..................................
«خَمسٌ مِن الدَّوابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ؛ الغُرابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ويُقْتَلُ كلُّ واحِدٍ مِن هذَيْن وإنْ كان مُعَلَّمًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْنِ.
وعلى قِياسِ الكَلْب العَقُورِ كُلُّ ما آذَى النّاسَ وضَرَّهُم في أَنْفُسِهم وأَمْوَالِهم يُباحُ قَتْلُه، ولأنَّه يُؤْذِى بلا نَفْع، أشْبَهَ الذِّئبَ.
وما لا مَضَرَّةَ فيه لا يُباحُ قَتْلُه؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ.
ورُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه أَمرَ بقَتْلِ الكِلابِ، ثم نَهَى عن قَتْلِها، وقال: «عَلَيْكُم بالأَسْوَدِ البَهِيمِ ذى النُّقْطَتَيْن، فإنّه شَيْطَانٌ».
رَواه مسلمٌ 2.
فصل: ويَحْرُمُ اقْتِناءُ الكِلاب، إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ والماشِيَةِ والحَرْثِ؛ لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ ماشِيَةٍ أو صَيْدٍ أو زَرْعٍ، نَقَصَ مِن أجْرِه كُلَّ يَوْمٍ قِيراطٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. وإنِ اقْتَنَاه لحِفْظِ البُيوتِ، لم يَجُزْ؛ للخَبَرِ.
ويَحْتَمِلُ الإِباحَةَ.
وهو قَوْلُ بَعْضِ أَصْحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه في مَعْنَى الثَّلاثَةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ، لأنَّ قِياسَ غيرِ الثّلَاثةِ عليها يُبِيحُ ما تَناوَلَ أوَّلُ الخَبَرِ
..................................
تَحْرِيمَه.
قال القاضى: وليس هو في مَعْناها، فقد يَحْتَالُ اللِّصُّ بإِخْراجه بشئٍ يُطْعِمُه إيَّاهُ ليَسْرِقَ المتاعَ أمّا الذِّئْبُ فلا يَحْتَمِلُ هذا في حَقِّه، ولأَنَّ اقْتِناءَه في البُيُوتِ يُؤْذِى المارَّةَ، بخِلافِ الصَّحْراءِ.
فصل: وِيَجُوزُ تَرْبِيَةُ الجَرْوِ الصَّغِيرِ لأحَدِ الثَّلَاثَةِ، في أَقْوَى الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه قَصَدَه لذلك، فَيَأْخُذُ حُكْمَه، كما جازَ بِيْعُ الجَحْشِ الصَّغِيرِ الذى لا نَفْعَ فيه في الحالِ؛ لمآلِه إلى الانْتِفاعِ.
ولأَنَّه لو لم يُتَّخَذِ الصَّغِيرُ ما أمْكَنَ جَعْلُ الكَلْبِ للصَّيْدِ، إذْ لا يَصِيرُ مُعَلَّمًا إلَّا بالتَّعَلُّمِ، ولا يُمْكِنُ تَعَلُّمُه إلَّا بتَرْبِيَتِه واقْتِنائِه مُدَّةً يُعَلِّمُه فيها، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ 1. ولا يُوجَدُ كَلْبٌ مُعَلَّمٌ بغَيْرِ تَعْلِيمٍ.
والثانِى: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه ليسَ مِن الثَّلاثَةِ.
فصل: ومَن اقْتَنَى كَلْبَ صَيْدٍ، ثم تَرَكَ الصَّيْدَ مُدّةً، وهو يريدُ العَوْدَ إليه، لم يَحْرُمِ اقْتِناؤُه في مُدَّةِ تَرْكِه؛ لأنَّ ذلك لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
وكذلك لو حَصَدَ صاحِبُ الزَّرْعِ زَرْعَه، أُبِيحَ اقْتِناؤُه حتى يزرَعَ زَرْعًا آخرَ.
وكذلك لو هَلَكَتْ ماشِيَتُه، أو باعَها، وهو يُرِيدُ شِراءَ غيرِها، فله إمساكُ كَلْبِها؛ ليَنْتَفِعَ به في التى يَشْتَرِيها.
فإنِ اقْتَنَى كَلْبَ الصَّيْدِ مَن لا يَصِيدُ به، احْتَمَلَ الجَوازَ؛ لاسْتِثْنائِه في الخَبَر مُطْلَقًا.
واحْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأَنَّه اقتَنَاهُ لغيرِ 2 حاجَةٍ، أَشبَهَ غَيْرَه مِن الكِلابِ.
ومَعْنَى كَلْبِ
وَلَا السِّرْجِينِ النَّجِسِ،
الصَّيْدِ: أىُّ كَلْبٍ يَصِيدُ به.
وهكذا الاحْتِمالَانِ في مَن اقْتَنَى كَلْبًا ليَحْفَظَ.
له حَرْثًا، أو ماشِيَةً إن حَصَلَت، أو يَصِيدَ به إنِ احْتَاجَ إلى الصَّيْدِ، وليس له (1) في الحالِ حَرْثٌ ولا ماشِيَةٌ، ويحْتَمِلُ الجوازَ؛ لقَصْدِه ذلك، كما لو حَصَد الزَّرْعَ، وأَرادَ زرْعَ غَيْرِه.
1556 -
مسألة: (ولا)
يَجُوزُ بيعُ (السِّرْجِينِ 2 النَّجِسِ) وبهذا قال مالكٌ، والشّافِعِىُّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ؛ لأنَّ أهْلَ الأمْصارِ يَبْتاعُونَه لزَرْعِهِم مِن غيرِ نَكيرٍ، فكانَ إجْماعًا.
ولَنا، أنّه مُجْمَع على نَجاسَتِه، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالمَيْتَةِ.
وما ذكَرُوه ليس بإجْماعٍ؛ لأنَّ الإِجْماعَ اتِّفَاقُ أهلِ العِلْمِ، ولم يُوجَدْ، ولأنَّه رَجِيعٌ نَجِسٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كرَجِيعَ الآدَمِىِّ.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ الحُرِّ، ولا ما ليس بمَمْلُوكٍ، كالمُباحَاتِ قبلَ1
وَلَا الأَدْهَانِ النَّجِسَةِ.
حِيازَتها ومِلْكِها.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، وقد رَوَى البُخَارِىُّ (1) بإسْنادِه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «قال اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ثَلاثَةٌ أنا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ؛ رَجُلٌ أعْطَى بى ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ باعَ حُرًّا وأَكَلَ ثَمَنَه، ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا فاسْتَوْفَى مِنْهُ ولم يُوَفِّهِ أَجْرَهُ».
1557 -
مسألة: (ولا)
يجوزُ بيعُ (الأدْهانِ النَّجِسَةِ) في ظاهرِ كلام أحمدَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه؛ لأنَّ أَكْلَه حَرَامٌ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئلَ عن الفَأْرَةِ تموتُ في السَّمْنِ، فقال: «إن كان مائِعًا فلا1
وَعَنْهُ، يَجُوزُ بَيْعُهَا لِكَافِرٍ يَعْلَمُ نَجَاسَتَهَا.
تَقْرَبُوه».
مِن المُسْنَدِ 1. وإذا كان حَرامًا لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ إذا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَه» 2. ولأنَّه نَجِسٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، قِياسًا على شَحْمِ المَيْتَة.
(وعنه، يَجُوزُ بَيْعُها 3 لكافِرٍ يَعْلَمُ نَجاسَتَها) لأنَّه يَعْتَقِدُ حِلَّها، ويَسْتَبِيحُ أَكْلَها، ولأنَّه قد رُوِى عن أبى مُوسَى: لُتُّوا به السَّوِيقَ وبِيعُوه، ولا تَبِيعُوه مِن مسلم، وبَيِّنُوه.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَعَنَ اللَّه اليَهُودَ،
..................................
حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فجَمَلُوهَا 1، فبَاعُوهَا، وأَكَلُوا ثمنَها، إنَّ اللَّهَ إذا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَه».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولأنَّه لا يَجُوزُ بَيْعُها مِن مُسْلِمٍ، فلا يَجُوزُ بَيْعُها لكافِرٍ، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فإنَّهم يَعْتَقِدُونَ حِلَّه، ولا يَجُوزُ بَيْعُه لهم، ولأنَّه دُهْنٌ نَجِسٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُه لكافِرٍ، كشحومِ الميْتَةِ.
قال شيخُنا: ويَجُوزُ أنْ يُدْفَعَ إلى الكافِرِ في فِكاكِ مُسْلِمٍ، ويُعْلَمُ الكافِرُ بنَجَاسَتِه؛ لأنَّه ليس بِبَيْعٍ في الحَقِيقَةِ، إنّما هو اسْتِنْقاذُ المُسْلِمِ به.
وَفِى جَوَازِ الاسْتِصْبَاحِ بِهَا رِوَايَتَانِ.
وَيُخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ جَوازُ بَيْعِهَا.
1558 - مسألة: (وفى جَوازِ الاسْتِصْباحِ بها رِوايَتانِ. ويُخَرَّجُ على ذلك جَوازُ بَيْعِها)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في الاسْتِصْبَاحِ بالزَّيْتِ النَّجِسِ؛ فرُوىَ عنه، أنّه لا يَجُوزُ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في السَّمْنِ الذى ماتَتْ فيه الفَأْرَةُ: «وإنْ كان مائِعًا فلا تَقْرَبُوه» 1. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِلَ عن شُحُومِ الميْتَةِ تُطْلَى بها السُّفُنُ، وتُدْهَنُ بها الجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها الناسُ، فقال: «لا، هو حَرَامٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وهذا في مَعْناه.
وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ.
وعنه، إباحَتُه؛ لأنَّ ذلك يُرْوَى عن ابنِ عمرَ.
وهو قَوْلُ
..................................
الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه أمْكَنَ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ ضَرَرٍ، فجازَ، كالطاهِرِ.
وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ.
فعلى هذا، يُسْتَصْبَحُ به على وَجْهٍ لا تَتَعَدَّى نَجاسَتُه، إمّا أن يُجْعَلَ في إبْرِيق ويُصَبَّ منه في المِصْباحِ ولا يُمَسَّ، وإمّا أن يَدَعَ على رَأْسِ الجَرَّةِ التى فيها الزَّيْتُ سِراجًا مَثْقُوبًا، ويُطْبِقَه على رَأْسِ إناءِ الزَّيْتِ، وكُلَّما نَقَصَ زَيْتُ السِّراجِ صَبَّ فيه ماءً بحيثُ يَرْتَفِعُ الزَّيْتُ، فيَمْلأُ السِّرَاجَ، وما أشْبَهَ هذا.
وعلى قِياسِ هذا كُلُّ انْتِفاعٍ لا يُفْضِى إلى التَّنْجِيسِ بها يَجُوزُ.
ويَتَخَرِّجُ على جَوازِ الاسْتِصْباحِ به جَوازُ بَيْعِه.
وهكذا ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه يَجُوزُ الانْتِفاعُ به مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، فجازَ بَيْعُه، كالبَغْلِ والحِمارِ.
وهل تَطْهُرُ بالغَسْلِ، فيه وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُما فيما مَضَى 1. وإذا قُلْنَا: تَطْهُرُ بالغَسْلِ.
فالقِياسُ يَقتَضِى جوازَ بَيْعِها؛ لأنَّها عَيْنٌ نَجسَةٌ تَطْهُرُ بالغَسْلِ، أَشْبَهَتِ الثَّوْبَ النَّجِسَ.
وكَرِهَ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، أَن تُدْهَنَ بها الجُلُودُ، وقال: تُجْعَلُ منها الأسْقِيَةُ.
ونُقِلَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه يُدْهَنُ بها الجلودُ.
وعَجِبَ أحمدُ مِن هذا.
فيَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ على ما لا تَتَعَدَّى نَجَاسَتُه، كالنِّعَالِ، كما قُلْنا في جُلودِ الميْتَةِ 2.
..................................
فصل: فَأَمَّا شُحُومُ الميْتَةِ، وشَحْمُ الكَلْبِ والخِنْزِيرِ، فلا يَجُوزُ الاسْتِصْباحُ به، ولا الانْتِفاعُ به في جُلُودٍ ولا سُفُنٍ ولا غيرِها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
وإذا اسْتُصْبِحَ بالزَّيْتِ النَّجِسِ، فاجْتَمَعَ مِن دُخَانِه شئٌ، فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه جُزْءٌ منه، والنَّجاسَةُ لا تَطْهُرُ بالاسْتِحالَةِ.
فإنْ عَلِقَ بشئٍ، عُفِىَ عن يَسِيرِه؛ لمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عنه، وإنْ كَثُرَ لم يُعْفَ عنه.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ التِّرْياقِ الذى فيه لُحُومُ الحَيَّاتِ؛ لأَنَّ نَفْعَه إنّما يَحْصُلُ بالأَكْلِ، وهو مُحَرَّمٌ، فخَلا مِن نَفْعٍ مُباحٍ، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالمَيْتَةِ.
وِلا يجوزُ التَّدَاوِى به، ولا بسُمِّ الأفاعِى.
فأَمّا سُمُّ النَّبَاتِ، فإنْ كان لا يُنْتَفعُ به، أو يَقْتُلُ قَلِيلُه، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لعَدَمِ نَفْعِه، وإنْ أمْكَنَ التَّدَاوِى بيَسِيرِه، كالسَّقَمُونيَا 1، جازَ بَيْعُه؛ لأنَّه طاهِرٌ مُنْتَفَعٌ به.
فَصْلٌ: الرَّابعٌ، أنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ، أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فَى بَيْعِهِ، فَإِنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أوِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَعَنْهُ، يَصِحُّ، وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ.
(
فصل
: الرابعٌ، أن يكونَ مَمْلُوكًا له، أو مَأْذُونًا له في بَيْعِه، فإن باعَ مِلْكَ غيرِه بغَيْرِ إذْنِه، أو اشْتَرَى بعينِ مالِه شيئًا بغيرِ إذْنِه، لم يَصِحَّ.
وعنه، يَصِحُّ، ويَقِفُ على إجازَةِ المالِكِ) إذا اشْتَرَى بعينِ مالِ غيرِه، أو باعَ مالَه بغيرِ إذْنِه، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا يَصِحُّ البَيْعُ.
وهذا مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
والثانيةُ، يَصِحُّ البَيْعُ والشِّراءُ، ويَقِفُ على إجازَةِ المالِكِ، فإنْ أجازَهُ نَفَذَ ولَزِمَ البَيْعُ، وإنْ لم يُجِزْهُ بطَلَ.
وهو قَوْلُ [مالِكٍ، وإسحاقَ، وبه قال أبو حَنِيفَةَ] 1 في البَيْعِ.
فأمَّا الشِّراءُ فَيَقَعُ للمُشْتَرِى عندَه بكُلِّ حالٍ؛ لِما رَوَى عُرْوَةُ بنُ الجَعْدِ البارِقِىُّ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْطَاهُ دِينارًا ليَشْتَرِىَ به شَاةً، فاشْتَرَى شاتَيْنِ، ثم باعَ إحْداهُما بدينارٍ في الطرَّيقِ، قال: فأَتيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالدِّينار والشّاةِ، فأَخْبَرْتُه، فقال: «بارَكَ اللَّهُ لَكَ في صَفْقَةِ يَمِينِكَ».
..................................
رَواهُ ابنُ ماجه 1، والأَثْرَمُ، ولأنَّه عَقْدٌ له مُجِيزٌ حالَ وقُوعِه، فصَحَّ [ووقفَ] 2 على إِجازَتِه، كالوَصِيَّةِ بزيادَةٍ على الثُّلُثِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لحَكِيمِ بنِ حِزامٍ: «لا تَبعْ ما لَيْسَ عِنْدَكَ».
رَواهُ ابنُ ماجه، والتِّرْمِذِىُّ 3، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
يَعْنِى مَا لَا تَمْلِكُ؛ لأنَّه ذَكَرَه جَوابًا له حين سَأَلَه أنَّه يَبِيعُ الشئَ، ويمضِى ويَشتَرِيه، ويُسَلِّمُه.
ولاتِّفاقِنا على صِحَّةِ بَيْعِ مالِه الغائِبِ، ولأنَّه باعَ
وَإِنِ اشْتَرَى لَهُ في ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، صَحَّ.
فَإِنْ أَجَازَهُ مَنِ اشْتَرَى لَهُ، مَلَكَهُ، وَإِلَّا لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ.
ما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، فأَشْبَهَ الطَّيْرَ في الهواءِ.
فأَمَّا الوَصِيَّةُ، فَيَتَأَخَّرُ فيها القَبُولُ عن الإِيجابِ، ولا يُعْتَبرُ أن يكونَ لها مُجِيزٌ حالَ وقُوعِ العَقْدِ، ويَجُوزُ فيها مِن الغَرَرِ ما لا يَجُوزُ في البَيْعِ، وحَدِيثُ عُرْوَةَ نَحْمِلُه على أنَّ وَكالَتَهُ كانت مُطْلَقَةً، بدَلِيلِ أنّه [سَلَّمَ وتَسَلَّمَ] (1)، وليس ذلك لغيرِ المالِكِ باتِّفَاقِنَا.
1559 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَى له في ذمَّتِه بغيْرِ إذْنِه، صَحَّ. فإنْ أَجازَه مَن اشْتَرَى له، ملَكَه، وإِلَّا لَزِمَ مَن اشتَراهُ)
إذا اشْتَرَى في ذِمَّتِه لإِنْسانٍ شَيْئًا بغيرِ إذْنِه، صَحَّ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ في ذِمَّتِه لا في مالِ غَيْرِه،1
.................................. وسواءٌ نَقَدَ الثَّمَنَ مِن مالِ الغَيْرِ أو لا؛ لأنَّ الثَّمَنَ هو الذى في الذِّمَّةِ، والذى نَقَدَه عِوَضُه، ولذلك قُلْنَا: إنّه إذا اشْتَرَى [في الذِّمَّةِ] 1 ونَقَدَهُ الثَّمَنَ بعدَ
..................................
ذلك، كان له البَدَلُ.
وإنْ خرجَ مَغْصُوبًا لم يبطُلِ العَقْدُ، وإنَّما وقَفَ الأمْرُ على إجازَةِ الآخَرِ؛ لأنَّه قَصَدَ الشِّراءَ له، فإنْ أجازَه لَزِمَهُ، وعليه الثَّمَنُ، وإنْ لم يَقْبَلْه لَزِمَ مَن اشْتَرَاهُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ لِيَمْضِىَ وَيشْتَرِيَهُ وَيُسَلِّمَهُ.
فصل: وإن باعَ سِلْعَةً وصاحِبُها حاضِرٌ ساكِتٌ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو باعَها بغيرِ إذْنِه، في قوْلِ الأَكْثَرَين؛ منهم أبو حَنِيفَةَ، وأبو يوسُفَ، والشّافِعِىُّ.
قال ابنُ أبى لَيْلَى: سكوتُه إقْرارٌ؛ لأنَّه يَدُلُّ على الرِّضَا، كسُكُوتِ البِكْرِ في الإِذْنِ في النِّكاحِ.
ولَنا، أنَّ السُّكُوتَ مُحْتَمِلٌ، فلم يكُنْ إذْنًا، كسُكُوتِ الثَّيِّبِ، وفارَقَ سُكُوتَ البِكْرِ؛ لوُجُودِ الحَياءِ المانِعِ مِن الكلامِ في حَقِّها, وليس ذلك مَوْجُودًا ههُنا.
1560 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ ما لا يَمْلِكُه ليَمْضِىَ ويَشْتَرِيَه ويُسَلِّمَه)
رِوَايَةً واحِدَةً.
وهو قولُ الشّافِعِىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ لأنَّ حكيمَ بنَ حِزامٍ قال للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: إنَّ الرَّجُلَ يَأْتِينِى يَلْتَمِسُ مِن البَيْعِ ما ليس عندِى، فأَمْضِى إلى السُّوقِ، فأشْتَرِيه، ثم أبِيعُه، منه، فقال النبىُّ
وَلَا يصِحُّ بَيْعُ مَا فُتِحَ عَنْوةً، وَلَمْ يُقْسَمْ؛ كَأَرْضِ الشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَمِصْرَ، وَنحْوِهَا، إِلَّا الْمَسَاكِنَ، وَأَرْضًا مِنَ الْعِرَاق فُتِحَتْ صُلْحًا؛ وَهِيَ الْحِيرَةُ، وَأُلَّيْسٌ، وَبَانِقْيَا، وَأَرْضُ بَنِى صَلُوبَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَقرَّهَا في أَيْدِى أَرْبَابِهَا بِالْخَرَاجِ الَّذِى ضَرَبَهُ أُجْرَةً لَهَا في كُلِّ عَامٍ.
وَلَمْ يُقَدِّرْ مُدَّتَهَا؛ لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا.
- صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا تَبعْ ما ليس عِنْدَك» (1). حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولأنَّه يَبِيعُ ما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، أشْبَهَ بَيْعَ الطَّيْرِ في الهَواءِ.
1561 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ ما فُتِحَ عَنوَةً، ولم يُقْسَمْ، كأَرْضِ الشامِ، والعِراقِ، ومِصْرَ، ونحوِها، إِلَّا المساكِنَ، وأرْضًا مِن العِراقِ فُتِحَتْ صُلْحًا؛ وهى الحِيرَةُ وأُلَّيْسٌ
2 وبانِقْيا، وأَرْضُ بنى صلُوبَا؛ لأَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وقَفها على المُسْلمين، وأقَرَّها في أَيْدِى أرْبابِها بالخَراجِ1
..................................
الذى ضَرَبَه أُجْرَةً لها في كُلِّ عامٍ.
ولم يُقَدِّرْ 1 مُدَّتَها؛ لعُمومِ المَصْلَحَةِ فيها) لا يَجُوزُ بَيْعُ شئٍ مِن الأَرْضِ المَوْقُوفَةِ، ولا شِراؤُه؛ كأَرْضِ الشامِ، ونحوِها، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، وقَوْلِ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم عمرُ، وعَلِىٌّ، وابنُ عَبّاسٍ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عَمْروٍ 2، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
ورُوِىَ ذلك عن عبدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ، وقَبيصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ، ومَيْمُونِ بنِ مِهْرَانَ، والأوْزَاعِىِّ، ومالكٍ، وأبى إسْحاقَ الفَزَارِىِّ 3. قال الأوْزَاعِىُّ: لم يَزَلْ أَئمَّةُ المُسلمينَ يَنْهَوْنَ عن شراءِ أَرضِ الجزْيَةِ، ويَكْرَهُه عُلَماؤُهم.
وقال: أجْمَعَ رَأْىُ عمرَ، وأصحابِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لَمّا ظَهَرُوا على أهلِ الشامِ، على إقْرارِ أهْلِ القُرَى في قُرَاهُم، على ما كانَ بأَيْدِيهم مِن أَرْضِهم، يُعَمِّرُونها، ويُؤدُّونَ خَراجَها إلى المُسْلِمِينَ، ويَرَوْنَ أنّه لا يَصْلُحُ لأحَدٍ مِن المُسْلِمينَ شِراءُ ما في أيْدِيهم مِن الأَرْضِ طَوْعًا ولا كَرْهًا،
..................................
وكَرِهُوا ذلك؛ لِما كانَ مِنْ إيقافِ عمرَ وأَصْحابِه الأَرضِينَ المَحْبُوسَةَ على آخِرِ هذه الأُمَّةِ مِن المُسْلِمينَ، لا تُباعُ ولا تُورَثُ، قُوَّةً على جِهادِ مَن لم يُظْهَرْ عليه بعدُ مِن المُشْرِكِينَ.
وقال الثَّوْرِىُّ: إذا أقَرَّ الإِمامُ أهلَ العَنْوَةِ في أرْضِهم تَوارَثُوها وتَبايَعُوها.
ورُوِىَ نحوُ هذا عن ابن سِيرِينَ، والقُرَظِىِّ؛ لِما رَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ زَيْدٍ، أنَّ ابنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى مِن دِهْقانَ أرْضًا على أنْ يَكْفِيَهُ جزْيَتَها 1. ورُوِى عنه أنَّه قال: نَهَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن التَّبَقُّرِ 2 في الأَهْلِ والمالِ.
ثم قال عبدُ اللَّهِ: وكيفَ بمالٍ براذانَ 3، وبِكَذَا وكَذَا 4! وهذا يَدُلُّ على أنّ له مالًا بِرَاذانَ (3). ولأَنَّها أرْضٌ لهم، فَجازَ بَيْعُها، كأَرْضِ الصُّلْحِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ أنّه قال: كان الشِّراءُ أسْهلَ، يَشْتَرِى الرَّجُلُ ما يَكْفِيهِ ويُغْنِيهِ
..................................
عن النّاسِ، وهو رَجُلٌ مِن المُسْلِمِينَ.
وكَرِهَ البَيْعَ.
قال شَيْخُنا 1: وإنَّما رَخصَ في الشّراء، واللَّهُ أَعلَمُ، لأنَّ بعضَ الصّحابَةِ اشْتَرَى، ولم يُسْمَعْ عنهم البَيْعُ، ولأَنَّ الشِّراءَ اسْتِخْلاصٌ للأَرضِ، ليَقُومَ فيها مَقامَ مَن كانت في يَدِه، والبَيْعُ أَخذُ عِوَضٍ عَمّا لا يَمْلِكُه ولا يَسْتَحِقُّه، فلا يَجُوزُ.
ولَنا، إِجْمَاح الصَّحَابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فإنَّه رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: لا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ولا أرَضِيهم 2. وقال الشَّعْبِىُّ: اشْتَرَى عُتْبَةُ بنُ فَرْقَدٍ أَرْضًا على شاطِئ الفُرَاتِ، لِيَتَّخِذَ فيها قَصَبًا، فذَكَرَ ذلك لعمرَ، فقال: مِمَّن اشْتَرَيْتَها؟ قال: مِن أرْبابِها.
فلمَّا اجْتَمَعَ المُهاجِرُونَ والأَنْصَارُ، قال: هؤُلاءِ أَربَابُها، فهل اشْتَرَيْتَ منهم شَيْئًا؟ قال: لَا.
قال: فارْدُدْهَا على 3 مَن اشْتَرَيْتَها منه، وخُذ مالَكَ 4. وهذا قولُ عمرَ في المُهاجِرِينَ والأَنْصَارِ، بمحضرِ سادَةِ الصَّحَابَةِ وأَئِمَّتِهِم، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا, ولا سَبِيلَ إلى وُجُودِ إجماعٍ أقْوى مِن هذا وشِبْهِه، إذ لا سَبِيلَ إلى نَقْلِ قَوْلِ جَمِيعِ الصَّحابَةِ في مَسْأَلةٍ، ولا إلى
..................................
نَقْلِ قَوْلِ العَشَرةِ، ولم يُوجَدِ الإِجْماعُ إلَّا القولَ المُنْتَشِرَ.
فإن قيل: فقد خالَفَه ابنُ مَسْعُودٍ بما ذُكِرَ عنه.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ المُخالَفَةَ.
وقَوْلُهم: اشْتَرَى.
قُلْنا: المرادُ به اكْتَرَى.
كذا قال أبو عُبَيْدٍ 1. والدَّلِيلُ عليه قولُه: على أن يَكْفِيَه جِزْيَتَها.
ولا يكونُ مُشْتَرِيًا لها وجِزْيَتُها على غَيْرِه.
وقد رَوَى عنه القاسِمُ أنَّه قال: مَن أقَرَّ بالطَّسْقِ 2 فقد أقَرَّ بالصَّغارِ والذُّلِّ 3. وهذا يَدُلُّ على أنَّ الشِّراءَ هنا الاكتِراءُ.
وكذلك كُلُّ مَن رُوِيَت عنه الرُّخْصَةُ في الشِّراءِ محمولٌ على ذلك.
وقولُه: فكيف بمالٍ بِرَاذَانَ.
ليس فيه ذِكْرُ الشِّراءِ، [ولا أنَّ] 4 المالَ الأرْضُ، فَيَحْتَمِلُ أنّه أَرادَ مِن السَّائِمَةِ أو الزَّرْعِ أو نحوِه، ويَحْتَمِلُ أنّه أَرادَ أَرضًا اكْتَرَاهَا، وقد يَحْتَمِلُ أنّه أَرادَ بذلك غيرَه، وقد يَعِيبُ الإنْسانُ الفِعْلَ المَعِيبَ مِن غيرِه.
جوابٌ ثانٍ، أنَّه تَناوَلَ الشّراءَ، وبقِىَ قولُ عمرَ في النَّهْى عن البَيْعِ غيرَ مُعَارَضٍ، وأمَّا المَعْنَى فلأنَّها مَوْقُوفَةٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كسائِرِ الوقوفِ، والدَّلِيلُ على وَقْفِها النقلُ والمعنى؛ أمّا النَّقْلُ، فما نُقِلَ مِن الأخْبارِ أنَّ عمرَ لم يَقْسِمِ الأرْضَ التى افْتَتَحَها، وتَرَكَها لتكونَ مادَّةً للمسلمين الذين يُقاتِلُونَ في سبيلِ اللَّهِ إلى يومِ القِيامَةِ، وقد نقلنا بعضَ ذلك، وهو مَشْهُورٌ تُغْنِى شُهْرَتُه عن
..................................
نَقْلِه.
وأَمّا المَعْنَى فلِأَنَّها لو قُسِمَتْ لكانت للذين افْتَتَحُوها، ثم لِوَرَثَتِهِم 1 ولمَن انْتَقَلَتْ إليه عنهم، ولم تَكُنْ مُشْتَرَكَةً بينَ المسلمين، ولأَنَّه لو قُسِمَتْ لِنُقِل ذلك ولم يَخْفَ بالكُلِّيَّةِ.
فإن قيلَ: فهذا لا يَلْزَمُ منه الوَقْفُ؛ لأَنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه تَرَكَها للمسلمين عامَّةً، فتكونُ فَيْئًا للمسلمين، والإِمامُ نائِبُهم، فيَفْعَلُ ما يَرَى فيه المَصْلَحَةَ، مِن بَيْعٍ وغيرِه، ويَحْتَمِلُ أنّه تَرَكَها لأرْبابِها، كما فَعَلَ النَّبىّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكَّةَ.
قُلْنا: أَمّا الأَوَّلُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ عمرَ إنَّما تَرَكَ قِسْمَتَها لتَكُونَ مادَّةً للمسلمين كلِّهم، يَنْتَفِعُونَ بها مع بَقاءِ أصْلِها، وهذا مَعْنَى الوَقْفِ، ولو جازَ تَخْصِيصُ قَوْمٍ بأَصْلِها, لكانَ الذينِ افْتَتَحُوهَا أحَقَّ بها, ولا يَجُوزُ أنْ يَمْنَعَها أَهْلَها لمَفْسَدَةٍ، ثم يَخُصَّ بها غيْرَهم مع وجُودِ المَفْسَدَةِ المانِعَةِ.
والثانِى أَظهَرُ فسادًا مِن الأَوَّلِ؛ لأَنَّه إذا مَنَعَها المسلمين المُسْتَحِقِّينَ، كيف يَخُصُّ بها أهْلَ الذِّمَّةِ المُشْرِكِينَ الذين لا حَقَّ لهم ولا نَصِيبَ؟.
فصل: وإذا بِيعَتْ هذه الأرْضُ، فحَكَمَ بِصِحَّةِ البَيْعِ حاكِمٌ، صَحَّ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ فيه، فصَحَّ بحُكْمِ الحاكِمِ، كسائِرِ المُختلَفاتِ.
وإن باعَ
..................................
الإِمامُ شَيْئًا لمَصْلَحَةٍ رَآها، مثلَ أن يكونَ في الأَرْضِ ما يَحْتَاجُ إلى عمارَتِه، ولا يَعْمُرُها إلَّا مَن يَشْتَرِيها، صَحَّ أَيضًا؛ لأنَّ فِعْلَ الإِمامِ كحُكْمِ الحاكِمِ.
وقد ذَكَر ابنُ عائِذٍ 1 في كتابِ «فتوحِ الشامِ» قال: قال غيرُ واحِدٍ مِن مشايخِنا: إنَّ النَّاسَ سَأَلُوا عبدَ المَلِكِ، والوليدَ، وسليمانَ، أن يَأْذَنُوا لهم في شِراءِ الأرْضِ مِن أهلِ الذِّمَّةِ، فأذِنُوا لهم على إدخالِ أثْمَانِها في بَيْتِ المالِ، فلَمَّا وَلِىَ عمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ أعْرَضَ عن تلك الأَشْرِيَةِ؛ لاخْتِلاطِ الأُمُورِ فيها؛ لِما وَقَعَ فيها مِن المَوارِيثِ ومُهُورِ النِّساءِ، وقضاءِ الدُّيُونِ، ولمّا لم يقدِرْ على تَخْلِيصِه ولا مَعْرِفَةِ ذلك، كَتَبَ كِتابًا قُرِئَ على النَّاسِ [سَنَةً مائةٍ] 2: إنَّ مَن اشْتَرَى شيئًا بعدَ سنةِ مائَةٍ، فإنَّ بَيْعَه مَرْدُودٌ.
وسَمَّى سَنَةَ مائَةٍ سَنَةَ المُدَّةِ، فتَنَاهَى النّاسُ عن شِرائِها، ثم اشْتَرَوْا أشْرِيَةً كَثِيرَةً 3 كانت بأيْدِى أهْلِها، تُؤدِّى العُشْرَ ولا جِزْيَةَ عليها، فلما أفْضَى الأمْرُ إلى المَنْصُورِ، ورُفِعَتْ إليه تلك الأشْرِيَةُ، وأنَّ ذلك أضَرَّ بالخراجِ وكَسَرَهُ، فأرادَ رَدَّها إلى أهْلِها، فقيلَ له: قد وَقَعَتْ في المَوارِيثِ والمُهُورِ، واخْتَلَطَ أمْرُها.
فبَعَثَ المُعَدِّلين، منهم؛ عبدُ اللَّهِ بنُ يَزِيدَ إلى حِمْصَ، وإسْماعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ 4 إلى بَعْلَبَكَّ،
..................................
وهِضابُ بنُ طَوْقٍ، ومُحْرِزُ بنُ زُرَيْقٍ إلى الغُوطَةِ.
وأمَرَهُم أن لا يَضَعُوا على القَطائِعِ والأشْرِيَةِ القَدِيمَةِ خَراجًا، ومَنَعُوا الخراجَ على ما بَقِىَ بأَيْدِى الأَنْباطِ 1، وعلى الأَشْرِيَةِ المُحْدَثَةِ مِن بعدِ 2 سنةِ مائَةٍ إلى السَّنَةِ التى عدّلَ فيها.
فعلى هذا يَنْبَغِى أن يَجْرِىَ 3 ما باعَهُ إمامٌ، أو بِيعَ بإِذْنِه، أو تَعَذَّرَ رَدُّ بَيْعِه هذا المَجْرى 4 في أن يُضْرَبَ عليه خَراجٌ بقَدْرِ ما يَحْتَمِلُهْ، ويُتْرَكَ في يَدِ مُشْتَرِيه، أو مَن انْتَقَلَ إليه, إلَّا ما بِيعَ قبلَ المائَةِ سَنَةٍ، فإنَّه لا خَراج عليه، كما نُقِلَ في هذا الخبرِ.
فصل: وحُكْمُ إقْطاعِ هذه الأَرْضِ حُكْمُ بَيْعِها، في أنّ ما كان مِن عمرَ رَضِىَ اللَّهُ عنه، أو ممَّا كان قبلَ مائَةِ سَنَةٍ، فهو لأَهلِه، وما كان بعد المائَةِ، ضُرِبَ عليه الخراجُ، كما فَعَلَ المَنْصُورُ، إلَّا أن يكونَ بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، فيكونَ باطِلًا، وذَكَرَ ابنُ عائِذٍ في كتابِه بإسْنادِه، عن سليمانَ
..................................
ابنِ عُتْبَةَ أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عبدَ اللَّهِ بنَ محمدٍ، أَظُنُّه المَنْصُورَ، سَأَلَه في مَقْدِمِه الشَّامَ سنةَ ثلاثٍ أو أرْبَعٍ وخمْسِينَ عن الأَرَضِين التى بأَيْدِي أبناءِ الصَّحابَةِ، يَذْكُرُون أنّها قَطائِعُ لآبائِهِم قَدِيمَةٌ.
فَقُلْتُ: يَا أميرَ المُؤْمِنِين، إنَّ اللَّه تعالى لمّا أظْهَرَ المسلمين على بلادِ الشامِ، وصَالَحُوا أهْلَ دِمَشقَ وأهْلَ حِمْصَ، كَرِهُوا أنْ يَدْخُلُوهَا دُونَ أن يَتِمَّ ظُهُورُهم وإثْخَانُهم في عَدُوِّ اللَّهِ، وعَسْكَرُوا في مَرْجِ [بَرَدَى، بين المِزَّةِ] 1 إلى مَرْجِ شعبانَ 2 جَنْبَتَىْ برَدَى، مُرُوجٌ كانت مُباحَةً فيما بينَ أهْلِ دِمَشْقَ وقُرَاهَا، ليست لأَحَدٍ منهم، فأَقَامُوا بها حتَّى أوْطَأَ اللَّهُ بهم المُشْرِكِين قَهْرًا وذُلًّا، فأحْيَا 3 كُلُّ قَوْمٍ مَحَلَّتَهم 4، وَهيَّئُوا فيها بناءً، فرُفِعَ إلى عمرَ، فأمْضَاهُ عمرُ لهم، وأَمْضَاهُ عثمانُ مِن بَعْدِه إلى وِلايَةِ أميرِ المُؤْمنين.
قال: فقد أَمْضَيْنَاهُ لهم.
وعن الأَحْوَصِ بنِ حكيمٍ، أنَّ المسلمين الذين فَتَحُوا حِمْصَ لم يَدْخُلُوها، وعَسْكَرُوا على نَهْرِ الأُرُنْدِ 5 فأَحْيَوْهُ، فأَمْضاهُ لهم عمرُ وعثمانُ، وقد كان أُناسٌ منهم تَعَدَّوْا
..................................
ذاك إلى [جِسْرِ الأُرُنْدِ] 1، الذى على بابِ الرَّسْتَنِ 2، فَعَسْكَرُوا في مَرْجِه 3؛ مَسْلَحَةً لمَن خَلْفَهُم مِن المسلمين، فلمَّا بَلَغَهُم ما أَمْضَاهُ عمرُ للمُعَسْكِرينَ على نَهْرِ الأُرُنْدِ، سَأَلُوا أن يُشْرِكُوهم في تلك القَطائِعِ، فكُتبَ إلى عمرَ فيه، فكَتَبَ أنْ يُعَوَّضُوا مثلَه مِن المُرُوجِ التى كانوا عَسْكَرُوا فيها على بابِ الرَّسْتَنِ، فَلم تَزَلْ تلك القَطائِعُ على شاطِئِ الأرُنْدِ، وعلى بابِ حِمْصَ، وعلى بابِ الرَّسْتَنِ ماضِيَةً لأهْلِها, لا خَراجَ عليها، تُؤَدِّى العُشْرَ.
فصل: وهذا الذى ذَكَرْنَاهُ في الأَرْضِ المُغِلَّةِ، أَمّا المَساكِنُ فلا بَأْسَ بحِيَازَتِها وبَيْعِها وشِرائِها وسُكْنَاهَا.
قال أبو عُبَيْدٍ 4: ما عَلِمْنا أحَدًا كَرِه ذلك، وقد اقْتُسِمَتِ الكُوفَةُ 5 خُطَطًا في زمَنِ عمرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، بإِذْنِه، والبَصْرَةُ، وسَكَنَها أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكذلك الشامُ ومصرُ وغيرُهما مِن البُلْدانِ، فما عابَ ذلك أحَدٌ ولا أَنْكَرَه.
وَيَجُوزُ إِجَارَتُهَا.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تعَالى، أَنَّهُ كرِه بَيْعَهَا، وَأَجَازَ شِرَاءَهَا.
فصل: وكذلك ما فُتِحَ صُلْحًا بشَرْطِ أن يكونَ لأَهْلِه، كأَرْضِ الحِيرَةِ، وأُلَّيْسٍ، وبانِقْيا، وأَرْضِ بنى صلوبَا، وما في مَعْناها، فيجوزُ بَيْعُها؛ لأَنَّها مِلْكٌ لأَهْلِها، فهى كالمَسَاكِنِ، وكذلك كُلُّ أرْضٍ أسْلَمَ أَهْلُها عليها، كأَرْضِ الْمَدِينَةِ وشِبْهِها، فإنَّها مِلْكٌ لأهْلِها، يجوزُ لهم بَيْعُها كذلك.
1562 -
مسألة: (وتَجُوزُ إجارَتُها)
لأنَّها مُسْتَأْجَرَةٌ في أَيْدِى أَرْبَابِها، وإجارَةُ المُسْتَأْجَرِ جائِزَةٌ، على ما نَذْكُرُه في مَوْضِعِه إن شاءَ اللَّه تعالى.
(وعن أحمدَ، أنّه كَرِهَ بَيْعَها) لِما ذَكَرْنَا (وأجازَ شِراءَها) لأنَّه كالاسْتِنْقاذِ لها، فجازَ، كشِراءِ الأَسِيرِ، ولأَنَّه قد رُوِى عن بعضِ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، على ما ذَكَرْنا في المَسْأَلَةِ التى قَبْلَها.
وإذا قُلْنَا بصِحَّةِ الشِّرَاءِ، فإنَّها تكُونُ في يدِ المُشْتَرِى على ما كانت في يَدِ البائِعِ، يُؤَدِّى خَراجَها، ويكونُ مَعْنَى الشِّراءِ ههُنا نَقْلَ اليَدِ مِن البائِعِ إلى المُشْتَرِى بعِوَضٍ، إلَّا ما كانَ قبلَ مائَةِ سَنَةٍ، أو ما كان مِن إقْطاعِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، على ما ذَكَرْناهُ.
فإنِ اشْتَرَاها وشَرَطَ الخراجَ على البائِعِ،
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّةَ، وَلَا إِجَارَتُهَا.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ ذَلِكَ.
كما فَعَلَ ابنُ مَسْعُودٍ، فهو كِراءٌ لا شِراءٌ، ويَنْبَغِى أن يَشْتَرِطَ بيانَ مُدَّتِه، كسائِرِ الإِجَارَاتِ.
1563 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ رِباعِ مَكَّةَ، ولا إِجارَتُها. وعنه، يَجُوزُ ذلك)
اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في بَيْعِ رِباعِ مَكَّةَ وإجارَةِ دُورِها، فرُوِىَ أنَّ ذلك غيرُ جائِزٍ.
وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبِي عُبَيْدٍ.
وكَرِهَه إسحاقُ؛ لِما رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْب، عن أَبِيهِ، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في مَكَّةَ: «لا تُبَاعُ رِبَاعُها، وَلَا تُكْرَى بُيُوتُها».
رَواهُ الأَثْرَمُ 1. وعن مُجاهِدٍ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «مَكَّةُ حَرامٌ بَيْعُ رباعِها، حرامٌ إجارَتُها».
رَواهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ في «سُنَنِه».
ورُوِىَ أَنَّها كانت تُدْعَى السَّوائب، على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ
..................................
- صلى اللَّه عليه وسلم-.
ذَكَرَه مُسَدَّدٌ في «مُسْنَدِه» 1. ولأَنَّها فُتِحَت عَنْوَةً ولم تُقْسَمْ، فصارَت مَوْقُوفَةً، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كسائِرِ الأَرْضِ التى فَتَحَها المُسْلِمُون عَنْوَةً ولم يَقْسِمُوهَا.
ودَلِيلُ أنّها فُتِحَت عَنْوَةً قولُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عن مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عليها رَسُولَه والمُؤْمِنينَ، وإنّها لم تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِى، ولا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدِى، وإنَّما حَلَّتْ لي ساعَةً مِن نَهارٍ».
مُتَّفقٌ عليه 2. ورَوَت أُمُّ هانِئٍ، أنَّها قالت: أَجَرْت حَمَوَيْنِ لى، فأَرادَ عَلِىُّ أخِى قَتْلَهما، فأَتَيْتُ رسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّى أَجرْتُ حَمَوَيْنِ لى، فزَعَمَ ابنُ أمِّى عَلِىٌّ أنّه قاتِلُهما.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «قد أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ، وأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. وكذلك أمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَتْلِ أَرْبَعَةٍ، فَقُتِلَ منهم ابنُ خَطَلٍ، ومِقْيَسُ بنُ
..................................
صُبَابَةَ 1، فدَلَّ على أنَّها فُتِحَتْ عَنْوَةً.
والرِّوَايَةُ الثانِيَةُ، أنَّه يَجُوزُ ذلك.
رُوِى ذلك عن طاوُسٍ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ.
وهو قَوْلُ الشّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وهو أَظْهَرُ في الحُجَّةِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمّا قيلَ له: أين تَنْزِلُ غَدًا؟ قال: «وهل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِن رِباعٍ؟».
مُتَّفَقٌ عليه 2. يَعْنِى أنّ عَقِيلًا باع رِباعَ أبى طالِبٍ؛ لأنَّه وَرِثَهُ دُونَ إخوَتِه، لكَوْنِه كان على دينِه دُونَهما, ولو كانت غيرَ مَمْلُوكَةٍ، لمَا أثَّرَ بَيْعُ عَقِيلٍ شيئًا, ولأنَّ أصْحَابَ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانت 3 لهم دُورٌ بمكَّةَ؛ لأبى 4 بَكْرٍ، والزُّبَيْرِ، وحكيمِ بنِ حِزَامٍ، وأبِى سُفْيَانَ، وسائِرِ أهْلِ مَكَّةَ، فمنهم مَن باع، ومنهم مَن ترَكَ دارَه، فهى في يَدِ أعْقابِهم.
وقد باعَ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ دارَ النَّدْوَةِ، فقال له ابنُ الزُّبيْرِ: بِعْتَ مَكْرمَةَ قُرَيْشٍ! فقال: يَا ابنَ أَخِى، ذهَبَتِ المكارِمُ إلى التَّقْوَى.
أو كما قال.
..................................
واشْتَرَى معاويَةُ منه دارَيْنِ.
واشْتَرَى عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، دارَ السِّجْنِ مِن صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ بأرْبَعَةِ آلافٍ 1. ولم يَزَلْ أهلُ مَكَّةَ يَتَصَرَّفُونَ في دُررِهِم تَصَرُّفَ المُلَّاكِ بالبَيْعِ وغَيْرِه، ولم يُنْكِرْه مُنْكِر، فكان إجْماعًا، وقد قَرَّرَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بنِسْبَةِ دُورِهم إليهم، فقال: «مَنْ دَخَلَ دارَ أبِى سُفْيانَ فهو آمِنٌ، ومَنْ أَغْلَقَ بابَه فهو آمِنٌ» 2. وأقَرَّهُم في دُورِهِم ورِباعِهم، ولم يَنْقُلْ أحَدًا عن دارِه، ولا وُجدَ منه ما يَدُلُّ على زَوالِ أَمْلاكِهِم، وكذلك مَن بَعْدَه مِن الخُلفاءِ، حتَّى إنَّ عمرَ مع شِدَّتِه في الحَقِّ، لمَّا احْتَاجَ إلى دارٍ للسّجْنِ لم يَأْخذهَا إلَّا بالبَيْعِ.
ولأَنَّها أَرْضٌ حَيَّة لم يَرِدْ عليها صَدَقةٌ مُحَرَّمَةٌ، فجازَ بَيْعُها، كسائِرِ الأرْضِ، وما رُوِى مِن الأحادِيثِ في خِلافِ هذا، فهو ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها فُتِحَتْ عَنْوَةً، فهو صَحِيحٌ لا يُمْكِنُ دَفْعُه، إلَّا أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقَرَّ أهْلَها فيها على أمْلاكِهم ورِباعِهم، فيَدُلُّ
..................................
ذلك على أنَّه تَرَكَها لهم، كما تَرَكَ لهوازِنَ نسَاءَهُم وأبْناءَهُم.
وعلى القَوْلِ الأَوَّلِ، مَن كان ساكِنَ دارٍ أو مَنْزِلٍ، فهو أحَقُّ به، يَسْكُنُه ويُسْكِنُه، وليس له بَيْعُه، ولا أَخذُ أُجْرَتِه، ومَن احْتاجَ إلى مَسْكَنٍ فله بَذْلُ الأُجْرَةِ فيه، وإنِ احْتَاجَ إلى الشِّراءِ فله ذلك، كما فَعَلَ عمرُ رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وكان أبو عَبْدِ اللَّهِ إذا سَكَنَ أَعْطَاهُم أُجْرَتَها.
فإن سَكَنَ بأُجْرَةٍ جازَ أن لا يَدْفَعَ إليهم الأُجْرَةَ إن أمْكَنَه؛ لأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَها.
وقد رُوِى أنَّ سُفْيانَ سَكَنَ في بَعْضِ رِباعِ مَكَّةَ، وهَرَبَ، ولم يُعْطِهِمْ أُجْرَةً فأَدْرَكُوهُ، فَأَخَذُوها منه.
وذُكِرَ لأحمدَ فعلُ سُفيانَ، فَتَبَسَّمَ.
فظاهِرُ هذا أنَّه أعْجَبَه.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وهذا الخِلافُ في غيرِ مَواضِعِ المَناسِكِ.
أمّا بِقاعُ المَنَاسِكِ، كمَوْضِعِ المَسْعَى والرَّمْى، فحُكْمُه حُكْمُ المَساجِدِ بغيرِ خِلافٍ.
فصل: ومَن بَنَى بِمَكَّةَ بآلةٍ مَجْلُوبَةٍ مِن غيرِ أرْضِ مَكَّةَ، جازَ بَيْعُها، كما يَجُوزُ بَيْعُ أبْنِيَةِ الوُقُوفِ وأنْقاضِها.
وإن كانت مِن تُراب الحَرَم وحِجَارَتِه، انْبَنَى جَوازُ بَيْعِها على الرِّوَايَتَيْن في بَيْعِ رِباعِ مَكَّةَ؛ لأَنَّها تابِعَةٌ لها، وهكذا تُرابُ كُلِّ وَقْفٍ وأنْقاضُه.
قال أحمدُ: وأمّا البِنَاءُ بمَكَّةَ فإنِّى أكْرَهُه.
قال إسحاقُ: البِنَاءُ بمَكَّةَ على وَجْهِ الاسْتِخْلاصِ لنَفْسِه، لا
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَاءٍ عِدٍّ؛ كَمِيَاهِ الْعُيُونِ، وَنَقْعِ الْبِئْرِ، وَلَا مَا في الْمَعَادِنِ الْجَارِيَةِ؛ كَالْقَارِ، وَالْمِلْحِ، وَالنِّفْطِ، وَلَا مَا يَنْبُتُ في أَرْضِهِ مِنَ الْكَلَأِ وَالشَّوْكِ، وَمَنْ أخذ مِنْهُ شَيْئًا، مَلَكَهُ.
يَحِلُّ.
وقد رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قيلَ له: ألَا تَبْنِى لك بِمِنًى بَيْتًا، فقال: «مِنًى مُنَاخُ مَن سَبَقَ» (1).
1564 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ ماءٍ عِدٍّ 2؛ كمياهِ العُيُونِ، ونَقْعِ البِئْرِ، ولا ما في المعادِنِ الجارِيَةِ؛ مِن القار، والمِلْحِ، والنِّفْطِ، ولا ما يَنْبُتُ في أَرْضِه مِن الكَلَأِ والشَّوْكِ، ومَن أخَذَ منه شيئًا، مَلَكَه) أمَّا 3 الأَنْهارُ النّابِعَةُ في غيرِ مِلْكٍ، كالأنْهارِ الكبارِ، لا تُمْلَكُ بحالٍ، ولا1
..................................
يجُوزُ بَيْعُها, ولو دَخَلَ إلى أرْضِ رَجُلٍ لم يَمْلِكْه بذلك، كالطَّيْرِ يدخُلُ إلى أَرْضِه، ولِكُلِّ أَحدٍ أخْذُه وتَمَلُّكُه، إلَّا أن يَحْتَفِرَ منه ساقِيَةً، فيكون أحَقَّ بها مِن غَيْرِه.
وأمَّا ما يَنْبُعُ في مِلْكِه، كالبِئْرِ، والعَيْنِ المُسْتَنْبَطَةِ، [فنَفْسُ البِئْرِ] 1، وأرْضُ العَيْنِ مَمْلُوكَةٌ لمالِكِ الأرْضِ، فالماءُ الذى فيها غيرُ مَمْلُوكٍ في ظاهرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّه يَجْرِى مِن تَحْتِ الأَرْضِ، [إلى مِلْكِه] 2، فأَشْبَهَ الماءَ الجارِىَ في النَّهْرِ إلى مِلْكِه.
وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحَابِ الشّافِعِىِّ.
والوَجْهُ الآخَرُ يُمْلَكُ؛ لأنَّه نماءُ المِلْكِ.
وقد رُوِى عن أحمدَ نحوُ ذلك، فإنّه قيلَ له في رَجُل له أرْضٌ ولآخَرَ ماءٌ، فيَشْتَرِكُ صاحِبُ الأرْضِ وصاحِبُ الماءِ في الزَّرْعِ، يكونُ بَيْنَهما؟ فقال: لا بَأْسَ.
اخْتَارَه
..................................
أبو بكْرٍ.
وهذا يَدُلُّ مِن قَوْلِه على أنّ الماءَ مَمْلُوكٌ لصاحِبِه.
وفى مَعْنَى الماءِ المعادِنُ الجَارِيَةُ في الأمْلَاكِ؛ كالقارِ، والنِّفْط، والمُومِيَا، والمِلْحِ.
وكذلك الحُكْمُ في الكَلَأِ والشَّوْكِ النّابِتِ في أرْضِه، فكذلك كُلُّه يُخرَّجُ على الرِّوَايَتَيْن في الماءِ.
والصَّحِيحُ أنَّ المَاءَ لا يُمْلَكُ، فكذلك هذه.
وجَوَازُ بَيْعِ ذلك مَبْنِىٌّ على مِلْكِه.
قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى بَيْعُ الماءِ ألْبَتَّةَ.
وقال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبا عبدِ اللَّه يُسْألُ عن قَوْمٍ بَيْنَهُم نَهْرٌ تَشْرَبُ منه أرَضُوهم، لهذا يومٌ، ولهذا يَوْمانِ، يَتَّفِقُونَ عليه بالحِصَصِ، فجاءَ يَوْمِى ولا أحْتَاجُ إليه، أُكْرِيه بدَرَاهِمَ؟ قال: ما أدْرِى، أمّا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَنَهَى عن بَيْعِ الماءِ.
قيلَ له: إنّه ليس يَبِيعُه، وإنّما يُكْرِيه، قال: إنَّما احْتَالُوا بهذا ليُحَسِّنُوه، فأىُّ شئٍ هذا إلَّا البَيْعَ! ورَوَى الأَثْرَمُ بإسْنادِه عن جابِرٍ، وإياسَ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنَّ النَّبِى -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى أنْ يُباعَ الماءُ 1. ورَوَى أبو عُبَيْدٍ 2،
إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ.
والأَثْرَمُ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ في ثلاثٍ؛ في النّارِ والكلَأِ والمَاءِ».
فإنْ قُلْنَا: يُمْلَكُ.
جازَ بَيْعُه، وإنْ قُلْنَا: لا يُمْلَكُ.
فصاحِبُ الأرْضِ أحَقُّ به مِن غيرِه؛ لكَوْنِه في مِلْكِه.
فإن دَخَلَ غيرُه بغيرِ إذْنِه فأَخَذَه، ملَكَه؛ لأنَّه يُباحُ في الأصْلِ، فأَشْبَهَ ما لو عَشَّشَ في أرْضِه طائِرٌ، أو دَخَلَ إليها صَيْدٌ، أو نَضَبَتْ عن سَمَكٍ، فدَخَلَ إليها دَاخِلٌ، فأَخَذَه.
1565 -
مسألة: (إلَّا أنَّه لا يَجُوزُ له الدُّخُولُ إلى مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه)
لأنَّه تَصَرَّفَ في ملكِ الغَيْرِ بغيرِ إذْنِه، أشْبَهَ ما لو دَخَلَ لغيرِ ذلك.
(وعنه، يَجُوزُ بَيْعُه) وهذا مَبْنِىٌّ على أنَّه يُمْلَكُ، وقد ذَكَرْنَاهُ.
..................................
فصل: والخِلافُ في بَيْعِ ذلك إنّما هو قبلَ حِيازَتِه.
فأمّا ما يَحُوزُه مِن الماءِ في إنائِه، أو يَأْخُذُه مِن الكَلَأِ في حَبْلِه، أو يحُوزُه في رَحْلِه، أو يَأْخُذُه مِن المعادِنِ، فإنّه يَمْلِكُه بذلك، بغيرِ خِلافٍ بينَ أَهْلِ العِلْمِ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «لأَنْ يَأْخُذَ أحَدُكُم حَبْلًا، فيَأْخُذَ حِزْمَةً مِن حَطَبٍ فَيَبِيعَها، فيَكُفَّ بها وَجْهَه، خيرٌ له مِن أن يَسْأَلَ النّاسَ، أُعْطِىَ أو مُنِعَ».
رَواهُ البُخارِىُّ 1. وقد رَوَى أبو عُبَيْدٍ في الأموالِ 2 عن المَشْيَخَةِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن بَيْعِ الماءِ، إلَّا ما حُمِلَ منه.
وعلى ذلك مَضَتِ العادَةُ في الأمْصارِ بِبَيْعِ الماءِ في الزَّوايَا، والحَطَبِ والكَلَأِ مِن غيرِ نكيرٍ، وليس لأَحدٍ أن يَشْرَبَ منه، ولا يَتَوَضَّأَ, ولا يَأْخُذَ إلَّا بإذْنِ مالِكِه؛ لأنّه مِلْكُه.
قال أحمدُ: إنّما نُهِىَ عن بَيْعِ فَضْلِ ماءِ البِئْرِ والعُيُونِ في قرارِه.
ويَجُوزُ بَيْعُ البِئْرِ نَفْسِها والعَيْنِ، ومُشْتَريها أحَقُّ بمائِها.
وقد
..................................
رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ يَشْتَرِى بئْرَ رُومَةَ، يُوَسِّعُ بها على المُسْلِمِينَ، وله الجَنَّةُ».
أو كما قال.
فاشْتَرَاها عثمانُ بنُ عَفّان، رَضِىَ اللَّهُ عنه، مِن يَهُودِىٍّ بأمْرِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وسَبَّلَها للمسلمين 1. ورُوِىَ أنّ عثمانَ اشْتَرَى منه نِصْفَها باثْنَىْ عَشَرَ أَلْفًا، ثم قال لليَهُودِىِّ: اخْتَرْ؛ إمّا أن تَأْخُذَها يَوْمًا وآخُذَها يَوْمًا، وإمّا أنْ تَنْصِبَ لك عليها دَلْوًا، وأَنْصِبَ عليها دَلْوًا، فاخْتَارَ يَوْمًا ويَوْمًا، فكان النّاسُ يَسْتَقونَ منها في يومِ عثمانَ لليَوْمَيْنِ، فقال اليَهُودِىُّ: أَفْسَدْتَ عَلَىَّ بِئْرِى، فاشْتَرِ باقِيَها.
فاشْتَراه بثَمانِيَةِ آلافٍ.
وفى هذا دَلِيلٌ على صِحَّةِ بَيْعِها وتَسْبِيلِها، ومِلْكِ ما يَسْتَقِيه منها، وجَوازِ قِسْمَةِ مائِها بالمُهايَأَةِ 2، وكونِ مالِكِها أحَقَّ بمائِها، وجوازِ قِسْمَةِ ما فيه حَقٌّ وليس بمَمْلُوكٍ.
فصل: فأمّا المَصانِعُ المُتَّخَذَةُ لِمياهِ الأَمْطارِ تَجْتَمِعُ فيها، ونحوُها مِن البِرَكِ وغيرِها، فالأَوْلى أنَّه يُمْلكُ ماؤُها، ويَصِحُّ بَيْعُه إذا كان
..................................
مَعْلُومًا؛ لأنَّه مُباحٌ حَصَّلَه بشئٍ مُعَدٍّ له، فمَلَكَه 1، كالصَّيْد يَحْصُلُ في شَبَكَتِه، والسَّمَكِ في بِرْكَةٍ مُعَدَّةٍ له، ولا يَحِلُّ 2 أخْذُ شئٍ منه بغيرِ إذْنِ مالِكِه.
وكذلك إن جَرَى مِن نهرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ ماءٌ إلى بِرْكَةٍ له في أرْضِه، يَسْتَقِرُّ الماءُ فيها لا يَخْرُجُ منها، فحُكْمُه حُكْمُ مِياهِ الأَمْطَارِ تَجْتَمِعُ في البِركَةِ، قِياسًا عليه.
واللَّهُ أعْلَمُ.
فصل: وإذا اشْتَرَى ممَّن في مالِه حَلالٌ وحَرام، كالسُّلْطانِ الظالِمِ والمُرَابِى؛ فإن عَلِمَ أنَّ المَبِيعَ مِن حَلالٍ، فهو حَلَالٌ، وإن عَلِمَ أنَّهُ مِن الحَرامِ، فهو حَرَامٌ، ولا يُقْبَلُ قولُ المُشْتَرِى عليه في الحُكْمِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أَنّ ما في يَدِ الإِنْسانِ مِلْكُهُ.
فإن لم [يَعْلَمْ مِن أيِّهما] 3 هو، كُرِه؛ لاحْتِمالِ التَّحْرِيمِ فيه، ولم يَبْطُلِ البَيْعُ؛ لإِمْكانِ الحَلالِ، سَواءٌ قَلَّ الحرامُ أو كَثُرَ.
وهذا هو الشُّبْهَةُ، وبقَدْرِ قِلَّةِ الحَرَامِ وكَثْرَتِه، تَكْثُرُ الشُّبْهَةُ وتَقِلُّ.
قال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى أنْ يَأْكُلَ منه؛ وذلك لِما رَوَى النُّعْمانُ بنُ بَشيرٍ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أمورٌ مُشْتَبِهاتٌ، لا يَعْلَمُها كثيرٌ مِنَ النّاسِ، فمَنِ اتَّقَى الشّبُهاتِ اسْتَبْرَأَ لدِينِه وعِرْضِه، ومَن وَقَعَ في الشُّبُهاتِ وَقَعَ في الحرامَ، كالرّاعِى يَرْعَى حولَ
..................................
الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فيه، ألَا وإنَّ لِكُلِّ ملِكٍ حِمًى، ألَا 1 وإنّ حِمَى اللَّهِ مَحارِمُه».
مُتَّفَقٌ عليه 2. واللَّفْظُ لمُسْلِمٍ.
ولَفْظُ البُخَارِىِّ: «فمَنْ تَرَكَ ما شُبِّهَ 3 عليه، كان لِما اسْتَبَانَ أتْرَكَ، ومَنِ اجْتَرَأَ على ما يَشُكُّ فيه مِن المأْثَمِ، أَوْشَكَ أنْ يواقِعَ ما اسْتَبانَ».
ورَوَى الحَسَنُ بنُ عَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنّه قال: «دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لَا يَرِيبُكَ» 4. وهذا مَذْهَبُ الشافِعِىِّ.
..................................
فصل: والمَشْكُوكُ فيه على ثَلَاثَةِ أضْرُبٍ؛ ما أصْلُه الحَظْرُ، كالذَّبِيحَةِ في بَلْدَةٍ فيها مَجُوسٌ وعَبَدَةُ أَوْثانٍ يَذْبَحُونَ، فلا يَجُوزُ شِراؤُها، وإنْ جازَ أنْ تكونَ ذَبِيحَةَ مُسْلِمٍ؛ لأنَّ الأصْلَ التَّحْرِيمُ، فلا يَجُوزُ إلَّا بِيَقِينٍ أو ظاهِرٍ.
وكذلك إنْ كان فيها أخْلاطٌ مِن المُسْلِمِينَ والمَجُوسِ، لم يَجُزْ شِراؤُها؛ لذلك.
والأصْلُ فيه حَدِيثُ عَدِىِّ بنِ حاِتمٍ: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ، فخالَطَ أَكْلُبًا لم يُسَمَّ عليها، فلا تَأْكُلْ، فإنَّكَ لا تَدْرِى أيُّها قَتَلَه».
مُتَّفَقٌ عليه 1. فأمّا إنْ كان ذلك في بَلَدِ الإِسْلامِ، فالظَّاهِرُ إباحَتُها؛ لأنَّ المُسْلِمِينَ لا يُقِرُّونَ في بَلَدِهم بَيعَ ما لا يَحِلُّ بَيْعُه ظاهِرًا.