغَسَلَ قَدَمَيه.
وفي حديثِ عثمانَ: ثم غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيه ثَلاثًا.
مُتَّفَقٌ عَلَيهما 4. وحَكَى عليٌّ وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ثم غَسَلَ
..................................
رِجْلَيه إلى الكَعْبَين، ثَلاثًا ثَلاثًا 1. وعن عمرَ، - رضي الله عنه -، أنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ، فتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ مِن قَدَمِه، فأَبْصَرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ».
فرَجَعَ ثم صَلَّى.
رواه مسلم 2. وعن عبد اللهِ بن عَمْرٍو، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى قومًا يَتَوَضَّئُونَ وأعْقَابُهُمْ تَلُوحُ 3، فقال: «وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
رواه مسلم 4. وقد = الغسل، وباب صفة مسح الرأس، من كتاب الطهارة.
المجتبى 1/ 61. وابن ماجه، في: باب المضمضة والاستنشاق من كف واحد، وباب ما جاء في مسح الرأس، من كتاب الطهارة.
سنن ابن ماجه 1/ 149، 150. والدارمي، في: باب الوضوء مرتين، وباب ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذ لرأسه ماءً جديدا، من كتاب الوضوء.
سنن الدارمي 1/ 180. والإمام مالك، في: باب العمل في الوضوء، من كتاب الطهارة.
الموطأ 1/ 18. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 38، 39، 41، 42. وحديث عثمان أخرجه البخاري، في: باب الوضوء ثلاثا، وباب المضمضة في الوضوء، من كتاب الوضوء.
وفي: باب سواك الرطب واليابس للصائم، من كتاب الصوم.
صحيح البخاري 1/ 51 - 53، 3/ 40. ومسلم، في: باب صفة الوضوء وكماله، من كتاب الطهارة.
صحيح مسلم 1/ 204، 205. والنسائي، في: باب المضمضة والاستنشاق، وباب حد الغسل، من كتاب الطهارة.
المجتبى 1/ 56، 57، 68. وابن ماجه، في: باب ثواب الطهور، من كتاب الطهارة.
سنن ابن ماجه 1/ 105. والدارمي، في: باب الوضوء ثلاثا، من كتاب الوضوء.
سنن الدارمي 1/ 176. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 58 - 61، 67، 68، 74.
..................................
ذَكَرْنا أمْرَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالتَّخْلِيلِ، وأنَّه كان يَعْرُكُ أصابِعَه بِخِنْصَرِه بَعْضَ العَرْكِ، وهذا كلُّه يَدُلُّ على وُجُوبِ الغَسْلِ؛ لأنَّ المَمْسُوحَ لا يَحْتاجُ إلى الاسْتِيعابِ والعَرْكِ.
وأمّا الآيةُ، فقد رَوَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه كان يَقْرأُ.
﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ 1. قال: عادَ إلى الغَسْلِ 2. ورُوِيَ عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ والشَّعْبِيِّ قِراءَتُها كذلك.
وهي قِراءةُ ابنِ عامِرٍ، فتَكُونُ مَعْطُوفةً على اليَدَينِ، ومَن قَرَأَ بالجَرِّ فللمُجاوَرَةِ، كقولِه تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ 3. جَرَّ أَلِيمًا، وهو صِفَةٌ للعَذابِ على المُجاوَرَةِ.
وقولِ الشّاعرِ 4:
فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَينِ مُنْضِجٍ … صَفِيفَ شِوَاءٍ أو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
فجَرَّ قَدِيرًا مع العَطْفِ للمُجاوَرَةِ.
وإذا احْتَمَلَ الأمْرَين وجَبَ الرُّجُوعُ إلى فِعْلِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، لأنّه مُبَيِّنٌ، يُبَيِّنُ بفِعْلِه تارَةً، وبقَوْلِه أُخْرَى.
ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في حديث عَمْرِو بنِ عَبَسَةَ 5: «ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ» 6 فثَبَتَ بهذا أنَّ الله تعالى إنَّما أمَرَه = ماجه 1/ 154. والدارمي، في: باب ويل للأعقاب من النار، من كتاب الطهارة.
سنن الدارمي 1/ 179. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 193، 201، 205، 211، 226.