وَإِنْ قَال: حَكَمَ عَلَيَّ بِشَهَادَةِ فَاسِقَينِ.
فَأَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِغَيرِ يَمِينٍ.
لأنَّ قولَ القاضي مَقْبُولٌ بعدَ العَزْلِ، كما يُقْبَلُ في (1) ولايَتِه.
وإنِ ادَّعَى عليه أنَّه قَتل ابنَه ظُلْمًا، فهل يَسْتَحْضِرُه مِن غيرِ بينةٍ؟ فيه وَجْهان.
فإن أحْضَرَه، فاعْتَرَفَ، حَكَم عليه، وإلَّا فالقولُ قولُه.
وإنِ ادَّعَى أنَّه أخْرَجَ عَينًا مِن يَدِه بغيرِ حَقٍّ، فالقولُ قولُ الحاكمِ مِن غيرِ يمينٍ، ويُقْبَلُ قولُه للمَحْكُومِ له، على ما سنَذْكُرُه، إن شاءَ اللهُ تعالى.
4867 -
مسألة: (وإن قال: حَكَم عَلَيَّ بشَهادَةِ فاسِقَين. فالقولُ قولُه بغيرِ يَمينٍ)
لأنَّ القولَ قولُه في حُكْمِه، فلو قال: حَكَمْتُ على فُلانٍ1
وَإِنْ قَال الحَاكِمُ الْمَعْزُولُ: كُنْتُ حَكَمْتُ فِي ولَايَتِي لِفُلَانٍ
بكذا.
قُبِل قولُه بغيرِ يمينٍ.
فكذا في هذه المسألةِ؛ لأنَّه شاهِدٌ على فِعْلِ نَفْسِه، أشْبَهَ المُرْضِعَةَ [والقاسِمَ، فإنَّ المُرْضِعَةَ] (1) إذا شَهِدَتْ بالرَّضاعِ، لم يَلْزَمْها يمينٌ.
وكذلك القاسِمُ إذا شَهِد بالقِسْمَةِ؛ لأنَّ الشاهِدَ لا يمينَ عليه.
4868 -
مسألة: (وإن قال الحاكمُ المعزولُ: كُنْتُ حَكَمْتُ في
1
عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ.
قُبِلَ قَوْلُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ.
ولايَتِي لفُلانٍ على فُلانٍ بِحَقٍّ.
قُبِل قولُه) وبه قال إسْحاقُ (ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ قَوْلُه) ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
قال شيخُنا 1: وقولُ القاضي في فُرُوعِ هذه المسألةِ يَقْتَضِي أن لا يُقْبَلَ قولُه ههُنا، وهو قولُ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ 2 مَن لا يَمْلِكُ الحُكْمَ، لا يَمْلِكُ الإِقْرارَ به، كمَن أقَرَّ بعِتْقِ عبدٍ بعدَ بيعِه.
ثم اخْتَلَفُوا، فقال الأوْزاعِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى: هو بمنزلةِ الشّاهِدِ إذا كان معه شاهِدٌ آخرُ، قُبِلَ.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: لا يُقْبَلُ إلَّا شاهِدان سِواه، يَشْهَدانِ بذلك.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ شَهادَتَه على فِعْلِ 3 نَفْسِه لا تُقْبَلُ.
ولَنا، أنَّه لو كَتَب إلى غيرِه، ثمَّ عُزِل، ووَصَل
..................................
الكتابُ بعدَ عَزْلِه، لَزِم المَكْتُوبَ إليه قَبولُ كتابِه 1 [بعدَ عَزْلِ كاتِبِه] 2، فكذلك هذا، ولأنَّه أخْبَرَ بما حَكَم به، وهو غيرُ مُتَّهَمٍ، فيَجِبُ قَبُولُه، كحالِ ولايَتِه.
فصل: فأمَّا إن قال في ولايتِه: كُنْتُ حَكَمْتُ لفُلانٍ بكذا.
قُبِلَ قَوْلُه، سواءٌ قال: قَضَيتُ عليه بشاهِدَين عَدْلَين.
أو قال: سمعتُ بَيِّنَتَه وعَرَفْتُ عَدالتَهم.
أو قال: قَضَيتُ عليه بنُكولِه.
أو قال: أقَرَّ عندِي فلانٌ لفلانٍ بحقٍّ، فحَكَمْتُ به.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ.
وحُكِيَ عن محمدِ بنِ الحسنِ، أنَّه لا يُقْبَلُ حتى يَشْهَدَ معه رجلٌ عَدْلٌ؛
..................................
لأنَّه إخْبارٌ بحَقٍّ على غيرِه، فلم يُقْبَلْ فيه قولُ واحدٍ، كالشَّهادَةِ.
ولَنا، أنَّه يَمْلِكُ الحُكْمَ، فمَلَكَ الإِقْرارَ به، كالزَّوْجِ إذا أخْبَرَ بالطَّلاقِ، والسَّيِّدِ إذا أخْبَرَ بالعِتْقِ، ولأنَّه لو أخْبَرَ أنَّه رَأى كذا وكذا، فحَكَمَ به، قُبِلَ، كذا ههُنا، وفارَقَ الشَّهادَةَ؛ فإنَّ الشَّاهِدَ لا يَمْلِكُ إثْباتَ ما أخْبَرَ به.
فأمَّا إن قال: حَكَمْتُ بعِلْمِي -أو- بالنُّكُولِ -أو- بشاهِدٍ 1 ويمينٍ في الأمْوالِ.
فإنَّه يُقْبَلُ أيضًا.
وقال الشافعيُّ: لا يُقْبَلُ قولُه في القَضاءِ بالنُّكُولِ.
ويَنْبَنِي قوْلُه: حَكَمْتُ عليه بعِلْمِي.
على القَوْلَين في جَوازِ القَضاءِ بعِلْمِه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ الحُكْمَ بذلك، فلا يَمْلِكُ الإِقْرارَ به.
ولَنا،
..................................
أنَّه أخْبَرَ بحُكْمِه فيما لو حَكَم به لنَفَذَ حُكْمُه، فوَجَبَ قَبُولُه، كالصُّوَرِ التي تَقَدَّمَتْ، ولأنَّه حاكِمٌ أخْبَرَ بحُكْمِه في ولايَتِه، فوَجَبَ قَبُولُه، كالذي سَلَّمَه، ولأنَّ الحاكمَ إذا حَكَم في مسألةٍ يَسُوغُ فيها الاجْتِهادُ، لم يَسُغْ نَقْضُ حُكْمِه، ولَزِم غيرَه إمْضاؤُه، والعَمَلُ به، فصار بمنزلةِ الحُكْمِ بالبينةِ العادلةِ، ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَه.
وإن قال: حَكَمْتُ لفُلانٍ على فُلانٍ بكذا.
ولم يُضِفْ حُكْمَه إلى بينةٍ ولا غيرِها، وَجَب قَبُولُه.
وهو ظاهِرُ ما ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ، وظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْ ما ثَبَت به الحُكْمُ، وذلك لأنَّ الحاكمَ متى ما حَكَم بحُكْمٍ يَسُوغُ فيه الاجْتِهادُ، وَجَبَ قَبُولُه، وصار بمنزلةِ ما أُجْمِعَ عليه.
..................................
فصل: فإن أخْبَرَ القاضي بحُكْمِه في غيرِ مَوْضِعِ ولايَتِه، قُبِل.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه إذا قُبِل قولُه بحُكْمِه بعدَ العَزْلِ وزَوالِ ولايِته بالكُلِّيَّةِ، فلأن يُقْبَلَ مع بَقائِها في غيرِ مَوْضِعِ ولايَتِه أَوْلَى.
وقال القاضي: لا يُقْبَلُ قولُه.
وقال: لو اجْتَمَعَ قاضيان في غيرِ ولايتِهما، كقاضي دِمَشْقَ وقاضي مِصْرَ، اجْتَمَعا في بيتِ المَقْدِسِ، فأخْبَرَ أحَدُهما الآخَرَ بحُكْمٍ حَكَم به، أو شَهادةٍ ثَبَتَتْ عندَه، لم يَقْبَلْ أحَدُهما قولَ صاحِبِه، ويكونان كشاهِدَين أخَبَرَ أحَدُهما صاحِبَه بما عندَه، وليس له أنْ يَحْكُمَ به إذا رَجَع إلى عَمَلِه؛ لأنَّه خَبَرُ مَن ليس بقاضٍ في مَوْضِعِه، وإن كانا جميعًا في عَمَلِ أحَدِهما، كأنَّهما اجْتَمَعا في دِمَشْقَ، فإنَّ قاضِيَ دِمَشْقَ لا يَعْمَلُ بما يُخْبِرُه به قاضي مِصْرَ؛ لأنَّه يُخْبِرُه في غيرِ عَمَلِه، وهل يَعْمَلُ قاضي مِصْرَ بما أخْبَرَه به قاضي دِمَشْقَ إذا رَجَع إلى مِصْرَ؟ فيه وَجْهان، بِناءً على القاضي، هل له أن يَحْكُمَ بعِلْمِه؟ على رِوايَتَين؛ لأنَّ قاضىَ دِمَشْقَ أخْبَرَه به في عملِه.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا كقولِ القاضي ههُنا.
وَإِنِ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ غَيرِ بَرْزَةٍ، لَمْ يُحْضِرْهَا، وَأَمَرَهَا بِالتَّوْكِيلِ، وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيهَا اليَمِينُ، أَرْسَلَ إِلَيهَا مَنْ يُحْلِفُهَا.
4869 - مسألة: (فإنِ ادَّعَى على امرأةٍ غيرِ بَرْزَةٍ، لم يُحْضِرْها، وأمَرَها بالتَّوْكِيلِ، فإن وجَبَتْ عليها اليمينُ، أرْسَلَ إليها مَن يُحْلِفُها)
إذا كان المُدَّعَى عليه امرأةً؛ فإن كانت بَرْزَةً، وهي التي [تَبْرُزُ لقضاءِ حوائِجِها، فحُكْمُها حكمُ الرجلِ.
وإن كانت مُخَدَّرَةً وهي التي لا] 1 تَبْرُزُ لقَضاءِ حَوائِجِها، أُمِرَتْ بالتَّوْكِيلِ، فإن تَوَجَّهَتِ اليمينُ عليها، بَعَث الحاكمُ أمِينًا معه شاهِدان، فيَسْتَحْلِفُها بحَضْرَتِهما، فإن أقَرَّتْ،
..................................
شَهِدَا 1 عليها.
وذَكَر القاضي أنَّ الحاكمَ يَبْعَثُ مَن يَقْضِي بينَها وبينَ خَصْمِها في دارِها.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَاغْدُ يَا أُنَيسُ إلَى امْرَأةِ هذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» 2. فبَعَثَ إليها ولم يَسْتَدْعِها.
وإذا حَضَرُوا عندَها، كان بينَهم وبينَها سِتْرٌ تَتَكَلَّمُ مِن وَرائِه، فإنِ اعْتَرَفَتْ للمدَّعِي أنَّها خَصْمُه، حَكَم بينَهما، وإن أنْكَرَتْ ذلك، جِيءَ بشاهِدَين مِن ذوي رَحِمِها، يَشْهَدان أنَّها المُدَّعَى عليها، ثمَّ يُحْكَمُ بينَهما، فإن لم تكنْ بَيِّنَةٌ، الْتَحَفَتْ بجِلْبابِها، وأُخْرِجَتْ مِن وراءِ السِّتْرِ لموضعِ الحاجةِ.
وما ذَكَرْناه أوْلَى، إن شاء اللهُ؛ لأنَّه أسْتَرُ لها، وإذا كانت خَفِرَةً، مَنَعَها الحَياءُ مِن النُّطْقِ بحُجَّتِها، والتَّعْبِيرِ عن نَفْسِها، سِيَّما مع جَهْلِها بالحُجَّةِ، وقِلَّةِ مَعْرِفَتِها بالشَّرْعِ وحُجَجِه.
وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ عَنِ البَلَدِ فِي مَوْضِعٍ لَا حَاكِمَ فِيهِ، كَتَبَ إِلَى ثِقَاتٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَتَوَسَّطُوا بَينَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوا، قِيلَ لِلْخَصْمِ: حَقِّقْ مَا تَدَّعِيهِ.
ثُمَّ يُحْضِرُهُ وَإِنْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ.
4870 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى على غائِبٍ عن البَلَدِ في مَوْضِعٍ لا حاكِمَ فيه، كَتَب إلى ثِقاتٍ مِن أهلِ ذلك البَلَدِ، ليَتَوَسَّطُوا بينَهما، فإن لم يَقْبَلُوا، قيل للخَصْمِ: حَقِّقْ ما تَدَّعِيه.
ثم يُحْضِرُه وإن بَعُدَتِ المَسافَةُ)
إذا اسْتَعْدَى على غائبٍ وكان الغائبُ في غيرِ ولايةِ القاضي، لم يكنْ له أنْ يُعْدَى عليه.
فإن كان في ولايَتِه، وله في بَلَدِه خَلِيفَةٌ، فإن كانت له بينةٌ، ثَبَتَ له 1 الحَقُّ عندَه، وكَتَب به (1) إلى خَلِيفَتِه، ولم يُحْضِرْه، وإن لم تَكنْ له (1) بَيِّنَةٌ حاضِرَةٌ، نَفَّذَه إلى خَصْمِه ليُحاكِمَه عندَ خليفتِه،
..................................
وإن لم يكنْ له فيه خليفةٌ، وكان فيه مَن يَصْلُحُ للقضاءِ، [أذِنَ له في الحُكْمِ بينَهما، وإن لم يكنْ له فيه مَن يَصْلُحُ للقضاءِ] 1، قيل له: حَرِّرْ دَعْواكَ.
لأنَّه يجوزُ أن يكونَ ما يَدَّعِيه ليس بحَقٍّ عندَه، كالشُّفْعَةِ للجارِ، وقيمةِ الكلبِ، أو خَمْرِ الذِّمِّيِّ، فلا يُكَلَّفُ الحُضُورَ لِما لا يُقْضَى عليه به، مع المَشقَّةِ فيه، بخِلافِ الحاضرِ، فإنَّه لا مَشَقَّةَ في حُضُورِه، فإذا تَحَرَّرَتْ، بَعَث فأحْضَرَ خَصْمَه، بَعُدَتِ المسافةُ أو قَرُبَتْ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو يُوسُفَ: إن كان يُمْكِنُه أن يَحْضُرَ ويَعُودَ فيَأْويَ إلى مَوْضِعِه، أحْضَرَه، وإلَّا لم يُحْضِرْه، ويُوَجِّهُ مَن يَحْكُمُ بينَهما.
وقيل: إن كانتِ المسافةُ دُونَ مَسافةِ القَصْرِ، أحْضَرَه، وإلَّا فلا.
ولَنا، أنَّه لابُدَّ مِن فَصْلِ الخُصُومةِ بينَ المُتخاصِمَين، فإذا لم تُمْكِنْ إلَّا بمَشَقَّةٍ، فَعَل ذلك، كما لو امْتَنَعَ مِن الحُضُورِ، فإنَّه يُؤَدَّبُ، ولأنَّ إلْحاقَ المَشقَّةِ به أَوْلَى [مِن إلْحاقِها] 2 بمَن يُنْفِذُه الحاكمُ ليَحْكُمَ بينَهما.
وإن
..................................
كانتِ امْرأةً بَرْزَةً 1، لم يُشْتَرَطْ في سفرِها 2 هذا مَحْرَمٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِيٍّ، [وحَقُّ الآدَمِيِّ] 3 مَبْنِيٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ.
بَابُ طَرِيقِ الحُكْمِ وَصِفَتِهِ
إِذَا جَلَسَ إِلَيهِ خَصْمَانِ، فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: مَنِ المُدَّعِي مِنْكُمَا؟ وَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِئَا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى، قَدَّمَهُ،
بابُ طريقِ الحُكْمِ وصِفَتِه
(إذا جَلَس إليه الخَصْمان، فله أن يقولَ: مَن المُدَّعِي منكما؟ وله أن يَسْكُتَ حتى يَبْتَدِئا) يُسْتَحَبُّ أن يَجْلِسَ الخَصْمانِ بينَ يَدَي الحاكمِ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى أن يَجْلِسَ الخَصْمانِ بينَ يَدَيِ الحاكمِ.
روَاه أبو داودَ 1. ورَوَى سعيدٌ بإسْنادِه، عن الشَّعْبِيِّ، قال: كان بينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وأُبَيِّ بنِ كعبٍ مُداراةٌ 2 في شيءٍ، فجَعَلا بينَهما زيدَ بنَ ثابتٍ، فأتياه في مَنْزلِه، فقال له عمرُ: أتَيناك لِتَحْكُمَ بينَنا، في
..................................
بَيتِه يُؤْتَى الحَكَمُ.
فوَسَّعَ له زيدٌ عن صَدْرِ فِراشِه، فقال: ههُنا يا أميرَ المؤمنين.
فقال له عمرُ، - رَضِيَ اللهُ عنه -: جُرْتَ في أوَّلِ القَضاءِ، ولكنْ أجْلِسُ مع خَصْمِي.
فجَلَسا بينَ يَدَيه، فادَّعَى أُبَيٌّ فأنْكَرَ عمرُ، فقال زيدٌ لأُبَيٍّ: أعْفِ أميرَ المؤمنين مِن اليمينِ.
فحَلَفَ عمرُ، ثم أقْسَمَ: لا يُدْرِكُ زيدٌ بابَ القضاءِ حتى يكونَ عمرُ ورجلٌ مِن عُرْضِ المسلمين عندَه سَواءً 1. وقال عليٌّ، - رَضِيَ اللهُ عنه، حين خاصَم اليَهُودِيَّ على دِرْعِه إلى شُرَيحٍ: لو أنَّ خَصْمِي مسلمٌ لَجَلَسْتُ معه بينَ يَدَيك 2. ولأنَّ ذلك أمْكَنُ للحاكمِ في العَدْلِ بينَهما، والإِقْبالِ عليهما، والنَّظَرِ في خُصُومَتِهما.
وَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا، قَدَّمَ أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
فَإِذَا انْقَضَتْ حُكُومَتُهُ، سَمِعَ دَعْوَى الْآخَرِ.
فصل: فإذا جَلَسا بينَ يَدَيه، فإن شاء قال: مَن المُدَّعِي منكما؟ لأنَّهما حَضَرا لذلك، وإن شاء سَكَت، ويقولُ القائمُ على رَأْسِه: مَن المُدَّعِي منكما؟ إن سَكَتا جميعًا.
ولا يقولُ الحاكمُ ولا صاحبُه لأحدِهما: تَكَلَّمْ.
لأنَّ في إفْرادِه بذلك تَفْضِيلًا له، وتَرْكًا للإِنْصافِ.
قال عَمْرُو بنُ قيسٍ: شَهِدْتُ شُرَيحًا إذا جَلَس إليه الخَصْمان، ورجلٌ قائمٌ على رَأْسِه يقولُ: أيُّكما المُدَّعِي فَلْيَتَكَلَّمْ 1؟ فإن ذَهَب الآخَرُ يَشْغَبُ، غَمَزَه 2 حتى يَفْرُغَ المُدَّعِي، ثم يقولُ: تَكَلَّمْ.
فإن بَدَأ أحدُهما فادَّعَى، فقال خَصْمُه: أنا المُدَّعِي.
لم يَلْتَفِتِ الحاكِمُ 3 إليه، وقال: أجِبْ عن دَعْواه، ثم ادَّعِ [بعدُ ما] 4 شِئْتَ.
وإنِ ادَّعَيا معًا، فقِياسُ المَذْهَبِ أن يُقْرَعَ بينَهما، وهو قياسُ قولِ الشافعيِّ؛ لأنَّ أحَدَهما ليس بأوْلَى مِن الآخَرِ، وقد تَعَذَّرَ الجَمْعُ بينَهما، فيُقْرَعُ بينَهما.
كالمَرْأتَين إذا زُفَّتا في
..................................
ليلةٍ واحدةٍ.
واسْتَحْسَنَ ابنُ المُنْذِرِ أن يَسْمَعَ منهما جميعًا.
وقِيلَ: يُرْجِئُ أمْرَهما حتى يتَبَيَّنَ مَن المُدَّعِي منهما.
وما ذَكَرْناه أَوْلَى؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ الجَمْعُ بينَ الحُكْمِ في القَضِيَّتَين معًا، وإرْجاءُ أمرِهما إضْرارٌ بهما، وفيما ذَكَرْناه دَفْعٌ للضَّررِ بحَسَبِ الإِمْكانِ، وله نظيرٌ في مَواضِعَ مِن الشَّرْعِ، فكان أَوْلَى.
ثُمَّ يَقُولُ لِلْخَصْمِ: مَا تَقُولُ فِيمَا ادَّعَاهُ؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ سُؤَالهُ حَتَّى يَقُولَ المُدَّعِي: اسْأَلْ سُؤَالهُ عَنْ ذَلِكَ.
4871 - مسألة: (ثم يقولُ للخَصْمِ: ما تَقُولُ فيما ادَّعاه؟)
لأنَّ شاهِدَ الحالِ يدُلُّ على 1 المُطالبَةِ؛ لأنَّ إحْضارَه والدَّعْوَى إنَّما يُرادُ ليَسْألَ الحاكمُ المُدَّعَى عليه، فقد أغْنَى ذلك عن سُؤالِه (ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ سُؤاله حتى يقولَ المُدَّعِي: اسْألْ سُؤَاله عن ذلك)
فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ، لَمْ يَحْكُمْ لَهُ حَتَّى يُطَالِبَهُ المُدَّعِي بِالْحُكْمِ.
لأنَّه حَقٌّ للمدَّعِي، فلا يتَصَرَّفُ فيه بغيرِ إذْنِه، كالحُكْمِ له.
4872 -
مسألة: (فإن أقَرَّ، لم يَحْكُمْ لَهُ حتَّى يُطالِبَه المُدَّعِي بالحُكْمِ)
إذا أقَرَّ المُدَّعَى عليه، لَزِمَه ما ادُّعِيَ عليه به 1، وليس للحاكمِ أن يَحْكُمَ عليه إلَّا بمَسْألةِ المُقَرِّ له؛ لأنَّ الحُكْمَ عليه حَقٌّ له، فلا يَسْتَوْفِيه إلَّا بمَسْألةٍ مُسْتَحَقَّةٍ.
هكذا ذَكَره أصْحابُنا.
قال شيخُنا 2: ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ له الحكمُ قبلَ مَسْألةِ المُدَّعِي؛ لأنَّ الحال تَدُلُّ على إرادَتِه ذلك، فاكْتُفِيَ بها، كما اكْتُفِيَ بها (1) في مسْألةِ المُدَّعَى عليه الجوابَ، ولأنَّ كثيرًا مِن الناسِ لا يَعْرِفُ مطالبَةَ الحاكمِ بذلك، فيَتْرُكُ مُطالبَتَه به لجَهْلِه، فيَضِيعُ حَقُّه.
فعلى هذا، يجوزُ له الحكمُ 3 قبلَ
وَإِنْ أَنْكَرَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ المُدَّعِي: أَقْرَضْتُهُ أَلْفًا.
أَوْ: بِعْتُهُ.
فَيَقُولَ: مَا أَقْرَضَنِي وَلَا بَاعَنِي.
أَوْ: مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ،
مسْألَتِه.
وعلى القولِ الأوَّلِ، إن سأله الخَصْمُ الحُكْمَ، حَكَم له على المُقِرِّ.
والحُكْمُ أن يقولَ: قد ألْزَمْتُك ذلك.
أو: قَضَيتُ عليك له.
أو يقولَ: اخْرُجْ إليه منه.
فمتى قال له أحدَ هذه الثَّلاثةِ، كان حُكْمًا بالحَقِّ.
4873 -
مسألة: (وإن أنْكَرَ، مثلَ أن يَقُولَ المُدَّعِي: أقْرَضْتُه ألْفًا. أو: بِعْتُه. فيَقُولَ: مَا أقْرَضَنِي ولا باعَنِي. أو: ما يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ
وَلَا شَيئًا مِنْهُ.
أَوْ: لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ.
صَحَّ الجَوَابُ.
ما ادَّعاه، ولا شَيئًا منه.
أو: لا حَقَّ له عَلَيَّ.
صَحَّ الجَوابُ).
وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ: لِي بَيِّنَةٌ.
فَإِنْ لَمْ يَقُلْ، قَال الْحَاكِمُ: أَلَكَ
4874 - مسألة: (وللمُدَّعِي أن يقولَ: لي بَيِّنَةٌ)
وهذا مَوْضِعُ
بَيِّنَةٌ؟ فَإِنْ قَال: لِي بَيِّنَةٌ.
أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا.
البينةِ (فإن لم يَقُلْ، قال الحاكمُ: ألكَ بينَةٌ؟) لِما رُوِيَ أنَّ رَجُلَين اخْتَصما إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ حَضْرَمِيٌّ وكِنْدِيٌّ، فقال الحَضْرَمِيُّ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذا غَلَبَنِي على أرضٍ لي.
فقال الكِنْدِيُّ: هي أرْضِي، وفي يَدِي، وليس له فيها حَقٌّ.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للحَضْرَمِيِّ: «ألَكَ بَيِّنَةٌ؟».
قال: لا.
قال: «فَلَكَ يَمِينُهُ» 1. وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وإن كان المُدَّعِي عارِفًا بأنَّه مَوْضِعُ البيِّنةِ، فالحاكمُ مُخَيَّرٌ بينَ أن يقولَ: ألك بَينةٌ؟ وبينَ أن يَسْكُتَ (فإذا قال: لي بَيِّنَةٌ) حاضِرَةٌ.
(أمَرَه بإحْضارِها) ذَكَرَه شيخُنا في الكتابِ المَشْرُوحِ.
وذَكَر في كتابِ «المُغْنِي» 2 أنَّ المُدَّعِيَ
فَإِنْ أَحْضَرَهَا، سَمِعَهَا الحَاكِمُ، وَحَكَمَ بِهَا إِذَا سَأَلَهُ المُدَّعِي.
إذا قال: لي بينةٌ.
لم يَقُلْ له الحاكمُ: أحْضِرْها.
لأنَّ ذلك حَقٌّ له، فله أنْ يَفْعَلَ ما يَرَى.
فإذا أحْضَرَها لم يَسْألْها الحاكمُ عمّا عندَها حتى يَسْألَه المُدَّعِي ذلك؛ لأنَّه حَقٌّ له، فلا يتَصَرَّفُ فيه مِن غيرِ إذْنِه، فإذا سألَه المُدَّعِي سُؤَالها، قال: مَن كانت عندَه شَهادةٌ فَلْيَذْكُرْ، إنْ شاء.
ولا يقولُ لهما: اشْهَدا.
لأنَّه أمْرٌ.
وكان شُرَيحٌ يقولُ للشّاهِدَين: ما أنا دَعَوْتُكما، ولا أنْها كُما أنْ تَرْجِعا، وما يَقْضِي على هذا المسلمِ غيرُكما، وإنِّي بكما أقْضِي اليومَ، وبكما أتَّقِي يومَ القيامةِ (1).
4875 -
مسألة: فإذَا سَمِع الحاكِمُ الشَّهادَةَ، وكانت صَحِيحَةً (حَكَم بها إذا سَألَه المُدَّعِي)
فيقولُ للمُدَّعَى عليه: قد شَهِدا عليك، فإن كان عندَك ما يَقْدَحُ في شَهادَتِهما فبَيِّنْه عندِي.
فإنْ لم يَظْهَرْ1
.................................. ما يَقْدَحُ فيهما، حَكَم عليه إذا سألَ الحاكمَ؛ لأنَّ الحُكْمَ بالبينةِ حَقٌّ له، فلا يَسْتَوْفِيه إلَّا بمَسْألةٍ مُسْتَحَقَّةٍ.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ فِي مَجْلِسِهِ، إِذَا سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ أَحَدٌ، أَوْ سَمِعَهُ معه شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَلَهُ الْحُكْمُ بِهِ، نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال القَاضِي: لَا يَحْكُمُ بِهِ.
4876 - مسألة: (ولا خلافَ في أنَّه يَجُوزُ له الحُكْمُ بالإِقْرارِ والبينةِ في مَجْلِسِه، إذا سَمِعَه معه شاهِدانِ، فإن لم يَسْمَعْه معه أحَدٌ، أو سَمِعَه معه شاهِدٌ واحِدٌ، فله الحُكْمُ. نَصَّ عليه)
لأنَّ الإِقْرارَ أحَدُ البَيِّنَتَين، فجاز الحكمُ به في مجْلِسِه، كالشَّهادَةِ (وقال القاضي: لا يَحْكُمُ به) حتى يَسْمَعَه معه شاهِدان؛ لأنَّه إذا لم يَسْمَعْه
وَلَيسَ لَهُ الحُكْمُ بِعِلْمِهِ، مِمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الأَصْحَابِ.
وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي حَدٍّ أَوْ غَيرِهِ.
معه أحَدٌ، كان حُكْمًا بعِلْمِه.
4877 -
مسألة: (وليس له الحُكْمُ بعِلْمِه فيما رَآه أو سَمِعَه)
في غيرِ مَجْلِسِه (نَصَّ عليه.
وهو اخْتِيارُ الأصْحابِ.
وعَنْهُ مَا يَدُلُّ على جوازِ ذلك، سواءٌ كان في حَدٍّ أوْ غَيرِه) ظاهِرُ المذهبِ أَنَّ الحاكمَ لا يَحْكُمُ بعِلْمِه في حَدٍّ ولا غيرِه، وسواءٌ في ذلك ما عَلِمَه قبلَ الولايَةِ أو بعدَها.
هذا قولُ شُرَيحٍ، والشَّعْبِيِّ، ومالكٍ، [وإسْحاقَ] 1، وأبي عُبَيدٍ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، يجوزُ له ذلك.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، وأبي ثَوْرٍ، والقولُ الثاني للشافعيِّ، واخْتِيارُ المُزَنِيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا قالتْ له هندٌ: إنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، لا يُعْطِينِي مِن النَّفَقةِ ما يَكْفِيني ووَلَدِي.
قال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» 2. فحَكَم لها مِن غيرِ بينةٍ ولا إقْرارٍ،
..................................
لعلمِه بصِدْقِها.
ورَوَى ابنُ عبدِ البَرِّ 1، في «كتابِه» أنَّ عُرْوَةَ ومُجاهِدًا رَوَيا، أنَّ رجلًا مِن بني مَخْزُومٍ اسْتَعْدَى عمرَ بنَ الخَطَّابِ على أبي سُفْيانَ بنِ حَرْبٍ، أنَّه ظَلَمَه حَدًّا في موضِعِ كذا وكذا.
فقال عمرُ: إنِّي لأعْلَمُ الناسِ بذلك، ورُبَّما لَعِبْتُ أنا 2 وأنتَ فيه، ونحنُ غِلمانٌ، فائْتِنِي بأبي سُفْيانَ.
فأتاه به، فقال عمرُ: يا أبا سُفْيانَ، انْهَضْ بنا إلى موضعِ كذا وكذا.
فنَهَضُوا، ونَظَر عُمَرُ، فقال: يا أبا سُفْيانَ، خُذْ هذا الحَجَرَ مِن ههُنا فَضَعْه ههُنا.
فقال: واللهِ لا أفْعَلُ.
فقال: واللهِ لتَفْعَلَنَّ.
فقال: واللهِ لا أفْعَلُ.
فَعَلاه بالدِّرَّةِ، وقال: خُذْه لا أُمَّ لك، فضَعْه ههُنا، فإنَّك ما عَلِمْتُ قَدِيمُ الظُّلْمِ.
فأخَذَ أبو سُفْيانَ الحَجَرَ، ووَضَعَه حيثُ قال عمرُ، ثم إنَّ عُمَرَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فقال: اللهمَّ لك الحَمْدُ حيثُ لم تُمِتْنِي حتى غَلَبْتُ أبا سفيانَ على رَأْيه، وأذْلَلْتَه لي بالإِسْلامِ.
قال 3: فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ أبو سُفْيانَ، وقال: اللَّهُم لك الحمدُ، إذ 4 لم تُمِتْنِي حتى جَعَلْتَ
..................................
في قلبِي مِن الإِسْلامِ ما أذِلُّ بِه لعُمَرَ.
قال: فحَكَمَ بعلمِه.
ولأنَّ الحاكمَ يَحْكُمُ بالشّاهِدَين؛ لأنَّهما يَغْلِبان على الظَّنِّ، فما تَحَقَّقَه وقَطَع به كان أَوْلَى، ولأنَّه يَحْكُمُ بعِلْمِه 1 في تَعْديلِ الشُّهودِ وجَرْحِهم، فكذلك في ثُبُوتِ الحَقِّ، قياسًا عليه.
وقال أبو حنيفةَ: ما كان مِن حُقوقِ اللهِ تعالى، لا يَحْكُمُ فيه بعِلْمِه؛ لأنَّ حُقوقَ اللهِ تعالى مَبْنِيَّةٌ على المُساهَلَةِ والمُسامَحَةِ، وأمَّا حُقوقُ الآدَمِيِّين فما عَلِمَه قبلَ ولايَتِه، [لم يَحْكُمْ به، وما عَلِمه في ولايتِه، حَكَم به؛ لأنَّ ما عَلِمَه قَبْلَ ولايتِه بمنْزِلَةِ ما سَمِعه مِن الشُّهودِ قَبْلَ ولايتِه] 2، وما عَلِمَه في ولايتِه بمنزلةِ ما سَمِعَه مِن الشُّهودِ في ولايتِه.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا أنَا بَشَرٌ، وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِه مِن بعضٍ، فَأقْضِيَ لَهُ عَلَى 3 نَحْو مَا أسْمَعُ مِنْهُ» 4. فدَلَّ على أنَّه إنَّما يَقْضِي بما يَسْمَعُ، لا بما يَعْلَمُ.
وقال
..................................
النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، في قَضِيَّةِ 1 الحَضْرَمِيِّ والكِنْدِيِّ: «شَاهِدَاك أوْ يَمينُهُ، لَيسَ لَكَ مِنْه إلَّا ذاك» 2. ورُوِيَ عن عمرَ، - رَضِيَ اللهُ عنه-، أنَّه تَداعَى عندَه رجُلانِ، فقال له أحَدُهما: أنتَ شاهِدِي.
فقال: إنْ شِئْتما شَهِدْتُ ولم أحْكُمْ، أو أحْكُمُ ولا أشْهَدُ 3. وذَكَر ابنُ عبدِ البَرِّ 4، عن عائشةَ، - رَضِيَ اللهُ عنها-، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَث أبا جَهْمٍ على الصَّدَقَةِ، فَلَاحَاه رجلٌ في فَرِيضةٍ، فوَقَعَ بينَهما شِجَاجٌ، فأتَوُا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأعْطاهم الأَرْشَ، ثم قال: «إنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ، وَمُخْبِرَهُمْ أنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُم، أرَضِيتُم؟» قالوا: نعم.
فصَعِدَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وذَكَر القِصَّةَ، وقال: «أرَضِيتُم؟» قالوا: لا.
وهَمَّ بهم المُهاجِرُون، فنَزَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فأعْطاهم، ثم صَعِد، فخَطَبَ الناسَ، فقال: «أرَضِيتُم؟» قالوا: نعم.
وهذا 5 يُبَيِّنُ أنَّه لم يَأْخُذْ بعِلْمِه.
ورُوِيَ عن أبي بكرٍ،
..................................
- رَضِيَ اللهُ عنه-، قال: لو رَأيتُ [حَدًّا على رجلٍ] 1، لم أحُدَّه 2 حتى تقومَ البَيِّنَةُ 3. ولأنَّ تَجْويزَ القضاءِ بعِلْمِه يُفْضِي إلى تُهْمَتِه والحُكْمِ بما اشْتَهَى، ويُحِيلُه على عِلْمِه.
فأمَّا حديثُ أبي سُفْيانَ، فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه فُتْيا لا حُكْمٌ، بدليلِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أفْتَى في حَقِّ (3) أبي سُفْيانَ مِن غيرِ حُضورِه، ولو كان حُكْمًا عليه لم يَحْكُمْ عليه في غَيبَتِه.
وحديثُ عمرَ الذي رَوَوْه، كان إنْكارًا لمُنْكَرٍ رَآه، لا حُكْم 4، بدليلِ أنَّه ما وُجِدَتْ منهم دَعْوَى ولا إنْكارٌ بشُرُوطِهما، ودليلُ ذلك ما رَوَيناه عنه، ثم لو كان حُكْمًا، كان مُعارَضًا بما رَوَيناه عنه.
ويُفارِقُ الحُكْمَ بالشَّهادةِ؛ فإنَّه لا يُفْضِي إلى تُهْمَةٍ، بخلافِ مسألتِنا.
وأمَّا الجَرْحُ والتَّعْديلُ، فإنَّه يَحْكُمُ فيه بعِلْمِه، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه لو لم يَحْكُمْ فيه 5 بعِلْمِه، لتَسَلْسَلَ، فإنَّ المُزَكِّيَين يَحْتاجُ إلى مَعْرفَةِ عَدالتِهما وجَرْحِهما، فإذا لم يَعْمَلْ بعِلْمِه، احْتاجَ كلُّ واحدٍ منهما إلى مُزَكِّيَين، ثم كلُّ واحدٍ منهما يَحْتاجُ إلى مُزكِّيَين، فيَتَسَلْسَلُ، وما نَحْنُ فيه بخلافِه.
وَإِنْ قَال المُدَّعِي: مَا لِي بَيِّنَةٌ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، فَيُعْلِمُهُ أَنَّ لَهُ اليَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ، وإِنْ سَأَلَ إِحْلَافَهُ، أَحْلَفَهُ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
4878 - مسألة: (وإن قال المُدَّعِي: ما لي بَيِّنَةٌ. فالقولُ قولُ المُنْكِرِ مع يمينِه، فيُعْلِمُه أنَّ له اليمينَ على خَصْمِه، فإن سأله إحْلافَه، أحْلَفَه)
لأنَّ الحَقَّ له، فإذا أحْلَفَه خَلَّى سَبِيلَه.
وليس له اسْتِحْلافُه قبلَ مسألةِ المُدَّعِي؛ لأنَّ اليمينَ حقٌّ له، فلم يَجُزِ اسْتِيفاؤُها قبلَ مُطالبَةِ مُسْتَحِقِّها، كنفسِ الحقِّ، وسَقَطَتِ الدَّعْوى؛ لِما رَوَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ رجلًا مِن حَضْرَ مَوْتَ، ورجلًا مِن كِنْدَةَ، أتَيا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال الحَضْرَمِيُّ: إنَّ هذا غَلَبَنِي على أرْضٍ لي، وَرِثْتُها مِن أبي.
وقال الكِنْدِيُّ: أرْضِى، وفي يَدِي، لا حقَّ له فيها.
فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «شَاهِدَاكَ أوْ يمينُه».
قال: إنَّه لا يَتَوَرَّعُ مِن شيءٍ.
قال: «لَيسَ لَكَ إلَّا ذلك».
رَواه
.................................. مسلمٌ بمعناه 1.
وَإِنْ أَحْلَفَهُ، أَوْ حَلَفَ هُوَ مِنْ غَيرِ سُؤَالِ المُدَّعِي، لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ.
4879 - مسألة: (وإن أحْلَفَه، أو حَلَف مِن غيرِ سُؤَالِ المُدَّعِي، لم يُعْتَدَّ بيمينِه)
لأنَّه أتَى بها في غيرِ وَقْتِها.
فإن سألها المُدَّعِي، أعادها له؛ لأنَّ الأُولَى لم تكنْ يمينَه.
وإن أمْسَكَ المُدَّعِي 1 عن إحْلافِ خَصْمِه المُدَّعَى عليه، ثم أراد إحْلافَه بالدَّعْوَى المُتقدِّمةِ، جاز؛ لأنَّه لم يُسْقِطْ حقَّه منها، وإنَّما أخَّرَها.
وإن قال: أبْرَأْتُكَ مِن هذه اليمينِ.
سَقَط حقُّه
وَإِنْ نَكَلَ، قَضَى عَلَيهِ بِالنُّكُولِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا.
فَيَقُولُ لَهُ: إِنْ حَلَفْتَ، وَإِلَّا قَضَيتُ عَلَيكَ.
ثَلَاثًا، فَإِنْ
منها في هذه الدَّعْوَى، وله أن يَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى؛ لأنَّ حقَّه لا يَسْقُطُ بالإِبْراءِ مِن اليمينِ.
فإنِ اسْتَأْنفَ الدَّعْوَى، وأنْكَرَ المُدَّعَى عليه، فله أن يُحْلِفَه؛ لأنَّ هذه الدَّعْوَى غيرُ الدَّعْوَى التي أبْرأه فيها (1) مِن اليمين، فإن حَلَف سَقَطَتِ الدَّعْوَى، ولم يكنْ للمُدَّعِي أنْ يُحْلِفَه يمينًا أُخْرَى، لا في هذا المجلسِ ولا في غيرِه.
4880 -
مسألة: (وإن نَكَل، قَضَى عليه بالنُّكُولِ. نصَّ عليه. واخْتارَه عامَّةُ شُيوخِنا. فيقولُ له: إنْ حَلَفْتَ، وإلَّا قَضَيتُ عليك.
1
لَمْ يَحْلِفْ، قَضَى عَلَيهِ إِذَا سَأَلَ المُدَّعِي ذَلِكَ.
ثلاثًا، فإن لم يَحْلِفْ، قَضَى عليه إذا سألَ المُدَّعِي ذلك) لِما روَى أحمدُ 1، أنَّ ابنَ عمرَ باع زيدَ بنَ ثابتٍ عبدًا، فادَّعَى عليه زيدٌ أنَّه باعَه إيَّاه عالِمًا بعَيبِه، فأنْكَرَه ابنُ عمرَ، فتَحاكَما إلى عثمانَ، -رَضِيَ اللهُ عنه-، فقال عُثْمانُ: احْلِفْ بأنَّك ما عَلِمْتَ به عَيبًا.
فأبَي ابنُ عُمَرَ أن يَحْلِفَ،
..................................
فرَدَّ عليه العبدَ.
ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى
..................................
عَلَيهِ» 1. فحَصَرَها في جَنَبَتِه، فلم تُشْرَعْ لغيرِه.
وهذا مذهبُ أبي
وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، تُرَدُّ اليَمِينُ عَلَى المُدَّعِي.
وَقَال: قَدْ صَوَّبَهُ أَحْمَدُ، وَقَال: مَا هُوَ بِبَعِيدٍ، يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ.
فَيُقَالُ لِلنَّاكِلِ: لَكَ رَدُّ اليَمِينِ عَلَى المُدَّعِي.
فَإِنْ رَدَّهَا، حَلَفَ المُدَّعِي، وَحَكَمَ لَهُ.
حنيفةَ.
واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه لا يَحْكُمُ بالنُّكُولِ، ولكنْ يَرُدُّ اليمينَ على خَصْمِه (وقال: قد صَوَّبَه أحمدُ، وقال: ما هو ببعيدٍ، يَحْلِفُ) ويَسْتَحِقُّ.
فيقولُ الحاكِمُ لخَصْمِه: (لك رَدُّ اليَمينِ على المُدَّعِي.
فإن رَدَّها، حَلَف المُدَّعِي، وحكَمَ له) لِما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ اليمينَ على صاحِب الحقِّ.
رَواه الدَّارَقُطْنِيُّ 1. ورُوِيَ أنَّ المِقْدادَ اقْتَرَض مِن عثمانَ مالًا، فقال عثمانُ: هو سبْعَةُ آلافٍ.
وقال المقدادُ: هو أرْبَعةُ آلافٍ.
فقال المقْدادُ لعثمانَ: احْلِفْ أنَّه سَبْعَةُ آلافٍ.
فقال 2
وَإِنْ نَكَلَ أَيضًا صَرَفَهُمَا، فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا فَبَذَلَ الْيَمِينَ، لَمْ يَسْمَعْهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، حَتَّى يَحْتَكِمَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ.
عمرُ: أنْصَفَك (1). فإن حَلَف، حَكَم له.
4881 -
مسألة: (وإن نَكَل أيضًا صَرَفَهما)
إذا نَكَل المُدَّعِي، سُئِل عن سببِ نُكُولِه؛ لأنَّه لا يَجِبُ بنُكُولِه لغيرِه حقٌّ، بخِلافِ المُدَّعَى عليه، فإن قال: امْتَنَعْتُ لأنَّ لي بَيِّنَةً أُقِيمُها -أو- حِسابًا أنْظُرُ فيه.
فهو على حقِّه مِن اليمينِ، ولا يُضَيَّقُ عليه في اليمينِ؛ لأنَّه لا يتَأخَّرُ بتَرْكِه إلَّا حقُّه، بخلافِ المُدَّعَى عليه.
وإن قال: لا أُريدُ أن أحْلِفَ.
فهو ناكِلٌ (فإن عاد أحدُهما فبذَلَ اليمينَ، لم يَسْمَعْها في ذلك المجلسِ) لأنَّه أسْقَطَ حقَّه منها (حتى يَحْتَكِما في مجلسٍ آخَرَ) فإذا اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى، أُعِيدَ1
.................................. الحكمُ بينَهما، كالأوَّلِ.