الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 86-127

كِتَابُ الشَّركَةِ

صفحات 86-127

وإنِ اشْتَرَى امْرَأتهُ، صَحَّ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُ.

2079

  • مسألة: (وإنِ اشْتَرَى امْرَأتَه، صَح، وانْفَسَخَ نكاحُهما) لأنَّه مَلَكَها، فإن كان قبْلَ الدُّخولِ، فهل يَلْزَمُ الزَّوْجَ نِصْف الصَّداقِ؟ فيه وَجْهان، يُذْكَران فيما بعدُ، إن شاء الله تعالى.
    فإن قُلْنا: يَلْزَمُه.
    رَجَع به على العامِلِ؛ لأنه سبَبُ تَقْرِيرِه عليه، فرَجَعَ عليه، كما لو أفْسَدَتِ امْرأة نِكاحَه بالرَّضَاعِ.
    وإنِ اشْتَرَى زَوْجَ رَبَّةِ المالِ، صَحَّ، وانْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّها مَلَكَتْ زَوْجَها.
    وهذا قول أبي حنيفةَ.
    وقال

..................................  الشافعي 1: لا يَصِح الشِّراءُ إلا أن يَكُونَ بإذْنِها؛ لأن الإذْن إنَّما يَتَناوَلُ شِراءَ مالها فيه حَظ، وهذا الشِّراءُ يَضُر بها؛ لأنَّه يَفْسَخُ نِكاحَها، ويُسْقِط حَقها 2 مِن النفَقَةِ والكُسْوَةِ، فلم يَصِحَّ، كشِراءِ ابنها 3. ولَنا، أنه اشْتَرَى ما يُمْكِنُ طَلَبُ الرِّبْحِ فيه، فجاز، كما لو اشْتَرَى أجْنَبِيًّا، ولا ضَمانَ على العامِلِ فيما يَفُوتُ مِن المَهْرِ ويَسْقُطُ مِن النَّفَقَةِ؛ لأنَّ ذلك لا يَعُودُ إلى المُضارَبَةِ، وإنَّما هو بسَبَب آخَرَ، ولا فَرْقَ بينَ شِرائِه في الذِّمةِ أو بعَينَ المالِ.
فصل: وإنِ اشْتَرَى المَأذُونُ له مَن يَعْتِقُ على رَبِّ المالِ بإذْنِه، صَحَّ وعَتَق.
فإن كان على المَأذُونِ له دَين يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه وما في يَدِه، وقلنا: يَتَعَلَّقُ الدَّينُ برَقَبَتِه.
فعليه دَفْعُ قِيمَةِ العَبْدِ الذي عَتَق إلى الغُرَماءِ؛ لأنَّه الذي أتْلَفَ عليهم بالعتْقِ.
وإن نَهاه عن الشِّراءِ، فالشِّراءُ باطِلٌ؛ لأنَّه يَمْلِكُه بالإذْنِ، وقد زال بالنَّهْي.
وإن أطْلَقَ الإذْنَ، فقال أبو الخَطّابِ: يَصِح شِراؤه؛ لأنَّ مَن يَصِحُّ أن يَشْتَرِيَه السَّيِّدُ، صَحَّ مِن 4 المَأذُونِ له، كالأجْنَبِيِّ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ إذا أذِنَ له في التِّجارَةِ ولم يَدْفَعْ إليه مالًا.
وقال القاضي: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ فيه إتْلافًا على السَّيِّدِ، فإنَّ إذنه يَتَناوَلُ ما فيه حَظ، فلا يَدْخُلُ فيه الإِتْلافُ.
وفارَقَ عامِلَ

وَإنِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْح، لَمْ يَعْتِقْ، وَإنْ ظَهَرَ رِبْحٌ، فَهَلْ يَعْتِقُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
المضارَبَةِ؛ لأنَّه يَضْمَنُ القِيمَةَ، فيَزُولُ الضَّرَرُ.
وللشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَين.
وإنِ اشترَى امْرأةَ رَبِّ المالِ، أو زَوْجَ رَبَّةِ المالِ، فهل يَصِحُّ؟ على وَجْهَين أيضًا، كَشِراءِ مَن يَعْتِقُ بالشراءِ.

2080 -

مسألة: (وإنِ اشْتَرى)

المُضارِبُ (مَن يَعْتِقُ) عليه، صَحَّ الشِّراءُ، فإن (لم يَظْهَرْ في المالِ رِبْح، لم يَعْتِقْ) منه شيء (وإن ظَهَر) فيه (رِبْحٌ) ففيه وَجْهان، مَبْنِيّان على العامِلِ متى يَمْلِكُ الرِّبْحَ؟ فإن قُلْنا: يَمْلِكُه بالقِسْمَةِ.
لم يَعْتِقْ منه شيء؛ لأنَّه [ما مَلَكَه] 1. وإن قُلْنا: يَمْلِكُه بالظُّهُورِ.
ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَعْتِقُ.
وهو قولُ أبي بكر؛ لأنَّه لم يتمَّ مِلْكُه عليه؛ لكَوْنِ الرِّبْحِ وقايةً لرَأسِ المالِ، فلم يَعْتِقْ؛ لذلك.
والثاني، يَعْتِقُ بقَدْرِ حِصَّتِه مِن الرِّبْحِ، إن كان مُعْسِرًا، ويُقَوَّمُ عليه باقِيه

..................................  إن كان مُوسِرًا؛ لأنَّه 1 مَلَكَه بفِعْلِه، فعَتَقَ عليه، كما لو اشْتَراه بمالِه.
وهذا قولُ القاضِي، ومَذْهَبُ أصحابِ أبي حنيفةَ، لكنْ عِنْدَهم يسْتَسْعى في بَقِيَّته إن كان مُعْسِرًا.
ولَنا رِوايَة كقَوْلِهم.
وإنِ اشْتَراه ولم يَظْهَرْ رِبْحٌ، ثم ظَهَر بعدَ ذلك، والعَبْدُ باقٍ في التِّجارَةِ، فهو كما لو كان الربحُ ظاهِرًا وَقْتَ الشِّراءِ.
وقال الشافعيُّ: إنِ اشْتَراه بعدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، لم يَصِحَّ؛ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى أن يُنْجزَ العامِلُ حَقَّه قبلَ رَبِّ المالِ.
ولَنا، أنَّهما شَرِيكان، فصَحَّ شِراءُ كلِّ واحِدٍ منهما مَن يَعْتِقُ عليه، كشَرِيكَيِ العِنانِ.

..................................  فصل: وليس للمُضارِبِ أن يَشْترِيَ بأكثر مِن رَأسِ المالِ؛ لأنَّ الإِذْنَ ما تَناوَلَ أكْثَرَ منه.
فإذا كان رَأسُ المالِ ألْفًا، فاشْتَرَى عَبْدًا بألْفٍ، ثم اشْتَرَى عَبْدًا آخَرَ بِعَينِ الألْفِ، فالشِّراءُ فاسِد؛ لأنَّه اشْتَرَى بمالٍ 1 تسْتَحَقُّ تَسْلِيمه في البَيعِ الأوَّلِ.
وإنِ اشْتَراه في ذِمَّتِه، صَحَّ الشِّراء، والعَبْد له؛ لأنَّه اشْتَرَى في ذِمَّتِه لغيرِه بغيرِ إذْنِه في شِرَائِه فوَقَعَ له 2. وهل يَقِفُ على إجازَةِ رَبِّ المالِ؟ على رِوايَتَين.
ومَذْهَب الشافعيِّ كنَحْو ما ذَكَرْنا.
فصل: وليس للمُضارِبِ وَطْءُ أمَةِ المُضارَبَةِ 3، سَواءٌ ظَهَر رِبْحٌ أو لا، فإن فَعَل، فعليه المَهْرُ والتَّعْزِيرُ.
وإن عَلِقَتْ منه ولم يَظْهَرْ في المالِ رِبْحٌ، فوَلَده رَقِيق؛ لأنَّها عَلِقَتْ منه في غيرِ مِلْكٍ، ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ، ولا تَصِير أمَّ وَلَدٍ له؛ لذلك.
وإن ظَهَر في المالِ رِبْح، فالوَلَدُ حُرٌّ، وتَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ له، وعليه قِيمَتُها.
ونحوَ ذلك قال سفيان،

..................................  وإسْحاقُ.
وقال القاضي: إن لم يَظْهَرْ رِبْحٌ، فعليه الحَدُّ؛ لأنه وَطِئ في غيرِ مِلْكٍ 1 ولا شُبْهَةِ مِلْكٍ.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أنَّ عليه التَّعْزِيرَ فقط؛ لأنَّ ظُهُورَ الرِّبْحِ يَنْبَنِي على التَّقْويمِ، وهو غيرُ مُتَحَقق، لاحْتِمالِ أنَّ السلع تُساوي أكْثَرَ مما قُوِّمَتْ به، فيَكُونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ، فإنّه يُدْرَأ بالشُّبُهاتِ.
فصل: وليس لرَبِّ المالِ وَطْءُ الأمَةِ أيضًا؛ لأنَّه يَنْقُصُها إن كانت بِكْرًا، ويُعَرِّضُها للخُرُوجِ مِن المُضارَبَةِ والتَّلَفِ، فإذ فَعَل، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه، فإن أحْبَلَها، صارتْ أمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُر؛ لذلك 2، وتَخْرُجُ مِن المُضارَبَةِ، وتُحْسَبُ قِيمَتُها، ويُضافُ إليها بَقِيَّةُ المالِ، فإن كان فيه رِبْح فلِلعامِلِ حِصَّتُه منه.
وليس لواحِدٍ منهما تَزْويجُ الأمَةِ؛ لأنه يَنْقُصُها، ولا مُكاتَبَةُ العَبْدِ كذلك 3. فإنِ اتَّفَقا عليه جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما.
فصل: وليس للمُضارِبِ دَفْعُ المالِ مُضارَبةً بغيرِ إذْنٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، وحَرْب، وعبدِ اللهِ.
وخَرَّجَ القاضي وَجْهًا 4 في جَوازِ ذلك، بِناءً على تَوْكِيلِ الوَكِيلِ.
ولا يَصِحُّ هذا التَّخْرِيجُ والقِياسُ؛ لأنَّه إنَّما دَفَع إليه المال ههُنا ليُضارِابَ به، ودَفْعُه إلى غيرِه مُضارَبَةً يُخْرِجُه

..................................  عن كَوْنِه مُضارِبًا له، بخِلافِ الوَكِيلِ.
ولأنَّ هذا يُوجِبُ في المالِ حَقًّا لغيرِه، ولا يَجُوزُ إيجابُ حَقٍّ في مالِ إنْسانٍ بغيرِ إذْنِه.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعي.
ولا يُعْلَمُ عن غيرِهم خِلافُهم.
فإن فَعَل فلمْ يَتْلَفِ المالُ ولا ظَهَر فيه رِبْحٌ، رَدَّه إلى مالِكِه، ولا شيءَ له ولا عليه.
وإن تَلِف أو رَبِح فيه، فقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر: هو في الضَّمانِ والتّصَرُّفِ كالغاصِبِ، ولرَبِّ المال مُطالبةُ مَن شاء منهما برَدِّ المالِ إن كان باقِيًا، وبِرَدِّ بَدَلِه إن تَلِف أو تَعَذَّرَ رَدُّه، فإن طالب الأوَّلَ وضَمَّنَه قِيمَةَ التّالِفِ، ولم يكنِ الثّانِي عَلِم الحال، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ؛ لأَنه دَفَعَه إليه على وَجْهِ الأمانَةِ.
وإن عَلِم، رَجَع عليه؛ لأنَّه قَبَض مال غيرِه على سَبِيلِ العُدْوانِ، وقد تَلِف تحتَ يَدِه، فاستقَرَّ عليه ضَمانُه.
وإن ضَمَّنَ الثّانِيَ مع عِلْمِه بالحالِ، لم يَرْجِعْ على الأوَّلِ.
وإن لم يَعْلَمْ، فكذلك في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل في يده، فاستقَرَّ الضَّمانُ عليه.
والثّانِي، يَرْجِعُ عليه؛ لأنَّه غَرَّه، أشْبَهَ المَغْرُورَ بحُرِّيَّةِ أمَةٍ.
وإن رَبِح، فالرِّبْحُ للمالِكِ، ولا شيءَ للمُضارِبِ الأوَّلِ، لأَنَّه لم يُوجَدْ منه مال ولا عَمَل.
وهل للثّانِي أجْرَةُ مِثْلِه؟ على رِوايَتَين، إحْداهما، له ذلك، لأنَّه عَمِل في مالِ غيرِه بعِوَض لم يُسَلَّمْ له، فكان له أجْرُ مِثْلِه، كالمُضارَبَةِ الفاسِدَةِ.
والثّانِيَةُ، لا شيءَ له، لأنَّه عَمِل في مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه 1، أشْبَهَ الغاصِبَ.
وفارَقَ المُضارَبَةَ؛ لأنَّه عَمِل في مالِه بإذْنِه.
وسواء اشْتَرَى بِعَينِ المالِ أو في الذِّمَّةِ.

..................................  ويَحْتَمِلُ أنَّه إنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ يَكُونُ الربْحُ له؛ لأنَّه رَبِح فيما اشْتَراه في ذِمَّتِه مِمّا لم يَقَعِ الشِّراءُ فيه لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو لم 1 يَنْقُدِ الثَّمَنَ مِن مالِ المُضارَبَةِ.
قال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَر: هذا قولُ أكثرَهم.
يَعْنِي قولَ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان عالِمًا بالحالِ فلا شيءَ للعامِلِ، كالغاصِبِ، وإن جَهِل الحال، فله أجْرُ مِثْلِه، يَرْجِعُ به على المُضارِبِ 2 الأوَّلِ؛ لأنَّه غَرَّه واسْتَعْمَلَه بعِوَض لم يُسَلمْ له، فكان أجْرُه عليه، كما لو استعْمَلَه في مالِ نَفْسِه.
وقال القاضي: إنِ اشْتَرَى بعَين المالِ، فالشِّراءُ باطِل، وإنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ ثم نَقَد المال، وكان قد شَرَطَ رَبُّ المالِ للمُضارِب النصْفَ، فدَفَعَه المُضارِبُ إلى آخَرَ على أنَّ لرَبِّ المالِ النِّصْفَ والنِّصْفَ الآخَرَ بينَهما، فهو على ما اتَّفَقُوا عليه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ رَضِيَ بنِصْفِ الرِّبْحِ، فلا يَدْفَعُ [إليه أكْثَرَ منه، والعامِلان على ما اتَّفَقا عليه.
وهذا قولُ الشافعيِّ في القَدِيمِ.
وليس هذا موافقًا لأصُولِ المَذْهَبِ] 3، ولا لنَصِّ أحمدَ؛ فإنَّ أحمدَ قال: لا يَطِيبُ الرِّبْحُ للمُضارِبِ.
ولأنَّ المضارِبَ الأوَّلَ ليس له عَمَل ولا ما لم، ولا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ في المُضارَبَةِ إلَّا بواحِدٍ منهما، والثّانِيَ عَمِل في مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه ولا شَرْطِه، فلم يَسْتَحِقَّ ما شَرَطَه له غيرُه، كما لو دَفَعَه 4 إليه الغاصِبُ

..................................  مُضارَبَةً، ولأنَّه إذا 1 لم يَسْتَحِق ما شَرَطَه له رَبُّ المالِ في المُضارَبَةِ الفاسِدَةِ، فما شَرَطَه له غيرُه بغيرِ إذْنِه أوْلَى.
فصل: فإن أذِنَ رَبُّ المالِ في ذلك، جاز.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ويَكُونُ المُضارِبُ الأوَّلُ وَكِيلَ رَبِّ المالِ في ذلك.
فإذا دَفَعَه إلى آخَرَ ولم يَشرُطْ لنَفْسِه شيئًا مِن الرِّبْحِ، كان صَحِيحًا.
وإن شَرَط لنَفْسِه شيئًا منه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليس مِن جِهَتِه ما لم ولا عَمَلٌ، والرِّبْحُ إنَّما يُسْتَحَقُّ بواحدٍ 2 منهما.
فإن قال: اعْمَلْ برأيِكَ -أو- بما أراكَ الله.
جاز له دَفْعُه مُضارَبَةً.
نَصَّ عليه؛ لأنَّه قد يَرَى أن يَدْفَعَه إلى أبصَرَ منه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ له ذلك؛ لأنَّ قَوْلَه: اعْمَلْ برأيِكَ.
يَعْنِي في كَيفِيَّةِ المُضارَبَةِ والبَيعِ والشراءِ وأنواعِ التِّجارَةِ، [وهذا] 3 يَخْرُجُ به عن المُضارَبَةِ، فلا يَتَناوَلُه إذنه.
فصل: وليس له أن يَخْلِطَ مال المُضارَبَةِ بمالِه، فإن فَعَل ولم يَتَمَيَّزْ، ضَمِنَه، لأنَّه أمانَة، فهو كالوَدِيعَةِ.
فإن قال له: اعْمَلْ برأيِكَ.
جاز ذلك.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرّأي.
وقال الشافعي: ليس له ذلك، وعليه الضَّمانُ إن فَعَلَه؛ لأن ذلك ليس مِن التِّجارَةِ.
ولَنا، أنَّه قد يَرَى الخَلْطَ أصْلَحَ له، فيَدْخُلُ في قَوْلِه: اعْمَلْ

..................................  برأيِكَ.
وهكذا القولُ في المُشارَكَةِ به، ليس له فِعْلُها، إلَّا أن يَقُولَ له: اعْملْ برَأيِكَ.
فيَمْلِكُها.
فصل: وليس له شِراءُ خَمْرٍ ولا خِنْزِير، سواء كانا مُسْلِمَينِ أو كان أحَدُهما مُسْلِمًا، فإن فَعَل، فعليه الضَّمانُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان العامِلُ ذِمِّيًّا، صَحَّ شِراوه للخَمْرِ وبَيعُه إيّاها؛ لأنَّ المِلْكَ عندَه يَنْتَقِلُ إلى الوَكِيلِ، وحُقُوقُ العَقْدِ تَتعلَّقُ به.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَصِحُّ شِراؤه إيّاها، ولا يَصِحُّ بَيعُه؛ لأنَّه يَبِيعُ ما ليس بمِلْكٍ له ولا لمُوَكِّلِه 1. ولَنا، أنَّه إن كان العامِلُ مُسْلِمًا، فقد اشْتَرَى خَمْرًا، ولا يَصِحُّ أن يَشْتَرِيَ خَمْرًا ولا يَبِيعَه، وإن كان ذِمِّيًّا، فقد اشْتَرَى للمُسْلِم ما لا يَصِحُّ أن يَمْلِكَه ابْتِداءً، فلا يَصِحُّ، كما لو اشْتَرَى الخِنْزِيرَ، ولأن الخَمْرَ مُحَرَّمَة، فلم يَصِحَّ شِراؤها له 2، كالخِنْزِيرِ والمَيتَةِ، ولأنَّ ما لا يَجُوزُ بَيعُه لا يَجُوزُ شِراؤه، كالمَيتَةِ والدَّمِ.
وكلُّ ما جازَ في الشَّرِكَةِ جاز في المُضارَبَةِ، وما جازَ في المُضارَبةِ جاز في الشَّرِكةِ، وما مُنِعَ منه 3 في إحْداهما 4 مُنِعَ منه في الأخْرَى؛ لأنَّ المُضارَبَةَ شَرِكة 5، ومَبْنَى كلِّ واحِدٍ منهما على الوَكالة والأمانَةِ.

وَلَيسَ لِلْمُضَارِبِ أنْ يُضَارِبَ لِآخَرَ، إذَا كَانَ فِيهِ ضَرَر عَلَى الأوَّلِ.
فَإن فَعَلَ، رَدَّ نَصِيبَهُ مِنَ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الأوَّلِ.

2081 - مسألة: (وليس للمُضارِبِ أن يُضارِبَ لآخَرَ، إذا كان فيه ضَرَر على الأوَّلِ. فإن فَعَل، رَدَّ نَصِيبَه من الرِّبْحِ في شَرِكَةِ الأوَّلِ)

وجُملةُ ذلك، أنَّه إذا أخَذَ مِن إنْسانٍ مُضارَبَةً، ثم أرادَ أخْذَ مُضارَبَة مِن آخَرَ بإذْنِ الأوَّلِ، جاز.
وكذلك إن لم يَأذَنْ ولم يَكُنْ عليه ضَرَر، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
فإن كان فيه ضَرَر على الأوَّلِ، ولم يَأذَنْ، مِثلَ أن يَكُونَ المال الثانِي كَثِيرًا يَسْتَوْعِبُ زَمانَه فيَشْغَلُه عن التِّجارَةِ في الأوَّلِ، أو يَكُونَ المالُ الأوَّلُ كثيرًا متى اشْتَغَلَ عنه بغيرِه انْقَطَعَ عن بعضِ تَصَرُّفاتِه، لم يَجُزْ ذلك.
وقال أكْثَرُ الفُقَهاءِ: يَجُوزُ؛ لأنَّه عَقْد لا يَمْلِكُ به مَنافِعَه كُلَّها، فلم يَمْنَعْ مِن المُضارَبَةِ، كما لو لم يَكُنْ فيه ضَرَر، وكالأجِيرِ المُشْتَرَكِ.
ولَنا، أنَّ المُضارَبَةَ على الحَظِّ والنَّماءِ، فإذا فَعَل ما يَمْنَعُه، لم يَجُزْ له، كما لو أرادَ التَّصَرُّفَ بالعَينِ، وفارَقَ ما لا ضَرَرَ فيه.
فعلى هذا، إن فَعَل ورَبِح، رَدَّ الرِّبْحَ في شَرِكَةِ الأوَّلِ، ويَقْسِمانِه، فيَنْظُرُ ما رَبِح في المُضارَبَةِ

..................................  الثّانِيَةِ، فيَدْفَعُ إلى رَبِّ المالِ منه 1 نَصِيبَه، ويَأخُذُ المُضارِبُ نَصِيبَه مِن الرِّبْحِ فيَضُمُّه إلى رِبْحِ المُضارَبَةِ الأولَى، ويُقاسِمُه لرَبِّ المُضارَبَةِ الأولَى؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ حِصَّتَه مِن الرِّبْحِ بالمَنْفَعَةِ التي استُحِقَّتْ بالعَقْدِ الأوَّلِ، فكان بينَهما، كَرِبْحِ المالِ الأولِ.
فأمّا حِصَّةُ رَبِّ المالِ الثّانِي مِن الرِّبْحِ فتُدْفَعُ إليه؛ لأنَّ العُدْوانَ مِن المُضارِبِ لا يُسْقِطُ حَقَّ رَبِّ المالِ الثّانِي، ولأنّا لو رَدَدْنا رِبْحَ الثانِي كلَّه في الشَّرِكَةِ الأولَى، لاخْتَصَّ الضَّرَرُ برَبِّ المالِ الثّانِي، ولم يَلحَقِ المُضارِبَ شيءٌ مِن الضَّرَرِ، والعُدْوانُ منه، بل رُبَّما انْتَفَعَ إذا كان قد شَرَط الأوَّلُ النِّصْفَ والثّانِي الثُّلُثَ، ولأنَّه لا يَخْلُو؛ إمّا أن يُحْكَمَ بفَسادِ المُضارَبَةِ الثّانِيَةِ، أو بصِحَّتِها، فإن كانت فاسِدَةً، فالرِّبْحُ كُله لرَبِّ المالِ، وللمُضارِبِ أجْرُ مِثْلِه، وإن حَكَمْنا بصِحَّتِها، وَجَب صَرْفُ حِصَّةِ رَبِّ المالِ إليه بمُقْتَضى العَقْدِ ومُوجِبِ الشَّرْطِ.
قال شيخُنا 2: والنَّظَرُ يَقْتَضِي أن لا يَسْتَحِق

..................................  رَبُّ المُضارَبَةِ الأولَى مِن رِبْحِ الثَّانِيَةِ شيئًا؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ بمالٍ أو عَمَل، ولم يُوجَدْ واحِد منهما، وتَعَدِّي المُضارِبِ إنَّما هو بتَرْكِ العَمَل واشْتِغالِه عن المالِ الأوَّلِ، وذلك لا يُوجِبُ عِوَضًا، كما لو اشْتَغَلَ بالعَمَلِ في مالِ نَفْسِه، أو آجَرَ نفْسَه، أو تَرَك التِّجارَةَ للَعِبٍ أو اشْتِغالٍ بعِلْم أو غيرِ ذلك.
ولأنه لو أوْجَبَ عِوَضًا لأوْجَبَ شيئًا مُقَدَّرًا لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَقَدَّرُ برِبْحِه 1 في الثّانِي.
والله أعلمُ.

..................................  فصل: فإن دَفع إليه مُضارَبَةً واشْتَرَطَ النَّفَقَةَ، لم يَجُزْ أن يَأخُذَ لغيرِه بِضاعَة ولا مُضارَبَة وإن لم يَكُنْ على الأوَّلِ ضَرَرٌ؛ لقول أحمدَ: إذا اشْتَرَطَ النَّفَقَةَ صَار أجِيرًا له، فلا يَأخُذُ مِن أحَدٍ بِضاعةً، فإنَّها تَشْغَلُه عن المالِ الذي يُضارِبُ به.
قِيلَ له: وإن كانت لا تشْغَلُه؟ قال: ما يُعْجِبُنِي إلَّا أن يَكُونَ بإذْنِ صاحِبِ المُضارَبَةِ، فإَّنه لا بدَّ مِن شُغْل.
قال شيخُنا 1: هذا والله أعْلَمُ، على سَبِيلِ الاسْتِحْباب، وإن فَعَل فلا شيءَ عليه، لأنَّه لا ضَرَرَ على رَبِّ المُضارَبَةِ فيه.
وإن أخذَ مِن رَجُل مُضارَبَةً، ثم أخَذَ مِن آخَرَ بِضاعَةً، أو عَمِل في مالِ نَفْسِه واتَّجَرَ فيه، فرِبْحُه في مالِ البِضاعَةِ لصاحِبِها، وفي مالِ نَفْسِه له.

..................................  فصل: إذا أخَذَ مِن رَجُلٍ مائةً قِراضًا، ثم أخَذَ من آخَرَ مِثْلَها، فاشْتَرَى بكلِّ مائَة عبدًا، فاخْتَلَطَ العَبْدان ولم يَتَمَيَّزا، اصْطَلَحا عليهما، كما لو كانت لِرَجُلٍ 1 حِنْطَةٌ فانْثالتْ عليها أخْرَى.
وذَكَر القاضي في ذلك وَجْهَين؛ أحَدُهما، يَكُونان شَرِيكَين فيهما، كما لو اشْتَرَكا في عَقْدِ البَيعِ، فيُباعان، ويُقَسَّمُ 2 بينَهما، فإن كان فيهما رِبْحٌ، دَفَع إلى العامِل حِصَّتَه والباقِي 3 بينَهما نِصْفَين.
والثّانِي، يَكُونان للعامِلِ، وعليه أداءُ رَأسِ المالِ، والرِّبْحُ له والخُسْرانُ عليه.
وللِشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَين.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنّ مِلْكَ كلِّ واحِدٍ منهما ثابِتٌ في أحَدِ العَبْدَين، فلا يَزُولُ بالاشْتِباهِ عن جَمِيعِه ولا عن بَعْضِه بغيرِ رِضاه، كما لو لم يَكُونا في يَدِ المُضارِبِ، ولأنَّنا لو جَعَلْناهُما للمُضارِبِ، أدَّى إلى أن يَكُونَ تَفْرِيطُه سَبَبًا لانْفِرادِه بالرِّبْحِ وحِرْمانِ المُتَعَدَّى عليه، وعَكْسُ ذلك أوْلَى، وإن جَعَلْناهُما شَرِيكَين أدَّى إلى أن يَأخُذَ أحَدُهما رِبْحَ مالِ الآخَرِ بغيرِ رِضاه، وليس له مالٌ ولا عَمَل.
فصل: إذا تَعَدَّى المُضارِبُ بفِعْلِ ما ليس له فِعْلُه، فهو ضامِنٌ للمالِ، في قولِ أكْثَرِ أهْلَ العِلْمَ.
رُوِيَ ذلك عن أبِي هُرَيرَةَ، وحَكِيمَ بنَ حِزام، وأبي قِلَابَةَ، ونافِع، وإياس، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والحَكَمِ 4،

..................................  وحَمّادٍ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
وعن علي، رَضِيَ اللهُ عنه: لا ضَمانَ على مَن شُورِكَ في الرِّبْحِ.
ورُوِيَ مَعْنَى ذلك عن الحَسَن، والزُّهْرِيِّ.
ولَنا، أنَّه مُتَصَرِّفٌ في مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلَزِمَه الضَّمان، كالغاصِبِ، ولا نَقُولُ بمُشارَكَتِه في الرِّبْحِ، فلا يَتَناوَلُه قولُ علي، رَضِيَ اللهُ عنه.
ومتى اشْتَرَى ما لم يُؤذَنْ فيه، فرَبِح فيه، فالرِّبْحُ لرَبِّ المالِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال أبو قِلَابَةَ، ونافِعٌ.
وعن أحمدَ، أنهما يَتَصَدَّقان بالرِّبْحِ 1. وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّاد.
قال القاضي: قولُ أحمدَ: يَتَصَدَّقان بالرِّبْحَ.
على سبِيلِ الوَرَعِ، وهو لرَبِّ المَالِ في القَضاءِ.
وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ.
وقال إيَاسُ بنُ مُعاويَةَ، ومالك: الرِّبْحُ على ما شَرَطاهُ؛ [لأنَّه نَوْعُ نَقْدٍ، فلا يَمْنَعُ كَوْنَ الرِّبْحِ بينَهما على ما شرَطاه] 2، كما لو لَبِس الثَّوْبَ، ورَكِب دابَّةً ليس له رُكُوبُها.
وقال القاضي: إنِ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ ثم نَقَدَ المال، فالرِّبْحُ لرَبِّ المالِ.
وإنِ اشْتَرَى بعَينِ المالِ، فالشِّراءُ باطِل في إحْدَى الرِّوايَتَين.
والأخْرَى، هو مَوْقُوفٌ على إجازَةِ المالِكِ 3، فإن أجازَه، صَحَّ، وإلَّا بَطَلَ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَم.
وقال أبو بكر: لم يَرْو أنَّه يتَصَدَّقُ بالرِّبْح إلَّا حَنْبَلٌ.
واحْتَجَّ أحمدُ بحدِيثِ عُرْوَةَ البارِقِيِّ، وهو ما روَى [أبو لَبِيدٍ] 4، عن عُرْوَةَ بنِ الجَعْدِ، قال: عَرَض للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - جَلَبٌ،

..................................  فأعْطانِي دِينارًا، فقال: «يا 1 عُرْوَةُ، ائْتِ الجَلَبَ، فاشْتَرِ لَنَا شَاةً».
فأتَيتُ الجَلَبَ فساوَمْتُ صاحِبَه، فاشْتَرَيتُ شاتَين بدِينار، فجِئْتُ أسُوقُهُما -أو أقُودُهما- فلَقِيَني رجل بالطَّرِيقِ، فساوَمَنِي، فبعْتُ منه شاةً بدِينارٍ، فجِئْتُ بالدِّينار وبالشّاةِ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، هذا دِينارُكُم، وهذه شاتُكُم.
قال: «وكَيفَ صَنَعْتَ؟».
فحَدَّثْتُه الحَدِيثَ، فقال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ له في صَفْقَةِ يَمِينهِ».
رَواه الأثْرَمُ 2. ولأنَّه نَمَاءُ مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِ مالِكِه فكان لمَالِكِه، كما لو غَصَب حِنْطَةً فزَرَعَها.
فأمّا المُضارِبُ، فَفِيه رِوَايتَانِ؛ إحْداهما، لا شيءَ له؛ لأَنه عَقَد عَقْدًا لم يُؤذَنْ له فيه، فلم يَكُنْ له شيء، كالغاصِبِ.
وهذا اخْتِيارُ أبي بَكْر.
والثّانِيَةُ، له أجْر؛ لأنَّ رَبَّ المالِ رَضِيَ بالبَيعِ وأخَذَ الرِّبْحَ، فاسْتَحَقَّ العامِلُ عِوَضًا، كما لو عَقَدَه بإذْنٍ 3. وفي قَدْرِ الأجْرِ رِوايتان؛ إحْداهُما، أجْرُ مِثْلِه ما لم يُحِطْ بالرِّبْحِ؛ لأنَّه عَمِل ما يَسْتَحِقُّ به العِوَضَ، ولم يُسَلَّمْ له المُسَمَّى، فكان له أجْرُ مِثْلِه، كالمُضارَبَةِ الفاسِدَةِ.
والثّانِيَةُ، له الأقَل مِن المُسَمَّى أو أجْرِ المِثْلِ؛ لأنه إن كان المُسَمَّى أقَلَّ، فقد رَضِيَ به، فلم يَسْتَحِقَّ اكْثَرَ منه، وإن كان أجْرُ المِثْلِ أقَلَّ، فلم يَسْتَحِقَّ أكثر منه؛ لأَنه لم يَعْمَلْ ما أمِرَ به.
فإن قَصَد الشراءَ

..................................  لنَفْسِه، فلا أجْرَ له، رِوَايَةً واحِدَةً.
وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: إنِ اشْتَرَى في ذِمَّتِه ونَقَد المال، فلا أجْرَ له، رِوَايةً واحِدةً، وإنِ اشْتَرَى بعَينِ المالِ، فعلى رِوايَتَين.
فصل: وعلى العامِلِ أن يَتَوَلَّى بنَفْسِه كلَّ ما جَرَتِ العادَةُ أن يَتَولَّاه المُضارِبُ؛ مِن نَشْرِ الثَّوْبِ، وطَيِّه، وعَرْضِه على المُشْتَرِي، ومُساوَمَتِه، وعَقْدِ البَيعِ، وأخْذِ الثَّمَنِ، وانْتِقادِه 1، وشَدِّ الكِيسِ، وخَتْمِه، وإحْرازِه، ونحو ذلك.
ولا أجْرَ له عليه؛ لأنَّه استحَقَّ الرِّبْحَ في مُقابَلَتِه.
فَإنِ اسْتَأجَرَ مَن يَفْعَلُ ذلك، فالأجْرُ عليه خاصَّةً؛ لأن العَمَلَ عليه.
فأمّا ما لا يَليه في العادَةِ، كالنِّداءِ على المَتاعٍ، ونَقْلِه إلى الخانِ، فليس على العامِلِ عَمَلُه، وله أن يَكْتَرِيَ مَن يَعْمَلُه.
نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ العَمَلَ في المُضارَبَةِ غيرُ مَشْرُوطٍ؛ لمَشَقَّةِ اشْتراطِه، فرُجِعَ فيه إلى العُرْفِ.
فإن فَعَل العامِلُ ما لا يَلْزَمُه مُتَبَرِّعًا، فلا أجْرَ له.
وإن فَعَلَه ليَأخُذَ عليه أجْرًا، فنَصَّ أحمدُ على أنَّه لا شيءَ له.
وخَرَّجَ أصحابُنا وَجْهًا، أن له الأجْرَ، بِناءً على الشَّرِيكِ إذا انْفَرَدَ بعَمَل لا يَلْزَمُه، هل له أجْر لذلك؟ على رِوايَتين.
وهذا مِثْلُه.
قال شيخُنا 2: والصَّحِيحُ أنَّه لا أجْرَ له في المَوْضِعَين؛ لأنَّه عَمِل في مالِ غيرِه عَمَلًا لم يُجْعَلْ له في مُقابَلَتِه شيء، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كالأجْنَبِيِّ.

..................................  فصل: وإذا غُصِبَ مالُ المُضارَبَةِ أو سُرِق، فهل للمُضارِبِ المُطالبَةُ به؟ على وَجْهين؛ أحدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّ المُضِارَبَةَ عَقْد على التِّجارَةِ، فلا يَدْخُلُ فيه الخُصُومَةُ.
والثّانِي، له ذلك؛ لأنه يَقْتَضِي حِفْظَ المالِ، ولا يَتمُّ ذلك إلا بالخُصُومَةِ والمُطالبَةِ، سِيَّما إذا كان غائِبًا عن رَبِّ المالِ، فإنَّه حينَئذٍ لا مُطالب 1 بِه إلَّا المُضارِبُ، فإن تَرَكَه ضاع.
فعلى هذا، إن تَرَك الخُصُومَةَ والطَّلَبَ به في هذه الحالِ، ضَمِن؛ لأنه ضَيَّعَه وفَرَّطَ فيه.
فأمّا إن كان رَبُّ المالِ حاضِرًا، وعَلِم الحال، فإنَّه لا يَلْزَمُ العامِلَ طَلبه، ولا يَضْمَنُه إذا تَرَكَه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ أوْلَى بذلك مِن وَكِيله.
فصل: وإذا اشْتَرَى المُضارِبُ عَبْدًا، فقَتَلَه عَبْد لغَيرِه، ولم يَكُنْ ظَهَر في المالِ رِبْح، فالأمْرُ لرَبِّ المالِ؛ إن شاء اقْتَصَّ، وإن شاء عَفَا على غيرِ مالٍ، وتَبْطُلُ المُضارَبَةُ فيه؛ لذَهاب رَأسِ المالِ.
وإن شاء عَفَا على مالٍ، فإن عَفَا على مِثْلِ رَأسِ المالِ أو أقَلَّ أَو أكثرَ، فالمُضارَبَةُ بحالِها، والرِّبْحُ بينَهما على ما شَرَطَاه؛ لأنَّه وُجِد بَدَل عن رَأسِ المالِ، فهو كما لو وَجَد بَدَلَه بالبَيعِ، وإن كان في العَبْدِ رِبْح، فالقِصَاصُ إليهما، والمُصالحَةُ كذلك؛ لكَوْنِهما شَرِيكَين فيه.
والحُكْمُ في انْفِساخِ المُضارَبَةِ وبَقائِها على ما تَقَدّمَ.

وَلَيسَ لِرَبِّ الْمَالِ أن يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ شَيئًا لِنَفْسِهِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ.
وَكَذَلِكَ شِرَاءُ السَّيِّدِ مِن عَبْدِهِ الْمَأذُونِ.

2082 - مسألة: (وليس لرَبِّ المالِ أن يَشْتَرِيَ مِن مالِ المُضارَبَةِ شيئًا لنَفْسِه. وعنه، يَجُوزُ)

إذا اشْتَرَى رَبُّ المالِ مِن مالِ المُضارَبَةِ شيئًا لنَفْسِه، لم يَصِحَّ، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
وهو قولُ الشافعيِّ.
ويَصِحُّ في الأخْرَى.
وبه قال مالك، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه قد [تَعَلَّق به] (1) حَقُّ المُضارِبِ، فجاز شِراؤه، كما لو اشْتَرَى مِن مُكاتَبه.
ولَنا، أنَّه مَلَكَه، فلم يَصِحَّ شِراؤه له، كَشِرائِه مِن وَكِيله، وفارَقَ المُكاتَبَ، فإن السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ ما في يَدِه، ولا تَجِبُ زَكاتُه عليه، وله أخْذُ ما فيه شُفْعة منه.
2083 -

مسألة: (وكذلك شِراءُ السَّيِّدِ مِن عَبْدِه المَأذُونِ)

لما1

..................................  ذَكَرْنا، ويَحْتَمِلُ أن يَصِح إذا اسْتَغْرَقَتْه الديونُ؛ لأنَّ الغُرَماءَ يَأخذُون ما في يَدِه، ولأنَّ الدَّينَ إذا تَعَلَّقَ برَقَبَتِه، صار مُسْتَحَقا للغُرَماءِ، فصَحَّ شِرَاءُ السَّيِّدِ منه، كبَقِيَّةِ الغُرَماءِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأن مِلْكَ السَّيِّدِ لم يَزُلْ عنه وإن تَعَلَّقَ حَقُّ الغُرَماءِ به، كالعَبْدِ الجانِي.
فصل: وإنِ اشْتَرَى المُضارِبُ مِن مالِ المُضارَبَةِ لنَفْسِه، ولم يَظْهَرْ رِبْح، صَحَّ.
نَص عليه أحمدُ.
وبه قال مالك، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ.
وحُكِيَ ذلك عن أبي حنيفةَ.
وقال أبو ثَوْرٍ: البَيعُ باطِل؟ لأنَّه شَرِيك.
ولَنا، أنَّه مِلْك لغيرِه، فصَحَّ شِراؤه له، كَشِراءِ الوَكِيلِ مِن مُوَكِّلِه، وإنَّما يَكُونُ شَرِيكًا إذا ظَهَر الرِّبْحُ؛ لأنَّه إنَّما يُشارِكُ 1 في الرِّبْحِ دُونَ أصْلِ المالِ، فإن ظَهَر رِبْحٌ، فشِراؤه كَشِراءِ أحَدِ الشَّرِيكَين مِن شَرِيكِه.

وإنِ اشْترَى أحَدُ الشَّرِيكَينِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ، صَح.
وإنِ اشْتَرَى الْجَمِيعَ، بَطَلَ فِي نَصِيبِهِ، وَفِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَجْهَانِ.
وَيَتَخَرجُ أنْ يَصِحَّ فِي الْجَمِيعِ.

2084 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى أحَدُ الشَّريكَين نَصِيبَ شَرِيكِه، صَحَّ)

لأَنه يَشْتَري مِلْكَ غيرِه.
قال أحمدُ، في الشَّرِيكَينِ في الطعامِ يُرِيدُ أحَدُهما بَيعَ حِصتِه مِن صاحِبِه: إن لم يَكُونا يَعْلَمان كَيلَه، فلا بَأسَ، وإن عَلِما كَيلَه، فلا بُدَّ مِن كَيله.
يَعْنِي أنَّ مَن عَلِم مَبْلَغ شيءٍ لم يبعْه صُبْرَة، وإن باعَه إيّاه بالكَيلِ والوَزْنِ، جاز.
2085 -

مسألة: (وإنِ اشْتَرَى الجَمِيعَ، بَطَل في نَصِيبِه)

لأَنه مَلَكَه.
وهل يَصِحُّ في حِصَّةِ شَرِيكِه؟ على وَجْهَين، بِناءً على تَفرِيقِ الصَّفْقَةِ (ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ في الجَمِيعِ) بِناءً على صِحَّةِ شِراءِ رَبِّ المالِ مِن مالِ المُضارَبَةِ.

وَلَيسَ لِلْمُضَارِبِ نَفَقَةٌ إلا بِشَرْطٍ، فَإِنْ شَرَطَهَا لَهُ، وَأطلَقَ،  فصل: ولو اسْتَأجَرَ (1) أحدُ الشَّرِيكَينِ مِن صاحِبِه دارًا، ليَحْرُزَ فيها مال الشَّرِكةِ أو غَرائِرَ، جاز.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ صالِح.
وإنِ اسْتَأجَرَه لنَقْلِ الطَّعامِ، أو غُلامِه، أو دابَّتِه، جاز؟ لأنَّ ما [جاز أن يَسْتَأجِرَ له غيرَ الحيوانِ] (2)، جاز أن يَسْتَأجرَ له الحَيَوانَ، كَمالِ الأجْنَبِيِّ.
وفيه رِواية أخرى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ هذا لا تَجِبُ الأجْرَةُ فيه إلَّا بالعَمَلِ، ولا يُمْكِنُ إيفاءُ العَمَلِ في المُشْتَرَكِ؛ لأنَّ نَصِيبَ المُسْتَأجِرِ غيرُ مُتَمَيِّز مِن نَصِيبِ المُؤجِرِ، فإذًا لا تَجِبُ الأجْرَةُ، والدّارُ والغرائِرُ لا يُعْتَبَرُ فيها إيقاعُ العَمَلِ، إنَّما يَجِبُ بوَضْعِ العَينِ في الدّارِ، فيُمْكِنُ تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عليه.

2086 -

مسألة: (وليس للمُضارِبِ نَفَقَة إلَّا بِشَرْطٍ)

سواء كانت تِجارَتُه في الحَضَرِ أو السَّفَرِ.
وبهذا قال ابنُ سِيرِينَ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
وقال الحسنُ، والنَّخعِي، والأوْزاعِيُّ، ومالك، وإسحاقُ، وأبو ثَوْر، وأصحابُ الرَّأي: يُنْفِقُ مِن المالِ بالمَعْرُوفِ 3 إذا شَخَص به عن البَلَدِ؛ لأنَّ سَفَرَه لأجْلِ المالِ،12

..................................  فكانت نَفَقَتُه فيه، كأجْرِ الحَمّالِ.
ولَنا، أنَّ نَفَقَتَه تَخُصُّه، فكانت عليه، كنَفَقَةِ الحَضَرِ، وأجْرِ الطيبِ، [وثَمَنِ الطِّيبِ] 1؛ لأنَّه دَخَل على أنه لا يَسْتَحِقُّ مِن الرِّبْحِ إلَّا الجُزْءَ المُسَمَّى، فلا يَكُونُ له غيرُه، ولأنَّه لو اسْتَحَقَّ النَّققَةَ، أفْضَى إلى أن يَخْتَصَّ بالرِّبْحِ إذا لم يَرْبَحْ سِوَى النَّفَقَةِ.
فأمّا إن شَرَط له النَّفَقَةَ، صَح، وله ذلك؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «المُؤمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 2. فإن قَدَّرَ له ذلك فحَسَن؛ لأنَّ فيه قَطْعَ المُنازَعَةِ وزَوال الاخْتِلافِ.
[قال أحمد في رِوايةِ الأثْرَم: أحَبُّ إليَّ أن يَشْتَرِطَ نَفَقَة مَحْدُودَةً] 3، وله ما قَدّرَ له مِن مَأكُول ومَلْبُوَس ومَرْكوبٍ وغيرِه، وإن أطْلَقَ، صَح.
نَص عليه.
وله نَفَقَتُه مِن المأكُولِ خاصَّة، [ولا كُسْوَةَ] (3) له.
قال أحمدُ: إذا قال: له نَفَقَتُه.
فإنَّه يُنْفِقُ.
قِيلَ له: فيَكْتَسِي؟ قال: لا، إنما له النَّفَقَةُ.
فإن كان سَفَرُه طَويلًا يَحتاج إلى تَجْديدِ كُسْوَةٍ، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ جَوازُها؛ لأنَّه قِيلَ له: فلم يَشتَرِطِ الكُسْوَةَ، إلَّا أنَّه في بَلَدٍ بعيدٍ، وله مُقام طَويل يَحتاجُ فيه إلى الكُسْوَةِ؟ فقال: إذا أذِنَ له في النفَقَةِ، فَعَل ما لم يَحْمِلْ على مالِ الرَّجُلِ، ولم يكنْ ذلك قَصْدهَ.
هذا مَعْناه.
وقال القاضي، وأبو الخَطّابِ: إذا شَرَطَ له

فَلَهُ جَمِيعُ نَفَقَتِهِ؛ مِنْ مَأكُول وَمَلْبُوس بِالْمَعْرُوفِ.
النَّفَقَةَ (فله جَمِيعُ نَفَقَتِه؛ مِن مَأكُولٍ ومَلْبُوس بالمَعْرُوفِ) وقال أحمدُ: يُنْفِقُ على مَعْنَى ما كان يُنْفِقُ على نَفْسِه غيرَ مُتَعَدٍّ بالنَّفَقَةِ ولا مُضِر بالمالِ.
ولم يَذْهَبْ أحمدُ إلى تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ؛ لأن الأسْعارَ تَخْتَلِفُ، وقد تَقِلُّ وقد تكثُرُ.

فَإن اخْتَلَفَا، رُجِعَ فِي الْقُوتِ إلى الإطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَفِي الْمَلْبُوسِ إلَى أقَلِّ مَلْبُوسِ مِثْلِهِ.

2087 - مسألة: (فإنِ اخْتَلَفَا)

في قَدْرِ النَّفَقَةِ، فقال أبو الخَطّابِ: يَرْجِعُ في القُوتِ إلى الإطْعامِ في الكَفّارةِ، وفي الملبوسِ إلى أقلِّ مَلْبوسِ مِثْلِه.
[وهذا الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ] 1، لأنَّه العادَةُ، فيَنْصَرِفُ الإطْلاقُ إليه، كما انْصَرفَ إليه في الإطْعامِ في الكَفّارةِ.
فإن كان معه مالٌ لنَفْسِه، أو مُضارَبة أخْرَى، أو بِضاعَة لآخَرَ، فالنَّفَقَةُ على قَدْرِ المالينِ؛ لأنها لأجْلِ السَّفَرِ، والسَّافَرُ للمالين، فيَجِبُ أن تَكُونَ النَّفَقَةُ مَقْسُومَةً على قَدْرِهما، إلَّا أن يَكُونَ رَبُّ المالِ قد شَرَط له النَّفَقَةَ مِن مالِه مع 2 عِلْمِه بذلك.
ولو أذِنَ له في السَّفر إلى مَوْضعٍ مُعَيَّن أو غيرِ مُعَيَّن، ثم لَقِيَه رَبُّ المالِ في السَّفَرِ في ذلك المَوْضعِ أو في غيرِه 3 وقد نَضَّ المالُ، فأخَذَ ماله، فطالبَه العامِلُ بنَفَقَةِ الرُّجُوعِ إلى بَلَدِه، لم يَكُنْ

وإنْ أذِنَ لَهُ فِي التَّسَرِّي، فَاشْتَرَى جَارِيَةً، مَلَكَهَا، وَصَارَ ثَمَنُهَا قَرْضًا.
نَصَّ عَلَيهِ.
له ذلك؛ لأَنه إنَّما اسْتَحَقَّ النَّفَقَةَ ما داما في القِراضِ، وقد زال، فزالتِ النَّفَقَةُ، ولِذلك لو مات، لم يَجِبْ تَكْفِينُه.
وقِيلَ: له ذلك؛ لأنَّه كان شَرَط له نفقةَ ذَهابِه ورُجُوعِه، وغَرَّه بتَسْفِيرِه إلى المَوْضِعِ الذي أذِنَ (1) له فيه مُعْتَقِدًا أنَّه مُسْتَحِقٌّ للنفَقَةِ ذاهبًا وراجِعًا، فإذا قَطَع عنه النفَقَةَ، تَضَرَّرَ بذلك.

2088 -

مسألة: (فإن أذِنَ له في التسَري، فاشْتَرَى جارِيَةً، مَلَكَها، وصار ثَمَنُها قَرْضًا. نَصّ عليه)

أحمدُ؛ لأن البُضْعَ لا يُباحُ إلّا1

..................................  بمِلْكٍ أو نِكاح؛ لقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ 1. ولم يُوجَدِ النِّكاحُ، فتَعَيَّنَ المِلْكُ، ويَخْرُجُ ثَمَنُها مِن المُضارَبَةِ، ويَكُونُ قَرْضًا في ذِمَّتِه؛ لِما ذَكَرْنا.

وَلَيسَ لِلْمُضَارِبِ رِبْحٌ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأسَ الْمَالِ.

2089 - مسألة: (وليس للمُضارِبِ رِبْحٌ حتى يَسْتَوْفِيَ رَأسَ المالِ)

يَعْنِي أنه لا يَسْتَحِقُّ أخْذَ شيءٍ مِن الرِّبْحِ حتى يُسَلِّمَ رَأسَ المالِ إلى رَبِّه، ومتى كان في المالِ خُسْرانٌ ورِبْحٌ، جُبِرَتِ الوَضِيعة مِن الرِّبْحِ، سواءٌ كان الرِّبْحُ والخُسْرانُ في مَرّةٍ واحدةٍ، أو الخُسْرانُ في صَفقَةٍ والرِّبْحُ في أخْرَى، وأحَدُهما في سَفْرَةٍ والآخَرُ في أخْرى؛ لأنَّ الرِّبْحَ هو الفاضِل عن رَأسِ المالِ، وما لم يَفْضُلْ فليس برِبْحٍ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
فصل: وفي مِلْكِ العامِلِ نَصِيبَه مِن الرِّبْحِ قبلَ القِسْمَةِ رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، يَمْلِكُه.
ذَكَرَه القاضي.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
والأخْرَى،

..................................  لا يَمْلِكُه.
ذَكَرها أبو الخَطّاب.
وهو قولُ مالكٍ.
وللشافعيِّ قوْلان، كالرِّوايَتَين.
واحْتَجَّ مَن لم يُمَلِّكْه بأنه لو مَلَكَه، لَاخْتَصَّ برِبْحِه، ولوَجَبَ أن يَكُونَ شَرِيكًا لرَبِّ المالِ، كَشَرِيكَي العِنانِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ الشَّرْطَ صَحِيح، فيَثْبُتُ مُقْتضاهُ، وهو أن يَكُونَ له جُزْء مِن الرِّبْحِ، فإذا وُجِدَ، وَجَب أن يَمْلِكَه بِحُكْمِ الشَّرْطِ، كما يَمْلِكُ المُساقِي حِصَّتَه مِن الثَّمَرَةِ بظُهُورِها، وقِياسًا على كلِّ شَرْطٍ صَحِيح في عَقْدٍ، ولأنَّه مَمْلُوك، فلا بُدَّ له مِن مالِك، ورَبُّ المالِ لا يَمْلِكُه اتِّفاقًا، ولا تَثْبُتُ أحْكامُ المِلْكِ في حَقِّه، فلَزِمَ أن يَكُونَ للمُضارِبِ، ولأنَّه يَمْلِكُ المُطالبةَ بالقِسْمَةِ، فكانَ مالِكًا، كأحَدِ شَرِيكَي العِنانِ.
ولا يَمْتَنِعُ أن يَمْلِكَه، ويَكُونَ وقايَةً لرأسِ المالِ، كنَصِيبِ رَبِّ المالِ مِن الرِّبْحِ، وبهذا امْتَنَعَ اخْتِصاصُه برِبْحِه، ولأنَّه لو اخْتَصَّ برِبْحِه، لاسْتَحَقَّ مِن الرِّبْحِ أكثر مِمّا شَرَط له، ولا يَثْبُتُ بالشَّرْطِ ما يُخالِفُ مُقْتضاه.
قال أحمدُ، في المُضارِبِ يَطَأ جارِيَةً مِن المُضارَبَةِ: فإن لم يَكُنْ ظَهَر في المالِ رِبْحٌ، لم تَكُنْ أمّ وَلَدِه، وإن ظَهَر فيه رِبْح، فهي أمُّ الدِه.
وفيه دَلِيل على أنَّه يَمْلِكُ الرِّبْحَ بالظُّهُورِ.
وهذا ظاهِر المَذهَبِ.
فصل: إذا دَفَع إلى رَجُل مائَةً مُضارَبةً، فخَسِرَ عَشَرَةً، ثم أخَذَ رَبُّ المالِ منها عَشَرَةً، لم يَنْقُصْ رَأسُ المالِ بالخُسْرانِ؛ لأنَّه قد ربَحُ فيَجْبُرُ الخُسْرانَ، لكنَّه يَنْتَقِصُ بما أخَذَه رَبُّ المالِ، وهي العَشَرَةُ، وقِسْطُها مِن

..................................  الخُسْرانِ، وهو دِرْهَم وتُسْع، ويَبْقَى رَأسُ المالِ ثَمانِيَةً وثَمانِين وثَمانِيةَ أتْساعِ دِرْهم.
فإن كان أخَذَ نِصْفَ التِّسْعِين الباقِيَةِ، بَقِيَ رَأسُ المالِ خَمْسِين؛ لأنَّه أخَذَ نِصْفَ المالِ، فسَقَطَ نِصْفُ الخُسْرانِ، وإن كان أخَذَ خَمْسِين، بَقِيَ أرْبَعَة وأرْبَعونَ وأرْبَعَةُ أتْساع.
وكذلك 1 إذا رَبِح المالُ ثم أخَذَ رَبُّ المالِ بعضَه، كان ما أخَذَه مِن الرِّبْحِ ورَأسِ المالِ، فلو كان رَأسُ المالِ مائةً فرَبِحَ عِشرِين فأخَذَها رَبُّ المالِ، لبَقِىَ رَأسُ المالِ ثَلاثةً وثَمانِينَ وثُلُثًا؛ لأنه أخَذَ سُدْسَ المالِ، فنَقَصَ رَأسُ المالِ سُدْسَه، وهو سِتَّةَ عَشَرَ وثُلُثان، وحَظُّها 2 مِن الرِّبْحِ ثَلاثَة وثُلُث.
ولو كان أخَذَ سِتِّين، بَقِي رَأسُ المالِ خَمْسِين؛ لأنَّه أخَذَ نِصْفَ المالِ، فبَقِيَ نِصْفُه، وإن كان أخَذَ خَمْسِين، بَقِي ثَمانِيَة وخَمْسُون وثُلُث؛ لأنّه أخَذَ رُبْعَ المالِ وسُدْسَه، بَقِيَ ثُلُثُه ورُبْعُه، وهو ما ذَكَرْنا.
فإن أخَذَ سِتِّين ثم خسِر في الباقِي، فصارَ أرْبَعِين، فَرَدَّها، كان له على رَبِّ المالِ خَمْسَة؛ لأنَّ ما أخَذَه رَبُّ المالِ انْفَسَخَتْ فيه المُضارَبَةُ، فلا يَجْبُرُ برِبْحِه خُسْرانَ ما بَقِي في يَدِه، لمُفارَقَتِه إيّاه، وقد أخَذَ مِن 3 الرِّبْحِ عَشرةً؛ لأنَّ سُدْسَ ما أخَذَه رِبْح، فكانت العَشَرَةُ بينَهما، وإن لم يَرُدَّ الأرْبَعِين كُلَّها، بل رَدَّ منها إلى رَبِّ المالِ عِشرِين، بَقِي رَأسُ المالِ خمْسَةً وعِشرِين.

وَإنِ اشتَرَى سِلْعَتَينِ، فَرَبِح فِي إحْدَاهُمَا، وَخَسِرَ فِي الأخْرَى، أوْ تَلِفَتْ، جُبِرَتِ الْوَضِيعَة مِنَ الرِّبْحِ.

2090 - مسألة: (وإن اشْتَرَي سِلْعَتَين، فرَبِحَ في إحْداهُما، وخسِر في الأخْرَى، أو تَلِفَتْ، جُبِرَتِ الوَضِيعَة مِن الرِّبْحِ)

إذا دَفَع إلى المُضارِبِ ألْفَينِ، فاشْتَرَى بكلِّ ألْفٍ عَبْدًا، فرَبِحَ في أحَدِهما، وخَسِر في الآخَرِ، أو تَلِف، وَجَب جَبْرُ الخُسْرانِ مِن الرِّبْحِ، ولا يَسْتَحِقُّ المُضارِبُ شيئًا، إلَّا بعدَ كَمال الألْفَين.
وبه قال الشافعي، إلَّا فيما إذا تَلِف أحَدُ العَبْدَين، فإنَّ أصْحابَه ذَكَرُوا فيه وَجْهًا ثانِيًا، أنَّ التّالِفَ مِن رَأسِ المالِ؛ لأنَّه بَدَلُ أحَدِ الألفَين، ولو تَلِف أحَدُ الألْفَين كان مِن رَأسِ المالِ، فكذلك بَدَلُه.
ولَنا، أنَّ تَلَفَه بعدَ أن دار في القِراضِ، وتَصَرَّفَ في المالِ بالتِّجارَةِ، فكان تَلَفُه مِن الربْحِ، كما لو كان رَأسُ المالِ دينارًا فاشْتَرَى به سلْعَتَين، ولأنَّهما سِلْعتان، تُجْبَرُ خَسارَةُ إحداهما بِرَبح الأخْرَى، فجُبِرَ تَلَفُها به، كما لو كان رَأسُ المالِ دِينارًا واحِدًا، ولأنَّه رَأسُ مالٍ واحِدٍ، فلا يَسْتَحِقُّ المُضارِبُ فيه رِبْحًا حتى يَكْمُلَ رَأسُ المالِ، كالذي ذَكَرْنا.

وَإنْ تَلِفَ بَعْضُ رَأسِ الْمَالِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، انْفَسَخَتْ فِيهِ الْمُضَارَبَةُ.

2091 - مسألة: (وإن تَلِف بعضُ رَأسِ المالِ قبلَ التَّصَرُّفِ فيه، انْفَسَخَتْ فيه المُضارَبَةُ)

وكان رَأسُ المالِ الباقِيَ خاصَّة.
وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: مَذْهَبُ الشافعيِّ أنَّ التّالِفَ مِن الرِّبْحِ، لأنَّ المال إنما يَصِيرُ قِراضًا بالقَبْضِ، فلا فَرْقَ بينَ هَلاكِه قبلَ التَّصَرُّفِ و 1 بعدَه.
ولَنا، أنَّه مال هَلَك على جِهَتِه قبلَ التَّصَرُّفِ فيه، فكان رَأسُ المالِ الباقِيَ، كما لو تَلِف قبْلَ القَبْضِ.
وفارَقَ ما بعدَ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه دارَ في التِّجارَةِ، وشَرَع فيما قُصِدَ بالعَقْدِ مِن التصَرُّفاتِ المُؤديةِ إلى الرِّبْحِ.
فصل: إذا دَفَع إليه ألْفًا مُضارَبَةً، ثم دَفَع إليه ألْفًا آخَرَ، مُضاربَةً 2 وأذِنَ له في ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ قبلَ التَّصَرُّفِ في الأوّلِ، جاز، وصار مُضارَبَةً واحِدَةً، كما لو دَفَعَهُما إليه جَمِيعًا، وإن كان بعدَ التَّصَرُّفِ في الأوّلِ

وَإنْ تَلفَ الْمَالُ، ثُمَّ اشْتَرَى سِلْعَةً لِلْمُضَارَبَةِ، فَهِيَ لَهُ، وَثَمَنُهَا عَلَيهِ، إلا أنْ يُجِيزَهُ رَبُّ الْمَالِ.
في شِراءِ المَتاعِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ حُكْمَ الأوَّلِ اسْتَقَرَّ، وكان رِبْحُه وخُسْرانُه مُخْتَصًّا به (1)، فضَمُّ الثّانِي إليه يُوجِبُ جَبْرَ خُسْرانِ أحَدِهما بِرِبْح الآخَرِ.
فإذا شَرَط ذلك في الثّانِي فَسَدَ.
فإن نَضَّ الأوَّلُ، جاز ضَمُّ الثّانِي إِليه؛ لزَوالِ هذا المَعْنَى، وإن لم يَأذَنْ في ضَمِّ الثّانِي إلى الأوَّلِ، لم يَجُزْ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وقال إسْحاقُ: له ذلك قبلَ أن يَتَصَرَّفَ في الأوَّلِ.
ولَنا، أنه أفْرَدَ كلَّ واحِدٍ بِعَقْدٍ، فكانا عَقْدَين، لكُلِّ عَقْدٍ حُكْمُ نَفْسِه (2)، فلا يُجْبَرُ وَضِيعةُ أحَدِهما بِرِبْحِ الآخَرِ، كما لو نَهاه عن ذلك.

2092 -

مسألة: (وإن تَلِف المالُ، ثم اشْتَرَى سِلْعَةً للمُضارَبَةِ، فهي له، وثَمَنُها عليه)

سواء عَلِم بتَلَفِ المالِ قبلَ نَقْدِ الثَّمنِ أو جَهِل ذلك (إلا أن يُجِيزَه رَبُّ المالِ) وذلك لأَنه اشْتَراها في ذمَّتِه، وليست مِن مالِ المُضارَبَةِ، فاخْتَصَّت به؛ لأنَّه لو صَحَّ شِراؤه للمُضارَبَةِ، لكانَ مُسْتَدِينًا على غيرِه، والاسْتِدانَةُ على الإِنْسانِ بغيرِ إذْنِه12

وَإنْ تَلِفَ بَعْدَ الشِّرَاءِ، فَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا، وَالثَّمَنُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ.
لا تَجُوزُ، فإن أجازَه رَبُّ المالِ، جاز، في إحْدَى الرِّوايَتَين، والثَّمَنُ عليه، لأنَّ مَنِ اشْتَرى شيئًا لغيرِه بغيرِ إذْنِه، وَقَف على إجازَته، فإن أجازَه، فهو له، وإلَّا فهو للمشْتَرِي، وهذا كذلك.
والثّانِيَةُ، هو للعامِلِ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ هذا زِيادَةٌ في مالِ المُضارَبةِ، فلا تَجُوزُ.

2093 -

مسألة: (وإن تَلِف بعدَ الشِّراءِ، فالمُضارَبَةُ بحالِها، والثَّمَنُ على رَبِّ المالِ)

لأنَّه دار 1 في التِّجارَةِ، ويَصِيرُ رَأسُ المالِ 2 الثَّمَنَ دُونَ التّالِفِ؛ لأنَّ الأولَ تَلِف قبلَ التَّصَرُّفِ فيه.
وهذا قولُ بعضِ الشافعيَّةِ، ومنهم مَن قال: رَأسُ المالِ [هذا و] 3 التّالِفُ.
حُكِيَ عن أبي

..................................  حنيفةَ، ومحمد بنِ الحَسَنِ.
ولَنا، أنَّ التّالِفَ تَلِف قبلَ التَّصَرُّفِ فيه، فلم يَكُنْ مِن رَأسِ المالِ، كما لو تَلِف قبلَ الشِّراءٍ.
فلو اشْتَرَى عَبْدَين بمائَةٍ فتَلِفَ أحَدُهما، وباع الآخَرَ بخَمْسِين، فأخذَ منها رَبُّ المالِ خَمْسةً وعِشْرِين، بَقِيَ رَأسُ المالِ خمْسِين، لأنَّ رَبَّ المالِ أخَذَ نِصْفَ المالِ المَوْجُودِ، فسَقَطَ نِصْفُ الجُبْرانِ.
ولو لم يَتْلَفِ العَبْدُ وباعَهُما بمائَةٍ وعِشْرِين، فأخَذَ ربُّ المالِ سِتِّين، ثم خَسِر العامِلُ فيما معه عِشْرِين، فله مِن الرِّبْحِ خَمْسَة، لأنَّ سُدْسَ ما أخَذَه رَبُّ المالِ رِبْح، للعامِلِ نِصْفه، وقد انْفَسَخَتِ المضارَبَةُ فيه، فلا [يُجْبَرُ به] 1 خُسْرانُ الباقِي، ويَبْقَي رَأسُ المال خَمْسِين، فإنِ اقْتَسَما الرِّبْحَ خاصَّةً ثم خَسِر عِشْرِين، فعلى العامِلِ رَدُّ ما أخَذَه، وبَقِي رَأسُ المالِ تِسْعِينَ، لأنَّ العَشَرَةَ الباقِيَةَ مع رَبِّ المالِ تُحْسَبُ مِن رَأسَ المالِ.
فصل: ومهما بَقِيَ العَقْد على رَأسِ المالِ، وَجَب جَبْرُ خسْرانِه مِن رِبْحِه، وإنِ اقْتَسما الرِّبْحَ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن المُضارِبِ يَرْبَحُ ويَضَعُ مِرارًا؟ فقال: يَرُدُّ الوَدِيعَةَ على الرِّبْحِ، إلَّا أن

..................................  يَقْبِضَ المال صاحِبُه، ثم يَرُدُّه إليه، فيَقُولُ: اعْمَلْ به ثَانِيَةً.
فما رَبِح بعدَ ذلك لا يُجْبَرُ به وَضِيعَةُ الأوَّلِ، فهذا ليس في نَفْسِي منه شيء، وأمّا ما لم يَدْفَعْ إليه 1 فحتى يَحتَسِبا حِسابًا كالقَبْضِ، كما قال ابنُ سيرِينَ.
قِيلَ: وكيف يَكُونُ حِسابًا كالقَبْضِ؟ قال: يَظْهَرُ المالُ.
يَعْنِي يَنضُّ ويَجِئُ فيَحْتَسِبان عليه، فإن شاء صاحِبُ المالِ قَبَضَه.
قِيلَ له، فيَحْتَسِبان على المَتاع؟ فقال: لا يَحْتَسِبان إلَّا على النّاضِّ؛ لأنَّ المَتاعَ قد يَنْحَط سِعْرُه ويَرْتفِعُ.
قال أبو طالِبٍ: قِيلَ لأحمَد: رَجُل دَفَع إلى رَجُل عَشرَةَ آلافِ دِرْهَم مُضارَبَةً، فوَضِعَ 2، فبَقِيَتْ ألْف، فحاسَبَه صاحِبُها، ثم قال له: اذْهَبْ فاعْمَلْ.
بها فرَبِحٍ؟ قال: يُقاسِمُه ما فَوْقَ الألْفِ.
يعني إذا كانتِ الألْفُ ناضَّة حاضِرَةً إن شاء صاحِبُها قَبَضَها.
فهذا الحِسَابُ الذي كالقَبْضِ، فيَكُونُ أمْرُه بالمُضارَبَةِ بها في هذه الحالِ ابْتِداءَ مُضارَبَةٍ ثانِيَةٍ، كما لو قَبَضَها منه ثم رَدَّها إليه.
فأمّا قبلَ ذلك فلا شيءَ

وَإذَا ظَهَرَ الرِّبْح، لَمْ يَكنْ لِلْعَامِلِ أخْذ شَيْءٍ مِنْه، إلا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ.
وَهَلْ يَمْلِكة الْعَامِل بِالظُّهورِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
للمُضارِبِ حتى يُكْمِلَ عَشرَةَ آلافٍ (1). ولو أنَّ رَبَّ المالِ والمضارِبَ اقْتَسَما الرِّبْحَ، [أو أخَذَ] (2) أحَذهما منه (3) شيئًا بإذْنِ الآخَرِ، والمُضارَبَةُ بحالِها، ثم خَسِر المُضارِبُ، رَدّ ما أخَذَ مِن الرِّبْحِ، لأنَّنا تَبَينا أنَّه ليس برِبْح، ما لم تَنْجَبِرِ الخَسارَةُ.
واللهُ أعلمُ.

2094 -

مسألة: (وإذا ظَهَر الرِّبْحُ، لم يَكنْ للعامِلِ أخْذُ شيءٍ، إلَّا بإذْنِ رَبِّ المالِ)

لا نَعْلَمُ في هذا بينَ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا؟ لثَلاثةِ أمُور؛ أحَدُها، أنَّ الرِّبْحَ وقاية لرأسِ المالِ، فلا يُؤمَنُ الخُسْرانُ الذي يَكُونُ هذا الرِّبْحُ جابِرًا له، فيَخْرُجُ بذلك عن كَوْنِه رِبْحًا.
الثَّانِي، أنَّ رَبَّ المالِ شَرِيكُه، فلم يَكُنْ له مُقاسَمَةُ نَفْسِه.
الثّالث، أن مِلْكَه غيرُ مُسْتَقِر عليه؛ لأنَّه بعَرَضِ أن يَخْرُجَ عن يَدَيه لجُبْرانِ خَسارَةِ المالِ.
فإن أذنَ رَبُّ المالِ في ذلك، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُج عنهما.123

وإنْ طَلَبَ الْعَامِلُ الْبَيعَ، فَأبَى رَب الْمَالِ، أجْبِرَ إنْ كَانَ فِيهِ رِبْح، وإلا فَلَا.

2095 - مسألة: (وإن طَلَب العامِلُ البَيعَ، فأبَى رَبُّ المالِ، أجْبِرَ إن كان فيه رِبْح، وإلَّا فلا)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُضارَبَةَ مِن العُقُودِ الجائِزَةِ، تَنْفَسِخُ بفَسْخِ أحَدِهما، أيهما كان، وبموتِه، والحَجْرِ عليه لسَفَهٍ، كالوَكالةِ.
ويَسْتَوي في ذلك ما قبلَ التَّصَرُّفِ وبعدَه.
فإنِ انْفَسَخَتْ والمالُ ناضٌّ لا رِبْحَ فيه، أخَذَه رَبُّه، فإن كان فيه رِبْح، قَسَماه على ما شَرَطا.
فإنِ انْفَسَخَتْ والمالُ عَرْض، فاتفَقا على بَيعِه أو قَسْمِه، جاز؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، فجاز ما اتَّفَقا عليه.
وإن طَلَب العامِلُ البَيعَ، فأبَى رَبُّ المالِ، وقد ظَهَر في المال رِبْحٌ، أجْبِرَ رَبُّ المالِ على البَيعِ.
وهذا قولُ الثّوْرِيِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ حَقَّ العامِلِ في الرِّبْحِ، ولا يَظْهَرُ إلَّا بالبَيعِ.
وإن لم يَظْهَرْ رِبْح، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، وقد رَضِيَه مالِكُه كذلك، فلم يُجْبَرْ على بَيعِه.
وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُجْبَرُ؛ لأنَّه رُبَّما زاد فيه راغِب فزاد على ثَمَنِ الْمِثِلِ، فيكونُ للعامِلِ [في البَيعِ] 1 حَظ.
ولَنا، أنَّ المُضارِبَ إنَّما اسْتَحَقَّ الرِّبْحَ إلى حينِ

وإنِ انْفَسَخَ الْقِرَاضُ، وَالْمالُ عَرْض، فَرَضِيَ رَبُّ الْمَالِ أنْ يَأخُذَ بِمَالِهِ عَرْضًا، أوْ طَلَبَ الْبَيعَ، فَلَهُ ذَلِكَ.
الفَسْخِ، وذلك لا يُعْلَمُ إلا بالتقْويمِ، ألا تَرَى أنَّ المُسْتَعِيرَ إذا غَرَس أو بَنَى، أو المُشْتَرِيَ، فإنَّ (1) للمُعِيرِ والشفِيعِ أن يَدْفَعا قِيمَةَ ذلك؛ [لأنه مُسْتَحِقٌّ للأرْضِ] (2)، فههُنا أوْلَى.
وما ذكَرُوه مِن احْتِمالِ الزِّيادة بزِيادة راغِب على القِيمَةِ، فإنَّما حَدَث ذلك بعدَ فَسْخِ العَقْدِ، فلا يَستَحِقُّها العامِلُ.

2096 -

مسألة: (وإنِ انْفَسَخَ القِراضُ، والمالُ عَرْض، فرَضِيَ رَبُّ المالِ أن يَأخُذَ بمالِه عَرْضًا، أو طَلَب البَيعَ، فله ذلك)

أمّا إذا رَضِيَ12

جارٍ التحميل