..................................
اللهُ عنه: لأمْنَعَنَّ تَزْويجَ 1 ذَواتِ الأحْسابِ إلَّا مِن الأكْفاءِ.
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه 2. وعن أبي إسْحاقَ الهَمْدَانِيِّ، قال: خَرَجَ سَلْمانُ وجَرِيرٌ في سَفَرٍ، فأُقِيمَتِ الصلاةُ، فقال جَرِيرٌ لسَلْمانَ: تَقَدّمْ.
فقال سَلْمانُ: بل أنتَ تَقَدَّمْ، فإنَّكُم -مَعْشَرَ العَرَبِ- لا نَتَقَدَّمُ في صَلاتِكِم ولا نَنْكِحُ نِساءَكم، إنَّ اللهَ فَضَّلَكمِ علينا بمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وجَعَلَه فيكم 3. ولأنَّ التَّزْويجَ مع فَقْدِ الكَفاءَةِ تصَرُّفٌ في حَقِّ مَن يَحْدُثُ مِن 4 الأوْلِياءِ بغيرِ إذْنِه، كما لو زَوَّجَها بغيرِ إذْنِها، فلم يَصِحَّ.
وقد روَى الدَّارَقُطْنِيُّ 5 عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا [تُنْكِحُوا النِّسَاءَ] 6 إلَّا الأَكْفَاءَ، وَلَا يُزَوِّجُهُنَّ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ».
إلَّا أنَّ ابنَ عبدِ البَرِّ قال 7: هذا ضعيفٌ لا أصلَ له، ولا يُحْتَجُّ
وَالثَّانِيَةُ، لَيسَ بِشَرْطٍ.
وَهِيَ أَصَحُّ.
بمِثْلِه.
فلو رَضِيَتِ المرأةُ والأوْلِياءُ بغيرِ كُفْءٍ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لفَواتِ شَرْطِه.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ.
وإذا قُلْنا با شْتِراطِها، فإنَّما يُعْتَبَرُ وُجودُها حال العَقْدِ، فإن عُدِمَتْ بعدَه، لم يَبْطُلِ النِّكاحُ، فإن كانت مَعْدُومَةً حال العَقْدِ، فهو فاسِدٌ، حُكْمُه حكمُ العُقُودِ الفاسدةِ، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى (والثانيةُ، ليست شَرْطًا) في النِّكاحِ (وهي أصَحُّ) وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
رُوِيَ نحوُه عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ، وحَمَّادِ بنِ أبي سليمانَ، وابنِ سِيرِينَ، وابنِ عَوْنٍ، ومالكٍ، والشافعيِّ، أصحابِ الرَّأْي؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ 1. وقالت عائشةُ: إنَّ أبا حُذَيفَةَ بنَ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ تَبَنَّى سالمًا، وأنْكَحَه ابْنَةَ أخِيه هِنْدَ ابنَةَ الوَليدِ بنِ عُتْبَةَ، وهو مَوْلًى لامْرأةٍ مِن الأنْصارِ.
أخْرَجَه البُخَارِيُّ 2. وأمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فاطمةَ بنتَ قَيسٍ أن
..................................
تَنْكِحَ أُسامَةَ بنَ زَيدٍ مَوْلاه، فنَكَحَها بأمْرِه.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وزَوَّجَ أباه 2 زيدَ بنَ حارثَةَ ابْنةَ عَمَّتِه 3 زَينَبَ بنتَ جَحْشٍ الأسَدِيَّةَ 4. وقال ابنُ مسعودٍ لأُخْتِه 5: أنْشُدُكِ اللهَ أن لا 6 تَتَزَوَّجِي 7 إلَّا مُسْلِمًا، وإن كان أحْمَرَ رُومِيًّا، أو أسْوَدَ حَبَشِيًّا 8. ولأنَّ الكَفاءَةَ لا تَخْرُجُ عن كَوْنِها حَقًّا للمرأةِ أو للأوْلِياء، أو لهما، فلم يُشْتَرَطْ وُجودُها، كالسَّلامَةِ مِن العُيُوب.
ورُوِيَ أَنَّ أبا هِنْدٍ حَجَم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في اليَافُوخِ 9، فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «يا بَنِي بَيَاضَةَ، أنْكِحُوا أبَا هِنْدٍ، وأنْكِحُوا إلَيهِ».
رَواه أبو داودَ 10، إلَّا أن أحمدَ ضَعَّفَه، وأنْكَرَه إنْكارًا
لَكِنْ إِنْ لَمْ تَرضَ الْمَرأةُ وَالأوْلِيَاءُ جَمِيعُهُمْ، فَلِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ،
شَدِيدًا.
قال شَيخُنا (1): والصَّحِيحُ أنَّها غيرُ مُشْتَرَطَةٍ، وما رُوِيَ فيها يَدُلُّ على اعْتِبارِها في الجملةِ، ولا يَلْزَمُ منه اشتِراطُها.
3131 -
مسألة: (لَكِنْ إن لم تَرْضَ المرأةُ والأوْلِياءُ جَمِيعُهم، فلمَن لم يَرْضَ الفَسْخُ)
لأنَّ للزَّوْجَةِ ولكل واحدٍ مِن الأوْلِياءِ فيها حَقًّا، ومَن لم يَرْضَ منهم فله الفَسْخُ.
ولذلك لمَّا زَوَّجَ رجلٌ ابْنَتَه مِن ابنِ أخِيه ليَرْفَعَ بها خَسِيسَتَه، جَعَلَ لها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الخِيارَ، فاخْتارَتْ ما صَنَعَ أبُوها 2. ولو فُقِدَ الشَّرْطُ لم يَكُنْ لها خِيارٌ.
فصل: وإذا قُلْنا: ليست شَرْطًا.
فرَضِيَتِ المرأةُ والأوْلِياءُ جَمِيعُهم، صَحَّ النِّكاحُ، وإن لم يَرْضَ بعضُهم، فقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ العَقْدَ يَقَعُ باطِلًا مِن أصْلِه، لأنَّ الكفاءةَ حَقٌّ لجميعِهم، والعاقِدُ مُتَصرِّفٌ فيها بغيرِ رِضاهُم، فلم يَصِحَّ، كتَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وظاهِرُ 3 المذهَبِ أنَّ العَقْدَ يَقَعُ صَحِيحًا، ويَثْبُتُ لمَن لم يَرْضَ الفَسْخ؛ لِما ذَكَرْنا مِنِ حديثِ المرأةِ التي رَفَعَتْ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ أبَاها زَوَّجَها بغيرِ كُفْئِها 4، خيَّرها ولم يُبْطِلِ النِّكاحَ مِن أصْلِه.
ولأنَّ العَقْدَ وَقَع بالإِذْنِ،1
فَلَوْ زَوَّجَ الْأبُ بِغَيرِ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، فَلِلْإِخْوَةِ الْفَسْخُ.
نَصَّ عَلَيهِ.
والنَّقصُ الموْجُودُ فيه لا يَمْنَعُ صِحَّتَه، وإنَّما يُثْبِتُ الخِيَارَ، كالعَيبِ مِن العُنَّةِ وغيرِها.
فعلى هذه الرِّوايةِ، يَثْبُتُ الفَسْخُ لمَن لم يَرْضَ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا رَضِيَتِ المرأةُ وبعضُ الأوْلِياءِ، لم يَكُنْ لباقِي الأوْلِياءِ فَسْخٌ؛ لأنَّ هذا الحَقَّ لا يَتَجَزأُ، وقد أسْقَطَ بعضُ الشُّرَكاءِ بَعْضَه، فسَقَطَ جَمِيعُه، كالقِصاصِ.
ولَنا، أنَّ كلَّ واحدٍ مِن الأوْلِياءِ يُعْتَبَرُ رِضاه، فلم يَسْقُطْ برِضَا غيرِه، كالمرأةِ مع الوَلِيِّ، فأمَّا القِصاصُ، فلا يَثْبُتُ لكلِّ واحدٍ كامِلًا، فإذا سَقَط بَعْضُه، تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤُه، وههنا بخِلافِه، ولأنَّه لو زَوَّجَها بدُونِ مَهْرِ مِثْلِها، مَلَك الباقُونَ عندَهم (1) الاعْتِراضَ، مع أنَّه خالِصُ حَقِّها، فههُنا مع أنَّه حَقٌّ لهم أوْلَى.
3132 -
مسألة: (فلو زَوَّجَ الأبُ بغَيرِ كُفْءٍ برِضاها، فللإخْوَةِ الفَسْخُ. نَصَّ عليه)
وقال مالكٌ، والشافعيُّ: ليس لهم فَسْخٌ إذا زَوَّجَ1
..................................
الأقْرَبُ؛ لأنَّه لا حَقَّ للأبْعَدِ معه، فرِضَاه 1 لا يُعْتَبَرُ، كالأجْنَبِيِّ.
ولَنا، أنَّه وَلِيٌّ في حالٍ يَلْحَقُه العارُ بعَدَمِ 2 الكفاءَةِ، فمَلَكَ الفَسْخَ، كالمُتَساويَين.
وَالْكَفَاءَةُ، الدِّينُ وَالْمَنْصِبُ،
3133 - مسألة: (والكَفاءَةُ؛ الدِّينُ والمَنْصِبُ)
يَعْني بالمَنْصِبِ النَّسَبَ.
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في شَرْطِ الكفاءةِ، فعنه، أنَّها شَرْطان؛ الدِّينُ، والمَنْصِبُ، لا غيرُ.
وعنه، أنَّها 1 خَمْسَةٌ؛ هذان، والحُرِّيَّةُ، والصِّناعَةُ، واليَسارُ.
وذَكَر القاضي، في «المُجَرَّدِ» أنَّ فَقْدَ هذه الثَّلاثةِ لا يُبْطِلُ النِّكاحَ، رِوايةً واحدةً، إنَّما الرِّوايتان في الشَّرْطَين الأوَّلَين.
قال: ويَتَوَجَّه أنَّ المُبْطِلَ عدَمُ الكفاءةِ في النَّسَبِ، لا غيرُ؛ لأنَّه نَقصٌ لازِم، وما عَدَاه غيرُ لازِمٍ، ولا يَتَعَدَّى نَقْصُه إلى الوَلَدِ.
وذَكَر في «الجامِعِ» الرِّوايَتَين في جميعِ الشُّروطِ.
وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ أيضًا.
وقال مالكٌ: الكفاءةُ في الدِّينِ لا غيرُ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 2: هذا جُمْلَةُ مذهبِ مالكٍ وأصْحابِه.
وعن الشافعيِّ كقَوْلِ
..................................
مالكٍ، وقولٌ آخَرُ أنَّها الخَمْسَةُ التي ذكَرْناها، والسَّلامَةُ مِن العُيُوبِ الأرْبَعَةِ، فتكونُ سِتَّةً.
وكذلك قولُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، والحسنِ بنِ حَيٍّ 1، إلَّا في الصَّنْعَةِ، والسَّلامَةِ مِن العُيُوبِ.
ولم يَعْتَبِرْ محمدُ بنُ الحسنِ الدِّينَ إلَّا أن يكونَ ممَّن يَسْكَرُ ويَخْرُجُ ويَسْخَرُ منه الصِّبْيانُ، فلا يكونُ كُفْئًا؛ لأنَّ الغالِبَ على الجُنْدِ 2 الفِسْقُ، ولا يُعَدُّ ذلك نَقْصًا.
والدَّلِيلُ على اعْتِبارِ الدِّينِ قولُ اللهِ تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ 3. ولأنَّ الفاسِقَ مَرْذُولٌ مَرْدُودُ الشَّهادَةِ والرِّوايةِ،
..................................
غيرُ مَأْمُونٍ على النَّفْسِ والمالِ، مَسْلُوبُ الولايَاتِ، ناقِصٌ عندَ اللهِ وعندَ خَلْقِه، قليلُ الحَظِّ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، فلا يَجُوزُ أن يكونَ كُفْئًا لعَفِيفَةٍ، ولا مُساويًا لها، لكنْ يكونُ كُفْئًا لمِثْلِه.
فأمَّا الفاسِقُ مِن الجُنْدِ 1، فهو ناقِصٌ عندَ أهل الدِّينِ والمُرُوءاتِ.
والدَّليلُ على اعْتِبارِ النَّسَبِ في الكَفاءَةِ قولُ عمرَ: لأمنَعَنَّ تَزْويجَ 2 ذَواتِ الأحْسَابِ إلَّا مِن الأكْفاءِ.
قال: قلتُ: وما الأكْفاءُ؟ قال: في الحَسَبِ.
رَواه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ
فَلَا تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ بِفَاجِرٍ، ولَا عَرَبِيَّةٌ بِعَجَمِيٍّ.
وَالْعَرَبُ بَعْضهُمْ لِبَعْضٍ أكْفَاءٌ، وَسَائِرُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ
بإسْنادِه (1). ولأنَّ العَرَبَ يَعُدُّونَ الكَفاءَةَ في النَّسَبِ، ويَأْنَفُونَ مِن نِكاحِ المَوَالِي، ويَرَوْنَ ذلك نَقْصًا وعارًا، فإذا أُطْلقَتِ الكفاءةُ، وَجَب حَمْلُها على المُتَعارَفِ، ولأنَّ في فَقْدِ ذلك نَقْصًا وعارًا، فوَجَبَ أن يُعْتَبَرَ في الكفاءةِ كالدِّينِ.
فعلى هذا (لا تُزَوَّجُ عَفِيفَةٌ بفاجِرٍ) لِما ذكَرْنا (ولا عَرَبِيَّةٌ بِعَجَمِيٍّ) فلا يكونُ المَوْلَى ولا العَجَمِيُّ كُفئًا لعَرَبَيَّةٍ بم لِما ذَكَرْنا مِن قولِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه.
وقال سَلْمانُ لجرير: إنَّكم (2) -مَعْشَرَ العربِ- لا نَتَقَدَّمُ في صلاتكم، ولا نَنْكِحُ نِساءَكُم، إنَّ اللهَ فَضَّلَكم علينا بمُحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وجَعَلَه فيكهم (3).
3134 -
مسألة: (العَرَبُ بعضُهم لبعضٍ أكْفَاءٌ، وسائِرُ النَّاسِ
123
لِبَعْضٍ أكْفَاءٌ.
وَعَنْهُ، لَا تُزَوَّجُ قُرَشِيَّةٌ لِغَيرِ قُرَشِيٍّ، وَلَا هَاشِمِيَّةٌ لِغَيرِ هَاشِمِيٍّ.
بعضُهم لبعضٍ أكْفاءٌ.
وعنه، لا تُزَوَّجُ قُرَشِيَّةٌ لغيرِ قُرَشِيٍّ، ولا هاشِميةٌ لغَيرِ هاشِمِيٍّ) اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في ذلك، فرُويَ عنه، أنَّ غيرَ قُرَيشٍ 1 لا يُكافِئُها، وغيرَ بني هاشم لا يُكافِئُهم.
وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعيِّ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -[أنَّه قال] 2: «إنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قرَيشٍ بَنِي هَاشِمٍ، واصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» 3. ولأنَ العَرَبَ فَضَلَتِ الأُمَمَ برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقُرَيشٌ أخَصُّ به مِن سائرِ العَرَبِ، وبنو هاشمٍ أخَصُّ به مِن قُرَيشٍ.
ولذلك قال عثمانُ، وجُبَيرُ بنُ مُطْعِمٍ: إنَّ إخْوانَنا مِن بني هاشمٍ لا نُنْكِرُ فَضْلَهم علينا، لمَكانِكَ الذي وَضَعَكَ اللهُ به منهم 4. وقال أبو حنيفةَ: لا يُكافِئ
..................................
العَجَمُ العَرَبَ ولا العَرَبُ قُرَيشًا، وقُرَيشٌ كلُّهم أكْفَاءٌ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ قال: قُرَيشٌ بعضُهم لبعضٍ أكْفاءٌ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، أنَّ العَرَبَ بعضُهم لبعضٍ أكْفاءٌ، والعَجَمَ بعضُهم لبعضٍ أكْفاءٌ؛ لأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - زَوَّجَ ابْنَتَيه 1 عُثمانَ، وزَوَّجَ أبا العاصِ بنَ الرَّبيعِ زَينَبَ، وهما مِن بَني عبدِ شَمْسٍ، وزَوَّجَ عليٌّ عمرَ ابْنَتَه أُمَّ كُلْثُومٍ، وتَزَوَّجَ عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ عثمانَ فاطمةَ ابْنَةَ الحُسَينِ بنِ عليٍّ، وتَزَوَّجَ مُصْعَبُ بنُ الزُّبَيرِ أُخْتَها سُكَينَةَ، وتَزَوَّجَها أيضًا عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بنِ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ، وتَزَوَّجَ المِقْدادُ بنُ الأسْوَدِ ضُبَاعَةَ ابنةَ الزُّبَيرِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، وزَوَّجَ أبو بكرٍ،
وَعَنْهُ، أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالصِّنَاعَةَ وَالْيَسَارَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ، فَلَا تُزَوَّجُ حُرَّةٌ بِعَبْدٍ، وَلَا بِنْتُ بَزَّازٍ بِحَجَّام، وَلَا بِنْتُ تَانِئٍ بِحَائِكٍ، وَلَا مُوسِرَةٌ بِمُعْسِرٍ.
رَضِيَ اللهُ عنه،، أخْتَه أمَّ فَرْوَةَ الأشْعَثَ بنَ قَيسٍ، وهما كِنْدِيَّان، وتزَوَّجَ أُسامَةُ بنُ زَيدٍ فاطِمَةَ بنتَ قَيسٍ الفِهْرِيَّةَ، [وهي قُرَشِيَّةٌ] (1)، ولأنَّ العَجَمَ والمَوَالِيَ بعضُهم لبعض أكْفاءٌ، وإن تَفاضَلُوا وشَرُفَ بعضُهم على بعضٍ، فكذلك العَرَبُ.
وهذه الرِّوايةُ هي الصَّحِيحَةُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
3135 -
مسألة: (وعنه، أنَّ الحُرِّيَّةَ والصِّناعَةَ واليَسارَ مِن شُرُوطِ الكَفاءَةِ، فلا تُزَوَّجُ حُرَّةٌ بعَبْدٍ، ولا بِنْتُ بزَّازٍ بحَجَّام، ولا بِنْتُ تانِئٍ 2 بِحَائِكٍ، ولَا مُوسِرَةٌ بمُعْسِرٍ) أمَّا الحرِّيَّةُ، فالصَّحِيحُ أنَّها مِن شُروطِ1
..................................
الكَفاءةِ، فلا يكونُ العَبْدُ كُفْئًا لحُرَّةٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خَيَّرَ بَرِيرَةَ حينَ عَتَقَتْ تحتَ عَبْدٍ 1. فإذا ثَبَت الخِيارُ بالحُرِّيَّةِ الطَّارِئَةِ فبالحُرِّيَّةِ المُقارِنَةِ أوْلَى.
ولأنَّ نَقْصَ الرِّقِّ كبيرٌ، وضَرَرَه بَيِّنٌ؛ فإنَّه مَشْغُولٌ عن امْرأتِه بحُقُوقِ سَيِّدِه، ولا يُنْفِقُ نَفَقَةَ المُوسِرينَ، ولا يُنْفِقُ على وَلَدِه، وهو كالمَعْدُومِ بالنِّسْبَةِ إلى نَفْسِه.
ولا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكاحِ؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لبَرِيرَةَ: «لَوْ رَاجَعْتِيه».
قالت: يا رسولَ اللهِ، أتَأْمُرُنِي؟ قال:
..................................
«إنَّمَا أنَا شَفِيعٌ».
قالتْ: فلا حاجةَ لي فيه.
رَواه البخاريُّ 1. ومُراجَعَتُها إيَّاه ابْتِداءُ نِكاحٍ، فإنَّ نِكاحَها قد انْفَسَخَ باخْتِيارِها، ولا يَشْفَعُ إليها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في أنْ تَنكِحَ عَبْدًا إلَّا والنِّكاحُ صَحِيحٌ.
فأمَّا اليَسارُ، ففيه رِوايتان، إحْداهما، هو شَرْطٌ، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الحَسَبُ المَالُ» 2. وقال: «إنَّ أَحْسَابَ النَّاسِ بَينَهُمْ هَذَا المَالُ» 3. وقال لفاطمةَ بنتِ قَيسٍ حينَ أخْبَرَتْه أنَّ مُعاويَةَ [خَطَبَها: «أمَّا مُعاويَةُ] 4 فَصُعْلُوك لَا مَال لَهُ» 5. ولأنَّ على المُوسِرةِ ضَرَرًا في إعْسارِ زَوْجِها؛
..................................
لإِخْلالِه بنَفَقَتِها ومُؤْنَةِ أوْلادِه، ولهذا مَلَكَتِ الفَسْخَ بإخْلالِه بالنَّفَقَةِ، فكذلك إذا كان مُقارِنًا، ولأنَّ ذلك مَعْدُودٌ نَقْصًا في عُرْفِ النَّاسِ، يَتَفاضَلُونَ فيه كتَفاضُلِهم في النَّسَبِ وأْبلَغُ، قال نُبَيهُ بنُ الحَجَّاجِ السَّهْمِيُّ 1:
سألَتَانِي الطَّلاقَ أنْ رَأَتانِي … قَلَّ مَالِي قد جِئْتُمانِي بِنُكْرِ
وَيكَأنْ مَنْ يَكُنْ 2 لَهُ نَشَبٌ يُحـ … ـبَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيشَ ضُرِّ 3
فكان مِن شُروطِ الكفاءَةِ، كالنَّسَب.
والثانيةُ، ليس بشَرْطٍ؛ لأنَّ الفَقْرَ شَرَفٌ في الدِّينِ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ أحْيِني مِسْكِينًا، وأمِتْنِي مِسْكِينًا» 4. وليس هو لازِمًا، فأشْبَهَ العافِيَةَ مِن المرَضِ.
واليَسَارُ المُعْتَبَرُ ما يَقْدِرُ به على الإِنْفاقِ عليها، حَسَبَ ما يَجِبُ لها، ويُمْكِنُه أداءُ مَهْرِها.
وأمَّا الصِّناعَةُ، ففِيها أيضًا رِوَايتان؛ إحْداهما، أنَّها شَرْطٌ، فمَن كان مِن أهلِ الصَّنائِعِ الدَّنِيئَةِ؛ كالحائِكِ، والحَجَّامِ، والحارِسِ،
..................................
والكَسَّاحِ، والدَّبَّاغِ، [وقَيِّمِ الحَمّامِ] 1، والزَّبَّالِ، فليس بكُفْءٍ لبناتِ ذوي المُرُوءاتِ، كأصحابِ الصَّنائِعِ الجَلِيلَةِ، كالتِّجارَةِ والبِنايَةِ؛ لأنَّ ذلك نَقْصٌ في عُرْفِ النَّاسِ، فأشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ، وقد جاءَ في حديثٍ: «العَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْض أكْفَاءٌ، إلَّا حَائِكًا أو حَجَّامًا» 2. قيلَ لأحمدَ: وكيفَ تَأْخُذُ به وأنتَ تُضَعِّفُه؟ قال: العَمَلُ عليه.
يعني أنَّه وَرَد مُوافِقًا لأهْلِ العُرْفِ.
ورُوِيَ أنَّ ذلك ليس بنَقْصٍ.
ويُرْوَى نحوُ ذلك عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّ ذلك ليس بنَقْصٍ في الدِّينِ، ولا هو لازِمًا، فأشْبَهَ الضَّعْفَ والمرَضَ، قال بَعْضُهم 3:
ألَا إنَّما التَّقْوَى هي العِزُّ والكَرَمْ … وحُبُّكَ للدُّنْيَا هو الذُّلُّ والسَّقَمْ
ولَيسَ على عَبْدٍ تَقِيٍّ نَقِيصَةٌ … إذا حَقَّقَ التَّقْوَى وإن حَاكَ أو حَجَمْ
وأما السَّلامةُ مِن العُيوبِ، فليست مِن شُروطِ الكفاءَةِ، فإنَّه لا خِلافَ في 4 أنَّه لا يَبْطُل النِّكاحُ بها، ولكنَّها تُثْبِتُ الخِيَارَ للمرأةِ دُونَ الأوْلِياءِ؛ لأنَّ ضَرَرَه يَخْتَصُّ بها.
ولوَلِيِّها مَنْعُها مِن نِكاحِ المَجْذُوم والأبرَصِ والمَجْنُونِ، وما عدا هذا فليس بمُعْتَبَرٍ في الكفاءةِ.
..................................
فصل: ومَن أسْلَمَ أو عَتَقَ مِن العَبِيدِ، فهو كُفْءٌ لمَن له أبَوان في الإِسْلامِ والحُرِّيَّةِ.
وقال أبو حنيفةَ: ليصر بكُفْءٍ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ الصَّحابةَ أكْثَرُهُم أسْلَمُوا، وكانوا أفْضَلَ الأمَّةِ، فلا يَجُوزُ أن يُقال: إنَّهم غيرُ أكْفاءٍ للتَّابِعِينَ.
فصل: ووَلَدُ الزِّنَى قد قيل: إنَّه كُفْءٌ لذاتِ نَسَب.
وعن أحمدَ أنَّه ذُكِر له أنَّه يَنْكِحُ ويُنْكَحُ إليه، فكأنَّه لم يُحِبَّ ذلك؛ لأنَّ المرأةَ تُعَيَّرُ 1 به هي وأوْلِياؤُها، ويَتَعَدَّى ذلك إلى وَلَدِها، وليصر هو كُفْئًا للعَرَبِيَّةِ بغَيرِ إشْكالٍ فيه؛ لأنَّه أدْنَى حالًا مِن المَوْلَى.
فصل: والمَوالِي أكْفاءٌ بعضُهم لبعضٍ، وكذلك العَجَمُ، قال أحمدُ، في رجل مِن بَنِي هاشمٍ له مَوْلَاةٌ: يُزَوِّجُها 2 الخراسانِيَّ، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْهم» 3. هو في الصَّدَقَةِ، فأمَّا في النِّكاحِ، فلا.
وذَكَر القاضي رِوايةً عن أحمدَ، أنَّ مَوْلَى
..................................
القَوْمِ يُكَافِئُهم؛ لهَذا الخَبرِ، ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - زَوَّجَ زَيدًا وأُسَامَةَ عَرَبِيَّتَين 1، ولأنَّ مَوالِيَ بَنِي هاشمٍ ساوَوْهُم في حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ، فساوَوْهُم في الكَفاءَةِ.
وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّه يُوجِبُ أن يكونَ المَوَالِي أكْفَاءً للعربِ، فإنَّ المَوْلَى إذا كانَ كُفْءَ سَيِّدِه، كان كُفْئًا لِمَن يُكَافِئُه سيدُه، فيَبْطُلُ اعْتِبارُ المَنْصِبِ، ولهذا لا يُساوُونهم في اسْتِحْقاقِ الخُمْسِ، ولا في الإِمامةِ، ولا في الشَّرَفِ، وأمّا زَيدٌ وأسامةُ، فقد اسْتُدِلَّ بِنكاحِهِما عَرَبِيَّتين على أنَّ فَقْدَ الكَفاءَةِ لا يُبْطِلُ النِّكاحَ، واعْتَذَرَ أحمدُ عن تَزْويجهما بأنَّهُما مِن كَلْبٍ، فهما عَرَبيَّان، وإنَّما طَرَأَ عليهِما رِقٌّ.
فعلى هذا، يكَونُ حُكْمُ كُلِّ عَرَبِيِّ الأصْلِ كذلك.
فصل: فأمَّا أهْلُ البِدَعِ، فإنَّ أحمدَ قال في الرَّجُلِ يُزَوِّجُ الجَهْمِيَّ: يُفَرَّقُ بينَهما.
وكذلك إذا زَوَّجَ الوَاقِفِيَّ، إذَا كان يُخاصِمُ ويَدْعُو، وإذا زَوَّجَ أُخْتَه مِن هؤلاءِ اللَّفْظِيَّةِ، وقد كَتَب الحديثَ، فهذا شَرٌّ مِن جَهْمِيٍّ، يُفرَّقُ بينَهما.
وقال: لا يُزَوِّجُ بِنْتَه مِن حَرُورِيٍّ مَرَق مِن الدِّينِ، ولا مِن الرَّافِضِيِّ، ولا مِنَ القَدَرِيِّ، فإذا كان لا يَدْعُو، فلا بَأْسَ.
وقال: مَن لم يُرْبعْ 2 بعليٍّ في الخلافةِ، فَلَا تُناكِحُوه، ولا تُكَلِّمُوه.
قال القاضي: المُقَلِّدُ منهم يَصِحُّ تَزْويجُه، ومَن كان دَاعِيَةً منهم، فلا يَصِحُّ تَزْويجُه.
..................................
فصل: وإنَّما تُعْتَبَرُ الكَفاءَة في الرجلِ دونَ المرأةِ، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا مُكَافِئَ له، وقد تَزَوَّجَ مِن أحْياءِ العربِ، وتَزَوَّجَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ 1، وتَسَرَّى بالإِماءِ، وقال: «مَنْ كانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَة فَعَلَّمَهَا، وَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأحْسَنَ إلَيهَا، ثُمَّ أعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أجْرَانِ».
متفقٌ عليه 2. ولأنَّ الوَلَدَ يَشْرُفُ بشَرَفِ أَبيه لا بأُمِّه، فلم يُعْتَبَرْ ذلك في الأُمِّ.
بَابُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاحِ
وَهُنَّ ضَرْبَانِ؛ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الْأَبَدِ، وَهُنَّ أرْبَعَةُ أقْسَامٍ؛ أحَدُهَا، الْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ، وَهُنَّ سَبْعٌ؛ الأمَّهَاتُ، وَهُنَّ الْوَالِدَةُ، وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالأُمِّ، وَإنْ عَلَوْنَ، وَالْبَنَاتُ بابُ المُحرَّماتِ في النِّكاحِ (وهُنَّ ضَرْبان؛ مُحَرَّماتٌ على الأبَدِ، وهُنَّ أرْبَعَةُ أقْسامٍ، أحَدُها، المُحَرَّماتُ بالنَّسَبِ، وهُنَّ سَبْعٌ) ذَكَرَهُنَّ الله سبحانَه في قولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ 1. فأمَّا الأمَّهاتُ، فهُنَّ كُلُّ مَن انْتَسَبْتَ إليها بولادَة، سَواءٌ وَقَعَ عليها اسمُ الأُمِّ حَقِيقَةً، وهي التي وَلَدَتْكَ، أو مَجازًا، وهي التي وَلَدَتْ مَن وَلَدَكَ 2 وإن عَلَتْ، ومِن ذلك جَدَّتاك 3؛ أُمُّ أُمِّكَ وأُمُّ أبِيكَ، وجَدَّتَا أُمِّك وجَدَّتَا أبِيكَ، [وجَدَّاتُ جَدَّاتِكَ] 4 وجَدَّاتُ أجْدَادِك وإن عَلَوْنَ، وارِثاتٍ كُنَّ أو غيرَ وارِثاتٍ، كُلُّهُنَّ اُّمَّهاتٌ
مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ، وَبَنَاتُ الْأوْلَادِ، وإِنْ سَفَلُوا، وَالْأخَوَاتُ مِنَ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، وَبَنَاتُ الأَخِ، وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأَوْلَادُهُمْ، وَإنْ سَفَلُوا، وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالاتُ، وَإنْ عَلَوْنَ، وَلَا تحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ.
مُحَرَّماتٌ، ذَكَر أبو هُرَيرَةَ 1 هاجَرَ أُمَّ إسماعيلَ، فقال: تِلْكَ أُمُّكُم يا بَنِي ماءِ السَّماءِ 2. وفي الدُّعاء المَأْثُورِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على أبِينَا آدَمَ وأُمِّنَا حَوَّاءَ.
والبناتُ، وهُنَّ كلُّ أُنْثَى انْتَسَبَتْ إليك بولادَتِك، كابْنَةِ الصُّلْبِ، وبَناتِ البَنِين والبناتِ وإن نزَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ، وارِثاتٍ أو غيرَ وارِثاتٍ، كُلُّهُنَّ بناتٌ مُحَرَّماتٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾.
فإنَّ كُلَّ امرأةٍ بنتُ آدَمَ، كما أنَّ كلَّ رجلٍ ابنُ آدَمَ 3، قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ 4. والأخَواتُ مِن الجِهَاتِ الثَّلاثِ، مِن الأبَوَينِ، أو مِن الأبِ، أو مِن الأُم؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾.
ولا تَفرِيعَ
..................................
عليهِنَّ.
والعَمَّاتُ أخواتُ الأبِ مِن الجهاتِ الثَّلاثِ، وأخواتُ الأجْدَادِ مِن قِبَلِ الأَب ومِن قِبَلِ الأُمِّ، قَرِيبًا كان الجَدُّ أو بعيدًا، وارِثًا أو غيرَ وارثٍ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾.
والخالاتُ أخواتُ الأُمِّ مِن الجهاتِ الثلاثِ، وأخواتُ الجَدَّاتِ وإن عَلَوْنَ، وقد ذَكَرْنا أنَّ كلَّ جَدَّةٍ أُمٌّ، فكذلك كلُّ أختٍ لجَدَّةٍ خالةٌ مُحَرَّمَةٌ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَخَالاتُكُمْ﴾.
وبناتُ الأخِ، كُلُّ امْرَأَةٍ انْتَسَبَتْ إلى أخٍ بولادَةٍ 1، فهي بِنْتُ أخٍ مُحَرَّمَةٌ مِن أيِّ جِهَةٍ كان الأخُ 2، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾.
وبناتُ الأخْتِ كذلك أيضًا مُحَرَّماتٌ، لقولِه تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾.
فهؤلاء المُحَرَّماتُ بالنَّسَبِ.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ النَّسَبِ الحاصِلِ بنِكاحٍ، أو مِلْكِ يَمِينٍ، أو وَطْءِ شُبْهَةٍ، أو حَرامٍ، فتَحْرُمُ عليه ابنتُهُ مِن الزِّنى، لدُخُولِها في عُمومِ اللَّفْظِ، وأنَّها مَخْلُوقَةٌ مِن مائِه، فحَرُمَتْ، كتَحْرِيمِ الزَّانِيَةِ على وَلَدِها، وتحْرِيمِ المَنْفِيَّةِ باللِّعانِ، لأنَّها رَبِيبَتُه 3، ولاحْتِمالِ أن تكونَ ابْنَتَه،
الْقِسْمُ الثَّانِي، الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ.
وَيَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ سَوَاءً.
وفيه اخْتِلافٌ نَذْكُرُه إن شاء اللهُ تعالى.
(القسمُ الثاني، المُحَرَّماتُ بالرَّضاعِ، فيَحْرُمُ به ما يَحْرُمُ بالنسَبِ سَواءً) والذي ذَكَرَه اللهُ تعالى اثْنَتان فقال سبحانَه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾.
فالأُمَّهاتُ اللَّاتي أرْضَعْنَك وأُمَّهاتُهنَّ وجَدَّاتُهُنَّ وإن عَلَتْ دَرَجتُهُنَّ، على حَسَبِ ما ذَكَرْناه في النَّسَبِ، مُحَرَّماتٌ بالآيَةِ.
وأمَّا الأخَوَاتُ، فهي كلُّ امرأةٍ أرْضَعَتْكَ أُمُّها، أو أرْضعَتْها أُمُّكَ، أو أرْضَعَتْكَ وإيَّاها امرأةٌ واحدةٌ، أو ارْتَضعْتَ أنت وهي مِن لَبَنِ رجلٍ واحدٍ، كرَجُلٍ له امْرأتان لهما منه لَبَنٌ، أرْضَعَتْكَ إحدَاهُما وأرْضَعَتْها الأُخْرَى، فهي أُخْتُكَ، مُحرَّمَةٌ عليك بالآيةِ.
..................................
وكذلك كلُّ امرأةٍ حَرُمَتْ عليك بالنَّسَب 1، حَرُمَ مِثْلُها مِن الرَّضاعِ؛ كالعَمَّةِ، والخالةِ، والبنْتِ، وبِنْتِ الأَخِ، وبِنْتِ الأُخْتِ، على ما ذَكَرْنا، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».
متفقٌ عليه 2. وفي رِوايةٍ لمسلمٍ: «الرَّضَاعُ يُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الولَادَةُ».
ولأنَ الأمَّهاتِ والأخَوَاتِ مَنْصوصٌ عليهِنَّ، والباقِياتُ يُقَسْنَ عليهِنَّ، ولا نَعْلَمُ في هذا خلافًا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَهُنَّ أرْبَعٌ؛ أُمَّهَاتُ
(القسمُ الثالثُ، تَحْرِيمُ المُصَاهَرَةِ، وهُنَّ أرْبَعٌ؛ أُمَّهاتُ النِّساءِ) فمَن تَزَوجَ امرأةً حَرُمَ عليه كلُّ أُمٍّ لها مِن نَسَبٍ أو رَضَاعٍ، قَرِيبَةٍ أو بَعِيدَةٍ، بمُجَرَّدِ العَقْدِ.
نَصَّ عليه أحمدُ وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عمرَ، وجابرٌ، وعِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، وكثيرٌ مِن التابعين.
وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرأي.
وحُكِيَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّها لا تَحْرُمُ إلَّا بالدُّخُولِ بابْنَتِها، كما لا تَحْرُمُ ابْنَتُها إلَّا بالدُّخُولِ بها.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾.
والمَعْقُودُ عليها مِن نِسائِه، فتَدْخُلُ أُمُّها في عُمُومِ الآيةِ.
قال ابنُ عباسٍ: أبْهِمُوا ما أبْهَمَ القرآنُ 1. يعني عَمِّمُوا حُكْمَها في كلِّ حالٍ، ولا تَفْصِلُوا بينَ المَدْخُولِ بها وبينَ غيرِها.
وروَى عمرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه،
نِسَائِهِ، وَحَلَائل آَبائِهِ
أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن تَزَوَّجَ امْرَاةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا، لَا بَأْسَ أن يَتَزَوَّجَ رَبِيبَتَه، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها».
رَواه أبو حَفْصٍ بإسْنادِه 1. وقال زَيدٌ: تَحْرُمُ بالدُّخُولِ أو بالموتِ؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَ الدُّخُولِ.
وقد ذَكَرْنا ما يُوجِبُ التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا، سَواءٌ وُجِدَ الدُّخُولُ أو الموتُ أو لم يُوجَدْ، ولأنَّها حَرُمَتْ بالمُصاهَرَةِ بقولٍ مُبْهَمٍ، فحَرُمَت بنَفْسِ العَقْدِ، كحَلِيلةِ الابْنِ والأبِ.
الثانيةُ (حَلائِلُ الآباءِ) يَعْنِي أزْوَاجَهم، سُمِّيَتِ امرأةُ الرَّجُلِ حَلِيلَةً؛ لأنَّها مَحَلُّ إزارِ زَوْجِها، وهي مُحَلَّلَةٌ له، فتَحْرُمُ على الرجلِ امرأةُ أبِيه، قَرِيبًا كان أو بَعيدًا، وارِثًا أو غيرَ وارِثٍ، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 2. وقال البَراءُ بنُ عازِبٍ: لَقِيتُ خَالِي ومعه الرَّايَةُ، قال: أرْسَلَنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةَ أبيه مِن بعدِه، أن أضْرِبَ عُنُقَه أو أَقتُلَه.
رَواه النَّسَائيُّ 3. وفي رِوَايةٍ: لَقِيتُ عَمِّيَ
وَأَبْنَائِهِ، فَيَحْرُمْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ دُونَ بَنَاتِهِنَّ،
الحارِثَ بنَ عمرٍو، [ومعه الرَّايَةُ] 1. فذَكَرَ الخَبَرَ.
رَواه كذلك سعيدٌ، وغيرُه 2. وسَواءٌ في هذا امرأةُ أبيه، أو امرأةُ جَدِّه لأبِيه، وجَدِّه لأُمِّه، قَرُبَ أم بَعُدَ، وليس في هذا بينَ أَهلِ العلمِ اخْتِلافٌ فيما عَلِمْنا.
وتَحْرُمُ عليه 3 مَن وَطِئَها أبوه بمِلْكِ يَمِين أو شُبْهَةٍ، كما يَحْرُمُ عليه مَن وَطِئَها في عَقْدِ نِكاحٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: المِلْكُ في هذا والرَّضَاعُ بمَنْزِلَةِ النَّسَبِ، ومِمَّن حَفِظْنا ذلك عنه؛ عطاءٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وابنُ سيرينَ، ومكحولٌ، وقَتادَةُ، والثوريُّ، والأوزاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي، ولا نَحْفَظُ عن [أحَدٍ خِلافَهم] 4 الثالثةُ، حَلائِلُ الأبْناءِ، فتَحْرُمُ على الرجلِ زَوْجَةُ ابْنِه، وابْنِ ابْنَتِه، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، قريبًا كان أو بعيدًا، بمُجَرَّدِ العَقْدِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾.
ولا نَعْلَمُ في هذا خلافًا.
ولا تَحْرُمُ بَناتُهنَّ، فيَحِلُّ له نِكاحُ رَبِيبَةِ ابْنِه وأَبيه؛ = في من تزوج امرأة أبيه، من أبواب الأحكام.
عارضة الأحوذي 6/ 117. وابن ماجه، في: باب من تزوج امرأة أبيه من بعده، من كتاب الحدود.
سنن ابن ماجه 2/ 869. والإمام أحمد، في: المسند 4/ 292، 297.
وَالرَّبَائِبُ؛ وَهُنَّ بَنَاتُ نِسَائِهِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ دُونَ الَّلاتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ،
لقولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 1. الرابعةُ، بناتُ النِّسَاءِ اللَّاتِي دَخَل بِهِنَّ، وهُنَّ الرَّبَائِبُ، فلا يَحْرُمْنَ إلَّا بالدُّخُولِ بأُمَّهاتِهِنَّ، وهُنَّ كُل بِنْتٍ للزَّوْجَةِ، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، قريبةً أو بعيدةً، وارِثَةً أو غيرَ وارثةٍ، على حَسَبِ ما ذَكَرْنا في البناتِ، فإذا دَخَل بالأُمِّ، حَرُمَتْ عليه، سَواءٌ كانت في حِجْرِه، أو لم تَكُنْ في حِجْرِه، [في قول عامَّةِ الفُقَهاءِ، إلَّا أنَّه رُوِيَ عن عمرَ، وعلي، رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّهما رَخَّصا فيها إذا لم تَكُنْ في حِجْرِه] 2. وهو قولُ داودَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾.
قال ابنُ المُنذِرِ: وقد أجْمَعَ علماءُ الأمْصارِ على خِلافِ هذا القَوْلِ.
وذَكَرْنا حديثَ عمرِو بنِ شُعَيبٍ في
فَإِنْ مِتْنَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهَلْ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
هذا، وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -[لأُمِّ حَبِيبَةَ] (1): «لا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أخَوَاتِكُنَّ» (2). ولأنَّ التَّرْبِيَةَ (3) لا تَأْثِيرَ لها في التَّحْرِيمِ، كسائِرِ المُحَرَّماتِ.
فأمَّا الآيَةُ، فلم تَخْرُجْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، وإنَّما وَصَفَها بذلك تَعْريفًا لها بغالبِ حالِها، وما خَرَجِ مَخْرَجَ الغالبِ، لا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بمَفهُومِه.
وإن لم يَدْخُلْ بالمرأةِ، لم تحْرُمْ عليه بناتُها، في قولِ عامَّةِ علماءِ الأمصارِ، إذا بانتْ مِن نِكاحِه.
3136 -
مسألة: (فإن مِتْنَ قبلَ الدُّخُولِ، فهل تَحْرُمُ بَناتُهُنَّ؟ على رِوايَتَين)
إحْدَاهُما، تَحْرُمُ ابْنَتُها.
وبه قال زيدُ بنُ ثابتٍ.
وهي اختيارُ123
..................................
أبي بكرٍ؛ لأنَّ المَوْتَ أُقِيمَ مُقامَ الدُّخُولِ في تَكْمِيلِ العِدَّةِ والصَّداقِ، فيَقُومُ مَقامَه في تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ.
والثانيةُ، لا تَحْرُمُ.
وهو قولُ عليٍّ، وعامَّةِ العلماءِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ علماءِ الأمصارِ، أنَّ الرجلَ إذا تَزَوَّجَ المرأةَ ثم طَلَّقَها، أو ماتَتْ قَبْلَ أن يَدْخُلَ بها، حَلَّ له أن يَتَزَوَّجَ ابْنَتَها، كذلك قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، ومَن تَبِعَهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾.
وهذا نَصٌ يُتْرَكُ بقياسٍ ضعيفٍ، وقد ذَكَرْنا حديثَ عمرِو بنِ شُعَيبٍ، ولأنَّها فُرْقَةٌ قَبْلَ الدُّخولِ، فلم تُحَرِّمِ الرَّبِيبَةَ،
وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ،
كفُرْقَةِ الطَّلاقِ، والموتُ لا يَجْرِي مَجْرَى الدُّخولِ في الإِحْصانِ والإحْلالِ، وقيامُه مَقامَه مِن وَجْهٍ ليس بأَولَى مِن مُفارَقَتِه إيَّاه مِن وَجْهٍ آخَرَ، ولو قام مَقَامَه مِن كلِّ وَجْهٍ فلا يُتْرَكُ صَرِيحُ (1) نصِّ اللهِ تعالى و (2) نَصِّ رسولِه لقياس ولا غيرِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الدُّخُولَ بها وَطْؤُها، كنى عنه بالدُّخُولِ، فإن خَلَا بها ولم يَطَأْها، لم تَحْرُم ابْنَتُها؛ لأنَّها غيرُ مَدْخولٍ بها.
3137 -
مسألة: (ويَثْبُتُ تَحْرِيمُ المُصَاهَرَةِ بالوَطْءِ الحَلالِ
12
..................................
والحَرامِ) فإذا زَنَى بامرأَةٍ حَرُمَتْ على أبِيه وابْنِه، وحَرُمَتْ عليه أُمُّها وابْنَتُها، كما لو وَطِئَها بشُبْهَةٍ أو حَلالًا.
ولو وَطِئَ أُمَّ امْرأتِه أو ابْنَتَها، حَرُمَتْ عليه امرأتُه.
نَصَّ أحمدُ على هذا في روايةِ جماعةٍ.
ورُوِيَ نحوُ ذلك عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ.
وبه قال الحسنُ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنَّ وَطْءَ الحَرام لا يُحَرِّمُ 1. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، ويَحْيىَ بنُ يَعْمُرَ، وعُرْوَة، والزُّهْرِي، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا يُحَرِّمُ الحَرَامُ الحَلَال» 2. ولأنَّه وَطْءٌ لا تَصِيرُ به المَوْطُوءَةُ فِرَاشًا، [فلا يُحَرِّمُ] 3، كوَطْءِ الصَّغِيرةِ.
ولَنا، قولُه سبحانَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
والوَطْءُ يُسَمَّى نِكاحًا، قال الشاعرُ:
إذا زَنَيتَ فأجِدْ نِكاحًا
..................................
فيَدْخُلُ في عُمُومِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ قَرِينةٌ تَصْرِفُه إلى الوَطْءِ، وهو قولُه سبحانَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
وهذا التَّغْلِيظُ إنَّما يكونُ في الوَطْءِ.
ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا يَنْظُرُ الله إلى رَجُلٍ نَظَرَ إلى فَرْجِ امْرأةٍ وابْنَتِها» 1. وروَى الجُوزْجانِيُّ بإسنادِه عن وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ قال: مَلْعُونٌ مَن نَظَر [إلى فَرْجِ] 2 امرأةٍ وابْنَتِها 3. فذَكَرْتُه لسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، فأعْجَبَه.
ولأنَّ ما تَعَلَّقَ مِن التَّحْرِيمِ بالوَطْءِ المُباحِ 4، تَعَلَّقَ بالمَحْظُورِ، كوَطْءِ الحائِضِ، ولأنَّ النِّكاحَ عَقْدٌ يُفْسِدُه الوَطْءُ بالشُّبْهَةِ، فأفْسَدَه الوَطْءُ الحَرامُ، كالإحْرامِ.
وحَدِيثُهم لا نَعْرِفُ صِحَّتَه، وإنَّما هو مِن كلام ابنِ أشْوَعَ 5 بعضِ قُضاةِ العِراقِ، كذلك قال الإمامُ أحمدُ.
وقيلَ: إنَّه مِن قولِ ابنِ عباسٍ.
ووَطْءُ
..................................
الصغيرةِ مَمْنُوعٌ، ثم 1 يَبْطُلُ بوَطْءِ الشُّبْهَةِ.
فصل: والوَطْءُ على ثلاثةِ أضْرُبٍ، مُباحٌ، وهو الوَطْءُ مِن نِكاحٍ صحيح أو مِلْكِ يمينٍ، فيَتَعَلَّقُ به تَحْرِيمُ المُصاهَرَةِ بالإِجْماعِ، ويصيرُ مَحْرَمًا لمَن حَرُمَتْ عليه؛ لأنَّها حَرُمَتْ عليه على التَّأْبِيدِ بسَبَبٍ مُباحٍ، أشْبَهَ النَّسَبَ.
الثاني، الوَطْءُ بالشُّبْهَةِ، وهو الوَطْءُ في نِكاح فاسِدٍ، أو شِراءٍ فاسِدٍ، أو وَطْءُ امرأةٍ ظَنَّها امرأتَه أو أمَتَه، أو وَطْءُ الأمَةِ التي له 2 فيها شِرْكٌ، وأشباهُ ذلك، فيَتَعَلَّقُ به التَّحْرِيمُ كتَعَلُّقِه بالوَطْءِ المُباحِ إجماعًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ
..................................
على أنَّ الرجلَ إذَا وَطِئ امرأةَ بنِكاح فاسِدٍ أو شِراءٍ فاسِدٍ، أنَّها تَحْرُمُ على أبِيه وابْنِه، وأجْدادِه ووَلَدِ وَلَدِه.
وهذا مذهبُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي، لأنَّه وَطْءٌ يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فأثْبَتَ التَّحْرِيمَ، كالوَطْءِ المُباحِ.
ولا يَصِيرُ به الرجلُ مَحْرَمًا لمَن حَرُمَتْ عليه، ولا يُباحُ له النَّظَرُ إليها بذلك، لأنَّ 1 الوَطْءَ ليس بمُباحٍ، والمَحْرَمِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بكَمالِ حُرْمَةِ الوَطْءِ؛ لأنَّها إباحَةٌ، ولأنَّ المَوْطُوءَةَ لم يَسْتَبِحِ النَّظَرَ إليها، فلأن لا يَسْتَبِيحَ النَّظَرَ إلى غيرِها به 2 أَولَى.
الثالثُ، الحَرَامُ المَحْضُ، وهو الزِّنى، فيَثْبُتُ به التَّحْرِيمُ، على الخِلافِ المذكورِ، ولا تَثْبُتُ به المَحْرَمِيَّةُ، ولا إباحَةُ النَّظرَ؛ لأنَّها إذا لم تَثْبُتْ بوَطء الشُّبْهَةِ، فبالحَرامِ المَحْضِ أوْلى، ولا يَثْبُتُ به النَّسَبُ، ولا يَجِبُ به المَهْرُ للمُطاوعَةِ إذا كانت حُرَّةً.
فَإِنْ كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ مَيِّتَةً أوْ صَغِيرَةً، فَعَلَى وَجْهَينِ، فصل: ويَسْتَوي في ذلك الوَطْءُ في القُبُلِ والدُّبُرِ؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ به التَّحْرِيمُ إذا وُجِدَ في الزَّوجَةِ والأَمَةِ، فكذلك في الزِّنَى.
3138 -
مسألة: (فإن كانتِ المَوْطُوءَةُ مَيِّتَةً أو صَغِيرَةً)
لا يُوطَأُ مِثْلُها (فعلى وَجْهَين) أحَدُهما، أنَّ وَطْءَ المَيِّتَةِ يَنْشُرُ 1 الحُرْمَةَ؛ لأنَّه مَعْنًى يَنْشُرُ الحُرْمَةَ المُؤَبَّدَةَ، فلم يَخْتَصَّ بالحَياةِ، كالرَّضاعِ.
والثاني، لا يَنْشُرُها.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه ليسَ بسَبَبٍ للبَضْعِيَّةِ، ولأنَّ التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ باسْتِيفاءِ مَنْفَعَةِ الوَطْءِ،
وَإنْ بَاشَرَ امْرَأَةً أَوْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِهَا، أَوْ خَلَا بِهَا لِشَهْوَةٍ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ،
والموتُ يُبْطِلُ المَنافِعَ.
وأمَّا الرَّضاعُ، فيُحَرِّمُ؛ لِما (1) يَحْصُلُ به مِن إنْباتِ اللَّحْمِ وإنْشازِ العَظْمِ، وهذا يَحْصُلُ مِن لَبَنِ المَيِّتَةِ.
وفي وَطْءِ الصغيرةِ أيضًا وَجْهان، أحَدُهما، يَنْشُرُ.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، لأنَّه وَطْءٌ لآدَمِيَّةٍ حَيَّةٍ في القُبُلِ، أشْبَهَ وَطْءَ الكبيرةِ (2). والثاني، لا يَنْشُرُها.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه ليس بسَبَب للبَضْعِيَّةِ (3)، أشْبَهَ وَطْءَ المَيِّتَةِ.
3139 -
مسألة: (وإن باشَرَ امرأةً، أو نَظَر إلى فَرْجِها، أو خَلَا بها لشَهْوَةٍ، فعلى رِوايَتَين)
إذا باشَرَ فيما دونَ الفَرْجِ لغيرِ شَهْوةٍ، لم يَنْشُرِ123
..................................
الحُرْمَةَ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
وإن كان لشهوةٍ، وكان في أجْنَبِيَّةٍ، لم يَنْشُرِ الحُرْمَةَ أيضًا.
قال الجُوزْجانِيُّ: سألتُ أحمدَ عن رجلٍ نَظَر إلى أُمِّ امْرَأَتِه مِن شهوةٍ، أو قَبَّلَها، أو باشَرها.
فقال: أنا أقُولُ: لا يُحَرِّمُه شيءٌ مِن ذلك إلَّا الجماعُ.
وكذلك نَقَل أحمدُ بنُ القاسمِ، وإسحاقُ بنُ منصورٍ.
وإن كانتِ المُباشَرَةُ لامرأةٍ مُحَلَّلَةٍ له، كامرأتِه ومَمْلُوكَتِه، لم تَحْرُمْ عليه ابْنَتُها.
قال ابنُ عباسٍ: لا يُحَرِّمُ الرَّبِيبَةَ إلَّا الجِماعُ 1. وبه قال طاوُسٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾.
وهذا ليس بدُخُولٍ، فلا يُتْرَكُ النَّصُّ الصريحُ مِن أجْلِه.
وأمَّا تَحْرِيمُ أُمِّها، وتَحْرِيمُها على أبي الرجلِ المباشِرِ لها، وابنِه، فإنَّها في النِّكاحِ تَحْرُمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ قبلَ المباشَرَةِ، فلا يَظْهَرُ للمُباشَرَةِ أثَرٌ.
وأمَّا الأمَةُ، فمتى باشَرَها دُونَ الفَرْجِ لشَهْوَةٍ، فهل يَثْبُتُ تَحْرِيمُ المُصاهَرَةِ؟ فيه رِوايتَان؛ إحدَاهما، يَنْشُرُها.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَمْرٍو، ومَسْرُوقٍ.
وبه قال القاسمُ، والحسنُ، ومكحولٌ، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، وعليُّ بنُ المَدِينِيِّ.
وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّه نوْعُ اسْتِمْتاعٍ، فيَتَعَلَّقُ به
..................................
تَحْرِيمُ المُصاهَرَةِ، كالوَطْءِ.
والثانيةُ، لا يَثْبُتُ بها التَّحْرِيمُ؛ لأنَّها مُلامَسَة لا تُوجِبُ الغُسْلَ، فلم يَثْبُتْ بها التَّحْرِيمُ، كما لو لم تَكُنْ لشَهْوةٍ 1، ولأنَّ ثُبوتَ التَّحريمِ إمَّا أن يكونَ بنَصٍّ أو قِياسٍ على المَنْصُوصِ، ولا نَصَّ في هذا، ولا هو في معنى المنْصوصِ عليه ولا المُجْمَعِ عليه، فإنَّ الوَطْءَ يَتَعَلَّقُ به مِن الأحْكامِ اسْتِقْرارُ المَهْرِ، والإحْصانُ، والاغْتِسالُ، والعِدَّةُ، وإفْسادُ الإحْرامِ والصِّيامِ، بخِلافِ اللَّمْسِ.
وذَكَر أصحابُنا الرِّوايَتَين في جيعِ الصُّوَرِ مِن غيرِ تَفْصِيلٍ.
قال شيخُنا 2: وهذا الذي ذَكَرْنا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: ومَنْ نَظرَ إلى فَرْجِ امرأةٍ لشَهْوةٍ فهو كَلَمْسِها لشهوةٍ، فيه