الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 183-229

كِتَابُ الْإِقْرَارِ

صفحات 183-229

وإنْ كَانَ مَيِّتًا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
إلَّا بِتَصْدِيقِه، ولم يُوجَد.
ويُجَابُ عن هذا بأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ.
فإنِ ادَّعَى نَسَبَ المُكَلَّفِ في حَياتِه فلم يُصَدِّقْه حتى ماتَ المُقِرُّ، ثم صَدَّقَه، ثَبَتَ نَسَبُه؛ لأنَّه وُجِدَ الإِقْرارُ والتَّصْدِيقُ.
فصل: فإن أقَرَّتِ امرأة بوَلَدٍ ولم تَكُنْ ذاتَ زَوْجٍ ولا نسَبٍ، قُبِلَ إقْرارُها.
وإن كانت ذاتَ زَوْج، فهل يُقْبَلُ إقرارُها؛ على رِوايتين؛ إحداهما، لا يُقْبَلُ؛ لأَنَّ فيه حَمْلًا لِنسَبِ الوَلَدِ على زَوْجِها، ولم يُقِرَّ به، أو إلحاقًا [للعارِ به بوِلادَةِ] 1 امرأتِه مِن غيرِه.
والثانى، يُقْبَل؛ لأنَّها شَخْصٌ أقَرَّ بوَلَدٍ يَحْتَمِلُ أن يكونَ منه، فَقُبِلَ، كالرَّجُلِ.
وقال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ، في امرأةٍ ادَّعَتْ وَلَدًا: فإن كان لها إخْوَةٌ أو نَسَبٌ مَعرُوفٌ، فلابُدَّ أن يَثْبُتَ أنَّه ابْنُها، كان لم يَكُنْ لها دافِعٌ فمَن يَحُولُ بَيْنَها وبينَه؟ وهذا لأنَّها إذا كانت ذاتَ أهْلٍ، فالظاهِرُ أنَّه لا يَخْفَى عليهم وِلادَتُها، فمتى ادَّعَتْ ولَدًا لا يَعْرِفُونَه، فالظاهِرُ كَذِبُها.
ويَحْتَمِلُ أن تُقْبلَ دعواها مُطْلَقًا؛ لأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ له، فأشْبَهتِ الرَّجُلَ.
وقد ذَكَرْنا نحوَ ذلك في اللَّقِيطِ 2.

وَمَنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ بَعدَ مَوْتِ المُقِرِّ فَادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ، لَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ.
فصل: وإن قَدِمَتِ امْرأةٌ مِن بَلَدِ الرُّومِ معها طِفْلٌ، فأقَرَّ به رَجُلٌ، لَحِقَه؛ لوُجُودِ الإِمْكانِ وعَدَمِ المُنازِعِ، لأنَّه يَحتَمِلُ أن يكونَ دَخَلَ أرْضَهُم أو دَخَلَتْ هى دارَ الإِسْلامِ فوَطِئَها، والنَّسَبُ يُحْتاطُ لإثْباتِه، ولهذا لو وَلَدَتِ امرأةُ رَجُلٍ وهو غائِبٌ عنها، بعدَ عَشْرِ سنِينَ أو أكْثَرَ مِن غَيْبَتِه، لَحِقَه، وإِن لم يُعرَفْ له قُدُوم إليها ولا عُرِفَ لها خُروجٌ مِن بَلَدِها.

5122 -

مسألة: (ومَن ثَبَتَ نَسَبُه، فجاءَت أُمُّه بعدَ مَوْتِ المُقِرِّ فادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ، لم يَثْبُتْ بذلك)

لأنَّها مُجَرَّدُ دَعوَى، فلم تَثْبُتْ بها زَوْجِيَّةٌ، كما لو كان حَيًّا، ولأنَّه يَحتَمِلُ أن يكونَ مِن وَطْءِ شُبْهةٍ أو نِكاحٍ فاسدٍ.
فصل: وإن أقَرَّ رَجُل 1 بنَسَبِ صَغِير، لم يَكُنْ مُقِرًّا بزَوْجِيَّةِ أُمِّه.

..................................  وبهذا قال الشّافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا كانت مَشْهُورةً بالحُرِّيَّةِ، كان مُقِرًّا بزَوْجِيَّتِها؛ لأَنَّ أنْسابَ المُسْلِمينَ وأحوالَهُم يَجِبُ حَمْلُها على الصِّحَّةِ، وهو أن يكونَ وَلَدَتْه منه في نِكَاحٍ صَحِيحٍ.
ولنا، أن الزَّوْجِيةَ 1 لَيْسَت مُقْتَضَى لَفْظِه ولا مَضْمُونَه، فلم يَكُنْ مُقِرًّا بها، كما لو لم تَكُنْ مَعرُوفةً بالحُرِّيَّةِ.
وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النَّسَبَ مَحْمُولٌ على الصِّحَّةِ، وقد يُلْحقُ بالوَطْءِ والنِّكاحِ الفاسِدِ والشُّبْهةِ، [فلا يَلْزَمُ بحُكْمِ إقْرارِه، ما لم يُوجِبْه لَفْظٌ، ولا يَتَضَمَّنُه] 2. فصل: إذا كان له أمَةٌ لها ثَلاثةُ أَوْلادٍ، ولا زَوْجَ لها، ولا أقَرَّ بوَطْئِها، فقال: أحَدُ هؤلاء وَلَدِى.
فإقْرارُه صَحِيحٌ، ويُطالَبُ بالبَيانِ، فإن عَيَّنَ أحَدَهُم، ثَبَتَ نَسَبُه وحُرِّيته، ثم يُسْأَلُ عن كَيْفِيَّةِ الاسْتِيلادِ، فإن قال: بنِكاحٍ.
فعلى الوَلَدِ الوَلَاءُ، والأمُّ والآخَرانِ مِن أَوْلادِها رَقِيقٌ.
فإن قال: اسْتَوْلدتُها في مِلْكِى.
فالمُقَرُّ به حُرُّ الأَصْلِ، لا وَلَاءَ عليه، والأمَةُ أُمُّ وَلَدٍ.
ثم إن كان المُقَرُّ به الأكْبَرَ، فأخَواهُ ابْنَا أُمِّ وَلدٍ، حُكْمُهما حُكْمُها في العِتْقِ بمَوْتِ سَيِّدِها.
وإن كان الأوْسَطَ، فالأكْبَرُ قِنٌّ، والأصْغَرُ له حُكْمُ أُمِّه.
وإن عَيَّنَ الأصْغَرَ، فأخَوَاه رَقِيقٌ قِنُّ؛ لأنَّها وَلَدَتْهُما قبلَ

..................................  الحُكْمِ بكَوْنِها أُمَّ وَلدٍ.
وإن قال: هى مِن وَطْء شُبْهةٍ.
فالوَلَدُ حُرُّ الأصْلِ وأخَوَاه مَمْلُوكانِ، وإن مات قبلَ أن يُبَيِّنَ، أُخِذَ وَرَثته بالبَيانِ، ويَقُومُ بَيَانُهم مَقامَ بَيانِه، فإن بَيَّنُوا النَّسَبَ ولم يُبَيِّنُوا الاسْتِيلادَ، ثَبَتَ النَّسَبُ وحُرِّيَّةُ الوَلَدِ، ولم يَثْبُتْ للأُمِّ ولا لِوَلَدَيْها حُكْمُ الاسْتِيلادِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ مِن نِكاحٍ أو وَطْءِ شُبْهةٍ، وإن لم يُبَيِّنُوا النَّسَبَ، وقالوا: لا نَعْرِفُ ذلك، ولا الاسْتِيلادَ.
فإنّا نُرِيه القافَةَ، فإن أَلحَقُوا به واحِدًا منهم، أَلْحَقْناه، ولا يَثْبُتُ حُكْمُ الاسْتِيلادِ لغيرِه، فإن لم يَكُنْ قافَةٌ أُقْرِعَ بينهم، فمن وَقَعَتْ له القُرعةُ، عَتَقَ وَوَرِثَ.
وبهذا قال الشّافعىُّ، [إلَّا أنَّه] 1 لا يُوَرِّثُه بالقُرْعةِ.
ولنا، أنَّه حُرٌّ اسْتَندَتْ حُرِّيَّتُه إلى إقْرارِ أبيه به 2، فَوَرِثَ، كما لو عَيَّنَه في إقْرارِه.
فصل: إذا كان له أمَتانِ، لكلِّ واحدةٍ منهما وَلَدٌ، فقال: أحَدُ هذَين وَلَدِى مِن أَمَتِى.
نَظَرْتَ؛ فان كان لكلِّ واحدةٍ منهما زَوْجٌ يمكِنُ إلحاقُ الوَلَدِ به، لم يَصِحَّ إقْرارُه، وأُلْحِقَ الوَلَدانِ بالزَّوْجَيْن.
وإن كان لإِحْداهما زَوْجٌ دون الأُخْرَى، انْصَرفَ الإِقْرارُ إلى وَلَدِ الأُخْرَى؛ لأنَّه الذى يُمْكِنُ إلْحاقُه به، وإن لم يكُنْ لكلِّ واحدةٍ منهما زَوْجٌ، ولكنْ أقَرَّ السَّيِّدُ بوَطْئِهما، صارَتَا فِراشًا، ولَحِقَ وَلَداهُما به، إذا أمْكَنَ أن يُولَدَا بعدَ وَطْئِه، وإن أمْكَنَ في إحداهما دُونَ الأُخْرَى، انْصَرفَ الإِقْرارُ إلى مَن

..................................  أمْكن؛ لأنَّه وَلَدُه حكْمًا.
وإن لم يكُنْ أقَرَّ بوَطْءِ واحدةٍ منهما، صَحَّ إقْرارُه وثَبَتتْ حُرِّيَّةُ المُقَرِّ به؛ لأنَّه أقَرَّ بِنَسَبٍ صَغيرٍ مَجْهُولِ النَّسبِ مع الإِمْكانِ، لا مُنازِعَ له فيه، فلَحِقَه نَسَبُه، ثم يُكَلَّفُ البَيَانَ، كما لو طَلقَ إحْدَى نِسائِه، فإذا بَيَّنَ قُبِلَ بَيانُه؛ لأنَّ المَرْجِعَ في ذلك إليه، ثم يطالَبُ ببيانِ كَيْفِيَّةِ الوِلَادَةِ، فإن قال: استولَدتُها في مِلْكِى.
فالوَلَدُ حُرُّ الأْصلِ، لا وَلَاءَ عليه، وأمُّه أُمُّ وَلَدٍ.
وإن قال: في نِكَاحٍ.
فعَلَى الوَلَدِ الوَلاءُ؛ لأنَّه مَسَّهُ رِقٌّ، والأمَةُ قِنٌّ؛ لأنَّها عَلِقَتْ بمَمْلُوكٍ.
وإن قال: بِوَطْءِ شُبْهةٍ.
فالوَلَدُ حُرُّ الأَصْلِ، والأمَةُ قِنٌّ؛ لأنَّها عَلِقَتْ به في غيرِ مِلْكٍ.
وإنِ ادَّعَتِ الأُخْرَى أنَّها التى اسْتَوْلَدَها، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأَنَّ الأصلَ عَدَمُ الاسْتِيلادِ، فأَشْبَهَ ما لو ادَّعَتْ ذلك مِن غيرِ إقْرارٍ بشئٍ، فإذا حَلَفَ رَقَّتْ 1 ورَقَّ وَلَدُها، فإذا مات، وَرِثَه وَلَدُه المُقَرُّ به.
وإن كانت أمَةً قد صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، عَتَقتْ، وإن لم تَصِرْ أَمَّ وَلَدٍ، عَتَقتْ على وَلَدِها إن كان 2 هو الوارِثَ وَحْدَه، وإن كان معه غيرُه، عَتَقَ منها بِقَدْرِ ما مَلَك.
وإن مات 3 قبلَ أن يُبَيِّنَ، قام وارِثُه مَقامَه في البَيانِ؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَه في إلْحاقِ النَّسَبِ وغيرِه، فإذا بَيَّن، كان كما لو بَيَّن المَوْرُوثُ.
وإن لم يَعْلَمِ الوارِثُ كَيْفِيَّةَ الاسْتِيلادِ، فَفِى الأَمَةِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، يكونُ رَقِيقًا؛ لأَنَّ الرِّقَّ الأصْلُ، فلا يَزُول بالاحْتِمالِ.
والثانى، يَعْتِقٌ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّها

وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ أَخٍ أَوْ عَمٍّ، فِى حَيَاةِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ، لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَوْتِهِمَا، وَهُوَ الْوَارثُ وَحْدَهُ، صَحَّ إقْرَارُهُ، وَثَبَتَ  وَلَدَتْه في مِلْكِه، لأنَّه أقَرَّ لوَلَدِها وهى في مِلْكِه.
وهذا مَنْصُوصُ الشّافِعِىِّ.
فإن لم يَكُنْ وارِث، [أو كان وارِثٌ] (1) لم يُعَيِّنْ، عُرِضَ على القافَةِ، فإن [ألْحَقَتْ به أحَدَهُما] (2)، ثَبَتَ نَسَبُه، وكان حُكْمُه كما لو عَيَّنَ الوارِثُ، فإن لم تَكُنْ قافَةٌ، أو كانت فلم تَعْرِفْ، أُقْرِعَ بين الوَلَدَيْنِ، فيَعتِقُ أحَدُهما بالقُرْعةِ؛ لأَنَّ للقُرْعةِ مدْخَلًا في إثْباتِ الحُرِّيَّةِ.
وقِياسُ المَذْهبِ ثُبُوتُ نَسَبِه ومِيراثِه، على ما ذَكَرنا في التى قبلَها.
وقال الشافِعِىُّ: لا يَثْبُت نسَبٌ ولا مِيراثٌ.
واخْتَلفُوا في المِيراثِ، فقال المُزَنِىُّ: يُوقَفُ نَصِيبُ الابْنِ؛ لأنَّا تَيَقَّنَّا ابْنًا وارِثًا.
ولهم وَجْهٌ آخَرُ: لا يُوقَفُ شئٌ؛ لأنَّه لا يُرْجَى انْكِشافُه.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ مِن كلِّ واحدٍ نِصْفُه، ويُسْتَسْعَى في باقِيه، ولا يَرِثَانِ.
وقال ابنُ أبى لَيْلَى مثلَ ذلك، إلا أنَّه (3) يَجْعَلُ المِيراثَ بينَهما نِصْفَيْنِ، ويَدْفعانِه في سِعَايَتهما.
والكلامُ في قِسْمةِ الحُرِّيَّةِ والسِّعايةِ قد ذُكِرَ في بابِ العِتْقِ.

5123 -

مسألة: (وإن أقَرَّ بِنَسَبِ أَخٍ أو عَمٍ، في حَياةِ أَبِيه أو جَدِّه، لم يُقْبَلْ، وإن كان بعدَ مَوْتِهِما وهو الوارِثُ وحدَه، صحَّ إقْرارُه، وثَبَتَ

123

النَّسَبُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ، لَمْ يَثْبُتِ النَّسَبُ، وَلِلْمُقَرِّ لَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ مَا فَضَلَ فِى يَدِ المُقِرِّ.
النَّسَبُ، وإن كان معه غيرُه، لم يَثْبُتِ النَّسَبُ، وللمُقَرِّ له مِن المِيراثِ ما فَضَلَ في يدِ المُقِرِّ) إنَّما لم يُقْبَلْ إقرارُه في حَياتِهِما؛ لأنَّه على غيرِه فلا يُقْبَلُ، فأمَّا إن كان بعدَ المَوْتِ وهو الوارِثُ وحدَه، قُبلَ إقْرارُه وثَبَتَ النَّسَبُ، سواء كان المُقِرُّ واحدًا أو جماعةً، ذَكَرًا أو أُنْثَى.
وبهذا قال الشّافعىُّ، وأبو يوسُفَ، وحَكَاه عن أبى حنيفةَ؛ لأَنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقامَ المَوْرُوثِ في دُيُونِه، والدُّيُونِ التى عليه، وفى دعاوِيه، كذلك في النَّسَبِ، إلَّا أن يكونَ المَيِّتُ قد نَفَاهُ، فلا يَثْبُتُ؛ لأنَّه يحمِلُ على غيرِه نَسَبًا حُكِمَ بِنَفيِه.
فإن كان وارِثًا ومعه شرِيكٌ في المِيراثِ، لم يَثْبُتِ النَّسَبُ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ في حَقِّ شَرِيكِه، فوَجب أن لا يَثْبُتَ في حَقِّه، وقد دَلَّ على ثُبُوتِ النَّسَبِ بإقْرارِ الواحدِ إذا كان وارِثًا حَدِيثُ عاثشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ سَعدَ بنَ أبى وَقّاصٍ اخْتَصَم هو وعَبْدُ بنُ زمعةَ في ابنِ أمَةِ زَمعةَ، فقال سعد: أوْصانِى أخِى عُتْبَةُ إذا قَدِمتُ أن أنْظُرَ إلى ابْنِ أمةِ زَمْعةَ، وأقْبِضَه، فإنَّه ابْنُه.
فقال عَبْدُ بنُ زمعةَ: أخِى، وابنُ وَلِيدَةِ أبِى، وُلِدَ على فِرَاشِه.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هُوَ لَكَ يا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، الوَلَدُ للفرَاشِ ولِلْعَاهِرِ

وَإِنْ أقَر مَنْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ بِنَسَبِ وَارِثٍ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ  الحَجَرُ».
فقَضَى به لِعَبْدِ بنِ زَمْعةَ.
وقال: «احتَجِبِى مِنْهُ يا سَوْدَةُ» (1). والمَشْهُورُ عن أبى حنيفةَ أنه لا يَثْبُتُ إلا بإقْرارِ رَجُلَيْنِ أو رَجُلٍ وامرأَتَيْنِ.
وقال مالِكٌ: لا يَثْبُتُ إلا بإقْرارِ اثْنَيْن؛ لأنَّه يَحْمِلُ النَّسَبَ على غيرِه، فاعتُبِرَ فيه العَدَدُ، كالشَّهادَةِ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ ثَبَتَ بالإِقْرارِ، فلم يُعتَبر فيه العَدَدُ، كالدَّيْنِ، ولأنَّه قولٌ لا تُعْتَبرُ فيه العَدالةُ، فلم يُعْتَبَرُ فيه العَدَدُ، كإقْرارِ المَوْرُوثِ، واعْتِبارُه بالشَّهادَةِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يُعْتَبرُ فيه اللَّفْظُ ولا العَدالَةُ، ويَيْطُلُ بالإِقْرارِ بالدَّيْنِ.
وللمُقَرِّ له مِن المِيراثِ ما فَضَلَ في يَدِ المُقِرِّ، وقد ذَكَرْنا ذلك فيما مَضَى.

5124 -

مسألة: (وإن أقَرَّ مَن عليه الوَلَاءُ بِنَسَبِ وارِثٍ، لم يُقْبَلْ

1

مَوْلَاهُ.
وإنْ أَقَرَّتِ الْمَرْأَةُ بِنِكَاحٍ عَلَى نَفْسِهَا، فَهَلْ يُقْبَلُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
إقرارُه إلَّا أن يُصَدِّقَه مَوْلاهُ) لأنَّ الحَقَّ لمَوْلاه، فلا يُقْبَلُ إقرارُه بما يُسْقِطُه.
ويتَخَرَّجُ أن يُقْبَلَ بدُونِه.
ذكَرَه في «المحرَّرِ».

5125 -

مسألة: (وإن أقَرَّتِ امْرأةٌ بنِكاحٍ على نَفْسِها، فهل يُقْبَلُ؟ على رِوَايَتَيْنِ)

إحداهما، يُقْبَلُ؛ لأنَّه حَقٌّ عليها، فيُقْبَلُ، كما لو أقرَّتْ بمالٍ 1. والأخْرَى، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّها تَدَّعِى النَّفقَةَ والكُسوةَ

وَإِنْ أَقَرَّ الْوَلِىُّ عَلَيْهَا بِهِ، قُبِلَ إِنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً، وَإلَّا فَلَا.
والسُّكْنى، فلا يُقْبَلُ.

5126 -

مسألة: (فإن أقَرَّ الوَلِىُّ عليها به، قُبِلَ إن كانت مُجْبَرةً)

وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّ فُلانَةَ امْرَأَتُهُ، أو أقَرَّتْ أَنَّ فُلانًا زَوْجُهَا، فَلَمْ يُصَدِّقِ المُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ، صَحَّ وَوَرِثَهُ.
لأنَّ المَرْأةَ لا قوْلَ لها في حالِ الإِجْبارِ.
وكذلك إن كانت مُقِرَّةً بالإِذْنِ.
نَصَّ عليه.
وقيل: لا يُقْبَلُ إلا على المُجْبَرةِ.
[مِن «المُحَرَّرِ»] (1). وإن لم تَكُنْ مُجْبَرةً، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه إقْرارٌ على الغيرِ، فلم يَلْزَمْها, كما لو أقَرَّ عليها بمالٍ.

5127 -

مسألة: (وإن أقَرَّ أنَّ فُلانةَ امْرَأَتُه، أو أَقَرَّتْ أنَّ فُلانًا زَوْجُها، فلم يُصَدِّق المُقَرُّ له المُقِرَّ إلَّا بعدَ مَوْتِ المُقِرِّ، صَحَّ وَوَرِثَه)

كما لو صَدَّقَه في حَياتِه.
وقد ذَكَرْنا فيما إذا أقَرَّ بِنَسَبِ كبيرٍ عاقِلٍ بعدَ مَوْتِه، هل يَرِثُه؟ على وَجْهينِ، بِناءً على ثُبُوتِ نَسَبِه، فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه.
وإن كان قد كَذَّبَه في حَياتِه، ففيه وَجْهانِ.1

وَإِنْ أَقَرَّ الْوَرَثَةُ عَلَى مَوْرُوثِهِمْ بِدَيْن، لَزمَهُمْ قَضَاؤُهُ مِنَ التَّرِكَةِ، وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ، لَزِمَهُ مِنْهُ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ شَىْءٌ.

5128 - مسألة: (وإن أَقَرَّ الوَرَثَةُ على مَوْرُوثِهِم بِدَيْنٍ، لَزِمَهم قَضاؤُه مِن التَّرِكةِ، فإن أَقَرَّ بعضُهم، لَزِمَه بِقَدْرِ مِيراثِه، فإن لم تَكُنْ له تَركةٌ، لم يَلْزَمْهُم شئٌ)

إذا أقَرَّ الوارِثُ بِدَيْنٍ على مَوْرُوثِه، قُبِلَ إقْرارُه بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
ويتَعلَّقُ ذلك بتَرِكةِ المَيِّتِ, كما لو أقَرَّ به المَيِّتُ في حَياتِه.
فإن لم يُخَلِّفْ تَرِكةً، لم يَلْزَم الوارِثَ شئٌ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه أدَاءُ دَيْنِه إذا كان حَيًّا مُفْلِسًا، فكذلك إذا كَان مَيِّتًا.
وإن خَلَّفَ تَرِكةً، تعَلَّقَ الدَّيْنُ بها، وإن أحَبَّ الوارِثُ تَسْلِيمَها في الديْنِ، فله ذلك، وإن أحَبَّ استِخْلاصَها وَوَفاءَ الدَّيْنِ مِن مالِه، فله ذلك.
ويَلْزَمُه أقَلُّ الأمْرَيْنِ مِن قِيمَتِها أو قَدْرِ الدَّيْنِ، بمَنْزِلةِ الجانِى.
فإن كان الوارِثُ واحدًا، فحُكْمُه ما ذكَرْنا، وإن كانا اثْنَيْن أو أكْثَرَ، وثَبَتَ الدَّيْنُ بإِقْرارِ المَيِّتِ، أو بِبَيِّنَةٍ، أو إقْرارِ جَميعِ الوَرَثةِ، فكذلك.
وإذا اخْتارَ الوَرَثةُ أخْذَ التَّرِكةِ وقَضاءَ الدَّيْنِ مِن أموالِهم، فعلى كلِّ واحدٍ منهم مِن الدَّيْنِ بقَدْرِ مِيراثِه.
وإن

..................................  أَقَرَّ أحَدُهم، لَزِمَه مِن الدَّيْنِ بقَدْرِ مِيراثِه، والخِيَرَةُ إليه في تَسْلِيمِ نَصِيبِه في الدَّيْنِ أو 1 استِخْلاصِه.
وإذا قَدَّرَه مِن الدَّيْنِ، فإن كانا اثْنَيْنِ، لَزِمَه النِّصفُ، وإن كانوا ثَلاثةً، فعليه الثُّلُثُ.
وبهذا قال النَّخَعِىُّ، والحَسَنُ، والحَكَمُ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، والشّافعىُّ في أحَدِ قوْلَيْه.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يَلْزَمُه جميعُ الدَّيْنِ أو جميعُ مِيراثِه.
وهو آخِرُ 2 قوْلَىِ الشّافِعِىِّ، رَجَع إليه بعدَ قَوْلِه كَقوْلِنا؛ لأَنَّ الدَّيْنَ يتَعلَّقُ بتَرِكَتِه، فلا يَسْتَحِقُّ الوارِثُ منها إلَّا ما فَضَلَ مِن الدَّيْنِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ 3. ولأنَّه يقولُ: ما 4

..................................  أخَذَه المُنْكِرُ أخَذَه بغيرِ اسْتِحقاقٍ.
فكان غاصِبًا، فيتعَلَّقُ الدَّيْنُ بما بَقِىَ مِن التَّرِكةِ, كما لو غَصَبَه أجْنَبِىٌّ.
ولَنا، أنَّه لا يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِن نِصْفِ المِيراثِ، فلا يَلْزَمُه أكْثَرُ مِن نِصْفِ الدَّيْنِ, كما لو أَقَرَّ أَخُوه، ولأنَّه إقْرارٌ يتعَلَّقُ بحِصَّتِه أو حِصَّةِ أخِيه، فلا يَجِبُ عليه إلَّا ما يَخُصُّه، كالإِقْرارِ بالوَصِيةِ، وإِقْرارِ أحَدِ الشَّرِيكَيْنِ على مالِ الشَّرِكةِ، ولأنَّه حَقٌّ لو ثَبَتَ بِبَيِّنةٍ، أو قَوْلِ المَيِّتِ، أو إقْرارِ الوارِثين، لم يَلْزَمْه إلَّا نِصْفُه، فلم يَلْزَمْه بإِقْراره أكْثَرُ مِن نِصْفِه، كالوَصِيَّةِ، ولأَنَّ شَهادَتَه بالدَّيْنِ مع غيرِه تُقْبَلُ، ولو لَزِمَه أكْثَرُ مِن حِصَّتِه، لم تُقْبَلْ شَهادَتُه؛ لأنَّه يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا.
فإن كان عليه دَيْن بِبَيِّنةٍ، أو إقْرارِ المَيِّتِ، قُدِّمَ على ما أقَرَّ به الوَرَثَةُ.
مِن «المُحرَّرِ».

فَصْلٌ: وإذَا أَقَرَّ لِحَمْلِ امْرأةٍ، صَحَّ، فَإنْ أَلقَتْهُ مَيِّتًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ، بَطَلَ، وَإِنْ وَلَدَت حَيًّا ومَيِّتًا، فَهُوَ لِلْحَىِّ.
وَإن وَلَدَتْهُمَا حَيَّيْنِ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ، الذَّكَرُ وَالأُنْثَى.
ذَكَرَهُ ابنُ حَامِدٍ.

فصل

: قال [الشيح، رَحِمَه اللَّهُ] 1: (وإن أقَرَّ لحَمْلِ 2 امْرأةٍ، صَحَّ، فإنْ ألْقَتْه مَيِّتًا، أو لم يكُنْ حَمْل، بَطَلَ، وإن وَلَدَتْ حَيًّا ومَيِّتًا، فهو للحَىِّ.
وإن وَلَدَتهُما حَيَّيْنِ، فهو بَيْنَهُما سواءٌ، الذَّكَرُ والأُنْثى.
ذكَرَه ابنُ حامدٍ) إذا أقَرَّ لِحَمْلِ 3 امْرأةٍ بمالٍ، وعَزاه إلى إرْثٍ أو وَصِيَّةٍ، صَحَّ، وكان للحَمْلِ.
وإن أطْلَقَ، فقال أبو عبدِ اللَّه اِبنُ حامِدٍ: يَصِحُّ.
وهو أصَحُّ قَوْلَى الشّافعىِّ، لأنَّه يجوزُ أن يَمْلِكَ بوَجْهٍ صَحِيحٍ، فصَحَّ له الإِقْرارُ المُطْلَقُ، كالطِّفْلِ.
فعلى هذا، إن

وَقَالَ أبو الْحَسَنِ التَّمِيمِىُّ: لَا يَصِحُّ الإِقرَارُ إلَّا أن يَعْزِيَهُ إلَى سَبَبٍ، مِنْ إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ.
وَلَدتْ ذَكَرًا وأنْثَى، كان بينهما نِصْفَيْنِ، وإن عَزاهُ إلى إرْثٍ أو وَصِيَّةٍ، كان بينَهما على حَسَبِ اسْتِحْقاقِهما لذلك، وإن وَلَدَت حَيًّا ومَيتًا، فالكُلُّ للحَىِّ؛ لأنَّه لا يَخْلُو؛ إمَّا أن يكونَ الإِقرارُ له عن إرْثٍ أو وَصِيّةٍ، وكِلَاهُما لا يَصِحُّ للمَيِّتِ (وقال أبو الحَسَنِ التَّمِيمِىُّ: لا يَصِحُّ الإِقْرارُ إلا أن يَعْزِيَه إلى إرْثٍ أو وَصِيّةٍ) وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، والقولُ الثانى للشّافِعِىِّ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بغيرِهما.
فإن وَضَعتِ الوَلَدَ مَيِّتًا و 1 كان قد عَزا الإِقْرارَ إلى إرْثٍ أو وَصِيَّةٍ، عادَتْ إلى وَرَثةِ المُوصِى ومَوْرُوثِ الطِّفْلِ، وإن أطْلَقَ الإِقْرارَ، كُلِّفَ ذِكْرَ السبَب، فيُعْمَلُ بقَوْلِه، فإن تَعذَّرَ التَّفْسِيرُ بمَوْتِه أو غيرِه، بَطَلَ إقْرارُه، كمَنْ أقَرَّ لِرَجُلٍ لا يُعْرَفُ مَن أراد بإقْرارِه، وإن عَزَا

..................................  الإِقْرارَ إلى جِهَةٍ غيرِ صَحِيحةٍ، فقال: لهذا الحَمْلِ عَلَىَّ ألْفٌ أقْرَضَنِيهَا 1، أو وَدِيعةٌ أخَذْتُها منه.
فعَلَى قولِ التَّمِيمِىِّ، الإِقْرارُ باطلٌ.
وعلى قولِ ابنِ حامدٍ، يَنْبَغِى أن يَصِحَّ إقْرارُه؛ لأنَّه وَصَلَ بإقْرارِه ما يُسْقِطُه، فيَسْقُطُ ما وَصَلَه به, كما لو قال: له ألْفٌ لا يَلْزَمُنِى.
وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ جَعَلْتُها له.
أو نحوَ ذلك، فهى عِدَةٌ لا يُؤْخَذُ بها.
ولا يَصِحُّ الإِقْرارُ لِحَمْلٍ 2 إلَّا إذا تُيُقِّنَ أنَّه كان مَوْجُودًا حالَ الإِقْرارِ، على ما بُيِّنَ في الوَصِيَّةِ له.
وإن أَقَرَّ لِمَسْجِدٍ أو مَصْنَعٍ أو طَرِيقٍ، وعَزاهُ إلى سَبَبٍ صَحِيحٍ، مثلَ أن يقولَ: مِن غَلَّةِ وَقْفِه.
صَحَّ، وإن أَطْلَقَ، خُرِّجَ على الوَجْهَيْنِ.
وإن لم يَكُنْ ثَمَّ حَمْلٌ، بَطَلَ الإِقْرارُ؛ لأنَّه أقَرَّ لغيرِ شئٍ.

وَمَنْ أَقَرَّ لِكَبِيرٍ عَاقِلٍ بِمَالٍ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، بَطَلَ إقْرَارُهُ، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِى الآخَرِ، يُؤْخَذُ الْمَالُ إلى بَيْتِ الْمَالِ.

5129 - مسألة: (وإن أَقَرَّ لكَبِيرٍ عاقلٍ، فلم يُصَدِّقْه، بَطَلَ إقْرارُه، في أحَدِ الوَجْهَيْن)

لأنَّه إقْرارٌ بِحَقٍّ، أشْبَهَ النَّسَبَ.
فعلى هذا، يُقَرُّ المالُ في يَدِ المُقِرِّ؛ لأنَّه كان في يَدِه، فإذا بَطَلَ إقْرارُه بَقِىَ كأنَّه لم يُقِرَّ به (والوَجْهُ الثانى، يُؤْخَذُ المالُ إلى بَيتِ المالِ) فيَحْفَظُه حتى يَظْهَرَ مالِكُه؛ لأنَّه بإقْرارِه خَرَجَ عن مِلْكِه ولم يَدْخُلْ في مِلْكِ المُقَرِّ له، وكلُّ واحدٍ منهما يُنْكِرُ مِلْكَه، فهو كالمالِ الضائعِ يُتْرَكُ في بَيْتِ المالِ.
صاحب «المُحَرَّرِ»: فعلى هذا الوَجْهِ، أيُّهما غَيَّرَ قَوْلَه لم يُقْبَلْ منه، وعلى الأوَّلِ، إن عاد المُقِرُّ فادَّعاه لِنَفْسِه أو لثالثٍ، قُبِلَ منه، ولم يُقبَلْ بعدَها عَوْدُ المُقَرِّ له أوَّلًا إلى دَعْواه، ولو كان عَوْدُه إلى دَعْواه قبلَ ذلك، ففيه وَجْهان.
ولو كان المُقَرُّ به عَبْدًا، أو نَفْسَ المُقِرِّ، بأن أَقَرَّ بِرِقِّها للغيرِ، فهو كغَيْرِه مِن الأمْوالِ على الأوَّلِ، وعلى الثانى، يُحْكَمُ بحُرِّيَّتِها 1.

بَابُ مَا يَحْصُلُ بهِ الْإِقْرَارُ

إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفًا، فَقَالَ: نَعَمْ.
أَوْ: أَجَلْ.
أَوْ: صَدَقْتَ.
أَوْ: أنَا مُقِرٌّ بِهَا.
أَوْ: بِدَعْوَاكَ.
كَانَ مُقِرًّا.
بابُ ما يَحْصُلُ به الإِقْرارُ (إذا ادَّعَى عليه ألْفًا، فقال: نعم.
أو: أجَلْ.
أو: صَدَقْتَ.
أو: أنا مُقِرٌّ بها.
أو بِدَعْواكَ.
كان مُقِرًّا) ومثلُه: أنا مُقِرٌّ بما ادَّعَيْتَ.
لأنَّ هذه الألفاظَ وُضِعَتْ للتَّصْدِيقِ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ 1. وإن قال: ألَيْسَ لى عِنْدَك ألْف؟ قال: بَلَى.
كان إقْرارًا صَحِيحًا؛ لأَنَّ «بَلَى» جَواب للسُّؤَالِ بحَرْفِ النَّفىِ، قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ 2.

وإنْ قَالَ: أَنَا أُقِرُّ.
أَوْ: لَا أُنْكِرُ.
أَوْ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُحِقًّا.
أَوْ: عَسَى.
أَوْ: لَعَلَّ.
أَوْ: أظُنُّ.
أَوْ: أَحْسَبُ.
أَوْ: أُقَدِّرُ.
أَوْ: خُذْ.
أو: اتَّزِنْ.
أَوْ: أحْرِزْ.
أو: افْتَحْ كُمَّكَ.
لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا.

5130 - مسألة: (وإن قال: أنا أُقِرُّ.
أو: لا أُنْكِرُ.
أو: يجُوزُ أن تكونَ مُحِقًّا.
أو: عسى.
أو: لَعَلَّ.
أو: أَحْسَبُ.
أو: أَظُنُّ.
أو: أُقَدِّرُ.
أو: خُذْ.
أو: اتَّزِنْ.
أو: افْتَحْ كُمَّكَ.
لم يكنْ مُقِرًّا)

إذا قال: أنا مُقِرٌّ.
لم يكُنْ إقرارًا، لأنَّه وَعْدٌ بالإِقْرارِ في المُسْتَقْبلِ، وكذلك إن قال: لا أُنْكِرُ.
لأنَّه لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الإِنْكارِ الإِقْرارُ، فإنَّ بينَهما قِسْمًا

وإنْ قَالَ: أَنَا مُقِرٌّ.
أَوْ: خُذْهَا.
أَو: اتَّزِنْهَا.
أَو: اقْبِضْهَا.
أَوْ: أحْرِزْهَا.
أَوْ: هِىَ صِحَاحٌ.
فَهَلْ يَكُونُ مُقِرًّا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.
آخَرَ، وهو السُّكُوتُ عنهما.
وإن قال: يجُوزُ أن تكونَ مُحِقًّا.
لم يكُنْ إقْرارًا.
وكذلك إن قال: لَعَلَّ.
أو: عسى.
لم يكُنْ مُقِرًّا؛ لأنَّهما للتَّرَجِّى.
وإن قال: أظُنُّ.
أو: أَحْسَبُ.
أو: أُقَدِّرُ.
لم يكُنْ مُقِرًّا؛ لأنَّ هذه الألفاظَ تُسْتَعْملُ للشَّكِّ.
وكذلك إن قال: خُذْ.
أو: اتَّزِن.
أو: افْتَحْ كُمَّكَ.
لأنَّه يَحْتَمِلُ: خُذِ الجَوابَ.
أو: اتَّزِنْ، أو: افْتَحْ كُمَّكَ لشئٍ آخَرَ.

5131 -

مسألة: (وإن قال: أنا مُقِرٌّ. أو: خُذْها. أو: اتَّزِنْها. أو: اقْبِضْها. أو: أحْرِزْها. أو: هى صِحاحٌ. فهل يكونُ مُقِرًّا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ)

إذا قال: أنا مُقِرٌّ.
ولم يَزِدْ، احْتَمَلَ أن يكونَ مُقِرًّا؛ لأَنَّ ذلك عَقِيبُ الدَّعْوَى، فيَنْصَرِفُ إليها.
وكذلك إن قال: أقْرَرْتُ.
قال اللَّهُ تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ 1.

..................................  ولم يَقُولُوا: أقْرَرْنَا بذلك.
ولا زادُوا عليه، فكان منهم إقْرارًا.
ويَحْتمِلُ أن لا يكونَ مُقِرًّا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ غيرَ ذلك، مثلَ أن يريدَ: إنِّى 1 مُقِر بالشَّهادةِ.
أو: بِبُطْلانِ دَعْواكَ.
وإن قال: خُذْها.
أو: اتَّزِنْها.
أو: اقْبِضْها.
أو: أحْرِزْها لى.
أو: هى صِحاحٌ 2. ففيه وجهان؛ أحدُهما، ليس بإقْرارٍ؛ لأَنَّ الصِّفَةَ تَرْجِعُ إلى المُدَّعِى، ولم يُقِرَّ بوُجُوبِه، ولا يجوزُ أن يُعْطِيه ما يَدَّعِيه مِن غيرِ أن يكونَ واجِبًا عليه، فأمْرُه بأخْذِها أوْلَى أن لا يَلْزَمَ منه الوُجُوبُ.
والثانى، يكونُ إقْرارًا؛ لأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى ما تَقَدَّمَ.

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
أو: فِى عِلْمِى.
أَوْ: فِيمَا أَعْلَمُ.
أَوْ قَالَ: اقْضِنِى دَيْنِى عَلَيْكَ ألفًا.
أَوْ: أَسْلِمْ إِلَىَّ ثَوْبِى هَذَا.
أَوْ: فَرَسِى هَذِهِ.
فقال: نَعَمْ.
فَقَدْ أَقَرَّ بِهَا.

5132

  • مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ ألْفٌ إن شاءَ اللَّهُ.
    أو: في عِلْمِى.
    أو: فيما أَعْلِمُ.
    أو قال: اقْضِنِى دَيْنى عليك ألْفًا.
    أو: أسْلِمْ إلَىَّ ثَوْبِى هذا.
    أو: فرَسِى هذه.
    فقال: نعم.
    فقد أقَرَّ بها) إذا قال: لَكَ عَلَىَّ ألْفٌ إن شاءَ اللَّه.
    كان مُقِرًّا.
    نَصَّ عليه أحمدُ.
    وقال أصحابُ الشّافِعِىِّ: ليس بإقْرارٍ؛ لأنَّه عَلَّقَ إقرارَه على شَرْطٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو

..................................  عَلَّقه على مَشِيئةِ زَيْدٍ، ولأَنَّ ما عُلِّقَ على مَشيئةِ اللَّه لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه.
ولَنا، أنَّه وَصَلَ إقْرارَه بما يَرْفَعُه كلَّه ولا يَصْرِفُه إلى غيرِ الإِقْرارِ، فلَزِمَه ما أقَرَّ به، وبَطَلَ ما وَصَلَه به, كما لو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إلا ألْفًا.
ولأنَّه عَقَّبَ الإِقْرارَ بما لا يُفِيدُ حُكْمًا آخَرَ، ولا يَقْتَضِى رَفْعَ الحُكْمِ، أشْبَهَ ما لو قال: له علىَّ أَلْفٌ 1 في مَشِيئةِ اللَّهِ.
وإن قال: له علىَّ أَلْفٌ إلَّا أن يَشاءَ اللَّه.
صَحَّ الإِقْرارُ؛ لأنَّه أقَرَّ ثم عَلَّقَ رَفْعَ الإِقْرارِ على أمْرٍ لا يُعْلَمُ، فلم يَرْتَفِعْ.
وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إن شِئْتَ.
أوِ 2: إن شاءَ زَيْدٌ.
لم يَصِحَّ الإِقْرارُ.
وِقال القاضِى: يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقبَه بما 3 يَرْفَعُه، فصَحَّ الإِقْرارُ دُونَ ما يَرْفعُه، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ، وكما لو قال: إن شاءَ اللَّه.
ولنا، أنَّه عَلَّقَه على شَرْطٍ يُمْكِنُ عِلْمُه، فلم يَصِحَّ, كما لو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إن شَهِدَ به فُلان.
وذلك لأَنَّ الإِقْرارَ إِخْبارٌ بِحَقٍّ سابِقٍ، فلا يَتَعَلَّقُ على شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ.
ويُفارِقُ التَّعْلِيقَ على مَشِيئةِ اللَّهِ تعالى، فإنَّ مَشِيئةَ اللَّه تُذْكَرُ في الكَلامِ تَبَرُّكًا وصِلَةً وتَفْوِيضًا إلى اللَّه تعالى، [كَقَوْلِ اللَّه] 4 تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ 5. وقد

..................................  عَلِمَ اللَّهُ سُبْحانَه أنَّهم سَيَدْخُلُونَه بغيرِ شَكٍّ.
ويقولُ الناسُ: صَلَّيْنا إن شاءَ اللَّهُ.
مع تَيَقُّنِهم (1) صلاتَهم، بخِلافِ مَشِيئةِ الآدَمِىِّ.
والثانى، أنَّ مَشِيئةَ اللَّهِ تعالى لا تُعْلَمُ إلَّا بوُقُوعِ [الأمْرِ، فلا يُمكِنُ وُقُوفُ] (2) الأمْرِ على وُجُودِها، ومَشِيئةُ الآدَمِى يُمْكِنُ العِلْمُ بها، فيُمْكِنُ جَعْلُها شَرْطًا بتَوَقُّفِ الأمْرِ على وجُودِها، والماضِى لا يُمْكِنُ وَقْفُه، فتَعَيَّنَ حَمْلُ الأمْرِ ههُنا على المُسْتَقْبَلِ، فيكونُ [وَعدًا لا إقْرارًا] (3). فصل: ولو قال: بِعْتُكَ إن شاءَ اللَّهُ.
أو: زَوَّجْتُكَ إن شاءَ اللَّه.
فقال أبو إسحاقَ ابنُ شَاقْلَا: لا أعْلَمُ خِلافًا عنه في أنَّه إذا قِيلَ له: قَبِلْتَ هذا النِّكاحَ؟ [فقال: نَعَمْ إن شاءَ اللَّهُ.
أنَّ النِّكاحَ] (2) واقِعٌ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
ولو قال: بِعْتُكَ بأَلْفٍ إن شِئْتَ.
فقال: قد شِئْتُ وقَبِلْتُ (4). صَحَّ؛ لأَنَّ هذا الشَّرْطَ مِن مُوجب العَقْدِ ومُقْتَضاه، فإنَّ الإِيجابَ إذا وُجِدَ مِن البائعِ، كان القَبُولُ إلى مَشِيئةِ المُشْتَرِى واخْتِيارِه.

5133 -

مسألة: (وإن قال):

له عَلَىَّ أَلْفٌ (في عِلْمِى.
أو: فيما أعْلَمُ) كان مُقِرًّا به؛ لأن ما في عِلْمِه لا يَحْتَمِلُ إلَّا الوُجُوبَ.
ولو1234

وإنْ قَالَ: إنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَلَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ.
لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا.
وَإِنْ قَالَ: لَه عَلَىَّ أَلْفٌ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ.
فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
قال: اقْضِنى (1) الأَلْفَ (2) الذى [لى عليك] (3). قال: نَعَمْ.
كان مُقِرًّا به؛ لأنَّه تَصْدِيقٌ لِما ادَّعاهُ (وإن قال: سَلِّمْ إلَى ثَوْبِى هذا.
أو: فَرَسِى هذه.
فقال: نعم.
فقد أَقَرَّ بها) لِما ذكَرْنا.
وإن قال: اشْتَرِ عَبْدِى هذا.
أو قال: أعْطِنى عَبْدِى هذا.
فقال: نَعَمْ.
كان إقْرارًا؛ لِما ذكَرْنا.

5134 -

مسألة: (وإن قال: إن قَدِمَ فلانٌ فله عَلَى أَلْفٌ. لم يكُنْ مُقِرًّا)

لأنَّه ليس بمُقِرٍّ في الحالِ، وما لا يَلْزَمُه في الحالِ لا يَصِيرُ واجِبًا عندَ وُجُودِ الشَّرْطِ (وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إن قَدِمَ فلانٌ.
فعلى وَجْهَيْنِ)123

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ.
كَانَ إقْرَارًا.
وإنْ قَالَ: إذَا جَاءَ رَأسُ الشَّهْرِ فَلَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ.
فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
أحدُهما، لا يكونُ إقْرارًا، كالمسألةِ قبلَها.
والثانى، يكونُ مُقِرًّا؛ لأنَّه قَدَّمَ الإِقْرارَ، فثَبَتَ حُكْمُه وبَطَلَ الشَّرطُ، لأنَّه لا يَصْلُحُ أن يكونَ آجِلًا (1).

5135 -

مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إذا جاء رَأْسُ الشَّهْرِ. كان إِقْرارًا. وإن قال: إذا جاء رَأسُ الشَّهْرِ فلَه عَلَىَّ أَلْفٌ. فعلى وجْهَينِ)

قال أصحابُنا في المسألةِ الأُولَى: هو إقْرارٌ.
وفى الثَّانيةِ: ليس بإقْرارٍ.1

وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَى أَلْفٌ إنْ شَهِدَ بِهِ فُلان.
أَوْ: إنْ شَهِدَ به فُلَانٌ  وهو مَنْصوصُ الشّافعىِّ؛ لأنَّه في الأَوَّلِ بَدَأ بالإقْرارِ ثم عَقَّبَه بما لا يَقْتَضِى رَفْعَه؛ لأَنَّ قَوْلَه: إذا جاء رَأسُ الشَّهْرِ.
يَحْتَمِلُ أنَّه أراد المَحِلَّ، فلا يَبْطُلُ الإِقْرارُ بأمْر مُحْتَمِل.
وفى الثَّانيةِ بَدَأ بالشَّرْطِ فعَلَّقَ عليه لَفْظًا يَصْلُحُ للإقْرارِ ويَصْلُحُ للوَعْدِ، فلا يكونُ إقرارًا مع الاحْتِمالِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه لا فَرْقَ بينَهما؛ لأَنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وتأْخيرَه سواءٌ، فيكونُ فيهما جَمِيعًا وَجْهانِ.

5136 -

مسألة: (وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ إن شَهِدَ به فُلانٌ. أو:

صَدَّقْتُهُ.
لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا.
وَإِنْ قَالَ: إِنْ شَهِد بِهِ فُلَان فَهُوَ صَادِقٌ.
احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ  إن شَهِدَ به فلانٌ صَدَّقْتُه.
لم يكُنْ مُقِرًّا) لأنَّه يجوزُ أن يُصَدِّقَ الكاذِبَ.

5137 -

مسألة: (وإن قال: إن شَهِدَ به فلانٌ فهو صادِقٌ. احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ)

أحدُهما، لا يكونُ إقْرارًا؛ لأنَّه عَلَّقَه على شَرْطٍ، فهى كالتى قَبْلَها.
والثانى، يكونُ إقْرارًا في الحالِ؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ صِدْقُه إلَّا أن يكونَ ثابِتًا في الحالِ، وقد أقَرَّ بصِدْقِه.

وإنْ أَقَرَّ الْعَرَبِىُّ بِالأَعْجَمِيَّةِ، أوِ الْعَجَمِىُّ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَقَالَ: لَمْ أَدْرِ مَعْنَى مَا قُلْتُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.

5138 - مسألة: (وإن أقَرَّ العَرَبِىُّ بالعَجَمِيَّةِ، أو العَجَمِىُّ بالعرَبِيَّةِ، وقال: لم أدْرِ 1 ما قُلْتُ. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه) لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ صادِقًا، فلا يكونُ مُقِرًّا. [واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ] 2.

بَابُ الْحُكْمِ فِيمَا إذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُغيِّرُهُ

إذَا وَصَلَ بِهِ مَا يُسْقِطُهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ لَا تَلْزَمُنِى.
أَوْ: قَدْ قَبَضَهُ.
أو: استوْفاهُ.
أَوْ: أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ.
أَوْ: تَكَفَّلْتُ بِهِ عَلَى أنِّى بِالْخِيَارِ.
باب الحُكْمِ فيما إذا وَصَلَ بإقْرارِه ما يُغيِّرُه (إذا وَصَلَ به ما يُسْقِطُه، مثلَ أن يَقُولَ: له عَلَىَّ ألْفٌ لا تَلزَمُنِى.
أو: قد قَبَضَه.
أو: اسْتَوْفاه.
أو: أَلْفٌ مِن ثَمَنِ خَمْر.
أو: تَكَفَّلْتُ به على أنِّى بالخِيارِ.
لَزِمَتْه الألْفُ) ولا يُقْبَلُ قولُه.
ذكَرَه أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشّافِعِىِّ.
وذكَر القاضِى أنَّه 1 إذا قال:

..................................  له علىَّ أَلْفٌ زُيُوفٌ.
وفَسَّرَه بِرَصَاصٍ أو نُحاسٍ، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه رَفعَ كلَّ ما اعْتَرفَ به.
وقال في سائرِ الصُّوَرِ التى ذكَرْناها: يُقْبَلُ قولُه؛ لأنَّه عَزَا إقْرارَه إلى سَبَبه، فَقُبِلَ, كما لو عَزَاه إلى سَبَبٍ صَحِيحٍ، إلَّا في قوْلِه: له 1 علىَّ ألْفٌ لا تَلْزَمُنِى.
ولَنا، أنَّ هذا يُناقِضُ ما أَقَرّ به، فلم يُقْبَلْ، كالصُّورةِ التى قبلَها، وكما لو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ لا تَلْزَمُنِى.
أو نقولُ 2: رَفَعَ جَمِيعَ ما أقَرَّ به.
فلم يُقْبَلْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ.
وتَناقُضُ كَلامِه غيرُ خافٍ، فإنَّ ثبوتَ الألْفِ 3 عليه في هذه المَواضِعِ لا يُتَصَوَّرُ، وإقْرارُه إخْبارٌ بثُبُوتِه، فتَنافَيا، وإن سَلَّمَ ثُبُوتَ الأَلْفِ عليه، فهو ما قلنا.

أَوْ: أَلْفٌ إلا أَلْفًا.
أَوْ: إلَّا سِتَّمِائَةٍ.
لَزِمَهُ الْأَلْفُ.
وَإِنْ قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ وَقَضَيْتُهُ.
أَوْ: قَضَيْتُ مِنْهُ

5139 - مسألة: (وإن قال)

: له عَلَىَّ (ألْفٌ إلَّا ألْفًا) لم يَصِحَّ؛ لأنَّه اسْتَثْنَى الكُلَّ، ولا يَصِحُّ بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه رُجُوعٌ عن الإِقْرارِ (وإن قال: إلَّا سِتَّمائةٍ) لم يَصِحَّ، وسَنَذكُرُه إن شاءَ اللَّه تعالى.

فصل

: ولا يُقْبَلُ رُجُوعُ المُقِرِّ عن إقْرارِه، إلَّا فيما (1) كان حَدًّا للَّهِ تعالى، يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ويُحْتاطُ لإِسْقاطِه.
فأمَّا حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، وحُقُوقُ اللَّهِ تعالى التى لا تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، كالزَّكاةِ والكَفَّاراتِ (2)، فلا يُقْبَلُ رُجُوعُه عنها.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا.

5140 -

مسألة: (وإن قال: كان له عِنْدِى ألْفٌ وقَضَيْتُه. أو:

12

خَمْسَمِائَةٍ.
فَقَالَ الْخِرَقِىُّ: لَيْسَ بِإِقْرَارٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَكونُ مُقِرًّا مُدَّعِيًا لِلْقَضَاءِ، فَلَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةَ، حَلَفَ المُدَّعِى أنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ، وَلَمْ  قَضَيْتُ منه خَمْسَمائةٍ.
فقال الخِرَقِىُّ: ليس بإقْرارٍ، والقولُ قولُه مع يَمِينِه) وحَكَى ابنُ أبى مُوسَى في هذه المسألةِ رِوَايَتَيْن؛ إحداهما، أنَّ هذا ليس بإقْرارٍ.
اختارَه القاضِى، وقال: لم أجِدْ عن أحمدَ رِوايةً بغيرِ هذا.
وِالثانيةُ، أنَّه مُقِرٌّ بالحَقِّ مُدَّعٍ لقَضائِه، فعليه البَيِّنةُ بالقَضاءِ، وإلَّا حَلَفَ غرِيمُه وأخَذَه 1 اخْتاره أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أقَرَّ

يَبْرَأْ، وَاسْتَحَقَّ، وَقَالَ: هَذَا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِى مُوسَى.
بالدَّينِ وادَّعَى القَضاءَ بكَلامٍ مُنْفَصِلٍ، ولأنَّه 1 رفَع جَمِيعَ ما أَثْبَتَه، فلم يُقْبَلْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ.
وللشّافعىِّ قَوْلانِ كالمَذْهَبَيْنِ.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه قَوْلٌ مُتَّصِلٌ تُمْكِنُ صِحَّتُه، ولا تَناقُضَ فيه، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ 2، كاسْتِثناءِ البعضِ، وفارَقَ المُنْفَصِلَ؛ لأنَّ حُكْمَ الأوَّلِ قد اسْتَقرَّ بسُكوتِه عليه 3، فلا يُمْكِنُ رَفْعُه بعدَ اسْتِقْرارِه، ولذلك لا يُرْفَعُ بعضُه باسْتِثْناءٍ ولا غيرِه، فما يَأْتِى بعدَه مِن دَعْوَى القَضاءِ يكونُ دَعْوَى مُجَرَّدَةً، لا تُقْبَلُ إلا بِبَيِّنةٍ، وأمّا اسْتِثْناءُ الكُلِّ فمُتَناقِضٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يكونَ عليه أَلْفٌ وليس عليه شئٌ.

..................................  فصل: فإن قال: كان له عَلَىَّ ألْفٌ وقَضَيْتُه منه خَمْسَمائةٍ.
فالكَلَامُ فيه كالكَلامِ فيما إذا قال: وقَضَيْتُه.
وإن قال له إنْسانٌ: عليك مائةٌ لى.
فقال: قد قَضَيْتُكَ منها خمسينَ.
فقال القاضِى: لا يكونُ مُقِرًّا بشئٍ؛ لأَنَّ الخمسينَ التى ذَكَرَ أنَّه قَضَاهَا، في كَلامِه ما يَمْنَعُ بَقاءَها، وهو دَعْوَى القَضاءِ، وباقِى المائةِ لم يَذْكُرْها.
وقولُه: منها.
يَحْتَمِلُ أن 1 يُرِيدَ بها ممّا 2 يَدَّعِيه، ويَحْتَمِلُ ممّا عَلَىَّ، فلا يَثْبُتُ عليه شئٌ بكَلامٍ مُحْتَمِلٍ.
ويَجِئُ على قَوْلِ مَن قال بالرِّوايةِ الأُخرى أنَّه يَلْزَمُه الخَمْسُونَ التى ادَّعَى قَضاءَها، لأنَّ في ضِمْن دَعْوَى 3 القَضاءِ إقْرارًا بأنَّها كانت

..................................  عليه، فلا تُقْبَلُ دَعْوَى القَضاءِ بغيرِ بَيِّنَةٍ.
فصل: فإن قال: كان له عَلَى ألْفٌ.
وسَكَتَ، لَزِمَه الألْفُ، في ظاهِرِ قولِ أصحابِنا.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشّافِعِىِّ، وقال في الآخَرِ: لا يَلْزَمُه شئٌ، وليس هذا بإقْرارٍ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْ عليه شيئًا في الحالِ، إنَّما أخْبَرَ بذلك في زَمَنٍ ماضٍ، فلا يَثْبُتُ في الحالِ، ولذلك لو شَهِدَتِ البَيِّنةُ، لم يَثْبُتْ.
ولنا، أنَّه أقَرَّ بالوُجُوبِ، ولم يَذْكُرْ ما يَرْفَعُه، فبَقِىَ على ما كان عليه، ولهذا لو تَنازَعا دارًا، فأقَرَّ أحَدُهما للآخَرِ أنَّها كانت مِلْكَه، حُكِمَ بها له، إلَّا أنَّه ههُنا إن عادَ فادَّعَى القَضاءَ أو الإبْراءَ، سُمِعَتْ دَعْواهُ؛ لأنَّه لا تَنافِىَ بينَ الإِقْرارِ وبينَ ما يَدَّعِيه.
وهذا على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ.
فصل: وإن قال: له علىَّ ألْفٌ قَضَيْتُه إيّاه.
لَزِمَه الألْفُ، ولم تُقْبَلْ دَعْوَى القَضاءِ.
وقال القاضى: تُقْبَلُ؛ لأنَّه رَفَعَ ما أثْبَتَه بدَعْوَى القَضاءِ

..................................  مُتَّصِلًا، فأَشْبَهَ ما لو قال: كان له علىَّ 1 وقَضَيْتُه 2. وقال ابنُ أبى مُوسَى: إن قال: قَضَيْتُ جَمِيعَه.
لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنةٍ، ولَزِمَه الألْفُ الذى أقَرَّ به، وله اليَمِينُ على المُقَرِّ له.
وأمّا لو قال: قَضَيْتُ بعضَه.
قُبِلَ منه، في إحْدَى الرِّوايتينِ؛ لأنَّه رَفَعَ بعضَ ما أقَرَّ به بكلامٍ مُتَّصِلٍ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَثْناه، بخِلافِ ما إذا قال: قَضَيْتُ جَمِيعَه.
لكَوْنِه رَفع جَمِيعَ ما هو ثابتٌ، فأشْبَهَ اسْتِثْناءَ الكُلِّ.
ولَنا، أنَّ هذا قولٌ مُتناقِضٌ، إذ لا يُمْكِنُ أن يكَونَ عليه ألْفٌ و 3 قد قَضاه، فإنَّ كَوْنَه عليه يَقْتَضِى بَقاءَه في ذِمَّتِه، واسْتِحْقاقَ مُطالَبَتِه به، [وقَضاؤُه يَقْتَضِى] 4 بَراءَة ذِمَّتِه منه، وتَحْرِيمَ مُطالَبَتِه به، وهذان ضِدَّانِ لا يُتَصَوَّرُ اجْتِماعُهُما في زَمَنٍ واحدٍ، بخِلافِ ما إذا قال له: كان عَلَىَّ وقَضَيْتُه.
فإنَّه أَخْبَرَ بهما في زَمانَيْنِ، ويُمْكِنُ أن يَرْتَفِعَ 5 ما كان ثابِتًا، ويَقْضِىَ ما كان دَيْنًا، وإذا لم يَصِحَّ هذا في الجميعِ، لم يَصِحَّ في البَعْضِ؛ لاسْتِحالةِ بَقاءِ أَلْفٍ 6 عليه قد قَضى بعضَه،

فَصْلٌ: وَيَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا دُونَ النِّصْفِ، وَلَا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ.
ويُفارِقُ الاسْتِثْناءَ، فإنَّ الاسْتِثْناءَ مع المُسْتَثْنَى منه عِبارَةٌ عن الباقِى مِن المُسْتَثْنَى منه، فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (1). عبارةٌ عن تِسْعِمائةٍ وخمْسِينَ عامًا.
أمّا القَضاءُ فإنَّما يَرْفَعُ جُزْءًا كان ثابِتًا، فإذا ارْتَفَعَ بالقَضاءِ لا يجوزُ التَّعْبِيرُ عنه بما يَدُلُّ على البَقَاءِ (2).

فصل

: قال الشَّيْخُ، رَحِمه اللَّهُ: (ويَصِحُّ اسْتِثْناءُ ما دُونَ النِّصْفِ، ولا يَصِحُّ فيما زادَ عليه.
وفى النِّصْفِ وجهان) الاسْتِثْناءُ مِن الجِنْسِ -وهو ما دَخَل في المُسْتَثْنَى منه- جائزٌ بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فإنَّ ذلك كلامُ العَرَبِ وقد جاء في الكِتَابِ.
والسُّنَّةِ، قال اللَّهُ تعالى:12

..................................  ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾.
وقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-[في الشَّهِيدِ] 1: «يُكَفَّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كُلُّهَا إلَّا الدَّيْنَ» 2. وذلك في كلامِ العَرَبِ كثيرٌ.
فإذا أقَرَّ بشئٍ واسْتَثْنَى منه، كان مُقِرًّا بالباقِى بعدَ الاسْتِثْناءِ، فإذا قال: له عَلَىَّ مائةٌ إلَّا عَشَرَةً.
كان مُقِرًّا بِتِسْعِينَ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ يَمْنَعُ أن يَدْخُلَ في اللَّفْظِ ما لَوْلَاهُ لدَخَلَ، فإنَّه لو دَخَل ما أمْكَنَ إخْراجُه، ولو أقَرَّ بالعَشَرَةِ المُسْتَثناةِ لَما قُبِلَ منه إنْكارُها، وقَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾.
إخبارٌ بتِسْعِمائةٍ وخَمْسِينَ،

جارٍ التحميل