..................................
لا يُدَّخَرُ، فهو كالخَضْراواتِ.
قُلْنا: بل يُدَّخَرُ في الجُمْلَةِ، وإنَّما لم يُدَّخَرْ ههُنا؛ لأنَّ أخْذَه رُطَبًا أنْفَعُ، فلم تَسْقُطْ منه الزكاةُ بذلك.
ولا تَجِبُ فيه الزكاةُ حتى يَبْلُغَ حَدًّا يكونُ منه خَمْسَةُ أوْسُقٍ تَمْرًا أو زَبِيبًا، إلَّا على الرِّوايَةِ الأخْرَى.
فإن أتْلَفَ رَبُّ المالِ هذه الثَّمَرَةَ، فقال القاضى: عليه قِيمَتُها، كما لو أتْلَفَها غيرُه.
وعلى قولِ أبى بكرٍ: يَجِبُ عليه العُشْرُ تَمْرًا أو زَبِيبًا، كما في غيرِ هذه الثَّمَرَةِ.
قال: فإن لم يَجِدِ التَّمْرَ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تُؤْخَذُ منه قِيمَتُه.
والثّانِى، يَبْقَى في ذِمَّتِه إلى أَن يَجِدَه، فيَأْتِىَ به.
وَيَنْبَغِى أَنْ يَبْعَثَ الإِمَامُ سَاعِيًا إِذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ، فَيَخْرُصَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ.
906 - مسألة: (ويَنْبَغِى أن يَبْعَثَ الإِمامُ ساعِيًا إذا بَدا الصَّلاحُ في الثَّمَرِ، فيَخْرُصَه عليهم، ليَتَصَرَّفُوا فيه)
فيَعْرِفَ بذلك قدْرَ الزكاةِ، ويُعَرِّفَ المالكَ ذلك.
وممَّن كان يَرَى الخَرْصَ، عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، وسَهْلُ بنُ أبى حَثْمَةَ 1، ومَرْوانُ 2، والقاسمُ بنُ محمدٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأكْثَرُ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن الشَّعْبِىِّ، أنَّ الخَرْصَ بِدْعَةٌ.
وقال أهلُ الرَّأْى: الخَرْصُ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ، لا يَلْزَمُ به حُكْمٌ، وإنَّما كان تَخْوِيفًا للأكَرَةِ 3 مِن الخِيانَةِ.
ولَنا، ما روَى عَتّابُ بنُ أسِيدٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَبْعَثُ على النّاسِ من يَخْرُصُ عليهم كُرُومَهم وثِمارَهُم.
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، والتِّرْمِذىُّ 4.
..................................
وفى لَفْظٍ، قال: أمَرَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُخْرَصَ العِنَبُ كما يُخْرَصُ النَّخْلُ وتُؤْخَذَ زَكاتُه زَبِيبًا، كما تُؤْخَذُ زكاةُ النَّخْلِ تَمْرًا.
وقالت عائشةُ، وهى تَذْكُرُ شَأْنَ خَيْبَرَ: كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَبْعَثُ عبدَ اللَّهِ بنَ رَواحَةَ إلى يَهُودَ، فيَخْرُصُ عليهم النَّخْلَ حينَ يَطِيبُ قبلَ أن يُؤْكَلَ منه.
رَواه أبو داودَ 1. وقَوْلُهم: هوِ ظنٌّ.
قُلنا: بل هو اجْتِهادٌ في مَعْرِفَةِ قَدْرِ الثَّمَرِ بالخَرْصِ، الذى هو نوْعٌ مِن المَقادِيرِ، فهو كتَقْوِيمِ المُتْلَفاتِ.
وؤَقْتُ الخَرْصِ حينَ يَبْدُو الصَّلاحُ، لحديثِ عائشةَ، ولأنَّ فائِدَةَ الخَرْصِ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الزكاةِ، وإطْلَاقُ أرْبابِ الثِّمارِ في التَّصَرِّفِ فيها، وإنَّما تَدْعُو الحاجَةُ إلى ذلك حينَ يَبْدُو الصَّلاحُ.
فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا، خَرَصَ كُلَّ نَوْعٍ وَحْدَهُ.
فصل: ويُجْزِئُ خارِصٌ واحِدٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَبْعَثُ ابنَ رَواحَةَ يَخْرُصُ، ولم يُذْكَرْ معه غيرُه، ولأنَّ الخارِصَ يَفْعَلُ ما يُؤَدِّيه إليه اجْتِهادُه، فهو كالحاكِمِ (1) والقائِفِ، ويُعْتَبَرُ فيه أن يكونَ أمِينًا كالحاكِمِ (1).
907 -
مسألة: (فإن كان أنْواعًا، خَرَص كلَّ نَوْعٍ وَحْدَه)
لأنَّ الأنْواعَ تَخْتَلِفُ؛ فمنها ما يَكْثُرُ رُطَبُه ويَقِلُّ تَمْرُه 2، ومنها بالعَكْسِ،1
وَإنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، فَلَهُ خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَهَا، وَلَهُ خَرْصُ الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
وهكذا العِنَبُ، ولأنَّه يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ قَدْرِ كلِّ نَوْعٍ حتى يُخْرِجَ عُشْرَه.
908 -
مسألة: (وإن كان نَوْعًا وَاحِدًا، فله خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَها)
فيُطِيفُ بها (وله خَرْصُ الجَمِيعِ دَفْعَةً واحِدَةً) دَفْعًا للمَشَقَّةِ، ويَنْظُرُ كم يَجِئُ منه تَمْرًا أو زَبِيبًا، ثم يُعَرِّفُ المالِكَ قَدْرَ الزكاةِ، ويُخَيِّرُه بينَ أن يَضْمَنَ قَدْرَ الزكاةِ، ويَتَصَرَّفَ فيها بما شاء مِن أكْلٍ أو غيرِه، وبينَ حِفْظِها إلى وَقْتِ الجِدَادِ والجَفافِ، فإن حَفِظَها وجَفَّفَها فعليه زكاةُ المَوْجُودِ لا غيرُ، سَواءٌ اخْتارَ الضَّمانَ أو الحِفْظَ، وسَواءٌ كانت أكْثرَ ممّا خَرَصَه الخارِصُ أو أقَلَّ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: يَلْزَمُه ما قال الخارِصُ، زاد أو نَقَص، إذا كانتِ الزكاةُ مُتَقارِبَةً.
وعن أحمدَ نَحْوُ ذلك، فإنَّه قال: إذا خَرَص الخارِصُ، فإذا فيه فَضْلٌ كَثِيرٌ، مثلُ
..................................
الضِّعْفِ، تَصَدَّقَ بالفَضْلِ؛ لأنَّه يَخْرُصُ بالسَّوِيَّةِ؛ لأنَّ الحُكْمَ انْتَقَلَ إلى ما قال السّاعِى، بدَلِيلِ وُجُوبِ ما قال عندَ تَلَفِ المال.
ولَنا، أنَّ الزكاةَ أمانَةٌ، فلا تَصِيرُ مَضْمُونَةً بالشَّرْطِ، كالوَدِيعَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الحُكْمَ انْتَقَلَ إلى ما قال السّاعِى، وإنَّما يُعْمَل بقَوْلِه إذا تَصَرَّفَ في الثَّمَرَةِ ولم يَعْلَمْ قَدْرَها؛ لأنَّ الظّاهِرَ إصابَتُه.
قال أحمدُ: إذا تَجافَى السُّلْطانُ عن شئٍ مِن العُشْرِ، يُخْرِجُه فيُؤَدِّيه.
وقال: إذا حَطَّ مِن الخَرْصِ عن الأرْضِ، يَتَصَدَّقُ بقَدْرِ ما نَقَصُوه مِن الخَرْصِ، وإن أخَذَ منهم أكْثَرَ مِن الواجِبِ عليهم، فقال أحمدُ: يُحْتَسَبُ لهم مِن الزكاةِ لسَنَةٍ أُخْرَى.
ونَقَل عنه أبو داودَ: لا يُحْتَسَبُ بالزِّيادَةِ، لأنَّ هذا غَصْبٌ.
اخْتارَه أبو بكرٍ.
قال شيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ الجَمْعُ بينَ الرِّوايَتَيْن، فيُحْتَسَبُ إذا نَوَى صاحِبُه به التَّعْجِيلَ، ولا يُحْتَسَبُ إذا لم يَنْوِ.
فصل: وإذا ادَّعَى رَبُّ المالِ غَلَطَ الخارِصِ، وكان ما ادَّعاه مُحْتَمِلًا، قُبِلِ قَوْلُه بغيرِ يَمِينٍ، وإن لم يَكُنْ مُحْتَمِلًا، مثل أنِ ادَّعَى غَلَطَ النِّصْفِ ونحْوِه، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُه، فيُعْلَمُ كَذِبُه.
وإن قال: لم يَحْصُلْ في يَدِى إلَّا كذا.
قُبِل قولُه؛ لأنَّه قد يَتْلَفُ بَعْضُه بآفَةٍ لا نَعْلَمُها 2.
فصل: فإن أتْلَفَ رَبُّ المالِ الثَّمَرَةَ، أو تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه بعدَ خَرْصِها، فعليه ضَمانُ نَصِيبِ الفُقَرَاءِ بالخَرْصِ، وإن أتْلَفَها أجْنَبِىٌّ، فعليه قِيمَةُ ما
وَيِجِبُ أَنْ يَتْرُكَ فِى الْخرْصِ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثَ أوِ الرُّبْعَ،
أتْلَفَ.
والفَرْقُ بينَهما أنَّ رَبَّ المالِ وَجَب عليه تَجْفِيفُ هذا الرُّطَبِ بخِلافِ الأجْنَبِىِّ، ولهذا قُلنا في مَن أتْلَفَ أُضْحِيَتَه (1) المُعَيَّنَةَ: فعليه أُضْحِيَةٌ مَكانَها.
وإن أتْلَفَها أجْنَبِىٌّ فعليه قِيمَتُها.
وإن تَلِفَتْ بِجائِحَةٍ مِن السَّماءِ، سَقَط عنهم الخَرْصُ.
نَصَّ عليه؛ لأنَّها تَلِفَتْ قبلَ اسْتِقْرارِ زَكاتِها، وإنِ ادَّعَى تَلَفَها، قُبِل قولُه بغيرِ يَمِينٍ، وقد ذَكَرْناه.
909 -
مسألة: (ويَجِبُ أن يَتْرُكَ في الخَرْصِ لرَبِّ المالِ الثُّلُثَ أو الرُّبْعَ)
تَوْسِعَةً على رَبِّ المالِ، لأنَّه يَحْتاجُ إلى الأكْلِ هو وأضْيافُه، ويُطْعِمُ جِيرانَه وأهْلَه، ويَأكلُ منها المارَّةُ، ويكونُ في الثَّمَرَةِ السّاقِطَةُ، ويَنْتابُها الطَّيْرُ، فلو اسْتَوْفَى الكُلَّ منهم أضَرَّ بهم.
وبهذا قال إسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ.
والمَرْجِعُ في تَقْدِيرِ المَتْرُوكِ إلى اجْتِهادِ السّاعِى، فإن رَأى الأكَلَةَ كَثِيرًا تَرَك الثُّلُثَ، وإلَّا تَرَك الرُّبْعَ، لِما روَى سَهْلُ بنُ أبى حَثْمَةَ، أنَّ رسولَ1
..................................
اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقولُ: «إذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلثَ، فَإنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبعَ».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىّ، والتِّرْمِذىُّ 1. وروَى أبو عُبَيْدٍ 2، بإسْنادِه، عن مَكْحُولٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا بَعَث الخُرّاصَ قال: «خَفِّفُوا على النَّاسِ، فَإنَّ فِى الْمَالِ الْعَرِيَّةَ والْوَاطِئَةَ وَالْأكلَةَ».
قال أبو عُبَيْدٍ: الواطِئَةُ؛ السّابِلَةُ، سُمُّوا بذلك لوَطْئِهم بلادَ الثِّمارِ مُجْتازِين.
والأكَلَةُ: أرْبابُ الثِّمارِ وأهْلُوهم، ومَن لَصِق بهم.
ومنه حديثُ سَهْلٍ في مالِ سعدِ بنِ أبى سَعْدٍ، حينَ قال: لولا أنِّى وَجَدْت فيه أرْبَعِين عَرِيشًا لخَرَصْتُه تِسْعَمائةِ 3 وَسَقٍ، فكانت تلك العُرُشُ لهولاء الأكَلَةِ 4. والعَرِيَّةُ؛ النَّخْلَةُ أو النَّخَلاتُ يَهَبُ إنْسانًا ثَمَرَتَها.
فجاء عن
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَكْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ.
النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «لَيْسَ فِىِ الْعَرَايَا صَدَقَةٌ» (1). والحُكْمُ في العِنَبِ كالحُكْمِ في الرُّطَبِ سَواءٌ، لأنَّه في مَعْناه.
910 -
مسألة: (فإن لم يَفْعَلْ، فلرَبِّ المالِ الأكْلُ بقَدْرِ ذلك، ولا يُحْتَسَبُ عليه)
نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّه حَق لهم، فإن لم يُخْرِجِ الإِمامُ خارصًا، فاحْتاجَ رَبُّ المالِ إلى التَّصَرُّفِ في الثَّمَرَةِ فأخْرَجَ خارِصًا، جاز أن يَأْخُذَ بقَدْرِ ذلك.
ذَكَرَه القاضى.
فإن خَرَص هو وأخَذَ بقَدْرِ ذلك، جاز، ويَحْتاطُ أن لا يَأخُذَ أكْثَرَ ممّا له أخْذُه، ثم إن بَلَغ الباقِى نِصابًا زَكّاه، وإلَّا فلا.1
..................................
فصل: ويُخْرَصُ النَّخْلُ والكَرْمُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأثَرِ فيهما، ولا يُخْرَصُ الزَّرْعُ في سُنْبُلِه.
وبهذا قال عطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بالخَرْصِ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه؛ لأنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ والكَرْمِ تُؤْكَلُ رُطَبًا، فيُخْرَصُ على أهْلِه للتَّوْسِعَةِ عليهم، ليُخَلِّى بينَهم وبينَ الأكَلَةِ والتَّصَرُّفِ فيه، ولأنَّ ثَمَرَةَ الكَرْمِ والنَّخْل ظاهِرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، فخَرْصُها أسْهَلُ مِن خَرْص غيرِها، وما عَداهما لا يُخرَصُ، وإنَّما على أهْلِه فيه الأمانَةُ إذا صار مُصَفًّى يابِسًا، ولا بَأْسَ أن يَأْكُلُوا منه ما جَرَتِ العادَةُ بأكْلِه، ولا يُحْتَسَبُ عليهم.
وقد سُئِل أحمدُ عمّا يَأْكُلُه أرْبابُ الزُّرُوعِ من الفَرِيكِ؟ قال: لا بَأْسَ به أن يَأْكُلَ منه صاحِبُه ما يَحْتاجُ إليه.
وذلك لأنَّ العَادَةَ جارِيَةٌ به، فأشْبَهَ ما يَأْكلُه أرْبابُ الثِّمارِ مِن ثِمارِهم.
وإذا صُفِّىَ الحَبُّ أخْرَجَ زكاةَ المَوْجُودِ كلِّه، ولم يُتْرَكْ منه
وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ، فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ أَخَذَ مِنَ الْوَسَطِ.
شئٌ؛ لأنَّه إنَّما تُرِك لهم في الثَّمَرِ شئٌ، لكَوْنِ النُّفُوسِ تَتُوقُ إلى أكْلِها رَطْبَةً، والعادَةُ جَارِيَةٌ به، وفى الزَّرْعِ إنَّما يُؤْكَلُ منه شئٌ يسيرٌ، لا وَقْعَ له.
ولا يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ، ولا غيرُ النَّخْلِ والكَرْمِ؛ لأنَّ حَبَّه مُتَفَرِّقٌ في شَجَرِه، مَسْتُورٌ بوَرَقِه، ولا حاجَةَ بأهْلِه إلى أكْلِه، بخِلافِ النَّخْلِ والكَرْمِ.
وبهذا قال مالكٌ.
وقال الزُّهْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ: يُخْرِصُ قِياسًا على الرُّطَبِ والعِنَبِ: ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى، ولأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ.
911 -
مسألة: (ويُخرَجُ العُشْرُ مِن كلِّ نَوْعٍ على حِدَتِه، فإن شَقَّ ذلك أخَذَ مِن الوَسَطِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا كان المالُ الزَّكَوِىُّ نَوْعًا
..................................
واحِدًا أخَذَ منه، جَيِّدًا كان أو رَدِيئًا؛ لأنَّ حَقَّ الفُقَراءِ يَجِبُ على طَرِيقِ المُواساةِ، فهمِ بمَنْزلَةِ الشُّرَكاءِ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
وإن كان أنْواعًا، أخَذَ مِن كلِّ نوْعٍ ما يَخُصُّه.
وهذا قولُ أكْثَرِ العُلَماءِ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ: يُؤْخَذُ مِن الوَسَطِ.
وكذلك ذَكَرَه شيخُنا ههُنا وأبو الخَطّابِ، إذا شَقَّ عليه إخْراجُ زَكاةِ كل نَوْعٍ منه، دَفْعًا للحَرَجِ والمَشَقَّةِ، وقِياسًا على السّائِمَةِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الفُقَراءَ بمَنْزِلَةِ الشُّرَكاءِ، فيَنْبَغِى أن يَتساوَوْا في كلِّ نَوْعٍ، ولا مَشَقَّةَ في ذلك، بخِلافِ الماشِيَةِ، فإنَّ إخْراجَ زكاةِ كلِّ نوْعٍ منها يُفْضى إلى التَّشْقِيصِ، وفيه مَشَقَّةٌ، بخِلافِ الثِّمارِ.
ولا يَجُوزُ إخْراجُ الرَّدِئِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 1. قال أبو أُمَامَةَ بنُ 2 سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ، في هذه الآيَةِ: هو الجُعْرُورُ 3، ولَوْنُ حُبَيْقٍ 4، فنَهَى
..................................
رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُؤْخَذَ في الصَّدَقَةِ.
رَواه النَّسائِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ 1. قال: وهما ضَرْبانِ مِن التَّمْرِ؛ أحَدُهما، إنَّما يَصِيرُ قِشْرًا على نَوًى.
والآخَرُ، إذا أتْمَرُ 2 صار حَشَفًا.
ولا يَجُوزُ أخْذُ الجَيِّدِ عن الرَّدِئِ؛ لقولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ» 3. فأمّا إن تَطَوَّعَ رَبُّ المالِ بإِخْراجِ الجَيِّدِ عن الرَّدِئِ، جاز، وله أجْرُ ذلك، على ما ذَكْرنا في الماشِيَةِ.
فصل: وأمّا الزَّيْتُونُ، فإن كان ممّا لا زَيْتَ فيه، فإنَّه يُخْرِجُ منه عُشْرَه حَبًّا إذا بَلَغ نِصابًا، لأنَّه حالُ كَمالِه وادِّخارِه، وإن كان له زَيْتٌ أخْرَجَ منه زَيْتًا، إذا بَلَغ الحَبُّ نِصابًا.
وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ.
قالُوا: يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ، ويُؤْخَذُ منه زَيْتًا صافِيًا.
وقال مالكٌ: إذا بَلَغ خَمْسَةَ أوْسُقٍ أخَذَ العُشْرَ مِن زَيْتِه بعدَ أن يُعْصَرَ: وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: يُخْرِجُ مِن حَبِّهِ كسائِرِ الثِّمارِ.
ولأنَّه الحالَةُ التى يُعْتَبَرُ فيها الأوْساقُ، فكان إخْراجُه فيها كسائِرِ الثِّمارِ.
وهذا جائِزٌ، وإخْراجُ الزَّيْتِ أوْلَى وأفْضَلُ، لأنَّه يَكْفِى الفُقَراءَ مُؤْنَتَه، ولأنَّه حالُ كَمالِه وادِّخارِه، أشْبَهَ الرُّطَبَ إذا يَبِسَ.
واللَّهُ أعلمُ.
وَيَجِبُ الْعُشرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ.
912 - مسألة: (ويَجِبُ العُشْرُ على المُسْتَأْجِرِ دُونَ المالِكِ)
وبهذا قال مالكٌ، والثُّوْرِىُّ، وشُرَيْكٌ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: هو على مالِكِ الأرْضَ، لأنَّه مِن مُؤْنَتِها، أشْبَهَ الخَرَاجَ.
ولَنا، أنَّه واجِبٌ في الزَّرْعِ، فكان على مالِكِه كزكاةِ القِيمَةِ فيما إذا أعَدَّه للتِّجارَةِ، وكعُشْرِ زَرْعِه في مِلْكِه.
ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنَّه مِن مُؤْنَةِ الأرْضِ.
لأنَّه لو كان مِن مُؤْنَتِها لوَجَبَ فيها وإن لم تزْرَعْ، [ولَوَجَبَ] 1 على الذِّمِّىِّ، كالخَراجِ، ولتَقَدَّرَ بقَدْرِ الأرْضِ لا بقَدْرِ الزَّرْعِ، ولوَجَبَ صَرْفُه إلى مَصارِفِ الفَىْءِ.
فإنِ اسْتَعارَ أرْضًا فزَرَعَها، فالزكاةُ على صاحِبِ الزَّرْعِ، لأنَّه مالِكُه.
وإن غَصَبَها فزَرَعَها وأخَذَ
وَيَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِى كُلِّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً.
الزَّرْعَ، فالعُشْرُ عليه؛ لأنَّه نَبَت على مِلْكِه (1). وإن أخَذَه مالِكُها قبل اشْتِدادِ حَبِّه، فالعُشْرُ عليه.
وإن أخَذَه بعده، احْتَمَلَ أن يَجِبَ عليه أيضًا؛ لأنَّ أخْذَه إيَّاهُ اسْتَنَدَ إلى أوَّلِ زَرْعِه، فكَأنَّه أخَذَه مِن تلك الحالِ.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ زَكاتُه على الغاصِبِ؛ لأنَّه كان مِلْكًا له حينَ وُجُوبِ عُشْرِه، وهو حينَ اشْتِدادِ الحَبِّ.
وإن زارَعَ رَجُلًا مُزارَعَةً فاسِدَةً، فالعُشْرُ على مَن يَجِبُ الزَّرْعُ له.
وإن كانت صَحِيحَةً، فعلى كلِّ واحِدٍ منهما عُشرُ حِصَّتِه، إن بَلَغَتْ نِصابًا، أو كان له مِن الزَّرْعِ ما يَبْلُغُ بضَمِّه إليه نِصابًا، وإلَّا فلا.
وإن بَلَغَتْ حِصَّةُ أحَدِهما نِصابًا دُونَ الآخرِ، فعلى مَن بَلَغَتْ حِصَّتُه النِّصابَ (2) العُشْرُ دُونَ صاحِبهِ، إلَّا إذا قُلنا: الخُلْطَةُ تُوثِّرُ في غيرِ السّائِمَةِ.
فيَلْزَمُهما العُشْرُ إذا بَلَغ زَرْعُهما نِصابًا، ويُخْرِجُ كلُّ واحِدٍ منهما عُشْرَ نَصِيبِه، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما ممَّن لا عُشْرَ عليه، كالمُكاتَبِ؛ فلا يَلْزَمُ شَرِيكَه شئٌ إلَّا أن تَبْلُغَ حِصَّتُه نِصابًا، وكذلك الحُكْمُ في المُساقاةِ.
913 -
مسألة: (ويَجْتَمِعُ العُشْرُ والخَراجُ في كلِّ أرْضٍ
12
..................................
فُتِحَتْ عَنْوَةً) الأرْضُ أرْضانِ؛ صُلْحٌ، وعَنْوَةٌ.
فأمّا الصُّلْحُ فهو كلُّ أرْضٍ صُولِحَ أهلُها عليها لتَكُونَ مِلْكًا لهم، ويُؤَدُّون عليها خَراجًا، فهذه الأرْضُ مِلْكٌ لأرْبابِها، وهذا الخَراجُ كالجِزْيَةِ، متى أسْلَمُوا سَقَط عنهم، ولهم بَيْعُها وهِبَتُها ورَهْنُها، وكذلك كلُّ أرْضٍ أسْلَمَ عليها أهلُها، كأرْضِ المَدِينَةِ وشِبْهِها، ليس عليها خَراجٌ ولا شئٌ، إلَّا الزكاةَ، فهى واجِبَةٌ على كلِّ مسلمٍ.
ولا خِلافَ في وُجُوبِ العُشْرِ في الخارِجِ مِن هذه الأرْضِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ على كلِّ أرْضٍ أسْلَمَ عليها أهلُها قبلَ قَهْرِهم، عليها الزكاةُ فيما زَرَعُوا فيها.
وأمّا العَنْوَةُ فالمُرادُ بها ما فُتِح عَنْوَةً، ووُقِف على المسلمين، وضُرِب عليه خَراجٌ مَعْلُومٌ، فإنَّه يُؤَدِّى الخَراجَ عن رَقَبَةِ الأرْضِ، وعليه العُشْرُ عن غَلَّتِها إذا كانت لمسلمٍ، وكذلك الحُكْمُ في كلِّ أرْض خَراجِيَّةٍ.
وهذا قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِىِّ، ويحيى الأنْصارِىِّ، ورَبِيعَةَ، والأوْزاعِىِّ 1، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: لا عُشْرَ في الأرْضِ الخراجِيَّةِ؛ لقولِه عليه السلامُ: «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِى أرْضِ
..................................
مُسْلِمٍ» 1. ولأنَّهما حَقّان سَبَباهُما مُتنافِيان، فلم يَجْتَمِعا، كزكاةِ السَّوْمِ والتِّجارَةِ، وكالعُشْرِ وزكاةِ القِيمَةِ.
وبَيانُ تنافِيهما أنَّ الخَراجَ وَجَبَ عُقُوبَةً؛ لأنَّه جِزْيَةٌ للأرْضِ، والزكاةُ وَجَبَتْ طَهُورًا وشُكْرًا.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ 2. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» 3. وغيرُه مِن عُمُوماتِ الأخْبارِ.
قال ابنُ المُبارَكِ: يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.
ثم قال: نَتْرُكُ القُرآنَ لقولِ أبى حنيفةَ! ولأنَّهما حَقّانِ يَجِبانِ لمُسْتَحِقِّين يَجُوزُ وُجُوبُ كلِّ واحِدٍ منهما على المسلمِ فجاز اجْتِماعُهما، كالكَفّارَةِ والقِيمَةِ في الصَّيْدِ الحَرَمِىِّ المَمْلُوكِ، وحَدِيثُهم يَرْوِيه يحيى بنُ عَنْبَسَةَ، وهو ضَعِيفٌ، عن أبى حنيفةَ، ثم نَحْمِلُه على الخَراجِ الذى هوْ جِزْيَةٌ.
وقولُهم: إنَّ سَبَبَيْهِما 4 مُتنَافِيان.
غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الخَراجَ أُجْرَةُ الأرْضِ، والعُشْرَ زَكاةُ الزَّرْعِ، ولا يَتَنافَيان، كما لو اسْتَأْجَرَ أرْضًا فزَرَعَها.
وقولُهم: الخَراجُ عُقُوبَةٌ.
قلْنا: لو كان عُقُوبَةً لَما وَجَب على مسلمٍ، كالجِزْيَةِ.
وإن كانَتِ الأرْضُ لكافِرٍ فليس عليه فيها سِوَى الخَراجِ.
قال أحمدُ: ليس في أرْضِ أهلِ الذِّمَّةِ صَدَقَةٌ، إنَّما قال اللَّهُ
..................................
تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ 1. فأىُّ طُهْرَةٍ للمُشْرِكِينَ؟.
فصل: فإن كان في غَلَّةِ الأرْضِ ما لا عُشْرَ فيه، كالثِّمارِ التى لا زكاةَ فيها، والخَضْراواتِ، وفيها زَرْعٌ فيه الزكاةُ، جُعِل ما لا زكاةَ فيه في مُقابَلَةِ الخَراجِ، وزُكِّىَ ما فيه الزكاةُ، إذا كان ما لا زَكاةَ فيه وافِيًا بالخَراجِ.
وإن لم يكنْ لها غَلَّةٌ إلا ما تَجِبُ نجيه الزكاةُ، أُدِّىَ الخَراجُ مِن غَلَّتِها، وَزُكِّىَ ما بَقِىَ، في أصَحِّ الرواياتِ.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ.
وهذا قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ.
قال أبو عُبَيْدٍ 2، عن إبراهيمَ بنِ أبى عَبْلَةَ: كَتَب عُمَرُ بنُ عبدِ العزِيزِ إلى عامِلِه على فِلَسْطِينَ، في مَن كانت في يَدِه أرْضٌ بجِزْيَتِها مِن المسلمين، أن يَقْبِضَ منها جِزْيَتَها، ثم يُؤْخَذَ منها زَكاةُ ما بَقِىَ بعدَ الجِزْيَةِ.
وذلك لأنَّ الخَراجَ مِن مُؤْنَةِ الأرْضِ، فيَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ في قَدْرِه؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: يَحْسِبُ ما أنْفَقَ على زَرْعِه دُونَ ما أنْفَقَ على أهْلِه.
وفيه رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، أنَّ الدَّيْنَ كلَّه يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ في الأمْوالِ الظّاهِرَةِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ يَحْسِبُ كلَّ دَيْنٍ عليه، ثم يُخْرِجُ العُشْرَ ممّا بَقِىَ إن بَلَغ نِصابًا.
يُرْوَى نَحْوُ ذلك عن ابنِ عُمَرَ؛ لأنَّه دَيْنٌ فمَنَعَ وُجُوبَ العُشْرِ، كالخَراجِ، وما أنْفَقَه على زَرْعِه.
وفيه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ
وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ الْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ، وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ.
وَعَنْهُ، عَلَيْهِمْ عُشْرَانِ، يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالإِسْلَامِ.
وُجُوبَ الزكاةِ في الأمْوالِ الظّاهِرَةِ مُطْلَقًا، سَواءٌ اسْتَدانَه لنَفَقَةِ زَرْعِه، أو لنَفَقَةِ أهلِه، فيَحْتَمِلُ على هذه أن يُزَكِّىَ الجَمِيعَ.
وقد ذَكَرْنا ذلك في بابِ الزكاةِ.
914 -
مسألة: (ويَجُوزُ لأهْلِ الذِّمَّةِ شِراءُ الأرْضِ العُشْرِيَّةِ، ولا عُشْرَ عليهم. وعنه، عليهم عُشْران، يَسْقُطُ أحَدُهما بالإِسلامِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُكْرَه 1 للمسلمِ بَيْعُ أرْضِه مِن الذِّمِّىِّ وإجارَتُها منه؛
..................................
لإِفْضائِه إلى إِسقْاطِ عُشْرِ الخارِجِ منها.
قال محمدُ بنُ موسى: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن المسلمِ يُؤاجِرُ أرْضَ الخَراجِ مِن الذِّمِّى؟ قال: لا يُؤاجِرُ مِن الذِّمِّىِّ، إنَّما عليه الجِزْيَةُ، وهذا ضرَرٌ.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: لأنَّهم لا يُؤَدُّون الزكاةَ.
فإن آجَرَها مِن الذِّمِّىِّ، أو باع أرْضَه التى لا خَراجَ عليها لذِمِّىٍّ، صَحَّ البَيْعُ والإِجارَةُ.
وهو مَذهَبُ الثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأبى عُبَيْدٍ.
وليس عليهم فيها عُشْرٌ ولا خَراجٌ.
قال حَرْبٌ: سألتُ أحمدَ عن الذِّمِّىِّ يَشْتَرِى أرْضَ العُشْرِ؟ قال: لا أعْلَمُ عليه 1 شيئًا، وأهلُ المَدِينَةِ يَقُولُون في هذا قَوْلًا حَسَنًا، يَقُولُون: لا يُتْرَكُ الذِّمِّىُّ يَشْتَرِى أرْضَ العُشْرِ.
وأهلُ البَصْرَةِ يَقُولُون قَوْلًا عَجَبًا، يَقُولُون: يُضاعَفُ عليهم.
..................................
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّهم يُمْنَعُون مِن شِرائِها.
اخْتارَها الخَلَّالُ.
وهو قولُ مالكٍ وصاحِبه.
فإنِ اشْتَرَوْها ضُوعِفَ عليهم العُشْرُ، فأُخِذَ منهم الخُمْسُ، كما لو اتَّجَرُوا بأمْوالِهم إلى غيرِ بَلَدِهمِ، يُؤْخَذُ منهم نِصْفُ العُشْرِ.
وهذا قولُ أهلِ البَصْرَةِ، وأبى يُوسُف.
ويُرْوَى ذلك عن الحسنِ، وعُبَيْدِ اللَّهِ بنِ الحسنِ العَنْبَرِىِّ 1. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: العُشْرُ بحالِه.
وقال أبو حنيفةَ: تَصِيرُ أرْضَ خَراجٍ.
ولَنا، أنَّ هذه أرْضٌ لا خَراجَ.
عليها، فلا يَلْزَمُ فيها 2 الخَراجُ ببَيْعِها، كما لو باعها مُسْلِمًا،
..................................
ولأنَّها مالُ مسلمٍ يَجبُ الحَقُّ فيها للفُقَراءِ، فلم يُمْنَعْ مِن بَيْعِه للذِّمِّىِّ، كالسّائِمَةِ.
وإذا مَلَكَهَا الذِّمِّىُّ فلا عُشْرَ عليه فيما يَخْرُجُ منها؛ لأنَّه زَكاةٌ، فلا يَجِبُ 1 على الذِّمِّىِّ، كزكاةِ السّائِمَةِ، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بزكاةِ السّائِمَةِ، وما ذَكَرُوه مِن تَضْعِيفِ العُشْرِ تَحَكُّمٌ لا نَصَّ فيه ولا قِياسَ.
فَصْلٌ: وَفِى الْعَسَلِ الْعُشْرُ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ مِنْ مِلْكِهِ.
(
فصل
: وفى العَسَلِ العُشْرُ، سَواءٌ أخَذَه مِن مَواتٍ أو مِن مِلْكِه.
وَنِصَابُهُ عَشَرَةُ أفْرَاقٍ، كُلُّ فَرَقٍ سِتُّونَ رَطْلًا.
ونِصابُه عَشَرَةُ أفْراقٍ، كلُّ فَرَقٍ سِتُون رَطْلًا) قال الأثْرَمُ: سُئِل أبو عبدِ اللَّهِ: أنت تَذْهَبُ إلى أنَّ في العَسَلِ زكاةً؟ قال: نعم، أذْهَبُ إلى أنَّ في العَسَلِ زكاةً، العُشْرَ، قد أخَذَ عُمَرُ منهم الزكاةَ.
قلتُ: ذلك على أنَّهم تَطَوَّعُوا به؟ قال: لا بل أخَذَه 1 منهم.
ويُرْوَى ذلك عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، ومَكْحُولٍ، والزُّهْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ.
وقال
..................................
مالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى، والحسنُ بنُ صالِحٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا زكاةَ فيه؛ لأنَّه مائِعٌ خارِجٌ مِن حَيَوانٍ، أشْبَهَ اللَّبَنَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ليس في وُجُوبِ الصَّدَقَةِ في العَسَلِ حَدِيث يَثْبُتُ ولا إجْماعٌ، فلا زكاةَ فيه.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان في أرْضِ العُشْرِ ففيه الزكاةُ، وإلَّا فلا زكاةَ فيه.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما روَى عَمْرُو بنُ شعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُؤخَذُ 1 في زَمانِه مِن قِرَبِ العَسَلِ، مِن كلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ مِن أوْسَطِها.
رَواه أبو عُبَيْدٍ، والأثْرَمُ، وابنُ ماجه 2. وعن سُلَيْمانَ بنِ موسى، أنَّ أبا سَيّارَةَ المُتعِىَّ 3، قال: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ: إنَّ لى نَحْلًا.
قال: «أدِّ الْعُشْرَ».
قال: فاحْمِ إذًا جَبَلَها.
فحماه له.
رَواه أبو عُبَيْدٍ، وابنُ ماجه 4. وروَى الأثْرَمُ، عن ابن أبى ذُبابٍ 5، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أمَرَه في العَسَلِ بالعُشْرِ.
..................................
أمّا اللَّبَنُ، فإنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ في أصْلِه، وهو السّائِمَةُ، بخِلافِ العَسَلِ.
وقولُ أبى حنيفةَ يَنْبَنِى على أنَّ العُشْرَ والخَراجَ لا يَجْتَمِعان، وقد ذَكَرْناه.
ونِصابُه عَشَرَةُ أفْراقٍ.
وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ.
وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: خَمْسَةُ أوْسَاقٍ، لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ» 1. وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ في قَلِيلِه وكَثِيرِه، بِناءً على أصْلِه في الحُبُوبِ والثِّمارِ.
ووَجْهُ الأوَّل ما رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ ناسًا سَألُوه، فقالُوا: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَطَع لنا وادِيًا باليَمَنِ، فيه خَلَايا مِن نَحْلٍ، وإنّا نَجِدُ ناسًا يَسْرِقونَها.
فقال عُمَرُ: إن أدَّيْتُم صَدَقَتَها، مِن كلِّ عَشرَةِ أفْراقٍ فَرَقًا، حَمَيْناها لكم.
رَواه الجُوزَجانِىُّ 2. وهذا تَقْدِيرٌ مِن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فيَجِبُ المَصِيرُ إليه.
إذا ثَبَت هذا، فقد اخْتَلَفَ المَذْهَبُ في قَدْرِ الفَرَقِ، فرُوِىَ عن أحمدَ
..................................
ما يَدُلُّ على أنَّه سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا بالعِراقِىِّ 1. فإنَّه قال، في رِوايَةِ أبى داودَ: قال الزُّهْرِىُّ: في عَشَرَةِ أفْراقٍ فَرَقٌ، والفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا، فيكونُ نِصابُه مائةً وسِتِّين رَطْلًا بالعِراقِىِّ.
وقال ابنُ حامِدٍ: الفَرْقُ سِتُّون رَطْلًا، فيكونُ النِّصابُ سِتَّمائةِ رَطْلٍ.
وكذلك ذَكَرَه القاضى في «المُجَرَّدِ»، فإنَّه يُرْوَى عن الخَلِيلِ بنِ أحمدَ 2، قال: الفَرْقُ، بإسْكانِ الرّاءِ؛ مِكْيالٌ ضَخْمٌ مِن مَكايِيلِ أهلِ العِراقِ.
وحُكِىَ عن القاضى، أنَّ الفَرْقَ سِتَّةٌ وثَلاثُون رَطْلًا.
وقِيلَ: هو مائةٌ وعِشْرُون رَطْلًا.
قال شيخُنا 3: ويَحْتَمِلُ أن يكونَ نِصابُه ألْفَ رَطْلٍ؛ لحديثِ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّه كان يُؤْخَذُ 4 مِن كلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ مِن أوْسَطِها.
والقِرْبَة مائةُ رَطْلٍ بالعِراقِىِّ، بدَلِيلِ قِرَبِ القُلَّتَيْن.
ووَجْهُ الأوَّلِ قولُ عُمَرَ: مِن كلِّ عَشَرَةِ أفْرَاق فَرَقًا.
والفَرَقُ بتَحْرِيكِ الرّاءِ؛ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا.
قال أبو عُبَيْدٍ 5: لا خِلافَ بينَ النّاسِ أعْلَمُه، في أنَّ
..................................
الفَرَقَ ثَلاثَةُ آصُعٍ.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لكَعْبِ بنِ عُجْرَةَ: «أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ» 1. فقد بَيَّنَ أنَّه ثَلَاثَةُ آصُعٍ.
وقالت عائشةُ: كنتُ أغْتَسِلُ أنا ورسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن إنَاءٍ، هو الفَرَقُ 2. هذا المَشْهُورُ، فيَنْصَرِفُ الإِطْلاقُ إليه.
والفَرْقُ الذى هو مِكْيالٌ ضَخْمٌ لا يَصِحُّ حَمْلُه عليه، لوُجُوهٍ؛ أحدُها أنَّه غيرُ مَشْهُورٍ في كلامِهم، فلا يُحْمَلُ عليه المُطْلَقُ مِن كلامِهم.
قال ثَعْلَبٌ: قُلْ فَرَقٌ ولا تَقُلْ فَرْقٌ.
الثانى أنَّ عُمَرَ قال: مِن كلِّ عَشَرَةِ أفْراقٍ فَرَقًا.
والأفْراقُ جَمْعُ فَرَقٍ، بفَتْحِ الرّاءِ، وجَمْعُ الفَرْقِ، بإسْكانِ الرّاء، فُرُوقٌ، لأنَّ ما كان على وَزْنِ فَعْل
..................................
ساكِنَ العَيْنِ غيرَ مُعْتَلٍّ، فجَمْعُه في القِلَّةِ أفْعُلٍ،، وفى الكَثْرَةِ فِعالٌ أو فُعُولٌ.
والثالثُ، أنَّ الفَرْقَ الذى هو ضَخْمٌ مِن مَكاييلِ أهلِ العِراقِ، لا يُحْمَلُ عليه كَلامُ عُمَرَ، وإنَّما يُحْمَلُ كلامُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، على مَكايِيلِ أهلِ الحِجازِ؛ لأنَّه بها ومِن أهْلِها، ويُؤَكِّدُ ذلك تَفْسيرُ الزُّهْرِىِّ له في نِصابِ العَسَلِ بما قُلنا، والإِمامُ أحمدُ ذَكَرَه في مَعْرِضِ الاحْتِجاجِ به، فيَدُلّ على أنَّه ذهَب إليه.
واللَّهُ أعلمُ.
فَصْلٌ فِى الْمَعْدِنِ:
وَمَنِ اسْتَخْرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ نِصَابًا مِنَ الْأَثْمَانِ، أوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَالصُّفْرِ، وَالزِّئْبَق، وَالْقَارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ، وَالزِّرْنِيخِ، وَسَائِرِ مَا يُسَمَّى مَعْدِنًا، فَفِيهِ الزَّكَاةُ فِى الْحَالِ، رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ قِيمَتِهِ، أوْ مِنْ عَيْنِهَا، إِنْ كَانَتْ أَثْمَانًا، سَوَاءٌ اسْتَخْرَجَهُ فِى دَفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ لَمْ يَتْرُكِ الْعَمَلَ بَيْنَهَا تَرْكَ إِهْمَالٍ.
(فصل في المَعْدِنِ):
915 -
مسألة: (ومَن اسْتَخْرَجَ مِن مَعْدِنٍ نِصابًا مِن الأثْمانِ، أو ما قِيمَتُه نِصابٌ مِن الجَواهِرِ، والقارِ، والصُّفْرِ، والزِّئْبَقِ، والكُحْلِ، والزِّرْنِيخِ، وسائِرِ ما يُسَمَّى مَعْدِنًا، ففيه الزكاةُ في الحالِ، رُبْعُ العُشْرِ مِن قِيمَتِه، أو مِن عَيْنِها، إن كانت أثْمانًا، سَواءٌ اسْتَخْرَجَه في دفْعَةٍ أو دفَعاتٍ لم يَتْرُكِ العَمَلَ بينَها تَرْكَ إهْمالٍ)
الكلامُ في هذه المَسْألةِ في فُصُولٍ أربعةٍ؛
..................................
أحَدُها، في صِفَةِ المَعْدِنِ الذى تَتَعَلَّقُ به الزكاةُ، وهو كلُّ ما خَرَج مِن الأرْضِ ممّا خُلِق فيها مِن غيرِها ممّا له قِيمَةٌ، كالذى ذُكِر ههُنا ونَحْوِه مِن البِلَّوْرِ، والعَقِيقِ، وِالحَدِيدِ، والسَّبَجِ 1، والزَّاجِ 2، والمُغْرَةِ 3، والكِبْرِيتِ، ونحْوِ ذلك.
وقال الشافعىُّ، ومالكٌ: لا تَتَعَلَّقُ الزكاةُ إلَّا بالذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لقول النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا زَكَاةَ فِى حَجَرٍ» 4. ولأنَّه مالٌ مُقَوَّمٌ مُسْتَفَادٌ مِن الأَرْضِ، أشْبَهَ الطِّينَ الأحْمَرَ.
وقال أبو حنيفةَ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن: تَتَعَلَّقُ الزكاةُ بكلِّ ما يَنْطَبعُ، كالرَّصاصِ والحَدِيدِ والنُّحاسِ، دُونَ غيرِه.
ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ 5. ولأنَّه مَعْدِنٌ،
..................................
فتَعَلَّقَتِ الزكاةُ به، كالأثْمانِ، ولأنَّه مالٌ لو غَنِمَه خَمَّسَه، فإذا أخْرَجَه مِن مَعْدِنٍ وَجَبَتْ زَكاتُه، كالذَّهَبِ.
فأمّا الطِّينُ فليس بمَعْدِنٍ؛ لأنَّه تُرابٌ، والمَعْدِنُ، ما كان في الأرْضِ مِن غيرِ جِنْسِها.
الفَصْلُ الثاني، في قَدْرِ الواجِبِ فيه، وصِفَتِه.
وقَدْرُ الواجِبِ فيه رُبْعُ العُشْرِ.
وهو زكاةٌ.
وهذا قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، ومالكٍ.
وقال أبو حنيفةَ: الواجِبُ فيه الخُمْسُ، وهو فىْءٌ.
واخْتارَه أبو عُبَيْدٍ 1. وقال الشافعىُّ: هو زكاةٌ.
واخْتُلِفَ عنه في قَدْرِه كالمَذْهَبَيْن.
واحْتَجَّ مَن أوْجَبَ الخُمْسَ بقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «مَا لَمْ يَكُنْ فِى طَرِيقٍ مَأْتِىٍّ، وَلَا فِى قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيهِ وَفِى الرِّكَازِ الْخُمْسُ».
رَواه النَّسائِىُّ، والجُوزْجانِىُّ 2. وفى حَدِيثٍ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «وَفِى الرِّكَازِ
..................................
الْخُمْسُ»، قِيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، ما الرِّكازُ؟ قال: «الذَّهَبُ والْفِضَّةُ الْمَخْلُوقَانِ فِى الْأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» 1. وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الرِّكَازُ هُوَ الذَّهَبُ الذِى يَنْبُت مَعَ الْأَرْضِ» (1). وفى حديثِ علىٍّ، عليه السلامُ، أنَّه قال: «وَفِى السُّيُوبِ الْخُمْسُ» 2. قال: والسُّيُوبُ عُرُوقُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ التى تَحْت الأرْضِ.
ولَنا، ما روَى أبو عُبَيْدٍ 3، بإسْنادِهِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقْطَعَ بِلالَ بنَ الحارِثِ المُزَنِىَّ مَعادِنَ القَبَلِيَّةِ 4 مِن ناحِيَةِ الفُرْعِ 5، قال: فتلك المَعادِنُ لا يُؤْخَذُ منها إلَّا الزكاةُ 6 إلى اليَوْمِ.
وقد أسْنَدَه
..................................
كَثِيرُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ عَوْفٍ 1 المُزَنِىُّ، عن أبيه، عن جَدِّه 2. ورَواه الدَّراوَرْدِىُّ، عن رَبِيعَةَ عنِ 3 الحَارِثِ بنِ بِلالٍ، عن بِلالِ بنِ الحارِثِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أخَذَ منه زَكاةَ المَعادِنِ القَبَلِيَّةِ.
قال أبو عُبَيْدٍ 4: القَبَلِيَّةُ بِلاد مَعْرُوفَةٌ بالحِجازِ.
ولأنَّها زَكاةُ أثْمانٍ فكانت رُبْعَ العُشْرِ، كسائِرِ الأثْمانِ، أو تَتَعَلَّقُ بالقِيمَةِ، أشْبَهَتْ زكاةَ التِّجارَةِ.
وحَدِيثُهم الأوَّلُ لا يَتَناوَلُ مَحَلَّ النِّزاعِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما ذَكَر ذلك في جَواب سُؤالِه عن اللُّقَطَةِ، وهذا ليس بلُقَطَةٍ، فلا يَتَناوَلُه النَّصُّ، وحديثُ أَبي هُرَيرَةَ يَرْوِيه عبدُ اللَّهِ بنُ سعيدٍ، وهو ضَعِيفٌ.
وسائِرُ أحادِيثِهم لا نَعْرِفُ صِحَّتَها، ولا هى مَذكُورَةٌ في المَسانِيدِ.
الفَصْلُ الثَّالِثُ، في نِصابِ المَعْدِنِ.
وهو عِشْرُون مِثْقالًا مِن الذَّهَبِ، أو مائتا دِرْهَمٍ مِن الفِضَّةِ، أو قِيمَةُ ذلك مِن غيرِهما.
وهذا مَذْهَبُ
..................................
الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ الخُمْسُ في قَلِيلِه وكَثِيرِه، بِنَاءً على أنَّه رِكاز؛ لعُمُومِ الأحادِيثِ التى احْتَجُّوا بها، ولأنَّه لا يُشْتَرَطُ له حَوْلٌ، فلم يُشْتَرَطْ له نِصابٌ، كالرِّكازِ.
ولَنا، قولُه عليه السلامُ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَة» 1. وقولُه عليه السلامُ: «لَيْسَ فِى الذَّهَبِ شَىْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا» 2. ولأنّها زكاة تَتَعَلَّقُ بالأثْمانِ أو بالقِيمَةِ، فاعْتُبِرَ لها النِّصابُ، كالأثْمانِ والعُرُوضِ.
وقد بَيَّنّا أن هذا ليس برِكازٍ، وأنَّه مُفارِقٌ للرِّكازِ مِن حيثُ إنَّ الرِّكازَ مالُ كافِرٍ مَظْهُورٌ عليه في الإِسْلامِ، فهو كالغَنِيمَةِ.
وهذا وَجَب مُواساةً وشُكْرًا لنِعْمَةِ الغِنَى، فاعْتُبِرَ له النِّصابُ كسائِرِ الزَّكَواتِ.
وإنَّما لم يُعْتَبَرْ له الحَوْلُ؛ لحُصُولِه دُفْعَةً واحِدَةً، فأشْبَهَ الزُّرُوعَ والثِّمارَ، ولأنَّ النَّماءَ يَتَكامَلُ فيه بالوُجُودِ والأخْذِ، فهو كالزَّرْعِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُشْتَرَطُ إخْراجُ النِّصابِ دُفْعَةً واحِدَةً أو دُفَعاتٍ لا يُتْرَكُ العَمَلُ بَيْنَهُنَّ تَرْكَ إهْمالٍ، فإن أخْرَجَ دُونَ النِّصابِ، ثم تَرَك العَمَلَ مُهْمِلًا له، ثم أخْرَجَ دُونَ النِّصاب، فلا زكاةَ فيهما وإن بَلَغا بمَجْمُوعِهما نِصابًا؛ لفَواتِ الشَّرْطِ.
وإن بَلَغ أحَدُهما نِصابًا
..................................
دُونَ الآخَرِ، زَكَّى النِّصابَ وَحْدَه، ويَجِبُ فيما زاد على النِّصابِ بحِسابِه، كالأثْمانِ والخارِجِ مِن الأرْضِ.
فأمّا تَرْكُ العَمَلِ لَيْلًا، وللاسْتِراحَةِ، أو لعُذْرٍ مِن مَرَضٍ، أو لإصْلاحِ الأداةِ، أو إباقِ عَبْدٍ، ونَحْوِه، فلا يَقْطَعُ حُكْمَ العَمَلِ، وحُكْمُه حُكْمُ المُتَّصِلِ، لأنَّ العادَةَ كذلك.
وكذلك إن كان مُشْتَغِلًا بالعَمَلِ، فخَرَجَ بينَ المَعْدِنَيْن تُرابٌ، لا شئَ فيه.
فصل: وإنِ اشْتَمَلَ المَعْدِنُ على أجْناسٍ، كمَعْدِنٍ فيه الذَّهَبُ والفِضَّةُ، فذَكَرَ القاضى أنَّه لا يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَرِ في تَكْمِيلِ النِّصابِ؛ لأنَّها أجْناسٌ، فلا يُضَمُّ أحَدُهما إلى غيرِه، كغيرِ المَعْدِنِ.
قال شيخُنا 1: والصَّوابُ، إن شاء اللَّهُ، أنَّه إن كان المَعْدِنُ يَشْتَمِلُ على ذَهَبٍ وفِضةٍ، ففى ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ وَجْهان مَبْنِيّان على الرِّوايَتَيْن في ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ في غيرِ المَعْدِنِ، وإن كان فيه أجْناسٌ مِن غيرِ 2 الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ضُمَّ بَعْضها إلى بَعْض؛ لأنَّ الواجِبَ في قِيمَتِها،
..................................
فأشْبَهَتْ عُرُوضَ التِّجارَةِ.
وإن كان فيها أحَدُ النَّقْدَيْن، وجِنْسٌ آخَرُ، ضُمَّ أحَدُهما إلى الآخَرِ، كما تُضَمُّ العُرُوضُ إلى الأثْمانِ.
وإنِ اسْتَخْرَجَ نِصابًا مِن مَعْدِنَيْن، وَجَبَتِ الزكاةُ فيه، كالزَّرْعِ في مَكانَيْن.
الفَصْلُ الرَّابع، في وَقْتِ الوُجُوبِ.
وتَجِبُ الزكاةُ فيه حينَ يَتَناوَلُه ويَكْمُلُ نِصابُه، ولا يُعْتَبَرُ له حَوْل.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
وقال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يُعْتَبَرُ له الحَوْلُ؛ لعُمُومِ قولِه عليه السلامُ: «لَا زَكَاةَ فِى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» 1.
وَلَا يَجُوزُ إِخْرُاجُهَا إِذَا كَانَتْ أَثْمَانًا إِلَّا بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ.
ولَنا، أنَّه مُسْتَفاد مِن الأرْضِ، فلا يُعْتَبَرُ في وُجُوبِ حَقِّهِ حولٌ (1)، كالزَّرْعِ والثِّمارِ والرِّكازِ، ولأنَّ الحولَ إنَّما يُعْتَبَرُ في غيرِ هذا؛ ليَكْفُلَ النَّماءُ، وهذا يَتَكامَلُ نماؤُه دُفْعَةً واحِدَةً، فلم يُعْتَبَرْ له حولٌ كالزَّرْعِ، والخَبَرُ مَخْصُوصٌ بالزَّرْعِ والثَّمَرِ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزاعِ.
916 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ إخْراجُها إذا كانت أثْمانًا إلَّا بعدَ السَّبْكِ
1
..................................
والتَّصْفِيَةِ) كالحَبِّ والثَّمَرَةِ، فإن أخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِ تُرابِه قبلَ تَصْفِيَتِه، وَجَب رَدُّه إن كان باقِيًا، أو قِيمَتُه إن كان تالِفًا، والقولُ في قَدْرِ المَقْبُوضِ قولُ الآخِذِ؛ لأنَّه غارِمٌ، فإن صَفّاه الآخِذُ فكان قَدْرَ الزكاةِ، أجْزَأ، وإن زاد رَدَّ الزيادَةَ، إلَّا أن يَسْمَحَ له المُخْرِجُ، وإن نَقَص فعلى المُخْرِجِ، وما أنْفَقَه الآخِذُ على تَصْفِيَته فهو مِن مالِه، لا يَرْجِعُ به على المالِكِ، ولا يَحْتَسِبُ المالِكُ ما أنْفَقَه على المَعْدنِ في اسْتِخْراجِه، ولا في 1 تَصْفِيَتِه مِن المعْدِنِ، لأنَّ الواجِبَ فيه زكاة، فلا يُحْتَسَبُ بمُؤْنَةِ اسْتِخْراجِه وتصْفِيَته، كالحُبُوب.
فإن كان ذلك دَيْنًا عليه احْتَسبَ به، على الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ كما يَحْتَسِبُ بما أنْفَقَ على الزَّرْعِ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَلْزَمُه المُؤْنةُ مِن حَقِّه.
وشَبَّهَه بالغَنِيمَةِ، وبَناه على أصْلِه في أنَّه رِكازٌ.
وقد مَضَى الكلامُ في ذلك.
وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يُخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ؛ مِنَ اللْولُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوِهِ.