وَأَوَّلُ وَقْتِهَا إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، وَآخِرُهُ إِذَا زَالَتْ، فصل: وإذا اتَّفَقَ أهلُ بَلَدٍ على تَرْكِها قاتَلَهم الإِمامُ، لأنَّها مِن شَعائِرِ الإِسلامِ الظّاهِرَةِ، فقُوتِلُوا على تَرْكِها، كالأذانِ، ولأنَّها مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ فقُوتِلُوا على تَرْكِها، كغَسْلِ المَيِّتِ، والصلاةِ عليه، إذا اتَّفَقُوا على تَرْكِه.
674 -
مسألة: (وأوَّلُ وَقْتِها إذا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ، وآخِرُه إذا زالَتْ)
أوَّلُ وَقْتِ صلاةِ العِيدِ إذا خَرَج وَقْتُ النَّهْى، وارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ 1 مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ، وذلك ما بينَ وَقْتَى النَّهْى عن صلاةِ النافِلَةِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: أوَّلُ وقتِها إذا طَلَعَتِ الشَّمْسِ، لِما روَى يَزِيدُ بنُ خُمَيْرٍ، قال: خَرَج عبدُ اللَّهِ بنُ بُسْرٍ، صاحِبُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في يَوْمِ عِيدِ فِطرٍ أو أضْحَى، فأنْكَرَ إبْطاءَ الإِمامِ، وقال: إنّا كُنّا قد فَرَغْنا ساعَتَنا هذه.
وذلك حِينَ صلاةِ التَّسْبِيحِ.
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 2. ولَنا، ما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: ثَلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَنْهانا أن نُصَلِّىَ فيهنَّ، وأن نقْبُرَ فيهنَّ مَوْتانا؛ حينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بازِغَةً حتى تَرْتَفِعَ 3. ولأنَّه وَقْتٌ نُهِىَ عن الصَّلاةِ فيه، فلم يَكُنْ وَقْتًا للعِيدِ، كقبلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ولأنَّ النبىَّ ومَن بعدَه لم يُصَلُّوا حتى ارْتَفَعَتِ
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِيدِ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، خَرَجَ مِنَ الْغَدِ فَصَلَّى بِهِمْ.
الشَّمْسُ، بدَلِيلِ الإِجْماعِ أنَّ فِعْلَها في ذلك الوقتِ أفْضَلُ.
ولم يَكُنِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ليَفْعَلَ إلَّا الأفْضَلَ، ولو كان لها وقتٌ قبلَ ذلك، لكانَ تَقْيِيدُه بطُلُوعِ الشَّمْسِ تَحَكُّمًا بغيرِ نَصٍّ ولا مَعْنَى نَصٍّ، ولا يَجُوزُ التَّوْقِيتُ بالتَّحَكُّمِ.
وأمّا حَدِيثُ عبدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ، فيُحْمَلُ على أنَّه أنْكَرَ إبْطاءَ الإِمامِ عن وَقْتِها المُجْمَعِ عليه؛ لأنَّه لو حُمِل على غيرِ هذا لم يَكُنْ إبْطاءً، ولا يَجُوزُ أن يُحْمَلَ ذلك على أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُ الصلاةَ في وقتِ النَّهْى؛ لأنَّه مَكْرُوهٌ بالاتِّفاقِ، والأفْضَلُ خِلافُه، ولم يَكُنِ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُداوِمُ على المَفْضُولِ ولا المَكْرُوهِ، فتَعَيَّنَ حَمْلُه على ما ذَكَرْنا.
675 -
مسألة: (فإن لم يَعْلَمْ بالعِيدِ إلَّا بعدَ الزَّوالِ، خَرَج مِن الغَدِ فصَلَّى بهم)
وهذا قَوْلُ الأوْزاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، أنَّها لا تُقْضَى.
وقال الشافعىُّ: إن عَلِم بعدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، كقولِنا، وإن عَلِم بعدَ الزَّوالِ لم يُصَلِّ؛ لأنَّها صلاةٌ شُرِع لها الاجْتِماعُ والخُطْبَةُ، فلا تُقْضَى بعدَ فَواتِ وَقْتِها، كالجُمُعَةِ، وإنَّما
..................................
يُصَلِّيها إذا عَلِم بعد غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لأنَّ العِيدَ هو الغَدُ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ، وَعَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ» 1. ولَنا، ما روَى أبو عُمَيْرِ بنُ أنَسٍ، عن عُمُومَةٍ له مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ رَكْبًا جاءُوا إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فشَهِدُوا أنَّهم رَأوُا الهِلالَ بالأمْسِ، فأمَرَهم أن يُفْطِرُوا، فإذا أصْبَحُوا أن يَغْدُوا إلى مُصَلَّاهم.
رَواه أبو داودَ 2. وقال الخَطَّابِىُّ 3: سُنَّةُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أولَى أن تُتَّبَعَ، وحَدِيثُ أبى 4 عُمَيْرٍ صَحِيحٌ، فالمَصِيرُ إليه واجِبٌ.
ولأنَّها صلاةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فلا تَسْقُطُ بفَواتِ الوَقْتِ، كسائِرِ الفُرُوضِ، فأمَّا الجُمُعَةُ فإنَّها مَعْدُولٌ بها عن الظُّهْرِ بشَرائِطَ، مِنها الوَقْتُ، فإذا فات واحِدٌ مِنها رَجَع إلى الأصْلِ.
وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَضْحَى، وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ، وَالْأَكْلُ فِى الْفطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَالْإِمْسَاكُ فِى الْأَضْحَى حَتَّى يُصلِّىَ،
فصل: فأمَّا الواحِدُ، إذا فاتَتْه حتى تَزُولَ الشَّمْسُ وأحَبَّ قضاءَها، قَضاها متى أحَبَّ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَقْضِيها إلَّا مِن الغَدِ، كالمَسْأَلَةِ قبلَها.
وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما يَفْعَلُه تَطوُّعٌ، فمتى أحَبَّ أتَى به، وفارَق إذا لم يَعْلَمِ النّاسُ؛ لأنَّهم تَفَرَّقُوا على أنَّ العِيدَ في الغَدِ، فلا يجْتَمِعُون إلَّا إلى الغَدِ، ولا كذلك ههُنا؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى اجْتِماعِ الجَماعَةِ، ولأنَّ صلاةَ الإِمامِ هى الواجِبَةُ، التى يُعْتَبَرُ لها شُرُوطُ العِيدِ ومَكانُه، فاعْتُبِرَ لها العِيدُ، بخِلافِ هذا.
676 -
مسألة: (ويُسَنُّ تَقْدِيمُ الأضْحَى، وتَأْخِيرُ الفِطْرِ، والأكْلُ في الفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاةِ، والإِمْساكُ في الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ)
يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الأضْحَى؛ ليَتَّسِعَ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ؛ لأنَّ التَّضْحِيَةَ لا تَجُوزُ إلَّا بعدَ الصَّلاةِ، وتَأْخِيرُ الفِطْرِ؛ ليَتَّسِعَ وَقْتُ إخْراجِ صَدَقَةِ الفِطْرِ؛ لأنَّ
..................................
السُّنَّةَ إخْراجُها يَوْمَ العِيدِ قبلَ الصَّلاةِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ، ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا.
وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَتَب إلى عَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «أنْ أخِّرْ صَلَاةَ الْفِطْرِ وَعَجِّلِ الْأضْحَى، وَذَكِّرِ النَّاسَ».
الحدِيثُ مُرْسَلٌ، رَواه الشافعىُّ 1.
فصل: ويُسْتَحَبُّ الأكْلُ في الفِطْرِ قبلَ الصَّلاةِ، وأن لا يَأْكُلَ في الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ.
رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لِما روَى أنَسٌ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حتى يَأْكُلَ تَمَراتٍ.
وقال مُرَجَّأُ بنُ رَجاءٍ: حَدَّثنِى عُبَيْدُ اللَّهِ، قال: حَدَّثَنِى أنَسٌ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ويَأْكُلُهُنَّ وَتْرًا».
رَواه البخارىُّ 2. وعن بُرَيْدَةَ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حتى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَمُ يَوْمَ الأضْحَى حتى يُصَلِّىَ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِىُّ 3، وهذا لَفْظُه، ورَواه الأثْرَمُ، ولَفْظُ رِوايَتِه: حتى
وَالْغُسْلُ، وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا بَعْدَ الصُّبْحِ، مَاشِيًا عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ، إِلَّا الْمُعْتَكِفَ يَخْرُجُ فِى ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ، أَوْ إِمَامًا يَتَأَخَّرُ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ.
يُضَحِّىَ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُفْطِرَ على تَمَراتٍ، ويَأْكُلُهُنَّ وَتْرًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ.
وأمّا في الأضْحَى، فإن كان له أُضْحِيَةٌ اسْتُحِبَّ أن يُفْطِرَ على شئٍ مِنها.
قال أحمدُ: والأضْحَى لا يَأْكُلُ فيه حتى يَرْجِعَ إذا كان له ذِبْحٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكل مِن ذَبِيحَتِه.
وروَى الدّارَقُطْنِىُّ (1) حديثَ بُرَيْدَةَ، وفيه: وكان لا يَأْكُلُ يَوْمَ النَّحْرِ حتى يَرْجِعَ فيَأْكُلَ مِن أُضحِيَتِه، وإذا لم يَكُنْ له ذِبْحٌ لم يُبالِ أن يَأْكُلَ.
677 -
مسألة: (و)
يُسْتَحَبُّ (الغُسْلُ والتَّبْكِيرُ إليها بعدَ الصُّبْحِ، ماشِيًا على أحْسَنِ هَيْئَةٍ، إلَّا المُعْتَكِفَ يَخْرُجُ في ثِيابِ اعْتِكافِه، أو إمامًا يَتَأخَّرُ إلى وَقْتِ الصَّلاةِ) يُسْتَحَبُّ الغُسْلُ للعِيدِ، وكان ابنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ.
رَواه مالكٌ في «المُوَطَّإِ».
ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، وبه قال عَلْقَمَةُ، وعُرْوَةُ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَغْتَسِلُ يَوْمَ الفِطْرِ ويَوْمَ الأضْحَى.
رَواه ابنُ ماجه 2، إلَّا أنَّه مِن1
..................................
رِوايَةِ جُبارَةَ بنِ مُغَلِّسٍ، وهو ضَعِيفٌ.
ورُوِىَ أيضًا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في جُمُعَةٍ مِن الجُمَعِ: «إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّه عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَسِلُوا، وَمَنْ كَان عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أنْ يمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ» 1. عَلَّلَ بكَوْنِه عِيدًا.
ولأنَّه يَوْمٌ يُشْرَعُ فيه الاجْتِماعُ للصلاةِ، فاسْتُحِبَّ الغُسْلُ فيه، كيومِ الجُمُعَةِ، وإن تَوَضَّأَ أجْزَأَه؛ لأنَّه إذا أجْزَأَ في الجُمُعَةِ مع الأمْرِ بالغُسْلِ لها، فَههُنا أوْلَى.
ووَقْتُ الغُسْلِ بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ.
قال الآمِدِىُّ: إنِ اغْتَسَلَ قبلَ الفَجْرِ لم يُصِبْ سُنَّةَ الاغْتِسالِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: المَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّه قبلَ الفَجْرِ وبعدَه؛ ولأنَّ زَمَنَ العِيدِ أضْيَقُ مِن وَقْتِ الجُمُعَةِ، فلو وُقِف على طُلُوعِ الفَجْرِ رُبَّما فات، ولأنَّ المَقْصُودَ مِنه التَّنْظِيفُ، وذلك يَحْصُلُ بالغُسْلِ في اللَّيْلِ؛ لِقُرْبِه مِن الصَّلاةِ.
والأَوْلَى أن يكونَ بعدَ الفَجْرِ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، ولأنَّه أبْلَغُ في النَّظافَةِ؛ لقُرْبِه مِن الصَّلاةِ.
والغُسْلُ لها غيرُ واجِبٍ.
قال ابنُ عَقيلٍ: وَيَتَخَرَّجُ وُجُوبُه بِناءً على غُسْلِ الجُمُعَةِ، لأنَّها في مَعْناها.
فصل: ويُسْتَحَبُّ التبكِيرُ إلى العِيدِ بعدَ صلاةِ الصُّبْحِ، والدُّنُوُّ مِن الإِمامِ؛ ليَحْصُلَ له أجْرُ التَّبْكِيرِ وانْتظارِ الصَّلاةِ، ويَحْصُلَ له فَضلُ الدُّنُوِّ
..................................
مِن الإِمام مِن غيرِ تَخَطِّى رِقابِ النّاسِ، ولا أذَى أحَدٍ.
قال عَطاءُ بنُ السّائِبِ: كان عبدُ الرحمن بنُ أبى لَيْلَى، وعبدُ اللَّه بنُ مَعْقِلٍ 1 يُصَلِّيانِ الفَجْرَ يَوْمَ العِيدِ وعليهما ثِيابُهما، ثم يَتَدافَعانِ إلى الجَبَّانَةِ؛ أحَدُهما يُكَبِّرُ، والآخَرُ يُهَلِّلُ.
فأمَّا الإِمامُ فإنَّه يَتَأَخَّرُ إلى وَقْتِ الصَّلاةِ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ والأضْحَى إلى المُصَلَّى، فأوَّلُ شئٍ يَبْدأُ به الصلاةُ.
رَواه مسلمٌ 2. قال مالكٌ: مَضَتِ السُّنَّةُ أن يَخْرُجَ الإِمامُ مِن مَنْزِلِه قَدْرَ ما يَبْلُغُ المُصَلَّى، وقد حَلَّتِ الصلاةُ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان لا يَخْرُجُ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَخْرُجَ ماشِيًا، وعليه السَّكِينَةُ والوَقارُ، كما ذَكَرْنا في الجُمُعَةِ.
وهذا قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وغيرِهم، لِما رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان لا يَرْكَبُ في عيدٍ ولا
..................................
جِنازَةٍ 1. وروَى ابنُ عُمَرَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْرُجُ إلى العِيدِ ماشِيًا، ويَرْجِعُ ماشِيًا.
رَواه ابنُ ماجه 2. وإن كان بَعِيدًا، فلا بَأْسَ أن يَرْكَبَ.
نصَّ عليه أحمدُ؛ لِما رُوِىَ أنَ عُمَرَ بنَ عبدِ العزِيزِ قال على المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: إنَّ الفِطْرَ غَدًا، فامْشُوا إلى مُصَلَّاكُم، فإنَّ ذلك كان يُفْعَلُ، ومَن كان مِن أهْلِ القُرَى فلْيَرْكَبْ، فإذا جاء إلى المَدِينَةِ فلْيَمْشِ إلى الصَّلاةِ.
رَواه سعيدٌ 3.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَتَطَيَّبَ وَيَتسوَّكَ، وَيلْبَسَ أحْسَنَ ثِيابِه، كما ذَكَرْنا في الجُمُعَةِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ.
وروَى ابنُ عبدِ البَرِّ، بإسْنادِه عن جابِرٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَعْتَمُّ ويَلْبَسُ بُرْدَه الأحْمَرَ في العِيدَيْن والجُمُعَةِ.
وعن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَلْبَسُ في العِيدَيْن
..................................
بُرَدَ حِبَرَةٍ 1. وبإسْنادِه عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا عَلَى أحَدِكُمْ أنْ يَكُونَ لَهُ ثَوْبَانِ سِوَى ثَوْبَىْ مِهْنَتِهِ لِجُمُعَتِهِ وَعِيدِهِ» 2. والإِمامُ بذلك أحَقُّ؛ لأنَّه المَنْظُورُ إليه مِن بَيْنِهم، إلَّا أنَّ المُعْتَكِفَ يُسْتَحَبُّ له الخُرُوجُ في ثِيابِ اعْتِكافِه، ليَبْقَى عليه أثَرُ العِبادَةِ والنُّسْكِ.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ المَرُّوذِىِّ: طاوُسٌ كان يَأْمُرُ بزِينَةِ الثِّيابِ، وعطاءٌ قال: هو يَوْمُ تَخَشُّعٍ.
وأسْتَحْسِنُهُما جَمِيعًا.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ في خُرُوجِه مُظْهِرًا للتَّكْبِيرِ، يَرْفَعُ به صَوْتَه.
قال أحمدُ: يُكَبِّرُ جَهْرًا إذا خَرَج مِن بَيْتِه حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى.
ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وأبى أُمامَةَ، وناسٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وفَعَلَه ابنُ أبى لَيْلَى، والنَّخَعِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وهو قولُ الحَكَمِ، وحَمّادٍ، ومالكٍ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: يُكَبِّرُ يَوْمَ الأضْحَى، ولا يُكَبِّرُ يَوْمَ الفِطْرِ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ سَمِع التَّكْبِيرَ يَوْمَ الفِطْرِ، فقال: ما شَأْنُ النّاسِ؟
..................................
فقِيلَ: يُكَبِّرُون.
فقال: أمَجانِينُ النّاسُ؟ 1. ولَنا، أنَّه فِعْلُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحابَةِ، وقَوْلُهم، فأمّا ابنُ عباسٍ فكان يقولُ: يُكَبِّرُونَ مع الإِمامِ، ولا يُكَبِّرُونَ وحدَهم.
وهذا خِلافُ مَذْهَبِهم.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُكَبِّرُ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى؛ لقَوْلِ أبى جَمِيلَةَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، خَرجَ يومَ العيدِ، فلم يَزَلْ يُكَبِّرُ حتى انْتَهى إلى الجَبّانَةِ 2. قال الأَثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّه فِى الجَهْرِ بالتَّكْبِيرِ حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى، أو حتى يَخْرُجَ الإِمامُ؟ قال: حتى يَأْتِىَ المُصَلَّى.
وقال القاضى: فيه رِوايَةٌ أُخْرَى، حتى يَخْرُجَ الإِمامُ.
فصل: ولا بَأْسَ بخُرُوجِ النِّساءِ يومَ العِيدِ إلى المُصَلَّى.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحَبُّ ذلك.
ورُوِىَ عن أبى بكرٍ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهما، أنَّهما قالا: حَقٌّ على كُلِّ ذاتِ نِطاقٍ أن تَخْرُجَ إلى العِيدَيْنِ 3. وكان ابنُ
..................................
عُمَرَ يُخْرِجُ مَن اسْتَطاعَ مِن أهْلِه إلى العِيدَيْن 1. ورَوَتْ أمُّ عَطِيَّةَ، قالت: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نُخْرِجَهُنَّ في الفِطْرِ والأضْحَى؛ العَوَاتِقَ 2 وذَواتَ الخُدُورِ، فأمّا الحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصلاةَ، ويَشْهَدْنَ الخَيْرَ، ودَعْوةَ المُسْلِمين، قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ: إحْدانا لا يَكُونُ لها جِلْبابٌ؟ قال: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 3. وهذا لَفْظُ رِوايَةِ مسلمٍ.
وقال القاضِى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ ذلك جائِزٌ غيرُ مُسْتَحَبٍّ، وكَرِهَه النَّخَعِىُّ، ويَحْيى الأنْصارِىُّ، وقالا:
وَإذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ، رَجَعَ فِى أُخْرَى.
لا يُعْرَفُ خُرُوجُ المرأةِ في العِيدَيْن عندَنا.
وكَرِهَه سُفْيانُ، وابنُ المُبارَكِ، ورَخَّصَ أهلُ الرَّأْىِ للمرأةِ الكَبِيرَةِ، وكَرِهُوه للشّابَّةِ، لِما في خُرُوجهِنَّ مِن الفِتْنَةِ، وقولِ عائِشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها: لو رَأى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ما أحْدَثَ النِّساءُ لَمَنَعَهُنَّ المَساجدَ، كما مُنِعَت نِساءُ بَنِى إسْرائِيلَ (1). ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن سُنَّةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهى أحَقُّ أن تُتَبّعَ، وقولُ عائِشةَ مُخْتَصٌّ بمَن أحْدَثَتْ دونَ غيرِها، ولا شَكَّ في أنَّ تلك يُكْرَهُ لها الخُرُوجُ، وإنَّما يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الخُرُوجُ غيرَ مُتَطَيِّباتٍ، ولا يَلْبَسْنَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ ولا زِينَةٍ ويَخْرُجْنَ في ثِيابِ البِذْلَةِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» (2). ولا يُخالِطْنَ الرِّجالَ، بل يَكُنَّ ناحِيَةً مِنهم.
678 -
مسألة: (وإذا غَدا مِن طَرِيقٍ، رَجَع في أُخْرَى)
الرُّجُوعُ في غيرِ الطَّرِيقِ التى غَدا منها سُنَّةٌ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ؛ لأنَّ النبىَّ12
..................................
- صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَفْعَلُه.
قال أبو هُرَيْرَةَ: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا خَرَج يَوْمَ العِيدِ في طَرِيقٍ رَجَع في غيرِه 1. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
قال بعضُ أهلِ العِلْمِ: إنَّما فَعَل هذا قَصْدًا لسُلُوكِ الأبعَدِ في الذَّهابِ ليَكْثُرَ ثَوابُه وخُطُواتُه إلى الصَّلاةِ، ويَعُودُ في الأقْصَرِ؛ لأنَّه أسْهَلُ.
وقيل: كان يُحِبُّ أن يَشْهَدَ له الطَّريقانِ.
وقيل: كان يُحِبُّ المُساواةَ بينَ أهلِ الطَّرِيقَيْن في التَّبَرُّكِ بمُرُورِه بهم، وسُرُورِهم برُؤيَتِه، ويَنْتَفِعُونَ بمَسْألَتِه.
وقِيل: لتَحْصُلَ الصَّدَقَةُ ممَّن صَحِبَه على أهلِ الطَّرِيقَيْن مِن الفُقَراء.
وقيل: ليَشْتَرِكَ الطَّرِيقان بوَطْئِه عليهما.
وفى الجُمْلَةِ، الاقْتِداْءُ به سُنَّةً؛ لاحْتِمال بَقاءِ المَعْنَى الذى فَعَلَه لأجلِه، ولأنَّه قد يَفْعَلُ الشئَ لمَعْنًى ويَبْقَى
..................................
في حَقِّ غيرِه سُنَّةً مع زَوالِ المَعْنَى، كالرَّمَلِ والاضْطِباعِ في طَوافِ القُدُومِ، فَعَلَه هو وأصحابُه لإِظْهارِ الجَلَدِ للكُفارِ، وهى سُنَّةٌ.
قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: فيمَ الرَّمَلانُ الآنَ؟ ولمَن نُبْدِى مَناكِبنا وقد نَفَى اللَّهُ المُشْرِكِينَ؟ ثم قال: مع ذلك لا نَدَعُ شيئًا فَعَلْناه مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 1.
وهل مِن شَرْطِها الاسْتِيطانُ، وإذْنُ الإِمامِ، والعَدَدُ المَشْرُوطُ للجُمُعَةِ؟ على رِوايَتَيْن.
679 - مسألة: (وهل مِن شَرْطِها الاسْتِيطانُ، وإذْنُ الإِمامِ، والعَدَدُ المَشْرُوطُ للجُمُعَةِ؟ على رِوايَتَيْن)
يُشْتَرَطُ لوُجُوب صَلاةِ العِيدِ ما يُشْتَرَطُ لوُجُوبِ صَلاةِ الجُمُعَةِ مِن الاسْتِيطانِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُصَلِّها في سَفَرِه، ولا خُلَفاؤُه، وكذلك العَدَدُ المُشْتَرَطُ لصلاةِ الجُمُعَةِ؛ لأنَّها صلاةُ عِيدٍ، فأشْبَهَتِ الجُمُعَةَ.
وفى اشْتِراطِ إذْنِ الإِمامِ رِوايتان؛ أصَحُّهما، أنَّه لا يُشْتَرَطُ، كما قُلْنا في الجُمُعَةِ، ولا يُشْتَرَطُ شئٌ مِن ذلك لصِحَّتِها؛ لأنَّ أنَسًا كان إذا لم يَشْهَدِ العِيدَ مع الإِمامِ، جَمَع أهْلَه ومَوالِيَه،
..................................
ثم قام عبدُ اللَّهِ بنُ أبى عُتْبَةَ مَوْلاه فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْن، يُكَبِّرُ فيهما، ولأنَّها في حَقِّ مَن انْتَفَتْ فيه شُرُوطُ الوُجُوبِ تَطَوُّعٌ، فلم يُشْتَرَطْ لها ذلك، كسائِرِ التَّطَوُّعِ.
وقد ذَكَرَ شَيْخُنا 1 ههُنا رِوايَتَيْن، وكذلك ذَكَره أبو الخَطَّابِ.
وقال القاضى: كلامُ أحمدَ يَقْتَضِى أنَّ في اشْتِراطِ ذلك رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، لا يُقامُ العِيدُ إلَّا حيث تُقامُ الجُمُعَةُ.
وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، إلَّا أنَّه لا يَرَى ذلك إلَّا في المِصْرِ؛ لقَوْلِه: لا جُمُعَةَ ولا تَشْرِيقَ إلَّا في مِصْرٍ جامِعٍ 2. والثَّانِيَةُ، يُصَلِّيها المُنْفَرِدُ والمُسافِرُ، والعَبْدُ، والنِّساءُ.
وهذا قولُ الحسنِ، والشافعىِّ؛ لِما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّ الإِمامَ إذا خَطَب مَرَّةً، ثم أرادُوا أن يُصَلُّوا، لم يَخْطُبُوا ثانيًا، وصَلَّوْا بلا خُطْبَةٍ، كيْلا يُؤَدِّىَ إلى تَفْرِيقِ الكَلِمَةِ، وهذا التَّفْصيلُ الذى ذَكَرْناه أوْلَى ما قيل به، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
..................................
فصل: قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا قُلْنا: مِن شَرْطِها العَدَدُ.
وكانت قَرْيَةٌ إلى جانِبِ قَرْيَةٍ أو مِصْرٍ يُصَلَّى فيه العِيدُ، لَزِمَهم السَّعْىُ إلى العِيدِ، سواءٌ كانوا بحيثُ يَسْمَعُونَ النِّداءَ أم لا؛ لأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما لم يَلْزَمْ إتْيانُها مع عَدَم السَّماعِ؛ لتَكَرُّرِها، بخِلافِ العِيدِ، فإنَّه لا يَتَكَرَّرُ، فلا يَشُقُّ إتْيانه.
وَتسَنُّ فِى الصَّحْرَاءِ، وَتُكْرَهُ فِى الْجَامِعِ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ.
680 - مسألة: (وتُسَنُّ في الصَّحراءِ، وتُكْرَهُ في الجامِعِ، إلَّا مِن عُذْرٍ)
السُّنَّةُ أن يُصَلَّى العِيدُ في المُصَلَّى، أمَرَ بذلك علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، واسْتَحْسَنَه الأوْزَاعِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وهو قولُ ابنَ المُنْذِرِ.
وحُكِىَ عن الشافعىِّ، إن كان مَسْجِدُ البَلَدِ واسِعًا، فالصلاةُ فيه أوْلَى؛ لأنَّه خَيْرُ البِقاعِ وأطْهَرُها، ولذلك يُصَلِّى أهلُ مَكَّةَ في المَسْجِدِ الحَرامِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْرُجُ إلىْ المُصَلَّى ويَدَعُ مَسْجِدَه، وكذلك الخُلَفاءُ
..................................
الرَّاشِدُون بعدَه، ولا يَتْرُكُ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الأفْضَلَ مع قُرْبِه، ويَتَكَلَّفُ فِعْلَ المَفْضُول مع بُعْدِه، ولا يَشْرَعُ لاُّمَّتِه تَرْكَ الفَضائِلِ، ولأنّا قد أُمِرْنا باتِّباعِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- والاقْتِداءِ به، ولا يَجُوزُ أن يكونَ المَأمُورُ به هو النّاقِصَ، ولأنَّ هذا إجْماعٌ، فإنَّ النّاسَ في كُلِّ عَصْرٍ يَخْرُجُون إلى المُصَلَّى، فيُصَلُّون فيه العِيدَيْن، مع سَعَةِ المَسْجِدِ وضِيقِه، ولم يُنْقَلْ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه صَلَّى العِيدَ بمَسْجدِه إلَّا مِن عُذْرٍ، مع شَرَفِ مَسْجِدِه.
ورَوَيْنا عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قِيلَ له: قد اجْتَمَعَ في المَسْجدِ ضُعَفاءُ النّاسِ وعُمْيانُهم، فلو صَلَّيْتَ بهم في المَسْجِدِ؟ فقال: أُخالِفُ السُّنَّةَ إذًا، ولكنْ أخْرُجُ إلى المُصَلَّى، وأسْتَخْلِفُ مَن يُصلِّى بهم في المَسْجِدِ أرْبَعًا 1. وصلاةُ النَّفْلِ في البَيْتِ أفْضَلُ منها، مع شَرَفِه.
ويُسْتَحَبُّ للإِمامِ إذا خَرَج أن يَسْتَخْلِفَ في المَسْجِدِ مَن يُصَلِّى بضَعَفَةِ النّاس في الجامِعِ؛ لأنَّ عَليًّا، رَضِىَ اللَّهُ
..................................
عنه، اسْتَخْلَفَ أبا مَسْعُودٍ البَدْرِىَّ يُصَلِّى بضَعَفَةِ النّاسِ في المَسْجِدِ.
رَواه سَعِيدٌ.
وهل يُصَلِّى المُسْتَخْلَفُ رَكْعَتَيْن، أم أرْبَعًا؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهُما، يُصَلِّى أرْبَعًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن قولِ علىٍّ.
والثّانيةُ، يُصَلِّى رَكْعَتَيْن.
ورُوِى أنَّه صَلَّى أرْبَعًا.
فإن كان عُذْرٌ مِن مَطَرٍ أو نحوِه، صَلَّى في المَسْجِدِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أصابَنا مَطَرٌ في يَوْمِ عِيدٍ، فصَلَّى بنا رسولُ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم- في المَسْجِدِ.
رَواه أبو داودَ 1.
فصل: ولا يُشْرَعُ لها أذانٌ ولا إقامَةٌ، ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا، إلَّا
وَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَيُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ،
أنَّه رُوِىَ عن ابنِ الزُّبَيْرِ أنَّه أذَّنَ وأقامَ.
وقِيلَ: أوَّلُ مَن أذَّنَ في العِيدَيْن ابنُ زِيادٍ.
وهذا يَدُلُّ على انْعِقادِ الإِجْماعِ قبلَه أنَّه لا يُسَنُّ ذلك.
وبه يقولُ مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقد روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى العِيدَيْن بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ.
وعن جابِرٍ مثلُه.
مُتَّفَقٌ عليهما (1). وعن عَطاءٍ، قال: أخْبَرَنِى جابِرٌ أن لا أذانَ للصلاةِ يَومَ الفِطْرِ حينَ يَخْرُجُ الإِمامُ، ولا بعدَ ما يَخْرُجُ الإِمامُ، ولا إقامَةَ، ولا نِداءَ ولا شئَ، لا نِداءَ يَوْمَئِذٍ ولا إقامَةَ.
رَواه مسلمٌ (2). وقال بعضُ أصحابِنا: يُنادَى لها: الصلاةَ جامِعةً.
وهو قولُ الشافعىِّ.
والسُّنَّةُ أحَقُّ أن تُتَّبَعَ.
681 -
مسألة: (ويَبْدأُ بالصلاةِ، فيُصلِّى رَكْعَتَيْن)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يَبْدأُ في العِيدِ بالصَّلاةِ قبلَ الخُطْبَةِ، لا نَعْلَمُ في ذلك خِلَافًا، إلَّا ما رُوِىَ عن بَنِى أُمَيَّةَ.
وقِيلَ: إنَّه يُرْوَى عن عُثمانَ، وابنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُما فَعَلا ذلك.
ولا يَصِحُّ عنهما، وخِلافُ بَنِى أُمَيَّةَ مَسْبُوقٌ بالإِجْماعِ، فلا يُعْتَدُّ به، ولأنَّه مُخالِفٌ لسُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الصَّحِيحَةِ، ولخُلَفائِه12
..................................
الرّاشِدِين؛ فإنَّ ابنَ عُمَرَ قال: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبا بكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، كانوا يُصَلّونَ العِيدَيْن قبلَ الخُطْبَةِ.
مُتَّفقٌ عليه 1. وقد أُنْكِرَ على بَنِى أُمَيَّةَ فِعْلُهم، وعُدَّ مُنْكَرًا وبِدْعَةً، فرَوَى طارِقُ بنُ شِهابٍ، قال: قَدَّمَ مَرْوانُ الخُطْبَةَ قبلَ الصَّلاةِ، فقامَ رجلٌ، فقال: خالَفْتَ السُّنَّةَ، كانتِ الخُطْبَةُ بعدَ الصَّلاةِ.
فقال: تُرِك ذلك يا أبا فُلانٍ.
فقامَ أبو سعيدٍ فقال: أمّا هذا المُتَكَلِّمُ فقد قَضَى ما عليه، قال لَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ رَأىَ مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ 2 بِيدِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسَانِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ».
رَواه أبو داودَ الطَّيالِسىّ، عن شُعْبَةَ، عن قَيْصرِ بنِ مسلمٍ، عن طارقٍ.
ورَواه مسلمٌ بمَعْناه 3. فعلى هذا مَن خَطَب قبلَ
يُكَبِّرُ فِى الأُولَى بَعْدَ الِاسْتِفْتَاح.
وَقَبْلَ التَّعَوُّذِ سِتًّا، وَفِى الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ خَمْسًا،
الصَّلاةِ فهو كمَن لم يَخْطُبْ؛ لأنَّه خَطَب في غيرِ مَحَلِّ الخُطْبَةِ، أشْبَهَ ما لو خَطَب في الجُمُعَةِ بعدَ الصَّلاةِ.
فصل: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلْمِ أنَّ صلاةَ العِيدِ رَكْعَتان، وذلك المُتَواتِرُ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه فَعَل ذلك، وفَعَلَه الأئِمَّةُ بعدَه.
وقد قال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: صلاةُ العِيدِ رَكْعتان، تَمامٌ غيرُ قَصْرٍ، على لِسانِ نَبِيِّكم -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد خاب مَن افْتَرَى (1).
682 -
مسألة: (يُكَبِّرُ في الأُولَى بعدَ الاسْتِفْتاحِ وقبلَ التَّعَوُّذِ سِتًّا، وفى الثّانِيَةِ بعدَ القِيام مِن السُّجُودِ خَمْسًا)
السُّنَّةُ أن يَسْتَفْتِحَ بعدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، ثم يُكَبِّرَ تَكبِيراتِ العِيدِ، ثم يَتَعَوَّذَ، ثم يَقْرَأ.
هذا المَشْهُورُ في المَذْهَبِ، ومَذْهَبُ الشافعىِّ.
وعن الإِمامِ أحمدَ، أنَّ الاسْتِفْتاحَ بعدَ التَّكْبِيراتِ.
اخْتارَها الخَلّالُ وصاحِبُه.
وهو قولُ الأوْزاعِىِّ؛ لأنَّ1
..................................
الاسْتِفْتاحَ يَلِيه الاستِعاذةُ [في سائِرِ الصَّلَواتِ، كذلك ههُنا، والقِراءَةُ تَلِى الاسْتِعاذَةَ] 1. قال أبو يوسفَ: يَتَعَوَّذُ قبلَ التَّكْبِيرِ؛ لئَلّا يَفْصِلَ بينَ الاسْتِفْتاحِ والاسْتِعاذةِ.
ولَنا، أنَّ الاسْتِفْتاحَ يُشْرَعُ لافْتِتاحِ الصَّلاةِ، فكان في أوَّلِها كسائِرِ الصَّلَواتِ، والاسْتِعاذَةُ شُرِعَتْ للقِراءَةِ، فهى تابِعَةٌ لها، فتكونُ عندَ الابْتِداءِ بها؛ لقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 2. وإنَّما جَمَع بينَهما في سائِرِ الصَّلَواتِ؛ لأنَّ القِراءَةَ تَلِى الاسْتِفْتاحَ مِن غيرِ فاصِلٍ، فَلَزِمَ أن يَليَه ما يكونُ في أوُّلِها بخِلافِ مَسأَلَتِنا.
وأيَّما فَعَل كان جائِزًا.
فصل: وعَدَدُ التَّكْبِيراتِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى ستُّ تَكْبِيراتٍ غيرَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، وفى الثّانيةِ خَمْسٌ سِوَى تَكْبِيرَةِ القِيامِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: يُكَبِّرُ في الأُولَى سَبْعًا مع تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ، وِلا يَعْتَدُّ بتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ؛ لأنَّ بينَهما قِراءَةً، ويُكَبِّرُ في الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ خمْسَ تَكْبِيراتٍ، ولا يَعْتَدُّ بتَكْبِيرَةِ النُّهُوضِ، ثم يَقْرأُ في الثّانِيَةِ، ثم يُكَبِّرُ ويَرْكَعُ.
ورُوِىَ ذلك عن فُقَهاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ 3، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِىِّ،
..................................
ومالكٍ، والمُزَنِىِّ.
ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، وأبى سَعِيدٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، ويَحْيى الأنْصارِىِّ، قالوا: يُكَبِّرُ في الأُولَى سَبْعًا وفى الثّانِيَةِ خَمْسًا.
وبه قال الشافعىُّ، وإسْحاقُ، إلَّا أنَّهم قالوا: يُكَبِّرُ سَبْعًا في الأُولَى سِوَى تَكْبيرَةِ الافْتِتاحِ 1؛ لقَوْلِ عائِشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها وعن أبِيها: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُكَبِّرُ في العِيدَيْنِ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سِوَى تَكْبِيرَةِ الافْتِتاحِ.
رَواه الدّارَقُطْنِىُّ 2. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، وأنَسٍ، والمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىِّ: يُكَبِّرُ سَبْعًا.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: في الأُولَى والثّانِيَةِ ثَلاثًا ثَلاثًا؛ لِما روَى أبو موسى، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُكَبِّرُ تَكْبِيرَه على الجِنازةِ ويُوالِى بينَ القِراءَتَيْنِ.
رَواه أبو داودَ 3. ورُوِىَ أنَّ سَعِيدَ بنَ العاصِ سأل أبا موسى، وحُذَيْفَةَ: كيف كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُكَبِّرُ في الأضْحَى والفِطْرِ؟ فقال أبو موسى: كان يُكَبِّرُ أرْبَعًا، تَكْبِيرَه على الجِنازَةِ.
فقالَ حُذَيْفَةُ: صَدَق 4. ولَنا، ما روَى كثِيرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن أبِيه، عن جَدَّه، أنَّ
..................................
النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَبَّرَ في العِيدَيْن في الأُولَى سَبْعًا قبلَ القِراءَةِ، وفى الثّانِيَةِ خَمْسًا قبلَ القِراءةِ.
رَواه الأثرَمُ، وابنُ ماجه، والتِّرْمِذِىُّ 1، وقال: هو حديثٌ حسنٌ، وهو أحْسَنُ حَدِيثٍ في البابِ.
وعن عائِشَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ في الفِطْرِ والأضْحَى؛ في الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيراتٍ، وفى الثّانيةِ خَمْسًا سِوَى تَكْبِيرتَى الرُّكُوعِ.
رَواه أبو داودَ 2. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: قد رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ حِسانٍ، أنَّه كَبَّرَ في العِيدِ سَبْعًا في الأُولَى وخَمْسًا في الثّانِيَةِ مِن حَدِيثِ عبدِ اللَّه بنِ عَمْرو، وابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وعائِشَةَ، وأبى واقِدٍ، وعَمْرِو ابنِ عَوْفٍ، ولم يُرْوَ عنه مِن وَجْهٍ قَوِىٍّ ولا ضَعِيفٍ خِلافُ هذا، وهو أوْلَى ما عُمِل به.
وحديثُ عائشةَ المَعْرُوفُ عنها كما رَوَيْناه، وحَدِيثُهم إنَّما رَواه الدّارَقُطْنِىُّ مِن رِوايَةِ ابن لِهِيعَةَ 3، وحَدِيثُ أبى موسى ضَعِيفٌ، يَرْوِيه أبو عائشةَ 4، جَلِيسٌ لأبى هُرَيْرَةَ، وهو غيرُ مَعْرُوفٍ.
واللَّهُ أعلمُ.
يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، ويَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَصَلَّى اللَّه عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِىِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
وَإنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ.
683 - مسألة: و (يَرْفَعُ يَدَيْه مع كلِّ تَكْبِيرَةٍ)
يُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ يَدَيْه في حالِ تَكْبيرِه، كرَفْعِهما مع تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ.
وبه قال عَطاءٌ، والأوْزاعِىّ، وأبَو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال مالكٌ، والثَّوْرِىّ: لا يَرْفَعُهما فيما عدا تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ؛ لأنَّها تَكْبِيراتٌ في أثْناءِ الصَّلاةِ، أشْبَهَتْ تَكْبِيراتِ الرُّكُوعِ.
ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَرْفَعُ يَدَيْه مع التَّكْبِيرِ 1. قال أحمدُ: أمّا أنا فأرَى أنَّ هذا الحديثَ يدْخُلُ فيه هذا كلُّه.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَرْفَعُ يَدَيْه في كلِّ تَكْبِيرَةٍ في الجِنازَةِ، وفى العِيدِ.
رَواه الأثْرَمُ 2. ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ في الصَّحابةِ.
فأمّا تَكْبِيراتُ الرُّكُوعِ، قُلْنا: فيها مَنْعٌ.
وإن سُلِّمَ؛ فلأنَّ هذه يَقَعُ طَرَفاها في حالِ القِيامِ، فهى بمَنْزِلَةِ تَكْبِيرَةِ الافْتِتاحِ.
واللَّهُ أعلمُ.
684 -
مسألة: (ويَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ للَّهِ كَثِيرًا، وسبحان اللَّه بُكْرَةً وأصِيلًا، وصَلَّى اللَّهُ على مُحمَّدٍ النبىِّ وآلِه وصَحْبِه وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
وإن أحَبَّ قال غيرَ ذلك)
وجملةُ ذلك، أنَّه متى فَرَغ مِن
..................................
الاسْتِفْتاحِ في صَلاةِ العِيدِ، حَمِد اللَّهَ وأثْنَى عليه، وصَلَّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم فَعَل ذلك بينَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْن، وإن قال ما ذُكِرَ ههُنا فحَسَنٌ؛ لكَوْنِه يَجْمَعُ ذلك كلَّه، وإن قال غيرَه نحوَ: سبحان اللَّهِ، والحَمْدُ للَّهِ، ولا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، أو ما شاءَ مِن الذِّكْرِ فجائِزٌ.
وبهذا قال الشافعىُّ وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ: يُكَبِّرُ مُتَوالِيًا، لا ذِكْرَ بينَه؛ لأنَّه لو كان بينَه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لنُقِلَ كما نُقِلَ التَّكْبِيرُ، ولأنَّه ذِكْرٌ مِن جِنْسٍ مَسْنونٍ، فكان مُتَوالِيًا، كالتَّسْبِيحِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودٍ.
ولَنا، ما روَى عَلْقَمَةُ، أنَّ عبدَ اللَّه بنَ مسعودٍ، وحُذيْفَةَ، وأبا موسى، خرَج عليهم الوَلِيدُ ابنُ عُقْبَةَ قبلَ العِيدِ يَوْمًا، فقال لهم: إنَّ هذا العِيدَ قد دَنا، فكيف التَّكْبِيرُ فيه؟ فقال عبدُ اللَّهِ: تَبْدَأُ فتُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً تَفْتَتِحُ بها الصلاةَ، وتَحْمَدُ رَبَّكَ، وتُصَلِّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو
ثُمَّ يَقْرا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِى الأولَىْ بـ «سَبِّح»، وَفِى الثَّانِيَةِ بِـ «الغَاشِيَةِ»، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ،
وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَقْرأُ، ثم تُكَبِّرُ وتَرْكَعُ، ثم تَقُومُ فتَقْرأُ وتَحْمَدُ رَبَّكَ، وتُصَلِّى على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم تَدْعُو وتُكَبِّرُ، وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تُكَبِّرُ وتَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم تَرْكَعُ.
فقال حُذَيْفَةُ وأبو موسى: صَدَق أبو عبدِ الرحمنِ.
رَواه الأثْرَمُ (1). ولأنَّها تَكْبِيراتٌ حالَ القِيامِ، فاسْتُحِبَّ أن يَتَخَلَّلَها ذِكْرٌ، كتَكْبِيراتِ الجِنازَةِ، وتُفارِقُ التَّسْبِيحَ، فإنَّه ذِكْر يَخْفَى ولا يَظْهَرُ، بخِلافِ التَّكْبِيرِ.
وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بتَكْبِيراتِ الجِنازَةِ.
قال القاضى: يَقِف بينَ كلِّ تَكْبِيرَتَيْن بقَدْرِ آيَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
685 -
مسألة: (ثم يَقْرأُ بعدَ الفاتِحَةِ في الأُولى بـ «سَبِّح»
2.1
..................................
وفى الثّانيةِ بـ «الغاشِيَة»، ويَجْهَرُ بالقِراءَةِ) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّه يُشْرَعُ أن يَقْرَأ في كلِّ رَكْعَةٍ مِن صلاةِ العِيدِ بفاتِحَةِ الكِتاب وسُورَةٍ، وأنَّه يُسَنُّ الجَهْرُ في القراءَةِ فيما نَعْلَمُ، إلَّا أنَّه رُوِىَ عن علىٍّ، أَنَّه كان إذا قَرَأ في العِيدَيْن أسْمَعَ مَن يَلِيه، ولم يَجْهَرْ ذلك الجَهْرَ 1. وقال ابنُ المُنْذِرِ: أكثَرُ أهلِ العِلْم يَرَوْن الجَهْرَ بالقِراءَةِ، وفى أخْبارِ مَن أخْبَرَ بقِراءَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها دَلِيلٌ على أنَّه كان يَجْهَرُ، ولأنَّها صلاةُ عِيدٍ، أشْبَهَتِ الجُمُعَةَ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأ في الأُولَى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
وفى الثّانيةِ بالغاشِيَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النُّعمانَ بنَ بَشِيرٍ، قال: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْرَأُ في العِيدَيْن وفى الجُمُعَةِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وربَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فقرأ بهما.
رَواه مسلمٌ 2. وقال الشافعىُّ: يقرأُ بـ «ق».
و «اقْتَرَبَتِ» 3. وحَكاه ابنُ أبى موسى، عن أحمدَ، لِما رُوى أنَّ
وَيَكُونُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِى الرَّكْعَتَيْنِ.
وَعَنْهُ، يُوَالِى بَيْنَ الْقرَاءَتَيْنِ.
عُمَرَ سألَ أبا واقِدٍ اللَّيْثِىَّ: ماذا كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقْرأُ به في الفِطْرِ والأضْحَى؟ فقال: كان يَقْرأُ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾.
و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ رَواه مسلمٌ (1). قال أبو حنيفةَ: ليس فيه شئٌ مُؤَقَّتٌ.
وحَكاه ابنُ عَقِيلٍ رِوايَةً عن أحمدَ.
وكان ابنُ مسعودٍ يَقْرأُ بالفاتِحَةِ وسورَةٍ مِن المُفَصَّلِ.
ومَهْما قَرَأ به كان حَسَنًا، إلَّا أنَّ ما ذَكَرْناه أحْسَنُ؛ لأنَّه كان مَذْهَبًا لعُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، وعَمِل به، ولأنَّه قد رَواه مع النُّعْمانِ ابنُ عباسٍ، وسَمُرَةُ، ولأنَّ في ﴿سَبِّحِ﴾ الحَثَّ على الصَّلاةِ وزكاةِ الفِطْرِ، على ما قاله سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، في تَفْسِيرِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (2). فاخْتُصَّتِ الفَضِيلَةُ به، كاخْتِصاصِ الجُمُعَةِ بسُورَتِها.
686 -
مسألة: (ويَكُونُ بعدَ التَّكْبِيرِ في الرَّكْعَتَيْن. وعنه، يُوالِى بينَ القِراءَتَيْن)
المَشْهُورُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، أنَّ القِراءَةَ تكونُ بعدَ التَّكْبِيرِ في الرَّكْعَتَيْن.
رُوِىَ ذلك عن أبى هُرَيْرةَ، والفُقَهاءِ السَّبْعَةِ، وعُمَرَ ابنِ عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، الشافعىِّ، واللَّيْثِ.
ورُوِىَ عن12
..................................
أحمدَ، أنَّه يُوالِى بينَ القِراءَتَيْن.
ومَعْناه أنَّه يُكَبِّرُ في الأُولَى قبل القِراءَةِ، وفى الثَّانيةِ بعدَها.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
ورُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وحُذَيْفَةَ، وأبى موسى، وأبى مسعودٍ البَدْرِىِّ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والثَّوْرِىِّ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ ابنِ مسعودٍ.
وعن أبى موسى، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُكَبِّر تَكْبِيرَه على الجِنازَةِ، ويُوالِى بينَ القِراءَتَيْن.
رَواه أبو داودَ 1. ولَنا، ما رَوَت عائشةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكَبِّرُ في العِيدَيْن سَبْعًا وخَمْسًا قبلَ القِراءَةِ.
رَواه أحمدُ في المُسْنَدِ 2. وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو 3، قال: قال نبىُّ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «التَّكْبِيرُ فِى الفِطْرِ سَبْعٌ فِى الأُولَى، وَخَمسٌ فِى الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُما كِلْتَيْهِمَا».
رَواه أبو داودَ 4، والأثْرَمُ.
ورَواه ابنُ ماجه (4)، عن سَعْدٍ مُؤَذِّنِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَ ذلك.
وحَدِيثُ أبى موسى ضَعِيفٌ.
قالَه الخَطّابِىُّ 5. وليس في رِوايَةِ ألى داودَ أنَّه والَى بينَ القِراءَتَيْن.
فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَسْتَفْتِحُ الأُولَى بِتِسْعِ تَكبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ، يَحُثُّهُمْ فِى خُطْبَةِ الْفِطْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ، وَيُرَغِّبُهُمْ فِى الأُضْحِيَةِ فِى الْأَضْحَى، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حُكْمَ الأُضْحِيَةِ.
687 - مسألة: (فإذا سَلَّمَ خَطَب خُطْبَتَيْن، يَجْلِسُ بينَهما، يَفْتَتِحُ الأُولَى بتِسْعِ تَكْبِيراتٍ، والثّانِيَةَ بسَبْعٍ، يَحُثُّهم في خُطْبَةِ الفِطْرِ على الصَّدَقَةِ، ويُبَيِّنُ لهم ما يُخْرِجُون، ويُرَغِّبُهم في الأضْحِيَةِ في الأضْحَى، ويُبَيِّنُ لهم حُكْمَ الأُضْحِيَةِ)
الخُطْبَتان مَشْرُوعَتان بعدَ صلاةِ العِيدِ، ويُسْتَحَبُّ الجُلُوسُ بينَهما؛ لِما روَى جابرٌ، قال: خَرَج رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَوْمَ فِطْرِ أو أضْحَى، فخَطَبَ قائِمًا، ثم قَعَد قَعْدَةً، ثم قام.
رَواه ابنُ ماجه 1. ويكُونان بعدَ الصَّلاةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.
وصِفَتُها كصِفَةِ خُطبَتَى الجُمعَةِ قِياسًا عليهما، إلَّا أنَّه يَسْتَفْتِحُ الأُولَى بتسْعِ تَكْبِيراتٍ
..................................
مُتَوالِياتٍ، والثانيةَ بسَبْعٍ مُتَوالِياتٍ.
قال القاضى: وإن جَعَل بينَهما تَهْلِيلًا أو ذِكْرًا فحَسَنٌ؛ لِما روَى سعيدٌ، حدَّثنا يَعْقُوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبِيه، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: يُكَبِّرُ الإِمامُ يَوْمَ العِيدِ على المِنْبَرِ قبلَ أن يَخْطُبَ بتِسْعِ تَكْبِيراتٍ، ثم يَخْطُبُ، وفى الثّانِيَةِ بسَبْعِ تَكْبِيراتٍ 1. ورُوِىَ عنه أنَّه قال: هو مِن السُّنَّةِ.
ذَكَرَه البَغَوِىُّ.
ويُسْتَحَبُّ أن يُكْثِرَ التَّكْبيرَ في أضْعافِ خُطْبَتِه، لِما روَى سَعْدٌ مُؤَذِّنُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُكثِرُ التَّكْبِيرَ في خُطْبَةِ العِيدَيْن بينَ أضْعافِ الخُطْبَةِ.
رَواه ابنُ ماجه 2. وإذا كَبَّرَ في أثْناءِ الخُطْبَةِ كَبَّرَ النّاسُ بتَكْبِيرِه.
وقد رُوِىَ عن أبى موسى، أنَّه كان يُكَبِّرُ يَوْمَ العِيدِ على المِنْبَرِ ثَلاثِين أو أرْبَعِين تَكْبِيرَةً.
ويُسْتَحَبُّ أن يَجْلِسَ إذا صَعِد المِنْبَرَ قبلَ الخُطْبَةِ ليَسْتَرِيحَ، كالجُمُعَةِ.
وقِيلَ: لا يَجْلِسُ، لأنَّ الجُلُوسَ في الجُمُعَةِ للأذانِ، ولا أذانَ ههُنا.
..................................
فصل: فإن كان فِطْرًا يَحُثُّهم على الصَّدَقَةِ، ويُبَيِّنُ لهم وُجُوبَ صَدَقَةِ الفِطْرِ وثَوابَها، وقَدْرَ المُخْرَجِ، وجِنْسَه، وعلى مَن تَجبُ، ووَقْتَها، وإن كان أضْحَى ذَكَر لهم الأُضْحِيَةَ، وفَضْلَها، وتَأكُّدَ اسْتِحْبابِها، وما يُجْزِئُ منها وما لا يُجْزِئُ، ووَقْتَ الذَّبْحِ، وصِفَةَ تَفْريقِها، وما يَقُولُ عندَ ذَبْحِها؛ ليَعْمَلُوا بذلك.
وقد روَى أبو سعيدٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَخْرُجُ يَوْمَ الأضْحَى ويَومَ الفِطْرِ، فيَبْدأُ بالصلاةِ، فإذا صَلَّى صَلاتَه وسَلَّمَ، قام فأقْبَلَ على النّاسِ وهم جُلُوسٌ في مُصَلَّاهُم، فإن كان له حاجةٌ ببَعْثٍ ذَكَرَه للنّاسِ، أو كانت له حاجةٌ بغيرِ ذلك أمَرَهم بها، كان يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا».
وكان أكْثَرَ مَن يَتَصَدَّقُ النِّساءُ.
مُتَّفَقٌ عليه 1،
..................................
واللَّفْظُ لمسلم.
وعن جابِرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَقَدْ أصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ» 1.
وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ، وَالذِّكْرُ بَيْنَهُمَا، وَالْخُطْبَتَانِ، سُنَّةٌ.
688 - مسألة: (والتَّكْبِيراتُ الزَّوائِدُ، والذِّكْرُ بينَهما، والخُطْبَتان، سُنَّةٌ)
لا تَبْطُلُ بتَرْكِه الصلاةُ عَمْدًا ولا سَهْوًا، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فإن نَسِى التَّكْبِيرَ حتى شَرَع في القِراءَةِ لم يَعُدْ إليه.
ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، وهو
..................................
أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّه سُنَّةٌ، فلم يَعُدْ إليه بعدَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ، كالاسْتِفْتاحِ.
وقالْ القاضى: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَعُودُ إليه.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، والقولُ الثّانِىَ للشافعىِّ؛ لأنَّه ذَكَرَه في مَحَلِّه، فيَأْتِى به، كما قبلَ الشُّرُوعِ في القِراءَةِ؛ لأنَّ مَحَلَّه القِيامُ، وقد ذَكَرَه فيه.
فعلى هذا يَقْطَعُ القِراءَةَ ويُكَبِّرُ، ثم يَسْتَأْنِفُها؛ لأنَّه قَطَعَها مُتَعَمِّدًا بذِكرٍ طوِيلٍ.
وإن كان المَنْسِىُّ يَسِيرًا احْتَمَلَ أن يَبْنِى، لأنَّه يَسِيرٌ، أشْبَهَ ما لو قَطَعَها بقولِ: آمِينَ.
واحْتَمَلَ أن يَبْتَدِئَ؛ لأنَّ مَحَلَّ التَّكْبِيرِ قبلَ القِراءَةِ، ومَحَلَّ القِراءَةِ بعدَ التَّكْبِيرِ.
فإن ذَكَر التَّكْبِيرَ بعدَ القِراءَةِ فأتَى به لم يُعِدِ القِراءَةَ؛ لأنَّها وقَعَتْ مَوْقِعَها.
وإن لم يَذْكُرْه حتى رَكَع سَقَط، وجْهًا واحِدًا، لفَوات مَحَلِّه.
وكذلك المَسْبُوقُ إذا أدْرَكَ الرُّكُوعَ لم يُكَبِّرْ فيه.
وقال أبو حنيفةَ: يُكَبِّرُ فيه، لأنَّه بمَنْزِلَةِ القِيامِ، بدَلِيلِ إدْراكِ.
الرَّكْعَةِ به.
ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ مَسْنُونٌ حالَ القِيامِ، فلم يَأْتِ به في الرُّكُوعِ، كالاسْتِفْتاحِ، وقِراءَةِ السُّورَةِ، والقُنُوتِ عندَه، وإنَّما أدْرَكَ الرَّكْعَةَ بإدْراكِه؛ لأنَّه أدْرَكَ مُعْظَمَها، ولم يَفُتْه إلَّا القِيامُ، وقد حَصَل منه ما يُجْزِئُ في تَكْبِيرَةِ الإِحْرامِ.
وأمّا المَسْبُوقُ إذا أدْرَكَ الإمامَ بعد تَكْبِيره، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يُكَبِّرُ؛ لأنَّه أدْرَكَ مَحَلَّه.
ويَحْتَمِلُ ألَّا يُكَبِّرَ، لأنَّه مَأْمُورٌ بالإِنْصاتِ لقِراءَةِ الإِمامِ.
فعلى هذا إن كان يَسْمَعُ أنْصَتَ، وإن كان بَعِيدًا كَبَّرَ.
فصل: وإذا شَكَّ في عَدَدِ التَّكْبِيراتِ 1، بَنَى على اليَقِينِ، فإن كَبَّرَ
..................................
ثم شَكَّ هل نَوَى تَكْبِيرَةَ الإِحْرامِ أو لا؟ ابْتَدَأ الصلاةَ هو والمَأْمُومُون؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ، إلَّا أن يَكونَ وَسْواسًا، فلا يَلْتَفِتُ إليه.
فصل: والخُطْبَتان سُنَّةٌ، لا يَجِبُ حُضُورُها ولا اسْتِماعُها؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ السّائِبِ، قال: شَهِدْتُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- العِيدَ، فلمّا قَضَى الصلاةَ، قال: «إِنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أحَبَّ أنْ يَجْلِسَ للخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أحَب أنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ».
رواه أبو داودَ، وقال: هو مُرْسَلٌ.
ورَواه ابنُ ماجه، والنَّسائِىُّ 1. قال شيخُنا 2: وإنَّما أُخِّرَتِ الخُطْبَةُ عن الصَّلاةِ، واللَّه أعلمُ؛ لأنَّها لمّا لم تَكُنْ واجِبَةً، جُعِلَتْ في وَقْتٍ يَتَمَكَّنُ مَن أراد تَرْكَها مِن تَرْكِها، بخِلافِ خُطْبَةِ الجُمُعَةِ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ في وُجُوبِ الإِنْصاتِ لها رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يَجِبُ، كالجُمُعَةِ.
والثّانيةُ، لا يَجِبُ؛ لأنَّ الخُطْبَةَ غيرُ واجبَةٍ، فلم يَجِبِ الإِنْصاتُ لها، كسائِرِ السُّنَنِ والأذْكارِ.
والاسْتِماعُ لها أفضَلُ.
وقد رُوِىَ عن الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، أنَّهما كَرِها الكَلامَ يَوْمَ العِيدِ والإِمامُ