الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 249-288

كِتَابُ الصَّدَاقِ

صفحات 249-288

وَإِنْ قَالَ: هُوَ عَقْدٌ وَاحِدٌ، أَسْرَرْتُهُ ثُمَّ أَظْهَرْتُهُ.
وَقَالَتْ: بَلْ هُوَ عَقْدَانِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا.

3297 - مسألة: (وإن قال: هو عَقْدٌ واحِدٌ، أسْرَرْتُهُ ثم أظْهَرْتُه. وقالت: بل هو عَقْدان. فالقولُ قوْلُها مع يَمِينِها)

لأَنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الثَّانىَ

..................................  عَقْدٌ صَحِيحٌ يُفِيدُ حُكْمًا كَالأَوَّلِ، ولها 1 المَهْرُ فِى العَقْدِ الثَّانِى إن كان دخَل بها، ونِصْفُ المَهْرِ فِى العَقْدِ الأَوَّلِ إنِ ادَّعَى سُقُوطَ نِصْفِهِ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، وإن أصَرَّ على الإِنْكارِ، سُئِلَتِ المرأةُ، فإنِ ادَّعَتْ أَنَّه دَخَل بها في النِّكاحِ الأَوَّلِ، ثم طَلَّقَها طلاقًا بائِنًا، ثم نِكَحَها نِكاحًا ثانِيًا، حَلَفَتْ على ذلك، واسْتَحَقَّتْ، وإن أقَرَّت بما يُسْقِطُ نِصْفَ المَهْرِ أو جميعَه، لَزِمَها ما أقَرَّتْ به.
فصل: إذا خَلا الرجلُ بامْرأتِه بعدَ العَقْدِ الصَّحِيحِ، اسْتَقَرَّ عليه مَهْرُها، ووَجَبَتْ عليها العِدَّةُ، وإن لم يَطَأ.
رُوِى ذلك عن الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وزيدٍ، وابنِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال علىُّ بنُ الحسينِ، وعُرْوَةُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وهو قولُ 2 الشافعىِّ القديمُ.
وقال شُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وطاوُسٌ، وابنُ سِيرِينَ، والشافعىُّ في الجديدِ: لا يَسْتَقِرُّ إلَّا بالوَطْءِ.
وحُكِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
ورُوِى ذلك عن أحمدَ، فرَوى عنه يَعْقُوبُ ابنُ بختانَ، أنَّه قال: إذا صَدَّقَتْه المرأةُ أنَّه لم يَطَأْها، لم يُكْمِلْ لها الصَّداقَ، وعليها العِدَّةُ.
وذلك لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 3. وهذه قد طَلَّقَها قبلَ أن يَمَسَّها.
وقال اللَّهُ

..................................  تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ 1. والإِفْضاءُ الجِماعُ.
ولأنَّها مُطَلَّقَةٌ لم تُمَسَّ، أشْبَهَتْ مَن 2 لم يُخْلَ بها.
ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ، فرَوى الإِمامُ أحمدُ، والأثْرَمُ، بإسْنادِهما، عن زُرَارَةَ بنِ أوْفَىِ، قال: قَضَى الخُلفاءُ الرَّاشِدُونَ المَهْدِيُّونَ، أنَّ مَن أغْلَقَ بابًا، أو أرْخَى سِتْرًا، فقد وَجَب المَهْرُ، وَوجَبَتِ العِدَّةُ 3. ورَواه أيضًا عن الأحْنَفِ، عن عمرَ، وعلىٍّ، وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وعن زيدِ 4 بنِ ثابتٍ: عليها العِدَّةُ، ولها الصَّداقُ كامِلًا 5. وهذه قَضايا اشْتَهَرتْ، ولم يُخالِفْهُم أحَدٌ في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا.
وما رَوَوْه 6 عن ابنِ عبَّاسٍ، لا يَصِحُّ.
قال أحمدُ: يَروِيه ليْثٌ، وليس بالقَوِىِّ، وقد رواه حَنْظَلَةُ خِلافَ ما رواه لَيْثٌ، وحَنْظَلَةُ أقْوَى من لَيْثٍ.
وحديثُ ابنِ مسعودٍ مُنْقَطِعٌ 7. قالَه ابنُ المُنْذِرِ.
ولأَنَّ التَّسْلِيمَ المُسْتَحَقَّ وُجِدَ من جِهَتِها، فيَسْتَقِرُّ به البَدَلُ، كما لو وَطِئَها، أو كما لو أَجَرَتْ دارَها،

..................................  [أو سَلَّمَتْها أو باعَتْها] 1. وأمَّا قولُه تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
فيَحْتَمِلُ أنَّه كَنَى [بالمُسَبَّبِ عن السَّبَبِ] 2 الذى هو الخَلْوَةُ، بدلِيلِ ما ذكَرْناه.
وأمَّا قولُه: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.
فقد حُكِىَ عن الفَرَّاءِ 3 أنَّه قال: الإِفْضاءُ الخَلْوةُ، دَخَل بها أو لم يَدْخُلْ.
لأَنَّ الإِفْضاءَ مَأْخُوذٌ مِن الفَضاءِ، وهو الخالِى، فكأنَّه قال: وقد خَلَا بعْضُكم إلى بعْضٍ.
فصل: وحكمُ الخَلْوةِ حُكْمُ الوَطْءِ، في تَكْمِيلِ المَهْرِ، وَوُجوبِ العِدَّةِ، وتَحْرِيمِ أُخْتِها وأرْبَعٍ سِواها إذا طَلَّقَها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها، وثُبُوتِ الرَّجْعَةِ له عليها في عِدَّتِها.
وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا رَجْعَةَ له عليها إذا أقَرَّ أنَّه لم يُصِبْها.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ 4. ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ مِن نِكاحٍ صَحيحٍ، لم يَنْفَسِخْ نِكاحُها، ولا كَمَل عَدَدُ طَلاقِها، ولا طَلَّقَها بعِوَضٍ، فكان له عليها الرَّجْعَةُ، كما لو أصابَها.
ولها عليه نَفَقةُ العِدَّةِ والسُّكْنَى؛ لأَنَّ ذلك لمَن لزَوْجِها عليها الرَّجْعةُ.
وتُفارِقُ الخَلْوَةُ الوَطْءَ في أنَّها لا تَثْبُتُ بها الإِباحةُ للزَّوْجِ المُطَلِّقِ ثلاثًا؛ لقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لامْرأةِ رِفاعَةَ القُرَظِىِّ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِى إلى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» 5.

..................................  ولا يَثْبُتُ بها الإِحْصانُ؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ لإِيجابِ الحَدِّ، والحُدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولا يجبُ الغُسْلُ؛ لأنَّها ليستْ مِن مُوجِباتِ الغُسْلِ إجْماعًا، ولا يَخْرُجُ بها مِن العُنَّةِ؛ لأَنَّ العُنَّةَ العَجْزُ عن الوَطْءِ، فلا تَزُولُ إلَّا بحَقِيقَتِه، ولا تحْصُلُ بها الفَيْئَةُ؛ لأنَّها الرُّجوعُ عمَّا حَلَف عليه وإنَّما حَلَف على تَرْكِ الوَطْءِ، ولأَنَّ حَقَّ المرأةِ لا يحْصُلُ إلَّا بيَقِينِ الوَطْءِ، ولا تَفْسُدُ بها العِباداتُ، ولا تَجِبُ بها الكفارَةُ.
وأمَّا تَحْرِيمُ الرَّبِيبَةِ، فعن أحمدَ، أنَّه 1 يَحْصُلُ بالخَلْوَةِ.
وقال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: لا تُحَرِّمُ.
وحَمَل القاضى كلامَ أحمدَ على أنَّه حَصَل مع الخَلْوَةِ نَظَرٌ أو مُباشَرَةٌ، فيُخَرَّجُ كلامُه على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، أنَّ ذلك يُحَرِّمُ.
والصَّحِيحُ أنَّها لا تُحَرِّمُ؛ لقول اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ 2. والدُّخَولُ كِنايَة عن الوَطْءِ، والنَّصُّ صريحٌ في إباحَتِها بدُونِه، فلا يَجوزُ خِلافُه.
فصل: وسَواءٌ في ذلك الخَلْوَةُ بها وهما مُحْرِمانِ، أو صَائِمانِ، أو حائِضٌ، أو سَالِمانِ مِن [هذه الأشْياءِ.
هكذا ذَكَره الخِرَقِىُّ.
واختلفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فيما إذا كان بهما أو بأحدِهما مانعٌ مِن] 3 الوَطْءِ شَرْعِىٌّ، كالإِحْرامِ والصِّيامِ والحَيْضِ والنِّفاسِ، أو حَقِيقىٌّ، كالجَبِّ

..................................  والعُنَّةِ، والرَّتَقِ في المرأةِ، فعنه أنَّ الصَّداقَ يَسْتَقِرُّ بكلِّ حالٍ.
وبه قال عَطاءٌ، وابنُ أبى ليْلَى، والثَّوْرِىُّ؛ لعُمُومِ ما ذكَرْناه مِن الإِجْماعِ.
وقال عمرُ، في العِنِّينِ: يُؤَجَّلُ سَنَةً، فإن وَطِئَها، وإلَّا أَخذَتِ الصَّداقَ كامِلًا، وفُرِّقَ بينَهما، وعليها العِدَّةُ 1. ولأَنَّ التَّسْلِيمَ المُسْتَحَقّ عليها قد وُجِدَ، وإنَّما الحَيْضُ والإِحْرامُ والرَّتَقُ مِن غيرِ جِهَتِها، فلا يُؤَثِّرُ في المَهْرِ، كما لا يُؤثِّرُ في إسْقاطِ النَّفَقَةِ.
ورُوِى أنَّه لا يَكْمُلُ الصَّداقُ.
وهو قولُ شرَيْحٍ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه لم يتَمَكَّنْ مِن تَسَلُّمِها، فلم يَجبْ عليه مَهْرُها، كما لو مَنعَتْ [تَسْلِيمَ نَفْسِها إليه] 2، يُحَقِّقُه أنَّ المنعَ مِنَ التًّسْلِيمِ لا فَرْقَ بينَ كَوْنِه مِن أجْنَبِىٍّ أو مِنَ العاقِدِ، كالإِجارَةِ.
وعنه رِوايةٌ ثالثةٌ: إن كانا صائِمَين صَوْمَ رَمضانَ، لم يَكْمُلِ الصَّداقُ، وإن كان غيرَه، كَمَل 3. قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ، وسُئِلَ عن رَجُلٍ دَخَل على أهْلِه، وهما صائمانِ في غيرِ شهرِ رمضانَ، فأغْلَقَ البابَ، وأرْخَى السِّتْرَ؟ قال: وَجَب الصَّداقُ.
قيل لأحمدَ: فشَهْرُ رَمضانَ؟ قال: شَهْرُ رمضانَ خِلافٌ لهذا.
قيل له: فكان مُسافِرًا في رَمضانَ؟ قال: هذا مُفْطِرٌ.
يعنى وَجَب الصَّداقُ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه متى كان المانِعُ مُتأكِّدًا، كالإِحْرامِ وصَوْمِ رَمضانَ، لم يَكْمُلِ الصَّداقُ.
وقال القاضى: إن كان المانِعُ لا يَمْنَعُ دَواعِىَ الوَطْءِ؛ كالجَبِّ، والعُنَّةِ، والرَّتَقِ، والمرَضِ، والحَيْضِ، والنِّفاسِ، وَجَب الصَّداقُ،

..................................  وإن كان يَمْنَعُ دَوَاعِيَه؛ كالإِحْرامِ، وصِيامِ الفرْضِ، فعلى رِوايَتَيْن.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان المانِعُ مِن جِهَتِها، لم يَسْتَقِرَّ الصَّداقُ، وإن كان مِن جهَتِه، كصِيامِ فرْضٍ من أو إحرامٍ، لم يَسْتَقِرَّ الصَّداقُ 1 أيضًا، وإن كان [جَبًّا أو عُنَّةً] 2، كَمَل الصَّداقُ؛ لأَنَّ المَنْعَ 3 مِن جِهَتِه، وذلك لا يَمْنَعُ وُجُودَ التَّسْلِيمِ المُسْتَحَقِّ منها 4، فكَمَلَ حَقّها، كما تَلْزَمُ الصَّغِيرَ نَفَقَةُ امْرأتِه إذا سُلِّمَتْ إليه.
فصل: فإن خَلا بها وهى صغيرةٌ لا يُمْكِنُ وَطْؤُها، أو كانت كبيرةً فمَنَعَتْه نَفْسَها، أو كان أعْمَى فلم يَعْلمْ بدُخُولِها عليه، لم يَكْمُلْ صَداقُها.
نَصَّ عليه أحمدُ في المَكْفُوفِ يتَزَوَّجُ المرأةَ، فأُدْخِلَتْ عليه، فأُرْخِىَ السِّتْرُ، وأُغْلِقَ البابُ: فإن كان لا يَعْلَمُ بدُخولِها عليه، فلها نِصْفُ الصَّداقِ.
وأوْمأَ إلى أنَّها إذا نَشَزَتْ عليه، ومَنَعَتْه نَفْسَها، لا يَكْمُلُ صَداقُها.
وذكَرَه ابنُ حامِدٍ.
وذلك لأنَّه لم يُوجَدِ التَّمْكِينُ مِن جِهَتِها، فأَشْبَهَ ما لو لم يَخْلُ بها.
وكذلك لو خَلا بها وهو طِفْلٌ لا يتمَكَّنُ مِن الوَطْءِ، لم يَكْمُلِ الصَّداقُ؛ لأنَّه في مَعْنَى الصَّغيرةِ في عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِن الوَطْءِ.
فصل: فإنِ اسْتَمْتَعَ، بامْرأتِه بمُباشَرَةٍ فيما دُونَ الفَرْجِ، من غيرِ خَلْوَةٍ، كالقُبْلَةِ ونحوِها، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه يَكْمُلُ به الصَّداقُ؛

..................................  فإنَّه قال 1: إذا أخَذَها فَمَسَّها 2، وقَبَض عليها مِن غيرِ أن يَخْلُوَ بها، لها الصَّداقُ كامِلًا إذا نال منها شيئًا لا يَحِلُّ لغيرِه.
وقال في روايةِ مُهَنَّا: إذا تزَوَّجَ امرأةً، ونَظَر إليها وهى عُرْيانَةٌ تَغْتَسِلُ، أُوجِبُ عليه المَهْرَ.
ورَواه عن إبراهيمَ: إذا اطَّلَعَ منها على ما يَحْرُمُ على غيرِه، فعليه المَهْرُ؛ لأنَّه نوْعُ اسْتِمْتاعٍ، فهو كالقُبْلَةِ.
قال القاضى: يَحْتَمِلُ أنَّ هذا يَنْبَنِى على ثُبوتِ تَحْرِيمِ المُصاهَرَةِ بذلك، وفيه رِوايتانِ، فيكونُ في تَكْمِيلِ الصَّداقِ به وَجْهان؛ أحدُهما، يَكْمُلُ به الصَّداقُ؛ لما رَوى الدَّارَقُطْنِىُّ 3، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ 4 ثَوْبانَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن كَشَفَ خِمَارَ امْرَأَةٍ، وَنَظَرَ إلَيْهَا، وَجَبَ الصَّدَاقُ، دَخَلَ بِها أَوْ لَمْ يَدْخُلْ».
ولأنَّه مَسِيسٌ، فيدْخُلُ في قولِه: ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾.
ولأنَّه اسْتِمْتَاعٌ بامْرأتِه، فَكَمَلَ به الصَّداقُ، كالوَطْءِ.
والوَجْهُ الآخَرُ، لا يَكْمُلُ به الصَّداقُ.
وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لأَنَّ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾.
إنَّما أُرِيدَ به في الظَّاهِرِ الجِماعُ، ومُقتَضَى قولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
أن لا يَكْمُلَ الصَّداقُ لغيرِ مَن وَطِئَها، ولا تَجِبَ عليها العِدَّةُ، تُرِكَ عُمُومُه في مَنْ خَلَا 5 بها

فَصْلٌ فِى الْمُفَوّضَةِ: وَالتَّفْوِيضُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ تَفْوِيضُ الْبُضْعِ، وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ، أَو تأْذَنَ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا فِى تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ.
وَتَفْوِيضُ الْمَهْرِ، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَا شَاءَتْ أَوْ شَاءَ أَجْنَبِىٌّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالعَقْدِ.
للإِجْماعِ الواردِ عن الصَّحابَةِ، فيَبْقَى فيما عَداه على مُقْتَضى العُمُومِ.

فصلٌ في المُفَوّضَةِ:

قال الشَّيخُ، رَحِمه اللَّهُ: (والتَّفْوِيضُ على ضَرْبَيْنِ؛ تَفْويضُ البُضْعِ، وهو أن يُزَوِّجَ الأبُ ابْنَتَه البِكْرَ، أو تَأْذَنَ المرأةُ لِوَلِيِّها في تَزْوِيجِها بغيرِ مَهْرٍ.
و) الثانى (تفْوِيضُ المَهْرِ، وهو أن يتَزَوَّجَها على ما شاءَتْ) أو شاءَ (أو شاءَ أجْنَبِىٌّ، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ) يَصِحُّ النِّكاحُ مِن غيرِ تَسْمِيَةِ صَداقٍ، في قولِ عامَّةِ أهلٍ العلمِ، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ 1. ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه سُئِلَ عن امرأةٍ تزَوَّجَها رَجُلٌ، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، ولم يَدْخُلْ بها حتى مات؟ فقال ابنُ مسعودٍ: لها صَداقُ نِسائِها، لا وَكْسٌ ولا شَطَطٌ، وعليها العِدَّةُ، ولها المِيراثُ.
فقام مَعْقِلُ بنُ سِنَانٍ الأشْجَعِىُّ، فقال: قَضى رسولُ اللَّه

..................................  - صلى اللَّه عليه وسلم- في بَرْوَعَ بنتِ وَاشِقٍ، امرأةٍ مِنَّا، مثلَ ما قَضَيْتَ.
روَاه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ 1، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
ولأَنَّ القَصْدَ مِن النِّكاحِ الوُصْلَةُ والاسْتِمْتاعُ دُونَ الصَّداقِ، فصَحَّ مِن غيرِ ذِكْرِه، كالنَّفقَةِ.
وسواءٌ تَرَكا ذِكْرَ المَهْرِ، أو شَرَطا نَفْيَه، مثلَ أن يقولَ: زَوَّجْتُكَ بغيرِ مَهْرٍ.
فيقْبَله كذلك.
ولو قال: زَوَّجْتُكَ بغيرِ مَهْرٍ في الحالِ، ولا في الثانى.
صَحَّ أيضًا.
وقال بعضُ الشافعيَّةِ: لا يَصِحُّ في هذه الصُّورَةِ؛ لأنَّها تكونُ كالمَوْهُوبَةِ 2. وليس بصَحِيحٍ، [فإنَّه يَصِحُّ] 3 فيما إذا قال: زَوَّجْتُكَ بغيرِ مَهْرٍ.
فيَصِحُّ ههُنا؛ لأَنَّ مَعْناهما واحدٌ، فما صَحَّ في إحْدَى الصُّورَتَيْن المُتَساوِيتَيْن، صَحَّ في الأُخْرَى.
وليست كالمَوْهُوبَةِ 4، لأَنَّ الشَّرْطَ يَفْسُدُ، ويَجِبُ المَهْرُ.
وقد ذكَرْنا أنَّ المُزَوَّجَةَ بغيرِ مَهْرٍ تسَمَّى مُفَوّضَةً، بكَسْرِ الواوِ وفَتْحِها، فمَنْ كَسَر أضافَ الفِعْلَ إليها 5 على أنَّها فاعِلةٌ، ومَن فَتَح أضافَه إلى وَلِيِّها.
ومعنى التَّفْوِيضِ الإهْمالُ، كأنَّها أهْمَلَتْ أمْرَ المَهْرِ، حيث لم تُسَمِّه.
قال الشَّاعِرُ 6: لا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لا سَراةَ لهم … ولا سَراةَ إذَا جُهَّالُهم سَادُوا

وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ،  يعنى مُهْمَلِين.
والذى، ذكَرَه الخِرَقِىُّ تَفْوِيضُ البُضْعِ، وهو الذى يَنْصَرِفُ إليه إطْلاقُ (1) التَّفْويضِ.
والضَّرْبُ الثانى، تَفْوِيضُ المَهْرِ، وهو أن يَجْعَلا الصَّداقَ إلى رأْىِ أحَدِهما، أو رَأْىِ أجْنَبِىٍّ، فيقول: زَوَّجْتُكَ على ما شِئْتَ -أو- على حُكْمِكَ -[أو- حُكْمِى] (2) -أو- حُكمِها -أو- حُكْمِ أجْنَبِىٍّ.
ونحوه.
فهذه لها مَهْرُ المِثْلِ، في ظاهرِ كلامِ الخِرَقِىِّ (3)؛ لأنَّها لم تُزَوِّجْ نَفْسَها إلَّا بصَداقٍ، لكنَّه مَجْهولٌ، فسَقَطَ لجَهَالَتِه، ووَجَب مَهْرُ المِثْلِ.
والتَّفْوِيضُ الصَّحِيحُ أن تَأْذَنَ المرأةُ الجائِزَةُ الأمْرِ لوَلِيِّها في تَزْوِيجِها بغيرِ مَهْرٍ، أو بتَفْوِيضِ قَدْرِه، أو يُزَوِّجَها أبُوها كذلك.
فأمَّا إن زوَّجَها غيرُ أبِيها ولم يَذْكُرْ مَهْرًا، بغيرِ إذْنِها في ذلك، فإنَّه يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ.
قال الشَّافعىُّ: لا يكونُ التَّفْويضُ إلَّا الصُّورَةَ الأُولَى.
وقد مَضَى الكلامُ معه في أنَّ (4) للأبِ أن يُزَوِّجَ ابْنَتَه بدُونِ صَداقِ مِثْلِها، فكذلك (5) يَجوزُ تَفْوِيضُه.

3298 -

مسألة: (ولها المُطالَبَةُ بِفَرْضِهِ)

[قبلَ الدُّخولِ، فإنِ] 21345

فَإِنْ فَرَضَهُ الْحَاكِمُ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمِقْدَارِهِ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى فَرْضِهِ، جازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ،  [امْتَنَعَ أُجْبِرَ عليه] 1؛ لأَنَّ النِّكاحَ لَا يَخْلُو مِن المَهْرِ، فَوَجَب لَها الْمُطالَبَةُ بِبَيانِ قَدْرِهِ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
ولا نعلمُ فيه 2 مُخالِفًا.
فإنِ اتَّفَق الزَّوْجان على فَرْضِه، جازَ ما فَرَضاه، قَلِيلًا كان أو كثيرًا، [سَواءٌ كانا] 3 عالِمَيْنِ بمَهْرِ المِثْلِ أو لا.
وقال الشافعىُّ في [قَولِ له] 4: لا يَصِحُّ الفَرْضُ لغيرِ 5 مَهْرِ المِثْلِ إلَّا مع عِلْمِها بمَهْرِ المِثْلِ؛ لأَنَّ ما يَفْرِضُه بَدَلٌ عن مَهْرِ المِثْلِ، فيَحْتاجُ أن يكونَ المُبْدَلُ مَعْلُومًا.
ولَنا، أنَّه إذا فَرَض لها كثيرًا، فقد بَذَل لها مِن مالِه فوقَ ما يَلْزَمُه، وإن رَضِيَتْ باليَسِيرِ، فقد رَضِيَتْ بدُونِ ما يَجِبُ لها، فلا يُمْنَعُ مِن ذلك.
قولُهم: إنَّه بَدَلٌ.
لا يَصِحُّ، فإنَّ البَدَلَ غيرُ المُبْدَلِ، والمَفْروضُ إن كان ناقِصًا فهو بعْضُه، وإن كان أكثرَ 6 فهو الواجِبُ وزِيادَةٌ، ولا يَصِحُّ جَعْلُه بَدَلًا،

..................................  ولو كان بَدَلًا لَما جازَ مع العِلْمِ؛ لأنَّه يُبْدِلُ ما فيه الرِّبا 1 بجِنْسِه مُتَفاضِلًا، وقد رَوى عُقْبَةُ بنُ عامرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-[لرَجُلٍ: «أتَرْضَى أَنَّى أزَوِّجُكَ فُلَانةَ؟» قال: نعم.
وقال للمرأةِ: «أَتَرْضَيْنَ أن أَزَوِّجَكِ فُلَانًا؟»] 2 قالت: نعم.
فزَوَّجَ أحَدَهما بصاحبِه، فدَخَلَ عليها، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، فلمَّا حَضَرَتْه الوَفاةُ قال: إنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- زَوَّجَنِى فُلانَةَ، ولم يَفْرِضْ لها صَداقًا، ولم أُعْطِها شيئًا، وإنى قد أعْطَيْتُها عن صَداقِها سَهْمِى الذى بخَيْبَرَ.
فأخَذَت سَهْمَه، فباعَتْه بمائةِ ألْفٍ 3. فأمَّا إن تَشاحَّا فيه، ففَرَضَ لها مَهْرَ مِثْلِها أو أكثرَ منه، فليس لها المُطالَبَةُ بسِواه.
فإن لم تَرْضَ به، لم يَسْتَقِرَّ لها حتى تَرْضاه.
فإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، فليس لها إلَّا المُتْعَةُ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ لها بفَرْضِه ما لم تَرْضَ به، كحالةِ الابْتِداءِ.
وِإن فَرَض لها أقَلَّ مِن مَهْرِ المِثْلِ، فلها المُطالَبَةُ بتَمامِه، ولم يَثْبُتْ لها بفَرْضِه 4 ما لم تَرْضَ به.
فإنِ ارْتَفَعا إلى الحاكمِ، فليس له أن يَفْرِضَ لها إلَّا مَهْرَ المِثْلِ؛ لأَنَّ الزِّيادةَ مَيْلٌ عليه،

..................................  والنُّقْصانَ مَيْلٌ عليها، ولا يَحِلُّ المَيْلُ، ولأنَّه إنَّما يَفْرِضُ 1 بَدَلَ البُضْعِ، فيُقَدَّرُ بقَدْرِه، كالسِّلْعَةِ إذا تَلِفَتْ، يُرْجَعُ إلى تَقوِيمِها [بما يَقولُه] 2 أهلُ الخِبْرَةِ.
ويُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ مَهْرِ المِثْلِ ليُتَوَصَّلَ إلى إمْكانِ فَرْضِه.
ومتى صَحَّ الفَرْضُ صارَ كالمُسَمَّى في العَقْدِ، في أنَّه يتَنَصَّفُ بالطَّلاقِ، ولا تجبُ المُتْعَةُ معه.
ويَلْزَمُها ما فرَضَه الحاكمُ، سواءٌ رَضِيَتْ به أو لم تَرْضَ، كما يَلْزَمُ ما حَكَم به.
فصل: وإن فَرَض لها أجْنَبِىٌّ مَهْرَ مِثْلِها فرَضِيَتْه، لم يَصِحَّ فَرْضُه 3، وِكان وُجُودُه كعَدَمِه؛ لأنَّه ليس بزَوْجٍ ولا حاكمٍ.
فإن سَلَّمَ إليها ما فرَض لها فرَضِيَتْه، احْتَمَلَ أن لا (3) يَصِحَّ؛ لما ذكَرْنا، ويكونُ حُكْمُها حُكْمَ مَن لم يُفْرَضْ 4 لها، ويَسْتَرْجِعُ ما 5 أعْطاهَا؛ لأَنَّ تَصَرُّفَه ما صَحَّ، ولا بَرِئَتْ به ذِمَّةُ الزَّوْجِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه يَقومُ [مَقامَ الزَّوجِ] 6 في قَضاءِ المُسَمَّى، فيقومُ مَقامَه في قَضاءِ ما يُوجِبُه العَقْدُ غير المُسَمَّى.
فعلى هذا، إذا طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخولِ، رَجَع نِصْفُه إلى الزَّوْجِ؛ لأنَّه مَلَّكَه

..................................  إيَّاه حينَ قَضَى به دَيْنًا عليه، فيَعُودُ إليه، كما لو دَفَعَه هو.
ولأصْحابِ الشافعىِّ مثلُ هذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، ولهم وَجْهٌ ثالثٌ، أنَّه يَرْجِعُ نِصْفُه 1 إلى الأجْنَبِىِّ.
وذكَرَه القاضى لنا وَجْهًا ثالثًا.
قال شيْخُنا 2: وقد ذكَرْنا ما يَدُلُّ على صِحَّةِ ما قُلْناه.
ولو أنَّ رَجُلًا قَضَى المُسَمَّىِ عنِ الزَّوْجِ، صَحَّ، ثم إن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رَجَع نِصْفُه إليه، وإن فسَختْ نِكاحَ نَفْسِها بفِعْلٍ مِن جِهَتِها، رَجَع جميعُه إليه.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يَرْجِعُ إلى مَن قَضَاه.
فصل: ويَجِبُ المَهْرُ للمُفَوّضةِ بالعَقْدِ، وإنَّما يَسْقُطُ إلى المُتْعَةِ بالطَّلاقِ.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ.
واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ؛ فمنهم مَن قال: الصَّحِيحُ أنَّه يجبُ بالعَقْدِ.
وقال بعضُهم: لا يجبُ بالعَقْدِ، قولًا واحدًا، ولا يَجِئُ على أصلِ الشافعىِّ غيرُ هذا؛ لأنَّه لو وَجَب بالعَقْدِ لَتَنَصَّفَ بالطَّلاقِ، كالمُسَمَّى في العَقْدِ.
ولَنا، أنَّها تَمْلِكُ المُطالَبَةَ به، فكان واجِبًا، كالمُسَمَّى، ولأنَّه لو لم يَجِبْ بالعَقْدِ، لَما اسْتَقَرَّ بالموتِ، كما في العَقْدِ الفاسدِ، ولأَنَّ النِّكاحَ لا يجوزُ أن يَخْلُوَ عن المَهْرِ، والقَوْلُ بعَدَمِ وُجوبِه يُفْضِى إلى خُلُوِّه عنه، وإلى أنَّ النِّكاحَ انْعَقَدَ صَحِيحًا ومَلَكَ الزَّوْجُ الوَطْءَ ولا مَهْرَ فيه، وإنَّمَا لم يَتَنَصَّفْ لأَنَّ اللَّه تعالى نَقَل غيرَ المُسَمَّى لها بالطَّلاقِ إلى المُتْعَةِ، كما نَقَل مَن 3 سُمِّى لها إلى

..................................  نِصْفِ المُسَمَّى لها 1. فعلى هذا، لو فَوَّض الرجلُ مَهْرَ أمَتِه، ثم أعْتَقَها أو باعَها، ثم فُرِضَ لها المَهْرُ، كان لمُعْتِقِها أو بائِعِها، لأَنَّ المَهْرَ وَجَب بالعَقْدِ في مِلْكِه.
ولو فَوَّضَتِ المرأةُ نَفْسَها، ثم طالَبَتْ بفرْضِ مَهْرِها بعدَ تَغيُّرِ 2 مَهْرِ مِثْلِها، أو دَخَل بها، لَوَجَب مَهْرُ مِثْلِها حالةَ العَقْدِ؛ لِما ذكَرْناه.
ووَافَقَ أصْحابُ الشافعىِّ على ذلك؛ لأَنَّ الوُجوبَ يَسْتَنِدُ إلى حالةِ العَقْدِ، إلَّا في الأمَةِ التى أعْتَقَها أو باعَها، في أحدِ الوَجْهَيْنِ.
فصل: يجوزُ الدُّخولُ بالمرأةِ قبلَ إعْطائِها شيئًا، سواءٌ كانت مفَوّضةً أو مُسَمًّى لها.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ.
ورُوِى عن ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ: لا يَدخُلُ بها حتى يُعْطِيَها شيئًا 3. قال الزُّهْرِىُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أن لا يَدْخُلَ بها حتى يُعْطِيَها شيئًا.
قال ابنُ عبَّاسٍ: يَخْلَعُ إحدَى نَعْلَيْه، ويُلْقِيها إليها 4. ورَوى أبو داودَ 5، بإسْنادِه، عن رَجُلٍ مِن أصْحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ عَلِيًّا لمَّا تَزَوَّجَ فاطمةَ، أرادَ أن يدْخُلَ بها، فمَنَعَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى يُعْطِيَها شيئًا، فقال: يا رسولَ اللَّه،

..................................  ليس لى شئٌ.
فقال: «أعْطِها دِرْعَكَ».
فأعْطاهَا دِرْعَه، ثم دَخَل بها.
ورَواه ابنُ عبَّاسٍ أيضًا، قال: لَمَّا تَزَوَّجَ علىٌّ فاطمةَ، قال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أعْطِها شَيْئًا».
قال: ما عندِى.
قال: «أعْطِها دِرْعَكَ الحُطَمِيَّةَ 1». رواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ 2. ولَنا، حديثُ عُقْبَةَ بنِ عامرٍ، في الذى زوَّجَه النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ودَخَل بها، ولم يُعْطِها شيئًا 3. ورَوَتْ عائشةُ، قالتْ: أمَرَنِى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن أُدْخِلَ امرأةً على زَوْجِها قبلَ أن يُعْطِيَها شيئًا.
روَاه ابنُ ماجَه 4. ولأنَّه عِوَضٌ في عَقدِ مُعاوَضةٍ، فلم يَقِفْ جَوازُ تَسْلِيمِ المُعَوَّضِ على قَبْضِ شئٍ منه، كالثَّمَنِ في البَيْعِ، والأُجْرَةِ في الإِجارَةِ.
وأمَّا الأخْبارُ فمَحْمُولَةٌ على الاسْتِحْباب، فإنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُعْطِيَها قبلَ الدُّخولِ شيئًا، مُوافَقةً للأَخْبارِ، ولعادةِ النَّاسِ فيما بينَهم، ولِتَخْرُجَ المُفَوّضةُ عن شِبْهِ المَوْهُوبَةِ، وليكونَ ذلك أقْطَعَ للخُصُومَةِ.
ويُمْكِنُ حَمْلُ قولِ ابنِ عبَّاسٍ ومَن وافَقَه على الاسْتِحْبابِ، فلا يكونُ بينَ القَوْلَيْنِ فَرْقٌ.
واللَّه أعلمُ.

وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الإِصَابَةِ، وَرِثَهُ صَاحِبُهُ، وَلَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِالْمَوْتِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَرَضَهُ لَهَا.

3299 - مسألة: (وَإن مات أحدُهما قبلَ الإِصابَةِ، وَرِثَةُ صاحِبُه، ولها مَهْرُ نِسائِها)

إذا مات أحدُهما قبلَ الإِصابَةِ، وقبلَ الفَرْضِ، فلِلْآخَرِ المِيراثُ، بغيرِ خلافٍ فيه؛ فإنَّ اللَّه تعالى فَرَض لكلِّ واحدٍ مِن الزَّوْجَيْنِ فَرْضًا، وعَقْدُ الزَّوْجِيَّةِ 1 ههُنا صَحِيحٌ ثابتٌ، فيُورَثُ به؛ لدُخولِه في عُمُوم النَّصِّ.
فصل: (ولها مَهْرُ نِسائِها.
وعنه، أنَّه يتَنَصَّفُ بالموتِ، إلَّا أن يكونَ قد فَرَضَه لها) ظاهِرُ المذهبِ أنَّ لها مَهْرَ نِسائِها.
وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
وإليه ذهب ابنُ مسعودٍ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبى ليْلَى،

..................................  والثَّوْرِىّ، وإسْحاقُ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ 1، وابنِ عمرَ، والزُّهْرِىِّ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، والأوزاعِىِّ: لا مَهْرَ لها، لأنَّها فُرْقَةٌ وَرَدَتْ على تَفْوِيضٍ صَحِيحٍ قبلَ فَرْض ومسِيسٍ، فلم يَجِبْ بها مَهْرٌ، كفُرْقَةِ الطَّلاقِ.
وقال أبو حنيفةَ كقَوْلِنا في المُسْلِمةِ، وكقَوْلِهم في الذِّمِّيَّةِ.
وعن أحمدَ روايةٌ أُخْرَى، لا يَكْمُلُ، ويَتَنَصَّفُ إذا لم يكُنْ فَرَضَه لها، لأَنَّ المَفْرُوضَ لها تُخالِفُ التى لم يُفرَضْ لها في الطَّلاقِ، فجازَ أن تُخالِفَها بعدَ الموتِ.
وللشافعىِّ قَوْلانِ، كالرِّوايتيْنِ.
ولَنا، ما رُوِى [أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه] 2، قَضَى لامرأةٍ لم يَفْرِضْ لها زَوْجُها صَداقًا، ولم يَدْخُلْ بها حتى ماتَ، فقال: لها صَداقُ نِسائِها، لا وَكْسٌ ولا شَطَطٌ،

..................................  وعليها العِدَّةُ، ولها المِيراثُ.
فقام مَعْقِلُ بن سِنَانٍ الأشْجَعِىُّ، فقال: قَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في بَرْوَعَ بنتِ وَاشِقٍ مثلَ ما قَضَيْتَ 1. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وهو نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ.
ولأَنَّ الموْتَ مَعْنًى يَكْمُلُ به المُسَمَّى، فكَمَلَ به مَهْرُ المِثْلِ للمُفَوّضةِ، كالدُّخولِ.
وقياسُ الموتِ على الطَّلاقِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الموتَ يتمُّ به النِّكاحُ، فيَكْمُلُ به الصَّداقُ، والطلاقُ يَقْطَعُه ويُزِيلُه قبلَ إتْمامِه، ولذلك 2 وَجَبتِ العِدَّةُ بالموتِ قبلَ الدُّخولِ، ولم تجبْ بالطَّلاقِ، وكَمَل المُسَمَّى بالموتِ، ولم يَكْمُلْ بالطَّلاقِ.
[وأمَّا الذِّمِّيَّةُ] 3 فإنَّها زَوْجَةٌ مُفارقَةٌ بالموتِ، فكَمَلَ لها الصَّداقُ، كالمُسْلِمَةِ، أو كما لو سُمِّىَ لها، ولأَنَّ المُسْلِمةَ والذِّمِّيَّةَ [لا يَخْتلفانِ في الصَّداقِ في موضعٍ، فوَجَبَ أن] 4 لا يَخْتَلِفا ههُنا.
وإن كان قد فَرَضَه لها، لم يَتَنَصَّفْ بالموتِ، على الرِّوايتَيْنِ جميعًا.

وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ إِلَّا الْمُتْعَةُ،

3300 - مسألة: (فَإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخُولِ، لم يَكُنْ لها عليه إلَّا المُتْعَةُ)

إذا طُلِّقَتِ المُفَوّضةُ البُضْعِ قبلَ الدُّخولِ، فليصر لها إلَّا المُتْعَةُ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ جماعةٍ.
وهو قولُ ابنِ عمرَ، وابن عبَّاسٍ، والحسنِ، وعَطاءٍ، وجابرِ بنِ زيدٍ، والشَّعْبِى، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ 1 لها نِصْف مَهْرِ مِثْلِها؛ لأنَّه نِكاحٌ صَحِيحٌ يُوجِبُ مَهْرَ المثلِ بعدَ الدُّخولِ، فيُوجِبُ نِصْفَه بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، كما لو سَمَّى لها مُحَرَّمًا.
وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، وابنُ أبى ليلَى: المُتْعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ غيرُ واجبةٍ؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالَى قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ 2. فخَصَّهم بها، فيَدُلُّ على أنَّها على سَبِيلِ الإِحْسانِ والتَّفَضُّلِ 3، والإِحْسانُ ليس بوَاجِبٍ، ولأنَّها لو كانت وَاجِبَةً لم تَخْتَصَّ 4 المُحْسِنينَ دُونَ غيرِهم.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾.
والأمْرُ.
يَقْتَضِى الوُجُوبَ.
وقالَ تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ 5. وقالَ تعالى:

..................................  ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ 1. ولأنَّه طَلاقٌ في نِكاحٍ يقْتَضِى عِوَضًا، فلم يَعْرُ 2 عن العِوَضِ 3، كما لو سَمَّى مَهْرًا، وأداءُ الواجِبِ مِن

..................................  الإحْسانِ، فلا تَعارُضَ بينَهما.
فصلِ: فإن فَرَض لها بعدَ العَقْدِ، ثم طَلَّقَها [قبلَ الدُّخولِ] 1، فلها نِصْف ما فرَض لها، ولا مُتْعَةَ.
وهذا قولُ ابنِ عمرَ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ.
وعن أحمدَ أنَّ لها المُتْعَةَ، ويَسْقُطُ المَهْرُ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه نِكاحٌ عَرِىَ عن تَسْمِيَةٍ، فوَجَبَتِ المُتْعَةُ، كما لو لم يَفْرِض لها.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
ولأنَّه مَفْروضٌ يَسْتَقِرُّ بالدُّخولِ، فتَنَصَّف بالطَّلاقِ قبلَه، كالمُسَمَّى في العَقْدِ.

..................................  فصل: والمُتْعَةُ تجبُ على كلِّ زَوْجٍ لكلِّ زَوْجَة مُفَوّضةٍ طُلِّقَتْ قبلَ الدُّخولِ، وسواءٌ في ذلك الحُرُّ والعَبْدُ، والحُرَّةُ والأمَةُ، والمُسْلِمُ والذِّمِّىُّ، والمُسْلِمَةُ والذِّمِّيَّةُ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، لا مُتْعَةَ للذِّمِّيَّةِ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: إن كان الزَّوْجانِ أو أحَدُهما رَقِيقًا، فلا مُتْعَةَ.
ولَنا، عُمُومُ النَّصِّ، ولأنَّها قائِمَةٌ مَقامَ نِصْفِ المَهْرِ في حَقِّ مَن سَمَّى، فتجِبُ لكلِّ زَوْجَةٍ على كلِّ زَوْجٍ، كنِصْفِ المُسَمَّى، ولأَنَّ ما يجبُ مِن الفَرْضِ يَسْتَوِى فيه المُسْلِمُ والكافِرُ، والحُرُّ والعَبْدُ، كالمَهْرِ.
فصل: فأمَّا المُفَوّضةُ المَهْرِ، وهى التى تَزَوَّجَها على ما شاءَ أحَدُهما، أو التى زَوَّجَها غيرُ أبِيها بغيرِ إذْنِها بغيرِ صَداقٍ، أو التى مَهْرُها فاسِدٌ، فإنَّه يجبُ لها مَهْرُ المِثْلِ، ويَتَنَصَّفُ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ، ولا مُتْعَةَ لها.
هذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وعن أحمدَ، أنَّ لها المُتْعَةَ دونَ نِصْفِ المَهْرِ.
وهو الذى ذكَرَه شيْخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ 1، كالمُفَوّضةِ البُضْعِ.
وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه خَلا عَقْدُها عن تَسْمِيَةٍ صَحِيحَةٍ، فأشْبَهَتِ التى لم يُسَمَّ لها شئٌ.
ولنا، أنَّ هذه لها مَهْرٌ واجبٌ قبلَ الطَّلاقِ 2، فَوجَبَ أن يَتَنَصَّفَ، كما لو سَمَّاه.

..................................  أو نقولُ: لم تَرْضَ بغيرِ صَداقٍ، فلم تجبِ المُتْعَةُ، كالمُسَمَّى لها.
وتُفارِقُ التى رَضِيَتْ بغيرِ عِوَض؛ فإنَّها رَضِيَتْ بغيرِ صَداقٍ، وعادَ بُضْعُها 1 سَلِيمًا، فعُوِّضَتِ 2 المُتْعَةَ 3، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فصل: وكلُّ فُرْقَةٍ يَتَنَصَّفُ بها المُسَمَّى، تُوجِبُ المُتْعةَ، إذا كانت مُفَوّضةً.
وما سَقَط به المُسَمَّى مِن الفُرَقِ، كاخْتِلافِ الدينِ والفَسْخِ بالرَّضاعِ ونحوِه، إذا جاءَ مِن قِبَلِها، لا تَجِبُ به مُتْعَةٌ؛ لأنَّها أقِيمَتْ مُقامَ نِصفِ (3) المُسَمَّى، فسَقَطَتْ في كلِّ موضع يَسْقُطُ، كما تَسْقُطُ الأبْدالُ إذا سَقَط مُبْدَلُها.
فصلِ: قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ سُئِلَ عن رَجُلٍ تَزَوَّج امرأةً، ولم يكُنْ فرَض لها مَهْرًا، ثم وَهَبَ لها غُلامًا، ثم طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ؟ قال: لها المُتْعَةُ.
وذلك لأَنَّ الهِبَةَ لا تَنْقَضى 4 بها المُتْعَةُ، كما لا يَنْقَضِى 5 بها نِصْفُ المُسَمَّى، ولأَنَّ 6 المُتْعَةَ إنَّما تجبُ بالطَّلاقِ، فلا يَصِحُّ قَضاؤُها

عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، فأعْلَاهَا خَادِمٌ، وَأَدْنَاهَا كُسْوَةٌ تجْزِئُهَا فِى صَلَاتِهَا.
قبلَه، ولأنَّها واجِبَةٌ (1)، فلا تَنْقَضِى (2) بالهِبَةِ، كالمُسَمَّى.

3301 -

مسألة: (على المُوسِعِ قَدَرُه وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه، فَأَعْلاها خَادِمٌ، وَأَدْناها كُسْوَةٌ)

يَجوزُ لها أن تُصَلِّىَ فيها.
وجملةُ ذلك، أنَّ المُتْعَةَ مُعْتَبَرَةٌ بحالِ الزَّوْجِ، في يَسارِه وإعْسارِه.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو وَجْهٌ لأصْحابِ الشافعىِّ.
والوَجْهُ الآخَرُ، هو مُعْتَبَرٌ بحالِ الزَّوْجَةِ، لأن المهرَ مُعْتَبَرٌ بها، كذلك المُتْعَةُ القائمةُ مَقامَه.
ومنهم مَن قال: يُجْزِئُ في المُتْعَةِ ما يقَعُ عليه الاسْمُ، كما يُجْزِئُ في الصَّداقِ ذلك.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
وهذا نَصٌّ في أنَّها مُعْتَبَرَةٌ بحالِ الزَّوْجِ.
ولأنَّها تَخْتلِفُ، ولو أجْزَأَ ما يقَعُ عليه الاسْمُ سَقَط الاخْتِلافُ، ولو اعْتُبِرَ بحالِ المرأةِ، لَما كان على المُوسِعِ قَدَرُه وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه.
إذا ثَبَت هذا، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ فيها، فرُوِىَ عنه: أعْلاها خادِمٌ إذا كان مُوسِرًا، وإن كان فَقِيرًا مَتَّعَها كُسْوَتَها12

وَعَنْهُ، يُرْجَعُ فِى تَقْدِيرِهَا إِلَى الْحَاكِمِ.
وَعَنْهُ، يَجِبُ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلَ.
دِرْعًا وخِمارًا وثَوْبًا تصَلِّى فيه.
ونحوَ ذلك قال ابن عَبَّاسٍ، والزُّهْرِىُّ، والحسنُ.
قال ابنُ عبَّاسٍ: أعْلَى المتْعةِ الخادِمُ، ثم دونَ ذلك النَّفقَةُ، ثم دونَ ذلك الكُسْوَة (1). ونحوَ ما ذكَرْنا في أدْناهَا قال الثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وعَطاءٌ، ومالكٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْى، قالوا: درْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفَةٌ.

3302 -

مسألة: (وعن أحمد، يُرْجَعُ في تَقْدِيرِها إلى الحاكِمِ)

وهو أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّه أمْرٌ لم يَرِدِ الشَّرْعُ بتَقْدِيرِه، وهو ممَّا يَحْتاجُ إلى الاجْتِهادِ، فيَجِبُ الرُّجوعُ فيه إلى الحاكِمِ، كسائرِ المُجتَهَداتِ.
وعنه، يَجِبُ لها نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ.
ذكَرَها القاضى، في «المُجَرَّدِ» فقال: هى [مُقَدَّرَة بما يُصادِفُ نِصْفَ مهرِ المِثْلِ؛ لأنَّها بدلٌ عنه، فيَجِبُ أن تَتَقَدَّرَ به.
قال شيخُنا 2: وهذه الروايةُ تَضْعُف لِوَجهين] 31

..................................  أحدُهما، أنَّ نَصَّ الكتابِ يَقْتَضِى تَقْديرَها بحالِ الزَّوْجِ، وتَقْدرُها بنِصْفِ المَهْرِ يُوجِبُ اعْتِبارَها بحالِ المرأةِ، لأَنَّ مَهْرَها مُعْتَبَرٌ بها لا بزَوْجِها.
الثانى، أنَّا لو قَدَّرْناها بنِصْفِ مَهْرِ المثلِ لَكانت نِصْفَ المَهرِ 1، إذ ليس المَهْرُ مُعَيَّنًا في شئٍ 2. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى قولُ ابنِ عبَّاسٍ: أعْلَى المُتْعةِ الخادِمُ، ثم دونَ ذلك إلى 3 الكُسْوَةِ.
روَاه أبو حَفْصٍ بإسنادِه.
وقَدَّرَها بكُسْوَةٍ يَجوزُ لها الصَّلاةُ فيها، لأَنَّ الكُسْوةَ الواجِبَةَ بمُطلقِ الشَّرْعِ تتَقَدَّرُ بذلك، كالكُسْوَةِ في الكفَّارَةِ، والسُّتْرَةِ في الصَّلاةِ.
ورَوَى كَثِيفٌ 4 السُّلَمِىُّ، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امرأته 5 تُماضِرَ الكَلْبِيَّةَ، فحَمَّمَها 6 بجارِيَةٍ سَوْداءَ 7. يعنى مَتَّعَها.
قال إبراهيمُ

..................................  النَّخَعِىُّ 1: العَرَبُ تُسَمِّى المُتْعةَ التَّحْمِيمَ 2. وهذا فيما إذا تَشاحَّا في قَدْرِها، فإن سَمَح لها بزِيادَة على الخادِم، أو رَضِيَتْ بأقَلَّ من الكُسْوَةِ، جازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لهما، وهو ممَّا يَجوَزُ بَذْلُه، فجازَ ما اتَّفَقا عليه، كالصَّداقِ.
وقد رُوِى عن الحسَنِ بنِ علىٍّ، أنَّه مَتَّعَ امرأتَه 3 بعَشَرَةِ آلافِ درْهمٍ، فقالت: مَتَاع قَلِيلٌ 4 من حَبِيبٍ مُفارِقِ 5

وَإِنْ دَخَلَ بِهَا، اسْتَقَرَّ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ أَصَحُّهُمَا، لَا تَجِبُ.

3303 - مسألة: (فإن دخَل بها، اسْتَقَرَّ مَهْرُ المِثْلِ)

لأَنَّ الوَطْءَ في نكاحٍ [خالٍ مِن] 1 مَهْرٍ خَالِصٌ لرَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- (فَإن طَلَّقَها بعدَ ذلكَ، فَهل تَجِبُ الْمُتْعَةُ؟ على روايَتَيْن؛ أَصَحُّهُما، لَا تَجِبُ) كلُّ مَن وَجَب لها نِصْفُ المَهْرِ، لم تَجِبْ لها مُتْعَة، سواء كانت ممَّن سُمِّىَ لها صَداقٌ، أو لم يُسَمَّ لها لكنْ فُرِضَ لها بعدَ العَقْدِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، في مَن سُمِّىَ لها.
وهو قديمُ قوْلى الشافعىِّ.
ورُوِىَ عن أحمدَ: لكلِّ مُطَلَّقةٍ مَتاعٌ.
ورُوِى ذلك عن علىِّ بنِ أبى طالِبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والحسنِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وأبى قِلابَةَ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ، والضَّحَّاكِ، وأبى ثَوْرٍ؛ لظاهرِ قولِه تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى

..................................  الْمُتَّقِينَ}.
ولقولِه سبحانه لنَبيِّه عليه السَّلامُ: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ 1. فعلى هذه الرِّوايةِ، لكلِّ مُطَلَّقةٍ مَتاعٌ، سواءٌ كانت مُفوّضةً أو مُسَمًّى لها، مدْخُولًا بها أو غيرَها؛ لما ذكَرْنا.
وظاهرُ المذهبِ أنَّ المُتْعةَ لا تجبُ إلَّا [للمُفَوّضةِ التى] 2 لم يُدْخَلْ بها إذا طُلِّقَتْ.
قال أبو بكرٍ: كلُّ مَن رَوى عن أبى عبدِ اللَّهِ، فيما أعلمُ، رَوى عنه أنَّه لا يَحْكُمُ بالمُتْعَةِ إلَّا لمَنْ [لم يُسَمَّ] 3 لها مَهْرٌ، إلَّا حَنْبَلًا، رَوَى عن أحمدَ أنَّ لكلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتاعًا.
قال أبو بكرٍ: والعملُ عليه عندِى، لولا تَواتُرُ الرِّواياتِ عنه بخِلافِها.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾.
[ثم قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾] 4. فخَصَّ الأُولَى بالمُتْعَةِ، والثَّانِيَةَ بنِصْفِ المَفْرُوضِ، مع تقسيمه للنِّساءِ قِسْمَيْنِ، وإثْباتِه لكلِّ

..................................  قِسْم حُكْمًا، فيَدُلُّ ذلك على اخْتِصاصِ كلِّ قِسْم بحُكْمِه، وهذا يَخُصُّ ما ذَكَرُوه.
ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ الأمْرُ بالمَتاعِ في غيرٍ المُفَوّضةِ على الاسْتِحْبابِ؛ لدَلالةِ 1 الآيتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذكَرْناهما على نفْىِ وُجُوبِها، جَمْعًا بينَ دَلالاتِ الآياتِ والمعنى، فإنَّه عِوَضٌ واجِبٌ في عَقْدٍ، فإذا سُمِّىَ فيه عِوَضٌ صحيحٌ لم يَجِبْ غيرُه، كسائرِ عُقُودِ المُعاوَضَةِ، ولأنَّها لا تَجِبُ لها المُتْعَةُ قبلَ الفُرْقَةِ، ولا ما يقومُ مَقامَها، فلم تَجِبْ لها عندَ الفُرْقَةِ، كالمُتَوَفَّى عنها زَوْجُها.
فصل: قد ذكَرْنا أنَّ الزَّوْجَ إذا طَلَّق المُسَمَّى لها، أو المُفَوّضةَ المَفْروضَ لها بعدَ الدُّخولِ، فلا مُتْعةَ لواحدةٍ منهما، على رِوايةِ حَنْبَلٍ.
وذكَرْنا قولَ مَن ذهبَ إليه.
وظاهِرُ المذهبِ أنَّه لا مُتْعَةَ لواحدةٍ منهما.
وهو قولُ أبى حنيفة.
وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايتَيْنِ، وقد ذكَرْنا ذلك.

..................................  إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ أن يُمَتِّعَها.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: أنا أُوجِبُها على مَن لم يُسَمِّ لها صَداقًا، فإن كان قد سَمَّى لها صَداقًا، فلا أوجِبُها عليه، وأسْتَحِبُّ أن يُمَتِّعَ وإن سَمَّى لها صَداقًا.
وإنَّما اسْتَحَبَّ ذلك لعُمُومِ النَّصِّ الواردِ فيها، ودَلالتِه على إيجابِها، وقولِ علىٍّ ومَن سَمَّيْنا من الأئِمَّةِ بها، فلمَّا امْتَنَعَ الوُجوبُ لدلالةِ الآيَتَيْنِ المَذْكورَتَيْن على نَفْىِ الوُجوبِ، ودَلالةِ المَعْنَى المَذْكُورِ عليه، تَعَيَّنَ حَمْلُ الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ عليها على الاسْتِحْبابِ، أو على أنَّه أرِيدَ به الخُصوصُ.
وأمَّا المُتَوَفَّى عنها، فلا مُتْعَةَ لها بالإِجْماعِ؛ لأَنَّ النَّصَّ العامَّ لم يَتَناوَلْها، وإنَّما تَناوَلَ المُطَلَّقاتِ، ولأنَّها أخَذَتِ العِوَضَ المُسَمَّى لها في عَقْدِ المُعاوَضَةِ 1، فلم يَجِبْ لها به سِواه، كما في سائرِ العُقُودِ.

فَصْلٌ: وَمَهْرُ الْمِثْلِ مُعْتَبَرٌ بِمَنْ يُسَاوِيهَا من نِسَاءِ عَصَبَاتِهَا؛ كَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا، وَبِنْتِ أَخِيهَا وَعَمِّهَا.
وَعَنْهُ، يُعْتَبَرُ جَمِيعُ أَقَارِبِهَا؛ كَأُمِّهَا وَخَالَتِهَا.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (ومَهْرُ المِثْلِ مُعْتَبَرٌ بمن يُساوِيها من نِساءِ عَصَباتِها؛ كأُخْتِها، وعَمَّتِها، وبنتِ أخِيها وعَمِّها.
وعنه، يُعْتَبَرُ جميعُ أقارِبِها؛ كأمِّها وخالَتِها) وقال مالكٌ: يُعْتَبَرُ بمَن هى في مِثْلِ جَمالِها ومالِها وشَرَفِها، ولا يَخْتَصُّ بأقْرِبائِها؛ لأَنَّ الأعْواضَ 1 إنَّما تَخْتَلِفُ بذلك دُونَ الأقاربِ.
ولَنا، قولُه في حديثِ ابنِ مسعودٍ: لها مَهْرُ نِسائِها 2. ونِساؤُها أقارِبُها.
وما ذكَرَه فنحنُ نَشْتَرِطُه، ونَشْتَرِطُ معه أن تكونَ من نِساءِ أقارِبِها؛ لأنَّها أقْرَبُ إلَيْهِنَّ.
وقولُه: إنَّما يَخْتَلِفُ بهذه الأوْصافِ دونَ الأقارِبِ.
لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ المرأةَ تُطْلَبُ لحَسَبِها، كما جاءَ في الأَثَرِ 3، وحَسَبُها يَخْتَصُّ به أقَارِبُها، ويَزْدادُ المَهْرُ لذلك 4

..................................  ويَقِلُّ، وقد يكونُ الحَىُّ وأهلُ القَرْيَةِ لهم عادةٌ في الصَّداقِ، ورَسْمٌ مُقَرَّرٌ لا يُشارِكُهم فيه غيرُهم، ولا يُغَيِّرُونَه بتَغَيُّرِ الصِّفاتِ، فيُعْتَبَرُ ذلك دُونَ سائرِ الصِّفاتِ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في مَن يُعْتَبَرُ مِن أقارِبِها، فقال في رِوايةِ حَنْبَلٍ: لها مَهْرُ مِثْلِها من نِسائِها من قِبَلِ أبِيها.
فاعْتَبَرَ بنِساءِ العَصَباتِ خاصَّة.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وقال في رِوايةِ إسْحاقَ بنِ هانئٍ: لها مَهْرُ نِسائِها، مثل أمِّها أو أخْتِها أو عَمَّتِها أو بنتِ عَمِّها.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، وابنِ أبى ليْلَى؛ لأنَّهُنَّ من نِسائِها.
والأُولَى أوْلَى؛ فإنَّه قد رُوِى في قِصَّةِ بَرْوَعَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى في بَرْوَعَ 1 بنتِ واشِقٍ بمثلِ مَهْرِ نِساءِ قَوْمِها.
ولأَنَّ شَرَف المرأةِ مُعْتَبَرٌ في مَهْرِها، وشَرَفُها بنَسَبِها، وأمُّها وخالَتُها لا تُساوِيَانِها في 2 شَرَفِها، وقد تكونُ أمها مَوْلاةً وهى شَرِيفةٌ، وقد تكونُ أمها قُرَشِيَّةً وهى غيرُ قُرَشِيَّةٍ.
ويَنْبَغِى أن يُعْتَبَرَ 3 الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، فأقْرَبُ نِساءِ عَصَباتِها

وَتُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِى الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، وَالْعَقْلِ، والأَدَبِ، وَالسِّنِّ، وَالْبَكَارَةِ، وَالثُّيُوبَةِ، وَالْبَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِى نِسَائِهَا إِلَّا دُونَهَا، زِيدَتْ بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا فَوْقَهَا، نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقْصِهَا.
أخَواتُها لأبِيها، ثم عَمَّاتُها، ثم بَناتُ عَمِّها، الأقْرَبُ فالأقْرَبُ.

3304 -

مسألة: (وَتُعْتَبَرُ المُساواةُ فِى المَالِ، والجَمَالِ، والعَقْلِ، والأَدَبِ، والسِّنِّ، والبَكارَةِ، والثُّيُوبَةِ، والبَلَدِ)

وصَراحَةِ نَسَبِها، وكلِّ ما يَخْتَلِفُ لأجْلِه الصَّداقُ، وإنَّما اعْتُبِرَتْ هذه الصِّفاتُ [كلُّها؛ لأَنَّ مَهْرَ المِثْلِ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فاعْتُبِرَتِ الصِّفاتُ] (1) المَقْصُودَةُ فيه.
فإن لم يكُنْ في عَصَباتِها مَن هو في مِثْلِ حَالِها، فمِن نِساءِ أرْحامِها، كأمِّها وجَدَّاتِها وخَالاتِها وبَناتِهِنَّ.
3305 -

مسألة: (فَإن لم يُوجَدْ إلَّا دُونَهَا، زِيدَتْ بقَدْرِ فَضِيلَتِها)

لأَنَّ زِيادةَ فَضِيلَتِها تَقْتَضِى زِيادةً في المَهْرِ، فتَقَدَّرَتِ الزِّيادةُ بقَدْرِ الفَضِيلَةِ (وإن لم يُوجَدْ إلَّا فَوْقَها، نَقَصتْ بقَدْرِ نَقْصِها) كأَرْشِ العَيْبِ يُقَدَّرُ 2 بقَدْرِ نَقصِ المَبِيعِ.
فصل: ويجبُ مَهْرُ المِثْلِ حالًا؛ لأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ، فأَشْبَهَ قِيَمَ المُتْلَفاتِ.
ولا يكونُ إلَّا من نَقْدِ البَلَدِ؛ لما ذكَرْنا.
ولا تَلْزَمُ الدِّيَةُ؛ لأنَّها1

وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَخْفِيفَ عَلَى عَشِيرَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، اعْتُبِرَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَّأْجِيلَ، فُرِضَ مُؤَجَّلًا فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنَ،  تَخْتلِفُ باخْتِلافِ صِفاتِ المُتْلَفِ، بل هى مُقَدَّرَةٌ بالشَّرْعِ، فكانت بحُكْمِ ما جَعلَه من الحُلُولِ والتَّأْجِيلِ، فلا يُعْتَبَرُ بها غيرُها، ولأنَّها عُدِلَ بها عن سائرِ الأبْدَالِ في مَن وَجَب عليه، فكذلك في تَأْجِيلِها تَخْفِيفًا عنه، بخلافِ غيرِها.

3306 -

مسألة: (فَإن كانت)

عادةُ نِسائِها تَأْجِيلَ المَهْرِ (فُرِضَ مُؤَجَّلًا في أحَدِ الوَجْهَيْنِ) لأنَّه مَهْرُ مِثْلِها.
والثانى، يُفْرَضُ حالًا؛ لما ذكَرْنا (وإن كان عادَتُهُم التَّخْفِيفَ عن عَشِيرَتِهم دُونَ غيرِهم، اعْتُبِرَ ذلك) وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
فإن قيلَ: فإذا كان مَهْرُ المِثْلِ بَدَلَ مُتْلَفٍ، يَجِبُ أن لا يَخْتَلِفَ باختلافِ المُتْلَفِ، كسائرِ المُتْلَفاتِ.
قُلْنا: النِّكاحٍ يُخالِفُ سائرَ المُتْلَفاتِ، [فإنَّ سائِرَ المُتْلَفاتِ] 1 المقْصُودُ بها المالِيَّةُ خاصَّةً، فلم تَخْتَلِفْ باخْتِلَافِ المُتْلِفينَ، والنِّكاحُ يُقْصَدُ به أعْيانُ الزَّوْجَيْنِ، فاخْتَلَف باخْتِلافِهم، ولأَنَّ سائرَ المُتْلَفاتِ لا تَخْتَلِفُ

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ، اعْتُبِرَ بِنِسَاءِ بَلَدِهَا، ثُمَّ بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ شِبْهًا بِهَا.

فَصْلٌ: وَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ، فَإِذَا افْتَرَقَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلاقٍ  باخْتِلافِ العَوائدِ، والمَهْرُ يَخْتَلِفُ بالعاداتِ، فإنَّ المرأةَ إذا كانت من قَوْمٍ عادتُهم تَخْفِيفُ مُهورِ نِسائِهم، وَجَب مهرُ المرأةِ منهم خَفِيفًا، وإن كانت أفْضَلَ وأشْرَفَ من نِساءِ مَن (1) عادَتهم تَثْقِيلُ المَهرِ.
وعلى هذا، متى كانت عادَتُهُم التَّخْفِيفَ لمَعْنًى، مثل الشَّرَفِ واليَسَارِ ونحو ذلك، اعْتُبِرَ جَرْيًا على عادَتِهِم.

3307 -

مسألة: (فإن لم يَكُنْ لها أقَارِبُ، اعْتُبِرَ)

شِبْهُها من أَهْلِ بَلَدِها فإن عُدِمَ ذلك، اعْتُبرَ (بأَقْرَبِ النِّساءِ شِبْهًا بها) من أقْرَبِ البلادِ إليها؛ [لأنَّه لمَّا تعذَّرَ الأَقارِبُ، اعْتُبِرَ اقرَبُ النَّاسِ شِبْهًا بها] (2) مِن غيرِهم، كما اعْتَبَرْنا قَرابَتَها البَعِيدَ إذا لم يُوجَدِ القَرِيبُ.

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (فأمَّا النِّكاحُ الفاسدُ، فمتى افْتَرَقَا12

أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا مَهْرَ فِيهِ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا، اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمُسَمَّى.
وَعَنْهُ، يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَهِىَ أَصَحُّ.
قبلَ الدُّخول بِطلاقٍ أو غيرِه، فلا مَهْرَ) لأَنَّ المَهْرَ يجبُ بالعَقْدِ، والعَقْدُ فاسِد، فإنَّ وُجودَه كالعَدَمِ، ولأنَّه عَقْدٌ فاسِدٌ، فيَخْلُو عن (1) العِوَضِ، كالبَيْعِ الفاسدِ.

3308 -

مسألة: (فإن دَخَل بها، اسْتَقَرَّ الْمُسَمَّى. [وعنه، يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ. وهى أصَحُّ)

المنصوصُ عن أحمدَ أنَّ لها المُسَمَّى] 2؛ لأَنَّ في بعضِ ألفاظِ حديثِ عائشةَ: «ولها الَّذِى أَعْطاها بما أَصَابَ مِنْها» 3. قال القاضى 4: حدَّثناه أبو بكر البَرْقانِىُّ، وأبو محمدٍ1

..................................  الخَلَّالُ 1، بإسْنادَيْهما.
وقال أبو حنيفةَ: الواجبُ الأقَلُّ من المُسَمَّى أو مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّها إن رَضِيَتْ بدُونِ مَهْرِ مِثْلِها فليس لها أكْثَرُ منه، كالعَقْدِ الصَّحيحِ، وإن كان المُسَمَّى أكْثَرَ، لم يَجِبِ الزّائِدُ 2 بعَقْدٍ غيرِ صَحِيحٍ.
والصَّحِيحُ وُجوبُ مَهْرِ المِثْلِ.
أوْمَأَ إليه أحمدُ.
وهو ظاهرُ كلام الخِرَقِىِّ؛ لقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَإن أصابَها، فلها المهرُ بِما اسْتَحَلَّ مِن فرْجِها».
فجعلَ لها المَهْرَ بالإِصابةِ، والإِصابةُ إنَّما تُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ، ولأَنَّ العَقْدَ ليس بمُوجِبٍ، بدَلِيلِ الخَبَرِ، وأنَّه لو طَلَّقَها قبلَ مَسِّها لم يكُنْ لها شئٌ، وإذا لم يكُنْ مُوجِبًا، كان وُجودُه

جارٍ التحميل